← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والتساهل الذي في كلام الحازمي يلزم مثله في كلام ابن خرداذبه على مقتضى قول النووي، وقد يقال: لا تساهل في كلام الحازمي؛ لأنه لا يلزم من قولهم إن نجران من مخاليف مكة من صوب اليمن أن يكون نجران من الحجاز، لجواز أن تكون مخاليف مكة في الحجاز واليمن، وأن سبب عد نجران وما دونها إلى مكة في مخاليف مكة كون ولاية والي مكة فيما مضى كانت تمتد إلى ذلك، وهذا لا مانع منه، لأن المأمون العباس ولَّى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي مكة والمدينة، وأضاف إليهما بلاد عك، ولعل ذلك اتفق لغيره من ولاة مكة العباسيين، ويتأيد ما ذكرناه بما ذكره ابن خرداذبة في مخاليف مكة، والله أعلم. وكأن النووي ﵀ توهم أن بعد نجران من مكة لكونها باليمن يخرجها عن أن تكون من أعمال مكة وليس كذلك، لأن مجرد القرب من مكة لا يقتضي أن يعد في أعمال مكة ما هو أقرب إليها من نجران، كخُلَّيْصٍ مثلا لأن خُلَّيْصًا١ لم تعد في أعمال مكة، وهي منها على يومين، وذكروا أن منتهى عمل مكة من جهتها: جنابذ بن صيفي، بين عسفان ومر الظهران كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام الفاكهي، وليست جنابذ بن صيفي معروفة الآن. وإذا كان مجرد القرب من مكة ليس موجبا لعد ما قرب منها من أعمالها، فالظاهر أن المراعَى في عد ما ذكره العلماء في أعمال مكة، وإن كان بعيدا عنها كثيرا، كون ولاية والي مكة -فيما مضى- شملت ذلك: فيقبل من الفاكهي، وابن خرداذبه، وغيرهم، ما ذكروه في أعمال مكة، وإن كان بعيدا جدا عنها لكونه في أطراف الحجاز وبلاد اليمن، كنجران، وعك، وغير ذلك، والله أعلم. وذكر الفاكهي شيئا مفيدا في مخاليف ونص ما ذكره: ذكر حدود مخاليف مكة ومنتهاها، وتفسير ذلك: وأعمال مكة ومخاليفها كثيرة، ولها أسماء نقصر عن ذكرها لاختصار الكتاب، ولكنا نذكر منتهى حدودها التي تنتهي إليه، فآخر أعمالها مما يلي طريق المدينة موضع يقال له: جنابذ بن صيفي فيما بين عسفان ومر، وذلك على يوم وبعض يوم، وآخر أعمالها مما يلي طريق الجادة في طريق العراق: الغمير٢، وهو قريب

стр. 37

من ذات عرق، وذلك على يوم وبعض يوم، وآخر أعمالها مما يلي طريق اليمن في طريق تهامة اليوم موضع يقال له: ضنكان١، وذلك على عشرة أيام من مكة، وقد كان آخر أعمالها فيما مضى بلاد عك داخلا في اليمن إلى قريب من عدن، وآخر أعمالها مما يلي اليمن في طريق النخل، وطريق صنعاء موضع يقال له: نجران، وهو آخر مخاليفها. وأبعده من مكة: نجران على عشرين يوما من مكة، وهي أرض طيبة عذبة٢ ... انتهى باختصار، والله أعلم. وأما قول الفاكهي: إن نجران على عشرين يوما من مكة فهو مخالف لما سبق من قول النووي: إن نجران من مكة على سبع مراحل٢ ... انتهى. والسبع مراحل لا تكون عشرين يوما، والله أعلم. وكلام الفاكهي يوهم أن نجران من مكة أبعد مما بين بلاد عك ومكة، ولم يرد ذلك الفاكهي، لأن قوله: وقد كان آخر أعمالها فيما مضى بلاد عك داخلا في اليمن إلى قريب من عدن٣، يقتضي أن بلاد عك قريبة من عدن، ونجران ليست بهذه الصفة. وأما قول الفاكهي: إن نجران أبعد مخاليف مكة فمراده به: بعد بلاد عك، لأنها كانت أبعد أعمال مكة، ثم صار أبعدها نجران، وأدرك ذلك الفاكهي فقال: إن نجران أبعد مخاليف مكة. وبذلك يعلم أن لا تناقض في كلام الفاكهي، وليس كل ما ذكره الفاكهي، وابن خرداذبه في مخاليف مكة معدود اليوم في أعمال مكة، لأن كثيرا من ذلك ليس لأمير مكة الآن فيه كلام. وأبعد مكان عن مكة لأميرها الآن فيه كلام: الحسبة- بحاء وسين مهملتين وباء موحدة -وهي بلدة في صوب اليمن على طريق تهامة٤، وبينها وبن قنونا٥ يوم، وبين خلى٦ يومان.

стр. 38

وكلامه فيها: باعتبار أن له على مزارعها كل سنة مائة غرارة مكية، وله مثل ذلك على بلدة يقال لها: دوقة١ على يوم من الحسبة، وله مائتا غرارة على الواديين، وله مثل ذلك على الليث٢، ويبعث أمير مكة إلى كل من هذه الأماكن من يقبض ذلك من أهلها. وأبعد مكان عن حد هذه الأماكن عن مكة لأميرها فيه كلام الآن: وادي الطائف، ووادي ليه، ولأمير مكة فيهما من الكلمة والعادة على أهلها أكثر مما له على الأماكن السابق ذكرها، ووادي الطائف، ووادي ليه داخلان في ولاية قاضي مكة، وله بهما نواب. وأبعد مكان عن مكة في صوب المدينة لأمير مكة الآن فيه كلام: وادي الهدة - هدة بني جابر وهو على مرحلة من مر الظهران. وولاة مكة الآن يأخذون ما يغرق في البحر فيما بين جدة ورابغ٣ ويرون أن ذلك يدخل في عملهم، وجدة من أعمال مكة في تاريخه وفيما قبله، وهي على مرحلتين من مكة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر شيء من خبرها. ومما يناسب ذكره في هذا الكتاب بيان الحجاز لتكرر ذكره فيه، وهو: مكة، والمدينة، واليمامة، ومخاليفها. وبهذا فسر الإمام الشافعي في "الأم" الحجاز فيما نقله عنه البندنيجي، وفي دخول اليمن في الحجاز وجهان. وقيل: إن تبوك، وفلسطين، من الحجاز، وقيل: إن حدود الحجاز مما بين جبلي طييء إلى طريق العراق. وسمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد، قاله ابن الكلبي والأصمعي وغيرهما. واليمامة المشار إليها من اليمن على مرحلتين من الطائف وعلى أربع من مكة، قاله النووي في "تهذيب الأسماء واللغات٤". فعلى هذا لا تكون البلاد المعروفة ببجيلة من الحجاز لأنها على الطائف أبعد مما بين الطائف واليمامة. وبلاد بجيلة واليمامة في جهة واحدة وهي جهة نجد اليمن، ولكن بلاد بجيلة أكثر دخولا في اليمن من اليمامة فلا يستقيم عد بلاد بجيلة في الحجاز، والله أعلم. وأهل مكة إلى الآن لا يطلقون الحجاز إلا على الطائف وما قرب منه كلية ولا يطلقون ذلك على بلاد بجيلة، ولعل ذلك لكونها داخلة في اليمن، والله أعلم. والمخاليف المذكورة في حد الحجاز هي مخاليف مكة والمدينة واليمامة. والمخاليف قرى مجتمعة، والمخاليف -بفتح الميم والخاء- جمع مخلاف -بكسر الميم- ومكة من تهامة، قاله النووي٥.

стр. 39

ثانيًا: ذكر حكم بيع دور مكة وإجارتها: اختلف العلماء ﵏ في ذلك؛ فحكى الشيخ أبو جعفر الأبهري عن الإمام مالك -رحمة الله عليه: أنه كره بيعها وكراها؛ فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ. وقال اللخمي: اختلف قول مالك في كراء دور مكة وبيعها، فمنع من ذلك مرة، نقل ذلك عن الأبهري واللخمي: ابن رشد في "مقدماته"، وذكر أنه لم يختلف قول مالك وأصحابه في أن مكة افتتحت عنوة، وأنهم اختلفوا هل من بها على أهلها فلم تقسم لما عظم الله من حرمتها، أو أقرت للمسلمين، قال: وعلى هذا جاء الاختلاف في كراء بيوتها ... انتهى. وجواز البيع والكراء في دور مكة ينبني على القول بالمن بها على أهلها، ومنع ذلك ينبني على القول بأنها أقرت للمسلمين، وفي هذا القول نظر؛ لأن غير واحد من علماء الصحابة وخلفائهم ﵃ اشترى دورا بمكة ووسع بها المسجد الحرام، وكذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁ واشترى أمير المؤمنين معاوية ﵁ دار الندوة، ودار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ بمكة، وغير ذلك من دورها، وكل ذلك منقول من تاريخ الأزرقي١، وبعضه في غيره، واشترى لعمر ﵁ عامله على مكة دارا للسجن بها على ما رويناه في صحيح البخاري؛ لأنه قال: باب الربط والحبس في الحرم، واشترى نافع بن عبد الحارث دارا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أن عمر ﵁ إن رفض. وروى الأصيلي وأبو ذر: على أن عمر ﵁. وروى القابسي: على إن رضي عمر فالبيع بيعه، وأن عمر ﵁ لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم.

стр. 40

وعند أبي ذر في روايته: أربعمائة دينار، وروي في بعض النسخ: المسجد بدل الحرام، وفي بعض النسخ: دار السجن بالإضافة وفتح السين، وروي أيضا: بالبيع، فالبيع بيعه ... انتهى. نقلت هذه الروايات من خط بعض مشايخنا، وروينا ذلك متصلا في تاريخ الأزرقي، وأفاد فيه غير ما في البخاري، لأن الأزرقي قال فيما رويناه عنه: حدثني جدي قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فروخ، قال: إن نافع بن عبد الحارث ابتاع من صفوان بن أمية دار السجن -وهي دار أم وائل- لعمر بن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر ﵁ فالبيع له، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة١ ... انتهى. ونافع بن عبد الحارث -هذا- هو الخزاعي عامل عمر بن الخطاب على مكة، كان من كبار الصحابة وفضلائهم على ما ذكر ابن عبد البر٢، ولا يمتري في أنه لم يقدم على ما فعل إلا برضى أمير المؤمنين عمر بذلك وإذنه فيه، ومن المعلوم ضرورة أن أمير المؤمنين عمر ﵁ كان في العلم والورع بالمحل الأعلى، ولا ريب في أنه ومن ذكرنا من علماء الصحابة ﵃ أعلم ممن بعدهم بما يصلح في أرض مكة، وأنه لو كان عندهم علم عن النبي ﷺ بأنها أقرت للمسلمين لما أقدموا على ما فعلوا، ويبعد جدا أن يصح ذلك عن النبي ﷺ ، ويخفى عليهم وعلى غيرهم من علماء الصحابة ﵃؛ فإنه لم يحفظ عن غيرهم أنه أنكر على أحد منهم ما فعل، ولو كان عندهم علم بخلاف ما فعل المشار إليهم لما سكتوا عن الإنكار عليهم. وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ "من أكل من أجر بيوت مكة فإنما يأكل نارا" فقد اختلف في رفعه إلى النبي ﷺ ووقفه على عبد الله، والصحيح أنه موقوف عليه على ما ذكر الدارقطني٣، وعلى وقفه فلا حجة فيه على تحريم كرائها، وبتقدير رفعه فليس ذلك لعدم الملك، وإنما هو بحسب المكتسب، كما نهى ﷺ عن كسب الحجام. وإنما كان الكراء فيها خبيثا، لما فيه من ترك مواساة المحتاجين من الحجاج بالسكنى، وقد قال السهيلي بوجوب السكنى بمكة للحجاج كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وأما حديث علقمة بن نضلة الكناني -ويقال الكندي-: "توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، ﵄ وما تدعى رباع مكة إلا السوائب" هكذا عند ابن

стр. 41

ماجه١، ولفظه عند الأزرقي "كانت الدور والمساكن على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ ما تكرى ولا تباع، ولا تدعى إلا السوائب، ومن احتاج سكن، ومن استغنى أسكن"٢ ... انتهى. فإنه لا دلالة فيه على نهي النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄ عن بيع دور مكة وكرائها، وإنما فيه دلالة على عدم وقوع ذلك في زمن المشار إليهم، ولا يلزم من عدم وقوع ذلك في زمنهم منعه، إذ الإنسان يترك ما يجوز له فعله دهرا طويلا، على أن دلالة حديث علقمة على عدم وقوع بيع دور مكة وكرائها في زمن المشار إليهم، معارضة بما وقع من شراء عمر وعثمان ﵄ -لدور مكة، ووقع ذلك في عهد النبي ﷺ ، لأن الفاكهي قال في كتابه "أخبار مكة": حدثنا حسين بن حسن قال: كتبت إلى عبد الرحمن بن مهدي أسأله عن كراء دور مكة وشرائها، قال: فكتب إلي إنك كتبت إلي تسألني عن أشرية دور مكة وكرائها، فأما الشراء فقد اشترى الناس وباعوها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم٣ ... انتهى. وحسين بن حسن هو المروزي صاحب ابن المبارك، قال فيه أبو حاتم صدوق٤. وقد روى عنه الترمذي، والنسائي، وإذا تعارض ذلك مع حديث علقمة فهو مقدم على حديث علقمة؛ لأن حديث علقمة حاصله شهادة على نفي، وفي مثل هذا يقدم المثبت، ويتعين حمل حديث علقمة على أن في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ كان الغالب من فعل الناس بمكة تركهم بيع دورهم بمكة وكرائها لعدم الحاجة إلى ذلك، وتوسعة على الوافدين والمحتاجين، ولما كان وقوع خلاف ذلك نادرا لم يستحضره علقمة في حال تحديثه بحال دور مكة، ونفاه في حديثه، والله أعلم. وعلقمة لا صحبة له، وإن كان ابن عبد البر قد ذكره في الصحابة في كتابه المسمى بالاستيعاب، وذكره ابن حبان في أتباع التابعين، وذكر ابن منده أنه تابعي، والله أعلم. وفي شراء عمر- ﵁ ومن ذكر معه دلالة واضحة على أن مكة مملوكة لأهلها، إما لِمَنِّ النبي ﷺ بها على أهلها، كما هو أحد القولين عند القائلين بأنها فتحت عنوة، أو لأنها فتحت صلحا، والوجه الأول أصوب؛ لأن فتحها صلحا يخالف ظاهر

стр. 42

الأحاديث الواردة في صفة فتح مكة، ويخالف قول جمهور العلماء- ﵏ في أنها فتحت عنوة١، والله أعلم بالصواب. وذكر السهيلي ما يقتضي ترجيح ما قيل من أن النبي ﷺ مَنَّ بمكة على أهلها مع كونه دخلها عنوة، وسيأتي ذلك قريبا -إن شاء الله تعالى. وقد نقل الإمامان: ابن الحاج، وابن عطية المفسران المالكيان عن الإمام مالك ﵀ ما يقتضي أنها مملوكة لأهلها، وذكرا بعض الحجة على ذلك، فأما ابن الحاج: فإنه قال: وأباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع مكة وكراء منازلها، منهم: طاوس، وعمرو بن دينار، وهو قول مالك، والشافعي، ثم قال: والدليل على صحة قول مالك، ومن قال بقوله.... فذكر دلائل على ذلك، ثم قال: وقوله ﵊ في حجة الوداع: "هل ترك لنا عقيل منزلا" مما يدل أنه ملك لأربابه، وأن عمر بن الخطاب- ﵁ ابتاع دار السجن بأربعة آلاف درهم، وأن دور أصحاب رسول الله ﷺ فيها إلى اليوم بأيدي أعقابهم، منهم: أبو بكر الصديق، والزبير بن العوام، وحكيم بن حزام، وعمرو بن العاص، وغيرهم ﵃ وقد بيع بعضها وتصدق ببعضها، ولم يكونوا ليفعلوا ذلك إلا في أملاكهم، وهم أعلم بالله ورسوله ممن بعدهم ... انتهى. وأما ابن عطية: فإنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ [الحج: ٢٥] : أجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام، واختلفوا في مكة، فذهب عمر، وابن عباس، ومجاهد، وسفيان الثوري، وجماعة معهم، إلى أن الأمر كذلك في دور مكة، وأن القادم له النزول حيث وجّه، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وكان كذلك الأمر في الصدر الأول، ثم قال: وقال جمهور من الأئمة منهم مالك: ليست الدور كالمسجد، ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، وهذا هو العمل اليوم، ثم قال بعد أن ذكر الخلاف في فتحها: هل هو عنوة أو صلح، فمن رآها صلحا: فإن الاستواء في المنازل عنده بعيد، ومن رآها عنوة: أمكنه أن يقول: الاستواء فيهما قرره الأئمة الذين لم يُقْطِعُوها أحدًا، وإنما سُكْنَى من أسكن من قبل نفسه، قال: وظاهر قوله ﵊: "وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ " يقتضي أن لا استواء بها، وإن كانت متملكة ممنوعة على النازلين، ثم قال: ومن الحجة لتملك أهلها: أن عمر ﵁ اشترى من صفوان بن أمية دار السجن بأربعة آلاف درهم، ويصح مع ذلك أن يكون

стр. 43

الاستواء في وقت الموسم للضرورة والحاجة، فيخرج الأمر حينئذ عن الاعتبار بالعنوة أو بالصلح ... انتهى. وذكر السهيلي -وهو من أئمة المالكية المعتبرين- ما يقتضي أن مكة مملوكة لأهلها، ونذكر كلامه لما فيه من الفائدة، ونصه: فصل: "ونذكر ههنا طرفا من أحكام أرض مكة" وقد اختلف هل افتتحها رسول الله ﷺ عنوة أو صلحا؟ لنبني على ذلك الحكم هل أرضها ملك لأهلها أم لا؟ وذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن عبد العزيز- ﵁ إلى عامله بمكة أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج، فإن ذلك لا يحل لهم. وقال مالك ﵀: إن كان الناس ليضربون فساططيهم بدور مكة لا ينهاهم أحد. وروي أن دور مكة كانت تدعى السوائب، وهذا كله منتزع من أصلين: أحدهما قول الله ﵎: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ [الحج: ٢٥] . وقال ابن عمر، وابن عباس ﵃: الحرم كله مسجد. والأصل الثاني: أن رسول الله ﷺ دخلها عنوة، غير أنه مَنَّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم، ولا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعض الفقهاء، فإنها مخالفة لغيرها من وجهين، أحدهما: ما خص الله به رسول الله ﷺ فإنه قال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] . والثاني: ما خص به الله مكة المشرفة، فإنه جاء أن لا تحل غنائمها، ولا يلتقط لقطتها، وهي حرم الله وأمنه، فكيف تكون أرضها أرض خراج، فليس لأحد افتتح بلدا أن يسلك به سبيل مكة، فأرضها -إذا- ودورها لأهلها، ولكن أوجب الله عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموا، وأن لا يأخذوا منهم كراء في مساكنها، فهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا، وإن كانت ظواهر الحديث أنها فتحت عنوة ... انتهى. وإيجاب السكنى بمكة للحجيج وترك أخذ الأجرة منهم على ما ذكره السهيلي لا ينافي كون مكة مملوكة لأهلها؛ لأن الإنسان يجب عليه بذل ماله لحاجة غيره إليه في مسائل كثيرة، منها: بذل الخيط لخياطة جرح، وبذل فضل الطعام والماء لمن اضطر إلى ذلك لسقي زرع أو غيره، وبذل العمد والخشب لحفظ جدار الغير إذا خشي سقوطه، ويجب الضمان في ذلك على من منع منهم، وفي أخذهم الثمن عن ذلك خلاف، وإيجاب ذلك حق للمواساة، فينزل عليه ما قيل في دور مكة، والله أعلم. على أن كلام السهيلي ﵀ لا يفهم أن ما ذكره من الحكم في دور مكة يكون في حق غير الحاج.

стр. 44

وقد وافق السهيلي على الاستدلال باشتراء عمر، وعثمان ﵄ الدور بمكة لتوسعة المسجد على أن دور مكة مملوكة لأهلها، لأنه قال: وفي اشتراء عمر، وعثمان، ﵄ الدور التي زاداها دليل على أن رباع مكة مملوكة لأهلها يتصرفون فيها بالبيع، والشراء، والكراء، إن شاءوا، وفي ذلك اختلاف ... انتهى. وحكى ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات، وهي: إجازة ذلك، وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم في "المدونة". ومنع ذلك، وهو ظاهر قول مالك في سماع ابن القاسم منه في كتاب الحج. والكراهة مطلقا. والكراهة في أيام الموسم خاصة، حكاه الداوودي عن مالك ... انتهى بالمعنى من كتاب "المقدمات" لابن رشد. ونقل عنه ابن جماعة في "منسكه" ما يقتضي أنه حكاه في كتاب "البيان" الخلاف في بيع دور مكة وإجارتها لأنه قال: وذكر ابن رشد في "البيان والتحصيل" عن مالك ثلاث روايات: منع بيع دور مكة وكرائها، والإباحة، وكراهة كرائها في أيام الموسم خاصة١ ... انتهى. وليس في كلام ابن رشد في "البيان" ما يشعر بذكر خلاف في البيع كما فهم ابن جماعة، وليس في كلام ابن رشد -أيضا- ما يشعر ببيان القول الأرجح في الكراء. ونقل القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه" عن القاضي أبي علي سند بن عنان المالكي الأزدي المالكي صاحب "الطراز" ما يقتضي ترجيحا في ذلك؛ لأنه قال عقب ما نقله ابن رشد: ونقل "سند" في "الطراز" أن مذهب مالك المنع، وفيه إن قصد بالكراء الآلات والأخشاب جاز، وإن قصد البقعة فلا خير فيه٢ ... انتهى. وكلام ابن الحاج في "منسكه" يشعر بترجيح القول بجواز بيع دور مكة وإجارتها على المذهب، لاقتصاره على ذلك في النقل عن الإمام مالك، ولاستدلاله على صحة ما نسبوه لمالك، وكذلك ابن عطية لاقتصاره في النقل عن مالك، على أن لأهل دور مكة الامتناع بها والاستبداد، ولا يبعد ترجيح جواز ذلك على القول بأن مكة فتحت عنوة كما ذكرناه من فعل خيار السلف له، وفعل الخيار من الخلف له في كل عصر، وحيث جاز بيع دور مكة فيجوز فيها الكراء، والهبة، والوقف، والشفعة، والقسمة، وغير ذلك من

стр. 45

الأحكام التي تجوز في الأملاك، فإن قيل: يعارض ذلك بالنسبة إلى الشفعة قول مالك ﵀ في المدونة ولا شفعة في أرض العنوة ولا يجوز بيعها ... انتهى. لأن هذا يقتضي أن يكون هو الحكم في مكة، لأنها عنده فتحت عنوة، فالجواب، أن مكة وإن كانت فتحت عنوة فقد منَّ النبي ﷺ بها على أهلها، كما هو الراجح في ذلك، ففارقت بذلك غيرها من البلاد التي افتتحت عنوة، والله أعلم. ويفارق مكة -أيضا- غيرها من البلاد في كراء دورها، فإنه مع القول بجوازه لا يخلو من كراهته، خصوصا في أيام الموسم، لأجل التوسعة بذلك على الحجيج، وورد عن كثير من السلف كراهة كراء بيوت مكة، وعن بعضهم التخفيف في ذلك في حق المضطر إليه، والله أعلم. واختلف مذهب الإمام أبي حنيفة في أرض مكة، فروي عنه كراهة بيعها، فقيل: لا يجوز البيع، وذكر قاضيخان أنه ظاهر الرواية، وقيل: يجوز مع الكراهة، وأجاز ذلك صاحباه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعليه الفتوى على ما قال الصدر الشهيد الحنفي، وبه جزم حافظ الدين النسفي في كتابه "الكنز". واختلف مذهب أبي حنيفة -أيضا- في إجازة أرضها، فروي عنه، وعن محمد بن الحسن عدم جواز ذلك. وروي عنهما جواز ذلك مع الكراهة. واختلف في ذلك -أيضا- مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فروي عنه جواز ذلك ومنعه، وذكر الموفق بن قدامة الحنبلي أن رواية الجواز أظهر في الحجة. وذكر ابن المُنْجا -من الحنابلة- أن رواية المنع هي المذهب. ولم يختلف مذهب الشافعي في جواز بيع دور مكة وإجارتها، لأنها عنده فتحت صلحا، وقال بعضهم عنه: فتحت بأمان، والأمان في معنى الصلح. وقال صاحب "الحاوي الكبير" القاضي أبو الحسن المعروف بالماوردي الشافعي: عندي أن أسفلها دخلها خالد بن الوليد ﵁ عنوة، وأعلاها فتح صلحا ... انتهى. قال النووي: والصحيح الأول ... انتهى. وفي صحته نظر، لأن الفتح صلحا إنما يكون بالتزام أهل البلد المفتتحة ترك القتال، ولم يلتزم ذلك أهل مكة عند فتحها، بل أعدوا جمعا لقتال المسلمين عند فتحها، ولم يقبلوا تأمين النبي ﷺ لهم، والدليل على ذلك ما رويناه في صحيح مسلم١ من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي هريرة ﵁؛ فذكر حديثا في فتح

стр. 46

مكة قال فيه: ووبشت قريش أوباشا١ لها. وأتباعا، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سألنا. فقال رسول الله ﷺ : "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال: فانطلقا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، قال فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت٢ خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ٣ ... انتهى. باختصار. وفي هذا دلالة صريحة على ما ذكرناه من عدم التزام قريش ترك قتال المسلمين يوم فتح مكة، وفي ذلك -أيضا- دلالة على أن ذلك وقع منهم يوم دخل النبي ﷺ مكة، وما كان ذلك منهما بعد تأمين النبي ﷺ وهو بمر الظهران لأنا روينا في مغازي موسى بن عقبة أن أبا سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام قالا للنبي ﷺ بعد أن أسلما بمر الظهران: يا رسول الله ادع الناس إلى الأمان، أرأيت إن اعتركت قريش وكفت أيديها آمنون هم يا رسول الله؟ قال ﷺ : "من كف يده وأغلق داره فهو آمن" قالوا: فابعثنا نؤذن فيهم بذلك، قال ﷺ "انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان، ودارك يا حكيم، وكف يده فهو آمن" قال: ودار أبي سفيان بأعلا مكة ودار حكيم بأسفل مكة. وروينا في سيرة ابن إسحق "تهذيب ابن هشام"، ورواته عن البكائي عنه أن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال للنبي ﷺ بعد إسلام أبي سفيان بمر الظهران: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا، قال ﷺ "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن" ٤ ... انتهى. وروينا في هذين الكتابين ما يقتضي أن النبي ﷺ استثنى في تأمينه رجالا ونساء من أهل مكة أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، لجرائم لهم اقتضت ذلك. ومن الأحاديث الدالة على عدم التزام قريش بمكة ترك قتال المسلمين يوم فتحها، وعلى عدم قبولهم تأمين النبي ﷺ بعد أن بلغهم تأمينه لهم، ما ذكره الفاكهي، لأنه قال: حدثنا محمد بن إدريس بن عمر من كتابه قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، فذكر خبرا طويلا في قصة الفتح، وفيه قال: فقال أبو سفيان: واصباح قريش، فقال العباس ﵁: يا رسول الله، لو أذنت لي

стр. 47

فأتيت أهل مكة فدعوتهم وأمنتهم، وجعلت لأبي سفيان شيئا يذكر به، قال: فانطلق العباس ﵁ حتى ركب بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، فانطلق فقال ﷺ : "ردوا على عمي فإن عم الرجل صنو أبيه" قال: فانطلق العباس حتى قدم على أهل مكة فقال: يا أهل مكة أسلموا تسلموا، قد استبطنتم بأشهب بازل، قال: وقد كان رسول الله ﷺ بعث الزبير من قبل أعلا مكة، وبعث خالد بن الولد من قبل أسفل مكة، فقال لهم العباس: هذا الزبير من قبل أعلى مكة وخالد بن الوليد من قبل أسفل مكة، وخالد وما خالد، وخزاعة المخزعة الأنواف، قال: ثم قال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قال ثم جاء ر سول الله ﷺ فتراموا بشيء من النبل، ثم إن رسول الله ﷺ ظهر عليهم فأمن الناس إلا خزاعة عن بني بكر، قال وذكر أربعة: مقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وابن خطل، وسارة مولاة بني هاشم، قال حماد: وسارة لا أدري في حديث أيوب أو في حديث غيره. قال: فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله : ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١٣] الآية والتي بعدها، ثم قال بعد قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين﴾ [التوبة: ١٤] قال خزاعة: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: ١٥] ، قال خزاعة: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥] ، قال خزاعة ١ ... انتهى. وفي هذا الخبر مخالفة لما ذكره ابن عقبة، وابن إسحاق، من أمر النبي ﷺ بالكف عن قتال من لم يقاتل يوم فتح مكة إلا من استثناهم، وسيأتي- إن شاء الله تعالى- ما يدل للخبر الذي ذكره الفاكهي، والله أعلم. ومن الأخبار الدالة على جمع قريش بمكة لقتال المسلمين يوم فتح مكة ما ذكره موسى بن عقبة في "مغازيه" لأنه قال في خبر الفتح: وبأسفل مكة: بنو بكر، وبنو الحارث بن عبد مناة، وهذيل، ومن كان معهم من الأحابيش استنصرت قريش بهم، فأمروهم أن يكونوا بأسفل مكة ثم قال: واندفع خالد بن الوليد ﵁ -حتى دخل مكة من أسفلها، فلقيته بنو بكر بن وائل، فقاتلوا فهزموا، وقتل من بني بكر قريبا من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا. وذكر ابن إسحاق في سيرته "تهذيب ابن هشام" ما يقتضي ترك التزام قريش لقتال المسلمين يوم فتح مكة؛ لأنه قال في خبر فتحها: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن أبي بكر: أن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو،

стр. 48

كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، ثم قال ابن إسحق بعد ذكره خبر الحماس بن قيس: فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم حليف بني منقذ، وكانا في خيل خالد بن الوليد ﵁ فشذا عنه، فسلكا طريقا غير طريقه، فقتلا، ثم قال ابن إسحق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن أبي بكر قالا: وأصيب من جهينة سلمة بن الميلا من خيل خالد، وأصيب ناس من المشركين قريبا من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا ... انتهى. فإن قيل: ما ذكره ابن إسحاق من جمع سهيل وصفوان وعكرمة أناسا لقتال المسلمين بمكة يوم فتحها لا يقتضي نسبة ذلك لغيرهم من قريش، ويكون ذلك مبينا لما وقع مجملا في حديث أبي هريرة من جمع قريش أوباشا لقتال المسلمين يومئذ كما سبق ذكره. فالجواب أنه يبعد جدا أن يكون سهيل، وصفوان، وعكرمة، انفردوا بذلك عن قومهم مع كراهة قومهم لذلك، ولعل سبب نسبة ذلك إليهم دون من لم يذكر من قومهم كونهم الداعين إلى ذلك، ولو سلم كراهة غيرهم لذلك فلا يكفي ممن كره ذلك سكوته، بل لا بد من إنكاره بالقول والفعل بأن ينحاز عمن فعل ذلك ويعلم به الإمام، ولم يرد خبر تقوم به حجة تدل على أن أحدا من أهل مكة أنكر على سهيل، وصفوان، وعكرمة فعلهم هذا، ولا على التزام من كان بمكة من المشركين، ترك قتال المسلمين عند فتح مكة، ولو وقع ذلك لحفظ كما حفظ ما كان يشبه ذلك مما جرى في عام الحديبية، والله أعلم. وإذا لم يقم دليل على التزام أهل مكة ترك قتال المسلمين يوم فتحها، وقام الدليل على فعلهم بخلاف ذلك من جمعهم لقتال المسلمين: تعين أن يكون فتح مكة عنوة، كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، فمن ذلك قوله ﷺ في حديث أبي هريرة السابق: "ترون أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، قال فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ١. وقال مسلم في بعض طرق هذا الحديث: حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا بهز، حدثنا سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد، وزاد في الحديث، ثم قال بيديه بإحداهما على الأخرى: "احصدوهم حصدا".

стр. 49

ومن ذلك ما رواه مسلم١ بنسده إلى عبد الله بن رباح أنه قال: يا أبا هريرة لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ ، فقال ﵁: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد ﵁ على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير- ﵁ على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة- ﵁ على البياذقة وبطن الوادي، فقال ﷺ : "يا أبا هريرة ادع لي بالأنصار" ٢. فدعوتهم فجاءوا يهرولون، فقال ﷺ : "يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش؟ " قالوا: نعم، قال: "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" وأحفى بيده، ووضع يمينه على شماله وقال: "موعدكم الصفا" قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن"، وذكر بقية الخبر. ومن ذلك ما ذكره أبو داود في سننه على ما رويناه عنه، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام، وأبا عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد ﵃ على الخيل وقال: "يا أبا هريرة اهتف بالأنصار" قال: "اسلكوا هذا الطريق، فلا يشرفن لكم أحد إلا أنمتموه"، فنادى مناد: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان٣ فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" ٤. وعمد صناديد قريش فدخلوا الكعبة فغصّ بهم، وطاف النبي ﷺ ، وصلى خلف المقام، ثم أخذ بجنبتي الباب، فخرجوا فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام. ونشير إلى بيان موضع الدلالة على أن فتح مكة عنوة من حديث أبي هريرة هذا، فمن ذلك قوله فيه، يعني النبي ﷺ بيديه بإحداهما على الأخرى: "احصدوهم حصدا" كذا في رواية مسلم عن عبد الله بن هاشم، عن بهز، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة ﵁". ومن ذلك قوله فيه قال: يعني النبي ﷺ : "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" وأحفى بيديه ووضع يمينه على شماله، كذا في رواية مسلم عن الدارمي، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت بسنده.

стр. 50

ووجه الدلالة من قول النبي ﷺ هذا وإشارته بيده أن ذلك ليتضمن الحث على قتال المشركين بمكة عند إرادته فتحها. ومن ذلك قوله فيه: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه؛ لأن معنى ذلك ما ظهر لهم أحد إلا قتلوه، فوقع إلى الأرض، أو يكون المعنى: أسكتوه بالقتل كالنائم، قال: نامت الريح إذا سكنت، وضربه حتى سكت أي مات، ونامت الشاة وغيرها: ماتت، قال الفراء: النائمة الميتة، وقيل في معنى أناموه معنى يخالف ما ذكرناه، سنذكره فيما بعد مع بيان ما فيه من النظر. ومن ذلك قول أبي سفيان بن حرب: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم وفي رواية: أبيدت ومعناها كمعنى أبيحت، والمعنى في ذلك أي استؤصلت قريش بالقتل وأفنيت، وخضراؤهم بمعنى جماعتهم، ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة، ومنه السواد الأعظم، والإبادة على الوجه المشار إليه دليل على أن فتح مكة عنوة، لأن فتحها صلحا ينافي ذلك، والله أعلم. ومن ذلك سؤال أبي سفيان من النبي ﷺ لمن دخل دار أبي سفيان، ولمن ألقى سلاحه ولمن أغلق بابه، وإجابة النبي ﷺ له إلى ما سأله. وجه الدلالة من هذا على أن فتح مكة عنوة أنه لو كان فتحها صلحا لم يسأل أبو سفيان أمانا مخصوصا مع الاستغناء عنه بالأمان العام الذي هو مقتضى الصلح، كيف وفي الحديث ما يدل على أن الموجب لسؤال أبي سفيان الأمان المخصوص هو ما رأى من إبادة المسلمين لجماعة قريش بالقتل يوم فتح مكة، ولا يفعل المسلمون ذلك بالمشركين إلا حيث لم يكن لهم ذمة، أو كانت لهم فنقضوها، وهذا أظهر، لأن النبي ﷺ أمن أهل مكة نحو التأمين الذي سأله فيه أبو سفيان حين سأله في ذلك العباس بن عبد المطلب ﵁ بمر الظهران، تكرمة لأبي سفيان، وقد سبق ذكرنا لذلك. وكان سؤال أبي سفيان للنبي ﷺ في الأمان، وذكره له حال قريش، والنبي ﷺ على الصفا بعد فتح الله عليه مكة، لأن في حديث أبي هريرة قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا: وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: يا رسول الله من دخل دار أبي سفيان فهو آمن؟ وذكر بقية الخبر، وقوله في الحديث الذي فيه هذا الكلام قبل ذكره: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه، يرد على من قال إن قوله ﷺ : "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" أن ذلك كان قبل الفتح بيوم، ثم حصل الصلح في غده، لما تقدم من أن معنى قوله فما أشرف يومئذ أحد إلا أناموه، أي قتلوه، ولم يكن ذلك إلا في يوم فتح مكة.

стр. 51

وقد أشار الإمام المازري إلى الرد بذلك على قائل المقالة المشار إليها، وأيضا فلا يلزم من قوله: "إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" أن يكون ذلك وقع قبل الفتح بيوم، لإمكان أن يكون ذلك وقع في آخر الليلة التي وقع الفتح فيها صبيحتها، وأيضا فما ادعاه قائل هذه المقالة من حصول صلح في يوم فتح مكة قبل حصول القتال في هذا اليوم لا يقوم عليه دليل، والله أعلم. ونشير إلى ضبط بعض الألفاظ في حديث أبي هريرة وهي: المجنبة، والبياذقة، فأما المجنبة: فبميم مضمومة وجيم مفتوحة ونون مكسورة. وأما البياذقة: فبباء موحدة ثم ياء مثناة تحتية وألف وذال معجمة وقاف، ووقع في بعض الطرق: الساقة بدل البياذقة، وقال بعض الرواة: الشارفة بشين معجمة وألف وراء مهملة وفاء، وفسره بالذين يشرفون على مكة، قال القاضي عياض: وليس هذا بشيء لأنهم أخذوا في بطن الوادي. والساقة: بسين مهملة بعدها ألف وقاف- وهم الذين يكونون آخر العسكر على ما قاله القاضي، والبياذقة هم الحسر، كما في رواية مسلم، عن شيبان، عن سليمان بن المغيرة؛ لأن المعنى فيهما واحد، لأنهم الرجال الذين لا دروع لهم، والبياذقة فارسي معرب -على ما قيل- وهم أصحاب ركاب الملك ومن يتصرف في أموره، سموا بذلك لخفتهم وسرعة حركتهم على ما قيل، والحسر: بحاء مهملة مضمومة وسين مشددة مهملة. ومن الدلائل على أن فتح مكة عنوة، ما رويناه عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: "من هذه؟ " قلت: أم هانئ بنت أبي طالب، قال: "مرحبا بأم هانئ" فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب، فلما انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلا أجرته: فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، قالت أم هانيء: وذلك ضحى. أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ مسلم في صحيحه١ وهو مما اتفق على صحته، ووجه الدلالة منه على أن مكة فتحت عنوة، وأنه لو كان فتحها صلحا لم يخف ذلك على علي بن أبي طالب- ﵁" لمكانه من النبي ﷺ ، ولما أقدم على قتل من دخل من الأمان الذي هو مقتضى الصلح، فإن ذلك يغني عن جيرة أم هانيء، ولما سألت أم هانئ النبي ﷺ إنفاذ جيرتها. وقد أشار الإمام المازري إلى نحو ما ذكرناه من الاستدلال بهذا الحديث علي أن فتح مكة عنوة.

стр. 52

والرجل الذي أجارته أم هانئ كما في هذا الحديث قيل: إنه ابنها جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومي لأن الحافظ أبا القاسم السهيلي لما ذكر أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قال: ولها ابن من هبيرة آخر اسمه يوسف، وثالث وهو الأكبر اسمه جعدة، وقيل: إياه عنت في حديث مالك: زعم ابن أم علي أنه قاتل رجلا أجرته فلان ابن هبيرة١ ... انتهى. ونقل ذلك الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيبه"٢ عن الحافظ بن عبد البر، لأنه قال في ترجمة جعدة بن هبيرة هذا، وقال ابن عبد البر أيضا: يقال إنه الذي أجارته أم هانئ يوم الفتح فلان ابن هبيرة ... انتهى. ولم أر كلام ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب" بعد تتبعي لذلك في ترجمة جعدة بن هبيرة، وفي ترجمة أمة أم هانئ في تراجمها الثلاث، ولعله ذكر ذلك في غير الاستيعاب، والله أعلم. وجاء حديث عنها أنها أجارت رجلين من بني مخزوم يوم الفتح، فتفلت علي ﵁ ليقتلهما، وهذان الرجلان هما الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة المخزوميان، قال الخطيب البغدادي، وقيل: هما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة، ذكره ابن أبي إسحق فيما حكاه ابن بشكوال، والله أعلم. ومما يدل لذلك أيضا: قوله ﷺ يوم فتح مكة في خطبته بها، لما ذكره حرمة مكة: "وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار"، وذكر بقية الحديث، وهو مخرج في الصحيحين٣ من حديث ابن عباس ﵄ قال الخطابي: إنما أحل له في تلك الساعة إراقة الدماء لا دم صيد وغيره مما حرم بالحرم من قطع شجر وتنفير صيد. قال المحب الطبري: ويحتمل العموم، فإن انتشار العسكر لا يخلو من تنفير صيد، ودوس خلا، وقطعه، وغير ذلك، والعمد والخطأ فيه سواء، وقد استدل بهذا من قال إن فتح مكة عنوة٤ ... انتهى. ومما يدل على أن مكة فتحت عنوة قوله ﷺ في خطبته بمكة يوم فتحها: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، ثم قال: "اذهبوا

стр. 53

فأنتم الطلقاء" وهذه الخطبة في "السيرة" لابن إسحاق تهذيب ابن هشام" وتظهر الدلالة من ذلك على أن فتح مكة عنوة ببيان معنى قوله ﵊: "أنتم الطلقاء" ومعنى ذلك المطلوقون من الاسترقاق، أشار إلى ذلك ابن الأثير، في "نهاية الغريب" له لأن فيها قال في حديث حنين حين خرج إليها ومعه الطلقاء الذين خلا عنهم يوم الفتح - فتح مكة: أطلقهم ولم يسترقهم، وأحدهم طليق - فعيل، بمعنى مفعول- وهو الأسير إذا أطلق سبيله، ومنه الحديث: "الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف" كأنه ميز قريشا بهذا الاسم حيث هو أحسن من العتقاء ... انتهى. وإذا كان هذا معنى الطلقاء، فخطاب النبي ﷺ لقريش بهذا الخطاب يقتضي أنهم كانوا حين خوطبوا بذلك في الأسر المقتضي للاسترقاق لولا أن النبي ﷺ تفضل عليهم بالإطلاق، ولولا ذلك لم يكن لاستعلامه ﷺ قريشا عن ما توقعونه منه محل لخطاب قريش بذلك بعد تأمينهم، وهذا من أظهر الدلائل على فتح مكة عنوة، ويبعد الانفصال عنه بجواب شاف إلا أن يقال إن ذلك مرسل، والمرسل لا يحتج به، ولو سلم ذلك، فالدلالة على فتح مكة عنوة ناهضة من غيره من الدلائل التي ذكرناها، والله أعلم. وقد ذكر الأزرقي خطبة النبي ﷺ بمكة يوم فتحها بلفظ يقرب من لفظها السابق في المعنى وزيادة فيها، ونص ما ذكره الأزرقي فيما رويناه عنه بالسند المتقدم، حدثني جدي أحمد بن محمد وإبراهيم بن محمد الشافعي قالا: أنبأنا مسلم بن خالد، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن عطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن وطاوس: أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة البيت فصلى فيه ركعتين، ثم خرج وقد لبط١ الناس حول الكعبة فأخذ بعضادتي الباب، فقال ﷺ : "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ماذا تقولون وماذا تظنون؟ " قالوا: نقول خيرا، ونظن خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت فاسمح، قال: "فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ " [يوسف: ٩٢] ... انتهى. باختصار٢. ومما يدل على أن فتح مكة عنوة ما رويناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأنه قال: حدثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر"، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاح"، الحديث بطوله٣.

стр. 54

وذكره الفاكهي لأنه قال: حدثنا حسن بن حسين، أنبأنا ابن أبي عدي، حدثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة عنوة قال: "كفوا السلا ح إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلوا العصر، ثم أمرهم أن يكفوا السلاح، حتى إذا كان من الغد لقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قام فينا خطيبا وظهره إلى الكعبة فقال: "إن أعتى الناس على الله من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحول ١ الجاهلية" ٢ ... انتهى باختصار. ويحيى شيخ الإمام أحمد بن حنبل هو يحيى بن سعيد القطان، الإمام المشهور أحد الأعلام، وحسين: شيخه هو المعلم، وثقه غير واحد، وأخرج له الجماعة، وعمرو بن شعيب وإن لم يخرج له من الجماعة البخاري ومسلم فقد وثقه يحيى بن معين٣، وإسحاق بن راهويه، وصالح حرره وغيرهم من الأئمة، وقد احتج به غير واحد من الأئمة؛ لأني وجدت بخط الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام٤: قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلى بن المديني، وإسحاق بن راهويه، يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، قال البخاري من الناس بعدهم، وقال الشيخ محيي الدين النووي: الصحيح المختار الاحتجاج به، وقال الدارقطني وغيره: قد ثبت سماع شعيب عن جده عبد الله بن عمرو ... انتهى ما وجدته بخط الحافظ الذهبي. وإذا تقرر ذلك فيكون الحديث المشار إليه صحيح الإسناد. ووجه دلالته على أن فتح مكة عنوة أنه يقتضي إباحة القتال فيها يوم فتحها غالب هذا اليوم، وذلك ينافي أن يكون صلحا أو بأمان، والله أعلم. ومما يدل على أن فتح مكة عنوة، ولو لم يقع فيه قتال، أن دخول النبي ﷺ ومن معه إليها من المسلمين كان على وجه القهر لأهلها لأنهم عدوا دخلوا ﷺ عام الحديبية عنوة على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة، لأنه ذكر أن قريشا قالوا لبديل بن ورقاء الخزاعي ومن معه من خزاعة حين أبلغوهم عن النبي ﷺ أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا للبيت معظما لحرمته، ولا يريد قتالا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا يحدث، وبذلك عنا العرب.

стр. 55

وذكر ابن إسحاق أيضا أن عروة بن مسعود الثقفي قال للنبي ﷺ لما بعثته إليه قريش بالحديبية: إنها قريش خرجت معها العوذ١ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا٢ ... انتهى. وإذا كان دخول النبي ﷺ عند أهل مكة، مع كونه لم يقصد فيه قتالا، وإنما قصد أداء نسك العمرة التي أحرم بها، وعورض في هذا فكيف بدخوله ﷺ إلى مكة وقت فتحها الله عليه؟ والقصد بدخوله يومئذ إظهار الإسلام بها، وإنقاذها من المشركين، ومعه من المسلمين في دخول مكة يوم الفتح أضعاف من كان معه من المسلمين يوم الحديبية؛ لأن عدد أصحاب الحديبية ألف وأربعمائة على ما في مسلم وغيره، وقيل: ألف وثلاثمائة، وعدد المسلمين يوم الفتح عشرة آلاف، وقيل: اثنا عشر ألفا، والله أعلم. وقد حاول النووي ﵀ الجواب عما في حديث أبي هريرة، وحديث أم هانئ من الألفاظ التي تدل على أن فتح مكة عنوة، وفيما حاوله من الجواب نظر نشير إليه بعد ذكر كلامه، لأنه قال في الجواب عن أمر النبي ﷺ بحصد المشركين وقتل خالد ﵁ لهم: "وأما قوله ﷺ : "احصدوهم"، وقتل خالد ﵁ من قتل فهو محمول على من أظهر من كفار مكة قتالا" ... انتهى. وتأويل النووي لقوله ﷺ : "احصدوهم" إما أن يقتضي أن المأمور بحصدهم لإظهار القتال معروفون بأسمائهم أو غير معروفين بأسمائهم، والأول لا يقوم عليه دليل، والثاني مسلم، وهو يقتضي أن المأمور بحصدهم غير محصورين، فيكون الأمر بالحصد عاما في جميع المشار إليهم، وهو دليل على الفتح عنوة، لأن الصلح لو وقع منع من ذلك، ولا يعارض كون الأمر بحصد المشار إليهم عاما في جميعهم الأمر الوارد بعدم مبادأة المشار إليهم بالقتال، كما هو مقتضى الخبر الذي رويناه في "مغازي موسى بن عقبة"، "وسيرة ابن إسحق"، ولفظ ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة ... انتهى؛ لأن المنع في مبادأة المشار إليهم بالقتال لا يقتضي تخصيص أحد منهم بترك قتاله، وإنما عدم مبادأتهم بالقتال رفقا بهم أجمعين، رجاء إسلامهم، فيكثر بهم عدد المسلمين، ويحتمل أن يكون الأمر بعدم مبادأتهم بالقتال كان قبل أن يبلغ

стр. 56

النبي ﷺ عن قريش أنهم لم يقبلوا تأمينه، وجمعوا الأوباش لقتاله، كما هو مقتضي حديث أبي هريرة ﵁ السابق في فتح مكة، لأن فيه: ووبشت قرش أوباشا لها وأتباعا فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، فإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا ... انتهى. وأنه لما بلغ النبي ﷺ ذلك عن قريش أمر بحصدهم، كما في حديث أبي هريرة ﵁، ويتأيد ذلك بأن القتال المأذون فيه في حديث أبي هريرة ﵁ أبلغ من القتال المأذون فيه في الخبر الذي ذكر ابن إسحاق، لقوله في حديث أبي هريرة ﵁: "احصدوهم حصدا" وذلك يقتضي الإبلاغ في القتل، وإذا حمل الخبران على ما ذكرناه لم يبق بينهما تعارض، والله أعلم. وقال النووي في الجواب عن تأمين النبي ﷺ لمن دخل دار أبي سفيان، ومن ألقى سلاحه، وتأمين أم هانيء: وأما أمان من دخل دار أبي سفيان، ومن ألقى سلاحه، وأما أم هانيء، فكله محمول على زيادة الاحتياط لهم بالأمان ... انتهى. وهذا الكلام يشعر بأن النبي ﷺ أمن أهل مكة أمانا عاما، وخص منهم بالتأمين من دخل دار أبي سفيان، ومن ألقي سلاحه، ومن أجارته أم هانيء، فإن زيادة الاحتياط لهؤلاء بالأمان لا يكون إلا بأن يكون تأمين النبي ﷺ على هذه الصفة وفي ذلك نظر، لأنه لم يرد خبر يشعر بأن النبي ﷺ أمن أهل مكة أمانا عاما، وإنما أمن من دخل دار أبي سفيان، ودار حكيم، ومن دخل المسجد، ومن أغلق بابه عليه، ومن ألقى سلاحه، على ما يتحصل من مجموع الأخبار التي سبق ذكرها، واستثنى من ذلك جماعة من الرجال والنساء بجرائم اقتضت ذلك. وقال النووي في الجواب عن هَمِّ علي بن أبي طالب ﵁ بقتل الرجلين اللذين أجارتهما أم هانيء: وأما هَمِّ علي بن أبي طالب ﵁ بقتل الرجلين اللذين أجارتهما أم هانيء، فلعله تأول فيهما شيئا، أو جرى منهما قتال أو نحو ذلك ... انتهى. وهذا الكلام يقتضي أن عليًّا أراد قتل الرجلين؛ لتأوله فيهما ما يوجب ذلك، أو لأنه جرى منهما قتال، وغاية ما يتأول علي ﵁ فيهما أنهما مستحقان القتل لفعلهما ما يوجب ذلك من قبل، والأصل خلاف ذلك، ولو سلم فمستحق القتل لا يقتل بغير مؤامرة الإمام، والأصل -أيضا- أنه لم يجر منهما قتال في يوم فتح مكة، وإذا دار الأمر بين التأويل لسيدنا "علي" بشيء على خلاف الأصل، وبين التأويل له بما يوافق الواقع، فالتأويل له بالموافق أولى، وهو كون الفتح عنوة، ولا لوم في القتل فيهما، والله أعلم.

стр. 57

وقال النووي في الجواب عن قوله في حديث فتح مكة: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه، ومن قال: فتحت صلحا -يعني مكة- يقول: أناموه أي ألقوه على الأرض من غير قتل إلا من قاتل، والله أعلم ... انتهى. وفي هذا التأويل نظر من أوجه، منها: أن القصد بالإلقاء إلى الأرض من غير قتل هو الإرهاب، وهو يحصل بدون ذلك، مثل الإشارة بالسيف وشبهه، فيجتزي بذلك إذا كان الفتح صلحا. ومنها: أن الإلقاء إلى الأرض يبعد وقوعه من غير زيادة عليه في حق كل من عارض المسلمين يوم فتح مكة بقتال، وإنما يتأتى ذلك من الراكب للراكب، ومن الماشي للراكب، ومن الماشي للماشي، وأما من الراكب للماشي فيبعد تأتيه في حق كل من عارض، إلا أن ينزل الراكب عن فرسه، وفي وقوع ذلك من كل راكب لكل ماش عارض بقتال بُعْدٌ، والله أعلم. ومنها: أن ما ذكره أبو سفيان من إثارة قريش واستباحتها يقتضي أن المفعول فيهم يومئذ أعظم من إلقائهم إلى الأرض من غير قتال، لأن ذلك لا يعبر عنه بما ذكره أبو سفيان، والله أعلم. وقد ذكر النووي ﵀ حجة الشافعي ﵁ على أن مكة فتحت صلحا، قال: واحتج الشافعي ﵁ بالأحاديث المشهورة أنه ﷺ صالحهم بمر الظهران قبل دخوله مكة ... انتهى. وهذا الصلح المشار إليه لا يخلو من أمرين، أحدهما، أن يكون المراد به تأمين النبي ﷺ أهل مكة على الصفة التي سبق ذكرها، والآخر أن يكون عقد منهم عقد هدنة كما وقع في عام الحديبية، فإن كان الأول فإطلاق الصلح إنما يكون إذا انضم إليه التزام أهل مكة لموجب التأمين، وهو الكف عن قتال المسلمين يوم فتح مكة، ولا يقوم دليل على التزام أهل مكة لذلك، ويقوم الدليل على خلافه، لأن في حديث أبي هريرة ﵁ السابق في خبر فتح مكة: أن قريشا جمعوا أوباشا وقالوا نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وأن أصيبوا أعطينا الدي سئلنا ... انتهى. والذي سئلوا هو الكف عن القتل، فدل ذلك على أنهم لم يلتزموه، ولم يرد خبر يشعر بأن أحدا من قريش أنكر على سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، جمعهم لقتال المسلمين يومئذ، ولا أن أحدا من قريش تبرأ ممن جمع لذلك، مشعر برضا الجميع بذلك، والله أعلم. وإن كان المراد الثاني، فهو غير معروف، فضلا عن أن يكون فيه أحاديث مشهورة، ويبعد جدا أن يكون في ذلك حديث مشهور، ويخفى ذلك حتى لا يعرف له

стр. 58

محل في كتب العلماء، وأيضا فعقد الهدنة إنما يكون بسؤال من اضطر إليها، والاضطرار إليها في الفتح للمشركين، لوفور قوة المسلمين يومئذ، ولم يسأل المشركون ذلك مشافهة ولا مراسلة، لأنه لم يحضر عند النبي ﷺ بمر الظهران- ممن كان على الشرك- غير أبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وكان معهما بديل بن ورقاء الخزاعي، ولم يكن حضورهم إليه لأداء رسالة عن قريش، وإنما قريش بعثتهم ليتحسسوا لهم أخبار رسول الله ﷺ ، على ما ذكره ابن إسحق، فإنها غيبت عليهم، لأن النبي ﷺ سأل الله عند توجهه من المدينة أن تعمى الأخبار عن قريش حتى يبغتها في دارها، فاستجاب الله دعوته، ولم يشعر بهم أحد من أهل مكة، إلا وهم بمر الظهران، وكانوا في وجل من النبي ﷺ لنقضهم عهد الحديبية، لأن بعضهم قاتل ليلا مع كنانة خزاعة حلفاء النبي ﷺ ، ورفد بعضهم كنانة بالسلاح١. وذكر موسى بن عقبة ما يقتضي أن بعض المسلمين أخذوا أبا سفيان ومن معه قهرا، وأحضروهم إلى النبي ﷺ ، فأسلموا، وأن أبا سفيان وحكيما سألا النبي ﷺ الأمان لمن كف من قريش عن قتاله، فأجابهم النبي ﷺ إلى ذلك، والذي حملهم على ذلك الرغبة فيما يصلح لقومهما، ولم يكن لمن خرج مخرجهما أن يعقد على من وراءه، عقد هدنة إلا بعد إعلام من وراءه بما رأى، وأن يثق منهم في ذلك الرضا، وقد أنكر بعض العلماء أن يكون أهل مكة عقدوا مع النبي ﷺ صلحا عند فتحها، لأنه ذكر أن حال أهل مكة جرى في أرضها، وفي أنفسهم، وفي أموالهم، مجرى حال أهل الصلح، لا أنهم عقدوا معه صلحا، إذا لم يأت أثر في شيء من هذا بمصالحتهم إياه، وبالله التوفيق ... انتهى بلفظه إلا قليلا فبالمعنى، وهذا في شرح مسلم للإمام المازري، أو للقاضي عياض، على الشك مني لبعد العهد بذلك، والله أعلم. وقد ذكر النووي ﵀ حجة الشافعي ﵁ على جواز بيع دور مكة وإجارتها، فقال: قوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". استدل به الشافعي وموافقوه على أن دور مكة مملوكة يصح بيعها وإجارتها، لأن أصل الإضافة إلى الآدميين يقتضي الملك وما سوى ذلك مجاز ... انتهى. وفي هذا الاستدلال نظر لأنه ليس في معنى قوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان" إشعار بإضافة غيرها من دور مكة لأهلها من مسلمة الفتح، حتى تكون دورهم مملوكة لهم، كملك أبي سفيان، وإذا كان كذلك لم ينهض من قوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان" دلالة على ملك غير أبي سفيان من مسلمة الفتح لدورهم بمكة، لكون ذلك لا

стр. 59

يدل لملك غيره، وهذا يخالف رأي من استدل به على أن دور مكة مملوكة لأهلها، ويبعد أن يقاس على دار أبي سفيان غيرها من دور مكة التي كانت لغيره من مسلمة الفتح، لأن ملك أبي سفيان لداره لا ينبغي أن يختلف فيه، لكونه أسلم قبل أن يدخل النبي ﷺ مكة بمر الظهران، وبإسلامه أحرز نفسه وماله، ومثله في ذلك حكيم بن خزام، وبديل بن ورقاء الخزاعي، لأنهما أسلما معه بمر الظهران على خلاف في بديل، فإنه قيل: أسلم قبل الفتح، وغيره من مسلمة الفتح في ملكهم لدورهم بمكة خلاف بين أهل العلم سببه الخلاف في فتح مكة، هل هو عنوة أو صلح، وفي كونه صلحا نظر سبق بيانه، وأقرب ما يستدل به على ملك دور مكة، كون النبي ﷺ منَّ بها على أهلها فلم يقسمها، والله أعلم. ورأيت في شرح مسلم المشار إليه ذكر السبب الذي لأجله قيل إن مكة فتحت صلحا، لأن فيه: وإنما شُبِّهَ على القوم لأجل أنه ﷺ لم يستبح أموالها، ولا قسمها بين الغانمين، فلما رأى الشافعي ﵁ هذا، وخروجه عن الأصل اعتقد أنه صلح، وهذا لا تعلق له فيه، لأن الغنيمة لا يملكها الغانمون بنفس القتال على قول كثير من أصحابنا، وللإمام أن يخرجها عن الغانمين، ويمُنُّ على الأسرى بأنفسهم وحريمهم وأموالهم، وكأنه ﷺ رأى من المصلحة بعد الفتح والاستيلاء عليهم أن يبقيهم لحرمة العشيرة وحرمة البلد، وما رجي من إسلامهم وتكثير عدد المسلمين بهم، فلا يرد ما قدمناه من الأدلة الواضحة بمثل هذا المحتمل، وفي شرح مسلم المشار إليه. وقال بعض أصحاب الشافعي بقوله: إن النبي ﷺ دخل مكة صلحا، أي فعل فيها فِعْلَه في مَن صالحه، فمَلَّكَه نفسَه وماله وأرضه، لأنه لم يدخلها إلا بعد أن أمَّن أهلها كلهم، وهذا من قول أصحابه اعتذار من قوله الذي انفرد به، وميل إلى قول الجماعة من افتتاحها عنوة، وإنما من عليهم وعفا عنهم وملكهم أموالهم ... انتهى. وقد رأيت ما يدل على أن الإمام الشافعي لم ينفرد بقوله: إن مكة فتحت صلحا، لأني رأيت في نسخة من "المهذب" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، بخط سليمان بن خليل، حاشية بخطه أولها: ومذهب الشافعي ﵀: أن رسول الله ﷺ فتح مكة صلحا بأمان قومه لهم قبل دخوله، وروي ذلك عن أبي بن عبد الرحمن، ومجاهد، وذكر بقية الحاشية، وفوقها مكتوب بخط ابن خليل أيضا، صورته من "الشامل" ... انتهى. وأظن أن "الشامل" المشار إليه هو الشامل للشيخ أبي نصر بن الصباغ١ الشافعي،

стр. 60

وقد بيض ابن خليل بين أبي، وبين ابن عبد الرحمن، وما عرفت من المشار إليه بذلك، هل هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أو غيره؟ والله أعلم. وقد طال الكلام فيما يتعلق بتحقيق فتح مكة، ولكن يحصل بذلك من الفوائد ما لا يوجد مجتمعا في غير هذا المحل، وظهر بذلك رجحان كونها فتحت عنوة، والله أعلم.

стр. 61

الباب الثاني: في أسماء مكة المشرفة: لمكة المشرفة أسماء كثيرة، وقد عني الناس بجمعها، ولم أر لأحد في ذلك مثل ما رأيت لشيخنا العلامة اللغوي قاضي اليمن، مجد الدين الشيرازي، ولكنه أغرب فيما ذكره، وفاته مع ذلك أسماء أخرى. أنبأني شيخنا الماضي مجد الدين الشيرازي -أحسن الله إليه- قال في كتابه "تحبير الموشين في التعبير بالسين والشين" في باب النون: الناسة والناشة من أسماء مكة شرفها الله تعالى، فيما ذكره كراع النمل، في المنتخب من تأليفه، وهو من جهابذة اللغويين، ثم قال بعد شرح معنى هذين الاسمين: ومن أسماء مكة شرفها الله تعالى وعظمها: العروض، والسيل- مثال خيل ونيل- ومخرج صدق، والبنية، وهذه عن ياقوت. والمعاد، وأم رحم بالراء المهملة، وأم راحم، وأم زحم وهذه بالزاي، وأم صبح، وأم القرى، والبلد، والبلدة، والبلد الأمين، والبلد الحرام، والرتاج، والناسة، والناشة، وحرم الله تعالى، وبلد الله تعالى، وفاران، وهذه عن ياقوت الحموي. والباسة، والناسة والبساسة، والنساسة وطيبة، والقادس، والمقدسة، وقرية النمل، ونقرة الغراب، وقرية الحمس، وصلاح -كقطام منونة- والحاطمة، وكوشي، وسبوحة، والسلام، والعذراء، ونادرة، والوادي، والحرم، والنجز، والقرية، وبكة، ومكة، والعَرش، والعُرش، والعريش، والعروش، والحرمة -بالضم وبالكسر، وهذه النسبة عن ابن عديس، ذكره في كتابه "الباهر". قال شيخنا القاضي مجد الدين: وقد ذكرت في شرح صحيح الإمام البخاري ﵀ ما يتعلق باشتقاق كل اسم منها، مقرونة بشواهد وفوائد، فَلْيُنْظَرْ إن شاء الله تعالى.

стр. 62

قلت: قرية النمل، ونقرة الغراب، علامتان لموضع زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها، وعدهما بعضهم اسمين لزمزم مجازا، فإن كان شيخنا القاضي مجد الدين لحظ كونهما اسمين لزمزم، وسمى بهما مكة من باب تسمية الكل باسم البعض- وهو مجاز شائع- فيصح على هذا أن يذكر في أسماء مكة: الصفا، والمروة، والحزورة، وغير ذلك من المواضع المشهورة بمكة. وقوله: وقرية الحمس: إن كان لحظ في تسمية مكة بذلك أن الحمس كانوا سكان مكة قبل، فيصح على هذا أن يذكر في أسماء مكة: قرية العمالقة، وقرية جرهم لكونهما كانوا سكان مكة قبل الحمس، اللهم إلا أن يقال إن تسمية مكة بقرية النمل، ونقرة الغراب، وقرية الحمس، منقول عن أهل اللغة، فلا يقاس عليه غيره، والله أعلم. ومن أسماء مكة التي لم يذكرها شيخنا القاضي مجد الدين: بره، ومنها: بساق، ومنها: البيت العتيق، ومنها: الرأس، ومنها: القادسية، ومنها: المسجد الحرام، ومنها المعطشة، ومنها: المكتان، ومنها: النابية، ومنها: أم روح، ومنها: أم الرحمن، ومنها: أم كوثى، وسنذكر من ذكر هذه الأسماء من العلماء. ذكر معاني بعض أسماء مكة وعزو بعضها لأهل العلم: اختلف في مكة بالميم، وبكة بالباء، هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ والأول قول الضحاك فيما حكاه عنه المحب الطبري١، وقول مجاهد فيما حكاه عنه الماوردي٢، واحتج ابن قتيبة لتصحيحه بأن الباء تبدل من الميم، كضرب لازم ولازب. واختلف القائلون بالثاني، فقيل: بكة بالباء، موضع البيت، ومكة بالميم: القرية، وهذا يروى عن إبراهيم النخعي. وقيل: بكة بالباء، موضع البيت، ومكة بالميم الحرم كله، وهذا يروى عن يحيى بن أبي أنيسة. وقيل: بكة بالباء ما بين الجبلين، ومكة، بالميم الحرم كله. وقيل: بكة بالباء الكعبة والمسجد الحرام، ومكة بالميم ذو طوى، وهذا يروى عن زيد بن أسلم، وقيل: بكة بالباء البيت، وما حواليه مكة بالميم، وهذا يروى عن مجاهد،

стр. 63

وهذه الأقوال رويناها في تاريخ الأزرقي، ولم يبين فيه قائل القول الثالث من هذه الأقوال، والله أعلم بالصواب١. واختلف في معنى تسميتها مكة بالميم، فقيل: لأنها تمكُّ الجبارين: أي تذهب نخوتهم. وقيل: لأنها تملك الفاجر عنها أي تخرجه. وقيل: لأنها تجهد أهلها، من قولهم: تمككت العظم إذا أخرجت مخه. وقيل: لأنها تجذب الناس إليها، من قولهم: أمتك الفصيل ما في ضرع أمه إذا لم يبق فيه شيئا. وقيل: لقلة مائها. واختلف في معنى تسميتها بكة بالباء، فقيل: لأنها تبكُّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها، أي تدقها، والبك الدق، وقيل: لازدحام الناس بها، قاله ابن عباس ﵄. وقيل: لأنها تضع من نخوة المتكبرين، قاله الترمذي. وهذان الاسمان لمكة مأخوذان من القرآن العظيم، وأخذ منه عدة أسماء، منها: أم القرى، قاله الضحاك في تفسير قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الأنعام: ٩٢] . واختلف في سبب تسميتها بذلك، فقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، قاله ابن عباس ﵄. وقيل: لأنها أعظم القرى شأنا. وقيل: لأن فيها بيت الله تعالى، ولما جرت العادة بأن الملك وبلده مقدمان على جميع الأماكن سميت أُما؛ لأن الأم متقدمة. وقيل: لأنها قبلة تؤمها جميع الأمة. ومنها: القرية، قاله مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان﴾ [النخل: ١١٢] . والقرية اسم لما تجمع جماعة كثيرة من الناس، من قولهم: قريت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه، ويقال للحوض: مقراة.

стр. 64

ومنها: البلد، قال الله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد﴾ [البلد: ١] قال ابن عباس ﵄: هي مكة، وقال: بلغني أن النبي ﷺ قال: "هي مكة"، ذكر ذلك عنه الفاكهي١، ونقل عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: إنها مكة ... انتهى. والبلد في اللغة الصدر أي صدر القرى. ومنها: البلد الأمين، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين﴾ [التين: ٣] . قال الفاكهي فيما رواه بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين﴾ قال: يعني مكة، وروى ذلك بسنده عن زيد بن أسلم٢. ومنها: البلدة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَة﴾ [النحل: ٩١] . قال الواحدي في "الوسيط": هي مكة، وقاله ابن برجان في تفسيره. وقال ياقوت في "معجم البلدان": باب البلدة: ثلاثة مواضع، الأول في قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور﴾ [سبأ: ١٥] أراد بها مكة٣. انتهى. وذكر الفاكهي ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: حدثنا أبو يحيى بن ميسرة قالك حدثنا خالد بن يحيى قال: حدثنا سفيان، قال: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة، قال: هي منى، قال أبو يحيى: وكذلك العرب تسميها البلدة إلى اليوم ... انتهى، والله أعلم. ومنها: معاد بفتح الميم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] . كما في صحيح البخاري عن ابن عباس رض الله عنهما، لأنه قال: حدثنا محمد بن مقاتل قال: أخبرنا يعلى، قال: حدثنا سفيان العصفري، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: لرادك إلى معاد، قال: إلى مكة٤ ... انتهى. فهذه ثمانية أسماء لمكة مأخوذة من القرآن العظيم، ولم يذكر المحب الطبري من أسمائها المأخوذة من القرآن إلا خمسة، لأنه قال: سمى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: مكة، وبكة، والبلد، والقرية، وأم القرى ... انتهى٥. وأما تسمية مكة: الباسة بالباء الموحدة والسين المهملة، فقال مجاهد، لأنها تبس من ألحد فيها، أي تهلكه، أي تحطه، من قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] ذكره ابن جماعة.

стр. 65

وأما تسميتها الناسة، بالنون والسين المهملة، فذكره الماوردي قال: ومعناه أي تنس من ألحد فيها، أي تطرده وتنفيه. وحكاه صاحب "المطالع" والنووي، وذكره ابن جماعة، قال: والناسة قيل: لأنها تنس الملحد، أي تطرده، وقيل: لقلة مائها، والنس اليبس١. وأما تسميتها النساسة، بالنون وتشديد السين الأولى، فهو مقتضى كلام "المطالع" والمعنى في ذلك- والله أعلم - كالمعنى في الناسة بالنون. وأما تسميتها الحاطمة، فذكره الأزرقي عن إبراهيم بن أبي يحيى، وصاحب "المطالع"، وابن خليل، والنووي، قالوا: لحطمها الملحدين. وأما تسميتها صلاح، بصاد مهملة مفتوحة وحاء مهملة، فحكاه مصعب الزبيري وقال: سميت بذلك لأمنها، وأنشد له قول أبي سفيان بن حرب بن أمية لابن الحضرمي: أبا مطر هلم إلى صلاح ... فيكفيك الندامى من قريش٢ وتنزل بلدة عزت قديما ... وتأمن أن يزورك رب جيش وصلاح مبني على الكسر، كحزام وقطام ونظائرهما، وقد يصرف، واستدل على صرفه بقول أبي سفيان السابق. وأما تسميتها العرش، بعين مهملة مفتوحة وراء مهملة ساكنة، فذكره كراع كما حكاه عنه ابن جماعة، وأشار إلى ذلك صاحب "المطالع". وأما تسميتها العريش، بزيادة ياء مثناة من تحت، فذكره ابن سيده فيما حكاه عن ابن جماعة. وأم تسميتها القادس فذكره صاحب "المطالع"، قال: "والقادس من التقديس، لأنها تطهر من الذنوب. وأما تسميتها المقدسة فذكره صاحب "المطالع" والنووي٣، والمعنى فيه كالذي قبله. وأما تسميتها كوثى فذكره الأزرقي٤ عن مجاهد، والسهيلي ولم يعزه، وصاحب "المطالع" إلا أنه قال: باسم بقعة منها: منزل بني عبد الدار ... انتهى. وأفاد الفاكهي أن كوثى في ناحية قعيقعان قال: وقيل: كوثى، جبل بمنى٥ ... انتهى.

стр. 66

وكوثى بكاف مضمومة وثاء مثلثة. وأما تسميتها الحرم بحاء وراء مهملتين، فذكره سليمان بن خليل في "منسكه". وأما تسميتها الرتاج، براء مهملة وتاء مثناة من فوق وألف وجيم، فذكره المحب الطبري في "شرح التنبيه" فيما نقله عنه ابن جماعة. وأما تسميتها أم رحم براء مهملة مضمومة، فذكره مجاهد فيما حكاه عن الماوردي، لأن الناس يتراحمون فيها ويتوازون. وأما زحم بزاي معجمة، من الازدحام فذكره الرشاطي١. وأما تسميتها أم صبح، فذكره ابن الأثير في كتابه "المرضع"٢ على ما وجدت بخط قاضي طرابلس شمس الدين محمد بن أحمد النويري٣. وأما تسميتها برة: فذكره سليمان بن خليل في منسكه ولم يعزه، ولم يذكر له معنى. وأما تسميتها بساق٤، فذكره ابن رشيق في "العمدة" في تفسير قول أمية بن حرثان: سأستعدي على الفاروق ربا ... له عمد الحجيج إلى بساق ثم قال ابن رشيق: وقد قيل: إن بساق بلد بالحجاز ... انتهى. وبساق بباء موحدة وسين مهملة وألف وقاف. وأما تسميتها البيت العتيق، فذكره الأزرقي٥ عن إبراهيم بن أبي يحيى، وصاحب "المطالع"، وابن خليل، ولعل ذلك من تسمية مكة بأسماء الكعبة كلها إذا لحظ هذا المعنى. وأما تسميتها الرأس، فذكره السهيلي٦ وصاحب "المطالع" والنووي٧، وقال: لأنها أشرف الأرض كرأس الإنسان. وأما تسميتها القادسة، فذكره ابن جماعة ولم يعزه.

стр. 67

وأما تسميتها المسجد الحرام، فذكره ابن خليل في "منسكه" وفي القرآن الكريم ما يشهد له، وحكاه عبد الله بن عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد المرجاني عن ابن مسدي. وأما تسميتها المعطشة فذكره ابن خليل ولم يعزه، ولم يذكر له معنى. وأما تسميتها المكتان، فذكره شيخنا بالإجازة، أديب الديار المصرية برهان الدين القيراطي في ديوان شعره البديع، ولعله أخذ ذلك من قول ورقة بن نوفل الأسدي: ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا وللسهيلي على ذلك كلام أحسن، لأنه قال بعد أن ذكر هذا البيت: ثنى مكة وهي واحدة، لأن لها بطاحًا وظواهر، ثم قال: وإنما مقصد العرب في هذه الإشارة إلى جانبي كل بلدة، أو الإشارة إلى أعلى البلد وأسفلها، فيجعلونها اثنتين على هذا المعنى ... انتهى. وقال السهيلي في موضع آخر، بعد أن ذكر شيئا من حال عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، وهو الذي يقول في حصار عثمان بن عفان ﵁: أرى الأمر لا يزداد إلا تفاقما ... وأنصارنا بالمكتين قليل وأسلمنا أهل المدينة والهوى ... إلى أهل مصر والذليل ذليل وأما تسميتها النابية، فذكره الشيخ عماد الدين بن كثير في "تفسيره" على ما وجدت بخط بعض أصحابنا في حاشية كتاب "تحبير الموشين "لشيخنا قاضي القضاة مجد الدين عند كلامه على أسماء مكة، ونص الحاشية "وذكر ابن كثير في تفسيره أن من أسماء مكة النابية بالنون والباء"١. وأما تسميتها أم رَوْح فذكره ابن الأثير في كتابه "المرصّع"٢ على ما وجدت بخط شمس الدين النويري المقدم ذكره. وأما تسميتها أم الرحمن فذكره عبد الله بن عبد الملك المرجاني وعزاه لابن العربي. وأما تسميتها أم كوثى فذكره ابن المرجاني ولم يعزه، ولم يذكر له معنى.

стр. 68

وقد بان لما ذكرناه في هذا التفصيل معرفة من ذكر الاثني عشر اسما التي ذكرناها في أسماء مكة ولم يذكرها شيخنا القاضي مجد الدين، مع معنى بعضها، وبأن به أيضا معرفة من ذكر بعض أسماء مكة التي ذكرها شيخنا القاضي مجد الدين مع بعض معانيها أيضا، وبعض الأسماء الغريبة التي لم أرها إلا في كلامه، المعنى فيها واضح، وهي أم راحم، وأم الرحم، فإن ذلك في معنى أم رحم بالراء المهملة، والبلد الحرام لحرمة مكة، وبلد الله لاختياره لها على غيرها، وطيبة لطيبها، وذكر هذا الاسم في أسماء مكة الحافظ علاء الدين مغلطاي في سيرته. وصلاحٍ منونة، لأنها من معنى صلاح بلا تنوين. والسلام من هذا المعنى. والوادي، من قول عمر بن الخطاب ﵁ لنافع بن عبد الحارث الخزاعي عامله على مكة لما لقيه بعسفان، حين استخلف على أهل مكة مولاه عبد الرحمن بن أبزي: من استخلفت على أهل الوادي؟ ولم يذكر النووي من أسماء مكة إلا ستة عشر اسما، قال: ولا يعرف في البلاد بلدة أكثر أسماء من مكة والمدينة، لكونهما أشرف الأرض ... انتهى. وقال عبد الله المرجاني في تاريخه للمدينة المسمى "بهجة الأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار" بعد ذكره لأسماء مكة: ومن الخواص قيل: إذا كتبت بالدم على الجبين "مكة وسط الدنيا، والله رؤوف بالعباد" انقطع الدم ... انتهى.

стр. 69

الباب الثالث: ذكر الحرم وسبب تحريمه: أما حرم مكة فهو ما أحاط بها، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله حُكمَه حُكمَها في الحرمة تشريفًا لها، أشار إلى ذلك الماوردي١، وابن خليل، والنووي٢. واختلف في سبب تحريمه، فقيل: إن آدم ﵇ لما أهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشيطان، فاستعاذ بالله منه، فأرسل الله ملائكة حفوا بمكة من كل جانب، ووقفوا في موضع أنصاب الحرم يحرسون آدم ﵊، فصار ما بينه وبين موقف الملائكة حرما٣. وقيل: لأن الخليل ﵇ لما وضع الحجر الأسود في الكعبة حين بناها، أضاء الحجر يمينا وشمالا، وشرقا وغربا؛ فحرم الله الحرم من حيث انتهى نور الحجر الأسود. وقيل: لأن الله حين قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] لم يجبه بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم، ولذلك حرمها. ذكر هذا القول السهيلي٤، وذكر الأزرقي٥ فيما يشهد للقولين الأولين، وقيل غير ذلك.

стр. 70

ذكر علامات الحرم: للحرم علامات بينة، وهي أنصاب مبنية في جميع جوانبه خلا حده١ من جهة جدة، وجهة الجعرانة٢ فإنه ليس فيهما أنصاب. وأول من نصب ذلك الخليل ﵇ بدلالة جبريل ﵇ له، ثم قصي بن كلاب. وقيل: نصبها إسماعيل ﵇ بعد أبيه الخليل، ثم قصي، وهذا يروي عن ابن عباس، ذكره عنه الفاكهي، وغيره٣. وقيل: إن عدنان بن أدّ أول من وضع أنصاب الحرم حين خاف أن يدرس الحرم، ذكره الزبير بن بكار. ونصبتها قريش بعد أن نزعوها، والنبي ﷺ بمكة قبل هجرته، ونصبها النبي ﷺ عام الفتح، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان ثم معاوية- ﵃ ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي، ثم أمر الراضي العباسي بعمارة العلمين الكبيرين اللذين بالتنعيم في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة٤، واسمه عليها مكتوب، ثم أمر المظفر صاحب إربل بعمارة العلمين اللذين هما حد الحرم من جهة عرفة في سنة ست وعشرين وستمائة، ثم الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ثلاث وثمانين وستمائة٥. ولم يذكر الأزرقي القول بتنصيب إسماعيل ﵇ لأنصاب الحرم، ولا نصب عدنان، ولا نصب المهدي لها، ولا تاريخ السنة التي أمر فيها عمر وعثمان ﵄ بنصب ذلك، وكان أمر عمر عثمان بنصب ذلك في سنة سبع عشرة من الهجرة، وأمر عثمان ﵁ بذلك في سنة ست وعشرين، على ما ذكره ابن الأثير فيهما٦. وقال الأزرقي فيما رويناه بالسند المتقدم: أنصاب الحرم على رأس الثنية: ما كان في وجهها من هذا الشق، فهو حرم، وما كان في ظهرها فهو حل.

стр. 71

وذكر الأزرقي للحرم علامة أخرى، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: وكل واد في الحرم فهو يسيل في الحل، ولا يسيل وادي الحل في الحرم إلا في موضع واحد عند التنعيم١، عند بيوت نفار٢ ... انتهى. ذكر ذلك الأزرقي في آخر الترجمة التي ترجم بقوله: "ذكر الحرم وكيف حُرِّمَ". وذكر الفاكهي ما يقتضي أن سيل الحل٣ يدخل إلى الحرم من عدة مواضع، لأنه قال: "ذكر ما يسكب من أودية الحل في الحرم"، وبين هذه المواضع، وذكرنا ذلك في أصل هذا الكتاب.

стр. 72

ذكر حدود الحرم وضبط ألفاظ فيها: ذكر الأزرقي رحمه الله تعالى حدود الحرم من جهاته الست١، وذكرها غيره إلا أنه خالف الأزرقي في مقدار بعضها، وأخل بذكر بعضها، وقد تلخص لي مما رأيت للناس في حدود الحرم أن جميع حدوده مختلف فيها على ما سنبينه. فأما حده من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة٢ ففيه أربعة أقوال: نحو ثمانية عشر ميلا على ما ذكره القاضي أبو الوليد الباجي، وأحد عشر ميلا على ما ذكره الأزرقي٣، والفاكهي٤، وأبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة الخراساني في كتاب "المسالك والممالك"٥، والمحب الطبري٦ نقلا عن الأزرقي، وسليمان بن خليل، إلا أنه ذكره بصيغة التمريض. وتسعة أميال -بتقديم التاء، على ما ذكر شيخ المذهب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني في كتاب "النوادر"، وسليمان بن خليل، وصدر به كلامه، والمحب الطبري بعد أن حكى ما ذكره الأزرقي. وسبعة أميال بتقديم -السين على الباء- على ما ذكره الماوردي في كتاب "الأحكام السلطانية"٧ له، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "مهذبه"، والنووي في "إيضاحه"،

стр. 73

و"تهذيب الأسماء واللغات١ له. وفيما قالوه نظر قوي يقتضي بُعْدَ استقامةِ قولهم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وذكر النووي في "التهذيب" أن الأزرقي انفرد بما قاله في حد الحرم من طريق "الطائف"، وقال: إن الجمهور قالوا ستة٢ ... انتهى بالمعنى. ولم ينفرد الأزرقي بقوله بموافقة ابن خرداذبه له على قوله، بل لا يعرف له فيما قاله مخالف قبله، ولا معاصر له، ولا بعده، غير الماوردي، وصاحب "المهذب"، ولو خالف الأزرقي غيرهما لنقل ذلك كما نقلت مخالفتهما للأزرقي، وقد تبعهما على ذلك النووي وغيره من المتأخرين، ولم يذكر ذلك سليمان بن خليل، ولا المحب الطبري، وذلك يشعر بعدم رضاهما لهذا القول، لأنهما ذكرا في حدود الحرم ما قاله ابن أبي زيد وغيره، وكان ذكرهما لذلك أولى، لكون قائله من الشافعية، ولا يقال لعل ذلك خفي عليهما، فإن ذلك مشتهر جدا، والله أعلم. وأما حده من جهة العراق: ففيه أربعة أقوال: أحدها: سبعة أميال -بتقديم السين- على ما ذكره الأزرقي. وثمانية أميال على ما ذكره ابن أبي زيد المالكي في "النوادر". وعشرة أميال على ما ذكره سليمان بن خليل. وستة أميال على ما ذكره أبو القاسم بن خرداذبه٣. وذكر الأزرقي ﵀ أن الحد في هذه الجهة على ثنية خل بالمقطع. فأما خل: فبخاء معجمة مفتوحة. وأما المقطع: فبضم الميم وفتح الطاء المشددة، على ما وجدت بخط سليمان بن خليل فيهما. ووجدت بخط المحب الطبري في "القرى" على الخاء من خل نقطة من فوق وعلى اللام شدة، ووجدت بخطه ضبط المقطع بفتح الميم وإسكان القاف٤. ووجدت في غير موضع من تاريخ الأزرقي على الخاء من خل نقطة من فوقها، ورأيت في "الإيضاح" للنووي و"تهذيب الأسماء واللغات" له، عوض "خل": "جبل" بجيم وباء موحدة، ولا يبعد أن يكون ذلك تصحيفا، والله أعلم.

стр. 74

وذكر الأزرقي أن سبب تسمية اسم المقطع بذلك: أنهم قطعوا منه أحجار الكعبة في زمن ابن الزبير ﵄. وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية إذا خرجوا من الحرم علقوا في رقاب إبلهم من قشور شجر الحرم، وإن كان رجل علق في رقبته، فأمنوا حيث توجهوا. ويقال: هؤلاء وفد الله تعظيما للحرم، فإذا رجعوا فدخلوا الحرم قطعوا ذلك، فسمي ذلك هناك المقطَّع١. وأما حده من جهة الجعرانة: ففيه قولان: تسعة أميال -بتقديم التاء- كما ذكره الأزرقي٢، وبريد، وهو اثنا عشر ميلا على ما ذكر ابن خليل، وحكايته لهذا القول بصيغة التمريض بعد ذكره للقول السابق. والجِعرانة: بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء على ما هو الصواب في ضبطها وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وذكر الأزرقي أن حد الحرم من جهة الجعرانة: في شعب آل عبد الله بن خالد بن أسيد٣ ... انتهى. وعبد الله بن خالد بن أسيد المنسوب إليه هذه الشعب هو فيما أحسب ابن أخي عتاب بن أسيد بن العاص القرشي الأموي أمير مكة، لأنه كان لعبد الله المذكور بمكة شهرة لولايته لأمر مكة وغير ذلك، ونسب إليه بها مقبرة بأعلى مكة، وهي التي دفن فيها عبد الله بن عمر ﵄ والله أعلم. وذكر سليمان بن خليل أن عبد الله بن خالد المنسوب إليه هذا الشعب هو: عبد الله بن خالد بن أسيد الخزاعي. وذكر ابن جماعة ما يخالف ذلك أيضا، لأنه قال لما ذكر حد الحرم من هذه الجهة: ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله القسري ... انتهى٤. وما أشرنا إليه من نسبة هذا الشعب لعبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص أشبه بالصواب من نسبته لغيره، لأن التعريف إنما يكون في الغالب بأشهر الأحوال، وليس لمن نسب إليه ابن الخليل هذا الشعب، ولا لمن نسبه إليه ابن جماعة من الشهرة، مثل ما لمن نسبناه إليه، والله أعلم بالصواب

стр. 75

وحد الحرم من هذه الجهة لا يعرف موضعه الآن، إلا أن بعض أعراب مكة زعم أنه في مقدار نصف طريق الجعرانة، وسئل عن سبب معرفته لذلك فقال: إن الموضع الذي أشار إليه في محاذاة أعلام الحرم من جهة نخلة، وهي جهة العراق، والله أعلم بصحة ذلك. وأما حده من جهة التنعيم ففيه أربعة أقوال: ثلاثة أميال، على ما ذكره الأزرقي١، وابن خرداذبه٢، والماوردي٣، وصاحب "المهذب" وغيرهم. ونحو أربعة أميال، على ما ذكره ابن أبي زيد في "النوادر" عن غير واحد من المالكية. وأربعة أميال، على ما قال الفاكهي٤. وخمسة أميال، على ما ذكره أبو الوليد الباجي، ونص كلامه: وأما التنعيم فإني أقمت بمكة، وسمعت أكثر الناس يذكرون أنها خمسة أميال، ولم أسمع في ذلك اختلافا مدة مقامي بها، ولو كان بين مكة والتنعيم أربعة أميال لوجب أن يكون بين مكة والحديبية -على هذا التعدي: قريب من خمسة عشر ميل، لأنها أزيد من ثلاثة أمثالها ... انتهى. وفي هذا القول نظر، وكذا في القول الذي ذكره الفاكهي، والقول الذي ذكره ابن أبي زيد على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. ووقع فيما ذكره ابن أبي زيد في حد الحرم من هذه الجهة ما يقتضي أنه إلى منتهى التنعيم، لأنه قال: ومن غير الموازنة لغير واحد من أصحابنا أن حد الحرم مما يلي المدينة نحو أربعة أميال إلى منتهى التنعيم. انتهى. وذكر الأزرقي ما يخالف ذلك، لأنه قال: ذكر حدود الحرم: من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار٣ على ثلاثة أميال٥. انتهى. وذكر المحب الطبري في "شرحه للتنبيه" ما يرجح ما ذكره الأزرقي، لأنه ذكر أن التنعيم أمام الحل قليلا، وأن من فسره بطرف الحل أطلق اسم الشيء على ما قرب منه. انتهى.
следующие страницы →