← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وإذا تقرر أن الحجون بهذا المكان، فيكون ذلك حد المحصب من جهة مكة، كما هو مقتضى كلام الأزرقي المتقدم ذكره. ووقع للشيخ تقي الدين بن الصلاح في منسكه، والشيخ محيى الدين النووي في إيضاحه وغيره، والشيخ محب الدين الطبري في "القرى" ما يوهم أن حد المحصب من جهة مكة دون الموضع الذي أشرنا إليه في تفسير الحجون. ونص كلام ابن الصلاح: والمحصب بالأبطح، وهو ما بين الجبل الذي عنده مقبرة أهل مكة إلى الجبل الذي يقابله مصعدا في الشق الأيسر، وأنت ذاهب إلى منى مرتفعا عن بطن الوادي، وليست المقبرة منه، وإنما سمي المحصب لأن السيل يجمع فيه الحصباء ... انتهى. وكلام النووي والمحب مثل هذا ... انتهى. وللقاضي عز الدين بن جماعة في منسكه الكبير في حد المحصب كلام مثل هذا ولا تضاد بين ما ذكرناه في كون حد المحصب من جهة مكة الموضع الذي ذكرناه في تفسير الحجون، وبين ما قاله ابن الصلاح، ومن ذكر من العلماء أن المقبرة ليست من المحصب لأن سواد هؤلاء العلماء المشار إليهم أجمعوا على التحديد بالجبل الذي عنده مقبرة أهل مكة، في تعريفهم المحصب: الجبل الذي على يسار الهابط من ثنية كداء بفتح الكاف والمد، فإن مقبرة أهل مكة عنده، أو الجبل الذي على يمين الهابط من الثنية المشار إليها، فإن عنده أيضا مقبرة لأهل مكة، وأيهما كان المراد، فهو يقابل الموضع الذي ذكرناه في تفسير الحجون، فيكون هذا الموضع حد المحصب من جهة مكة، ويكون ما حاذاه من المقبرة مستثنى من عرض المحصب لا من طوله، ويتفق كلام هؤلاء من جهة مكة عند ابن الصلاح، ومن قال بقوله من الأئمة المشار إليهم، دون الموضع الذي أشرنا إليه في حد المحصب، وأن المقبرة غير داخلة في حده طولا، لقالوا حده من جهة مكة طرف المقبرة من أعلاها، ولم يحتاجوا إلى التنبيه على أن المقبرة لا تدخل فيه، فإن هذه العبارة وما شابهها يقتضي ذلك، ولكن لما كان المحصب من جهة مكة الموضع الذي أشرنا إليه ولم يكن في محاذاته سوى أحد الجبلين اللذين بينهما الثنية المشار إليها، قالوا في تعريفه: هو ما بين الجبل الذي عنده مقبرة أهل مكة، والجبل المقابل له؛ يعنون الحجون واستثنوا المقبرة مما بين الجبلين، لأن موضعهما ليس محصبا لمزدلفة، فإن المحصب هو ما سهل من الأرض لأن العلماء فسرو المحصب بأنه الموضع الذي يجتمع فيه حصب من السيل، وموضع المقبرة ليس بهذه الصفة، ويدل لصحة هذا التأويل أن المحصب هو الأبطح، والبطحاء على ما قال المحب الطبري، ولا ريب في كون الموضع الذي أشرنا إليه من الأبطح، والله أعلم.

стр. 457

وأما حد المحصب من جهة منى: فوقع في كلام الأزرقي ما يوهم أنه إلى حائط خرمان، وهو الأودان المعروفة بالخرمانية بأعلى المعابدة، ولفظ الأزرقي الذي أوهم كون هذا الموضع حد المحصب قوله في الحد السابق إلى حائط خرمان، ويحتمل أن لا يكون تعرض لحده، وإن أراد أن الموضع الذي ينزل من المحصب يكون على يسار الذاهب إلى منى، وعلى يسار الذاهب إلى حائط خرمان، وهو أقرب والله اعلم، لأني وجدت في كلام منقول عن الشافعي ما يقتضي أن حد المحصب من جهة منى جبل المقبرة وهو بقرب السبيل الذي يقال له سبيل الست، وطريق منى إلى جهته لا إلى جهة منى ونص الكلام الذي رأيته للشافعي في ذلك على ما نقل سليمان بن خليل في منسكه، قال الشافعي ﵁: المحصب ما بين الجبلين، جبل المقبرة، والجبل الآخر وهو على باب مكة بالأبطح، هكذا نقل الشيخ أبو حامد في التعليق ... انتهى من منسك ابن خليل، وهو يقتضي أن حد المحصب من جهة جبل المقبرة، وجبل العيرة حد الميل الثاني من الأميال التي ذكرها الأزرقي، فيما بين باب بني شيبة وموقف الإمام بعرفة، لأنه قال لما ذكر هذه الأميال: والميل الثاني في حد جبل المقبرة، وقال في موضع آخر: المقبرة الجبل الذي عند الميل على يمين الذاهب إلى منى ... انتهى. وقد اعتبرنا من باب بني شيبة إلى السبيل الذي يقال له سبيل الست فجاء ميلين، كل ميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، فاستفدنا من هذا أن جبل المقبرة عند هذا السبيل، وأنه حد المحصب من جهة منى، والله أعلم. وأما قول صاحب المطالع": المحصب بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، فليس بظاهر، وقد نبه على ذلك النووي، والله أعلم، والمحصب هو خَيْف بني كنانة التي تقاسمت فيه قريش على الكفر. العشرون: المروة، الموضع الذي هو منتهى السعي، هو في أصل جبل قعيقعان، على ما قال أبو عبيد الله البكري، وقال النووي: إنها أنف من جبل قعيقعان١. وذكر سليمان بن خليل سبب تسمية الصفا والمروة، وكذلك المحب الطبري ونص ما ذكره سليمان بن خليل: وقال جعفر بن محمد: نزل آدم ﵇ على الصفا، وحواء على المروة فسمي الصفا باسم آدم المصطفى، وسميت المروة باسم المرأة، وهي الصخرة الملساء، وجمع المروة المروات بمثل تمرة وتمرات. ونص ما ذكره المحب الطبري في شرح التنبيه: والصفا مقصور، وهو في الأصل: جمع صفا، وهو: الصخرة الملساء، والحجر الأملس، والمروة في الأصل: الحجر

стр. 458

الأبيض البراق، وقيل: الذي يقدح منه النار، فسمي الجبلان بذلك لتضمنهما هذا المعنى، والله أعلم ثم قال: وقد بني على الصفا والمروة أبنية حتى سترتهما، بحيث لا يظهر منهما شيء غير يسير في الصفا، قال: والمروة أيضا في وجهها عقد كبير مشرف، والظاهر أنه جعل علما لحد المروة، وإلا كان وضعه ذلك عبثا، وقد تواتر كونه حدا بنقل الخلف عن السلف، وتطابق الناسكون عليه، فينبغي للساعي أن يمر تحته ويرقى على البناء المرتفع عن الأرض ... انتهى. وذكر الأزرقي، والبكري في درج المروة ما يخالف حالها اليوم، أما الأزرقي فإنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: قلت: البناء المرتفع الذي أشار إليه المحب كهيئة الدكة، وله درجة ذكر وذكر ذرع ما بين الركن الأسود إلى الصفا، وذرع ما بين الصفا والمروة: وعلى المروة خمس عشرة درجة١ ... انتهى. وذكر في هذه الترجمة درج الصفا، ونص كلامه على الصفا اثنتي عشرة درجة من حجارة ... انتهى. وذكر البكري في درج المروة مثل ما ذكره الأزرقي. وذكر ابن جبير أن درج المروة خمس درجات٢، وذكر النووي أن فيها درجتين، والذي فيها الآن واحدة. والعقد الذي بالمروة جدد بعد سقوطه في آخر سنة إحدى وثمانمائة أو في التي بعدها، وعمارته هذه من جهة الملك الظاهر برقوق٣، صاحب مصر، واسمه مكتوب بسبب هذه العمارة في أعلى هذا العقد، وفي الصفا أيضا، وما أظن أن عقد الصفا بني، وإنما أظن أنه نور وأصلح، وسبب ترددي في ذلك أني رحلت من مكة في آخر سنة إحدى وثمانمائة رحلتي الثانية إلى الديار المصرية والشامية. ومن تحت هذا العقد٤ إلى أول درجة الدركة التي بالمروة داخل العقد: سبعة أذرع، ومن تحت العقد الذي بالمروة إلى الذي يستدبره مستقبل القبلة: ثمانية عشر ذراعا وثلثا ذراع، كل ذلك بذراع اليد، واتساع هذا العقد ستة عشر ذراعا بذراع الحديد المصري. والمروة أفضل من الصفا على ما قاله شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، وتلميذه الشهاب القرافي، لكونها تزاد من الصفا أربعا، والصفا لا يزاد منها إلا ثلاثا، وما كانت العبادة فيه أكثر فهو أفضل. وذكر القاضي عز الدين بن جماعة أن في ذلك نظرا، وقالوا: لو قيل بتفضيل الصفا لأن الله بدأ به لكان أظهر، ولو قيل بتفضيل المروة باختصاصها بالنحر والذبح دون الصفا لكان أظهر مما قالاه، والله أعلم ... انتهى.

стр. 459

الحادي والعشرون: المزدلفة، الموضع الذي يؤمر الحاج بنزوله والمبيت فيه بعد دفعه من عرفة ليلا، هو ما بين مأزمي عرفة ومحسر، ومأزمي عرفة هو الذي يقال له المضيق، وقد ذكر حد المزدلفة بما ذكرناه جماعة من العلماء، منهم: عطاء كما في تاريخ الأزرقي عنه١، والإمام الشافعي في كتابه "الأم"، لأنه قال: المزدلفة حدها من حيث يفيض من مأزمي عرفات إلى أن يأتي قرن محسر، هكذا على يمينك وشمالك من تلك المواطن القوائل، والظواهر، والنجاد، والوادي، كل ذلك من المزدلفة ... انتهى. وسميت مزدلفة لازدلاف الناس إليها، أي اقترابهم، وقيل: لمجيء الناس إليها زلفا من الليل، أي ساعات، وقيل غير ذلك، ويقال للمزدلفة: جمع سميت بذلك لاجتماع الناس بها، وقيل: لاجتماع آدم وحواء فيها، وقيل: لجمع الصلاتين فيها. وبها مسجد حول قزح، وهو صغير مربع ليس بالطويل الحيطان، طوله إلى جهة القبلة ستة وعشرون ذراعا إلا ثلث ذراع غير أن الجهة التي عن يسار المصلي تنقص في الطول عن الجهة اليمنى خمسة أذرع إلا ثلث ذراع، وعرضه اثنان وعشرون ذراعا، وفي قبلته محراب فيه حجر مكتوب فيه: أن الأمير يلبغ الخاصكي جدد هذا المكان بتاريخ ذي القعدة سنة ستين وسبعمائة٢. وقد ذكر الأزرقي صفة مسجد المزدلفة وذرعه٣، وذكرنا كلامه بنصه في أصل هذا الكتاب، وكان تحرير ما ذكرناه من ذرع هذا المسجد بحضوري، والذراع الذي حررناه به هو ذراع الحديد المتقدم ذكره، وطول المزدلفة من حدها الذي يلي منى، وهو طرف وادي محسر إلى حد مزدلفة الذي يلي عرفة، وهو أول المأزمين مما يلي المزدلفة سبعة آلاف ذراع وسبعمائة ذراع وثمانون ذراعا وأربعة أسباع، ومن جدار باب بني شيبة إلى حد مزدلفة من جهة منى ومكة عشرون ألف ذراع وخمسمائة ذراع وسبعة أذرع -بتقديم السين- وثلاثة أسباع ذراع، يكون ذلك أميال على القول بأن الميل ثلاثة ألاف ذراع وخمسمائة ذراع: خمسة أميال وستة أسباع ميل يزيد سبعة أذرع -بتقديم السين- وثلاثة أسباع ذراع، ومن باب المعلاة إلى حد المزدلفة المشار إليها ثمانية عشر ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وثمانون ذراعا وثلاثة أسباع ذراع بذراع اليد، يكون ذلك أميالا على القول

стр. 460

بأن الميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع: خمسة أميال وربع ميل يزيد خمسة أذرع وثلاثة أسباع ذراع، والله أعلم. الثاني والعشرون: المشعر الحرام الذي يستحب للحاج الوقوف عنده للدعاء والذكر، غداة يوم النحر، هو موضع معروف بالمزدلفة، وهو قزح الذي تقدم ذكره وحديث جابر ﵁ الطويل يدل على أن المشعر الحرام موضع من المزدلفة لا كلها، لأنه قال فيه بعد أن ذكر نزول النبي ﷺ بالمزدلفة ومبيته بها، وصلاته فيها الصبح: ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا وكبر وهلل ووحد، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس١. وفي حديث علي ﵁ السابق عند ذكر قزح ما يؤيد ذلك٢، لأن قزح هو المشعر الحرام، والله أعلم. وأما قول ابن عمر ﵄: المشعر الحرام المزدلفة كلها، ومثله في كثير من كتب التفسير، في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] فهو محمول على المجاز، أشار إلى ذلك المحب الطبري، والأفصح في المشعر الحرام فتح الميم، وكسرها لغة، حكاه الجوهري وغيره، ولم ترد إلا بالفتح، ومعنى المشعر الحرام أي الذي يحرم فيه الصيد وغيره، ويجوز أن يكون معناه ذا الحرمة، والله أعلم. وأحدث وقت بني فيه المشعر الحرام فيما علمت سنة تسع وخمسين وسبعمائة٣، أو في التي بعدها. ومن جدار باب بني شيبة إلى جدار المشعر الحرام الذي يلي مكة المكرمة خمسة وعشرون ألف ذراع وسبعمائة ذراع -بتقديم السين- وثمانية أذرع وأربعة أتساع ذراع ومن عتبة باب المعلاة إلى حد المشعر الحرام الذي يلي مكة ثلاثة وعشرون ألف ذراع، وستمائة ذراع وواحد وثمانون ذراعا وأربعة أسباع ذراع، يكون ذلك أميالا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع: ستة أميال وخمسة أسباع ميل ونصف عشر ميل، يزيد ستة أذرع وأربعة أسباع ذراع، والله أعلم. الثالث والعشرون: المطاف المذكور في كتب الفقهاء، وهو ما بين الكعبة ومقام إبراهيم الخليل ﵇ وما يقارب ذلك من جميع جوانب الكعبة، وقد أشار إلى

стр. 461

تعريفه بما ذكرناه الشيخ أبو محمد الجويني فيما نقله عنه ابن الصلاح في منسكه، لأنه قال: قال الشيخ أبو محمد: المطاف المعتاد الذي يستنكر ويستبعد مجاوزته هو ما بين الكعبة والمقام، ومن كل جانب في العادة أمارات منصوبة لا يكاد الناس يخرجون عنها ... انتهى. قلت: وهذا الموضع مفروش بالحجارة المنحوتة حول الكعبة من جوانبها، وعمل ذلك دفعات، حتى صار على ما هو عليه اليوم، وكان مصيره هكذا في سنة ست وستين وسبعمائة، والمعمول منه في هذه السنة جانب كبير جدا، وهاتان العمارتان من جهة الملك الأشرف شبعان صاحب مصر١. وعمر المطاف من ملوك مصر: الملك المنصور لاجين المنصوري٢، واسمه مكتوب بسبب ذلك في رخامة بين الركن اليماني والحجر الأسود، وعمره من الخلفاء: المستنصر العباسي في سنة إحدى وثلاثين وستمائة٣، واسمه مكتوب بسبب ذلك في الحفرة التي عند باب الكعبة. قد بين الفاكهي أول من فرش الحجارة في موضع الطواف ومقدار ذلك، وما كان يضع في موضعه، لأنه قال: ذكر فرش الطواف بأي شيء هو، قال بعض المكيين: إن عبد الله بن الزبير ﵄ لما بنى الكعبة وفرغ من بنائها وخلقها وطلاها بالمسك، وفرش أرضها من داخلها، بقيت من الحجارة بقية، ففرش بها حول المطاف كما يدور البيت نحوا من عشرة أذرع، وذلك الفرش باق إلى اليوم، إذا جاء الحاج في الموسم، جعل على تلك الحجارة رمل من رمل الكثيب الذي بأسفل مكة يدعى كثيب الرمضة، وذلك أن الحجبة يشترون له مدر ورملا كثيرا فيجعل في الطواف، ويجعل الرمل فوقه، ويرش بالماء حتى يتلبد، ويؤخذ بقية ذلك الرمل فيجعل في زاوية المسجد الذي يلي باب بني سهم، فإذا خف ذلك الرمل والمدر أعادوه عليه ورشوا عليه الماء حتى يتلبد، فيطوف الناس عليه، فيكون ألين على أقدامهم في الطواف، فإذا كان الصيف وحمي ذلك الرمل من شدة الحر فيؤمر غلمان زمزم وغلمان الكعبة أن يستقوا من ماء زمزم في قرب، ثم يحملونها على رقابهم حتى يرش به رمل الطواف فيتلبد ويسكن حره، وكذلك أيضا يرشون الصف الأول، وخلف المقام كما يدور الصف حول البيت ... انتهى. وقد اعتبر بعض أصحابنا بحضوري مقدار ما بين منتهى ذلك وبين الكعبة المعظمة من جميع جوانبها، فكان مقدار ما بين الحجر الأسود وطرف البلاط المحاذي له على

стр. 462

الاستواء في الجهة اليمنية خمسة وعشرين ذراعا إلا ثلث ذراع، وما بين الحجر الأسود وطرف البلاط المحاذي لوسط مقام الحنابلة اثنتين وعشرين ذراعا وثلث ذراع، وما بين الحجر وجدار زمزم ثلاثون ذراعا وثلثي ذراع، وما بين الركن الشامي الذي يقال له العراقي وآخر تدوير المطاف المسامت له إلى الجهة الشرقية أربعة وعشرون ذراعا ونصف، ومن الركن الشامي إلى آخر البلاط المحاذي له في الجهة الشامية سبعة وثلاثون ذراعا وربع ذراع، وما بين الركن الغربي وآخر البلاط المحاذي له من الجهة الشامية والغربية ثلاثون ذراعا، وما بين نصف الجهة الغربية من الكعبة وآخر البلاط المقابل له من الجهة الغربية تسعة وعشرون ذراعا إلا ثلث ذراع، وما بين الركن اليماني وآخر البلاط المقابل له من جهته اليمنى سبعة وعشرون ذراعا وثلث ذراع، وكذلك ما بين وسط الجهة اليمانية من الكعبة وآخر البلاط المحاذي له، والذراع المحرر به هو الذراع الحديد المتقدم ذكره. وينبغي للطائف أن لا يخرج عن هذا المكان في طوافه، لأن في "الجواهر" لابن شاش على مذهب الإمام مالك ﵁: لا يطوف من وراء زمزم ولا من وراء السقائف، فلو فعل مختارا أعاد، ما دام بمكة، فإذا رجع إلى بلده فهل يجزيه الهدي أم يلزمه الرجوع؟ للمتأخرين قولان ... انتهى، ونحوه لابن بشير، وابن الحاجب في مختصره، وقد بسطنا هذه المسألة في أصل هذا الكتاب، والسقائف، أروقة المسجد الحرام. وأما مقدار الطواف بالكعبة: فذكره الأزرقي، وسليمان بن خليل وبينهما في ذلك اختلاف، لأن الأزرقي ذكر أن طواف سبع بالكعبة ثمانمائة ذراع وستة وثلاثون ذراعا وعشرون أصبعا١ ... انتهى. وذكر سليمان بن خليل أن ذرع موضع الطواف مائة ذراع وسبعة أذرع ... انتهى. وما ذكره سليمان بن خليل في مقدار موضع الطواف يقتضي أن يكون الطواف بالكعبة: سبعمائة ذراع وتسعة -بتقديم التاء على السين- وأربعين ذراعا، وذلك ينقص عما ذكره الأزرقي في مقدار ذلك: سبعة وثمانين ذراعا وعشرين إصبعا، والله أعلم بالصواب. وذكر ابن خرداذبه ما يوافق ما ذكره ابن خليل، لأنه قال: ودور البيت مائة ذراع وسبعة أذرع٢ ... انتهى، ولعل ابن خليل قلده في ذلك، والله أعلم.

стр. 463

الرابع والعشرون: منى الموضوع الذي يؤمر الحاج بنزوله والإقامة به حتى تطلع الشمس على ثبير، في يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفيما بعده من أيام التشريق، والمبيت به في ليالي أيام التشريق، والمبيت به في ليالي التشريق، لأن رمي الجمار هو من أعلى العقبة التي فيها الجمرة التي تلي مكة المعروفة بجمرة العقبة، إلى وادي محسر، وقد حد منى بذلك عطاء بن أبي رباح، فيما ذكره عنه الفاكهي، لأنه قال: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثني يحيى بن محمد ثوبان، عن رباح عن الزنجي بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء قال: حد منى رأس العقبة مما يلي منى إلى النحر١ ... انتهى. وقوله: إلى النحر تصحيف صوابه إلى محسر، لأنه حد منى من جهة المزدلفة على ما قال غير واحد من العلماء، ولم يقل أحد إن النحر حد بمنى، وما ذاك إلا لبعد حدها عن محسر وقربه إلى حد منى من جهة مكة. وفي تاريخ الأزرقي عن عطاء ما يوافق ما ذكرنا أنه الصواب، والله أعلم، وما ذكرناه عن عطاء نفهم أن أعلى العقبة من منى. وذكر الإمام الشافعي ﵁ ما يقتضي أن العقبة ليست من منى، لأنه قال: وحد منى ما بين قرى وادي محسر إلى العقبة التي عندها الجمرة الدنيا إلى مكة، وهي جمرة العقبة التى بايع رسول الله ﷺ الأنصار عندها، وليست محسرا، ولا العقبة من منى، وسواء سهل ذلك وجبلها، وعامرها وخرابها، فأما الجبال المحيطة بجانبيها مما أقبل منها على منى فهو منها، وما أدبر من الجبال فليس منها ... انتهى. هكذا نقل عنه سليمان بن خليل في منسكه. وقال المحب بعد أن ذكر في حد منى، معنى هذا: والعقبة التي ينسب إليها الجمرة منه٢، قلت: كلام المحب الطبري في "القرى" صريح في أن جمرة العقبة من منى. ونقل عنه ابن جماعة في منسكه على ما أخبرني عنه خالي أنه قال: إن العقبة من منى، ولم يقل عن أحد أن الجمرة ليست من منى ... انتهى. وهذا يخالف ما يقتضيه كلام الشافعي، والنووي من أن العقبة ليست من منى، والله أعلم بالصواب. وقد ذكر الإمام الأزرقي في ذرع منى، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: وذرع منى من جمرة العقبة إلى وادي محسر سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع، وعرض منى عن مؤخر المسجد الذي يلي الجبل إلى الجبل٣ بحذائه العقبة ستة وعشرون ذراعا، وعرض الطريق الأعظم حيال الجمرة الأولى، وهي الطريق الوسطى ثمان وثلاثون

стр. 464

ذراعا١، ثم قال: وذرع الطريق طريق العقبة على الجدار إلى الجدار الذي بحذائه سبعة وستون ذراعا، وعرض الطريق الأعظم من العقبة المدرجة: ستة وثلاثون ذراعا٢. وذكر الفاكهي أن الطريق الوسطى طريق النبي ﷺ التي سلكها النبي ﷺ يوم النحر من قزح إلى جمرة العقبة ولم تزل أئمة الحج تسلكها حتى تركت سنة المائتين٣ ... انتهى باختصار. واختلف في سبب تسمية منى٤، فقيل: لما بها من الدماء المشروعة في الحد بمنى، أي يراق ويصب، وهذا هو المشهور الذي قاله جمهور العلماء من أهل اللغة وغيرهم على ما قال النووي٥، وقيل: لِمَنِّ الله على الخليل بفداء ابنه فيها، وقيل: لِمَنِّ الله تعالى فيها بالمغفرة على عباده، وهذان القولان في "منسك ابن خليل". وقيل: لاجتماع الناس بها: والعرب تقول لكل مكان يجتمع فيه الناس منى، ذكره الفاكهي بهذا اللفظ، وقيل غير ذلك من الأقوال التي ذكرناها في أصل هذا الكتاب. واختلف في صرف منى، واقتصر ابن قتيبة في "أدب الكاتب" على أنها لا تصرف٦، واقتصر الجوهري في "الصحاح" على أن منى مصروف، والأجود فيه، الصرف على ما ذكر النووي، وقال إنها بكسر الميم. وقد بسطنا هذه المسألة أيضا في أصل هذا الكتاب. ومنى علم لمكان آخر غير منى، كما ذكر أبو الفرج الأصبهاني صاحب "الأغاني" لأنه أنشد أبياتا للبيد بن ربيعة أولها: عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها٧ ثم قال: عفت: درست، ومنى: موضع في بلاد بنى عامر ليست بمكة.

стр. 465

ذكر حكم البناء بمنى: أخبرني إبراهيم بن محمد الدمشقي١ سماعا بالمسجد الحرام أن أحمد بن أبي طالب أخبره قال: أخبرنا ابن اللتي قال: أخبرنا أبو الوقت قال: أخبرنا الداوودي قال: أخبرنا ابن حمويه قال: أخبرنا عيسى بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: أخبرني إسحاق قال: أخبرنا وكيع قال: أخبرنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهاك، عن أمه مسيكة وأثنى عليها خيرا عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله ألا نبني لك بيتا يظلك؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، إنما هو مناخ من سبق". أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده بهذا الإسناد، ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك؟ فقال رسول الله ﷺ "لا إنما، هو مناخ من سبق" ٢. أخبر به أبو داود عن أحمد بن حنبل والترمذي. قال أبو اليمن ابن عساكر٣ بعد إخراجه لهذا الحديث: ومفهوم هذا الخطاب يدل على أنه لا يجوز إحياء شيء من مواتها، ولا تملك جهة من جهاتها فلا ينبغي لأحد أن يختص بمكان من أماكنها دون غيره، فيحظر عليه حظارا أو يتخذه دارا، بل الناس في النزول بها شرع واحد وأهل مكة وسواهم في ذلك سواء، قال الله : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] الضمير في قوله "فيه" مختلف فيه بين أهل العلم، فمن قال أراد به جميع الحرم وهو الأكثر منع من جواز إحياء مواتها وتملكها، ومن ملك منها شيئا قبل ذلك كان هو وسواه في منافعه سواء، فلا يجوز له بيعه ولا كراؤه، ثم قال: ومن تأول الآية على المسجد أجاز بيع دورها وكراءها، وبه قال أبو يوسف والشافعي، وكره مالك ﵀ على جميعهم البيع والكراء. وفي جواز إحياء موات عرفة ومزدلفة اختلاف بين أهل العلم، وما ذكرناه من منى أولى بالمنع، لقوله ﷺ : "إنما هو مناخ لمن سبق" وإنما في كلام العرب لإثبات المذكور ولنفي ما سواه، والله أعلم ... انتهى باختصار من كلامه عن بعض ما استدل به على عدم الاختصاص في ذلك. وقال المحب الطبري في "القرى" لما تكلم على هذا الحديث، وقد احتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها، ثم قال: قلت: فيحتمل أن يكون ذلك مخصوصا بمنى لمكان اشتراك الناس في النسك المتعلق بها، فلم ير رسول الله ﷺ لأحد اقتطاع موضع فيها للبناء ولا غيره، بل الناس فيها سواء، وللسابق حق السبق، وكذلك الحكم في عرفة ومزدلفة إلحاقا بها ... انتهى. وجزم النووي في "المنهاج" من زوائده بأن منى ومزدلفة لا يجوز إحياء مواتها كعرفة، والله أعلم ... انتهى.

стр. 466

ونقل عن الشافعي أنه بنى بمنى مضربا ينزل فيه أصحابه إذا حجوا، روى عنه ذلك أبو ثور، وهو أحد رواة القديم، وتمسك به بعضهم على جواز البناء بمنى. وفي العمل به على تقدير صحته عن الشافعي نظر لأمرين: أحدهما: أن الشافعي قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. والحديث الوارد في النهي عن البناء بمنى تقوم به الحجة، لأن الترمذي حسنه، وأبا داود سكت عنه، فهو فى معنى الصحيح لقيام الحجة به على ما هو مقرر في علم الحديث، فالشافعي حينئذ يقول به ويصير ذلك مذهبه وصحبه، ومثل هذا لا ينكر، لأنه وقع للنووي مثله في غير مسألة، ولعله لحظ هذا فيما ذكره من عدم جواز إحياء موات منى ومزدلفة، مع قياسهما على عرفة لمشاركتهما لعرفة في علة الحكم، والله أعلم. والأمر الثاني: أنه لا ريب في أن الشافعي على تقدير ثبوت بنائه بمنى لم يكن يحجز بناءه على أحد، ولا يأخذ على النزول فيه أجرا، وأن بناءه بمنى لأجل الارتفاق به من جهة الظل وصيانة الأمتعة، وشبه ذلك فلا يقاس عليه من لم يقصد ببنيانه إلا الاختصاص بنزوله وأخذ الأجرة على نزوله، كما هو الغالب من أحوال أهل العصر، وإلحاق من هو بهذه الصفة لمن حسنت نيته عند الشافعي لا يحسن، والله أعلم. وسمعت قاضي الحرم جمال الدين أبا حامد بن ظهيرة١ أبقاه الله تعالى إن جدي لأمي قاضي مكة أبا الفضل النويري ﵀ كان ينكر البناء بمنى ويشدد فيه، وينهى أشد النهي ... انتهى بالمعنى. وأما ما أفتى به الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفوني الشافعي مؤلف "مختصر الروضة" من أن منى كغيرها في جواز بيع دورها وإجارتها فإن ذلك غير سديد نقلا ونظرا، وأما النقل فلمخالفته مقتضى الحديث، وكلام النووي، وابن عساكر، والمحب الطبري، وغيرهم، وأما النظر، فلأن أعظم ما يمكن أن يتمسك به في ذلك كون موات الحرم يجوز إحياؤهن ومنى من الحرم، فيملك ما أحيا فيها ويجري فيه أحكام الملك، وهذا لا يستقيم لأن في منى أمرا زائدا يقتضي عدم إلحاقها بموات الحرم، وهو كونها متعبدا ونسكا لعامة المسلمين، فصارت كالمساجد وغيرها من المسبلات، وما هذا شأنه لا اختصاص فيه لأحد إلا بالسبق في النزول لا بالبناء، إذ هو ممتنع فيه، فالبناء بمنى ممتنع حينئذ، ولا يملك، ولا يكون كغيره مما يصح تملكه، ويجري حكم البناء بمنى على حكم البناء بعرفة لمساواتها لعرفة في السبب الذي لأجله امتنع البناء بعرفة على الأصح، فمنى كذلك، والله أعلم.

стр. 467

ما جاء في فضل منى وما ذكر فيها من الآيات: أما فضل منى فمشهور، ولم نذكره إلا للتبرك به، وقد تقدم منه ما ذكرناه عند ذكر مسجد الخيف، ومنه ما رويناه في "صحيح ابن حبان" وغيره من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنت بين الأخشبين من منى -ونفخ بيده نحو المشرق- فإن هناك واديا يقال له: وادي السرر، به سرحة سر تحتها سبعون نبيا" ... انتهى باختصار. قال المحب الطبري بعد أن أخرج هذا الحديث: شرح قوله: سرر تحتها أي قطعت سررهم، والسرر ما تقطعه القابلة من المولود، والباقي مع القطع يقال له السرة، والمقطوع السَّرر والسُّرر، والمراد أنهم ولدوا تحت تلك السرحة، والموضع الذي هي فيه يسمى وادي السرر بضم السين، وقيل بفتحها وقيل بكسرها، والراء مفتوحة في الأحوال الثلاثة١ ... انتهى. ولم يبين المحب موضع هذا الوادي وما عرفته أنا أيضا، وأخشبا منى: الجبلان اللذان هما بينهما، وهما ثبير الذي على يسار الذاهب إلى عرفة وما يليها، والصفائح وهو الذي يلحقه مسجد الخيف. وأما الآيات التي بمنى فخمس آيات منها: رفع ما يقبل من حصى الجمار بمنى، ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين. وقد روينا في رفع المتقبل من ذلك أخبار، منها ما رويناه بالسند المتقدم إلى الأزرقي قال: حدثني جدي قال: حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم عن أبي الطفيل قال: قلت له يا أبا الطفيل هذه الجمار ترمى في الجاهلية والإسلام كيف لا يكون هضابا يسد الطريق؟! قال: سألت عنها ابن عباس فقال: إن الله وكل بها ملكا، فما يقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه ترك٢، ورويناه في تاريخ الأزرقي في رفع ما يقبل من حصى الجمار عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري. وقال المحب الطبري في "شرح التنبيه": وقد أخبرني شيخنا أبو النعمان بشير بن أبي بكر حامد التبريزي شيخ الحرم الشريف ومفتيه أنه شاهد ارتفاع الحجر عيانا، واستدل المحب على صحة ذلك، وذكرنا كلامه في أصل هذا الكتاب، وذكر هذه الآية شيخنا القاضي مجد الدين قال: وقد خمنت مرة فاقتضى قياس العقل والحساب وعدد السنين

стр. 468

والأعوام التي حج فيها البيت، ورميت الجمار أن يكون المتراكم عند كل جمرة من الحصى ما يوازي مساحة خمسين ذراعا في مثلها في وجه الأرض، ويرتفع في العلو ارتفاع جبل ثبير، ولكن لله فيها سر كريم من أسراره الخفيات لا إله سواه ... انتهى. ومن الآيات التي بمنى اتساعها للحجاج في أيام الحج مع ضيقها في الأعين عن ذلك، روينا بالسند المتقدم إلى الأزرقي قال: حدثني محمد بن يحيى قال: أخبرنا سليم بن مسلم عن عبد الله بن أبي زياد عن أبي الطفيل قال: سمعت ابن عباس ﵄ يسأل عن منى، ويقال له: عجبا لضيقه في غير الحج، فقال ابن عباس: إن منى يتسع بأهله كما يتسع الرحم للولد١. ومنها: كون الحدأة لا تخطف اللحم بمنى أيام التشريق. ومنها: أن الذباب لا يقع في الطعام، وإن كان لا ينفك عنه في الغالب، كالعسل وشبهه، ذكر هاتين الآيتين المحب الطبري مع آية الجمار، ونص كلامه: الثانية أن الحدأة مع تولعها بخطف اللحم حيث رأته حتى لو رأت بيد إنسان خرقة حمراء انقضت عليه حتى تخطفها منه، وفي منى اللحم مشرق على الجدارات والأسطحة والجبال، والحدأة تحوم حوله ولا تستطيع أن ترزأ أصحابه منه شيئا. الثالثة: أن الطعام الحلو المقتضي لاجتماع الذباب في الأمكنة الخالية يكثر بمنى في أيام منى، ولا يقع الذباب على شيء منه، فضلا عن غيره من الأطعمة، ولو أكل في غير هذه الأيام بمنى أو غيرها ما يهنأ الإنسان لكثرة اجتماع الذباب عليه، هذا مما شاهدناه مكررا في أعوام ... انتهى. ومن الآيات التي بمنى في أيام الحج: قلة البعوض بها على ما ذكر أبو سعيد الملا في "شرف النبوة" فيما حكى عنه شيخنا القاضي مجد الدين الشيرازي في كتابه "الوصل والمنى في فضل منى"، لأنه قال: وقال أبو سعيد في "الوفا بشرف المصطفى" ﷺ : كنت ليلا بمنى في غير أيام الموسم وكنت ساهرا أكثر الليل أتأذى من البعوض، فلما كان من الغد سألت بعض أهل الحرم عن البعوض فقال: جميع السنة يكون كثيرا إلا أيام منى فإنه يقل فيها ... انتهى بنصه، والله أعلم. ذكر مقدار ما بين منى ومكة: ومنى ستة أميال، وتعقب ذلك النووي قال: إن بينهما ثلاثة أميال، وجزم بذلك في غير موضع من كتبه٢، وذكر المحب الطبري في "القرى" أن منى من مكة على أربعة أميال٣، ذكر ذلك في الترجمة التي ذكر فيها اتساع منى

стр. 469

وأسماءها: وقد حررنا ذلك بالأذرع، والأميال على مقتضى الأقوال الأربعة في مقدار الميل، فأما مقدار ما بين باب بني شيبة ومنى بالأذرع فإنه ثلاثة عشر ألف ذراع وثلاثمائة وذراع وثمانية وستون ذراعا، يكون ذلك أميالا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع: ثلاثة أميال وأربعة أخماس ميل وخمس عشر ميل ينقص ذراعين. وما مقدار ما بين باب المعلاة وحد منى من جهة مكة، فهو أحد عشر ألف ذراع ومائة ذراع، وأحد وأربعون ذراعا وسبع ذراع، يكون ذلك أميالا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع، وخمسمائة ذراع: ثلاثة أميال وخمس ميل وخمس خمس عشر ميل، يزيد ذراعا وسبع ذراع. وقد ذكرنا في أصل هذا الكتاب مقدار ما بين باب بني شيبة ومنى، وما بين باب المعلاة ومنى بالأميال على مقتضى الأقوال الأربعة في مقدار الميل. الخامس والعشرون: الميلان الأخضران اللذان يهرول الساعي بينهما في سعيه بين الصفا والمروة: هما العلمان اللذان أحدهما: بركن المسجد الذي فيه المنارة التي يقال لها: منارة باب علي، والآخر: في جدار المسجد الذي يقال له: باب العباس، والعلمان المقابلان لهذين العلمين: أحدهما في دار عباد بن جعفر، ويعرف اليوم بسلمة بنت عقيل، والآخر في دار العباس، ويقال لها اليوم: رباط العباس، ويسرع الساعي إذا توجه من الصفا إلى المروة إذا صار بينه وبين العلم الأخضر الذي بالمنارة المشار إليها، والمحاذي له نحو ستة أذرع، على ما ذكر صاحب "التنبيه" وغيره، قال المحب الطبري في شرحه للتنبيه: وذلك لأنه أول محل الأنصاب في بطن الوادي، قال المحب الطبري في شرحه للتنبيه: وذلك لأنه أول محل الأنصاب في بطن الوادي، وكان ذلك الميل موضوعا على بناء، ثم على الأرض في الموضع الذي شرع منه ابتداء السعي، وكان السيل يهدمه ويحطمه، فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، ولم يجدوا على السنين أقرب من ذلك الركن، فوقع متأخرا عن محل ابتداء السعي بستة أذرع ... انتهى. وذكر سليمان بن خليل نحو ذلك بالمعنى، وسبقهما إلى نحو ذلك إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ﵀ ولم يذكر الأزرقي سبب هذا التغيير مع كونه ذكر أن بالمنارة المشار إليها علم السعي، وهذا يقتضي أن يكون التغيير المشار إليه وقع في عصره أو قبله، ويبعد أن يكون لتغيير ذلك سبب، ولا يذكره الأزرقي، كما يبعد خفاء سبب ذلك عليه، إلا أنه كثير العناية بهذا الشأن، والله أعلم. ومقتضى ما ذكره من إسراع الآتي من الصفا إلى المروة قبل هذا العلم بنحو ستة أذرع، أن الساعي إذا قصد الصفا من المروة لا يزال يهرول حتى يجاوز هذين العلمين بنحو ستة أذرع، لأجل العلة التي شرع لأجلها الإسراع في التوجه إلى المروة، والله أعلم.

стр. 470

وذكر الأزرقي صفة هذه الأعلام: وأن ذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى العلم الذي بحذائه على باب دار العباس ﵁ عرض المسعى: خمسة وثلاثون ذراعا ونصف، وقال: من العلم الذي على باب دار العباس بن عبد المطلب ﵁ إلى العلم الذي عند دار ابن عباد الذي بحذاء العلم الذي في حد المنارة وبينهما الوادي: مائة ذراع وأحد وعشرون ذراعا١. يعني طول ما بين هذين العلمين لا عرض ما بينهما، وقد حررنا مقدار ما بين هذه الأعلام طولا وعرضا، وذلك أن من العلم الذي في حد باب المسجد الحرام المعروف بباب العباس عند المدرسة الأفضلية إلى العلم الذي يقابله في الدار المعروفة بدار العباس: ثمانية وعشرون ذراعا إلا ربع ذراع بذراع الحديد، يكون ذلك بذراع اليد إحدى وثلاثين ذراعا وخمسة أسباع ذراع، وذلك ينقص عما ذكره الأزرقي في مقدار هذين العلمين. ومن العلم الذي بالمنارة المعروفة بمنارة باب علي إلى الميل المقابل له في الدار المعروفة بدار سلمة: أربعة وثلاثون ذراعا ونصف ذراع وقيراطان، بذراع الحديد، يكون ذلك بذراع اليد سبعة -بتقديم السين- وثلاثين ذراعا ونصف ذراع وسدس سبع ذراع، ومن العلم الذي بباب المسجد المعروف بباب العباس إلى العلم الذي بمنارة باب علي: مائة ذراع وثلاثة أذرع وربع ذراع بذراع الحديد، يكون ذلك باليد مائة ذراع: وثمانية عشر ذراعا. ومن الميل الذي بدار العباس إلى الميل الذي بالدار المعروفة الآن بدار سلمة ستة وتسعون ذراعا -بتقديم التاء- وثلث ذراع بالحديد، يكون ذلك باليد مائة ذراع وعشرة أذرع وثلثي سبع ذراع١. وذكر الأزرقي أن من العلم الذي على باب المسجد إلى المروة خمسمائة ذراع ونصف ذراع. وقد حررنا مقدار ما بين العلم المشار إليه والأزج الذي بالمروة، فكان ذلك أربعمائة ذراع واثنين وتسعين ذراعا -بتقديم التاء- وثلث ذراع بذراع اليد، وحررنا ما بين العلم الذي بالمنارة ووسط عقد الصفا، فكان من سمت الميل الذي بالمنارة إلى عقود الصفا: مائة ذراع وستين ذراعا بذراع اليد. وذكر الأزرقي ما يقتضي أن موضع السعي فيما بين الميل الذي بالمنارة والميل المقابل له لم يكن مسعى إلا في خلافة المهدي العباسي بتغيير موضع السعي قبله في هذه الجهة، وإدخاله في المسجد الحرام في توسعة المهدي له ثانيا، لأنه قال: حدثني

стр. 471

جدي قال: لما بنى المهدي المسجد الحرام، وزاد فيه الزيادة الأولى: اتسع أعلاه وأسفله وشقه الذي يلى دار الندوة والشامي، وضاق شقه اليماني الذي يلي الوادي والصفا، فكانت الكعبة في شق المسجد، وذلك أن الوادي كان داخلا لاصقا بالمسجد في بطن المسجد اليوم، قال: وكانت الدور وبيوت الناس من ورائه في موضع الوادي اليوم، إنما كان موضعه دور الناس وإنما كان ذلك من المسجد إلى الصفا في بطن الوادي، ثم يسلك في زقاق ضيق، حتى يخرج إلى الصفا من التفات البيوت فيما بين الوادي والصفا. وكان السعي في موضع المسجد الحرام اليوم، وكان باب دار محمد بن عباد بن جعفر عند جدار ركن المسجد الحرام اليوم، عند موضع المنارة الشارعة في بحر الوادي، فيها علم المسعى، وكان الوادي يمر دونها في موضع المسجد الحرام اليوم. ثم قال الأزرقي بعد أن ذكر شيئا يتعلق بالزيادة، في هذا الجانب: فابتدءوا عمل ذلك في سنة سبع وستين ومائة، واشتروا الدور وهدموها، فهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العائذي، وجعلوا المسعى والوادي فيها١ ... انتهى. والظاهر والله أعلم أن إجراء المسعى بموضع السعي اليوم، وإن كان تغير بعضه عن موضع المسعى قبله لتوالي الناس من العلماء وغيرهم على السعي بموضع المسعى اليوم، ولا خفاء في تواليهم على ذلك، كما لا خفاء في شهرة كتاب الأزرقي شرقا وغربا، وإحاطة العلماء المتأخرين بما فيه، سيما علماء الحرم، ولو سلم أن من تأخر عن الأزرقي لم يعلموا بما في كتابه، فهو معروف عند علماء الحرم وغيرهم ممن وقع ذلك التغيير في زمنهم لمشاهدتهم له، وما حفظ عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا أنه سعى في غير المسعى اليوم، وحال من بعد هؤلاء العلماء كحالهم، إلا في عدم مشاهدتهم لتغيير ذلك، فيكون إجزاء السعي بمحل المسعى اليوم مجمعا عليه عند من وقع التغيير في زمنهم وعند من بعدهم. والله أعلم. السادس والعشرون: نمرة، الموضع الذي يؤمر الحاج بنزوله إذا توجه من منى في يوم عرفة، وهو بطن عرنة، بالنون، على ما ذكره ابن خليل في منسكه. وقال المحب الطبري في "القرى": ونمرة بفتح النون وكسر الميم وبراء مهملة، موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمين الخارج من المأزمين، أي الموقف، وقد كانت عائشة تنزل بها، ثم تحولت إلى الأراك، قاله ابن المنذر٢. وقال في "شرح التنبيه": ونمرة، بفتح النون وكسر الميم، موضع عند الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الوقوف، وتحت جبل

стр. 472

نمرة غار أربعة أذرع أو خمسة، ذكروا أن النبي ﷺ كان ينزله يوم عرفة حتى يروح إلى الموقف، ومن الغار إلى مسجد عرفة ألفا ذراع وأحد عشر ذراعا. وقال البغوي وغيره: وهي موضع قريب من عرفة. وقال ابن الصباغ: هي من عرفة، والمشهور أنها ليست منها، وعليه الأكثر ... انتهى. وقال النووي: ونمرة موضع معروف بقرب عرفات، خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات، وقال: وهو بفتح النون وكسر الميم١. ويجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، فتبقى ثلاثة أوجه في نظائرها ... انتهى. وقيل: إن نمرة هذه من الحرم، روي عن سفيان بن عيينة، حكاه عن الماوردي في حاويه، على ما ذكر المحب الطبري في "القرى"، لأنه قال: وذكر الماوردي في كتابه "الحاوي" عن سفيان بن عيينة، أن قريشا كانوا لا يخرجون من الحرم في يوم عرفة، ويقفون بنمرة دون عرفة في الحرام٢ ... انتهى باختصار، ذكر ذلك المحب الطبري في كتابه "القرى" في الباب العاشر، وقال بعد أن حكى عن سفيان بن عيينة ما ذكرناه، ثم قوله: إن نمرة من الحرم فيه نظر، وكلام الجمهور يدل أنها ليست منه٣ ... انتهى. وذكر الأزرقي ما يوافق ما ذكره سفيان في نمرة، لأنه روى عن ابن عباس خبرا فيه ذكر الحمس وشيء من خبرهم، وفيه: يقصرون عن مناسك الحج، والموقف من عرفة، وهو من المحل، فلم يكونوا يقفون به ولا يفيضون منه، وجعلوا موقفهم في طرف الحرم من نمرة بمفضى المأزمين، يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة ... انتهى. ونمرة أيضا: موضع آخر بقديد، ذكره المحب في "القرى" ... انتهى، والله أعلم.

стр. 473

الباب الثالث والعشرون: ذكر المدارس بمكة المشرفة: المدارس الموقوفة بمكة إحدى عشرة مدرسة فيما علمت: منها بالجانب الشرقي من المسجد الحرام: مدرسة الملك الأفضل عباس ابن الملك المجاهد صاحب اليمن، على فقهاء الشافعية، وقفت قبيل سنة سبعين وسبعمائة بتقديم السين فيهما وفي هذه السنة ابتدأ التدريس بها١. ومنها بالجانب الشامي منه: مدرسة بدار العجلة، وهي التي على يمين الخارج من باب المسجد المعروف بباب العجلة، ولم أدر من وقفها ولا متى وقفت؟ ثم عمل فيها الآمر أُرْغُون النائب درسا للحنفية قبيل العشرين وسبعمائة أو بعدها بيسير، في أوائل عشر الثلاثين وسبعمائة. ومنها بالجانب الغربي منه: ثلاث مدارس، وهي: مدرسة الأمير فخر الدين عثمان بن علي الزنجيلي نائب عدن، على باب العمرة، وتعرف الآن بدار السلسلة، وقفها على الحنفية سنة تسع وسبعين وخمسمائة٢، ومدرسة طاب الزمان الحبشية عتيقة المستضيء العباس، وهو الموضع المعروف بدار زبيدة، وقفتها في شعبان سنة ثمانين وخمسمائة على عشرة من الفقهاء الشافعية٣.

стр. 474

ومدرسة الملك المنصور عمر بن علي ابن رسول، صاحب اليمن بين هاتين المدرستين وعمارتها في سنة إحدى وأربعين وستمائة١ على يد الأمير فخر الدين الشلاج أمير مكة، من قبل واقفها، ولأبيه الملك المظفر عليها وقف جيد، وربما نسبت إليه، وهي على الفقهاء الشافعية والمحدثين. ومنها بالجانب الجنوبي منه: مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن، على الفقهاء الشافعية، وتاريخ وقفها في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة٢. ومنها بالجانب اليماني أيضا: مدرسة الملك الممدوح بجميع الصفات، مغيث أهل الحرمين الشريفين بجزيل الصلات، مولانا السلطان الملك المنصور غياث الدين٣ أبي المظفر أعظم شاه ابن السلطان السعيد الشهيد إسكندر شاه ابن السلطان شمس الدين المغفور صاحب بنجاله بلغه الله آماله وهي على الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة، فكان المتولي لشراء عرضتها وعمارتها ووقفها من ندبه لذلك وغيره من مصالحها التي تذكر، وفوض إليه هذا النظر: خادمه المسكين، ونعته الأمين، الجانب العالي الافتخاري ياقوت السلطاني الغياثي، لا زالت الخيرات على يديه جارية، والنعم عليه متوالية، وكان الشراء لعرصتها والنخيل وسقيه يوقف عليها، ويأتي ذكرها باثني عشر ألف مثقال في أول شهر رمضان من سنة ثلاثة عشرة وثمانمائة، ثم أعيد عقد البيع على ذلك في شهر شوال من السنة المذكورة لموجب اقتضاه الحال، وفي شهر رمضان المذكور ابتدئ في هدم ما كان في موضعها من الأبنية، وفيه أيضا ابتدئ في بنائها، وفرغ من ذلك في آخر صفر سنة أربع عشرة وثمانمائة. وفي شهر ربيع من هذه السنة وجمادي الأولى منها بيض باطنها والصهريج الذي في جوفها وغالب ظاهرها، وعمل فيها أيضا كثيرا مما يطلب عمله في العمائر، وأحكمت منها العمارة، فاستحسنها ذوو البصائر، وكان وقفها في السابع عشر من المحرم سنة أربع عشرة٤، بعد الفراغ من عمارة سفلها وغالب علوها، وقرر واقفها فيه أربعة من المدرسين، وهم قضاة مكة الأربعة يومئذ،

стр. 475

وستين نفرا من المتفقهين، عشرين من الشافعية، وعشرين من الحنفية، وعشرة من المالكية، وعشرة من الحنابلة، وجعل الإيوان الغربي محل تدريس المالكية والحنابلة، وجعل لوقف المنازل التي تعلوها وهي إحدى عشرة خلوة محلا لسكنى جماعة من الفقراء، خلا واحدة منها فإنه جعلها خاصا للمدرسة المذكورة. وكان ابتداء التدريس فيها في يوم السبت سابع جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وثمانمائة على الحالة التي قدرت حين الوقف في تعيين أوقات التدريس بها في أيام الأسبوع، فكان تدريس الشافعي ضحوة يوم السبت وضحوة يوم الاثنين، وكان تدريس الحنفي من ضحوة يوم الأحد وضحوة يوم الأربعاء وضحوة يوم الخميس، وكان تدريس الحنفي من ضحوة يوم الأحد وضحوة يوم الأربعاء، وضحوة يوم الخميس، وكان تدريس الحنبلي فيما بين الظهر والعصر من يومي الأربعاء والخميس، ووقف الواقف المتقدم ذكره على المدرسين والفقهاء والسكان بالمدرسة المذكورة وعلى مصالحها ما اشتراه لذلك، وذلك حديقتان وسقية ماء، فأما الحديقتان: فتعرف إحداهما بسلمة، والأخرى بالحل، وهما بالضيعة المعروفة بالركاني بوادي مر، من أعمال مكة المشرفة. وأما السقية: فأربع رحيات، من قرار عين الضيعة المذكورة، وجبتان منها تعرفان بحسين منصور ليله ونهاره، والوجبتان الآخرتان تعرفان بحسن يحيى ليله ونهاره. وجعل الواقف المذكور ربع ما يتحصل من ذلك في كل سنة يقسم خمسة أقسام: قسم للمدرسين الأربعة بالسوية بينهم، وثلاثة أقسام للطلبة بالسوية بينهم، وقسم منه يقسم ثلاثة أقسام: قسم منه يصرف في مصالح المدرسة المذكورة من الزيت والماء وغير ذلك والقسمان الآخران من هذا القسم يصرفان للسكان بالمدرسة المذكورة بالسوية بينهم، وكان وقفه لذلك في اليوم التاسع عشر من المحرم سنة أربع عشرة وثمانمائة. وفي النصف الأخير من ذي الحجة من السنة المذكورة سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقف الواقف المذكور على المدرسة المذكورة دارا تقابلها تعرف بدار أم هانئ، اشتراها الواقف بخمسمائة مثقال. وعمرها في السنة المذكورة، وأوقفها على مصالح المدرسة المذكورة١. وسافر الواقف من مكة بعد حجه في هذه السنة لإعلام مخدومه السلطان غياث الدين بذلك، فلم يقدر اجتماعهما، لأن ياقوت مات في شهر ربيع الأول من سنة خمس عشرة وثمانمائة٢ بجزيرة هرموز، ومات السلطان غايث الدين في آخر سنة أربع عشرة أو في أوائل سنة خمس عشرة وثمانمائة، والأولى أقرب للصواب، لأنه أشيع موته بمكة في

стр. 476

موسم سنة أربع عشرة، ولم يصح ذلك، ثم جاء الخبر بصحة وفاته في سنة خمس عشرة، تغمدهم الله برحمته، آمين. ومنها: مدرسة أبي على بن أبي ذكرى١ قرب المدرسة المجاهدية، وتعرف بأبي طاهر المؤذن. وتاريخ وقفها سنة خمس وثلاثين وستمائة على ما في حجرها، وواقفها فيه مترجم بالإمام الشهيد، وما عرفت حاله٢. ومنها مدرسة الأرسوفي بقرب باب العمرة، وهو العفيف عبد الله بن محمد الأرسوفي٣، وهي معروفة به، وما عرفت متى وقفت، إلا أن لها أزيد من مائتي سنة، ولعله وقفها في تارخ وقفه رباطه الذي بقربها المعروف برباط أبي رقيبة لسكناه به، وسيأتي تاريخه. ومنها: مدرسة ابن الحداد المهدوي بقرب هذه المدرسة، وتعرف الآن بمدرسة الأشرف الأدراسة لاستيلائهم عليها، وتاريخ وقفها شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وهي على المالكية. ومنها: مدرسة النهاوندي بقرب الموضع الذي يقال له الدريبة، ولها نحو مائتي سنة فيما أحسب، والله أعلم. ذكر الربط بمكة المشرفة: بمكة ربط موقوفة على الفقراء، منها: الرباط المعروف برباط السدرة بالجانب الشرقي من المسجد الحرام على يسار الداخل إلى المسجد الحرام من باب بني شيبة، لا أدرى من وقفة ولا متى وقفه، إلا أنه كان موقوفا في سنة أربعمائةن وموضعه هو دار القوارير التي بنيت في زمن الرشيد على ما ذكر الأزرقي٤. ومنها: رباط قاضي القضاء أبي بكر محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم المراغي الملاصق لهذا الرباط، ورباط عند باب المسجد المعروف باب الجنائز، ويعرف الآن بالقيلاني٥ لسكناه به، وتاريخ وقفه سنة خمس وسبعين وخمسمائة، كذا في الحجر الذي على بابه، وفيه أن واقفه وقفه على الصوفية الواصلين إلى مكة المقيمين والمجتازين من العرب والعجم٦.

стр. 477

ومنها: رباط الأمير إقبال الشراب المستنصري العباسي عند باب بني شيبة، على يمين الداخل من باب السلام إلى المسجد الحرام، وتاريخ عمارته له في سنة إحدى وأربعين وستمائة، وللشرابي عليه أوقاف كثيرة من الكتب والمياه وغير ذلك بوادي مر ونخله١. ومنها: رباط أم الخليفة الناصر العباسي، ويعرف بالعطيفية، لأن الشريفة عطيفة صاحب مكة كان يسكنه، وتاريخ وقفه سنة تسع وسبعين٢ وخمسمائة. كذا في الخشب الذي على بابه، وفيه أنه وقفه على الفقراء والصوفية ذوي التقى والعبادة والعفاف والزهادة والصلاح والرشاد والتجريد والانفراد٣. ومنها: رباط الحافظ أبي عبد الله بن منده ملاصق لزيادة دار الندوة، وبابه على بابها الذي يخرج منه إلى السويقة، ويعرف الآن بالبرهان الطبري، وعلى بابه الذي عند باب زيادة دار الندوة حجر مكتوب فيه: إنه وقفه على القادمين من أصبهان أربعين يوما، وعلى سائر الناس عشرة أشهر وعشرين يوما. ومنها: رباط الشيخ أبي حفص عمر بن المجيد الميانشي قرب هذا الرباط، ومنه داران في شارع السويقة، وما عرفت نسبته للميانشي، هل هو لأجل وقفه أو لسكناه فيه؟ ومقتضى ما ذكر من نسبة الميانشي: أن يكون له أزيد من مائتي سنة وثلاثين سنة. ومنها: رباط عند الباب المنفرد في هذه الزيادة يقال له: رباط الفقاعية، وتاريخ وقفة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. كذا في الحجر الذي على بابه، وفيه أن قهرمانة المقتدي الخليفة العباسي وقفته على المنقطعات الأرامل٤. ومنها: رباط قربه، يقال له: رباط صالحة، لا أعرف من وقفه ولا متى وقف. ومنها بالجانب الشمالي أيضا: رباط يعرف برباط القزويني، وما عرفت واقفه ولا من وقفه، إلا أنه كان موجودا في أثناء القرن السابع، وبابه عند باب السدة من خارج المسجد. ومنها: رباط قبالته يقال له: رباط الخاتون، ويعرف الآن بابن محمود، وتاريخ وقفه سنة سبع وسبعين وخمسمائة، كذا في الحجر الذي على بابه، وفيه أنه وقف على الصوفية الرجال الصالحين من العرب والعجم. وأن الذي وقفته الشريفة فاطمة بنت الأمير أبي ليلى محمد بن أنو شروان الحسني٥.

стр. 478

ومنها: رباط الزنجيلي قبالة مدرسته عند باب العمرة من خارج المسجد، بينه وبين المسجد دار، وتاريخهما واحد. ومنها: الرباط المعروف برباط الخوزي بخاء وزاي معجمتين بزيادة باب إبراهيم، وقفه الأمير قرامر بن محمد بن قرامر الأقدري١ الفارسي على الصوفية الغرباء والمتجردين، كذا في الحجر الذي على بابه، وتاريخه فيما أظن سنة سبع عشرة وستمائة. ومنها: رباط رامشت عند باب الحزورة ورامشت هو الشيخ أبو القاسم، واسمه إبراهم بن الحسين الفارسي، وقفه على جميع الصوفية الرجال دون النساء أصحاب المرقعة، من سائر العراق، وتاريخه سنة تسع وعشرين وخمسمائة٢. وظفرت بنسخة كتاب وقفه، وكان قد احترق جانب كبير من هذا الرباط في الليلة التي احترق فيها المسجد الحرام وهي ليلة الثامن والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانمائة، وأول ما كان الحريق في البيت الذي على بابه الذي بالمسجد، ثم خرجت النار من شباكه حتى تعلقت بسطح المسجد٣، ثم وفق الله غير واحد للتقرب بعمارته، فعمر منه جانب كبير من سفله الذي يلي المسجد وبعض المجمع الذي فوقه، ثم صرف الشريف حسن بن عجلان أمير مكة مائتي مثقال ذهبا لعمارته أوائل سنة ثمان عشرة وثمانمائة، فعمر بها جميع ما كانت محترفا من الرباط المذكور من البيوت العلوية وغير ذلك مما يحتاج إلى العمارة علوا وسفلا، وصرف من ذلك جانبا فيما يحتاج إليه من أبواب بيوت الرباط وغير ذلك من مصالحه، وجاءت عمارته حسنة. ومنها: رباط السيد الشريف بدر الدين حسن بن عجلان الحسني نائب السلطنة بمكة وجميع الأقطار الحجازية، زاده الله رفعة، وهو الذي أنشأه، وهذه منقبة ما عرفت مثلها لأحد ممن تقدم من أمراء مكة، وتاريخه سنة ثلاث وثمانمائة، وهو مقابل المدرسة المقابلة للمدرسة المجاهدية، وله عليه أوقاف بمكة ومنى ووادي مر٤. ومنها: رباط الجمال محمد بن فرج المعروف بابن بعلجد٥ قريبا من هذ الرباط وباب الحزورة، وتاريخه سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وهو وقف على الفقراء المنقطعين بمكة٦.

стр. 479

ومنها: رباط قبالة باب المسجد الحرام المعروف بباب أجياد، أمر بإنشائه وزير مصر تقي الدين عبد الوهاب بن عبد الله المعروف بابن أبي شاكر١ قبل أن يلي الوزارة في سنة خمسة عشرة وثمانمائة، ومات قبل كمال عمارته، وبعد عمارة غالب سفله، فاستصاره الأمير فخر الدين٢ عبد الغني بن أبي الفرج الأستادار الكبير الملكي المؤيدي فيما ذكره بوجه شرعي، وأمر أمير مكة الشريف حسن بن عجلان بتكميل عمارته، فبني بأمره جانب كبير من علوه ومن سفله في سنة عشرين وثمانمائة، وفي ذي القعدة من السنة قبلها مات ابن أبي شاكر، ومات ابن أبي الفرج في نصف شوال سنة إحدى وعشرين وثمانمائة قبل كمال عمارته، والفقراء الآن فيه ساكنون، وله باب في باب أجياد الصغير غير بابه الذي بالشارع الأعظم٣. ومنها: رباط السلطان شاه شجاع٤ صاحب بلاد فارس قبالة باب الصفا، ويقال له: رباط الشيخ غياث الدين الأبرقوهي الطبيب لتوليه لأمره وعمارته، وله فيه سعى مشكور أعظم الله له فيه الأجور، وتاريخه سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وهو وقف على الأعاجم من بلاد فارس المجردين المتقين دون الهنود٥. ومنها قربه رباط يقال له رباط البانياسي على يسار٦ الذاهب إلى الصفا، وتاريخه سنة خمس وعشرين وستمائة، وقفه الأمير فخر الدين أياز بن عبد الله البانياسي على الفقراء المعروفين بالتدين والصلاح في التاريخ المذكور٧. ومنها: الدار المعروفة بدار الخيزران قرب الصفا مبدأ المسعى، ولا أعرف واقفها ولا متى وقفت. ومنها: الرباط المعروف برباط العباسي بالمسعى وفيه العلم الأخضر وكان مطهرة ثم جعل رباطا، والذي عمله مطهرة الملك لمنصور لاجين المنصوري، والذي عمله رباط: ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون الألفي أعظم الله أجرهما، واسمهما مكتوب فيه على ما بلغني.

стр. 480

ومنها: رباط الشيخ أبي القاسم بن كلالة الطيبي بالمسعى قرب هذا الرباط، وتاريخه سنة أربع وأربعين وستمائة١. ومنها بالمسعى أيضا: رباط المروة على يسار الذاهب إليها يقال له رباط التميمي والذي وقفه هو الشخ أبو العباس ويقال: أبو جعفر أحمد بن غبراهيم بن عبد الملك بن مطرق التميمي المرين الفنجيري٢، وقفه على الفقراء من أهل الخير والدين والفضل من العرب والعجم المتأهلين وغيرهم، على ما يليق بكل واحد منهم من المنازل، في العشر الأوسط من شوال سنة عشرين وستمائة، ووقف عليه الحمام الذي بأجياد، وقد ظفرت بكتاب وقف الحمام ثم ذهب مني٣. وبأعلى مكة عدة ربط، منها: رباط علي بن أبي بكر بن عمران العطار المكي، ولم يثبت وقفه إلا بعد موته، في سنة موته وهي سنة إحدى وثمانمائة٤. ومنها: رباط يعرف بأبي سماحة لسكناه به قرب المجزرة الكبيرة من أعلاها على يمين الذاهب إلى المعلاة، وقفه الأمير قايماز بن عبد الله السلطاني سلطان الروم والأرمن أبي الفتح قلج بن أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان السلجوقي على المجاورين والمقيمين والمنقطعين بمكة من أصحاب الإمام أبي حنيفة في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، هذا معنى ما في الحجر الذي على بابه٥. ومنها: بأعلى مكة أيضا ثلاثة ربط، يقال لها ربط الأخلاطي، بعضها وقف على النساء الحنفية من المجاورات والقادمات، وبعضها وقف على أهل مدينة أخلاط الصالحين القاصدين لبيت الله الحرام، وبعضها وقف في سنة تسعين وخمسمائة٦، وبعضها في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة٧. ومنها: رباط يقال له: رباط الوتش بتاء مثناة من فوق وشين معجمة قرب هذا الرباط. ومنها: رباط العطية بن خليفة المطيرن٨ أحد تجار مكة في عصرنا. وبزقاق الحجر بمكة رباطان.

стр. 481

أحدهما: رباط المعز إبراهيم بن محمد الأصبهاني سبط الشيخ قطب الدين القسطلاني١ وقفه على الفقراء والمساكين المجاورين بمكة من أهل الخير والديانة من أي صنف كانوا من العرب والعجم، في سلخ رجب سنة تسع وأربعين وسبعمائة٢. والثاني: رباط السيدة أم الحسين بنت قاضي مكة شهاب الدين الطبري وقفته على الفقراء والمساكين في شعبان سنة أربعة وثمانين وسبعمائة٣. وبسوق الليل عدة ربط: منها رباط يقال له: رباط سعيد الهندي لسكناه فيه وما عرفت واقفه ولا تاريخه. ومنها: الموضع الذي يقال له: بت المؤذنين، وواقفه هو واقف رباط الخوزي على شرطه، وتاريخ وقفه سنة سبع عشرة وستمائة٤. ومنها: الموضع الذي يقال له: زاوية أم سليمانن وتاريخها سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة٥. وبأجياد عدة ربط: منها الموضع الذي يقال له: رباط الزيت لا أعرف واقفه ولا متى وقف. ومنهاك رباط يقال له: رباط غزي بغين وزاي معجمتين وقفه على بن محمد المصري على الفقراء والمساكين المجردين من أي جنس كان من المسلمين سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ومنها: رباط يعرف برباط الساحة، وكان موجودا في أثناء القرن السابع، ووقفه جماعة من النسوة، منهن والدة الشيخ قطب الدين القسطلاني على الفقراء والغريبات المتدينات. ومنها: الرباط المعروف برباط ربيع، وهو واقفه على موكله في ذلك السلطان الملك الأفضل نور الدين علي٦ ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتاريخ.

стр. 482

وقفه في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وهو وقف على الفقراء المسلمين الغرباء١. ومنها: رباط بقرب رباط ربيع، أمر بإنشائه أمير مكة السيد حسن بن عجلان، وهو ملاصق لحوش داره التي أنشأها بأجياد. وقد عمر غالب سفله إلا قليلا منه وجانب من علوه، وفي سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة استؤجر بعض البناة بمكة على تكميل عمارته وشرع في ذلك، وكان أمر الشريف حسن بإنشائه في سنة عشرة وثمانمائة وأدخلت فيه البئر المعروف ببئر عفراء٢. ومنها: رباط يعرف برباط بنت التاج، ولا أعرف واقفه في الابتداء، وله أزيد من مائتي سنة، وعلى باب حجر مكتوب فيه أنه وقف على النساء الصوفيات الأخيار والمجاورات. ومنها: رباط يعرف برباط المسكينة. ومنها بالحزامية بزاي معجمة: الرباط المعروف برباط الدمشقية، وقف على الصوفية والعلماء والقراء والفقراء من أهل دمشق والعراقيين العرب والعجم في رجب سنة تسع وعشرين وخمسمائة٣. ومنها: الرباط المعروف برباط الدوري، وقفه الشيخ نجيب الدين أبو الحسن بن محمد بن جبريل الزرندي على أهل سادة زرند القادمين إلى حج البيت الله الحرام، وله أزيد من ثلاثمائة سنة. ومنها: رباط يعرف برباط السبتية بسين مهملة وباء موحدة ثم تاء مثناة من فوق ثم ياء مثناة من تحت كان موجودا في سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ومنها: رباط خلف رباط الدوري للنسوة، وكان موجودا في أثناء القرن السابع. ومنها: رباط بقرب هذه الربط يقال له رباط بنت الحرابي بحاء وراء مهملتين وألف وباء موحدة لسكناها به، وبلغني أنها وقفته. ومنها: رباط يعرف برباط الوراق بقرب باب إبراهيم لا أعرف واقفه ولا متى وقف. ومنها: رباط الموفق جمال الدين علي بن عبد الوهاب الإسكندري، وقفه على فقراء العرب الغرباء ذوي الحاجات المتجردين، ليس للمتأهلين فيه حظ ولا نصيب في سنة أربع وستمائة، كذا هو مكتوب في الحجر الذي على بابه، وفيه العرب مضبوطة بفتح اليعن والراء المهملتين، وهذا الرباط بأسفل مكة٤.

стр. 483

وفي جهة الشبيكة بالمسفلة عدة ربط: منها: الرباط الذي يقال له: رباط أبي رقيبة، لسكناه به ويقال له رباط العفيف والعفيف المشار إليه: هو الأرسوفي صاحب المدرسة التي بقربه، وقفه عن نفسه وعن موكل شريكه فيه القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عل البيساني١ سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، على ما في الحجر الذي على بابه، وفيه أنه وقف على الفقراء والمساكين العرب والعجم، الرجال دون النساء، القادمين إلى مكة والمجاورين، على أن لا يزيد الساكن في السكنى على ثلاث سنين إلا أن تقطع أقدامه، وسكناه في السفر إلى مسافة القصر. ومنها: رباط به بقربه يعرف برباط الطويل، بنى في عشر السبعين وسبعمائة فما أحسب. ومنها: رباط الجهة، وهي الآدر الكريمة جهة الطواشي فرحات زوج الملك الأشرف إسماعيل بن لفضل صاحب اليمن وأم أولاده ضاعف الله أجرها وأعلى قدرتها، ويقال له: رباط الشيخ على البغدادي لتوليته لأمره وعمارته، وتاريخ وقفه سنة ست وثمانمائة، وهو وقف على الفقراء الآفاقين المجردين عن النساء المستحقين للسكنى٢. ومنها: رباطان قرب الموضع الذي يقال له الدريبة: أحدهما يعرف برباط ابن السوداء لسكناه به، وعلى بابه حجر مكتوب فيه: أن أم خليل خديجة، وأم عيسى مريم: ابنتي القائد أبي ثامر المبارك بن عبد الله القاسمي وقفتاه على الصوفيات المتدينات الخاليات من الأزواج، الشافعيات المذهب، في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة تسعية وخمسمائة٣، ويقال له أيضا: رباط الهريش بتشديد الراء المهملة. والآخر: يعرف بابن غنايم، وعلى بابه حجر مكتوب فيه ما معناه: وقفه السلطان الملك العادل ملك الجبال والثغور والهند محمد بن أبي على، على الصوفية الرجال العرب والعجم، على أن يكون عدد الساكنين فيه عشرة لا غير سواء كانوا مجاورين أو مجتازين، وبعضهم مقيم وبعضهم مجتاز، وذلك سنة ستمائة٤ ... انتهى. فهذه الربط المعروفة الآن بمكة أجل الله ثواب واقفيها ومن أحسن النظر فيه.

стр. 484

وبمكة أوقاف كثيرة على جهات من القربات، غالبها الآن غير معروف لتوالي الأيدي عليها، ومن المعروف منها: البيمارستان المستنصري العباسي بالجانب الشمالي من المسجد الحرام، وتاريخ وقفه سنة ثمان وعشرين وستمائة١، وعمره في عصرنا هذا الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة عمارته التي هو عليها الآن، وزاد فيه على ما كان عليه أولا إيوانين: أحدهما: في جهته الشامية، والآخر: في جهته الغربية، وأحدث فيه صهريجا ورواقا فوق الإيوانين اللذين أحدثهما، وفوق الإيوان الشرقي الذي كان فيه من قبل، وجدد هو عمارته، وفوق الموضع الذي فيه الشباكان المشرفان على المسجد الحرام، وأدخل فيه البئر التي كان يستقي منه للميضأة الصرغتمشية، ووقف جميع ما بناه وما يستحق منافعه في الموضع المذكور للمدة التي يستحقها على الضعفاء والمجانين، ووقف عليه منافع الدار المعروفة بدار الإمارة عند باب بني شيبة بعد عمارته لها حين تخربت بالحريق الذي وقع في آخر ذي القعدة من سنة أربع عشرة وثمانمائة٢، وذلك بعد استئجاره لها واستئجاره للبيمارستان المذكور لتخربهما، من القاضي الشافعي بمكة لمدة مائة سنة، وأذن له في صرف أجرة الموضعين في عمارتها، وكان استئجاره لذلك في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وثمانمائةن وفيها شرع في عمارتها وكان وقفه لذلك في صفر سنة ست عشرة وثمانمائة٣. ووقف المنافع يتمشى على رأي البعض من متأخري المالكية، وحكم به بعض طلبة المالكية ليثبت أمره، وإن كان بعض المعتبرين من المالكية لا يرى جوازه، كما هو مقتضى مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل رحمة الله عليهم والله يوقفنا أجمعين للخير آمين. ذكر السقايات والبرك بمكة المشرفة وحرمها وعرفة: بمكة وحرمها عدة سقايات، تسمى أيضا السبل بسين مهملة وباء موحدة مضمومتين جمع سبيل، وشهرتها عند الناس بالسبل أكثر، وهي كثيرة إلا أن بعضها صار لا يعرف لخرابه وبعضها معروف مع الخراب. فمن ذلك: سبيل عطية بن ظهيرة بأعلى مكة٤، وسبيل قاسم الزنكي عند مسجد الراية، وسبيل السيدة أم الحسين بنت القاضي شهاب الدن الطبري بالمسعى عند موضع الجزارين والخرازين، وسبيل لابن بلعجد عند عين بازان التي بالمسعى قرب الميل

стр. 485

الأخضر الذي بمنارة باب علي والمقابل له، وسبيل السيد الشريف حسن بن عجلان سلطان الحجاز في عصرنا برباطه الذي أنشأه، بلغه الله مناه. ومنها بأعلى مكة سبيل لأم المتصوفة عند تربتها بالمعلاة قرب دار المعلاة. ومنها: سبيل أنشأه القاضي زين الدين عبد الباسط١ ناظر الجيوش المنصورة في سنة ست وعشرين وثمانمائة بالمعلاة على يمين النازل من الحجون٢. ومنها سبيل لعطية المطير في طرف المقبرة من أعلاها عند البئر التي يقال لها بئر الطواشي. ومنها: السبيل الذي أنشأه القائد سعد الدين جبروه. ومنها: السبيل المعروف بسبيل ابن صنداد، وليس هو المبتكر له، لأن بعض أمراء الملك الكامل ولد الملك المسعود صاحب مكة عمر ذلك. ومنها: سبيل فوق هذا السبيل إلى جهة منى للسيد الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة أمر بعمارته في سنة اثني عشرة وثمانمائة وعنده مسجد. ومنها: السبيل الذي يقال له سبيل الست، وهو مشهور بطريق منى، والست المنسوبة إليها عمارته هي أخت الملك الناصر حسن صاحب مصر، وتاريخ عمارتها سنة إحدى وستين وسبعمائة٣. ومنها: سبيل المعلم عبد الرحمن بن عقبة المكي بقرب منى. ومنها سبيل بمنى لعطية المطير. وبمنى عدة سبل عامرة، وبمزدلفة، وعرفة. وبطريقهم سبل متخربة معطلة، وبعضها لا يعرف، وقد أشرنا إليها في أصل هذا الكتاب. وبأسفل مكة مما يلي التنعيم عدة سقايات منها: سبيل الزنجيلي، ويقال له: سبيل أبي راشد لتجديده له، ويقال له: سبيل المكيين لتجديده له أيضا، وتاريخ عمارة الزنجيلي له سنة عشرين وستمائة. كذا في حجر فيه، وهي عمارة تجديد، لأن الزنجيلي

стр. 486

توفي قبل ذلك على ما ذكر ابن شاكر الكتبي بسبع وثلاثين سنة، وتاريخ عمارة أبي راشد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وتاريخ عمارة المكين سنة ثمان وثمانمائة١. ومنها: السبيل الذي يقال له: سبيل بنت القاضي عبد الرحمن بن عقبة المكي، وسبيل آخر أنشأته السيدة زينب بنت القاضي شهاب الطبري صدقة عن أخيها القاضي نجم الدين محمد ابن القاضي شهاب الدين الطبري٢ سنة خمس وستين وسبعمائة، وهو الآن معطل لخرابه. ومنها: سبيل الملك المنصور صاحب اليمن وهو مشهور. ومنها: السبيل المعروف بسبيل الجوخي، وهو الآن لخرابه. ورأيت فيه حجرا ملقى مكتوبا فيه: أن المقتدر العباسي ووالدته أمرا بعمارة هذه السقاية والآبار التي وراءها وتصدقا بها، وفيه: أن ذلك سنة اثنتين وثلاثمائة٣. ومنها: سبيل دون هذا السبيل إلى مكة عمره الشهاب المكين السابق أجزل الله ثوابه في سنة ثمان وثمانمائة، وإلى جانب ذلك حوض للبهائم١. وكان بمكة سقايات أكثر مما ذكرنا بكثير، لأن الفاكهي قال: لما ذكر السقايات وبمكة في فجاجها وشعابها من باب المسجد إلى منى ونواحيها ومسجد التنعيم نحوا من مائة سقاية ... انتهى. ذكر البرك بمكة وحرمها: بمكة وحرمها عدة برك لا أدري من أنشأها، ويقال لها: المصانع. منها بركتان عند باب المعلاة متلاصقتان جددتا في دولة الملك الناصر حسن، صاحب مصر، وذلك في ولايته الأولى سنة تسع وأربعين وسبعمائة٤، وعمرتا بعد ذلك غير مرة. منها: في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة٥، وعمارتها في هذه السنة عمارة حسنة لإصلاحهم بالنورة ما يحتاج إلى الإصلاح فيهما، ونوروا في بعض الجدران ما لم يكن منورا قبل ذلك، ورفعوا جميع جوانبها عن الأرض، والذي رفعوه من ذلك نحو ذراع، وفي بعض المواضع أكثر، وعمدوا إلى الحاجز الذي بين البركتين فهدموا الجدار الذي يليه إلى صوب الطريق العظمى، وبنوا هناك ثبرتين٦، وعملوا عليهما عقدا مشرفا،

стр. 487

وعملوا في موضع العقد بابا شبحا من عرعر يغلق دون الصغار، ومن يريد النزول إلى الماء، خوفا على الماء من تغيره بالنزول فيه، وعملوا تحت الباب درجا. والآمر بهذه بالعمارة علاء الدين القائد. ومنها: بركتان متلاصقتان: إحداهما يلصق بسور باب المعلاة ببستان الصارم، وكانتا معطلتين فعمرت إحداهما في النصف الثاني من سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وملئت في عين بازان بعد جريها، والذي أمر بعمارتها وإجراء الماء فيها الشهاب بركوت المكين١. ومنها: بركتان عند مولى النبي ﷺ بسوق الليل تنسبان للمسلماني على ما بلغني. ومنه: بأسفل مكة بركة يقال لها: بركة باب الماجن، لأنها عند باب مكة المعروف بباب الماجن. ومنها: بحرم مكة مما يلي منى وعرفة عدة برك، منها: البركة المعروفة ببركة السلم، لا أدري من أنشأها، وجددها الأمير المعروف بالملك نائب السلطنة بمصر، وعمر العين التي تصل إليها من منى، وذلك في سنة خمس وأربعين وسبعمائة٢. وبطرف منى مما يلي المزدلفة في طريق عرفة برك أخر معطلة أيضا لخرابها، أشرنا إليها في أصل هذا الكتاب. وبعرفة عدة برك، وغالبها الآن ممتلي بالتراب حتى صار ذلك مساويا للأرض، وبعضها من عمارة العجوز والدة المقتدر، وذلك خمس برك، وتاريخ عمارتها سنة خمس عشرة وثلاثمائة٣. وبعضها عمره المظفر صاحب إربل في سنة أربع وتسعين وخمسمائة٤، وفيما بعدها، وبعضها عمره إقبال الشرابي المستنصري العباسي في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة٥، وعمارتها للبرك المكتفة بعين عرفة أيضا. واسم إقبال باق على بعض البرك التي حول جبل الرحمة.

стр. 488

عمر بعضها الملك نائب السلطة بمصر، ثم عمر بعضها في دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر. ذكر الآبار التي بمكة وحرمها: ذكر الأزرقي شيئا من خبر الآبار الجاهلية والإسلامية بمكة وحرمها وبعرفة، وليس يعرف ههنا الآن مما ذكره الأزرقي إلا القليل كما سنبينه، ولذلك اقتصرنا هنا على تعريف هذه الآبار بما تعرف به الآن. وجملة الآبار التي يحتوي عليها سور مكة ثمانية وخمسون بئرا منها: برباط السدرة، وهي سجلة١ -بسين مهملة وجيم- حفرها هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وقيل: حفرها قصي ووهبها عبد المطلب بن هاشم للمطعم بن عدي، وقيل: إن جبير بن مطعم ابتاعها من ولد هاشم٢. ومنها: بئر برباط الشرابي. ومنها: بئر بالمدرسة الأفضلية. ومنها: بئر بالميضأة الصرغتمشية. ومنها: بئر برباط أم الخليفة، وهو العطيفية. ومنها بئر برباط الفقاعية. ومنها: بئر برباط الميناشي. ومنها: بئر بالمدرسة المنصورية. ومنها: بئر عند باب الحزورة، عليها جميزة كبيرة حفرها المهدي العباسي. ومنها: بئر في الدار المعروفة بالملاعنة. ومنها: بئر بالمدرسة المجاهدية. ومنها: بئر برباط كلالة بالمسعى. ومنها: بئر بالمطهرة الناصرية عند باب بني شيبة. ومنها: بئر بميضأة الملك الأشرف شعبان، عمرها جده الملك الناصر سنة ست وسبعمائة لأجل رباط العباس فيما أحسب، فإن منها إليه قناة ليسكب فيها الماء. ومنها: بئر الحمام الذي بسوق الليل. ومنها: بئر بقرب مولد النبي ﷺ بسوق الليل، تعرف بالسماطية لعلها بئر عبد شمس بن عبد مناف بن قصي المعروفة بالطوى التي ذكرها الأزرقي٣، والله أعلم.

стр. 489

ومنها: بئر بقربها ينسب لأبي مغامس أحد تجار مكة، لأنه عمرها، وعندها مسجد. ومنها بقرب ذلك: بئر في دار عطية المطيري. ومنها: بئران في المعلاة بالشعب الذي تسميه الناس شعب عامر، وهو شعب عبد الله بن عامر بن كربز، إحداهما في بستان في هذا الشعب، والأخرى بفم الشعب١. ومنها: بئر في البستان الذي عند باب المعلاة، ويقال لها: المنقوس. ومنها: بئر تعرف بأم الفاغية عند سبيل ابن ظهيرة. ومنها: بئر عند مسجد الراية، وهي بئر جبير بن مطعم التي ذكرها الأزرقي٢، والله أعلم. وبأجياد عدة آبار منها: بئر برباط في جانب الوادي. ومنها: بئر يقال لها: أم الزين، عند بيت الشريفة فاطمة بنت ثقبة صاحب مكة. ومنها: بئر يقال لها: الوردية. ومنها: بئر يقال لها: بئر عكرمة، ذكرها الأزرقي٣. ومنها بئر يقال لها: بئر مسعود، ويقال له أيضا: أم الفاغية. ومنها: بئر يقال لها: بئر المعلم ومنها: بئر عند بيوت الداجوة يقال لها: أم حجر. ومنها: بئر برباط بنت التاج. ومنها بئر عند حمام أجياد. وبالحزامية بأسفل مكة بالحاء المهملة وزاي معجمة عدة آبار، منها: بئر برباط الدمشقية، عمرتها فيما أحسب زوجة تقي الدين ابن أخي صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ومنها: بئر برباط الدوري. ومنها: بئر برباط السبتية. ومنها: بئر يقال لها: بئر النبي ﷺ ، والناس يستشفون بماء هذه البئر، ولعلها والله أعلم السنبلة، بئر خلف بن وهب الجمحي التي ذكرها الأزرقي ﵀، وقال: يقال: إن النبي ﷺ : بصق فيها، وإن ماءها جيد٤ من الصداع، والله أعلم. وبالحجارية من المسفلة عدة آبار:

стр. 490

منها: بئر عند بيوت عرفطة، يقال لها: أم الحمرة بحاء مهملة مضمومة وميم وراء مفتوحتين١. ومنها: بئر عند البيوت المعروفة بالأشراف ذوي علي، مما يلي باب الماجن، وهما بقرب الموضع الذي يقال له: بيت أبي بكر الصديق ﵁. ومنها: بئر في زقاق ضيق نافذ بقرب أم الحمرة٢. ومنها: بئر في بستان علي بن يوسف بن أبي الأصبع عند باب الماجن. ومنها: بئر قبالة هذه البئر في الودنة. وبمسيل وادي إبراهيم بالمسفلة وما يليه من البيوت عدة آبار، منها: البئر المعروفة بباب إبراهيم٣. ومنها: بئر برباط الموفق. ومنها: بئر ينسب للقائد زين الدين شكر٤ مولى الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة، ومنها: بئر بجنبها إلى أسفل مكة في البيت المعروف بأحمد بن عبد الله الدوري الفراش بالحرم الشريف. ومنها: بئر بقربها في بيت يعرف ببيت الينبوعي على يسار الذاهب إلى باب الماجن٥. ومنها: بئر في جهة الشبيكة يقال لها: بئر النشوة. ومنها: بئر في الشبيكة أيضا بقرب المقبرة عند بيوت رقية، يقال لها: مجنة، ولها قرنان. ومنها بئر قرب باب الشبيكة عمرها العفيف الهبي، وبنى عليها سبيلا٦ هو الآن خراب، ومنها بأسفل مكة: بئر أيضا بالموضع الذي يقال لها خرابة قريش التي عمرها الشهاب بركوت بن عبد الله المكين ومنها: بئر في وسط السويقة، عليها بيت ينسب للبليني، يقال: إنها من عمارة عبد الله بن الزبير ﵁ والله أعلم. ومنها: بئر في الموضع المعروف بدار الحفرة بالسويقة. ومنها: بئر بقعيقعان عند وقف على بن أبي بكر بن عمران العطار. فهذه الآبار التي حواها سور مكة فيما علمت، ولم أذكر فيها الآبار التي لا ماء فيها، وجميعها مسبلة إلا البئر التي في بيت المطيبيز بأعلى مكة، والبئر التي في بيت القائد زين الدين شكر، والبئر التي في بيت أحمد الدوري، والبئر التي في بيت الينبوعي، والله أعلم.

стр. 491

ذكر الآبار التي بين المعلاة ومنى: بين باب المعلاة ومنى سبع عشرة بئر -بتقديم السين- منها: بئر قرب باب المعلاة تنسب لأم سليمان المتصوفة عند تربتها، وتنسب أيضا للملك المسعود صاحب مكة، ومنها: بئر يقال لها: بئر الطواشي عند طرف المقبرة من أعلاها. ومنها: بئر بالبستان الذي أنشأه القائد سعد الدين جبروة. ومنها: بئر ببستانة الذي أمامه إلى جهة منى. ومنها: بئر ببستان له بن هذين البستانين إلى جهة شعب البياضية. ومنها: بئر خلف سبيل ابن شداد١ السابق ذكره. ومنها: بئر في بستان ينسب لابن فطيس أمام هذا السبيل ومنها: بئر في محاذاة المعابدة فيها الماء، ويقال لها: أم قرنين. ومنها: بئر لا ماء فيها في الموضع الذي يقال لها: الخرمانية، وهو أودان برأس المعابدة على جادة الطريق على يمين الهابط إلى مكة. ومنها: البئر التي يقال لها: بئر آدم على يمين الذاهب إلى منى وليست على جادة الطريق، وممن عمرها الأمير شيخون٢ العمري الناصري في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة٣. ومنها: بئر يقال لها: البياضية. ومنها: بئر ميمون بن الحضرمي أخي العلاء بن الحضرمي، وهي التي الآن بالسبيل المعروف بسبيل الست بطريق منى، وممن عمرها: المظفر صاحب إربل في سنة أربع وستمائة على ما وجدت بخط عبد الرحمن بن أبي حرمي المكي في حجر بهذه البئر يتضمن عمارة صاحب إربل لها٤، وعرفها ببئر ميمون الحضرمي، ورأيت لبعضهم ما يقتضي أن بئر ميمون بطريق وادي مر الظهران، وهو وهم، والله أعلم. ومنها: بئر محاذية لبركة السلم على يسار الذاهب إلى منى. ومنها بئر يقال لها: بئر النجار، وتعرف بالمعلم عبد الرحمن بن عقبة المكي على يسار الذاهب إلى منى أيضا، وممن عمرها الأمير شيخون في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة٣، وعَمرها بعده الأمير جركتمر المارديني٥ صاحب الحجاب بالقاهرة، ومقدم العساكر بمكة٦ في سنة إحدى وستين وسبعمائة. ومنها: بئر أمام هذه البئر إلى منى في وجهتها إلى جهة منى عند رأس الشعب الذي يقال له: شعب البيعة الذي فيه مسجد البيعة السابق ذكره، وتعرف هذه البئر ببركة مسهر.

стр. 492

ومنها: البئر المعروفة بصلاصل، وهي من الآبار الإسلامية على ما ذكره الأزرقي١. ومنها: بئر بقرب هذه البئر يقال لها: الجنينة بجيم مضمونة ونون مفتوحة وياء مثناة من تحت ونون، وهي وصلاصل في الجانب الذي يكون على يمين الذاهب إلى منى، وكلام الأزرقي يقتضي أن البئر المعروفة ببركة مسهر في صلاصل، لأنه قال: وبئر الصلاصل بفم شعب البيعة عند العقبة، عقبة منى ... انتهى، والله أعلم. ولم يبين الأزرقي سبب تسميتها بصلاصل، ولعل ذلك نسبتها إلى صلصل بن أوس بن مخامس بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم، لأن الفاكهي روى بسنده عن هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: كانت العرب في أشهر الحج على ثلاثة أهواء، منهم من يفعل المنكر وهم المحلون الذين يحلون الأشهر الحرم فيغتالون فيها ويسرقون، ومنها من كان يكف عن ذلك، ومنهم أهل هوى شرعه صلصل بن أوس بن مجاسر بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم في قتال المحلين، ثم قال بعد أن ذكر المحرمين: وكانوا يسمونهم الصلاصل، لأن صلصلا شرع ذلك، وكانوا ينزلون على بئر قريبة من مكة، ثم يتفرقون في الناس منها، وكانت البئر تسمى ببئر صلاصل ... انتهى. ولكن يعكر على نسبة هذه البئر لصلاصل المشار إليه ما ذكره الأزرقي من أن صلاصل البئر التي ذكرها من الآبار الإسلامية فإن مقتضى ما ذكره الكلبي أن تكون من الآبار الجاهلية، والله أعلم بالصواب. وذكر الأزرقي ما يخالف ما ذكره من أن صلاصل من الآبار الإسلامية، لأنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: ذكر الآبار الإسلامية، وهي التي ذكر فيها ما سبق ذكره عنه في صلاصل تلو قوله: عقبة منى، وفيها يقول أبو طالب: وتسمله حتى يصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل٢ ... انتهى. وإذا كان أبو طالب ذكر هذه البئر فهي جاهلية. ذكر الآبار التي بمنى وهي خمس عشرة بئرا: منها: بئر تعرف بالحجامية بقرب جمرة العقبة في بستان عندها. ومنها: بئر يقال لها: كدانة بدال مهملة مشددة ونون بعد الألف في منزلة المحمل المصري. ومنها:

стр. 493

بئر يقال لها: عمارة بفتح العين وتشديد الميم في الشعب الذي يلي ذلك، وهي حلوة، ومنها: بئر يقال لها: الكليبية، حلوة أيضا، ومنها: بئر يقال لها: بئر إسماعيل ويقال لها: دغبح. ومنها: بئر في بيت الجاعفرة عند بيت أبي مغامس في الطريق الوسطى ومنها: بئر بقرب الشعب الذي يقال له: سمير، ينسب لموسى بن غصون ومنها: بئر بقربها تنسب لابن فطيس.. ومنها: بئر بقربها يقال لها: أم النخلة، وتنسب لابن معيوف، ومنها: بئر يقال لها. أم الحمام، حلوة: ومنها: بئر بقرب أم النخلة، عمرتها زوجة الملك المنصور صاحب اليمن، في سنة خمس وأربعين وستمائة. ومنها: بئر يقال لها: العسيلة في منزلة بني حسن بمنى. ومنها: بئر في الشعب الذي يقال له: سمير. ومنها: بئر يقال لها: العراقيب، حلوة، في الشعب الذي يقال له: شعب عمرو، على يسار الذاهب إلى عرفة. وبمنى آبار أُخر في بعض بيوتها لا تعرف على ما بلغني. ذكر الآبار التي بمزدلفة: بمزدلفة ثلاثة آبار: منها: بئر قبالة المشعر الحرام على يمين الذاهب إلى عرفة، ومنها: بئر بقربها في الجهة اليمنى يقال لها: بئر البقرة، ومنها: بئر في الجهة اليسرى محاذية للمشعر الحرام في منزلة الركب العراقي، وفيما بين مزدلفة وعرفة: بئر يقال لها: السقيا على يسار الذاهب إلى عرفة. ذكر الآبار التي بعرفة: بعرفة آبار، فيها الآن الماء، فمنها: بئر يقال لها: الزيادة الكبرى، ومنها: بئر يقال لها: الزيادة الصغرى، ومنها: بئر يقال لها: الشمردقية، وفيها عدة آبار أخر لا ماء فيها، عمرها المظفر صاحب إربل. وقد ذكرناها مع تاريخ عمارة المظفر لها في أصل هذا الكتاب، والله أعلم. ذكر الآبار التي بظاهر مكة من أعلاها: فيما بين بئر ميمون بن الحضرمي والأعلام التي هي حد الحرم في طريق جادة وادي نخلة، وفيما بين بئر ميمون والأعلام المشار إليها خمس عشرة بئرا: منها أربعة آبار تعرف بآبار العسيلة، وفي رأس طي بعضها ما يقتضي أن المقتدر العباسي أمر بحفر بئرين منها، وفي طي بعضها ما يقتضي أن العجوز والدة المقتدر عمرتها مع سقايات هناك، ومسجد لا يعرف الآن منه شيء، وقد ذكرنا نص المكتوب في أصل هذا الكتاب والبئر الرابعة من آبار العسيلة جددها بعد دثورها بعض الآمراء

стр. 494

المصريين في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة١. وبقية الآبار لا ماء فيها إلا بئر لأبي بكر الحصار، وهي تلي آبار العسيلة. ذكر الآبار التي بأسفل مكة في جهة التنعيم: فيما بين باب مكة المعروفة بباب الشبيكة والتنعيم ثلاث وعشرون بئرا بجادة الطريق. منها: بئر الملك المنصور صاحب اليمن عند سبيله، وتعرف بالزاكية، وقد ذكرنا هذه الآبار في أول هذا الكتاب أوضح من هذا. ومنها: الآبار المعروفة بآبار الزاهر الكبير، وبعض هذه الآبار من عمارة المقتدر العباسي، وبقرب الشبيكة آبار أخر يقال لها: الزاهر الصغير، وهي ثلاثة آبار منها واحدة لا ماء فيها ولها قرنان، في أحدهما حجر مكتوب فيه تاريخ عمارتها. وبقرب هذه الآبار بئر ببطن ذي طول على مقتضى ما ذكره الأزرقي في تعريف ذي طول٢. وبأسفل مكة أيضا: بئر يقال لها. الطنبداوية٣. وبأسفل مكة مما يلي بابها المعروف بباب الماجن عدة آبار، منها بئر بقربه من خارجه، وبئر بالشعب الذي يقال له: "خم" بخاء معجمة٤. ذكر عيون مكة المشرفة: روينا بالسند المتقدم إلى الأزرقي قال في العيون التي أجريت في الحرم: كان معاوية رضي لله عنه قد أجرى في الحرم عيونا، واتخذ له أخيافا، وكانت حوائط وفيها النخل والزرع، وسردها الأزرقي٥، وذكرنا كلامه في أصل هذا الكتاب. قال: وقد كانت عيون معاوية ﵁ تلك قد انقطعت وذهبت، فأمر أمير المؤمنين الرشيد بعيون، فعملت وأحييت وصرفت في عين واحدة، ثم قال: ثم كان الناس بعد تقطع هذه العيون في شدة الحاجة إلى الماء، وكان أهل مكة والحجاج يلقون في ذلك المشقة حتى أن الراوية لتبلغ في الموسم عشرة دراهم، وأقل وأكثر، فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبي

стр. 495

الفضل جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور، فأمرت في سنة أربع وسبعين ومائة بعمل بركتها التي بمكة، فأجرت لها عينا من الحرم فجرت بماء قليل، فلم يكن فيه ري لأهل مكة، وقد غرمت في ذلك غرما عظيما، فبلغها فأمرت المهندسين أن يجروا لها عينا من الحل. ثم أمرت من يزن عينها الأولى فوجدوا فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها، وأبطلت تلك العيون، فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون من العمل، وعظمت في ذلك رغبتها، وحسنت نيتها، فلم تزل تعمل فيها حتى بلغت ثنية خل١، فإذا الماء لا يظهر في ذلك الجبل، فأمرت بالجبل فضرب فيه، وأنفقت في ذلك من الأموال ما لم تكن تطيب به نفس كثير من الناس، حتى أجراها الله على يديها وأجرت فيها عيونا من الحل، منها عين المشاش٢، واتخذت له بركا تكون فيها السيول إذا جاءت تجتمع فيها، ثم أجرت لها عيونا من حنين واشترت حائط حنين، فصرفت عينه إلى البركة، وجعلت حائطه سدا يجتمع فيه السبل. فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها، وطابت نفسها بالنفقة فيها بما لم تطب به نفس أحد غيرها ... انتهى باختصار. وقد ذكرنا ذلك كله في أصل هذا الكتاب٣. وذكر أبو الحسن المسعودي في "تاريخه" مقدار ما صرفت زبيدة على هذه العين، لأنه ذكر أن القاهر العباسي سأل محمد بن علي العبدي الخراساني الإخباري أن يبسط له في أخبار زبيدة، فذكر أن لها في الجد والعزم ما بررت به على غيرها، فأما الجد فالآثار الجميلة التي لم يكن في الإسلام مثلها، مثل حفرها العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، فإنها حفرتها ومهدت الطريق لمائها في كل خفض ورفع، وسهل ووعر، حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلا إلى مكة، وكان جملة ما أنفقت عليها فيما ذكروا قدر بألف ألف وسبعمائة ألف دينار٤ ... انتهى باختصار. وهذه العين في غالب ظني عين مكة المعروفة بعين بازان٥ -بباء موحدة وألف ثم زاي معجمة ثم ألف ونون- لأنها من هذه الجهة، وقد عمر هذه العين جماعة من الخلفاء والملوك، منهم المستنصر العباسي غير مرة، منها: مرة في سنة خمس وعشرين وستمائة٦. ومنها: مرة في سنة أربع وثلاثين وستمائة. ومنهم: الأمير جوبان٧ نائب
следующие страницы →