المجلد الأول
مقدمات
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
١- بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين. هذا كتاب "شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام" يظهر مطبوعا لأول مرة، في ثوب قشيب، وحلة أنيقة، وتعليقات مفيدة، وتصحيحات وشروح نافعة، للفيف من الأساتذة، هم الذين قاموا بالإشراف على طبع هذا الكتاب، والتعليق عليه، ومراجعة أصوله، وتصحيح أخطاء نسخه الخطية التي وقعت بتحريف النساخ، وبذلوا مجهودا كبيرا في إعداد هذا الكتاب للنشر.
ولولا همة رجل عربي عظيم، هو حضرة صاحب المعالي الشيخ محمد سرور الصبان، ما رأى هذا الكتاب النور، ولا ظهر مطبوعا هذه الطبعة، ونحمد الله الذي وفق لإخراجه، ولظهوره في أيدي المتطلعين إلى قراءته.
٢- وقد اعتمدنا في نشر هذا الكتاب على النسخة الخطية الفريدة المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم ٧٤٨٤ عمومية و٥٠٤ تاريخ، والتي رمزنا إليها بالحرف "ك"، وقد أخذنا صورة فوتوغرافية كاملة لها، وذلك بفضل معاونة الأساتذة الأجلاء: أحمد رامي، ومحمد أبي الفضيل إبراهيم، وفؤاد السيد، وما بذلوه لنا من مساعدات قيمة في تصوير هذه النسخة، التي تقع في ٣٩٤ ورقة من القطع المتوسط، وقد قام بنسخها محمد بن مصطفى الديار بكري، وليس عليها من تاريخ نسخها سوى هذه الجملة المثبتة في آخر الكتاب، وهي "تمت بعون الله الكريم وفضله وإحسانه يوم الربوع المبارك في آخر شهر ربيع الأول على يد أفقر عباد الله محمد بن مصطفى الديار بكري عفا الله عنهم إلخ" ومكتوب على الورقة الأولى من الكتاب: "الحمد لله وحده، من مواهب الله تعالى على عبده محمد بن محمد السقاف عفا الله عنهم آمين ١٢٣٨هـ".
стр. 2
وقد أشرف قسم التصوير بدار الكتب على تصوير هذه النسخة عام ١٩٥٥.
كما اعتمدنا على النسخة المكية المخطوطة، المنقولة عن نسخة دار الكتب المصرية، وقد قام بنسخها السيد الشيخ عبد الستار الدهلوي، في جزأين كبيرين: الأول في ٦٣٨ صفحة من القطع المتوسط، وبآخره: "تم الجزء الأول من هذا التاريخ بختام هذا الباب، الباب الخامس والعشرين. ويليه في الجزء الثاني: الباب السادس والعشرون، بتجزئة كاتبه، والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وصحبه وسلم والجزء الثاني، مصدر بفهرس له وحده، وكتب في الصفحة الأولى منه: "الجزء الثاني من شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام" تأليف الإمام العلامة الحافظ أبي الطيب تقي الدين محمد بن شهاب الدين أبي العباس محمد بن علي الفاسي الحسني المكي المالكي تغمده الله برحمته ونفعنا بعلومه آمين، وكتب بعد ذلك أربعة سطور هي: "مع الذيل لكاتبه" في ولاة مكة من بعد المؤلف ﵀ إلى تاريخ النسخ بالاختصار، مع ترجمة مؤلف الأصل في آخره، وقع هذا الجزء في ٣٣٥ صفحة عدا الذيل الذي يبدأ من صفحة ٣٣٦ إلى ٣٧٨، وقد كتب في آخر الجزء الثاني: "ووجدت في آخر النسخة المنقول منها ما نصه: "تمت بعون الله الكريم وفضله وإحسانه يوم الربوع المبارك في آخر شهر ربيع الأول، وذلك بخط علامة دهره وفريد عصره محمد بن مصطفى الديار بكري عفا الله عنهم" وفي أول صفحة من الذيل ما يلي: وقع الفراغ من نسخ هذه النسخة الشريفة مع التذييل لكاتبه أحقر العبيد وأفقر الورى، أحد ساكني أم القرى، أبي الفيض وأبي الإسعاد عبد الستار الصديقي الحنفي ابن المرحوم الشيخ عبد الوهاب المكي البكري بمصر، في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من شهور العام الخامس والثلاثين والثلاثمائة والألف، من النسخة الموجودة بالكتبخانة المصرية بمصر المحروسة، ويبدأ الذيل بترجمة للمؤلف مما تيسر لناسخه وقت النسخ، ويلي الترجمة، ذكر أخبار مكة بعد الفاسي إلى انتهاء النسخ، وهو عام ألف وثلاثمائة وخمسة وثلاثين هجرية، ومن ذلك نعلم أن هذه النسخة الثانية منسوخة من النسخة المصرية الأولى، ونشير إلى تلك النسخة الثانية بحرف "ك"، وقد يسر لنا الحصول عليها السيد الشيخ عبد الوهاب الدهلوي، حفظه الله، وأثابه خير الثواب، وهاتان النسختان رديئتا الخط، إلى حد بعيد، وفيهما كثير من النقص والتحريف والخطأ.
لذلك لم يكن هناك بد من الاعتماد على الكثير من الكتب المخطوطة والمطبوعة، نستعين بها على تصحيح نصوص هذا الكتاب وضبطه، فوق مئات المؤلفات من كتب التاريخ واللغة والأدب والشريعة.
وقد عاوننا في بعض التعليقات على رجال الحديث الشيخ سليمان الصنيع مدير "مكتبة الحرم المكي".
стр. 3
وأعارنا الشيخ محمد نصيف من أعيان "جدة" مخطوطته القيمة "إفادة الأنام، بأخبار البلد الحرام، للشيخ الغازي، مساعدة لنا على تنقيح الكتاب، ومراجعة نصوصه، وتصحيح روايته.
وقد بذلنا مجهودا ضخما: في مقابلة النسختين الخطيتين: "من كتاب شفاء الغرام"، بعضهما على البعض الآخر، وفي مراجعة نصوصه على مئات الكتب المطبوعة والمخطوطة.
واعتمدنا بذلك في تصحيح نصوص الكتاب على كتاب "منتخب شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام" طبع أوروبا عام ١٨٨٠م.
وقد حلينا الكتاب بأربع خرائط، قام برسمها السيد جلال الجدويلي بجريدة الأهرام، مستعينا بخرائط مصلحة المساحة السبعة عشر، عن الحجاز والمملكة العربية السعودية: وبعض الأطالس الإفرنجية، والخرائط الحديثة التي رسمتها شركة أرامكو. ولا يفوتنا أن نتقدم بخالص الشكر لمن قام برسم وطبع خرائط مصلحة المساحة التي تعتبر من المراجع القيمة عن البلاد السعودية.
وقد نشرنا في آخر كل جزء من الكتاب فهارس مستوفاة للموضوعات، وذيلنا الكتاب بفهارس كاملة للأعلام والمواضع.
وهذا الاستعداد القوي، والعمل المتواصل، من أجل نشر الكتاب نشرا علميا، حديثا متقنا هو الذي أخر صدور الكتاب بعض التأخير، ولا سيما أن النسختين الخطيتين للكتاب خطهما رديء، ويشتملان على تصحيف كثير، وعلى نقص عديد أيضا، وعلى أبيات شعرية محرفة، مما استدعى الوقوف عندها طويلا، وخاصة مع عدم فائدة الكثير من هذه الشواهد الشعرية، التي هي إلى اللغة العامية أقرب.
٣- وكتاب الفاسي هذا "شفاء الغرام" كتاب جليل الفائدة، دون فيه أخبار مكة بتفصيل كثير، وإحاطة شاملة، واستيعاب دقيق، ويعد من المصادر الأصلية بعد كتابي الأزرقي١، والفاكهي٢.
стр. 4
وقد رتبه الفاسي على أربعين بابا ألم فيها بجميع ما يتصل بتاريخ مكة من قريب أو بعيد منذ الجاهلية حتى عصره، وذكر تاريخ المسجد الحرام وبنائه وعمارته في مختلف العصور، متحدثا عن الملامح الجغرافية والتاريخية، والسياسية والاجتماعية للجزيرة العربية في شتى العصور، مع تنويهه بفضائل الكعبة والأعمال المتعلقة بها، والمواضع المباركة في مكة وحرمها، كالمدارس والربط وغير ذلك، مضيفا إلى ذلك كله ما وصل إلى علمه من أخبار ولاة مكة في الإسلام على سبيل الإجمال، محررا ذرع الكعبة والمسجد الحرام، جامعا لأشتات من الفوائد والأحداث التاريخية التي لم يدونها الأزرقي والفاكهي "المتوفى عام ٢٨٠هـ" في كتابيهما، ويقول الفاسي: إن ما ذكراه هو الأصل الذي بنى عليه كتابه، وإن في كتاب الفاكهي محمد بن إسحق بن العباس المكي أمورا كثيرة مفيدة ليست مما يتضمنها كتاب الأزرقي، وقد عاش الأزرقي والفاكهي في المائة الثالثة من الهجرة، وتأخر الفاكهي عن الأزرقي قليلا، ولم يؤلف أحد بعدهما في تاريخ مكة وولاتها وفضلائها إلا القليل، إلى أن جاء الفاسي فألف كتابه هذا الذي عد مرجعا خطرا في تاريخ البلد الحرام، وخاصة منذ القرن الرابع إلى التاسع الهجري.
وقد رتب الفاسي كتابه ترتيبا شيقًا، وتحدث فيه عن مكة وحرمها، والآثار المروية فيها، ووصف الكعبة وعمارتها، ومصلى الرسول ﷺ في الكعبة، وثواب دخول الكعبة المعظمة وفضائلها، والآيات المتعلقة بها، وأخبار الحجر الأسود والملتزم والأماكن الشريفة بمكة ومقام إبراهيم وحجر إسماعيل، وتكلم عن توسعة المسجد الحرام وعمارته ووصف عمده وعقوده وشرفاته وقناديله وأبوابه ومنابره، وتحدث كذلك في الكتاب عن أخبار زمزم والأماكن التي لها تعلق بالمناسك، وما بني بمكة من المدارس والربط والسقايات والآبار والعيون، وتحدث عن أخبار مكة في الجاهلية، وعلى عهد إبراهيم وإسماعيل ﵉، وذكر أسماء أولاد إسماعيل، وولاية ذرية معد بن عدنان على مكة وولاية جرهم وخزاعة وقريش، مستقصيا أخبار قريش بمكة في الجاهلية، متوسعا في أخبار بني قصي ومآثرهم في الجاهلية، وأجواد قريش وحكامهم في الجاهلية، ثم يذكر فتح مكة وولاتها في الإسلام وأخبارها بعد الرسول ﷺ ، ويتحدث في الباب الأربعين عن الأصنام التي كانت حول مكة، وأخبار أسواق مكة في الجاهلية والإسلام، وبذلك ينتهي هذا الكتاب القيم.
وترجع أهمية هذا الكتاب التاريخية إلى استقصائه واستيعابه وجمعه لشتى الأخبار التي تتعلق بمكة مما لم يجمعه مدون بعد الأزرقي والفاكهي.
وقد تأثر بالفاسي المؤرخون الذين أتوا بعده وألفوا في أخبار مكة والبيت الحرام، مثل: المؤرخ جمال الدين محمد بن ظهيرة القرشي في كتابه "الجامع اللطيف، في فضل
стр. 5
مكة وأهلها، وبناء البيت الشريف"، الذي وصل فيه إلى أخبار مكة، حتى العام الذي انتهى فيه من تأليف كتابه، وهو هام ٩٥٠هـ١، ومثل العلامة قطب الدين الحنفي المتوفى عام ٩٨٨هـ في كتابه "تاريخ القطبي" المسمى "كتاب الإعلام، بأعلام بيت الله الحرام" الذي دون فيه أخبار مكة حتى العام الذي انتهى فيه من تأليف كتابه هذا، وهو عام ٩٨٤هـ٢.
ويزيد من أهمية كتاب الفاسي ما احتوى عليه الكتاب من نصوص منقولة عن كتب خطية مفقودة حتى اليوم.
ونحن في غنى عن أن ننوه بهذا المجهود الذي بذلناه في إخراج الكتاب، والتعليق عليه، والعمل على ضبط أعلامه، وتحقيق نصوصه، وشرح شواهده، وسوى ذلك مما قمنا به من خدمة علمية لهذا الكتاب.
والله المسئول أن يلهمنا الرشد، وأن يهدينا سواء السبيل، وما توفيقنا إلا بالله عليه توكلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير.
حياة الإمام تقي الدين الفاسي المكي:
ترجم الفاسي لنفسه في كتابه "ذيل كتاب التقييد، بمعرفة رواة السنن والأسانيد، لابن نقطة"٣، فقال في نسبه إنه هو:
محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن عوف بن أحمد بن علي بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علي بن حمزة بن ميمون بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن إدريس بن الحسن بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الحسني الفاسي المكي.
وذكر نسبه السيد عبد الستار الدهلوي الصديقي الحنفي البكري المكي فقال: هو الإمام الحافظ العلامة أبو الطيب تقي الدين محمد بن شهاب الدين أبي العباس أحمد بن علي الحسني الفاسي المكي المالكي المؤرخ الشهير.
كان الفاسي يلقب بتقي الدين، ويكنى أبا الطيب، وكان قاضي المالكية بالحرم الشريف، وقد ولد في ليلة الجمعة لعشرين من ربيع الأول عام ٧٧٥هـ بمكة المكرمة، ونشأ بها، وتتلمذ على علمائها وأهل الفضل فيها، وعني بالحديث، فقرأ وسمع كثيرا من
стр. 6
الكتب، وروى كثيرا من الأحاديث، وقد أجازه كثير من العلماء الأعلام، وقرأ عليهم، وأخذ عنهم، ومن هؤلاء:
١- الإمام العلامة قاضي مكة جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي١.
٢- جده لأمه قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن أحمد النويري الشافعي، خطيب مكة وقاضيها، عالم الحجاز في عصره، والمؤرخ المشهور.
٣- ابن جده المذكور لأمه، وهو خال المؤلف، قاضي الحرمين محب الدين النويري.
٤- الإمام أبو المعالي عبد الله بن عمر الصوفي.
٥- العلامة اللغوي قاضي اليمن مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزآبادي "٧٢٩-٨١٧هـ" صاحب "القاموس المحيط"٢.
٦- العلامة المؤلف المفتي الشيخ كمال الدين محمد الدميري المصري الشافعي، ثم المالكي، المتوفي عام ٨٠٨هـ.
٧- العلامة إبراهيم بن محمد الدمشقي الصوفي المعروف بالبرهان.
٨- الإمام المؤرخ المشهور الشيخ ابن خلدون المتوفي عام ٨٠٨هـ، صاحب المقدمة والكتاب التاريخي المشهور.
٩- الإمام الشهاب أحمد العلائي، وروى عن كثيرين آخرين من العلماء الأجلاء، والفاسي مؤلف هذا الكتاب يروي غالبا عن الإمامين: أبي أحمد البرهان إبراهيم بن محمد اللخمي، وأبي الفرج الجلال عبد الرحمن بن أحمد العربي.... وكذلك أخذ عن كثير من شيوخ عصره وأئمة زمانه، وكان معاصرا لشيخ الإسلام الحافظ الشهاب أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المصري المشهور، صاحب "فتح الباري" المتوفى عام ٨٥٢هـ.
ويذكر الفاسي في كتابه "شفاء الغرام"٣ أنه كان قاضي قضاة المالكية بمكة، وأنه باشر تدريس الفقه المالكي في مدرسة السلطان الملك المنصور بمكة عام ٨١٤هـ في بدء
стр. 7
إنشائها، وكان يقوم بالتدريس فيها فيما بين الظهر والعصر من يومي الأربعاء والخميس من كل أسبوع.
وقد ألف الفاسي مؤلف هذا الكتاب كتبا جليلة مشهورة في مقدمتها:
١- كتابنا هذا "شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام".
٢- تاريخه الكبير المسمى "بالعقد الثمين، في تاريخ البلد الأمين" وهو في أربعة أجزاء ضخام، ومنه عدة نسخ خطية بدار الكتب المصرية، وقد ترجم فيه لولاة مكة وأعيانها وعلمائها وأدبائها، منذ ظهور الإسلام إلى عصره، وقد رتبه على حروف المعجم وبدأه بالمحمدين والأحمدين، وصدره بذكر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وفي أوله مقدمة لطيفة تحتوي على مقاصد الكتاب.
٣- "تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام" وهو اختصار لكتابه "شفاء الغرام"، ويسمى أيضا: "تحصيل المرام، من تاريخ البلد الحرام".
٤- هادي ذوي الأفهام إلى تاريخ البلد الحرام" وهو مختصر من الكتاب السابق "تحفة الكرام".
٥- "الزهور المقتطفة، في تاريخ مكة المشرفة" وهو مختصر من كتابه السابق "هادي ذوي الأفهام".
٦- عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى".
٧- " الجواهر السنية، في السيرة النبوية".
إلى غير ذلك من المؤلفات النفيسة التي كان "شفاء الغرام" أول كتاب يطبع منها. وقد توفي المؤلف في ليلة الأربعاء للثالث والعشرين من شهر شوال المكرم عام ٨٣٢هـ بمكة المشرفة، بعد أن اعتمر في السابع والعشرين من رمضان من العام المذكور، وترك وراءه آثارا خالدة، وقلما عني أحد من العلماء بتدوين تاريخ البلد الحرام في كتب مفيدة، كما عني الفاسي عالم الحجاز وفقيهه ومؤرخه العظيم.
وما أجدر كل مسلم وعربي بأن يلتفت إلى آثار الفاسي المخطوطة، ويسهم في نشرها، ويعمل على إخراجها، ليعم بمؤلفاته النفع، ولنقف على دقائق التاريخ العربي في فترة من أغمض فترات التاريخ الإسلامي.
﵀، ونفع بعمله وبمؤلفاته، وجزاه عن العرب وعن المسلمين خير الجزاء؟
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير:
بقلم الأستاذ محمد مبروك نافع، رئيس قسم التاريخ الإسلامي، كلية دار العلوم - جامعة القاهرة.
لا أحسبني أبالغ كثيرا إذا قلت: إن العقود الأخيرة من هذا القرن العشرين قد شاهدت يقظة فكرية، ووعيا سياسيا في مختلف أقطار العالم العربي، إذ أدرك هذا العالم أنه غفا سنين طويلة، فبدأ يستيقظ ويتحرك، ليعوض ما فاته إبان إغفاءته، ويحمل العالم على احترام كفايته ومقدرته التي جعلت منه الرائد الأول في إنارة العالم إبان العصور الوسطى المظلمة.
فأما من الناحية السياسية فالأمر لا يحتاج - وبخاصة في الآونة الأخيرة- إلى تبيان، إذ كل دلائل الأمور تدل على مدى الاحترام الذي يناله العالم العربي اليوم بين قوى العالم الأخرى المتصارعة، بعد أن كانت لا تلقي بالا إليه.
وأما من الناحية الثقافية فأحسب أن مجموع ما تخرجه المطابع في بلاد العالم العربي من مؤلفات ومترجمات وصحف وكتب مخطوطة، تنشر للمرة الأولى أو يعاد نشرها في مختلف النواحي العلمية والأدبية، لأكبر دليل على ما يمتع به هذا العالم العربي الآن من وعي وثقافة ورغبة في الرقي وطموح إلى السيادة.
ولا تختلف البلاد العربية من ناحية ما تخرجه مطابعها بعضها عن البعض في هذا المجال باختلاف ظروفها وإمكانياتها، ولكنها جميعا يربط ما بينها هذا الاتجاه الثقافي الحميد الذي يعيد إلى الذاكرة تلك الجهود الجبارة التي بذلها أسلافنا العرب وظهرت آثارها فيما ألفوه من كتب فيما بين القرنين التاسع والثاني عشر للميلاد باللسان العربي، في مختلف العلوم والفنون، أو ترجموه عن اللغات الفارسية والهندية واليونانية، فشرحوه وصوبوا أخطاءه.
أقول هذا وبين يدي كتاب "شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام" لمؤلفه القاضي تقي الدين أحمد بن علي الفاسي المتوفى سنة ٨٣٢هـ، وهو أوسع كتاب في تاريخ
стр. 9
مكة المكرمة بعد كتابي الأزرقي "المتوفي سنة ٢٥٠هـ" والفاكهي "المتوفي نحو سنة ٢٨٠هـ".
والرأي الشائع بين جمهور المثقفين الآن أنا نعيش في عصر السرعة، وأن المؤلفات المطولة وبخاصة تلك التي تعالج موضوعا واحدا ليس لها مكان في عالم التأليف في الوقت الحاضر، لأن زحمة الحياة وضيق الوقت لا يتسع لما يقولون عنه إنه إسراف في تضييع الوقت. ولكن هذا الرأي مردود، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على اتجاه خطر قد يؤذي الثقافة العالمية إيذاء شديدا، لأنه يدل على انصراف عن الأساس الرئيسي للرقي العقلي الذي هو الأساس الصحيح في كل حضارة.
على أن كتاب "شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام" له نظائره فيما يؤلف من كتب في الغرب عن مدائن ليست لها عراقة مكة المكرمة، التي تعتبر المركز الروحي للعالم الإسلامي الذي يناهز عدد سكانه الآن سدس سكان العالم، برغم أن الدين الإسلامي هو أحدث الأديان جميعا من الناحية التاريخية.
والكتاب ليس كتابا لتاريخ مكة السياسي فحسب، بل هو بفصوله الأربعين يعتبر دائرة معارف شاملة لهذا البلد الحرام وما يتصل به من النواحي العمرانية والدينية والثقافية والاجتماعية، وفيه من هذه النواحي ما لا يوجد في كتاب آخر من كتب التاريخ المعروفة.
ويستطيع المؤلف المحدث في الوقت الحاضر أن يخرج من بين سطوره، ومما ورد استطرادا في بعض فصوله جملة كتب تحمل عناوين مختلفة وتكون كتبا متخصصة، كل واحد منها يعالج ناحية من نواحي العلم أو الفن أو الاجتماع أو غير ذلك لا لمكة فحسب، بل لبلاد المسلمين أجمعين.
ولقد نجح بعض المستشرقين في استخراج كنوز علمية من أمثال هذا الكتاب، ووضعوا لها عناوين حديثة ندهش نحن عند قراءتها، ونستغرب أن يكون العرب منذ نيف وعشرة قرون أو أكثر قد عرفوا هذه الأشياء التي يبدو أنها من صنع العصر الأوروبي الحديث.
فالاشتراكية مثلا التي تعتبر من مبتكرات العصور الحديثة كانت معروفة لدى المكيين منذ القرن الخامس الميلادي. فهذا هاشم بن عبد مناف أطعم أهل مكة جميعا في سنة أصابهم فيها قحط، إذ جلب لهم من الشام قافلة محملة بالدقيق ونحر الإبل وأطعمهم من جوع. وفي عهده ازدهرت الحياة في مكة ازدهارا كبيرا وأصبحت تعج بالتجار من الشمال والجنوب حتى لقد سماها بعض المستشرقين بندقية "فينيسا" بلاد العرب. وذكر مستشرق آخر أن مكة أصبحت مركزا للصيرفة يمكن أن يدفع فيه التجار أثمان السلع التي ترسل
стр. 10
إلى بلاد بعيدة، كما كانت عملية الشحن والتفريغ لهذه التجارة الدولية تتم هناك، كذلك كان يتم التأمين على المتاجر، وهي تجتاز الطرق المحفوفة بالمخاطر، ولم يأت هذا المستشرق -واسمه أوليري- بهذا الكلام من عنده إنما استنبطه من الكتب العربية القديمة، التي نمر عليها مرا دون أن نقف لنتأمل، ونعلم أنه كان ثمة تأمين على المتاجر، يظن الناس أنه من مستحدثات العصور الحديثة. ونستطيع أن نستنبط من هذه المراجع أيضا أنه كان للدول الكبرى آنئذ -كفارس وبيزنطة- ممثلون تجاريون في قلب مكة ذاتها وأن زعماء مكة -التي وصفها بعض المستشرقين بأنها كانت جمهورية تجارية بلوتوقراطية "أي حكومة الأغنياء"- كانت تعقد محالفات ومعاهدات تجارية تسمح لمندوبي التجار بالتجوال في أقطارها للترويج لمتاجرهم في أمن وطمأنينة، وأن مكة بوصفها مركزا عاما للتجارة، كانت شوارعها وأسواقها تعج بناس من قوميات مختلفة، يتكلمون بلغات مختلفة، فكانت على حد التعبير الحديث مدينة دولية، وأنها كانت غاصة بالمصارف التي كانت تقرض الناس بالربا الذي كان وباء المجتمع المكي. ومن أجل ذلك حطمه الإسلام. وكان من كبار أصحاب المصارف العباس بن عبد المطلب الذي قال عنه النبي ﷺ في خطبة الوداع: "كل ربا في الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب".
إن هذه القضايا التي صغناها بأسلوب العصر الحديث، والتي تبدو في نظر المثقف المحدث وكأنها مسائل رائعة لا تكاد تصدق إنما هي والمئات من نظائرها مخبوءة بين ثنايا السطور بلغة القرون الأولى الإسلامية في تلك المؤلفات التي دونت بلغة تلك العصور غير المألوفة لدينا الآن، والتي نمر عليها أثناء قراءتها دون أن نقف ونتأمل ونستنبط ونوازن بينهما وبين ما هو معروف لدى العالم المتحضر الآن.
ولو أن أمثال الأزرقي أو الفاكهي أو الفاسي كانوا يعيشون في هذا القرن العشرين، ويؤلفون بأسلوبه ومنهجه العلمي ومعهم تلك الذخيرة الرائعة والمنجم الثمين الذي لا ينضب من المعلومات في النواحي المختلفة لظهرت كتبهم في غير ما نألفه من ترتيبها، ولرأيناها تزخر بفصول تحمل عناوين كتلك التي نراها في الكتب الحديثة مثل "أ" الحالة الاقتصادية لبلاد العرب "ب" السياسة المكية: الأحزاب، العلاقة بين قريش والقبائل الأخرى، السياسة الخارجية لمكة "ج" الحالة الاجتماعية والأخلاقية: الفردية والجماعية، المثل العليا الأخلاقية "د" الحالة الدينية والعقلية: انحطاط الدين الوثني، تدهور الوثنية، التهيؤ لقبول عقيدة الوحدانية إلى آخره، إلى آخره.
إن ما يمكن أن يكتب تحت هذه العناوين في كتاب محدث تجده وأكثر منه مفصلا في تلك الآثار القديمة ولكن مبعثرا تحت عناوين قد لا تمت إليه بصلة نتيجة الاستطراد وأسلوب التأليف منذ نحو نيف وعشرة قرون.
стр. 11
إن أخطر ما يخشى على العلم هو تلك الملخصات والكتب المختصرة التي ترسم الحدود ولا تجري الحياة في جسوم الأشخاص والأحداث. وقد يقرأ قارئ ملخصا لسيرة الرسول ﵇ فيحيط بتاريخ حياته، ولكنه إن قرأ تاريخا مفصلا أحس كأنه يعيش في جو الرسول ﵇ يتنفسه كأنما هو قائم معه من صحابته يدرك لم فعل الرسول كيت وكيت ولم لم يفعل كذا وكذا.
إن المختصرات التي تكتب الآن بحجة أنا في عصر السرعة إنما هي سمة من سمات الإفلاس الروحي، وإيغال في المادية، وتقرب من الانهيار الحضاري، كما تدل على ذلك تواريخ الأمم البائدة.
حيا الله أولئك الذين يعملون على نشر تراثنا القديم الذي يعتبر أكبر حافز على الاستمرار في نهضتنا العربية الجديدة، وحياهم وبياهم لو أنهم -لصالح النشء من أبناء العروبة المحدثين- صاغوه بأسلوب ونهج العصر الحديث، وأحسب إنهم لفاعلون إن لم يكن اليوم فبعد قليل.
وفقنا الله -جلت قدرته- إلى ما فيه صالح هذا الشعب العربي المجيد، وأمدنا بروح من عنده، إنه سميع مجيب.
محمد مبروك نافع.
стр. 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف:
الحمد لله الذي جعل مكة المشرفة أعظم البلاد شأنا، وصيرها محلا مباركا، وأجزل للمتقربين فيها العطية، وكم لها في الفضل مزية، لأن فيها البيت الحرام، الذي هو للناس مثابة وقوام، المغفور لمن حجه أو طاف به في البرية ما اقترفه من الخطية. أحمده على ما منحنا من جوار بيته المطهر، وأسأله استمرار ذلك إلى حين أقبر.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وبه نستعين، رب يسر وأعن يا كريم. [بجاه عروس القيامة والدين القويم] ١.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، الذي جعل مكة وما حولها حرما، وأغنى بماء زمزم عن الطعام، وشفا به سقما. وأشهد أن سيدنا محمدا أفضل من الحجر الأسود قبل، وفي الطواف بالكعبة رمل، وصلى خلف المقام الذي للخليل فيه أثر، ووقف بعرفات والمشعر ﷺ ما رميت الجمار، وما تضرع داع في الملتزم والمستجار٢، وما سعى بين الصفا والمروة محرم، ورضي الله عن آله وأصحابه الذين توقيرهم واجب على كل مسلم.
أما بعد: فإنه لما وفقني الله تعالى للاشتغال بالعلم الشريف تشوَّقَتْ نفسي كثيرا إلى معرفة ما كان بعد الإمام أبي الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن
стр. 13
عقبة بن الأزرق ابن أبي شمر الغساني الأزرقي المكي١ مؤلف كتاب "أخبار مكة" ﵀ وفي أخبار عمارة الكعبة المعظمة، وخبر حليتها ومعاليقها، وما أهدي لها في معنى الحلية، وكسوتها، وخبر الحجر الأسود، وخبر عمارة المسجد الحرام، وما فيه من عمارة موضع مقام إبراهيم ﵇ وحجر النبي إسماعيل ﵇ وموضع زمزم، وسقاية العباس بن عبد المطلب ﵁ ومنابر المسجد الحرام، والمطاف، ومقامات الأئمة، وابتداء وقت ترتيبهم للصلاة فيها، وعمارة أماكن مباركة بمكة المشرفة، وهي مساجد قيل إن النبي ﷺ صلى فيها، ومولد النبي ﷺ ، ومولد سيدنا على بن أبي طالب- ﵁ وغير ذلك من المواضع المعروفة بمكة بالمواليد، والدور المباركة بمكة، كدار سيدنا أبي بكر الصديق ﵁ ودار خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ﵂ ودار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وهي الدار المعروفة بدار الخيزران، وعمارة مساجد مباركة بظاهر مكة، وهي: مسجد البيعة -بيعة رسول الله ﷺ والأنصار- بقرب عقبة منى، ومسجد الخيف بمنى، وغير ذلك من المساجد بمنى، ومسجد أم المؤمنين عائشة ﵂ التي أحرمت منه لما اعتمرت بعد حجها بالتنعيم، وعمارة أنصاب٢ حدود الحرم، ومشاعر الحج والعمرة، وهي: الصفا، والمروة، والمشعر الحرام، وغير ذلك. ما كان بعد أبي الوليد الأزرقي من الأوقاف على طلبة العلم والفقهاء، وغير ذلك من المدارس والربط وغيرها، وتاريخ وقف ذلك، وما كان بعد الأزرقي من الأمطار والسيول بمكة، فعرفت طرفا جيدا من ذلك كله؛ بعضه من كتب التاريخ، وبعضه علمته من رخام، وأحجار، وأخشاب مكتوب فيها ذلك، ثابتة في الأماكن المشار إليها. وبعضه علمته من أخبار الثقات. وبعضه شاهدته، وعلق ذلك كله بذهني، وقيدته في أوراق مفردة من غير ترتيب، خيفة ذهاب ذلك بالنسيان، لما روي عن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله ﷺ أنه كان يقول: يا بني قيدوا العلم بالكتابة، ثم بدا لي أن أجمع ذلك مرتبا، وأضم إليه من تاريخ أبي الوليد الأزرقي ما يلائمه من الأمور التي أشرنا إليها لما في ذلك من كمال الفائدة. ففعلت ذلك، وأضفت إلى ذلك أحاديث وآثارا في فضائل الكعبة، والأعمال المتعلقة بها، وفي فضل الحجر الأسود والركن اليماني، والحجْر بسكون الجيم- والمقام والمسجد الحرام، ومكة، والحرم، وزمزم، وغير ذلك من المواضع المباركة بمكة وحرمها مما ذكره أبو الوليد الأزرقي- وأضفت إلى ذلك أمورا كثيرة مفيدة لم يذكرها الأزرقي، في بعضها مما عني بجمعه الأزرقي، وبعضها لم يعن به،
стр. 14
فمن الأول: أحاديث نبوية، وآثار عن الصحابة والسلف وأخبار جاهلية لها تعلق بمكة وأهلها وملوكها، وغير ذلك.
ومن الثاني: مسائل فقهية وحديثية، وما علمته من المآثر بمكة وحرمها، كالمدارس والربط١ وغير ذلك، وما علمته من أخبار ولاة مكة في الإسلام على سبيل الإجمال، وأخبار إسلامية تتعلق بمكة وأهلها وولاتها، والحجاج.
وكثير من هذه الأخبار، ذكره الأزرقي، وذكر أيضا بعض المآثر، وبعض المسائل الفقهية، وهذا القسم مما يكثر الاغتباط به، لأن غالبه لم يحوه كتاب٢، وإليه يتشوق ذوو الألباب، وأضفت إلى ذلك -أيضا- ما حررناه في ذرع الكعبة٣ والمسجد الحرام، وأماكن فيه، والأماكن المباركة بمكة وحرمها من المساجد والمواليد، والدور المباركة وحدود الحرم من جهاته المعروفة الآن بما فيها من العلامات المبينة لكون الذراع الذي حررناه به هو ذراع الحديد المستعمل في القماش بديار مصر والحجاز، والذراع الذي حرر به الأزرقي هو ذراع اليد، فيستفاد مما ذكرته ذرع ذلك بالوجهين، وبعض ما حررناه ليس في كتاب الأزرقي تحرير له، فلا يعرف تحريره إلا مما ذكرناه، فجاء -بحمد الله تعالى- تأليفا لأشتات الفوائد جامعا، وفي معناه إن -شاء الله تعالى- مفيدا نافعا.
ويستغنى به عن كتاب الأزرقي والفاكهي٤ ولا يغنيان عنه.
وللإمام الأزرقي، والفاكهي فضل السق والتحصيل والتحرير، فإن ما ذكراه هو الأصل الذي انبنى عليه هذا الكتاب، وفي كتاب الفاكهي وهو: محمد بن إسحق بن العباس المكي أمور كثيرة مفيدة جدا ليست من معنى تأليف الأزرقي، ولا من المعنى
стр. 15
الذي ألفناه، وكانا في المائة الثالثة، والفاكهي تأخر عن الأزرقي قليلا في غالب الظن، ومن عصرهما إلى تاريخ خمسمائة سنة١ ونحو أربعين سنة وأزيد، ولم يصنف بعدهما في المعنى الذي صنفا فيه أحد، وقد حدث بعدهما في هذه المدة من المعنى الذي ذكرناه عنهما أمور مستكثرة، فلذلك صارت الإحاطة لجمعها متعذرة، وقد بذلنا الجهد في تحصيل ذلك، فظفرنا منه بطرف، وفي النفس على ما لم نظفر به أسف.
وإني لأعجب من إهمال فضلاء مكة بعد الأزرقي للتأليف على منوال تاريخه، ومن تركهم تأليف تاريخ لمكة يحتوي على معرفة أعيانها من أهلها وغيرهم، من ولاتها، وأئمتها، وقضاتها، وخطبائها وعلمائها، ورواتها، كما صنع فضلاء غيرها من البلاد لبلادهم، "كتاريخ بغداد" للخطيب البغدادي٢، ومن بعده "تاريخ دمشق" لابن عساكر٣ و"تاريخ مصر" للقطب الحلبي، وغير ذلك من تواريخ البلاد.
وقد وفقني الله تعالى لجمع شيء من هذا المعنى حداني، إلى جمعه أني تشوقت كثيرا لمعرفة ذلك، وتتبعت ما ألفه الناس من التواريخ والطبقات والمعاجم٤ والمشيخات وغير ذلك من تعاليق العلماء، فظفرت في ذلك ببعض المطلوب، ثم رتبته على ما أدركته من الأمور المناسبة له على ترتيب حروف المعجم خلا المحمدين والأحمدين، فإنهم مقدمون على غيرهم، لكون ذلك من أسماء نبينا المصطفى ﷺ ، وهو ﷺ مذكور في أول التراجم مع شيء من سيرته الشريفة على وجه الاختصار للتبرك بذلك.
وجعلت في أول هذا الكتاب مقدمة لطيفة تحتوي على مقاصد هذا التأليف، لخصتها منه ليكون التأليف -الذي هذه المقدمة أوله- جامعا لشيء من أخبار مكة وما فيها، وشيء من أخبار أهلها ومن أشرنا إليهم معهم، هذا التأليف "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين"، ثم إني استطلته بعد تسويدي لأكثره، وترتيب ما بقي منه بذهني، فاختصرته في مقدار نصف الحجم، وسميت هذا المختصر "عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى".
стр. 16
وأنا أسال الله تعالى أن ييسر لي تبييضهما وتحريرهما، وأن ينفع بذلك وينفعني به، ويثيبني عليه الثواب الجزيل.
وهذا التأليف المحتوي على التراجم لا يخلو من تقصير، سببه ما ذكرته من كوني لم أر مؤلفا في معناه، ورأيت ما يدل على أن بعض الناس ألف تاريخا لمكة، وهو الشريف زيد بن هاشم بن علي بن المرتضى العلوي الحسني، هكذا نسبه الشيخ أبو العباس أحمد بن علي الميورقي١، وترجمه بوزير مدينة الرسول ﷺ ، وذلك في رسالة كتبها زيد- المذكور- للشيخ أبي العباس- المذكور- رأيتها في كتاب "الجواهر الثمينة على مذهب عالم المدينة" لابن شاش المالكي بخط الميورقي، ووقفه بوج الطائف، وفيها مكتوب بعد البسملة: زيد بن هاشم بن علي، ثم قال: وبعد.... فقد خدم بها العبد الضعيف في الثلاثاء منتصف شعبان، وبخط الميورقي فوق شعبان: سنة ست وسبعين وستمائة، وذكر أشياء، ثم قال: وقد خطر للضعيف مع المتاعب التي يعاني من كل وجه إثبات تاريخ لمكة المعظمة، وقد أثبت منه إلى الآن نحو خمس كراريس ... انتهى.
ولم أقف على هذا التاريخ، وما عرفت على أي نمط هو، هل هو تراجم فقط أو هو حوادث فيها ذكر شيء من أخبار مكة والكعبة المعظمة مما يدخل في هذا التاريخ؟
وسميت هذا التأليف: "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام".
ورتبته على أربعين بابا:
الباب الأول: في ذكر مكة المشرفة وحكم بيع دورها وإجارتها.
الباب الثاني: في أسماء مكة المشرفة.
الباب الثالث: في ذكر حرم مكة، وسبب تحريمه، وعلاماته، وحدوده، وما يتعلق بذلك من ضبط ألفاظ في حدوده، ومعاني بعض أسمائها.
الباب الرابع: في ذكر شيء من الأحاديث والآثار الدالة على حرمة مكة وحرمها، وشيء في الأحكام المختصة بذلك، وشيء مما ورد من تعظيم الناس لمكة وحرمها، وفي تعظيم الذنب في ذلك، وفي فضل الحرم.
стр. 17
الباب الخامس: في ذكر الأحاديث الدالة على أن مكة أفضل من غيرها من البلاد، وأن الصلاة فيها أفضل من غيرها، وغير ذلك من فضلها.
الباب السادس: في المجاورة بمكة والموت فيها، وشيء من فضل أهلها، وفضل جدة- ساحل مكة- وشيء من خبرها، وشيء من فضل الطائف وشيء من خبره.
الباب السابع: في أخبار عمارة الكعبة المعظمة.
الباب الثامن: في صفة الكعبة وذرعها وشاذروانها وشيء من حليتها، ومعاليقها، وكسوتها، وطيبها، وخدامها، وأسمائهم، وهدم الحبشي لها، ووقت فتحها في الجاهلية والإسلام، وبيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق، ومعرفة أدلة القبلة بالآراق المشار إليها.
الباب التاسع: في بيان مصلى النبي ﷺ في الكعبة، وبيان قدر صلاته هذه، ووقتها، ومن رواها من الصحابة، ومن نفاها منهم ﵃ وترجيح رواية من أثبتها على رواية من نفاها، وما قيل من الجمع بين ذلك، وعدد دخوله ﷺ الكعبة بعد هجرته إلى المدينة، وأول وقت دخلها بعد هجرته.
الباب العاشر: في ثواب دخول الكعبة المعظمة، وفيما جاء من الأخبار الموهمة لعدم استحباب دخولها، وفيما يطلب فيها من الأمور التي صنعها ﷺ فيها، وحكم الصلاة فيها، وفي آداب دخولها.
الباب الحادي عشر: في فضائل الكعبة، وفضائل الحجر الأسود والركن اليماني.
الباب الثاني عشر: في فضائل الأعمال المتعلقة بالكعبة كالطواف بها، والنظر إليها، والحج، والعمرة، وغير ذلك.
الباب الثالث عشر: في الآيات المتعلقة بالكعبة المعظمة.
الباب الرابع عشر: في شيء من أخبار الحجر الأسود.
الباب الخامس عشر: في الملتزم، والمستجار، والحطيم، وما جاء في استجابة الدعاء في ذلك وغيره من الأماكن الشريفة بمكة وحرمها.
الباب السادس عشر: في شيء من أخبار مقام إبراهيم الخليل ﵇.
الباب السابع عشر: في شيء من خبر حجر إسماعيل ﵇ وفيه بيان المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ حول الكعبة.
الباب الثامن عشر: في شيء من أخبار توسعة المسجد الحرام، وعمارته، وذرعه.
стр. 18
الباب التاسع عشر: في عدد أساطينه١، وصفتها، وعدد عقوده٢، وشرفاته٣، وقناديله، وأبوابه وأسمائها، ومنايره٤،وفيما صنع فيه لمصلحة أو لنفع الناس به، وفيما فيه الآن من المقامات، وكيفية صلاة الأئمة بها وحكمها.
الباب العشرون: في أخبار زمزم، وسقاية العباس ﵁.
الباب الثاني والعشرون: في الأماكن التي لها تعلق بالمناسك.
الباب الثالث والعشرون: فيما بمكة من المدارس، والربط٥، والسقايات٦، والبرك المسبلة٧، والآبار، والعيون، والمطاهر٨، وغير ذلك من المآثر، وما في حرمها من ذلك.
الباب الرابع والعشرون: في ذكر شيء من خبر بني المحصن بن جندل ملوك مكة، ونسبهم، وذكر شيء من أخبار العماليق ملوك مكة، ونسبهم، وذكر ولاية طسم للبيت الحرام.
الباب الخامس والعشرون: في ذكر شيء من خبر جرهم ولاة مكة ونسبهم، وذكر من ملك مكة من جرهم ومدة ملكهم لها، وما وقع في نسبهم من الخلاف، وفوائد تتعلق بذلك، وذكر من أخرج جرهما من مكة، وكيفية خروجهم منها، وغير ذلك من خبرهم.
الباب السادس والعشرون: في ذكر شيء من خبر النبي إسماعيل ﵇ وذكر ذبح إبراهيم لإسماعيل ﵉.
الباب السابع والعشرون: في ذكر شيء من خبر "هاجر" أم إسماعيل ﵇ وذكر أسماء أولاد إسماعيل وفوائد تتعلق بهم، وذكر شيء من خبر بني إسماعيل، وذكر ولاية ثابت بن إسماعيل للبيت الحرام.
стр. 19
الباب الثامن والعشرون: في ذكر ولاية إياد بن نزار بن معد بن عدنان للكعبة وشيء من خبره، وذكر ولاية بني إياد بن نزار للكعبة، وشيء من خبرهم، وخبر مضر، ومن ولي الكعبة من مضر قبل قريش.
البات التاسع والعشرون: في ذكر من ولي الإجازة بالناس من منى من العرب في ولاية جرهم، وفي ولاية خزاعة وقريش على مكة.
الباب الثلاثون: في ذكر من ولي إنساء١ الشهور من العرب بمكة، وذكر صفة الإنساء، وذكر الحمس، والحلة، والقلمس٢.
الباب الحادي والثلاثون: في ذكر شيء من خبر خزاعة ولاة مكة في الجاهلية ونسبهم، ومدة ولايتهم لمكة، وأول ملوكهم بها، وغير ذلك من خبرهم، وشيء من خبر عمرو بن عامر ماء السماء الذي تنسب إليه خزاعة -على ما قيل- وشيء من خبر بنيه وغير ذلك.
الباب الثاني والثلاثون: في ذكر شيء من أخبار قريش بمكة في الجاهلية، وشيء من فضلهم، وما وصفوا به، وبيان نسبهم، وسبب تسميتهم بقريش، وابتداء ولايتهم للكعبة، وأمر مكة.
الباب الثالث والثلاثون: في ذكر شيء من خبر بني قصي بن كلاب وتوليتهم لما كان بيده من الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء والقيادة وتفسير ذلك.
الباب الرابع والثلاثون: في ذكر شيء من خبر الفجار والأحابيش.
الباب الخامس والثلاثون: في حلف الفصول وخبر ابن جدعان الذي كان هذا الحلف في داره، وذكر أجواد قريش وحكامهم في الجاهلية، وتملك عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي عليهم، وشيء من خبره.
الباب السادس والثلاثون: في ذكر فتح مكة المشرفة، وفوائد تتعلق بخبر فتحها.
الباب السابع والثلاثون: في ذكر ولاة مكة المشرفة في الإسلام.
الباب الثامن والثلاثون: في ذكر حوادث تتعلق بمكة في الإسلام.
стр. 20
الباب التاسع والثلاثون: في ذكر شيء من أمطار مكة وسيولها في الجاهلية والإسلام، وشيء من أخبار الصواعق بمكة، وذكر شيء من أخبار الغلاء والرخص والوباء.
الباب الأربعون: في ذكر الأصنام التي كانت بمكة وحولها، وشيء من خبرها، وذكر شيء من خبر أسواق مكة في الجاهلية والإسلام، وذكر شيء مما قيل من الشعر في الشوق إلى مكة المشرفة، وذكر معالمها المنيفة.
وأنا أسأل من كل واقف على هذا المختصر وأصله١ المسامحة عما فيهما من التقصير، وإصلاح ما فيهما من الغلط بعد التحرير، فسبب الغلط في الغالب النسيان، وقد جبل عليه كل إنسان، وسبب التقصير ما ذكرته من أني لم أر مؤلفا في المعنى الذي قصدت جمعه مما كان بعد الأزرقي والفاكهي فأستغني به.
وأسأل الله أن يمنحني على ما قصدت الثواب الجزيل بمحمد ٢ سيد المرسلين وآله وصحبه الأكرمين.
وقد رأيت أن أذكر إسنادي في تاريخ الأزرقي لكثرة المنقول منه في هذا الكتاب، وإذا كان ذلك متصلا إليه بالإسناد فهو مما يستجاد، وأخبرني به أبو المعالي عبد الله بن عمر الصوفي بقراءتي عليه في القاهرة عن أبي زكريا يحيى بن يوسف القرشي إجازة إن لم يكن سماعا: أن أبا الحسن علي بن هبة الله الخطيب، وعبد الوهاب بن ظافر الأزدي، أنبآه عن أبي طاهر أحمد بن محمد الحافظ، قال: أخبرنا به المبارك بن عبد الجبار المعروف بابن الطيوري، قال: أخبرنا به أبو طالب محمد بن علي بن الفتح العشاري، قال: أنبأنا به أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي موسى الهاشمي، قال: أنبأنا به أبو إسحق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، قال: أنبأنا به أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي. فذكره.
стр. 21
الباب الأول
أولا: ذكر مكة المشرفة
...
الباب الأول: في ذكر مكة المشرفة وحكم بيع دورها وإجارتها
أولًا: ذكر مكة المشرفة
مكة المشرفة بلدة مستطيلة كبيرة تسع من الخلائق ما لا يحصيهم إلا الله في بطن واد مقدس، والجبال محدقة بها كالسور لها، ولها مع ذلك ثلاثة أسوار: سور في أعلاها ويعرف بسور باب المعلاة١، وفيه بابان أحدهما لا باب له ويكون في الغالب مسدودا، وسوران في أسفلها، أحدهما: يعرف بسور باب الشبيكة٢ وفيه باب كبير وخوخة٣ صغيرة لا باب لها، والسور الآخر يعرف بسور باب الماجن٤، ويعرف أيضا بسور باب اليمن لأنه على طريق البر إلى اليمن.
وكان أحصن هذه الأسوار- على ما رأينا- سور باب الشبيكة، لكماله بالبناء فيما بين الجبلين اللذين بينهما السور المذكور، وليس كذلك سور باب المعلاة وسور باب الماجن، والخلل في سور باب الماجن أكثر، ولقصر جدر هذين السورين في مواضع، وليس كذلك سور باب الشبيكة، وقد عمر سور باب المعلاة وسور باب الماجن حتى كمل بناؤهما من الجبل إلى الجبل إلا أن في سور باب المعلاة موضعا متخللا من البناء
стр. 22
مما يلي البركة المعروفة ببركة الصارم١، وارتفع جدر السورين عما كانا عليه، ويذكر أنهما يرفعان أكثر ويعمل لهما شرفات، ويكمل الخلل الذي في سور باب المعلاة وهذه العمارة في النصف الثاني من سنة ست عشرة وثمانمائة من جهة الشريف بدر الدين حسن بن عجلان الحسني٢ نائب السلطنة ببلاد الحجاز أدام الله له الرفعة والإعزاز٣.
وسبب ذلك أن ابن أخيه السيد رميثة بن محمد بن عجلان هجم على مكة ودخلها في طائفة من أصحابه في ضحوة يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، ومال إليه جماعة من المولدين الذين كانوا بمكة وخرجوا جميعا منها، ولم يحدثوا بها كثير حدث لتخوفهم من وصول السيد حسن بن عجلان إليهم فيستأصلهم، لكثرة من معه وقلتهم. وكان مدة مكثهم بمكة ساعة فلكية أو أزيد. ولما توجه "رميثة" لمكة لم يكن لعمه علم به، ولما علم بذلك أتى مكة مسرعا ودخلها من درب المعلاة، ورأى أوائل عسكره أصحاب "رميثة" خارجين من مكة، فتبعهم السيد حسن في عسكره قليلا، ثم أعرض عنهم رحمة لهم. وكان بين الفريقين بعد ذلك منازلات وأمور كثيرة.
ثم إن بعض عسكر السيد حسن هدم عدة مواضع من سور باب المعلاة من جانبيه، منها: موضع كبير يلي الجبل الشامي عند البرج الذي هناك سعته نحو عشرة أذرع حتى اتصل الهدم بالأرض، ومنها: موضع نحوه من الجانب الآخر يتصل ببركة الصارم، وذلك في يوم الثلاثاء خامس وعشرين شوال سنة تسع عشرة وثمانمائة، ثم أعيد بناء جميع ما تهدم من هذا السور كما كان، في بقية شوال٤.
стр. 23
وفي أول ذي القعدة من السنة المذكورة، وفي يوم هدم ذلك أحرق باب المعلاة بالنار حتى سقط إلى الأرض، وكان عمل "بكلكته" من بلاد الهند في سنة ستة وثمانين وسبعمائة، وأهدي للسيد أحمد بن عجلان، وركبه على باب المعلاة: عنان بن مغامس بن رميثة في سنة تسع وثمانين لما ولي إمرة مكة بعد قتل محمد بن أحمد بن عجلان، وسبب إحراقه وهدم ذلك: أن عسكر السيد رميثة بن محمد بن عجلان منعوا عسكر عمه السيد حسن من دخول مكة لما ولي إمرة مكة عوض رميثة في ثامن عشر من رمضان هذه السنة، وبأمره كان بناء ما هدم، وبأمره عوض عن الباب المحترق بباب جيد وركب في محله في يوم الجمعة ثاني عشر القعدة من السنة المذكورة، وهذا الباب كان لبعض دور السيد حسن بمكة، وكان ينقص عن مقدار باب المعلاة، فزيد فيه ما كمله وأحكمت الزيادة فيه١.
وكان لمكة سور من أعلاها دون سورها اليوم قريبا من المسجد المعروف بمسجد الراية٢، وموضع باب هذا السور على ما ذكر لي غير واحد فيما بين الدارين المتقابلتين. المنسوبتين لمسعود بن أحمد المعروف بالأزرقي المكي التي بإحداهما الآن ذيب مشروعة لا سقف عليها في محاذاة ركني الدارين مما يلي الردم، وإذا كان محل باب السور في محاذاة هذين الركنين فالظاهر -والله أعلم- أن محل بقية السور يحاذي بابه من جانبي الباب، وأنه من الجبل الذي إلى جهة القرارة٣ ويقال له: لعلع إلى الجبل المقابل له الذي إلى جهة سوق الليل، لأن التحصن بهذا السور لا يتم إلا بأن يكون هكذا.
وفي الجبلين المشار إليهما آثار بناء تدل على اتصال السور بهما، وبعض هذا السور الآن -على ما بلغني- في بعض البيوت المحاذية له، لأن بعض الناس أراني في بعض الدور المنسوبة للرالكيين جدارا عريضا ذكر أنه من السور الذي كان هناك، ونقل ذلك عن بعض أقاربه، ويقال الآن لموضع باب السور المشار إليه: الدرب الدارس، ويقال لهذا السور فيما مضى: السور الجديد، لأني وجدت بخط مسند مكة وموثقها عبد الرحمن بن أبي حرمي الكاتب العطار ما يقتضي ذلك.
ومن موضع باب السور المشار إليه بالأرض عند ركني الدارين المشار إليهما مما يلي الردم إلى الجدار القبلي من المسجد المعروف بمسجد الراية: مائة ذراع وثلاثة
стр. 24
وعشرون ذراعا وربع ذراع بالذراع الحديد، يكون ذلك بذراع اليد الآتي تحريره إن شاء الله تعالى مائة ذراع وأربعين ذراعا وستة أسباع ذراع.
ومن موضع باب السور الذي أشرنا إلى جدار باب المسجد الحرام المعروف بباب بني شيبة: تسعمائة ذراع -بتقديم التاء- وعشرون ذراعا ونصف ذراع بالحديد. ويكون ذلك بذراع اليد ألف ذراع واثنين وخمسين ذراعا.
وما عرفت متى أنشئت هذه الأسوار لمكة، ولا من أنشأها، ولا من عمرها، غير أنه بلغني أن الشريف أبا عزيز قتادة١ بن إدريس الحسني أحد أجداد الشريف حسين المذكور عمرها -والله أعلم- بصحة ذلك، وأظن أن في دولته عمر السور الذي كان بأعلى مكة، وفي دولته سهلت العقبة التي بني عليها سور باب الشبيكة وأصلحت، وذلك من جهة المظفر صاحب إبل في سنة سبع وستمائة٢، ولعله الذي بني السور الجديد الذي كان بأعلى مكة، والله أعلم.
ورأيت في بعض التواريخ ما يقتضي أنه كان لمكة سور في زمن المقتدر بالله العباسي، وما عرفت هل هو هذا السور من أعلى مكة وأسفلها أو إحدى الجهتين، والله أعلم.
وطول مكة، من باب المعلاة إلى باب الماجن على خط الردم والمسعى والسوق المعروف بسوق العلافة٣، ومسيل وادي إبراهيم: أربعة آلاف ذراع وأربعمائة ذراع واثنان وسبعون ذراعا- بتقديم السين- وذلك بذراع اليد الآتي ذكره -إن شاء الله تعالى- في حدود الحرم، وهو ينقص عن ذراع الحديد ثمن ذراع الحديد.
وطول مكة من باب المعلاة إلى باب الشبيكة على خط الردم، والمسعى، ومسيل وادي إبراهيم -إلا أنه ينحرف عنه- إلى باب الشبيكة في الزفاق الذي يخرج منه على البيت المعروف ببيت ابن عرفة بالشبيكة: أربعة آلاف ذراع وستمائة ذراع واثنان وتسعون ذراعا -بتقديم التاء- وذلك بذراع اليد المشار إليه.
ومن باب المعلاة إلى باب الشبيكة -أيضا- على خط الردم ويعدل منه من سوق الليل والحشيش إلى السويقة، ثم إلى الشبيكة: أربعة آلاف ذراع ومائة ذراع واثنان.
стр. 25
وسبعون ذراعا- بتقديم السين- وذلك بذراع اليد المشار إليه، وما عرفت أن أحدا قبلي اعتبر ذلك، وذكرنا في أصل هذا الكتاب مقدار ذلك بالأميال على قول من قال إن الميل ألف ذراع، وهو قول ابن حبيب المالكي ويقع في بعض نسخ ابن الحاجب لتشهيره١.
وقول من قال إنه: ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، وهو أصح ما قيل في الميل على ما ذكره ابن عبد البر فيما نقله عنه صاحب "التوضيح" الشيخ خليل المالكي.
وقول من قال: إنه أربعة آلاف ذراع، وهو الذي يعتمده أهل الحساب، وعليه أكثر الناس على ما قال القاضي أبو الوليد الباجي فيما نقله عنه صاحب "التوضيح" أيضا.
وقول من قال: إنه ستة آلاف ذراع، وهو قول الأصمعي ومتابعيه من الشافعية وغيرهم.
وذكر الفاكهي ما يقتضي أن الناس فيما مضى كانوا لا يتجاوزون في السكنى البئر التي عند المسجد الذي عند الردم، بأعلى مكة، لأنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ذكر المواضع التي تستحب فيها الصلاة بمكة وآثار النبي ﷺ فيها وتفسير ذلك:".... ومنها: مسجد بأعلى مكة عند الردم [الأعلى] ، عند بئر جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، ويقال لها: البئر العليا، يقال: إن النبي ﷺ صلى فيه، ثم قال: سمعت بعض أهل مكة من الفقهاء يقول: كان الناس لا يجاوزون في السكنى في قديم الدهر هذا البئر، إنما كان الناس فيما دونها إلى المسجد، وما فوق ذلك خال من الناس، وقال عمر بن أبي ربيعة- أو غيره- يذكر هذا البئر:
نزلت بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت خلف البئر أبعدَ منزل
حذرا عليها من مقالة كاشح ... ذَرِبِ اللسان يقول ما لم يفعل٢
وسمعت أبا يحيى بن أبي ميسرة يقول: كان آخر البيوت عند الردم نحوا من هذا الموضع، واحتج في ذلك بقول عطاء: إذا جاوز الردم -يعني الحاج- صنع ما شاء ... انتهى.
والمسجد المشار إليه هو المسجد المعروف بمسجد الراية، والبئر المشار إليها لعلها البئر التي بقرب هذا المسجد، وهي معروفة عند الناس ويستقون منها، ويحتمل أن تكون البئر التي كانت تعرف ببئر أبي المرة بقرب هذا المسجد من أعلاه، وهي الآن خافية لأنها.
стр. 26
طمست من نحو اثني عشر عاما، وهي منه أبعد من البئر الموجودة الآن، والأول أقرب، والله أعلم.
وللناس اليوم منازل كثيرة مسكونة فوق هذا المسجد، والبئر المشار إليها من جانبي الوادي، وهي من الجانب الذي يكون على يمين الصاعد من مكة المشرفة١.
ومن الجبال المحدقة بمكة: أخشباها وهما: أبو قبيس، والجبل الأحمر على ما ذكر الأزرقي؛ لأنه قال: أخشبا مكة: أبو قبيس، وهو الجبل المشرف على الصفا إلى السويداء إلى الخندمة، ثم قال بعد ذكر شيء من خبر أبي قبيس: والأخشب الآخر الجبل الذي يقال له الأحمر، وكان يسمى في الجاهلية "الأعرف"، وهو الجبل المشرف وجهه على قعيقعان وعلى دور عبد الله بن الزبير٢ ... انتهى.
وذكر ابن الأثير والمحب الطبري في أخشبي مكة مثل ما ذكره الأزرقي، وذكر القاضي عياض في "المشارق" وياقوت في مختصره لمعجم البلدان٣، ما يقتضي خلاف ذلك في الأحمر.
أما القاضي فلأنه قال: الأخشبان جبلان يضافان مرة إلى مكة ومرة إلى المدينة، أحدهما أبو قبيس والآخر قعيقعان، ويقال: بل الجبل الأحمر المشرف هنالك ويسميان الجبجبان، وقال ابن وهب: الأخشبان الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد ... انتهى.
وقوله: ومرة إلى المدينة لعله ومرة إلى منى، بدليل ما حكاه عن ابن وهب، والله أعلم.
وأما ياقوت فقال: "باب: الأخشب": موضعان: الأخشب الشرقي، والأخشب الغربي، وهما الأخشبان، فالشرقي، هو أبو قبيس، والغربي: قعيقعان، وقيل: بل هما أبو قبيس: والجبل الأحمر المشرف هنالك، وفد بسطا في المعجم٤ ... انتهى.
وأبو قبيس: بقاف مضمومة وباء موحدة مفتوحة وياء مثناة من تحت ساكنة وسين مهملة، واختلف في سبب تسميته بذلك فقيل: سمي برجل من إياد على ما قيل يقال له: أبو قبيس كان أول من بنى فيه، فلما صعد فيه البناء سمي جبل أبي قبيس، ذكر هذا القول الإمام الأزرقي٥ بمعنى ما ذكرناه، وقال: ويقال اقْتُبِسَ منه الركن فسمي أبا قبيس،
стр. 27
والأول أشهرهما عند أهل مكة، ولم يذكر الأزرقي في سبب تسميته أبا قبيس غير هذين القولين.
وقيل: إن أبا قبيس الذي سمي به هذا الجبل المشار إليه من مذحج، ذكر ذلك النووي نقلا عن ابن الجوزي، لأنه قال في "التهذيب" حكى ابن الجوزي في سبب تسميته بذلك قولين، الصحيح منهما: أن أول من نهض يبني فيه رجل من مذحج يقال له أبو قبيس، فلما صعد بالبناء فيه سمي أبا قبيس، والثاني ضعيف أو غلط فتركناه ... انتهى.
والقول الذي ترك النووي ذكره هو القول الذي أشار إليه الأزرقي بقوله: ويقال: اقتبس منه الركن فسمي أبا قبيس، لأن المحب الطبري قال في "القرى" في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ما جاء في فضل مكة وحرمها وأنها خير أرض الله" في الباب الأربعين: واختلف في سبب تسمية أبي قبيس بذلك، فقيل: إن أول من نهض يبني فيه رجل من مذحج يقال له: أبو قبيس فسمي به، وقيل: لأنه اقتبس منه الركن فسمي بذلك، والأول أصح، ذكره في "مثير العزم"١ ... انتهى.
ومثير العزم هو "مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن"٢ تأليف الحافظ أبي الفرج بن الجوزي على ما هو مشهور في هذا الكتاب إلى ابن الجوزي، ويتأيد ذلك بأن المحب الطبري قال في القرى بعد أن أخرج حديثا في الباب الأول منه: خرجه ابن الجوزي مسندا في كتاب "مثير العزم الساكن" ... انتهى.
وإذا كان ما ذكره المحب الطبري في تسمية أبي قبيس مذكورا في "مثير العزم الساكن" صح ما ذكرناه في بيان القول الذي ترك النووي ذكره، والله أعلم.
وذكر الفاكهي القولين في الرجل الذي بنى في أبي قبيس أولا، هل هو من إياد أو من مذحج؟ وسماه قبيسا، وهذا يخالف ما ذكره الأزرقي من أنه أبو قبيس، ولعله سقط لفظ أبي في كتاب الفاكهي٣، والله أعلم.
فيتحصل في نسبه قولان وفي اسمه قولان.
وقيل في سبب تسمية هذا الجبل بأبي قبيس غير ما سبق، لأن أبا القاسم السهيلي قال في روضه: وثور جبل من جبال مكة، وثبير -أيضا- جبل من جبالها، ذكروا أن ثبيرا
стр. 28
كان رجلا من هذيل مات في ذلك الجبل فعرف به الجبل، كما عرف أبو قبيس بقبيس بن شالح، رجل من جرهم كان قد وشى بين عمرو بن مضاض وبين ابنة عمه مية، فنذرت ألا تكلمه، وكان شديد الكلف بها، فحلف ليقتلن قبيسا، فهرب منه إلى الجبل المعروف به وانقطع خبره، فإما مات، وإما تردى منه، فسمي الجبل أبا قبيس١.
وذكر السهيلي: أن ابن هشام ذكره في خبر طويل في غير السيرة لابن إسحاق٢.
وقيل في سبب تسميته: أن النار التي بأيدي الناس اقتبست منه، وذلك أن سرحتين نزلتا من السماء فوقدتا نارا فاقتبس منهما آدم النار التي بأيدي الناس، ذكر ذلك محمد بن إبراهيم الوراق في كتاب "مباهج الفكر ومناهج العبر" وهذا معنى ما ذكره، وذكر الوراق: أنه يقال له: أبو قابوس، وشيخ الجبل، ولم أقف على هذا الكتاب الذي ذكر الوراق فيه ما حكيناه عنه في أبي قبيس، وإنما وجدته بخط بعض أصحابنا نقلا عنه.
وأبو قبيس: اسم لموضعين أحدهما هذا الجبل، والآخر حصن بحلب قبالة شيزر، وذكره ياقوت في مختصره لمعجم البلدان٣.
وسنذكر من الأخبار المتعلقة بأبي قبيس غير ما ذكرناه هنا عند ذكره في الباب الحادي والعشرين من هذا الكتاب.
والأحمر الذي قيل فيه إنه أحد أخشبي مكة -بحاء وراء مهملتين بينهما ميم- ومنه على ما قيل بنى الخليل إبراهيم ﵇ الكعبة على ما رويناه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وروينا ذلك عن أبي قلابة في تاريخ الأزرقي٤.
والأحمر اسم لثلاثة مواضع على ما ذكر ياقوت في معجم البلدان٥ لأنه قال: باب الأحمر: ثلاثة مواضع، الأول: الأحمر، جبل مشرف على قعيقعان، كان يسمى في الجاهلة الأعرف.
الثاني: الأحمر، حصن بسواحل الشام، كان يعرف بعَثليث.
الثالث: الأحمر، ناحية بالأندلس من ناحية سرقسطه يقال له: البرج الأحمر ... انتهى.
وقعيقعان الذي قيل إنه أحد أخشبي مكة، قال ياقوت في تعريفه لما ذكر المواضع التي سميت قعيقعان: جبل مشرف على مكة، وجهه إلى أبي قبيس.
стр. 29
وذكر أن قعيقعان بضم القاف وفتح العين١ ... انتهى.
وذكر النووي ما يوافق ذلك، لأنه قال بعد أن ذكر محله من "الروضة" وهو بضم القاف الأولى وفتح العين وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة وكسر القاف الثانية، وهو جبل مكة المعروفة ومقابل لأبي قبيس٢ ... انتهى.
وقوله: وقول ياقوت في تعريف قعيقعان هذا: إنه مقابل أبي قبيس يفهم أنه أخشب مكة الآخر، والله أعلم.
والأخشب في اللغة: كل جبل خشن غليظ. ذكر ذلك ابن الأثير، وهو في صحاح الجوهري بمعنى ذلك.
وسمي قعيقعان: لقعقعة سلاح مضاض بن عمرو الجرهمي وقومه فيه لما خرجوا لقتال قطورا على ما سنذكر في خبرهم في الباب الخامس والعشرين إن شاء الله تعالى، وقيل: لقعقعة سلاح تُبَّع لما قدم مكة لتعظيم حرمة البيت بعد أن كان له فيه رأي غير ذلك.
وقعيقعان اسم لخمسة مواضع، ذكر ياقوت في مختصره لمعجم البلدان٣ منها ثلاثا: هذا، ومنه موضع على اثني عشر ميلا من مكة على طريق الجرف إلى اليمن -ونقل ذلك عن عرام- وعندها قرية بها ماء وزروع ونخيل، ومنها: جبل بالأهواز، منه نحتت أساطين جامع البصرة ... انتهى ما ذكره ياقوت بالمعنى.
والموضعان اللذان لم يذكرهما ياقوت هما موضع مشهور يليه واد مشهور قرب الطائف، وحصن باليمن بين ذمار وإرياب٤ أفادَنيه من يُعتمد عليه من الأصحاب، وبقية الجبال بمكة، والخارجة عنها لا يعرف منها بما ذكره الأزرقي من أسمائها إلا القليل، ولذلك أعرضنا عنه.
وبمكة أبنية كثيرة، ولم يذكر منها إلا الأماكن المباركة والمآثر، وإنما أعرضنا عن ذكر ما سوى ذلك من الأبنية، لأنها إنما تعرف بمن هي في أيديهم، وتعريفها بهم لا يجدي إلا في الوقت الحاضر، لأجل نقلها من أيديهم بالبيع وغيره، وتشتهر بمن صارت إليه وتنسى معرفتها بمن كانت به معروفة من قبل في الغالب، كما جرى للأزرقي في تعريفه رباع مكة، فإنها لا يعرف الآن منها بما ذكره الأزرقي إلا النادر كما سيأتي بيانه.
стр. 30
ووقع فيما ذكرناه من أمر مكة ذكر المعلاة فنذكر حدها وحد ما يعرف من مكة بالمسفلة.
وقد ذكره الأزرقي في تاريخه لأنه قال: "المعلاة وما يليها من ذلك"١.
حد المعلاة من شق مكة الأيمن: ما جاوز دار الأرقم بن أبي الأرقم، والزقاق الذي على الصفا يصعد منه إلى جبل أبي قبيس مصعدا في الوادي، فذلك كله من المعلاة، ووجه الكعبة والمقام وزمزم وأعلى المسجد.
وحد المعلاة من الشق الأيسر: من زقاق البقر الذي عند الطاحونة، ودار عبد الصمد بن علي اللبان، مقابل دار يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، يقال لها: دار العروس مصعدا إلى قعيقعان، ودار جعفر بن محمد، ودار العجلة، وما جاز سيل قعيقعان إلى السويقة، وقعيقعان مصعدا، فذلك كله من المعلاة.
وحد المسفلة من الشق الأيمن: من الصفا، إلى أجيادين فما أسفل منه فذلك كله من المسفلة.
وحد المسفلة من الشق الأيسر: من زقاق البقر منحدرا إلى دار عمرو بن العاص، ودار ابن عبد الرزاق الجمحي، ودار زبيدة، فذلك كله من المسفلة، فهذه حدود المعلاة والمسفلة ... انتهى.
وهذه الدور التي ذكرها الأزرقي لا يعرف منها الآن غير دار الأرقم، ودار العجلة. وأما دار عمرو -المشار إليها- فلعلها من الموضع المعروف بخزانة قريش، لأنها بقرب باب المسجد الحرام الذي يقال له: باب عمرو بن العاص -على ما ذكر الأزرقي- وهو الباب المعروف بباب السدة٢، وتولى بيع ذلك في عصرنا أناس كثيرون من ذرية عمرو بن العاص ﵁ غالبهم يسكن الموضع المعروف بالوهط من بلاد الطائف، ومنهم صارت للشهاب بركوت٣ المكين، وعمر فيها عمارة حسنة جدا، لا يوجد مثلها بمكة، وأدار عليها حائطا مرتفعا من جميع جوانبها، وكان ابتداء عمارته لذلك في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة٤.
ولعل زقاق البقر المذكور في حد المعلاة والمسفلة هو الزقاق الذي يصعد منه إلى الموضع المعروف بمعبد الجنيد، والله أعلم.
стр. 31
وأظن أن دار العجلة ينقص مقدارها عما كان في زمن ابن الزبير ﵁ لكونها ذكرت في حد المسفلة والمعلاة، ولا يكون كذلك إلا أن يكون منها الموضع المعروف بدار أبي سعيد، والله أعلم.
وإذا خفي غالب الدور التي ذكرها الأزرقي في حد المعلاة والمسفلة، فكيف بما ذكره من تعريف رباع مكة كلها بمن تنسب إليه، وهذا يؤيد ما ذكرناه من أن تعريف رباع مكة بمن هي في أيديهم لا يجدي في الوقت الحاضر، والله أعلم.
وحوز أهل المسفلة في عصرنا من جهة الصفا يمتد إلى الميل الذي بمنارة المسجد الحرام المعروفة بمنارة باب علي، وكان يمتد حوزهم إلى المطهرة الناصرية بالمسعى على ما قيل، وحوزهم من جهة دار العجلة إلى الدار المعروفة بدار أبي سعيد، وهي ملاصقة لدار العجلة.
وذكر الفاكهي ما يقتضي تفضيل المعلاة على المسفلة لأنه قال: "ذكر فضل المعلاة على المسفلة" حدثنا الزبير بن أبي بكر، حدثنا حمزة بن عتبة اللهبي قال: سمعت أن النبي ﷺ لما حد المشاعر بالمعلاة، والمسفلة، والجمار، والصفا، والمروة، والسعي، والركن، والمقام، والحجر، برز إلى أسفل مكة فنظر يمينا وشمالا فقال: "ليس لله ﵎ فيما ههنا حاجة" يعني من المشاعر١ ... انتهى.
وهذا خبر غريب، ولذلك أوردناه والله أعلم بصحته.
وأول دار بنيت بمكة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة: دار الندوة، بناها قصي بن كلاب لما ملك مكة ليحكم فيها، يجتمع فيها هو وقومه للمشورة، واقتدت به قريش من بعده في الاجتماع بها للمشورة بها تبركا برأيه، ودخلت كلها في المسجد الحرام دفعات.
وذكر الزبير بن بكر، عن أبي سفيان بن أبي وداعة السهمي أن سعيد بن عمرو بن هصيص السهمي أول من بنى بمكة بيتا وأنشد لأبي سفيان في ذلك شعرا يدل عليه وهو قوله:
وأول من بوا بمكة بيته ... وسور فيها ساكنا بأثاف٢
ولم يذكر أنه جعل بابها إلى مسجد الكعبة، والله أعلم.
стр. 32
وينبغي لمن بنى بمكة بيتا أن لا يرفع بناءه على الكعبة، فإن بعض الصحابة ﵃ كان يأمر بهدمه، وهذا في تاريخ الأزرقي١، لأن فيه: ما جاء في أسماء الكعبة، ولم سميت الكعبة، وأن لا يُبنى بناء يشرف عليها، ثم قال: حدثني جدي، عن ابن عيينة، عن ابن نبيه الحجبي، عن شيبة بن عثمان أنه كان يشرف فلا يرى بيتا مشرفا على الكعبة إلا أمر بهدمه. ثم قال: قال جدي: لما أن بنى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس- رضوان الله عليهم - داره التي بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام أمر قوامه أن لا يرفعوها فيشرفوا بها على الكعبة، وأن يجعلوا أعلاها دون الكعبة فتكون دونها، إعظاما للكعبة أن يشرف عليها، قال جدي٢: فلم يبق بمكة دار لسلطان ولا لغيره حول المسجد الحرام تشرف على الكعبة إلا هدمت أو خربت إلا هذه الدار فإنها على حالها إلى اليوم٣.
وبمكة عين جارية من أعلاها إلى أسفلها، ويختلف جريانها إذا كثر فيها الماء وصل إلى البركة المعروفة ببركة الماجن، وإذا قل بلغ سوق الليل، وهذه العين معروفة عند الناس بعين بازان٤ -بباء موحدة وزاي معجمة بينهما ألف.
وبمكة آبار كثيرة غالبها مسبلة، وسقايات وبرك، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر ذلك كله بأوضح من هذا.
وبها حمامان، أحدهما: لأبي العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري بأجياد، وقفه على رباطه بالمروة، والآخر: لا أعرف من ينسب إليه، ولعله الحمام الذي بناه الجواد وزير صاحب الموصل.
وكان بمكة على ما ذكره الفاكهي ستة عشر حماما، وبين الفاكهي مواضعها من البلد، وليس منها الآن شيء معروف.
وذكر أن بأجياد منها ثلاثة، وأن بشعب ابن عامر اثنين، وشعب ابن عامر هو الشعب المعروف عند الناس بشعب عامر بأعلى مكة.
وذكر الفاكهي بعد عده لهذه الحمامات حماما آخر قال: يقال إنه بالصفا. فتصير به الحمامات التي كانت بمكة -إن صح أمره- سبعة عشر حماما٥، والله أعلم.
стр. 33
وبمكة مخاليف١ كثيرة معروفة إلى الآن، منها: وادي الطائف ويشتمل على قرى كثيرة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- شيء من خبره، ووادي ليه، ويشتمل على قرى كثيرة، ووادي مر، ويقال له: مر الظهران، والهدة ٢ هدة لبني جابر، ووادي نخلة، وهذه الثلاثة الأودية تشتمل على قرى كثيرة فيها نخل وأشجار وعيون جارية، وفيها مواضع كثيرة متخربة تدل على أنها كانت معمورة بالعيون وغير ذلك، وما عرفت أول من أنشأ هذه العيون.
وأقدم قرى وادي مر ذكرا "سروعة"٣؛ لأنها مذكورة في كتاب الفاكهي في ذكر فضل جدة٤.
ورأيت لأرض حسان ذكرا في مكتوب مبيع منها في عشر السبعين- بتقديم السين - وخمسمائة، وإلا ففي عشر الثمانين، الشك مني.
وذكر السهيلي خلافا في تسميته بمر قال: وسمي مرا، لأن في عرق من الوادي من غير لون الأرض شبه الميم الممدودة بعدها راء، خلقت كذلك، قال: ويذكر عن كثير: سميت من المرار لها٥، ولا أدري ما صحة ذلك٦ ... انتهى.
ونقل الحازمي عن الكندي أن مرا اسم للقرية، والظهران اسم للوادي ... انتهى.
ومن مر إلى مكة فيما قال البكري: ستة عشر ميلا٧. وقيل: ثمانية عشر، وقيل: إحدى وعشرون، حكاه ابن وضاح، والله أعلم.
стр. 34
وبعض وادي نخلة يعرف بنخلة الشامية، وبعضه يعرف بنخلة اليمانية، فمن الشامية: البردان، والتنضب١ وبشراك، وخيف بني عمير، وما يلي ذلك. ومن اليمانية: سولة٢ والزيمة٣. ويقال لنخلة: بستان ابن عامر: ذكر ذلك ابن سيد الناس في سيرته٤ لما ذكر سرية عبد الله بن جحش ﵁ إلى نخلة، ويقال لنخلة: بستان بني عامر، كذا في كتب الحنفية، ولعله تصحيف، والله أعلم.
ووادي نخلة من مكة على ليلة، وقد ذكر ابن خرداذبه في كتابه "المسالك والممالك"٥ في مخاليف مكة بما لم يذكر غيره فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة، لأنه قال: ومخاليف مكة: نجد، والطائف، ونجران، قال الشاعر:
وكعبة نجران حتم عليك ... حتى تُناخي بأبوابها
وقرن المنازل الذي يقول فيه الشاعر:
ألم تسأل الربع أن ينطقا ... بقرن المنازل إن٦ أخلقا
وبالغيل٧، وعكاظ٨، ولية٩، وتربة ١٠ وبيشة١١، وتبالة١٢، والهجيرة١٣،
стр. 35
ولنية١، وجرش٢، والسراة٣، ومخاليفها بتهامة ملكان٤، وعشم٥، ويسر٦، وعك٧ ... انتهى.
وبعض ما ذكره ابن خرداذبه من هذه المخاليف لا يعرف، ولا يبعد أن كون تصحيفا.
وقد ذكر جماعة من الفقهاء الشافعية أن الطائف ووجا وما ينضاف إليهما منسوبة إلى مكة معدودة من أعمالها، نقل ذلك النووي في "الروضة" ونص كلامه في كتاب عقد الجزية والهدنة: قال الإمام -يعني إمام الحرمين أبا المعالي الجويني-: قال الأصحاب: الطائف ووج- وهو وادي الطائف- وما ينضاف إليهما منسوبة إلى مكة، معدودة من أعمالها، وخيبر٨ من مخالف المدينة ... انتهى.
ونجران ليست من الحجاز وإن كانت من مخاليف مكة فيما قيل، وممن ذكر أنها ليست من الحجاز: الجوهري في "صحاحه" لأنه قال: نجران بلد باليمن ... انتهى.
وفي "التهذيب" للشيخ أبي إسحق الشيرازي: وأما نجران فليست من الحجاز ... انتهى. ونجران فيما قال النووي بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة، وكانت منزلا للنصارى ... انتهى.
وذكر النووي ما يقتضي أن فيما ذكره ابن خرداذبه من أن نجران من مخاليف مكة نظر، لأنه قال: وأما قول الإمام الحافظ أبي بكر الحازمي في كتابه "المؤتلف والمختلف" في الأماكن: إن نجران من مخاليف مكة من صوب اليمن، فيه تساهل٩.
стр. 36
والتساهل الذي في كلام الحازمي يلزم مثله في كلام ابن خرداذبه على مقتضى قول النووي، وقد يقال: لا تساهل في كلام الحازمي؛ لأنه لا يلزم من قولهم إن نجران من مخاليف مكة من صوب اليمن أن يكون نجران من الحجاز، لجواز أن تكون مخاليف مكة في الحجاز واليمن، وأن سبب عد نجران وما دونها إلى مكة في مخاليف مكة كون ولاية والي مكة فيما مضى كانت تمتد إلى ذلك، وهذا لا مانع منه، لأن المأمون العباس ولَّى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي مكة والمدينة، وأضاف إليهما بلاد عك، ولعل ذلك اتفق لغيره من ولاة مكة العباسيين، ويتأيد ما ذكرناه بما ذكره ابن خرداذبة في مخاليف مكة، والله أعلم.
وكأن النووي ﵀ توهم أن بعد نجران من مكة لكونها باليمن يخرجها عن أن تكون من أعمال مكة وليس كذلك، لأن مجرد القرب من مكة لا يقتضي أن يعد في أعمال مكة ما هو أقرب إليها من نجران، كخُلَّيْصٍ مثلا لأن خُلَّيْصًا١ لم تعد في أعمال مكة، وهي منها على يومين، وذكروا أن منتهى عمل مكة من جهتها: جنابذ بن صيفي، بين عسفان ومر الظهران كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام الفاكهي، وليست جنابذ بن صيفي معروفة الآن.
وإذا كان مجرد القرب من مكة ليس موجبا لعد ما قرب منها من أعمالها، فالظاهر أن المراعَى في عد ما ذكره العلماء في أعمال مكة، وإن كان بعيدا عنها كثيرا، كون ولاية والي مكة -فيما مضى- شملت ذلك: فيقبل من الفاكهي، وابن خرداذبه، وغيرهم، ما ذكروه في أعمال مكة، وإن كان بعيدا جدا عنها لكونه في أطراف الحجاز وبلاد اليمن، كنجران، وعك، وغير ذلك، والله أعلم.
وذكر الفاكهي شيئا مفيدا في مخاليف ونص ما ذكره: ذكر حدود مخاليف مكة ومنتهاها، وتفسير ذلك: وأعمال مكة ومخاليفها كثيرة، ولها أسماء نقصر عن ذكرها لاختصار الكتاب، ولكنا نذكر منتهى حدودها التي تنتهي إليه، فآخر أعمالها مما يلي طريق المدينة موضع يقال له: جنابذ بن صيفي فيما بين عسفان ومر، وذلك على يوم وبعض يوم، وآخر أعمالها مما يلي طريق الجادة في طريق العراق: الغمير٢، وهو قريب
стр. 37
من ذات عرق، وذلك على يوم وبعض يوم، وآخر أعمالها مما يلي طريق اليمن في طريق تهامة اليوم موضع يقال له: ضنكان١، وذلك على عشرة أيام من مكة، وقد كان آخر أعمالها فيما مضى بلاد عك داخلا في اليمن إلى قريب من عدن، وآخر أعمالها مما يلي اليمن في طريق النخل، وطريق صنعاء موضع يقال له: نجران، وهو آخر مخاليفها. وأبعده من مكة: نجران على عشرين يوما من مكة، وهي أرض طيبة عذبة٢ ... انتهى باختصار، والله أعلم.
وأما قول الفاكهي: إن نجران على عشرين يوما من مكة فهو مخالف لما سبق من قول النووي: إن نجران من مكة على سبع مراحل٢ ... انتهى.
والسبع مراحل لا تكون عشرين يوما، والله أعلم.
وكلام الفاكهي يوهم أن نجران من مكة أبعد مما بين بلاد عك ومكة، ولم يرد ذلك الفاكهي، لأن قوله: وقد كان آخر أعمالها فيما مضى بلاد عك داخلا في اليمن إلى قريب من عدن٣، يقتضي أن بلاد عك قريبة من عدن، ونجران ليست بهذه الصفة.
وأما قول الفاكهي: إن نجران أبعد مخاليف مكة فمراده به: بعد بلاد عك، لأنها كانت أبعد أعمال مكة، ثم صار أبعدها نجران، وأدرك ذلك الفاكهي فقال: إن نجران أبعد مخاليف مكة. وبذلك يعلم أن لا تناقض في كلام الفاكهي، وليس كل ما ذكره الفاكهي، وابن خرداذبه في مخاليف مكة معدود اليوم في أعمال مكة، لأن كثيرا من ذلك ليس لأمير مكة الآن فيه كلام.
وأبعد مكان عن مكة لأميرها الآن فيه كلام: الحسبة- بحاء وسين مهملتين وباء موحدة -وهي بلدة في صوب اليمن على طريق تهامة٤، وبينها وبن قنونا٥ يوم، وبين خلى٦ يومان.
стр. 38
وكلامه فيها: باعتبار أن له على مزارعها كل سنة مائة غرارة مكية، وله مثل ذلك على بلدة يقال لها: دوقة١ على يوم من الحسبة، وله مائتا غرارة على الواديين، وله مثل ذلك على الليث٢، ويبعث أمير مكة إلى كل من هذه الأماكن من يقبض ذلك من أهلها.
وأبعد مكان عن حد هذه الأماكن عن مكة لأميرها فيه كلام الآن: وادي الطائف، ووادي ليه، ولأمير مكة فيهما من الكلمة والعادة على أهلها أكثر مما له على الأماكن السابق ذكرها، ووادي الطائف، ووادي ليه داخلان في ولاية قاضي مكة، وله بهما نواب.
وأبعد مكان عن مكة في صوب المدينة لأمير مكة الآن فيه كلام: وادي الهدة - هدة بني جابر وهو على مرحلة من مر الظهران.
وولاة مكة الآن يأخذون ما يغرق في البحر فيما بين جدة ورابغ٣ ويرون أن ذلك يدخل في عملهم، وجدة من أعمال مكة في تاريخه وفيما قبله، وهي على مرحلتين من مكة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر شيء من خبرها.
ومما يناسب ذكره في هذا الكتاب بيان الحجاز لتكرر ذكره فيه، وهو: مكة، والمدينة، واليمامة، ومخاليفها.
وبهذا فسر الإمام الشافعي في "الأم" الحجاز فيما نقله عنه البندنيجي، وفي دخول اليمن في الحجاز وجهان. وقيل: إن تبوك، وفلسطين، من الحجاز، وقيل: إن حدود الحجاز مما بين جبلي طييء إلى طريق العراق.
وسمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد، قاله ابن الكلبي والأصمعي وغيرهما.
واليمامة المشار إليها من اليمن على مرحلتين من الطائف وعلى أربع من مكة، قاله النووي في "تهذيب الأسماء واللغات٤". فعلى هذا لا تكون البلاد المعروفة ببجيلة من الحجاز لأنها على الطائف أبعد مما بين الطائف واليمامة.
وبلاد بجيلة واليمامة في جهة واحدة وهي جهة نجد اليمن، ولكن بلاد بجيلة أكثر دخولا في اليمن من اليمامة فلا يستقيم عد بلاد بجيلة في الحجاز، والله أعلم.
وأهل مكة إلى الآن لا يطلقون الحجاز إلا على الطائف وما قرب منه كلية ولا يطلقون ذلك على بلاد بجيلة، ولعل ذلك لكونها داخلة في اليمن، والله أعلم.
والمخاليف المذكورة في حد الحجاز هي مخاليف مكة والمدينة واليمامة.
والمخاليف قرى مجتمعة، والمخاليف -بفتح الميم والخاء- جمع مخلاف -بكسر الميم- ومكة من تهامة، قاله النووي٥.
стр. 39
ثانيًا: ذكر حكم بيع دور مكة وإجارتها:
اختلف العلماء ﵏ في ذلك؛ فحكى الشيخ أبو جعفر الأبهري عن الإمام مالك -رحمة الله عليه: أنه كره بيعها وكراها؛ فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ.
وقال اللخمي: اختلف قول مالك في كراء دور مكة وبيعها، فمنع من ذلك مرة، نقل ذلك عن الأبهري واللخمي: ابن رشد في "مقدماته"، وذكر أنه لم يختلف قول مالك وأصحابه في أن مكة افتتحت عنوة، وأنهم اختلفوا هل من بها على أهلها فلم تقسم لما عظم الله من حرمتها، أو أقرت للمسلمين، قال: وعلى هذا جاء الاختلاف في كراء بيوتها ... انتهى.
وجواز البيع والكراء في دور مكة ينبني على القول بالمن بها على أهلها، ومنع ذلك ينبني على القول بأنها أقرت للمسلمين، وفي هذا القول نظر؛ لأن غير واحد من علماء الصحابة وخلفائهم ﵃ اشترى دورا بمكة ووسع بها المسجد الحرام، وكذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁ واشترى أمير المؤمنين معاوية ﵁ دار الندوة، ودار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ بمكة، وغير ذلك من دورها، وكل ذلك منقول من تاريخ الأزرقي١، وبعضه في غيره، واشترى لعمر ﵁ عامله على مكة دارا للسجن بها على ما رويناه في صحيح البخاري؛ لأنه قال: باب الربط والحبس في الحرم، واشترى نافع بن عبد الحارث دارا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أن عمر ﵁ إن رفض.
وروى الأصيلي وأبو ذر: على أن عمر ﵁.
وروى القابسي: على إن رضي عمر فالبيع بيعه، وأن عمر ﵁ لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم.
стр. 40
وعند أبي ذر في روايته: أربعمائة دينار، وروي في بعض النسخ: المسجد بدل الحرام، وفي بعض النسخ: دار السجن بالإضافة وفتح السين، وروي أيضا: بالبيع، فالبيع بيعه ... انتهى.
نقلت هذه الروايات من خط بعض مشايخنا، وروينا ذلك متصلا في تاريخ الأزرقي، وأفاد فيه غير ما في البخاري، لأن الأزرقي قال فيما رويناه عنه: حدثني جدي قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فروخ، قال: إن نافع بن عبد الحارث ابتاع من صفوان بن أمية دار السجن -وهي دار أم وائل- لعمر بن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر ﵁ فالبيع له، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة١ ... انتهى.
ونافع بن عبد الحارث -هذا- هو الخزاعي عامل عمر بن الخطاب على مكة، كان من كبار الصحابة وفضلائهم على ما ذكر ابن عبد البر٢، ولا يمتري في أنه لم يقدم على ما فعل إلا برضى أمير المؤمنين عمر بذلك وإذنه فيه، ومن المعلوم ضرورة أن أمير المؤمنين عمر ﵁ كان في العلم والورع بالمحل الأعلى، ولا ريب في أنه ومن ذكرنا من علماء الصحابة ﵃ أعلم ممن بعدهم بما يصلح في أرض مكة، وأنه لو كان عندهم علم عن النبي ﷺ بأنها أقرت للمسلمين لما أقدموا على ما فعلوا، ويبعد جدا أن يصح ذلك عن النبي ﷺ ، ويخفى عليهم وعلى غيرهم من علماء الصحابة ﵃؛ فإنه لم يحفظ عن غيرهم أنه أنكر على أحد منهم ما فعل، ولو كان عندهم علم بخلاف ما فعل المشار إليهم لما سكتوا عن الإنكار عليهم.
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ "من أكل من أجر بيوت مكة فإنما يأكل نارا" فقد اختلف في رفعه إلى النبي ﷺ ووقفه على عبد الله، والصحيح أنه موقوف عليه على ما ذكر الدارقطني٣، وعلى وقفه فلا حجة فيه على تحريم كرائها، وبتقدير رفعه فليس ذلك لعدم الملك، وإنما هو بحسب المكتسب، كما نهى ﷺ عن كسب الحجام.
وإنما كان الكراء فيها خبيثا، لما فيه من ترك مواساة المحتاجين من الحجاج بالسكنى، وقد قال السهيلي بوجوب السكنى بمكة للحجاج كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وأما حديث علقمة بن نضلة الكناني -ويقال الكندي-: "توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، ﵄ وما تدعى رباع مكة إلا السوائب" هكذا عند ابن