← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ذكر الآبار التي بين المعلاة ومنى: بين باب المعلاة ومنى سبع عشرة بئر -بتقديم السين- منها: بئر قرب باب المعلاة تنسب لأم سليمان المتصوفة عند تربتها، وتنسب أيضا للملك المسعود صاحب مكة، ومنها: بئر يقال لها: بئر الطواشي عند طرف المقبرة من أعلاها. ومنها: بئر بالبستان الذي أنشأه القائد سعد الدين جبروة. ومنها: بئر ببستانة الذي أمامه إلى جهة منى. ومنها: بئر ببستان له بن هذين البستانين إلى جهة شعب البياضية. ومنها: بئر خلف سبيل ابن شداد١ السابق ذكره. ومنها: بئر في بستان ينسب لابن فطيس أمام هذا السبيل ومنها: بئر في محاذاة المعابدة فيها الماء، ويقال لها: أم قرنين. ومنها: بئر لا ماء فيها في الموضع الذي يقال لها: الخرمانية، وهو أودان برأس المعابدة على جادة الطريق على يمين الهابط إلى مكة. ومنها: البئر التي يقال لها: بئر آدم على يمين الذاهب إلى منى وليست على جادة الطريق، وممن عمرها الأمير شيخون٢ العمري الناصري في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة٣. ومنها: بئر يقال لها: البياضية. ومنها: بئر ميمون بن الحضرمي أخي العلاء بن الحضرمي، وهي التي الآن بالسبيل المعروف بسبيل الست بطريق منى، وممن عمرها: المظفر صاحب إربل في سنة أربع وستمائة على ما وجدت بخط عبد الرحمن بن أبي حرمي المكي في حجر بهذه البئر يتضمن عمارة صاحب إربل لها٤، وعرفها ببئر ميمون الحضرمي، ورأيت لبعضهم ما يقتضي أن بئر ميمون بطريق وادي مر الظهران، وهو وهم، والله أعلم. ومنها: بئر محاذية لبركة السلم على يسار الذاهب إلى منى. ومنها بئر يقال لها: بئر النجار، وتعرف بالمعلم عبد الرحمن بن عقبة المكي على يسار الذاهب إلى منى أيضا، وممن عمرها الأمير شيخون في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة٣، وعَمرها بعده الأمير جركتمر المارديني٥ صاحب الحجاب بالقاهرة، ومقدم العساكر بمكة٦ في سنة إحدى وستين وسبعمائة. ومنها: بئر أمام هذه البئر إلى منى في وجهتها إلى جهة منى عند رأس الشعب الذي يقال له: شعب البيعة الذي فيه مسجد البيعة السابق ذكره، وتعرف هذه البئر ببركة مسهر.

стр. 492

ومنها: البئر المعروفة بصلاصل، وهي من الآبار الإسلامية على ما ذكره الأزرقي١. ومنها: بئر بقرب هذه البئر يقال لها: الجنينة بجيم مضمونة ونون مفتوحة وياء مثناة من تحت ونون، وهي وصلاصل في الجانب الذي يكون على يمين الذاهب إلى منى، وكلام الأزرقي يقتضي أن البئر المعروفة ببركة مسهر في صلاصل، لأنه قال: وبئر الصلاصل بفم شعب البيعة عند العقبة، عقبة منى ... انتهى، والله أعلم. ولم يبين الأزرقي سبب تسميتها بصلاصل، ولعل ذلك نسبتها إلى صلصل بن أوس بن مخامس بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم، لأن الفاكهي روى بسنده عن هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: كانت العرب في أشهر الحج على ثلاثة أهواء، منهم من يفعل المنكر وهم المحلون الذين يحلون الأشهر الحرم فيغتالون فيها ويسرقون، ومنها من كان يكف عن ذلك، ومنهم أهل هوى شرعه صلصل بن أوس بن مجاسر بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم في قتال المحلين، ثم قال بعد أن ذكر المحرمين: وكانوا يسمونهم الصلاصل، لأن صلصلا شرع ذلك، وكانوا ينزلون على بئر قريبة من مكة، ثم يتفرقون في الناس منها، وكانت البئر تسمى ببئر صلاصل ... انتهى. ولكن يعكر على نسبة هذه البئر لصلاصل المشار إليه ما ذكره الأزرقي من أن صلاصل البئر التي ذكرها من الآبار الإسلامية فإن مقتضى ما ذكره الكلبي أن تكون من الآبار الجاهلية، والله أعلم بالصواب. وذكر الأزرقي ما يخالف ما ذكره من أن صلاصل من الآبار الإسلامية، لأنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: ذكر الآبار الإسلامية، وهي التي ذكر فيها ما سبق ذكره عنه في صلاصل تلو قوله: عقبة منى، وفيها يقول أبو طالب: وتسمله حتى يصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل٢ ... انتهى. وإذا كان أبو طالب ذكر هذه البئر فهي جاهلية. ذكر الآبار التي بمنى وهي خمس عشرة بئرا: منها: بئر تعرف بالحجامية بقرب جمرة العقبة في بستان عندها. ومنها: بئر يقال لها: كدانة بدال مهملة مشددة ونون بعد الألف في منزلة المحمل المصري. ومنها:

стр. 493

بئر يقال لها: عمارة بفتح العين وتشديد الميم في الشعب الذي يلي ذلك، وهي حلوة، ومنها: بئر يقال لها: الكليبية، حلوة أيضا، ومنها: بئر يقال لها: بئر إسماعيل ويقال لها: دغبح. ومنها: بئر في بيت الجاعفرة عند بيت أبي مغامس في الطريق الوسطى ومنها: بئر بقرب الشعب الذي يقال له: سمير، ينسب لموسى بن غصون ومنها: بئر بقربها تنسب لابن فطيس.. ومنها: بئر بقربها يقال لها: أم النخلة، وتنسب لابن معيوف، ومنها: بئر يقال لها. أم الحمام، حلوة: ومنها: بئر بقرب أم النخلة، عمرتها زوجة الملك المنصور صاحب اليمن، في سنة خمس وأربعين وستمائة. ومنها: بئر يقال لها: العسيلة في منزلة بني حسن بمنى. ومنها: بئر في الشعب الذي يقال له: سمير. ومنها: بئر يقال لها: العراقيب، حلوة، في الشعب الذي يقال له: شعب عمرو، على يسار الذاهب إلى عرفة. وبمنى آبار أُخر في بعض بيوتها لا تعرف على ما بلغني. ذكر الآبار التي بمزدلفة: بمزدلفة ثلاثة آبار: منها: بئر قبالة المشعر الحرام على يمين الذاهب إلى عرفة، ومنها: بئر بقربها في الجهة اليمنى يقال لها: بئر البقرة، ومنها: بئر في الجهة اليسرى محاذية للمشعر الحرام في منزلة الركب العراقي، وفيما بين مزدلفة وعرفة: بئر يقال لها: السقيا على يسار الذاهب إلى عرفة. ذكر الآبار التي بعرفة: بعرفة آبار، فيها الآن الماء، فمنها: بئر يقال لها: الزيادة الكبرى، ومنها: بئر يقال لها: الزيادة الصغرى، ومنها: بئر يقال لها: الشمردقية، وفيها عدة آبار أخر لا ماء فيها، عمرها المظفر صاحب إربل. وقد ذكرناها مع تاريخ عمارة المظفر لها في أصل هذا الكتاب، والله أعلم. ذكر الآبار التي بظاهر مكة من أعلاها: فيما بين بئر ميمون بن الحضرمي والأعلام التي هي حد الحرم في طريق جادة وادي نخلة، وفيما بين بئر ميمون والأعلام المشار إليها خمس عشرة بئرا: منها أربعة آبار تعرف بآبار العسيلة، وفي رأس طي بعضها ما يقتضي أن المقتدر العباسي أمر بحفر بئرين منها، وفي طي بعضها ما يقتضي أن العجوز والدة المقتدر عمرتها مع سقايات هناك، ومسجد لا يعرف الآن منه شيء، وقد ذكرنا نص المكتوب في أصل هذا الكتاب والبئر الرابعة من آبار العسيلة جددها بعد دثورها بعض الآمراء

стр. 494

المصريين في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة١. وبقية الآبار لا ماء فيها إلا بئر لأبي بكر الحصار، وهي تلي آبار العسيلة. ذكر الآبار التي بأسفل مكة في جهة التنعيم: فيما بين باب مكة المعروفة بباب الشبيكة والتنعيم ثلاث وعشرون بئرا بجادة الطريق. منها: بئر الملك المنصور صاحب اليمن عند سبيله، وتعرف بالزاكية، وقد ذكرنا هذه الآبار في أول هذا الكتاب أوضح من هذا. ومنها: الآبار المعروفة بآبار الزاهر الكبير، وبعض هذه الآبار من عمارة المقتدر العباسي، وبقرب الشبيكة آبار أخر يقال لها: الزاهر الصغير، وهي ثلاثة آبار منها واحدة لا ماء فيها ولها قرنان، في أحدهما حجر مكتوب فيه تاريخ عمارتها. وبقرب هذه الآبار بئر ببطن ذي طول على مقتضى ما ذكره الأزرقي في تعريف ذي طول٢. وبأسفل مكة أيضا: بئر يقال لها. الطنبداوية٣. وبأسفل مكة مما يلي بابها المعروف بباب الماجن عدة آبار، منها بئر بقربه من خارجه، وبئر بالشعب الذي يقال له: "خم" بخاء معجمة٤. ذكر عيون مكة المشرفة: روينا بالسند المتقدم إلى الأزرقي قال في العيون التي أجريت في الحرم: كان معاوية رضي لله عنه قد أجرى في الحرم عيونا، واتخذ له أخيافا، وكانت حوائط وفيها النخل والزرع، وسردها الأزرقي٥، وذكرنا كلامه في أصل هذا الكتاب. قال: وقد كانت عيون معاوية ﵁ تلك قد انقطعت وذهبت، فأمر أمير المؤمنين الرشيد بعيون، فعملت وأحييت وصرفت في عين واحدة، ثم قال: ثم كان الناس بعد تقطع هذه العيون في شدة الحاجة إلى الماء، وكان أهل مكة والحجاج يلقون في ذلك المشقة حتى أن الراوية لتبلغ في الموسم عشرة دراهم، وأقل وأكثر، فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبي

стр. 495

الفضل جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور، فأمرت في سنة أربع وسبعين ومائة بعمل بركتها التي بمكة، فأجرت لها عينا من الحرم فجرت بماء قليل، فلم يكن فيه ري لأهل مكة، وقد غرمت في ذلك غرما عظيما، فبلغها فأمرت المهندسين أن يجروا لها عينا من الحل. ثم أمرت من يزن عينها الأولى فوجدوا فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها، وأبطلت تلك العيون، فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون من العمل، وعظمت في ذلك رغبتها، وحسنت نيتها، فلم تزل تعمل فيها حتى بلغت ثنية خل١، فإذا الماء لا يظهر في ذلك الجبل، فأمرت بالجبل فضرب فيه، وأنفقت في ذلك من الأموال ما لم تكن تطيب به نفس كثير من الناس، حتى أجراها الله على يديها وأجرت فيها عيونا من الحل، منها عين المشاش٢، واتخذت له بركا تكون فيها السيول إذا جاءت تجتمع فيها، ثم أجرت لها عيونا من حنين واشترت حائط حنين، فصرفت عينه إلى البركة، وجعلت حائطه سدا يجتمع فيه السبل. فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها، وطابت نفسها بالنفقة فيها بما لم تطب به نفس أحد غيرها ... انتهى باختصار. وقد ذكرنا ذلك كله في أصل هذا الكتاب٣. وذكر أبو الحسن المسعودي في "تاريخه" مقدار ما صرفت زبيدة على هذه العين، لأنه ذكر أن القاهر العباسي سأل محمد بن علي العبدي الخراساني الإخباري أن يبسط له في أخبار زبيدة، فذكر أن لها في الجد والعزم ما بررت به على غيرها، فأما الجد فالآثار الجميلة التي لم يكن في الإسلام مثلها، مثل حفرها العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، فإنها حفرتها ومهدت الطريق لمائها في كل خفض ورفع، وسهل ووعر، حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلا إلى مكة، وكان جملة ما أنفقت عليها فيما ذكروا قدر بألف ألف وسبعمائة ألف دينار٤ ... انتهى باختصار. وهذه العين في غالب ظني عين مكة المعروفة بعين بازان٥ -بباء موحدة وألف ثم زاي معجمة ثم ألف ونون- لأنها من هذه الجهة، وقد عمر هذه العين جماعة من الخلفاء والملوك، منهم المستنصر العباسي غير مرة، منها: مرة في سنة خمس وعشرين وستمائة٦. ومنها: مرة في سنة أربع وثلاثين وستمائة. ومنهم: الأمير جوبان٧ نائب

стр. 496

السلطنة بالعراق، عن السلطان أبي سعيد بن خرابندا ملك التتار، وذلك في سنة ست وعشرين وسبعمائة١، ووصلت إلى مكة في العشر الأخير من جمادى الأولى من هذه السنة، وعم نفعها وعظم. وكان جريانها هذا نعمة من الله تعالى ورحمة منه لأهل مكة، فإن الناس كانوا بمكة في جهد عظيم لقلة الماء بمكة. ولجد والدي لأمه الشيخ دانيال بن علي بن يحيى المرستاني٢ أحد كبار مشيخة العجم بمكة في جريانها سعي مشكور، أجزل الله له ولمن أعانه على ذلك الثواب فيه. وجملة ما صرف على هذه العين في هذه العمارة: مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم على ما قيل، وكانت تحتمل من المصروف زيادة على هذا القدر مثله وأكثر، والسبب في الاقتصار على القدر المعين: الاستغناء به عن غيره بسبب ماء وجد فيها حين عمارتها من العين المعمولة المهيأة من قديم الزمان، وهي أكثر من الثلث وأقل من النصف. وعمرت بعد ذلك غير مرة في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وهذه العمارة من جهة السيد الشريف حسن بن عجلان نائب السلطنة بمكة والأقطار الحجازية أعلى الله قدره، وكان دخولها مكة في آخر العشر الأوسط من جمادى الأولى منها، وجرت جريا حسنا بحيث امتلأت منها بركة الماجن بأسفل مكة وتعدى الماء إلى غيرها، وكثر الدعاء له بسبب ذلك لما حصل بها من عظيم النفع، وبيعت منها الراوية بربع مسعودي، بعد أن كانت بدرهمين مسعوديين وأزيد، فلله الحمد والشكر، ثم حصل في جريانها قصور في آخر السنة، ثم انصلح حالها في أول سنة اثنتي عشرة وثمانمائة من غير عمل، ثم تغير حالها قليلا، ثم عمرت وانصلح حالها كثيرا ثم تغير حالها كثيرا في آخر هذه السنة. ثم جرت جريا حسنا في العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وهي مستمرة على جريانها إلى الآن. غير أن الماء يكثر حينا ويقل حينا، ونسأل الله تعالى تيسير الخير، والشهاب بركوت المكين سلمه الله يحسن في أمرها، لأنه يقوم بمصالحها من سنة ثلاث عشرة وثمانمائة إلى تاريخه، وهو سنة سبع عشرة وثمانمائة. ثم بعد ذلك قل ماؤها ولقي الناس بمكة شدة بسبب ذلك، وعرف بهذا الأمر مولانا السلطان الأعظم الملك المؤيد أبو النصر شيخ صاحب الديار المصرية والشامية والحمرين، آدام الله تعالى توفيقه وتأييده ونصره، فتطوع بألفي مثقال ذهبا لعمارة هذه العين، لأنه ما زال بمصالح أهل الحرمين كثير الاهتمام، وقد يكون منه عليهم الجزيل من الإنعام. وندب القائد علاء الدين٣ لعمارة ذلك، فشرع في العمارة

стр. 497

والتنظيف والإصلاح حتى وصل الماء لمكة المشرفة وحصل به النفع، وتضاعفت الأدعية من سكان الحرم لمولانا السلطان بسبب ذلك. وكان حصول هذا الخير بمكة في شعبان سنة إحدى وعشرين وثمانمائة١. وابتدأ العمل في جمادى الآخرة من السنة المذكورة. ثم قل جريان الماء في العين المذكورة بعد قليل من جريانها الأول، ويسر الله دخول سيل فيها فجرت جريا أحسن من جريها الأول، وصرفت إلى بركتي المعلاة اللتين على يمين الداخل إلى مكة، فامتلأتا وحصل بهما للحجاج نفع كثير، ولم يبق فيهما بعد سفر الحاج ما فيه كثير نفع، وعلى الماء كثيرا، وشق ذلك على الناس، فوفق الله تعالى القائد علاء الدين بعمارة العين، وبعث إليها عمالا ومهندسا يعمرون فيها ما لم يعمروا في النوبة الأولى، وبعض ما عمر فيها لتخربه بالسيل، ووصل الماء إلى مكة بعد ذلك في آخر صفر سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة٢، وكان جريه قليلا، فزادوا في العمارة حتى جرى الماء وعظم النفع به بحيث بيعت الراوية بنصف مسعودي، وبما يزيد، وبدرهم، وهذا أكثر مما بيعت به الراوية بعد عمارة العين في النوبة الثانية وبلغني أنها بيعت بجايز. وقد وصل الماء أي ماء العين إلى البركة التي بأسفل مكة المعروفة ببركة الماجن خارج باب مكة المعروف بباب الماجن، بعد تنظيف الطريق إليها وزرعوا بماء العين أودانا بقرب بركة الماجن، فلله الحمد، وفاز القائد علاء الدين بدعاء جزيل. وكان جريانه القوي في العمارة الثانية في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، فالله تعالى يثيبه ويحسن إليه ويجزيه خيرا بمحمد وآله أجمعين. ومن العيون التي أجريت بمكة: عين أجراها الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة٣ في مجرى عين بازان، على ما ذكر البرزالي في "تاريخه" نقلا عن كتاب العفيف المطري إليه، لأنه ذكر في أخبار هذه السنة أنه ورد عليه كتاب من العفيف المطري فيه أمور: ومنها: أجريت عين أخرى كانت تعرف بعين جبل ثقبة مما يلي جبل حراء على مجرى العين الجوبانية، وأنفق عليها قدر يسير، قدر خمسة آلاف درهم، ووصلت إلى مكة، وخرجت من أسفلها، وكان ذلك على يد ابن هلال الدولة مشيد العمائر، وتاريخ كتاب العفيف سلخ ربيع الأول سنة ثمان وعشرين٤ ... انتهى.

стр. 498

ومنها: عين أجراها الأمير المعروف بآل ملك نائب السلطنة في مصر في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، من منى إلى بركة السلم بطريق مني١. ونختم هذه الترجمة بحكاية عجيبة تتعلق بعين مكة، وهذه الحكاية ألفيتها مذكورة في الكتاب المسمى "آكام المرجان في أحكام الجان"٢، ونصها فيه: ونقلت من خط الشيخ العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي ﵀ وحدثني به أيضا، قال: وقعت هذه الواقعة بعينها في مكة سنة أجرى العين بها. فأخبرني إمام الحنابلة بمكة وهو الذي كان أجراها على يده، وتولى مباشرتها بنفسه نجم الدين خليفة بن محمود الكيلاني قال: لما وصلنا في الحفر إلى موضع ذكره خرج أحد الحفارين من تحت الحفر مصروعا لا يتكلم، فمكث كذلك طويلا، فسمعناه يقول: يا مسلمون، لا يحل لكم أن تظلمونا. قلت له أنا: وبأي شيء ظلمناكم؟ قال: نحن سكان هذه الأرض، ولا والله ما فيهم مسلم غيري وقد تركتهم ورائي مسلسلين وإلا كنتم لقيتم منها شرا، وقد أرسلوني إليكم يقولون لا ندعكم تمرون، فهذا الماء في أرضنا حتى تبذلوا لنا حقنا، قلت: وما حقكم؟ قال: تأخذون ثورا فتزينوه بأعظم زنية، تلبسونه وتزفونه من داخل مكة حتى تنتهوا به إلى هنا، فاذبحوه ثم اطرحوا لنا دمه وأطرافه ورأسه في بئر عبد الصمد وشأنكم بباقيه، وإلا فلا ندع الماء يجري في هذه الأرض أبدا، قلت: نعم أفعل ذلك، قال: وإذا بالرجل قد أفاق فمسح وجهه وعينيه ويقول: لا إله إلا الله. أين أنا؟! قال: وقام الرجل ليس به قلبه، فذهبت إلى بيتي، فلما أصبحت ونزلت أريد المسجد إذا برجل على الباب لا أعرفه، فقال لي: الحاج خليفة ههنا؟ فقلت: وما تريد به؟ قال: حاجة أقولها له، قلت له: قل لي الحاجة وأنا أبلغها إياها فإنه مشغول، قال لي: قل له إني رأيت البارحة في النوم ثورا عظيما قد زينوه بأنواع الحلي واللباس، وجاءوا يزفونه حتى مروا به على دار الخليفة فوقفوه إلى أن أخرج وراءه. وقال: نعم. هو هذا، ثم أقبل به يسوقه والناس خلفه يزفونه حتى خرج به من مكة، فذبحوه وألقوا راسه وأطرافه في بئر. قال: فعجبت من منامه وحكيت الواقعة والمنام لأهل مكة وكبرائهم، فاشتروا ثورا وزينوه وألبسوه، وخرجنا به نزفه حتى انتهينا إلى موضع الحفر، فذبحناه وألقينا رأسه وأطرافه ودمه في البئر التي سماها، قال: ولما كنا قد وصلنا إلى ذلك الموضع كان الماء يفور ولا ندري أين يذهب أصلا، ولا نرى له عينا ولا أثرا،

стр. 499

قال: فما هو إلا أن طرحنا ذلك في البئر، حتى كان من أخذ بيدي وأوقفني على مكان وقال: احفروا ههنا، قال: فحفرنا، فإذا بالماء يموج في ذلك الموضع، وإذا طريق منقورة في الجبل يمر تحتها الفارس بفرسه، فأصلحناها ونظفناها فجرى الماء فيها نسمع هديره، فلم يكن إلا نحو أربعة أيام، وإذا بالماء بمكة، وأخبرنا من حول البئر أنهم لم يكونوا يعرفون في البئر ما يريدونه، فما هو إلا أن امتلأت وصارت موردا ... انتهى. والشيخ شمس الدين الحنبلي المذكور في هذه الحكاية هو ابن قيم الجوزية١، وقال بعد ذكرها: وهذا الرجل الذي أخبر بهذه الحكاية كنت نزيله وجاره، وخبرته فرأيته من أصدق الناس وأدينهم وأعظمهم أمانة، وأهل البلد كلمتهم واحدة على صدقه ودينه، وشاهدوا هذه الواقعة بعيونهم ... انتهى. وبئر عبد الصمد المذكور في هذه الحكاية لا تعرف الآن، والعين المشار إليها عين بازان، ويغلب على ظني أن الماء جرى فيها لما عمرها أصحاب جوبان، والله أعلم. ذكر المطاهر التي بمكة: بمكة مطاهر أعظمها نفعا: مطهرة الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر عند باب بني شيبة، وكان اشترى موضعها من الشريفين عطيفة٢ ورميثة٣ ابني أبي نمى أميري مكة نيابة عنه بخمسة وعشرين ألف درهم، وكانت عمارتها في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وفيها وقفت٤. ومنها: مطهرة الأمير المعروف بآل ملك نائب السلطنة بمصر عند باب الحزورة، وأظن أنه عمرها في سنة خمس وأربعين وسبعمائة٥، والله أعلم، وهي الآن معطلة. ومنها: مطهرة الأمير صرغتمش الناصري أحد كبار الأمراء في دولة الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وهي فيما بين البيمارستان المستنصري ورباط أم الخليفة، وتاريخ عمارتها سنة تسع وخمسين وسبعمائة، ثم عمرها في عصرنا بعض تجار الشام وأدارها في سنة ثمان وثمانمائة أو في التي بعدها، وعمرت في سنة إحدى عشرة وثمانمائة من وصية أوصى بها بعض تجار العجم وأدبرت فيها.

стр. 500

ومنها: مطهرة الملك الأشرف شعبان بن حسين ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون بالمسعى قبالة باب المسجد الحرام المعروف بباب علي، وكان المتولي على عمارتها الأمير أبو بكر بن سنقر الجمالي في سنة ست وسبعين وسبعمائة، وللأشرف عليها وقف بمكة، ربع فوقها، ودكاكين، ووقف بضواحي القاهرة. ومنها: مطهرة خلفها للنسوة، عمرتها أم سليمان المتصوفة صاحبة الزاوية بسوق الليل، وفرغ من عمارتها في سنة ست وسبعين وسبعمائة. ومنها: مطهرة الأمير زين الدين بركة العثماني رأس النوب١ بالقاهرة، وخشداش٢ الملك الظاهر صاحب مصر، وهي التي بسوق العطارين الذي يقال له: سوق النداء عند باب بني شيبة، وكان إنشاؤها وإنشاء ربعها ودكاكينها في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ومنها: مطهرة تنسب إلى الأمير الطنبغا المعروف بالطويل أحد الأمراء المقدمين بالقاهرة في أوائل عشر السبعين وسبعمائة، وأظنها عمرت في هذا التاريخ، وهي بقرب الموضع المعروف بخرابة قريش، وبينهما الطريق إلى باب الشبيكة وإلى السويقة٣ وغير ذلك. ومنها: مطهرة عند باب الحزورة يقال لها: مطهرة الواسطي، وما عرفت الواسطي المنسوبة إليه ولا متى وقفت٤.

стр. 501

الباب الرابع والعشرون: ذكر شيء من خبر بني المحض بن جندل ونسبهم: قال المسعودي في "تاريخه": وقد تنازع أهل الشرائع في قوم شعيب بن نويل١ بن عوائيل٢ بن مدين بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم الخليل ﵇ وكان لسانه العربية، منهم: من رأى أنهم من العرب الدائرة والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية. ومنهم من رأى أنهم من ولد المحض بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم الخليل، وأن شعيبا أخوهم في النسب، وقد كانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة ومنفصلة، فمنهم المسمى: بأبجد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت. وهم على ما ذكرنا بنو المحض بن جندل، وأحرف الجمل هي٣ أسماء هؤلاء الملوك، وهي الأربعة٤ والعشرون حرفا التي عليها حساب الجمل. ثم قال المسعودي: فكان أبجد: ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز، وحطي ملكين ببلاد وج، وهي أرض الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرشت ملوكا بمدين، وقيل: ببلاد مصر. وكان كلمن على ملك مدين. ومن الناس من رأى أنه كان ملك جميع من سمينا مشاعا متصلا على ما ذكرنا، وأن عذاب يوم الظلة كان في ملك كلمن.

стр. 502

ثم قال المسعودي: وقد ذكرهم المنتصر بن المنذر المزني بأبيات، يقول فيها: ملوك بني حطي وسعفص ذي الندى ... وهوز أرباب الثنية١ والحجر هم ملكوا أرض الحجاز ووجه٢ ... كمثل شعار الشمس أو صورة البدر ولهذه٤ الملوك أخبار عجيبة٥ ... انتهى باختصار. ذكر شيء من أخبار العماليق ملوك مكة ونسبهم: أما نسبهم: فذكره غير واحد من أهل الأخبار، منهم ابن إسحاق؛ لأنه قال في "سيرته" تهذيب ابن هشام: وطسم، وعملاق، وأمير: بنو لاوذ بن سام بن نوح، عرب كلهم ... انتهى. وعمليق الذي ذكره الزبير بن بكار، هو عملاق الذي ذكره ابن إسحاق، لأن ابن هشام قال بعد ذكره لخبر فيه ذكر العماليق: وهو ولد عملاق، ويقال: عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ... انتهى. وتحصل مما قالوا إن والد عملاق يقال له: لوذ ولاوذ، وسقط فيما ذكروه من نسب عملاق: "إرم" بين لاوذ وسام بن نوح على ما ذكره المسعودي في غير موضع من تاريخه، لأنه قال لما ذكر ديانات العرب وآراءها في الجاهلية وتفرقها في البلاد: وسار بعد جديس عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح بولده ومن اتبعه، وهو يقول بعد أن ذكر شعرا: فنل هؤلاء أكناف الحرام والتهائم، ومنهم من صار إلى بلاد مصر والمغرب. وقال المسعودي لما ذكر أخبار نوح ﵇ ما يوافق ذلك أيضا٦. وذكر المسعودي في موطن آخر ما يقتضي سقوط "إرم" في نسب عملاق، ولا منافاة بين من أثبته في النسب وبين من أسقطه، لأن من أثبته ذكر النسب على وجهه، ومن أسقطه نسب "لاوذ" إلى جده "سام" لأنه يجوز أن ينسب الإنسان إلى أبيه وإلى جده، كما قال النبي ﷺ : "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".

стр. 503

وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ . وقد قيل: إن العماليق من ولد "العيص" ابن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇ ذكر هذا القول المسعودي في "تاريخه" في غير موضع، لأنه قال لما ذكر مكة وأخبارها، وبناء البيت الحرام، ومن تداوله من جرهم وغيرها: وقد كانت العماليق بغت في الأرض، فسلط عليهم ملوك الأرض فأفنتها. وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكر الروم وأنسابهم من ألحق ولد١ عملاق وغيرهم ممن ذكرنا بولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وأن علماء العرب تنسبهم إلى غير ذلك، وهو الأشهر في الناس٢. وذكر في باب أخبار الروم ما يقتضي: أن العماليق عند من قال في نسبهم هذه المقالة: من ولد اليعاز بن عيصو، وأن عيصوا هو العيص بن إسحاق٣. وروينا في "تاريخ الأزرقي" خبرا عن ابن عباس ﵄ فيه ما يقتضي أن العماليق من حمير٤. وروينا في تاريخ الأزرقي" مثله، عن عبد الله بن خيثم، وسنذكر إن شاء الله تعالى هذين الخبرين فيما بعد. وفي كون العماليق من حمير نظر، لأن العماليق من ولد إرم بن سام بن نوح، على ما ذكر المسعودي، وحمير من ولد أرفخشذ بن سام بن نوح، وهو: حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، واسمه: يقطن على ما قال الحازمي في العجالة" ابن عابر، ويقال: ابن غبير بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، هذا مقتضى ما نسبه ابن إسحاق في نسب حمير. وذكر أن اسم أبيه: سبأ عبد شمس، قال: وإنما سمي سبأ، لأنه أول من سبا في العرب ... انتهى. وقد اتضح مما ذكرناه نسب العماليق وشيء من خبرهم، ونتبع ذلك بشيء من خبرهم. قال الفاكهي: حدثنا عبد الله بن عمران المخزومي العائدي قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح قال: قال عثمان بن ساج: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: كان البيت في زمن هود معروفا، والحرم قائما فيما يذكرون والله أعلم وأهل مكة يومئذ العماليق، وإنما سموا العماليق، لأن أباهم عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح. وكان سيد العماليق

стр. 504

فيما يزعمون يومئذ رجل يقال له: بكر بن معاوية، وهو الذي نزل عليه وفد عامر حين بعثوا إلى مكة يستسقون١. قال الفاكهي: وحدثنا محمد بن علي المروزي قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل قال: قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصن، عن عروة بن الزبير، قال: كانت الحجاز أسحر أرض الله وأكثرها ماء، وإنما كانت الخرق مظلة عليها. قال: يقول عروة: لقد بلغني أن العماليق تسرح بها في الغداة الواحدة ألفي ناضح، بين أحمر وجون٢ ... انتهى. وروى الفاكهي بسنده إلى أبي جهو بن حذيفة أخبارا فيها ذكر شيء من حال العماليق، فنذكر ما فيها من ذلك: ففي بعضها: أن جبريل ﵇ كان لا يمر بقرية إلا قال له إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول له جبريل: لا، حتى مر به على مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم. والعماليق يومئذ حول الحرم، وهم يكونون بعرنة، وهم أول من نزل حول مكة، وكانت المياه يومئذ قليلة٢. وفي بعض الأخبار بعد أن ذكر إخراج الله الماء لإسماعيل ﵇ وأقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرين لهما قد أخطأه، فقد عطشا وأهلهما بعرنة، فنظرا إلى طير يهوي قبل الكعبة، فاستنكر ذلك، ثم قال بعد أن ذكر استدلالهما على الماء بالطير: فاتبعا الواردة منها حتى وقفا على أبي قبيس، فنظرا إلى الماء وإلى العريش، فنزلا وكلما هاجر، وسألاها: متى نزلت؟ فأخبرتهما، وقالا: لمن هذا الماء؟ فقالت: لي ولابني، فقالا: من حفره؟ فقالت: سقيا الله، فعرفا أن أحدا لا يقدر أن يحفر هنالك ماء، وعهدهما بما هنالك قريب، وليس به ماء، فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما، وأخبراهم، فتحولوا حتى نزلت معهما على الماء، وأنست بهم، ومعهم الذرية، ونشأ إسماعيل ﵇ مع ولدانهم. وكان إبراهيم ﵇ يزور هاجر في كل شهر على البراق، يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله الشام، ونظر من هنالك من العماليق وإلى كثرتهم، وعمارة الماء، فسر بذلك وقرت به عينه. خروج العماليق من مكة: وكان العماليق ولاة الحكم بمكة، فضيعوا حرمة البيت، واستحلوا منه أمورا عظاما، ونالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام فيهم رجل يقال له: عملوق، فقال: يا قوم،

стр. 505

أبقوا على أنفسكم ولا تفعلوا المنكر، تواصلوا، ولا تستخفوا بحرم الله وبيته، فلم يقبلوا ذلك، وتمادوا في هلكة أنفسهم. وفيه: فكثر العماليق، فنازعوهم يعني جرهما وقطورا فنفوهم وأخرجوهم من الحرم كله، فكانوا في أطراف الحرم، لا يدخلون الحرم، فقال لهم صاحبهم عملوق: ألم أقل لكم لا تستخفوا بحرمة البيت، ولا تنتهكوا به، ولا تتجبروا؟ فغلبتموني ... انتهى. وذكر الأزرقي شيئا من خبر العماليق، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم، قال: حدثني جدي، عن سعد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أنه كان بمكة حيٌّ يقال لهم: العماليق، فكانوا في عز وكثرة وثروة، وكانت لهم أموال كثيرة من خيل وإبل١ وماشية، وكانت ترعى بمكة وما حولها من "مر" "ونعمان" وما حول ذلك، وكان "الجرف" عليهم مظلة، والأربعة مغدقة، والأودية تنسال٢، والعضاه ملتفة، والأرض مبقلة، فكانوا في عيش رخي، فلم يزل بهم البغي والإسراف على أنفسهم، والإلحاد بالظلم، وإظهار المعاصي، والإضطهاد لمن قاربهم، ولم يقابلوا ما أوتوا بشكر٣ الله، حتى سلبهم الله تعالى ذلك، فبغضهم٤ بحبس المطر عنهم، وتسليط الجدب عليهم، وكانوا يكرون بمكة الظل، ويبيعون الماء، فأخرجهم الله تعالى من مكة بالذر، سلطه الله عليهم حتى خرجوا من الحرم، فكانوا حوله، ثم ساقهم الله بالجدب يضع الغيث أمامهم ويسوقهم بالجدب، حتى ألحقهم الله تعالى بمساقط رءوس آبائهم، وكانوا قوما عربا من حمير، فلما دخلوا بلاد اليمن تفرقوا وهلكوا، فأبدل الله الحرم بعدهم بجرهم، فكانوا سكانه، حتى بغوا فيه، واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله جميعا٥. قال الأزرقي: وحدثني جدي إبراهيم بن محمد الشافعي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن خيثم قال: كان بمكة حيٌّ يقال لهم: العماليق، فأحدثوا فيها أحداثا، فجعل الله تعالى يقودهم بالغيث، ويسوقهم بالسنة، يضع الغيث أمامهم فيذهبون ليرجعوا، فلا يجدون شيئا، فيتبعون الغيث، حتى ألحقهم الله بمساقط رءوس آبائهم، وكانوا من حمير، ثم بعث الله عليهم الطاعون قال أبو خالد الزنجي: فقلت لابن خيثم: وما الطاعون؟ قال: الموت٦ ... انتهى.

стр. 506

وهذان الخبران هما اللذان أشرنا غلى أنهما يقتضيان أن العماليق من حمير، وليس فيهما ما يشعر بأن أحدا من الناس أخرجهم من مكة قهرا. وقد ذكر الأزرقي خبرا يقتضي أن جرهما وقطورا أخرجوا العماليق من مكة١، وسيأتي هذا الخبر إن شاء الله تعالى في أخبار جرهم. وما ذكرناه عن الفاكهي يقتضي ذلك أيضا، والله أعلم بالصواب. وسيأتي إن شاء الله تعالى في أخبار جرهم ما يقتضي أن العماليق كانوا ولوا مكة حينا مع جرهم، ولا معارضة بين هذا الخبر وبين الخبر الذي يقتضي أن العماليق كانوا ولاة مكة قبل جرهم، لأنه يجوز أن يكون طائفة من العماليق ولوا مكة قبل جرهم، وطائفة من العماليق غير الأولين ولوا مكة مع جرهم، والله أعلم. ووقع في خبر ذكره الفاكهي ما يوهم أن العماليق كانوا بعد جرهم، لأنه قال: وحدثنا حسين بن حسن قال: حدثنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا موسى بن أعين، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عمر، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أول من بنى البيت إبراهيم ثم هدم فبنته جرهم، ثم هدم البيت، فبنته العماليق، ثم هدم فبنته قريش٢ ... انتهى. ووقع في الخبر الذي رويناه عن ابن عباس في أخبار العماليق: أن أموالهم كانت ترعى بمكة وما حولها من "مر" و"نعمان"، فأما "مر" المشار إليه فهو: مر الظهران الذي يسميه أهل مكة: الوادي، ويقال له أيضا: وادي مر. وقد ذكر السهيلي خلافا في سبب تسميته بمر فقال: وسمي مرا، لأنه في عرق من الوادي من غير لون الأرض، شبه الميم الممدودة وبعدها راء خلقت كذلك، قال: ويذكر عن كثير أنه قال: سميت مرا لمرارتها، ولا أدري ما صحة هذا٣ ... انتهى كلام السهيلي. ونقل الحازم عن الكندي: أن مر: اسم للقرية، والظهران: اسم للوادي ... انتهى. وبين مر ومكة: ستة عشر ميلا، على ما قال البكري٤. وقيل: ثمانية عشر ميلا، وقيل: أحد وعشرون، حكاه ابن وضاح، والله أعلم. وأما نعمان المشار إليه فهو موضع مشهور فوق عرفة على طريق الطائف من عرفة، وفيه مزارع حسنة، والشعراء تذكره في شعرها٥، وهو بفتح النون الأولى، وفيه

стр. 507

أخذ الله الميثاق على ذرية آدم، لأن ابن الأثير في "كامله" قال: روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أخذ الله الميثاق على ذرية آدم بنعمان من عرفة، ثم قال ابن الأثير: نعمان بفتح النون الأولى١ ... انتهى. ذكر ولاية طسم البيت الحرام: روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم، قال: حدثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن قتادة قال: إن عمر بن الخطاب رضي لله عنه قال لقريش: إنه كان ولاة هذا البيت قبلكم طسم، فاستخفوا بحقه، واستحلوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم وليته بعدهم جرهم، فاستخفوا بحقه، واستحلوا حرمته، فأهلكم الله، فلا تهاونوا به، وعظموا حرمته٢ ... انتهى. وطسم، أخو عملاق، وقد سبق نسبه، فأغنى عن إعادته.

стр. 508

الباب الخامس والعشرون ذكر نسب جرهم ... الباب الخامس والعشرون: ذكر نسبهم: أما نسبهم فإنهم من ولد جرهم بن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوج ﵇ هذا مقتضى ما ذكره ابن إسحاق في "سيرته" وابن هشام في نسب جرهم. وذكر ابن هشام أن جرهما هو ابن قحطان أبو اليمن كلها، وإليه يجتمع نسبها مع ابن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ... انتهى. وقيل: إن جرهما بن مالك من الملائكة، وهذا يروى عن ابن عباس ﵄ رواه عنه الفاكهي في "تاريخه" لأنه قال: وحدثني حسن بن حسين أبو سعيد قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن ابن الكلبي، عن أبي المقوم الأنصاري واسميه يحيى بن ثعلبة عن الكلبي، عن أبي صالح قال: كنا عند ابن عباس ﵄ فذكرنا جرهما، فقال ابن عباس ﵄: كان الملك من الملائكة إذا أذنب ذنبا عظيما أهبط إلى الهوى، ونزعت منه روحاينة الملائكة وجعل في خلق ابن آدم، فأذنب ملك من الملائكة يقال له: عرعرا أو نحوها ذنبا فكان في الهوى، ثم هبط مكة، فتزوج امرأة من العماليق فولدت له جرهما، فذلك قول الحارث بن مضاض الجرهمي١: اللهم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم قلادك٢

стр. 509

.. انتهى. وشعر الحارث في هذا المعنى طويل، ذكره الفاكهي، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وقد أنكر السهيلي هذا الخبر لأنه قال: وجرهم هو الذي تتحدث به العرب في أكاذيبها، وكان من خرافاتها في الجاهلية أن جرهما ابن ملك أهبط من السماء لذنب أصابه، فغضب عليه من أجله، كما أهبط هاروت وماروت، ثم ألقيت فيه الشهوة، فتزوج امرأة، فولدت له جرهما، وقال فيه قائلهم: اللهم إن جرهما عبادكا ... الناس طرف وهم تلادكا ثم قال: من كتاب "الأمثال" للأصبهاني١ ... انتهى. وقال: وقد قيل: إنه كان مع نوح في السفينة وذلك أنه من ولده٢ ... انتهى. ولم يبين السهيلي قائل هذه المقالة، وقد بين ذلك الفاكهي في كتابه "أخبار مكة" لأنه روى فيه بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان في السفينة ثمانون إنسانا وفيهم جرهم٣ ... انتهى. وذكر السهيلي اختلافا في نسب قحطان الذي ينسب إليه جرهم، وفوائد تتعلق بقحطان، فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة، ونص كلامه: أما قحطان فاسمه مهرم فيما ذكر ابن ماكولا، وكانوا أربعة إخوة فيما روي عن ابن منبه: قحطان، وقاحط، ومقحط، وفالغ. وقحطان أول من قيل له: أبيت اللعن، وأول من قيل له: عم صباحا. واختلف فيه، فقيل: هو ابن غابر٤ بن شالخ٥، وقيل: هو ابن عبد الله أخو هود، وقيل: هو "هود" نفسه، فهو على هذا القول ابن إرم بن سام، ومن جعل العرب كلها من إسماعيل قالوا فيه: هو ابن تيمن بن قيدر بن إسماعيل، ويقال له: هو ابن الهميسع بن يمن. ثم قال: وقال ابن هشام: يمن هو ابن٦ يعرب بن قحطان ثم قال الإمام السهيلي: وقد احتجوا لهذا القول أعني أن قحطان من ولد إسماعيل ﵇ بقول:

стр. 510

النبي ﷺ : "ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا" قال هذا القول لقوم من أسلم بن قصي وأسلم أخو خزاعة، وهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وهم من سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ولا حجة عندي في هذا الحديث لأهل هذا القول، لأن اليمن لو كانت من إسماعيل مع أن عدنا كلها من إسماعيل بلا شك لم يكن لتخصيص هؤلاء القوم بالنسب إلى إسماعيل معنى، لأن غيرهم من العرب أيضا أبوهم إسماعيل، ولكن في الحديث دليل والله أعلم على أن خزاعة من بني لمعة١ أخي مدركة بن إلياس بن مضر٢ ... انتهى. وقد اختلف في نسب قحطان المنسوب إليه جرهم اختلافا كثيرا. فقال محمد بن عبدة بن سليمان النسابة فيما رواه عنه ابن عبد البر: اختلف النسابون جميعا في نسب قحطان على ثلاثة مقالات، تفرق كل أهل مقالة منها على ثلاثة مقالات، فنسبته طائفة إلى إرم بن سام بن نوح، وقالت فيه ثلاث مقالات. ونسبته طائفة إلى غابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقالت فيه ثلاث مقالات ونسبته طائفة إلى إسماعيل بن إبراهيم، وقالت فيه ثلاث مقالات ... انتهى. وقد بان بما ذكرناه في هذه الترجمة التي ذكرت شيء من نسب جرهم وقحطان وشيء من خبرهما.

стр. 511

ذكر من ملك مكة من جرهم ومدة ملكهم لها وما وقع في نسبهم من الخلاف وفوائد تتعلق بذلك: روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم قال: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني ابن إسحاق فذكر شيئا من خبر إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام وبني إسماعيل، ثم قال: "ثم توفي نابت بن إسماعيل، فولي بعده مضاض بن عمرو الجرهمي وهو جد نابت بن إسماعيل أبو أمه وضم بني نابت بن إسماعيل وبني إسماعيل إليه، وصاروا مع جدهم أبي أمهم مضاض بن عمرو ومع أخوالهم من جرهم، وجرهم وقطورا يومئذ أهل مكة، وعلى جرهم مضاض بن عمرو ملكا عليها وعلى قطورا رجل منهم يقال له: السميدع ملكا عليهم وكانا حينا ظعنا من اليمن أقبلا سيارة، وكانوا إذا خرجوا من اليمن لم يخرجوا إلا ولهم ملك يقيم أمرهم، فلما نزلا مكة رأيا بلدا طيبا وأراما١ وشجرا، فأعجبهما ونزلا به، فنزل مضاض بن

стр. 512

عمرو بمن معه من جرهم أعلا مكة وقعيقعان، فحاز ذلك، ونزل السميدع أجياد وأسفل مكة، فيما حاز ذلك. وكان مضاض بن عمرو يعشر من دخل مكة من أعلاها، وكان السميدع يعشر من دخل مكة من أسفلها ومن كداء١، وكل في قومه على حاله، لا يدخل واحد منهما على صاحبه في ملكه. ثم إن جرهما وقطورا بغى بعضهما على بعض، وتنافسوا الملك بها، فاقتتلوا بها حتى نشبت الحرب أو شبت الحرب بينهم على الملك، وولاة الأمر بمكة مع مضاض بن عمرو بني نابت بن إسماعيل، وبني إسماعيل، وإليه ولاية البيت دون السميدع فلم يزل البغي حتى سار بعضهم على بعض، فخرج مضاض بن عمرو من قعيقعان في كتيبة سائرا إلى السميدع، ومع كتيبته عدتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب، يقعقع ذلك معه، ويقال: ما سميت قعيقعان إلا بذلك. وخرج السميدع بقطوراء من أجياد ومعه الخيل والرجال، ويقال: ما سميى أجياد إلا بخروج الخيل الجياد مع السميدع حتى التقوا بفاضح، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السميدع وفضحت السميدع وفضحت قطوراء، ويقال: ما سمي فاضح فاضحا إلا بذلك. ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فساروا حتى نزلوا المطابخ شعب بأعلى مكة يقال له: شعب عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس فاصطلحوا بذلك الشعب، وأسلموا الأمر إلى مضاض بن عمرو، فلما جمع أمر مكة وصار ملكها له دون السميدع: نحر للناس وأطعمهم، وطبخ الناس وأكلوا فيقال: ما سمي المطابخ إلا بذلك. قال: وكان الذي بين مضاض بن عمرو والسميدع أول بغي كان بمكة فيما يزعمون، فقال مضاض بن عمرو الجرهمي في تلك الحرب يذكر السميدع وقتله وبغيه والتماسه ما ليس له: ونحن قتلنا سيد الحي عنوة ... فأصبح فيها وهو حيران موجع وما كان يبغي أن يكون سوانا ... بها ملك حتى أتانا السميدع٢ فذاق وبالا حين حاول ملكنا ... وعالج منا غصة تتجرع فنحن عمرنا البيت كنا ولاته ... ندافع عنه من أتانا وندفع

стр. 513

ومن كان يبغي أن يلي ذاك غيرنا ... ولم يكن حي قبلنا ثم يمنع وكنا ملوكا في الدهور التي مضت ... ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع قال ابن إسحاق: وقد زعم بعض أهل العلم أنها سميت المطابخ لما كان تبح نحر بها وأطعم بها، وكانت منزله. ثم نشر الله بني إسماعيل بمكة، وأخوالهم جرهم إذ ذاك الحكام وولاة مكة والبيت، كانوا كذلك بعد نابت بن إسماعيل، فلما ضاقت عليهم مكة وانتشروا بها انبسطوا في الأرض وابتغوا المعاش والتفسح في الأرض، فلا يأتون قوم لا ينزلون بلدا إلا أظهرهم الله تعالى عليهم بدينهم فوطؤوهم وغلبوهم عليها، حتى ملكوا البلاد ونفوا عنها العماليق ومن كان ساكنا بلادهم التي كانوا اصطلحوا عليها من غيرهم، وجرهم على ذلك بمكة ولاة البيت لا ينازعهم إياه بنو إسماعيل لخؤولتهم وقرابتهم وإعظام الحرم أن يكون به بغي وقتال. حدثني بعض أهل العلم قالوا: كانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة، فضيعوا حرمة مكة، واستحلوا منه أمورا عظاما، ونالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام رجل منهم يقال له عملوق، فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم فقد رأيتم وسمعتم خبر من أهلك من صدر الأمم قبلكم: قوم هود، وصالح، وشعيب، فلا تفعلوا المنكر وتواصلوا، ولا تستخفوا بحرم الله وموضع بيته، وإياكم والظلم والإلحاد فيه، فإنه ما سكنه أحد قط فظلم فيه وألحد إلا قطع دابرهم، واستأصل شأفتهم، وبدل أرضا غيرهم، حتى لا يبقى لهم بقية، فلم يقبلوا ذلك منه، وتمادوا في هلكة أنفسهم، قالوا: ثم إن جرهما وقطورا أخرجوا سيارة من اليمن، وأجدبت بلادهم عليهم، فساروا بذراريهم وأنفسهم وأموالهم، وقالوا: نطلب مكانا فه مرعى تسمن فيه ماشيتنا، فإن أعجبنا أقمنا فيه، فإن كل بلاد نزل بها أحد ومعه ذريته وماله فهي وطنه وإلا رجعنا إلا بلادنا فلما قدموا مكة وجدوا فيها ماء معينا وعضاها ملتفة من سلم وسمر، ونباتًا أسمن١ مواشيهم، وسعة من البلاد، ودفئا٢ من البرد في الشتاء، وقالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد، فأقاموا مع العماليق، وكان لا يخرج من اليمن قوم إلا ولهم ملك يقيم أمرهم، وكان ذلك سنة فيهم، ولو كانوا نفرا يسيرا، فلما كان مضاض بن عمرو ملك جرهم والمطاع فيهم، وكان السميدع ملك قطورا، فنزل مضاض بن عمرو أعلا مكة، فكان يعشر كل من دخلها من أعلاها، وكان حوزهم وجه الكعبة والركن الأسود والمقام وموضع زمزم مصعدا يمينا وشمالا وقعيقعان إلى أعلى الوادي، ونزل السميدع أسفل مكة وأجيادا٣،

стр. 514

فكان يعشر من دخل مكة من أسفلها، وكان حوزهم المسفلة، وظهر الكعبة، والركن اليماني والغربي، وأجياد، والثنية إلى الرمضة، فبنيا فيها البيوت واتسعا في المنازل وكثروا على العماليق، فنازعهم العماليق فمنعتهم جرهم وأخرجوهم من الحرم كله، فكانوا في أطرافه لا يدخلونه، فقال لهم صاحبهم عملوق: ألم أقل لكم لا تستخفوا بحرمة الحرم فغلبتموني؟ فجعل مضاض والسميدع يقطعان المنازل لمن ورد عليهما من قومهما، وكثروا وازيلوا وأعجبتهم البلاد، وكانوا قوما عربا، وكان اللسان عربيا، فكان إبراهيم ﵇ خليل الله يزور إسماعيل ﵇، فلما سمع لسانهم وإعرابهم، سمع لهم كلاما حسنا، ورأى قوما عربا وكان إسماعيل ﵇ قد أخذ بلسانهم، أمر إسماعيل أن ينكح فيهم، وخطب إلى مضاض بن عمرو ابنته رعلة، فزوجه إياها، فولدت له عشرة ذكور، وهي أم البيت وزوجته التي غسلت رأس إبراهيم ﵇ حين وضع رجله في المقام. ثم قال: فلم يزل أمر جرهم يعظم بمكة ويستفحل حتى ولوا البيت، فكانوا ولاته وحجابه، وولاة الأحكام بمكة، فجاء سيل فدخل البيت، فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم ﵇ وكان طوله في السماء تسعة أذرع، وقال بعض أهل العلم: كان الذي بني البيت لجرهم أبو الجدرة، فسمي عمرو الجادر، وسموا بنوه الجدرة. قال: ثم إن جرهما استخفت أمر البيت الحرام وارتكبوا أمورا عظاما وأحدثوا فيها المظالم وأحدثوا ما لم يكن، فقام مضاض بن عمرو بن الحارث فيهم خطيبا فقال: يا قوم احذروا البغي فإنه لا بقاء لأهله، قد رأيتم من كان قبلكم من العماليق استخفوا بالحرم فلم يعظموه، وتنازعوا بينهم واختلفوا فسلطكم الله عليهم فأخرجتموهم، فتفرقوا في البلاد، فلا تستخفوا بحق الحرم وحرمة البيت بيت الله ، ولا تظلموا من دخله أو جاءه معظما لحرمته، أو جاء بائعا لسلعته أو مرتعيا١ في جواركم، فإنكم إن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا منه خروج ذل وصغار، حتى لا يقدر أحد منكم أن يصل الحرم ولا إلى زيارة البيت الذي هو لكم حرم وأمن والطير تأمن فيه، فقال قائل منهم يقال له يجدع٢: من الذي يخرجنا منه؟ ألسنا أعز العرب وأكثرهم رجالا وأموالا وسلاحا؟ فقال مضاض بن عمرو: إذا جاء الأمر بطل ما تقولون. فلم يقصروا عن شيء مما كانوا يصنعون، وكان للبيت خزانة بئر في بطنها يلقى فيها الحلي والمتاع الذي يهدى له، وهو يومئذ لا سقف له، وتواعد له خمسة نفر من جرهم أن يسرقوا ما فيها، فقام على كل زاوية من البيت رجل منهم، واقتحم الخامس، فجعل الله أعلاه أسفله، وسقط منكسا، فهلك، وفر الأربعة الأخر. فعند ذلك مسحت الأركان الأربعة.

стр. 515

ثم قال: وقال أهل العلم: إن جرهما لما طغت في الحرم دخل رجل منهم وامرأة يقال لها إساف ونائلة البيت ففجرا فيه فمسخهما الله تعالى حجرين، فأخرجا من الكعبة فنصبا على الصفا والمروة ليعتبر بهما من رآهما وليزدجر الناس عن مثل ما ارتكبا١ ... انتهى. وقد يشتمل هذا الخبر على أمور من حال جرهم، وفيه موضعان يقتضيان أنهم أخرجوا العماليق من مكة، وهذا الخبر الذي أشرنا إليه بعد ذكرنا لخبر ابن عباس وابن خيثم في خروج العماليق من مكة، لكونه يفهم خلاف ما يفهمه الخبران المشار إليهما ... والله أعلم. وأظن أن أبا الوليد الأزرقي مؤلف "أخبار مكة" هو القائل: حدثني بعض أهل العلم، قالوا: كانت العماليق هم ولاة الحكم في مكة٢، إلى آخر ما ذكرناه من خبر العماليق وقطورا وجرهم، ويحتمل أن يكون قائل ذلك هو ابن إسحاق زيادة على ما ذكره من خبر جرهم وقطورا لما في ذلك من الفوائد الزائدة على ما ذكره أولا ... والله أعلم. وذكر المسعودي خبر جرهم وقوم السميدع على وجه يخالف ما ذكره الأزرقي عن ابن إسحاق، وأفاد في ذلك ما لم يفده غيره، فاقتضى ذلك ذكر ما فيه مما يلائم خبر المشار إليهم دون ما فيه من خبر غيرهم، إلا ما لا بد من ذكره، لارتباط الكلام به، قال المسعودي: ولما أسكن إبراهيم ولده ﵉ مكة مع أمه هاجر ثم قال: وكان من خبر إسماعيل وخبر هاجر ما كان إلى أن أنبع الله زمزم وأقحط الشحر واليمن، فتفرقت العماليق وجرهم، ومن هنالك من عاد، فيممت العماليق نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى والدار المخصبة وعليهم السميدع بن هوثر بن لاوي بن قطور بن كركر بن حمدان٣، فلما أمعنت٤ بنو كركر من المسير وقد عدمت الماء والمرعى واشتد بها الجهد، أقبل السميدع بن هوثر يرتجز بشعر له يحثهم على المسير ويشجعهم فيما نزل بهم، فقال: سيروا بني الكراكر في البلاد ... إني أرى الدهر في فساد قد سار من قحطان ذو الرشاد فأشرف روادهم وهم المتقدمون منهم لطلب الماء على الوادي، فنظروا إلى الطير يرتفع وينخفض، فاستبطنوا الوادي، فنظروا إلى العريش على الربوة الحمراء، يعني

стр. 516

موضع البيت، لأنه ذكر أنه كان ربوة حمراء، وفيها هاجر وإسماعيل، وقد زما حول الماء بالحجارة، ومنعوه من الجريان، ثم قال: فسلم الرواد عليهما واستأذنوهما في نزولهم وشربهم من الماء، فأنست إليهم وأذنت لهم في النزول، فتلقوا من وراءهم من أهلهم، وأخبروهم خبر الماء، فنزلوا الوادي مطمئنين مستبشرين بالماء لما أضاء لهم الوادي من نور النبوة وموضع البيت الحرام. ثم قال: وتسامعت جرهم ببني كركر، ونزولهم في الوادي، وما هم فيه من الخصب ودر الضرع، وهم في حال قحط، فساروا نحو مكة وعليهم الحارث بن مضاض بن عمرو بن سعد بن رقب بن ظالم بن هني١ بن نبت بن جرهم، حتى أتوا الوادي، ونزلوا على مكة، واستوطنوا الدار مع إسماعيل ومن تقدمهم من العماليق من بني كركر، وقد قيل في كركر: إنهم من العماليق، وقيل: من جرهم، والأشهر أنهم من العماليق. ثم قال بعد ذكر شيء من خبر إسماعيل: ولما قبض إسماعيل قام بالبيت بعده نابت بن إسماعيل، ثم قام بعد نابت إياس بن جرهم لغلبة جرهم على دار إسماعيل، وكان ملك جرهم يومئذ الحارث بن مضاض، وهو أول من ولي البيت، فكان ينزل هنالك في الموضع المعروف بقعيقعان لما ذكرنا، وخرج السميدع ملك العماليق معه الجياد من الخيل، فعرف الموضع بجياد إلى هذا الوقت، فكانت على الجرهميين فافتضحوا، فسمي الموضع فاضحا إلى هذه الغاية، ثم اصطلحوا ونحروا الجزور وطبخوا، فسمي الموضع المطابخ إلى هذه الغاية، وصارت ولاية البيت إلى العماليق، ثم كانت لجرهم عليه، فأقاموا ولاة البيت نحو ثلاثمائة سنة، وكان آخر ملوكهم الحارث بن مضاض الأصغر بن عمرو بن الحارث بن مضاض الأكبر، وزاد في بناء البيت ورفعه عما كان من بناء إبراهيم٢ ... انتهى. وقد أغرب المسعودي فيما ذكره من أن ملك جرهم حين قدموا إلى مكة: الحارث بن مضاض بن عمرو، فإن المعروف أن ملكهم إذ ذاك مضاض بن عمرو كما ذكر ابن إسحاق وغيره، وذكر المسعودي بعد ذلك ما يوافق ما ذكره ابن إسحاق.

стр. 517

وممن ذكر أن أول ملوك جرهم بمكة مضاض بن عمرو بن غالب الجرهمي الزبير بن بكار، لأنه قال: كان أول من ولي البيت من جرهم مضاض بن عمرو بن غالب الجرهمي، ثم ولده بعده، ثم بنوه كابرا عن كابر، حتى بغت جرهم بمكة ... انتهى. وأغرب المسعودي أيضا فيما ذكره من أن جرهما لما اقتتلوا مع السميدع وقومه، كانت الدائرة على الجرهميين، وأن ولاية البيت صارت للعماليق، ثم صارت لجرهم، والمعروف في قتال الفريقين أن الدائرة كانت على السميدع وقومه، وأنه قتل في هذه الواقعة، وانفرد مضاض بن عمرو الجرهمي بملك مكة كما هو مقتضى ما ذكره ابن إسحاق وغيره، ولا أعلم للمسعودي فيما ذكره في ذلك سلفا ولا خلفا إلا "شارخ العبدونية" فإنه ذكر في ذلك نحو ما ذكره المسعودي، ولعله قلد المسعودي في ذلك، فإنه متأخر عنه، والله أعلم. وأفاد المسعودي ﵀ فيما ذكره من خبر الفريقين أمورا لم يفدها غيره فيما علمت، منها: كون السميدع وقومه من العماليق، ومنها: كونهم قدموا إلى مكة قبل جرهم، ومنها: ما ذكره في مدة ملك جرهم، وأفاد في "تاريخه" أيضا في ملكهم غير ذلك، لأنه قال: ووجدت في وجه آخر من الروايات أن أول من ملك من ملوك جرهم بمكة مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هني بن نبت بن جرهم بن قحطان مائة سنة، ثم ملك بعده ابنه عمرو بن مضاض مائة وعشرين سنة، ثم ملك الحارث بن عمرو مائة سنة، وقيل دون ذلك، ثم ملك بعده عمرو بن الحارث مائتي سنة، ثم ملك بعده مضاض بن عمرو الأصغر بن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هني بن نبت بن جرهم بن قحطان أربعين سنة١ ... انتهى. وقد ذكر "شارح العبدونية" مدة ملوك جرهم وترتيبهم على وفق كلام المسعودي هذا بالمعنى، إلا أنه لم يذكر القول الذي ذكره المسعودي في أن مدة ملك الحارث بن عمرو بن مضاض دون مائة سنة. وذكر الشارح أيضا في مدة ملك جرهم غير ما ذكره المسعودي، ونص كلامه: وكانت ولاية البيت بعد نابت بن إسماعيل في جرهم نحو ثلاثمائة سنة، وقد قيل: خمسمائة سنة وستين سنة، وقيل: ستمائة سنة ... انتهى. والقول الثاني يوافق ما ذكره المسعودي في مدة ملكهم.

стр. 518

وما ذكره المسعودي في نسب السميدع يخالف ما ذكره السهيلي في نسبه، لأن المسعودي ذكر أنه السميدع بن هوثر -بثاء مثلثة قيدها- البكري بن لابي بن قطور بن كركر بن عملاق١ فوقعت المخالفة في اسمين، أحدهما قطور بدل قطورا، وجيدان بدل عملاق، ولعل الصواب ما ذكره السهيلي، إلا أن يكون ذلك تصحيفا من ناسخ النسخة التي رأيتها من "تاريخ المسعودي"، ورأيت فيها ما يقتضي أن هوبر بالباء ذكر "شارح العبدونية" نسب السميدع كالمسعودي، إلا أنه انتهى في نسبه إلى الكركر، ووقع في بعض نسخ الشرح ابن هود، وليس السميدع هذا بالسميدع الذي حاربه يوشع بن نون، وإن كانا قد اتفقا في الاسم واسم الأب، وفي الانتساب إلى العماليق، ولأن المسعودي قال في أخبار يوشع بن نون: وسار ملك الشام وهو السميدع بن هوثر٢ بن ملك إلى يوشع بن نون، فكانت له معه حروب إلى أن قتله يوشع، واحتوى على جميع ملكه، ثم قال: وقد قيل إن يوشع بن نون كان يريد٣ محاربته لملك العماليق وهو السميدع، ببلاد أيلة صوب مدين٤ ... انتهى. والدليل على ما ذكرناه من أن السميدع هذا ليس بالسميدع الذي حاربه يوشع بن نون: أن السميدع ملك قطور كان في زمن الخليل ﵇ على ما يقتضي كلام المسعودي في الخبر الذي سبق ذكرنا له باختصار، ويوشع المحارب للسميدع كان بعد الخليل ﵇ بزمن طويل، لأن بين يوشع والخليل ﵇ خمسة آباء، فإنه على ما ذكره المسعودي: يوشع بن نون بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإذا كان بين يوشع والخليل ﵇ هذه الآباء كان متأخرا عن الخليل بدهر طويل، فيكون كذلك السميدع، والسميدع ملك قطورا من العماليق، والزباء الملكة من ذريته على ما فهم السهيلي١ من كلام صاحب "الأغاني"٥، والله أعلم. وذكر السهيلي ما يقتضي أن قطورا الذي منهم السميدع هذا من جرهم، لأنه قال لما ذكر الآباء التي بين عدنان وإبراهيم ﵇: وذكر -يعني الطبري٦ فيهم أيضا دوس العتقي، وكان أحسن الناس وجها، وكان يقال في المثل: أعتق من دوس، وهو الذي هزم جيش قطورا من جرهم٧ ... انتهى.

стр. 519

وما ذكره المسعودي في نسب ملوك جرهم مخالف لما ذكره السهيلي في ذلك، وكلام المسعودي أيضا مختلف، لأنه أعنى المسعودي ذكر أن جرهما لما ساروا نحو مكة كان عليهم الحارث بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن ظالم بن هني١ بن نبت بن جرهم٢. وقال أيضا: ووجدت في وجه آخر من الروايات أن أول ملك من ملوك جرهم بمكة مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هني بن نبت بن جرهم٣. وقال السهيلي: وكان الحارث بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هني٤ بن نبت بن جرهم قد نزل قنونا٥ من أرض الحجاز٦، وذكر قضية يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، ووقعت المخالفة في كلام المسعودي في "هني" بالهاء والنون، وفي "منى" بالميم، وفي زيادة "ظالم" بين الرقب" وبين "مي" وفي إسقاط ظالم، ووقعت المخالفة بين المسعودي والسهيلي في زيادة "ظالم"، وفي "هني" هل هو "هني" بالنون كما ذكر المسعودي، أو هي بلا نون كما ذكر السهيلي، أو هي بالميم كما ذكر المسعودي، إلا أن يكون ذلك غلطا من ناسخ أحد الكتابين فتنتفي المعارضة، والله أعلم. وذكر الشيخ فتح بن موسى بن حماد الأندلسي٧ في كتاب له نظم فيه السيرة لابن إسحاق خبرا طويلا، فيه ما يخالف ما ذكره المسعودي والسهيلي في نسب ملوك جرهم، وفيه ما يخالف ما ذكره ابن إسحاق في سبب تسمية قعيقعان وأجياد وفاضح والمطابخ وغير ذلك، فاقتضى ذلك ذكره لإفادة ذلك وغيره من الفوائد، وهو أن إلياس بن مضر قال: سألت عمي إياد بن نزار عن أصل ماله وكان متمولا فذكر أنه مرت عليه سنون، لم يبق له سوى عشرة أبعرة، يعود بكراها على أهله، وذكر أنه كان أكبر إخوته، ثم قال: فخرج إياد إلى الشام بجماله فلم يجد من يكتري منه، فسمع صوتا كالرعد ينادي: من يحملني إلى الحرم وله وقر جمل درا وياقوتا وعقيانا، ولا يجيبه أحد، فتتبع الصوت، إلى أن وجد رجلا أعمى كالنخلة السحوق، ولحيته تناطح ركبتيه، فراعه ذلك وقال: عندي يا شيخ حاجتك. قال: ادن مني، فدنا منه. فقال: أنت إياد بن نزار؟ فقال: نعم! فمن عرفك باسمي؟ قال: علمه عندي عن جدي أن إياد بن نزار يرد الحارث بن مضاض

стр. 520

إلى مكة من طول غربته، فقال: كم جملا عندك؟ قلت: عشرة: قال: تكفيني، قلت هل معك غيرك؟ قال: لا ولكني إنما أركب الجمل يوما وأتميل، فقلت، قد لفظت له بجملة، فلا أعود، وبيننا وبين مكة عشرة مناهل، فحملته، وكلما حسر جمل قطرته إلى آخر، إلى أن عارضنا مكة، فقال: يا بني إني أحسب الجمل يجمر بي جمرا وأظنه واقعا حول جبل المطابخ قلت: نعم. قال: اسمع آخر كلامي، قلت: نعم. قال: أنا الحارث بن مضاض بن عبد المسيح بن بقيلة بن عبد المدان بن خشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود ﵇. كنت ملك مكة وما والاها إلى هجر، ومدين وثمود، وكان أخي عمرو بن مضاض ملكا قبلي، وكنا نعلق التيجان على رءوسنا يوما ويوما نعلقها بباب الحرم، فحضر يهودي بدرٍّ وياقوت، فاشترى منه أخي ما شاء الله، وأنصفه في الثمن، ووفاه، فباع أفخره على السوقة، فسمع أخي، فانتزع جميع ما كان معه، فأغفل اليهودي حارس التاج بباب الحرم فقتله، وحمل التاج، فلم نعرف الخبر إلا ممن رآه بالبيت المقدس، فأرسل أخي إلى ملكهم فأران بن سبط يليامين بن يعقوب أن يرد التاج ويأخذ حق اليهودي، فلم يفعل، فخرج إليهم أخي في مائة ألف وخمسين ألفا من أجناده ومن العمالقة وقضاعة، واستنصر فأران بن شنيف بن هرقل، فخرج إلينا في مائتي ألف، وجماعة من أهل الشام فساروا إلينا ونزلوا شرقي هذا الجبل، ونزلنا غربيه، وأوقدنا كلنا النيران، وطبخوا وطبخنا، فسمي ذلك جبل المطابخ، ثم نزلنا قعيقعان فتقعقعنا نحن وهم بالجحف والسلاح، فسمي الجبل قعيقعان، ثم لم اصطففنا خرج أخي وقال: أنا الملك عمرو بن مضاض فابرز لي يا شنيف، فمن أظفره الله كان الملك له، ففعل، فقتله أخي على ربوة فاضح، فنزل إليه فجره برجليه وفضح بذلك، فسميت تلك الربوة ربوة فاضح، وامتنع "فأران" من الوفاء بما التزمه شنيف، فقاتلناهم، وقتل أخي فأران، فانهزموا، وتبعناهم إلى بيت المقدس، فأذعنوا للطاعة، فتزوج أخي منهم برة بنت شمعون، ولم يكن في زمانهم أجمل منها، فشفعت له أن يرحل عن قومها، فرحل، فلما بلغ مكة، وكان عنده مائة رجل من أعيان بني إسرائيل رهائن على الطاقة فلما كانوا بأجياد سمت زوجته مسكة من حديد وألقتها في فراشه، فلما نام عليها مات، وهربت الزوجة في الرهان المائة على نجب عدوها، فلحقناهم وأحضرناهم، فأمرت بقتلهم، فقال أولهم للسياف: لا تخفض ولا ترفع وانزل بسيفك على الأجياد، فسمي موضع قتلهم بالأجياد، وملكت وتزوجت بها، وقصدتني بنو إسرائيل بجنود عظيمة، ومعهم تابوت داود ﵇ الذي فيه السكينة والزبور، فهزمتهم، وأخذت جرهم التابوت فدفنته في مزبلة، فنهبتهم فعصوني، فأخرجته ليلا ووضعت مكانه تابوتا يشبهه، ونهاهم عنه هميسع بن نبت بن قيدار بن إسماعيل، فأبوا فأعطيته التابوت، فسلط الله على جرهم والعمالقة عللا كثيرة، فماتوا إلا من كره فعلهم، فملكت ابني عمرو، وخرجت

стр. 521

أجول في الأرض، فضربت الأمثال بغربتي، وسار به إلى شعب الأثل عند غيضة زيتون فقال: يا بني قد خلونا وثالثنا الله الشاهد العالم الواحد، وإذا أسديت نعمة للمرء وجب عليه شكرها، وقد أسديت إلي نعمة وجب علي شكرها، فعلي لك النصيحة أو أقع في الفضيحة: أنبئك بما ينجيك، والذي به أهديك أحب إلي مما أغنيك، يا بني هل ولد في آل مضر مولود اسمه محمد؟ قلت: لا، قال: إنه سيولد ويأتي حينه ويعلو دينه ويقبل أوانه، ويشرف زمانه، فإن أدركته فصد وحقق، وقبل الشامة التي بين كتفيه ﷺ ، وقل له: يا خير مولود، دعوت إلى معبود، فأجب ولا تخب، ثم قال: شكر مسارعا نعم الأيادي ... لخير الناس كلهم أبادي إلى ابن نزار حيث الفقر حتى ... نزلت برحله من غير زاد وذكر باقي الأبيات، ثم أتى صخرة عظيمة مطبقة على صخرة فقلعها، ودخل معه سربا، وذكر العقبة، إلى أن دخل بيتا فيه أربعة أسرة، سرير خال، وثلاثة عليها رجال، وفي البيت كرسي دار وياقوت وعقيان ولجين، فقال لي: خذ وقر جملك لا غير، وقال له: هذاك الذي على يسار سريري الخالي مضاض أبي، والذي على يساره ابنه عبد المسيح، والذي على يساره سرير ابنه بقيلة، لوح رخام فيه مكتوب: أنا بقيلة بن عبد المدان، عشت خمسمائة سنة في طلب الملك، فلم يكن ذلك ينجيني من الموت، وعلى رأس عبد المسيح، أنا عبد المسيح، عشت مائة سنة وركبت مائة فرس، وافتضضت مائة بكر، وقتلت مائة مبارز، وأخذني الموت غضبا فأورثني أرضا، وعلى رأس مضاض: أنا مضاض عشت ثلاثمائة سنة، أخذت مصر والقدس، وهزمت الروم بالمرادن، ولم يكن لي بد من الموت، ثم استوى على سريره الخالي، وإذا على رأسه مكتوب: أنا الحارث بن مضاض، عشت أربعمائة سنة، ملكت مائة، وجلت في الأرض ثلاثمائة سنة متغربا بعد هلاك قومي جرهم، ثم قال: يا بني ناولني القارورة التي في تلك الكسوة، فناولته إياها، فشرب نصفها وادهن بنصفها، وقال: إذا أتيت إخوتك وقومك فقالوا لك: من أين لك هذا المال؟ فقل لهم: إن الشيخ الذي حملته هو الحارث بن مضاض الجرهمي، فهم يكذبونك، فقل لهم: إن آيتي الحجر المدفون بجوار زمزم فيه مقام إبراهيم، وفي الحجر الذي يليه شعر الحارث بن مضاض، وهو قوله: كأن لم يكن بن الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر١

стр. 522

الأبيات الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى، ثم قال: ناولني القارورة الأخرى، فناولته فشربها، فصاح صيحة فمات، فخرجت بما معي من المال ... انتهى. هذا الخبر على ما هو مذكور في الكتاب المذكور، إلا أني تركت منه شيئا لا تعلق له بخروجهم، وإنما له تعلق بحال إياد بن نزار، وسوى لفيظات في الخبر مصحفة في النسخة التي نقلت منها هذا الخبر، فكتبتها على الصواب إلا ما لم يتجه لي فيه وجه الصواب، فكتبته على ما وجدته في النسخة التي نقلت منها هذا الخبر: تسمية أخي الحارث بن مضاض بعمر بغير واو، ولا أدري هل ذلك صواب؟ والصواب: عمرو بالواو. وقال الأندلسي بعد ذكره لهذا الخبر: فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الحكاية من مخالفات ما نقله صاحب السيرة من أن هذا الشعر لعمرو بن الحارث بن مضاض، وهو ههنا لوالده، قال: ويمكن الجمع بأن يكون ولده تمثل بها لما فاروا مكة، ثم نبه ﵀ على أن ما في هذا الخبر من نسب الحارث بن مضاض مخالف لما ذكره السهيلي في نسبه، وقد سبق ما ذكره السهيلي في نسب جرهم، فأغنى عن إعادته. ومن موجبات ذكر فتح الأندلسي لهذا الخبر الاستدلال به على خلاف ما ذكره السهيلي فيما اعترض به على ابن إسحاق فيما ذكره في سبب تسمية أجياد، ويذكر كلاما ثم يتبعه بتعقب فتح له، لما في ذلك من الفائدة. قال السهيلي ﵀: وأما أجياد فلم يسم بأجياد من أجل جيل الخيل، كما ذكر -يعني ابن إسحاق- لأن جياد الخيل لا يقال فيها: أجياد، وإنما أجياد جمع جيد، وذكر أصحاب الخبر أن مضاضا ضرب في ذلك الموضع من أجياد مائة رجل من العمالقة، فسمي الموضع بأجياد، وهكذا ذكر ابن هشام في غير هذا الكتاب١ ... انتهى. وأما تعقب فتح بذلك فلأنه قال: قلت: وما ذكره السهيلي لا يلزم ابن إسحاق، لأن تسمية الشيء لأجل لا يلزم أن يصدق على لفظه بحاله، بل يصدق عليه، كما ذكروه في المطابخ وفاضح، وقد لا يصدق كما ذكره في قعيقعان، فيكون كحكم الجياد مع أجياد، وكحكم القعقعة مع قعيقعان، ويحتمل أن يكون مراده لأجل أجياد الجياد، لأن أعناق الخيل أول ما ظهرت هناك، فيكون على حذف المضاف لقربه من الصفة، على أن لا يسلم له أنه لا يجمع جيد على جيد، فإن المنقول عن سيبويه ﵀ أن جيدا فعل بضم الفاء وسكون العين كريح، وقد جمعوا الريح على رياح، فكذلك الجيد على هذا التقدير يجمع على جياد، ويؤيد هذا أن سيبويه ﵀ ذكر أن باب فعل يجمع في التكسير على فعول وفعال، وإن كان جمع فعول فيه أكثر من فعال.

стр. 523

وأما ما ذكره عن أصحاب الأخبار من ضرب مضاض في ذلك الموضع أجياد مائة من العماليق، فإن الذي نقلته من كتب جماعة أن الذي ضرب الرقاب هناك لم يكن مضاضا، ولا كانت المائة المقتولة من العمالقة أصلا، فإن أصحاب الأخبار قد ذكروا في حديث طويل نذكر معناه مختصرا لأن فيه ما يدل على البشارة بالنبي ﷺ وهو أن إلياس بن مضر قال: سألت عمي إياد بن نزار عن أصل ماله، وكان متمولا، فذكر الخبر المتقدم ... انتهى. قلت: لا مانع من أن يكون مضاض بن عمرو الجرهمي ضرب أيضا بأجياد: أجياد مائة رجل من العمالقة، لما ظهر على قطورا قوم السميدع وهم من العمالقة كما تقدم، ويصح بذلك ما نقله السهيلي عن ابن هشام وغيره من أهل الأخبار، وتكون ذلك قضية، وما ذكره من فتح الأندلس قضية أخرى، وقد ذكر صاحب "الاكتفا" ما يؤيد ذلك، لأنه قال: وغير ابن إسحاق يقول: إنما سمي بأجياد لأن مضاضا ضرب في ذلك الموضع جياد مائة رجل فيه من العمالقة، وقيل: بل أمر بعض الملوك غير مسمى بضرب الرقاب فيه، فكان يقول لسيافه توسطا لأجياد، وهذا أو نحوه أصح في تسمية الموضع بأجياد مما قال ابن إسحاق ... انتهى. ولا منافاة بين ما ذكره صاحب "الاكتفا" من أن الملك قال لسيافه: توسط الأجياد، وبين ما تقدم في الخبر من أن قائل ذلك أول المقتولين، لإمكان أن يكون قال الملك ذلك أيضا لسيافه، كما قاله المقتول للسياف، لأن المقتول سأل ما لا يؤثر في مقصود الملك، فأجابه الملك إلى سؤاله، والله أعلم. وقد قيل في سبب تسميته أجياد وقعيقعان غير ما ذكره ابن إسحاق في سيرته، لأن الأزرقي ذكر خبرا في خبر تبع، قال فيه: "ثم سار تبع حتى قدم مكة، فكان سلاحه بقعيقعان، فيقال: فبذلك سمي قعقيعان، وكانت خيله بأجياد، ويقال: إنما سميت أجيادا بأجياد خيل تبع، وهذا الخبر رواه الأزرقي، عن جده، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج عن ابن إسحاق١. وقد قيل في سبب تسمية أجياد وقعيقعان، والمطابخ شيئا يستغرب، ذكره الفاكهي لأنه قال: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثني الوليد بن عطاء بن أبي مسلم الأعز، عن أبي صفوان المرواني قال: حدثنا ابن جريج قال: قال مجاهد: قال ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن أباكم إسماعيل أول من ذللت له الخيل العراب فأعتقها وأورثكم حبها"، وذلك أن الخيل العراب كانت كلها وحوشا كسائر الوحوش،

стр. 524

فلما أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد من البيت أعطى لكل واحد منهم كنزا من كنوزه فأوحى الله إلى إسماعيل إني معطيك كنزا من كنوزي ذخرته لك لم أعطه أحدا قبلك، فخرج إسماعيل وما يدري ما ذلك الكنز وما يدري الدعاء، حتى أتى أجياد، فألهمه الله تعالى الدعاء فدعا به وأحيط الداعي بالخيل فلم يبق في بلاد العرب كلها فرس إلا أتاه وذلله الله تعالى له وأمكنه من نواصيها، قال ابن عباس ﵄: فبذلك سميت أجياد أجيادا، لأنها اجتمعت في أجياد قال النبي ﷺ : "فالخيل العراب تراث أبيكم إسماعيل فأعتقوها واركبوها". قال ابن عباس ﵄: ووضع في الخيل وجاه السلاح، فكانت كلما أخرجت تقعقع بعضها على بعض، وبذلك سميت قعيقعان، وكان الطعام في الشعب الذي يدعى شعب عبد الله بن عامر، فبذلك سميت المطابخ١ ... انتهى. وشعب عبد الله بن عامر المشار إليه هو شعب بأعلى مكة يعرف عند الناس بشعب عامر، وفاضح المذكور فيما سبق من الأخبار هو على ما يقول الناس جبل بسوق الليل مما يلي المعلاة، وقد طال الكلام فيما يتعلق بسبب تسمية أجياد، وقعيقعان، والمطابخ، وفي نسب ملوك جرهم وقطورا، ولكن تحصل بذلك فوائد لا توجد مجتمعة، ولله الحمد.

стр. 525

ذكر من أخرج جرهما من مكة وكيفية خروجهم منها: اختلفت الأخبار فيمن أخرج جرهما من مكة اختلافا كثيرا يعسر فيه التوفيق بين الأخبار المروية في ذلك، فقيل: إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشان من خزاعة أخرجوا جرهما من مكة لبغيهم فيها، وقيل: إن بني عمرو بن عامر ماء السماء أخرجوا جرهما من مكة حتى لم يترك جرهم بني عرمو بن عامر يقيمون عندهم بمكة حتى يصل إليهم روادهم. وقيل: إن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر أخرج جرهما من مكة حين طلب حجابة البيت لسيادته ولشرفه، وقيل: إن بني إسماعيل أخرجوا جرهما من مكة بعد أن سلط الله تعالى على جرهم آفات، وقيل: إن الله تعالى سلط عليهم دوابا فأهلكت كثيرا منهم، وجلا لذلك بعضهم عن مكة، والقول الأول ذكره ابن إسحاق، لأنه قال: ثم إن جرهما بغوا بمكة واستحلوا حلالا من الحرمة وظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، فرق أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وغبشان من خزاعة ذلك أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة، فآذنوهم بالحرب، فاقتتلوا، فغلبتهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة، وكانت مكة في الجاهلية

стр. 526

لا كفر فيها ولا ظلما ولا بغيا، لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته، فكانت تسمى الناسة، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك. فيقال: ما سميت ببكة إلا لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها: قال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبة وبحجر الركن فدفنها في زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا فقال عمرو بن الحارث بن مضاض في ذلك وليس بمضاض الأكبر: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ضاهر ونحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز فما تخطى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحي غيرنا ثم فاخر ألم ينكحوا من غير شخص علمته ... فأبناؤها منا ونحن الأصاهر فإن تنثن الدنيا علينا بحالها ... فإن لها حالا وفيها التشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك بين الناس تجري المقادر أقول إذا نام الخلي ولم أنم ... إذ العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منها أوجها لا أحبها ... قبائل منها حمير وتحابر وصرنا أحاديث وكنا بغبطة ... كذلك عضتنا السنون الغوابر فسحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم آمن وفيها المشاعر وتبكي لبيت ليس يؤذي حمامه ... يظل به آمنا وفيه العصافر وفيه وحوش ولا ترام أنيسة ... إذا أخرجت منه فليس تغادر١ قال ابن هشام: قوله فأبناؤه عن غير إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث يذكر بكرا، وغبشان، وساكني مكة الذين خلفوا فيها بعدهم: يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا

стр. 527

حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل المهات وقضوا ما تقضونا كنا أناسا كما كنتم فعيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا١ قال ابن هشام، هذا ما صح له منها: وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات هي أول شعر قيل في العرب، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن، ولم يسم قائلها٢ ... انتهى. والقول الثاني في خروج جرهم من مكة ذكره الأزرقي، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن الكلبي، عن أبي صالح، فذكر خبرا طويلا فيه شيء من خبر جرهم، وخزاعة بمكة، وفيه أن ثعلبة بن عمرو بن عامر لما قدم مكة في قومه بعد تفرقهم من بلاد سبأ لما أخبرت به طريفة الكاهنة من خرابها بسيل العرم، أرسل إلى جرهم وسألهم أن يفتحوا له في بلادهم قدر ما يرسل رواده يرتادون له موضعا، فأبت ذلك جرهم وأخشنوا له القول، وأرسل إليهم ثعلبة يقول لهم: لا بد لي من المقام بهذا البلد حولا كاملا حتى ترجع إلي رسلي، فإن تركتموني طوعا حمدتكم وواسيتكم في الماء والرعي، وإن أبيتم أقمت على كرهكم، فإن قاتلتموني قاتلتكم، ثم إن ظهرت عليكم؛ سبيت النساء وقتلت الرجال، ولم أترك منكم أحدا ينزل الحرم، فأبت جرهم أن يتركوه طوعا، وتعبت لقتاله، فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثم انهزمت جرهم، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وكان مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو قد اعتزل جرهما ولم يعن جرهما في ذلك، وقال: كنت أحذركم هذا، ثم رحل هو وأهل بيته حتى نزل قنوني٣ وحلي٤ وما حول ذلك، ثم قال: وفنيت جرهم وقد أقناهم السيف في تلك الحرب، وأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولا. ثم قال: بعد أن ذكر تفرقهم في البلاد، بإشارة طريفة الكاهنة لما أصابهم من الحمى، وانخزعت خزاعة بمكة، وأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو لحي، فولي أمر مكة وحجابة الكعبة، ثم قال: فلما جاورت خزاعة أمر مكة وصاروا أهلها، جاءهم بنو إسماعيل، وكانوا قد اعتزلوا حرب جرهم وخزاعة، يدخلون في ذلك فسألوهم السكنى معهم، فأذنوا لهم في ذلك، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن

стр. 528

الحارث، وقد كان أصبه من الصبابة إلى مكة ما أحزنه، أرسل إلى خزاعة يستأذنها في الدخول عليهم والنزول معهم بمكة في جوارهم، فأبت خزاعة، ثم قال: فنزعت إبل لمضاض بن عمرو الجرهمي من قنونى تريد مكة، فخرج في طلبها حتى وجد أثرها، وقد دخلت مكة، فمضى على الجبال من نحو أجياد، حتى ظهر على أبي قبيس يتبصر الإبل في بطن وادي مكة، فأبصرها تنحر وتؤكل لا سبيل له إليها، فخاف إن هبط الوادي أن يقتل، فولى منصرفا إلى أهله، وأنشأ يقول: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر ولم تتربع واسطا١ فجنوبه ... إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وبدلني ربي بها دار غربة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر فإن تملأ الدنيا بكلبها ... ويصبح حال بعدنا وتشاجر فكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بهذا البيت والخبر ظاهر فأنكح جدي غير شخص علمته ... فأبناؤه منا البيت والخير ظاهر فأنكح جدي غير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك بالناس تجري المقادر٢ أقول إذا نام الخلي ولم أنم ... إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منهم أوجها لا أحبها ... وحمير قد بدلتها والعمائر وصرنا أحديثا وكنا بغبطة ... كذلك عقتنا السنون الغوابر وسحت دموع العين تبكي لبلدة ... كذا بها حرم أم وفيها المشاعر بواد أنيس ليس يؤذي حمامه ... ولا منفر يوما وفيها العصافر وفيها وحوش لا ترام أنيسه ... إذا أخرجت منها فما إن تغادر فيا ليت شعري هل يعمر بعدنا ... جياد فمضى سيله فالظواهر فبطن منى وحش كأن لم يسر به ... مضاض وفي حي عدي عمائر٣ وقال أيضا: يا أيها الحي سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا

стр. 529

إنا كما كنتم فغيرنا دهر ... فسوف كما صرنا تصيرونا أرخوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما يقضونا إن التفكر لا يجدي بصاحبه ... عند البديهة في علم تعيدونا قضوا أموركم بالحزم إن لها ... أمور رشيد وشدوا ثم مسنونا واستخبروا في صنيع الناس قبلكم ... لما استبان طريف عنده الهونا كنا زمانا ملوك الناس قبلكم ... بمسكن في جوار الله تأتونا قال: وانطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله وهم يتذاكرون ما حال بينهم وبين مكة وما فارقوا من أهلها وملكها، فحزنوا على ذلك حزنا شديدا وجعلوا يقولون الأشعار في مكة١ ... انتهى باختصار، لمواضع من هذا الخبر لها تعلق بخبر خزاعة نذكرها فيما بعد وغير ذلك، وفيما ذكرنا من كلمات ذكرناها بالمعنى. والقول الثالث في سبب خروج جرهم من مكة ذكره الفاكهي، لأنه قال: ويقال في رواية أبي عمرو الشيباني: إن حجابة البيت صارت إلى خزاعة لأن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن تزوج فهيرة بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، فولدت له عمرو بن ربيعة، فلما شب وساد وشرف طلب حجابة البيت، فعند ذلك نشب القتال بينهم وبين جرهم، ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر عمرو وأولاده: وكانت بينهم حرب طويلة وقتال شديد، ثم إن خزاعة غلبوا جرهما على البيت، وخرجت جرهم حتى نزلت وادي إضم٢ فهلكوا فيه. وفي هذا الخبر شيء من خبر جرهم، لأن فيه: وذكروا -والله أعلم- أن إسافا كان رجلا من بني قطورا أخذ امرأة من جرهم يقال لها نائلة، ففجر بها في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فغضب عمرو من ذلك فأخرج بني مضاض وكانوا أخواله، وكانوا أخرجوهم خروجا من مكة فلحقوا باليمن، فتفرقوا في القبائل، فقال بكر بن غالب بن الحارث بن مضاض: وأخرجنا عمرو سواها لبلدة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر وقال أيضا: وكنا ولاة البيت والقاطن الذي ... إليه يوفي نذره كل محرم

стр. 530

سكنا بها قبل الظباء وراثة لنا ... عن بني حي بن نبت بن جرهم فأزعجنا منه وكنا عقيلة ... قبائل من كعب وعوف وأسلم١ والقول الرابع في خروجهم جرهم من مكة، ذكره المسعودي، لأنه قال في أثناء الخبر السابق في خبر جرهم وقطورا: وبغت جرهم في الحرم وطغت، حتى فسق رجل منهم بإمرأة في البيت، وكان الرجل يدعى بإساف والمرأة بنائلة، فمسخهما الله حجرين فصيرا وثنين، وعبدا تقربا بهما إلى الله، فبعث الله الرعاف والنحل وغير ذلك من الآيات على جرهم، فهلك كثير منهم وكثر ولد إسماعيل وصاروا ذوي قوة ومنعة، فغلبوا على أخوالهم من جرهم فأخرجوهم عن مكة، فلحقوا ببلاد جهينة، فأتاهم في بعض الليالي السيل فذهب بهم مكان الموضع الذي يدعى بإضم، وقد ذكر ذلك أمية بن أبي الصلت الثقفي في شعر له فقال: وجرهم دمثوا تهامة في الدهر ... فسالت بجمعهم إضم وفي ذلك يقول الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بل نحن كنا أهلها فإذا لنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وكنا لإسماعيل صهرا وجيرة ... ولما تدر فيها علينا الدوائر وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخبر ظاهر وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث ابنه: وكنا ولاة البيت والقاطن الذي ... إليه يوفي نذره كل محرم سكنا بها قبل الظباء وراثة ... ورثنا بني حي بن نبت بن جرهم٢ ... انتهى. وذكر الزبير بن بكار ما يقتضي أن المجر لجرهم من مكة بعد فناء أكثرهم بالرعاف والنمل: بنو حارثة بن عامر، لأنه قال: قال أبو عبيدة: فلما لم تتناه جرهم عن بغيهم، وتفرق أولاد عمرو بن عامر في اليمن، فانخزع بنو حارثة بن عمرو بن عامر فأوطنوا تهامة وسميت خزاعة، ثم قال: بعث الله على جرهم الرعاف والنمل فأفناهم، فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقي، ورأس خزاعة عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وأمه فقيرة بنت عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي، وليس بابن مضاض الأكبر، فاقتتلوا، فلما أحس عمرو بن الحارث بن مضاض بالهزيمة
следующие страницы →