ويظهر ذلك مع ما أشرنا إليه أولا بذكر الخبر الذي ذكره الفاكهي؛ لأنه قال: حدثنا سعيد بنعبد الرحمن، حدثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن ابن جريج، قال: بلغني أن النبي ﷺ أمن الناس يوم فتح مكة؛ إلا أربعة: عبد العزيز بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وأم سارة قينة لبني هاشم كانت تدعو على النبي ﷺ حين تصبح وحين تمسي؛ فأما أم سارة فقتلت ... انتهى باختصار.
وذكر الحافظ عبد الغني بنسعدي أن سبب قتل أم سارة حملها كتاب حاطب بن سبق ذكرنا له عنه؛ لأن فيه: أمن رسول الله ﷺ الناس يوم فتح مكة، إلا أربعة فذكرهم، منهم أم سارة، ثم قال: وأما أم سارة فإنها كانت مولاة لقريش؛ فأتت رسول الله ﷺ ، فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئا، ثم أتاها رجل يدفع إليها كتابا إلى أهل مكة يتقرب بذلك إليهم ليحفظ في عياله، وكان له بها عيال، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ بذلك فذكر بقية الخبر السابق، وهذا يخالف ابن جريج في سبب قتل أم سارة، والله أعلم بالصواب.
ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين سبب أمر النبي ﷺ بقتل الحويرث بن نقيذ، سوى أنه كان يؤذي النبي ﷺ بمكة -لقوله بعد ذكره للحويرث: وكان ممن يؤذيه بمكة١.
وذكر السهيلي ما يقتضي أن أمر النبي ﷺ بقتل الحويرث له سبب آخر؛ لأنه قال: وأم الحويرث بن نقيذ الذي أمر بقتله مع ابن خطل، فهو الذي نخس بزنيب بنت رسول الله ﷺ ، حين أدركها هو وهبار بن الأسود، فسقطت عن دابتها، وألقت جنينها٢ ... انتهى.
وذكر ابن هشام ما يقتضي أن سبب أمر النبي ﷺ بقتل الحويرث، كونه نخس بفاطمة وأم كلثوم ابنتي النبي، ورمى بهما إلى أرض، لما بعثها العباس من مكة إلى المدينة؛ لأنه ذكر كلاما معناه هذا، بعد قول ابن إسحاق في شأن الحويرث بن نقيذ: وكان ممن يؤذيه بمكة، والمعروف أن المشركين عرضوا لزينب بنت النبي ﷺ ، لا لأختيها فاطمة وأم كلثوم؛ فيكون الحويرث نخس بزينب، لا بفاطمة وأم كلثوم، والله أعلم بالصواب.
ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن الثماني ركعات التي صلاها النبي ﷺ في يوم فتح مكةى، على ما ذكر ت أم هانئ من الضحى.
стр. 737
وذكر السهيلي ما يقتضي أنها صلاة الفتح؛ لأنه قال: فصل: ذكر صلاة النبي ﷺ في بيت أم هانئ، وهي صلاة الفتح، يعرف ذلك عند أهل العلم، وكان الأمراء يصلونها إذا افتتحوا بلدا، قال الطبري١: صلى سعد بن أبي وقاص ﵁ حين افتتح المدائن، ودخل إيوان كسرى قال: فصلى فيه صلاة الفتح. قال: ويه ثمان ركعات، لا يفصل بينها، ولا تصلي بإمام؛ فبين الطبري سنة هذه الصلاة وصفتها. ومن سننها أيضا أن لا يجهر فيها بالقراءة، والأصل ما تقدم في صلاة رسول الله ﷺ في بيت أم هانئ؛ وذلك ضحى٢. انتهى.
ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين ما كان من حال فاطمة بنت النبي ﷺ مع أم هانئ، وقد بين ذلك الفاكهي في خبر ذكره؛ لأنه قال: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي طالب تقول: لما كان يوم الفتح، أتاني حموان لي؛ فأمنتهما، فجاء علي بن أبي طالب ﵁ يريد أن يقتلهما، فذهبت إلى النبي ﷺ فوجدت فاطمة، وكانت أشد علي من علي بن أبي طالب ﵁ فقالت: لم تؤمنين المشركين وتجيرينهم؟ فبينما أنا عندها إذ دخل رسول الله ﷺ على وجهه رهجة الغبار، فقلت: يا رسول الله إني أمنت حموين لي، وإن ابن أمي علي بن أبي طالب يريد قتلهما. فقال: "ما كان ذلك له، قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت" ... انتهى باختصار.
ومنها: أن ابن هشام، قال في تفسير الرجلين اللذين أجارتهما أم هانئ يوم الفتح: هما الحارث بن هشام، وزهير بن أمية بن المغيرة٣ ... انتهى.
وقد تقدم قوله بأن الذي أجارته أم هانئ هو ابنها جعدة بن هبيرة، حكاه السهيلي٢ وغيره، وفيه بعد لقولها في السيرة: وفر إلي رجلان من أحماي من بني مخزوم، ومرداهم بقولها: أحماي بسط العذر لها في إجازتها لهما، ولو كان المجار ابنها لقالت ابني، فإنه أولى في بسط العذر لها في ذلك، ولا يعارض ذلك قول ابن عبد البر.
وفي حديث مالك وغيره أن الذي أجارته بعض بني زوجها هبيرة بن أبي وهب لإمكان أن يكون ابن زوجها الذي أجارته من غيرها، والله أعلم.
стр. 738
وممن ذكر أن أحد الرجلين اللذين أجارتهما أم هانئ ﵁ الحارث ابن هشام: الزبير بن بكار وغيره.
ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين اسم اليوم الذي طاف فيه النبي ﷺ بالكعبة، بعد أن فتح الله عليه مكة، وذكر الأزرقي عن الواقدي ما يبين ذلك؛ لأنه قال: حدثني جدي عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن عمرو الهذلي قال: قدم رسول الله ﷺ مكة يوم الجمعة لعشر ليال بقين من شهر رمضان، فبث السرايا في كل وجه ... انتهى.
وإذا كان قدوم النبي ﷺ إلى مكة في اليوم المشار إليه؛ فهو اليوم الذي طاف فيه بالكعبة؛ لأن النبي ﷺ طاف بالكعبة يوم دخل مكة في الفتح، على ما هو مقتضى الأخبار الواردة في ذلك، وخحرجح مغلطاي في "سيرته" بأن النبي ﷺ طاف بالكعبة يوم الجمعة، لعشر بقين من رمضان؛ لأنه قال فيما أخبرت به عنه: وطاف النبي ﷺ بالبيت يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان ... انتهى.
ومنها: أن ابن إسحاق روى بسنده إلى صفية بنت شيبة: أن رسول الله ﷺ ، لما نزل مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت؛ فطاف به سبعا على راحلته١، وهذا ليس فيه بيان ما تعرف به الراحلة التي طاف عليها رسول الله ﷺ يوم فتح مكة؛ لأن النبي ﷺ عدة رواحل وهي: العطباء، والقصواء، والجدعاء، وإن كان قيل في الجميع إنهن واحدة، وقد بين ذلك ابن عمر ﵁ في حديثه في دخول النبي ﷺ الكعبة يوم فتح مكة، وصلاته فيما، على ما رويناه عنه في الصحيحين وغيرهما؛ وفي لفظ البخاري فيه: حدثنا شريح بن النعمان قال: حدثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أقبل النبي ﷺ عام الفتح، وهو مردف أسامة ﵁ على القصواء، ومعه بلال، وعثمان بن طلحة؛ حتى أناخ عند البيت، ثم قال لعثمان: "ائتنا بالمفتاح" فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب، فدخل النبي ﷺ ، وأسامة، وبلال، وعثمان ﵃، ثم أغلقوا عليهم الباب، فمكث نهارا طويلا٢ ... انتهى باختصار.
ومنها: أن ما ذكره ابن إسحاق في طواف النبي ﷺ يوم الفتح يقتضي أن النبي ﷺ طاف على راحلته، لقوله فيه: فطاف به سبعا على راحلته.
وقد روينا في حديث ابن عمر ﵄ ما يخالف ذلك في صحيح مسلم وغيره. ولفظ مسلم: أخبرنا ابن عمر قال: أنبأنا سفيان، عن أيوب السختياني عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح، على ناقة
стр. 739
أسامة بن زيد ﵁، حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم عاد عثمان بن طلحة؛ فقال: "ائتني بالمفتاح" فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه، أو ليخرجن هذا السيف من صلبي. فأعطته إياه، فجاء إلى النبي ﷺ فدفعه إليه، ففتح الباب، قال: ثم ذكر مثل حديث حماد بن زيد ... انتهى.
توفي حديث ابن عمر السابق قريبا من "صحيح البخاري" ما يقتضي أن النبي ﷺ طاف يوم الفتح على راحلته وذلك يوافق ماذكره ابن إسحاق والله أعلم بالصواب، وحديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ السابق من "صحيح مسلم" أخرجه الأزرقي في تاريخه عن جده، عن سفيان بن عيينة عن أيوب١ من غير إحالة في نفسه، على خلاف ما صنع مسلم.
ومنها: أن ابن إسحاق ذكر أن النبي ﷺ دعا عثمان بن طلحة بسبب مفتاح الكعبة، وليس في كلامه ما يبينم هل هذا الدعاء من النبي ﷺ أو برسول إلى عثمان ﵁، لقوله ابن إسحاق: فلما قضي طوافه دعا عثمان بن طلحة ... انتهى.
وفي حديث ابن عمر ﵄ السابق قريبا من "صحيح البخاري" ما يدل على أنه دعاه بنفسه لقوله فيه: ثم قال ﷺ لعثمان: "ائتنا بالمفتاح".
وذكر الأزرقي خبرا يقتضي أن النبي ﷺ أرسل في ذلك إلى عثمان ﵁ بلالا، ثم أبا بكر ﵁، وعمر ﵁، لما أبطأ عثمان ﵁، لأنه قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: انصرف رسول الله ﷺ يوم الفتح، بعدما طاف على راحلته، فجلس ناحية من المسجد والناس حوله، ثم أرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة ﵁، فقال ﷺ : "قل له إن رسول الله ﷺ يأمر أن تأتيه بمفتاح الكعبة". فجاء بلال إلى عثمان ﵁: نعم، فخرج إلى أمه "سلافة بنت سعد" بن سعيد الأنصارية، ورجع بلال ﵁ مع الناس؛ فقال عثمان لأمه، والمفتاح يومئذ عندها: يا أمه أعطيني المفتاح، فإن رسول الله ﷺ أرسل إلي، وأمرني أن آتي به إليه. فقالت له: أعيذك بالله أن تكون الذي تذهب بمأثرة قومك على يديك. قال: والله لتدفعنه أو ليأتينك غيري فيأخذه منك. فأدخلته في حجرها وقالت: أي رجل يدخل يده هاهنا؛ فبينما هما على ذلك، إذ سمعت سوت أبي بكر ﵄ في الدار، وعمر ﵁ رافع
стр. 740
صوته حين رأى إبطاء عثمان: يا عثمان اخرج، فقالت أمه: يا بني خذ المفتاح، فلأن تأخذه أنت أحب إلي من أن تأخذه تيم أو عدي، فأخذه عثمان، فأتى به رسول الله ﷺ ، فناوله إياه؛ فلما ناوله إياه فتح الكعبة١ ... انتهى باختصار.
وذكر الواحدي في تفسيره "الوسيط" وكتابه "أسباب النزول" ما يقتضي أن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى عثمان بن طلحة، ليأخذ منه مفتاح الكعبة في يوم فتح مكة، ولكن كلام والواحدي يقتضي أن عثمان ﵁ لم يكن حين أخذ ذلك منه مسلما، وهو يخالف ما ذكره العلماء بهذا الشأن، من أنه كان مسلما. وفي طلب بنفسه المفتاح من عثمان ﵁، والله أعلم.
ومنها: أن ما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن النبي ﷺ لم يفتح الكعبة، يوم فتح مكة؛ وإنما فتحت له، لقوله: فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها٢. وفي حديث ابن عمر السابق من "صحيح مسلم" ما يقتضي أن النبي ﷺ فتح الكعبة بنفسه في يوم الفتح لقوله فيه فجاء به إلى النبي ﷺ ؛ فدفعه إليه ففتح الباب. وفي الخبر السابق من تاريخ الأزرقي عن الواقدي ما يوافق ذلك، لقوله فيه: فلما ناوله إياه فتح الكعبة. وبوب المحب الطبري في "القرى" على حديث ابن عمر ﵄ المشار إليه بقوله: "ما جاء أن النبي ﷺ فتح البيت بنفسه" ... انتهى؛ ولكن في حديث ابن عمر ﵄ السابق في "صحيح البخاري" ما يقتضي خلاف ذلك؛ لأن فيه قال لعثمان: "ائتنا بالمفتاح" فجاءه بالمفتاح، ففتح له، فدخل رسول الله ﷺ ... انتهى. وهذا يوافق ما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم بالصواب.
ومنها: أن ابن إسحاق ذكر دخول النبي ﷺ يوم الفتح، وليس فيما ذكره ما يبين هل طال مكثه ﷺ فيه أو قصر، ولا هل كان البيت مغلقا أو مفتوحا؟ ولا هل كان على الباب أحذ يذب الناس أم لا؟ فأما طول مكثه ﷺ في البيت وإغلاق بابه في يوم الفتح ففي حديث ابن عمر ﵄ السابق من "صحيح البخاري" ما يقتضي ذلك لقوله فيه: ثم أغلقوا عليهم الباب فمكث نهارا طويلا. وفي حديث أسامة بن زيد ﵄ أيضا ما يدل لإغلاق الباب؛ لأن في "سنن النسائي" من حديثه، أنه دخل هو ورسول الله ﷺ ، فأمر لإغلاقه الباب؛ لأن في "سنن النسائي" من حديثه، أنه دخل هو ورسول الله ﷺ ، فأمر بلالا ﵁ فأجاف الباب٣ ... انتهى باختصار. وحديث أسامة هذا يقتضي أن بلالا ﵁ هو الذي أجاف الباب؛
стр. 741
وفي "صحيح مسلم" ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: وحدثني حميد بن مسعدة قال: حدثنا خالد -يعني ابن الحارث- قال: حدثنا عبد الله بن عوف، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه انتهى إلى الكعبة، وقد دخلها النبي ﷺ ، وبلال، وأسامة ﵄، وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب قال كم فمكثوا فيه مليا١ ... انتهى باختصار. وقد سبق بكماله في "الباب التاسع"٢ من هذا الكتاب، وهذا الحديث وإن تكلم الدارقطني في رواية مسلم له؛ فإنما ذلك لأن فيه منا يقتضي أن ابن عمر ﵄ سأل بلالا وأسامة ﵃ عن موضوع صلاة النبي ﷺ في الكعبة، قالوا هاهنا؛ وذلك يقتضي إثبات أسامة ﵁ لصلاة النبي ﷺ ، في الكعبة يوم فتح مكة، وفي الصحيح عنه ما يخالف ذلك. والوهم في ذلك من ابن عون، والله أعلم. وقد أخرج النسائي حديث ابن عون عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث بن ابن عون٣.
وأما وقوف أحد على باب البيت والنبي ﷺ داخلها يوم الفتح لذب الناس عن النبي ﷺ ، فذكر الواقدي ما يقتضيه؛ لأن في الخبر الذي سبق ذكره عنه في "تاريخ الأزرقي" بعد ذكر دخول النبي ﷺ البيت وصلاته فيه: قالوا: ثم خرج رسول الله ﷺ والمفتاح في يده، ووقف على الباب خالد بن الوليد ﵁ يذب الناس عن الباب، حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم٤ ... انتهى.
ومنها: أن كلام ابن إسحاق ليس فيه بيان الموضع الذي جلس فيه النبي ﷺ يوم الفتح بعد طوافه بالبيت، ودخوله بالبيت، ودخوله إليه، وخروجه منه، وخطيته على بابه، لأنه قال بعد ذكره لذلك، ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد٥ ... انتهى.
وهذا يقتضي أن يكون جلس في مؤخر المسجد أو في مقدمه، وقد أفاد في ذلك ابن عقبة ما لم يفده كلام ابن إسحاق مع أمور أخرى صنعها النبي ﷺ في المسجد في هذا اليوم لم يذكرها ابن إسحاق؛ فنذكر كلام ابن عقبة لما فيه من الفائدة، ونص كلامه قال: فلما قضى ﷺ طوافه، وأخرجت الراحلة: سجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: "لولا أن يغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت منها بيدي" ثم انصرف في ناحية المسجد قريبا من مقام إبراهيم، وكان زعموا المقام لاصقا بالكعبة، فأخره رسول الله ﷺ في مكانه هذا، ودعا رسول الله ﷺ بسجل من زمزم، فشرب
стр. 742
وتوضأ، والمسلمون يتبادرون في وضوء ويصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم ويتعجبون ويقولون: ما رأينا ملكا قط بلغ هذا ولا شبيها به ... انتهى.
ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن علي بن أبي طالب ﵁ سأل النبي ﷺ أن يجمع لبني هاشم الحجابة مع السقاية، لأنه قال: فقام إليه علي بن أبي طالب ﵁ ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة، مع السقاية صلى الله عليك وسلم١ ... انتهى.
وذكر الواقدي ما يخالف ذلك لأن الأزرقي قال: وحدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: ثم نزل رسول الله ﷺ ومعه المفتاح، فتنحى ناحية من المسجد، فجلس، وكان قد قبض السقاية من العباس ﵁ وقبض المفتاح من عثمان بن طلحة ﵁، فلما جلس بسط العباس بن عبد المطلب ﵁ يده فقال: بأبي وأمي يا رسول الله، أجمع لنا الحجابة، والسقاية؛ فقال رسول الله ﷺ : "أعطيكم ما ترزؤون فيه، ولا أعطيكم ما ترزؤون منه" ٢ ... انتهى باختصار من أول الخبر وآخره، وقد روينا عن ابن إسحاق في "تاريخ الأزرقي" ما يوافق ما ذكره الواقدي، وقد سبق ذلك في خبر ولاية قصي.
ومنها: أن ابن إسحاق لم يذكر سببا لرد النبي ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، ولا لأخذه منه، وقد ذكر الأزرقي ما يدل للأمرين؛ لأنه قال: وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج؟، عن مجاهد في قوله الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ﵁، حين قبض النبي ﷺ مفتاح الكعبة، ودخل به الكعبة يوم الفتح، فخرج ﷺ وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح، وقال ﷺ : "خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله، لا ينتزعها منكم إلا ظالم" ٣ ... انتهى باختصار.
فهذا يبين سبب دفع المفتاح إلى عثمان ﵁، وأما سبب أخذه فقال: الأزرقي فيه: وحدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، عن أشياخه، فذكر خبرا فيه ما سبق من خروج النبي ﷺ من البيت يوم الفتح والمفتاح في يده، وقول العباس ﵁ للنبي ﷺ : أجمع لنا بين الحجابة والسقاية.
وقول للعباس ﵁: "أعطيكم ما ترزؤون عنه ولا أعطيكم ما ترزؤون منه" ثم قال: "ادع لي عثمان"، فقام عثمان بن عفان ﵁ فقال: ادع لي
стр. 743
عثمان؛ فقام عثمان بن طلحة، وكان رسول الله ﷺ قال لعثمان بن طلحة ﵁ يوما وهو بمكة يدعوه إلى الإسلام، ومع عثمان ﵁ المفتاح؛ فقال ﷺ "لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت" فقال عثمان: لقد هلكت قريش إذا وذلت؛ فقالت رسول الله ﷺ : "بل عمرت وعزت بومئذ يا عثمان" فقال عثمان ﵁: فدعاني رسول الله ﷺ بعد أخذه المفتاح، فذكرت قوله ﷺ ، وما كان قال لي، فأقبلت، فاستقبلته ببشر واستقبلني ببشر١ ... انتهى باختصار. فبان منها سبب رد النبي ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة وأخذه منه في يوم الفتح.
وذكر محمد بن سعيد -كاتب الواقدي- سبب أخذ المفتاح من عثمان ﵁، وفيه ما يقتضي أن الذي وقع بين النبي ﷺ وعثمان من المقال كان عند إرادة النبي ﷺ دخول البيت في الجاهلية، فيه فائدة أخرى ليست في الخبر الذي ذكره الواقدي، وهذا الخبر رويناه في "السيرة" للحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس اليعمري، فيما أخبرني به غير واحد من أشياخي عنه، ولفظه في السيرة المذكورة: وروينا عن عثمان بن طلحة من طريق ابن سعد قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل النبي ﷺ يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فغلظت عليه، ونلت منه، وحلم عني، ثم قال: "يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت" فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت؛ فقال ﷺ : "بل عمرت وعزت يومئذ"، ودخل الكعبة؛ فوقعت كلمته ﷺ مني موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال، وفيه أنه ﷺ قال له يوم الفتح: "يا عثمان ائتني بالمفتاح"؛ فأتيته به، فأخذه مني، ثم دفعه إلي وقال: "خذوها تالدة خالدة ولا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إنا الله استأمنكم على بيته؛ فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف"، قال عثمان: فلما وليت ناداني، فرجعت إليه، فقال ﷺ : "ألم يكن إلى ما قلته لك؟ " قال: فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت؛ فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله٢.
ومنها: أن ابن هشام ذكر ما يقتضي أن النبي ﷺ دخل البيت يوم الفتح، وفيه الصور؛ لأنه قال: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل إلى البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم٣، إلى آخر كلامه السابق، وروينا من حديث ابن عباس ﵄ ما يقتضي خلاف ذلك؛ لأن البخاري قال فيما رويناه عنه: حدثني إسحاق قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أيوب عن عكرمة عن أبن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت
стр. 744
وفيه الآلهة، فأمر بها فاخرجت وأخرجت صورة إبراهيم وإسماعيل، وفي أيديهما الأزلام؛ فقال: "قاتلهم الله، لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط"، ثم دخل فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل، تابعه معمر عن أيوب، قال وهب: حدثني أيوب عن عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم١.
ومنها: أن ابن هشام ذكر ما يقتضي دخول النبي ﷺ الكعبة، وأنه صلى فيها على ما روى ابن عمر عن بلال ﵃ ما يقتضي أن النبي ﷺ لم يصل فيها لما دخلها يوم الفتح، وقد سبق ذلك في الباب التاسع من هذا الكتاب، مع ما قيل من ترجيح رواية بلال ﵁ على رواية من خالفه؛ لكونه أثبت ما لم يثبته غيره، وما قيل من الجمع بين هذا الاختلاف ما فيه كفاية فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.
ومنها: أن كلام ابن هشام يقتضي أن أبا سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام حين أذن بلال يوم الفتح كانوا جلوسا بفناء الكعبة لقوله: وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، جلوس بفناء الكعبة٢.
ومنها: أن كلام ابن هشام يقتضي أن النبي ﷺ خرج على أبي سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، فأخبرهم بما قالوا حين سمعوا أذان بلال ﵁ على الكعبة؛ لأن في خبر ابن هشام: فخرج عليهم النبي ﷺ وقال: "قد علمت الذي قلتم"، ثم ذكر ذلك لهم٣.
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن أبا سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو حين أذن بلال ﵁ فوق الكعبة يوم الفتح، كانوا جلوسا في الحجر، ويقتضي أن النبي ﷺ أعلمه الله بقولهم وهو بالصفا، وأنه ﷺ بعث إليهم واستدعاهم إليه؛ فلما حضروا إليه أخبرهم بما قالوا؛ وذلك يخالف ما ذكره ابن هشام في موضع جلوس من سمع أذان بلال، ومجيء النبي ﷺ إليهم، ونص الخبر الذي ذكره الفاكهي: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عبد الله بن عباس ﵄، قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، ثم خرج يسعى بين الصفا والمروة، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، وصفوان بن أمية، وسهيل بن
стр. 745
عمرو مختبئون في الحجر، فرقي بلال على ظهر الكعبة فأذن بالصلاة ففزع الصبيان، وخرج النساء، وسمعوا شيئا هالهم؛ فقال صفوان بن أمية: لو أن لهذا العبد أحدا. وقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أسيدا أن لا يرى هذا اليوم، وما أسيد قبل ذلك بيسير. قال: وقال سهيل بن عمرو: إنك ظان هذا لغير الله فسيغير، وإن كان من الله ليمضينه. قال: وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لظننت هذا الحصى ستخبر عني قال: فأوحى الله -تعالى- إلى نبيه ﷺ بقولهم -وهو على الصفا يدعو- فقال ﷺ : "علي بالرهط" فلانا، وفلانا، وفلانا، هم في الحجر، قال ذلك لرج من الأنصار؛ فقال الأنصاري: أنا لا أعرفهم يا رسول الله، فابعث معنا من يعرفهم من المهاجرين، فأتى بهم رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان يذكر العهد الذي كان له، ويخاف العذاب؟ فقال رسول الله ﷺ لصفوان: "قلت كذا وكذا" الكلام الذي قال: وقال لعتاب: قال: فعرفهم بالذي قالوا؛ فحسن إسلام عتاب بن أسيد، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وفزع أبو سفيان، وكاد أن يقع، فقال أبو سفيان، أما أن فأسلمت، فأسلم يومئذ، فحسن إسلامه١ ... انتهى.
وهذا الخبر يقتضي أن صفوان بن أمية ﵁ كان جالسا بالحجر يوم فتح مكة، وسمع أذان بلال ﵁ على ظهر الكعبة يوم الفتح، وهذا لا يصح؛ لأن صفوان فر إلى جدة ليركب منها البحر، ولم يرجع إلى مكة إلا بعد أن استأمن له عمير بن وهب وابن عمه، وذهاب عمير إليه بأمان النبي ﷺ له، ورجوعه مع عمير إلى مكة لا يكون في يوم واحد.
وفي "مغازي" ابن عقبة ما يقتضي أن صفوان سأل عميرا حين جاءه، وأخبره بتأمين النبي ﷺ : أن يرجع إلى النبي ﷺ ، وبتأمينه من النبي ﷺ بشيء يعرفه، وأن عميرا جاء إلى النبي ﷺ فأخبره بقول صفوان، فأعطاه النبي ﷺ برد حبرة كان معتجرا به حين دخل مكة، فذاهب عيمر إلى صفوان، فاطمأنت نفسه، وأقبل مع عمير حتى دخل المسجد على رسول الله ﷺ ... انتهى بالمعنى.
ومثل هذا لا يكون يوم ولا في نصف يوم؛ فإن مقتضى الخبر الذي ذكره الفاكهي على تقدير صحة كون صفوان في الحجر حين سمع أذان بلال على الكعبة، أن يكون ذهاب عمير إلى صفوان ومجيئه معه في نصف يوم؛ لأن صفوان لم يقل ما قال إلا حين سمع أذان بلال ﵁ للظهر على الكعبة.
стр. 746
وذكر الأزرقي خبر أذان بلال ﵁ على ظهر الكعبة في يوم الفتح، وفيه ما يخالف بعض ما ذكره الفاكهي فيه، وفيه ما يخالف ما ذكره ابن هشام في كون عتاب بن أسيد ﵁ قال شيئا في أذان بلال ﵁ على الكعبة. وفيه ما يوافق ما ذكره ابن هشام في كون النبي ﷺ جاء إلى أبي سفيان، ومن معه فأخبرهم بقولهم في أذان بلال ﵁؛ وذلك يخالف ما ذكره الفاكهي من أن النبي ﷺ استدعاهم إلى الصفا، وأخبرهم بما قالوا.
وفي الخبر الذي ذكره الأزرقي في أذان بلال ﵁ غير ما في الخبر الذي ذكره الفاكهي، فنذكره لما في ذلك من الفائدة، ولفظه: وأخبرني جدي، عن محمد بن إدريس الشافعي، عن الواقدي، عن أشياخه قال: وحانت١ الظهر يوم الفتح؛ فأمر رسول الله ﷺ بلالا أن يؤذن بالظهر فوق ظهر الكعبة، وقريش فوق رءوس الجبال، وقد اصفرت وجوههم، وتغيبوا خوفا من أن يقتلوا، ومنهم من يطلب الأمان، ومنهم من قد أمن، وأذن بلال، ورفع صوته كأشد مايكون؛ فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله، تقول جويرة بنتأ [ي جهل: قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، ووالله ما نحب من قتل الأحبة أبدا، ولقد جاء إلى أبي الذي كان جاء إلى محمد من النبوة فردها، ولم يرد خلاف قومه، وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي الذي أكرم أبي فلم يسمع بهذا اليوم، وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم، وقال الحارث بن هشام: واثكلاه، ليتني مت قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة. وقال الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث الجلل، أن يصبح عبد بني جمح ينهق على بيت أبي طلحة، وقال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطا لله تعالى فيستغيرهالله تعالى، وقال: أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا؛ لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصى. فأتى جبريل ﵊ رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم؛ فأقبل ﷺ حتى وقف عليهم فقال: "أما أنت يا فلان فقلت: كذا، وأما أنت يا فلان فقلت: كذا"؛ فقال أبو سفيان: أما أن يا رسول الله فما قلت شيئا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ ... انتهى باختصار.
وفي الخبر من المخالفة لما ذكره الفاكهي وابن هشام ما فيه؛ منه أن "خالد بن أسيد" هو القائل لما سمع أذان بلال ﵁ على الكعبة: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع بهذا اليوم، الخبر الذي ذكره ابن هشام والفاكهي يقتضي أن قائل ذلك عتاب بن أسيد، أخو خالد بن أسيد، وهو الذي أسلم عام الفتح٣، على ما ذكر عبد البر٤، وهو معدود في المؤلفة
стр. 747
قلوبهم١، وذكر في ترجمة أخيه عتاب ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: وأما خالد بن أسيد، فذكر محمد بن إسحاق السراج، قال: سمعت عبد العزيز بن معاوية، من ولد عتاب بن أسيد -ونسبه إلى عتاب بن أسيد- يقول: مات خالد بن أسيد، وهو أخو عتاب بن أسيد لأبيه وأمه، يوم فتح مكة، قبل دخول رسول الله ﷺ مكة ... انتهى.
ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن أبا شريح الخزاعي ذكر خطبة النبي ﷺ بمكة يوم الفتح لعمرو بن الزبير بن العوام، لما قدم لقتال أخيه عبد الله بمكة؛ لأنه قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جئته ... انتهى.
وهذا وهم من ابن هشام على ما ذكر السهيلي٢، قال: وصوابه عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، وهو الأشدق، ثم قال عند استدلاله على ذلك: فالصواب إذا عمرو بن سعيد، لا عمرو بن الزبير، وكذا رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق، وهكذا وقع في الصحيحين، ذكر هذا التنبيه على ابن هشام: أبو عمرو ﵀ في كتاب "الأجوبة عن المسائل المستغربة"، وهي مسائل من كتاب "الجامع" للبخاري، تكلم عليها في ذلك الكتاب؛ وإنما دخل الوهم على ابن هشام أو على البكائي في روايته، من أجل أن عمرو بن الزوبر كان معاديا لأخيه عبد الله، ومعينا لبني أمية عليه في تلك الفتنة، والله أعلم ... انتهى.؟
ومنها: أن كلام ابن هشام يقتضي أن فضالة بن عمير الليثي هو القائل للأبيات التي أولها:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام٣
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن قائل ذلك غير فضالة؛ لأنه قال: حدثني حسن بن حسين قال: حدثنا محمد بن أبي السري، عن هشام بن الكلبي، عن أبي عوانة، قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، أشار إلى الأصنام فخرت لوجهها؛ فقال في ذلك رجل يقال له: راشد أبياتا، قال أبو سعيد: هو راشد بن عبد ربه السلمي:
قالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا ... يأبى علي الله والإسلام
لو ما شهدت محمدا، وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى ساطعا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام٤
... انتهى.
стр. 748
وذكر الفاكهي في موضع آخر قبل هذا بيسير، ما يقتضي أن هذه الأبيات لفضالة الليثي، كما هو مقتضى كلام ابن إسحاق، ونص ما ذكره الفاكهي في ذلك: وقال فضالة بن عمير بن الملوح الليثي يذكر كسر الأصنام يومئذ:
لو ما رأيت محمدا وجنوده ... بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أصبح بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام١
ومنها: أن ابن إسحاق ذكر أن عدد من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، بعض القبائل التي كانت مع النبي ﷺ ، ولفظه في هذا الموطن: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف٢، ثم فصلهم.
وذكر موسى بن عقبة ما يخالف ما ذكره ابن إسحاق في عدد المسلمين يوم الفتح؛ لأنه قال: وخرج رسول الله ﷺ كما يقال: في اثني عشر ألفا.
ونقل مغلطاي في "سيرته" عن الحاكم ما يوافق ما ذكره ابن عقبة جزما؛ لأنه قال فيما أخبرت به عنه: وخرج ﷺ من المدينة ومعه عشرة آلاف رجل، وقال الحاكم: اثني عشر ... انتهى.
وذكر الفاكهي عن سعيد بن المسيب ما يوافق ما ذكره ابن عقبة، في عدد من كان مع النبي ﷺ لما خرج لفتح مكة، وسيأتي إن شاء الله تعالى هذا الخبر قريبا في محل يناسبه.
ومنها: أن ابن إسحاق ذكر في عدد من كان مع النبي ﷺ من مزينة في فتح مكة، أنهم ألف وثلاثة نفر٣، وذكر ابن عقبة ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: ويقال: كان معه يوم حنين من مزينة ألف رجل وثمانية نفر ... انتهى. ويبعد أن يقال: محمل كلام ابن إسحاق على من كان مع النبي ﷺ في الفتح، وكلام ابن عقبة على من كان معه في حنين؛ لأن الذين كانوا في حنين هم الذين كانوا في الفتح؛ والله أعلم. ولعل الثمانية في قول ابن عقبة مصحفة بدل ثلاثة؛ فإن ذلك متقارب في النسبة، والله أعلم.
ومنا: أن ابن إسحاق لم يذكر جهينة في القبائل الذين كانوا مع رسول الله ﷺ في فتح مكة وذكرهم ابن عقبة فيهم؛ لأنه قال بعد قوله: وخرج رسول الله ﷺ -كما يقال- في اثني عشر ألفا من المهاجرين والأنصار، ومن طوائف العرب، من أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، ومن بني سليم، وقادوا الخيل ... انتهى.
стр. 749
ومنها: أن كلام ابن إسحاق ليس فيه بيان لعدد من كان مع النبي ﷺ من المهاجرين في فتح مكة.
وذكر الفاكهي خبرا يبين ذلك؛ لأنه قال في "أخبار مكة": حدثنا حسين، حدثنا الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت ابن المسيب يقول: خرج النبي ﷺ من أهل المدينة بثمانية آلاف أو عشرة آلاف، ومن أهل مكة بألفين١ ... انتهى. وهذا هو الخبر الذي أشرنا آنفا أن الفاكهي ذكره، والله أعلم ليلة يقصر الصلاة٢ ... انتهى.
وقد حدث الحافظ علاء الدين مغلطاي في "سيرته" عن الخلاف في مدة مقام النبي ﷺ بمكة بعد فتحها، ما لم أر مثله مجموعا في غير "سيرته"، فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة؛ لأنه قال فيما أخبرت به عنه، بعد أن ذكر خبر فتح مكة، قال: قال البخاري: وأقام بها خمس عشرة ليلة، وفي رواية: تسع عشرة، وفي أبي داود: سبع عشرة، وفي "الترمذي" ثمان عشرة، وفي "الإكليل": أصحها بضع عشرة، يصلي ركعتين ... انتهى.
ورأيت أنا في ذلك غير ما ذكره ابن إسحاق ومغلطاي، وذللاك في كتاب الفاكهي، ونذكر ذلك لما فيه من الفائدة، ونص ما ذكره الفاكهي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن يحيى بن إسحاق قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن قصر الصلاة، فقال: سافرنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة؛ فصلى بنا ركعتين حتى وصلنا؛ فسألته: هل أقام؟ قال: نعم أقمنا بمكة عشرا -يعني زمان الفتح٣ ... انتهى.
والذي نقله مغلطاي عن "الإكليل" هو في "مغازي" موسى بن عقبة؛ لأنه قال: فأقام رسول الله ﷺ بمكة بضع عشر ليلة ... انتهى.
وقد بينا فيما يتعلق بخبر الفتح الذي ذكره ابن إسحاق، وابن هشام، فوائد كثيرة، لا يوجد مجموعها في كتاب. وتتعلق بخبر الفتح المشار إليه مسائل كثيرة من الفقه واللغة العربية، تركنا ذكرها؛ لكونها غير مقصودة بالذكر في هذا التأليف، وخيفة من التطويل، ونسأله الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
стр. 750
الباب السابع والثلاثون:
في ذكر شيء من ولاة مكة المشرفة في الإسلام:
لما فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكة، استخلف عليها عتاب بن أسيد -بفتح الهمزة- ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي، عند مخرجه ﷺ إلى حنين١ في العشر الأوسط من شوال سنة ثمان من الهجرة؛ لأن ابن إسحاق، قال لما ذكر غزوة حنين: واستعمل رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، على مكة، أمير على من تخلف عنه من الناس٢ ... انتهى.
وذكر ابن عقبة ما يوهم خلاف ما ذكره ابن إسحاق في تأميره عتابا ﵁؛ لأنه قال: وكان رسول الله ﷺ حين خرج إلى حنين استخلف معاذ بن جبل الأنصاري، ثم السلمي ﵁ على أهل مكة، وأمره ﷺ أن يعلم الناس القرآن، ويفقههم في الدين، ثم قال: ثم صدر رسول الله ﷺ عائدا إلى المدينة، وخلف معاذ بن جبل ﵁ في أهل مكة ... انتهى.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن الطبري ما يوهم خلاف ذلك أيضا؛ لأنه قال: هبيرة شبل بن العجلان بن عتاب الثقفي، هو أول من صلى بمكة جماعة بعد الفتح؛ أمره النبي ﷺ بذلك، وكان إسلامه بالحديبية واستخلفه رسول الله ﷺ على مكة؛ إذ سار إلى الطائف فيما ذكره الطبري٣ ... انتهى.
стр. 751
وذكر ابن ماكولا نحو ما ذكره ابن عبد البير، وعزاه إلى الكلبي١.
وذكر ابن عبد البر ما يوافق ما ذكره ابن إسحاق في ترجمة عتاب ﵁.
وما ذكره ابن إسحاق، في تأمير النبي ﷺ لعتاب ﵁ على مكة هو المعروف؛ لكون جماعة من أهل الأخبار ذكروا ذلك، وسيأتي ذلك عن بعضهم٢. وسبق ما يدل لذلك في باب فضل أهل مكة وهو الباب السادس.
وذكر مغلطاي ما يوضح تاريخ تأميره ﷺ لعتاب على مكة، أكثر مما سبق؛ لأنه قال في "سيرته": ثم خرج ﷺ لست ليال خلون من شوال، ويقال: لليلتين بقيتا من رمضان إلى حنين ... انتهى.
وأفاد السهيلي شيئا يستغرق في سبب تولية النبي ﷺ لعتاب ﵁ على مكة؛ لأنه قال: وقال أهل التعبير: رأى رسول الله ﷺ في المنام أسيد بن أبي العيص واليا على مكة مسلما، فمات على الكفر، وكانت الرؤيا لولدة عتاب حين أسلم، فولاه رسول الله ﷺ مكة، وهو ابن أحد وعشرين سنة ... انتهى.
وذكر الأزرقي ما يوهم أن لتولية النبي ﷺ عتابا ﵁ على مكة سببا غير السبب الذي ذكر السهيلي؛ لأنه قال: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد المكي قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: إن النبي ﷺ قال: "لقد رأيت أسيدا في الجنة وأنى يدخل أسيد الجنة"؛ فعرض له عتاب بن أسيد فقال: "هذا الذي رأيت، ادعوه لي" فدعى له، فاستعلمه ﷺ يومئذ على مكة، ثم قال لعتاب: "أتدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل الله، فاستوص بهم خيرا، يقولها ثلاثا" ٣ ... انتهى.
ويمكن أن يجمع بين ما قال ابن إسحاق وغيره، من تأمير النبي ﷺ لعتاب ﵁ على مكة، وبين ما ذكره عقبة والطبري، بأن يكون النبي ﷺ جعل عتابا ﵁ أمير مكة، ومعاذ ﵁ في الإمامة "هبيرة" المذكور، ولا يعارض ذلك ما قيل في ترجمة هبيرة ﵁ من أنه أول من صلى بمكة جماعة بعد الفتح، لإمكان أن يكون حان وقت الصلاة وهبيرة حاضر من الناس، ومعاذ ﵁ غير حاضر، لشغل عرض له، فبادر هبيرة ﵁ فصلى بالناس، لتحصيل فضيلة أول الوقت، والله أعلم.
стр. 752
ويحتمل أن هبيرة ﵁ كان يصلي بالناس قبل معاذ ﵁، ثم يصلي معاذ بمن لم يدرك الصلاة خلف هبيرة والله أعلم. وأهل أولى من جعل الأخبار متعارضة في ولاية عتاب. وكان من أمره في ولاية مكة ما ذكره الزبير بن بكار؛ لأنه قال: استعمل النبي ﷺ عتابا على مكة، ومات رسول الله ﷺ وعتاب عامله على مكة ... انتهى.
وذكر ابن عبد البر ما ذكره الزبير، وزاد عليه في مدة ولايته؛ لأنه قال: أسلم يوم فتح مكة، واستعمله النبي ﷺ على مكة يوم الفتح، في حين خروجه إلى حنين؛ فأقام للناس الحج في تلك السنة، وهي سنة ثمان. وحج المشركون على ما كانوا عليه. ثم قال: فلم يزل عتاب أمير على مكة، حتى قبض رسول الله ﷺ ، وأقره أبو بكر ﵁؛ فلم يزل عليها إلى أن مات، وكانت وفاته فيما ذكر الواقدي يوم مات أبو بكر الصديق ﵁ وقال محمد بن سلام وغيره: جاء نعي أبي بكر الصديق ﵁ إلى مكة يوم دفن عتاب بن أسيد ﵁ بها ... انتهى.
وذكر ابن عبد البر ما يخالف ما ذكره في ولاية عتاب على مكة، في خلافة أبي بكر ﵁؛ لأنه قال في ترجمة الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي الهاشمي، بعد أن ذكر شيئا من حاله عن مصعب الزبيري، والواقدي، وقال غيرهما: ولي أبو بكر الصديق ﵁ الحارث بن نوفل ﵁ مكة، ثم انتقل إلى البصرة من المدينة١ ... انتهى باختصار.
ورأيت في "مختصر تاريخ ابن جرير" أن عتاب بن أسيد كان على مكة في سنة أربع عشرة٢، وخمس عشرة٣، وست عشرة٤، وسبع عشرة٥، وثمان عشرة٦، وتسع عشرة، وكل ذلك وهم، ذكرناه للتنبيه عليه، والله أعلم.
ورأيت في "تاريخ ابن الأثير" ما يقتضي أنه كان على مكة في سنة أربع عشرة٧، وخمس عشرة٨، وكل ذلك وهم ذكرناه للتنبيه عليه، والله أعلم.
стр. 753
وممن ولي مكة في خلافة الصديق ﵁: المحرز بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، في سفرة سافرها عتاب، على ما ذكر ابن عبد البر١ ﵀.
ثم وليها المحرز المذكور لعمر بن الخطاب ﵁، في أول ولاية عمر ﵁، على ما ذكر ابن عبد البر أيضا، وذكر ابن حزم ولايته على مكة لعمر ﵁.
وذكر الزبير بن بكار ولايته على مكة بعد عتاب ﵁.
ثم ولي مكة في خلافة عمر ﵁: قنفذ بن عمير بن جدعان التيمي، بعد عزل المحرز، على ما ذكر ابن عبد البر٢.
ثم وليها نافع بن عبد الحارث الخزاعي، بعد عزل قنفذ، على ما ذكر ابن عبد البر أيضا٣.
ثم وليها لعمر ﵁: خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي بعد عزل نافع.
ورأيت في "الكامل" لابن الأثير ما يقتضي أن نافع بن عبد الحارث كان على مكة في سنة ثلاث وعشرين٤، ولا أدري هل هذه السنة أول ولايته بمكة؟ ولا متى انقضت ولايته عنها، والله أعلم.
وممن ولي مكة في خلافة عمر ﵁: طارق بن المرتفع٥ بن الحارث بن عبد مناة، على ما ذكره الفاكهي؛ وعبد الرحمن بن أبزي الخزاعي٦ مولى خزاعة، نيابة عن مولاة نافع بن عبد الحارث، لما لقي نافع عمر بن الخطاب ﵁ بعسفان٧، وأنكر عمر ﵁: إنه قارئ، لكتاب الله، عالم بالفرائض، وفي رواية: أن نافعا قال لعمر ﵁ لما أنكر عليه استخلافه عليه استخلافه ابن أبزى هذا على أهل مكة: إني وجدته أقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم بدين الله تعالى، ولذلك سكن غيظ عمر
стр. 754
-﵁ على نافع، وخبر توليته لابن أبزى، وما كان ببنه وبين عمر من المقال المشار إليه مذكور في تاريخ الأزرقي وغيره١.
وممن ولي مكة لعمر ﵁ على ما قيل: الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب القرشي الهاشمي المقدم ذكره؛ لأنا الزبير، قال في ترجمته: وذكر أن أبا بكر ﵄ استعمله على مكة٢ ... انتهى.
ورأيت في "تاريخ الإسلام" للذهبي ما يقتضي الجزم بولاية الحارث هذا على مكة لأبي بكر وعمر ﵄؛ لأنه قال في ترجمته: له صحبة، واستعمله النبي ﷺ على بعض صدقات مكة، وبعض أعمال مكة، ثم استعمله أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ على مكة١ ... انتهى، والله أعلم بالصواب.
ثم ولي مكة: علي بن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي؛ ولاه عليها عثمان بن عفان ﵁ حين ولي الخلافة، على ما ذكر ابن عبد البر٣.
وذكر ابن حزم ولايته على مكة لعثمان ﵁، ولم يقل كما قال ابن عبد البر أنه ولاه مكة حين ولي الخلافة، ثم ولي مكة خالد بن العاص المخزومي المقدم ذكره لعثمان أيضا، على ما ذكره ابن عبد البر، ذكر ما يقتضي أنه أقام على ولاية مكة إلى أن عزله علي بن أبي طالب ﵁ وسيأتي هذا قريبا.
وممن ولي مكة لعثمان ﵁: الحارث بن نوفل السابق ذكره، كما ذكره الذهبي.
وممن ولي مكة لعثمان ﵁ فيما ذكر الفاكهي: عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي ابن أخي عتاب بن أسيد ﵁ المقدم ذكره٤.
وممن ولي مكة لعثمان ﵁: عبد الله بن عامر الحضرمي على ما ذكره ابن الأثير٥، وذكر أنه كان عامل عثمان ﵁ على مكة في سنة خمس وثلاثين.
стр. 755
وذكر في أخبار هذه السنة ما يشعر أنه كان على مكة وقت قتل عثمان ﵁؛ لأنه ذكر أن عائشة ﵂، لما توجهت من مكة عبد الحج في هذ السنة، بلغها قتل عثمان ﵁، فرجعت إلى مكة وحرضت على الطلب بدمه؛ فقال لها عبد الله بن عامر العامري الحضرمي، وكان عامل عثمان ﵁ على مكة: ها أنذا أول طالب؛ فكان أول مجيب، وتبعه بنو أمية على ذلك ... انتهى بالمعنى، وهذا يشعر بخلاف ما ذكره ابن عبد البر من أن خالد بن العاص لم يزل على مكة إل أن عزله علي ﵁ في أول خلافته.
وممن ولي مكة لعثمان ﵁ على ما قيل: نافع بن عبد الحارث الخزاعي السابق ذكره؛ لأن الزبير ذكر أنه كان على مكة في سنة ثلاث وعشرين عاملا لعمر ﵁، وأن عمر ﵁ لما طعن في هذه السنة أوصى أن تقر عماله سنة، فأقر عثمان ﵁ عمال عمر ﵁ سنة على ما قيل؛ فعلى هذا يكون نافع عاملا على مكة لعثمان ﵁، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة علي بن أبي طالب ﵁: أبو قتادة الأنصاري ﵁، فارس رسول الله ﷺ ، الحارث بن ربعي، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل غير ذلك.
ثم قثم العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ ، بعد عزل أبي قتادة الأنصاري ﵁، على ما ذكر ابن عبد البر١؛ لأنه قال في ترجمة قثم هذا: وكان قثم بن العباس واليا لعلي بن أبي طالب ﵁ على مكة، وذلك أن علي بن أبي طالب ﵁ لما ولي الخلافة، عزل خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي عن مكة، وولاها أبا قتادة الأنصاري ﵁، ثم عزله وولي قثم بن العباس ﵄، فلم يزل واليا عليها حتى قتل على بن أبي طالب ﵁، هذا قول خليفة٢ ... انتهى.
وذكر ابن الأثير ما يوافق ما ذكره خليفة في ولاية قثم ﵁ لمكة، في خلافة علي ﵁، وذكر ما يقتضي أن ولايته في سنة ست وثلاثين، وأنه ولي مع مكة الطائف، وما اتصل بمكة٣.
стр. 756
وممن ولي مكة لعلي ﵁، على ما قيل: معبد بن العباس بن العباس بن عبد المطلب أخو قثم السابق؛ ذكر ذلك ابن حزم في "الجمهرة"١؛ لأنه قال لما ذكر أولاد العباس: ومعبد ولي مكة لعلي ﵁ وقال قبل ذلك: وقثم ولي المدينة لعلي؛ وما ذكره ابن حزم في بيان معبد يخالف ما ذكره خليفة، وأما ما ذكره في شأن قثم فلا؛ لإمكان أن يكون علي ﵁ جمع لقثم بين ولاية المدينة ومكة. ويصح تعريفه بأنه ولي المدينة، والله أعلم.
ورأيت في نسخه من "الثقات" لابن حبان ما صورته: قتادة بن ربعي له صحبة، كان عمل علي ﵁ بمكة ... انتهى، وهذا -والله أعلم- أبو قتادة السابق ذكره، وسقط في النسخة التي رأيتها من "الثقات"، وإنما ذكرنا ذلك؛ لأن أبا قتادة ولي مكة لعلي ﵁ كما سبق. ولم أر في الصحابة من اسمه قتادة بن ربعي، والله أعلم.
ورأيت في "الكامل" لابن الأثير في أخبار سنة ست وثلاثين ذكر وفاة المحرز بن حارثة السابق، ثم قال: واستعمله علي ﵁ على مكة، ثم عزله ... انتهى، وعلي تصحيف؛ لأن عمر ﵁ الذي ولاه وعزله كما سبق٢، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁ جماعة، لا أعرف من أولهم في الولاية، منهم: عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأموي٣، وولايته على مكة لمعاوية ذكرها الفاكهي.
ومنهم: خالد بن العاص بن هشام المخزومي المقدم ذكره، ورأيت في "الكامل"٤ لابن الأثير أنه ولي مكة في سنة اثنتين وأربعين، وذكر ما يقتضي أنه كان على مكة في سنة ثلاث وأربعين أيضا. ورأيت في "مختصر ابن جرير الطبري"٥، ما يقتضي أنه كان على مكة في سنة ثلاث وأربعين أيضا. ورأيت في "مختصر ابن جرير الطبري"٦ ما يقتضي أنه كزان على مكة في سنة خمس وأربعين، وفي ست وسبع وثمان وأربعين، وفي سنة ثلاث وأربعين أيضا.
ومنهم: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أبو عبد الملك، على ما ذكر ابن عبد البر؛ لأنه قال في ترجمته: وكان معاوية لما صار الأمر إليه ولاه المدينة، ثم جمع له إلى المدينة: مكة، والطائف. ثم عزله عن المدينة،
стр. 757
سنة ثمان وأربعين١، انتهى. وفي هذا إشعار بأن ولايته لمكة قبل سنة ثمان وأربعين، والله أعلم.
ومنهم: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي، الأموي، أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن، أحد أشراف قريش وأجودها، وفصحائها، ذكر ما يدل على لولايته على مكة صاحب "العقد" ابن عبد ربه؛ لأنه قال في الفضل الذي ذكره فيه الخطب عن العتبي، قال: استعمل سعيد بن العاص وهو والي المدينة ابنه عمرو بن سعيد على مكة٢ ... انتهى.
ومنهم: عمر بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص القرشي الأموي المعروف بالأشدق٣، ولد سعيد المقدم ذكره، وولايته على مكة لمعاوية٤ ذكرها الفاكهي، وذكر ما يقتضي أنها في حياة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄. وعلى هذا فتكون ولايته في أوائل عشرة الستين من الهجرة؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ مات في سنة ثلاث وخمسين من الهجرة في قول الأكثرين٥، والله أعلم. وولايته لمعاوية على مكة ذكرها ابن الأثير؛ لأنه قال في أخبار سنة ستين من الهجرة: لما ولي يزيد بن معاوية، كان على مكة: عمرو بن سعيد بن العاص٦ ... انتهى.
وممن ولي مكة لمعاوية: عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص القرشي المقدم ذكره. وولايته على مكة لمعاوية ذكرها الفاكهي، وذكر الأزرقي ما يفهم ذلك، ويفهم تاريخ ولايته؛ لأنه ذكر خبرا فيه ما يقتضي أن معاوية بن أبي سفيان اشترى دار الندوة من بعض بني عبد الدار؛ فجاء شيبة بن عثمان فقال له: إن لي فيها حقا، فأخذتها بالشفعة، فقال له معاوية ﵁ دار الندوة، وخرج من بابها الآخر، مسافرا وشيبة لا يشعر به، وفيه بعهد ذلك ما نصه: خرج إليه والي مكة عبد الله بن خالد بن أسيد، فقام إليه شيبة وقال: فأين أمير المؤمنين؟ قال: راح إلى الشام، قال شيبة: والله لا كلمته أبدا٧ ... انتهى.
стр. 758
وكانت هذه القصة في حجة معاوية ﵁ الأولى؛ لأن في الخبر المشار إليه: فلما حج معاوية ﵁ حجته الثانية؛ فذكر قصة بني شيبة ومعاوية ﵁، وملخصها أنه لم يفتح له الكعبة لمنا سأله معاوية ﵁ في ذلك، وبعث إليه حفيده شيبة بن جبير بن شيبة بين عثمان، ففتح له الكعبة، وكانت حجة معاوية ﵁ الأولى سنة أربع وأربعين، على ما ذكر العتيقي في "أمراء الموسم". وحجته الثانية في سنة خمسين على ما ذكر العتيقي أيضا، وقيل في حجته الثانية غير ذلك. فاستفدنا مما ذكر العتيقي في حجة معاوية ﵁ الأولى: أن عبد الله بن خالد بن أسيد كان على مكة في سنة أربع وأربعين١، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة يزيد بن معاوية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان جماعة، وهم: عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق المقدم ذكره، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي، وعثمان بن محمد بن أبي سفيان بن حرب الأموي، والحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي المقدم ذكر والده، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي ابن أخي عمر بن الخطاب ﵁، ويحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي.
فأما ولاية عمرو بن سعيد الأشدق فذكرها ابن جرير٢؛ لأنه ذكر في أخبار سنة ستين من الهجرة، أن عمرو بن سعيد حج بالناس فيها، وهو على مكة والمدينة، وأن يزيد بن معاوية ولاه بالمدينة، بعد أن عزل عنها الوليد بن عتبة، في شهر رمضان، وذكر ابن الأثير مثل ما ذكر ابن جرير بالمعنى، وذكر أن عمرو بن سعيد قدم المدينة لما بينهما من العداوة، وأنيس بن عمرو الأسلمي، في جيش نحو ألفي رجل؛ فقتل أنيس بذي طوى قتله أصحاب ابن الزبير بمكة، وأسروا عمرو بن الزبير، فأقاد منه أخوه عبد الله الناس بالضرب، كما صنع بهم في المدينة، حتى مات عمرو تحت السياط٣.
وأما ولاية الوليد بن عتبة فذكرها ابن الأثير٤ وذكر سببها، وملخص ذلك: أن يزيد أتهم عمرو بن سعيد بمداهنة ابن الزبير؛ فإنه أظهر العصيان على يزيد بعد قتل الحسين بن علي ﵄ بالعراق وبويع بعد ذلك ابن الزبير بمكة. وقيل
стр. 759
ليزيد: لو شاء عمرو بن سعيد سرح إليك ابن الزبير؛ فعزل يزيد عمرا وولي مكانه الوليد، فقدم الوليد مكة، وأقام يريد غرة ابن الزبير، فلا يجده إلا محترزا ممتنعا، وكان ذلك في سنة إحدى وستين، وذكر ابن جرير نحو ذلك مختصرا بالمعنى.
وأما ولاية عثمان فذكرها ابن الأثير وذكر سببها، وملخص ذلك أن الزبير كتب إلى يزيد في أمر الوليد يقول له: إنك بعثت إلينا رجلا أخرق، لا يتجه لرشد، ولا يرعوي لعظة١؛ فلو بعثتن رجلا سهل الخلق، رجوت أن يسهل من المور ما استوعر منها، وأن يجمع مال تفرق؛ فعزل يزيد الوليد وولي عثمان، وذلك في سنة اثنتين وستين٢. وذكر ابن جرير نحو ذلك مختصرا بالمعنى٣.
وأما ولاية الحارث بن خالد وعبد الرحمن بن يزيد المذكورين، فذكر خليفة بن خياط فيما حكي عنه الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيبه" أن يزيد لما عزل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عن مكة، ولاها الحارث بن خالد، ثم عزله، وولي عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ثم عزل عبد الرحمن وأعاد الحارث فمنعه ابن الزبير الصلاة، فصلى بالناس مصعب بن عبد الرحمن بن عوف٤ ... انتهى.
وأما ولاية يحيى بن حكيم٥ فذكرها الزبير بن بكار مع ولاية الحارث أيضا؛ لأنه قال: فولد حكيم بن صفوان يحيى بن حكيم٦ ولي مكة ليزيد بن معاوية وكان عبد الله بن الزبير مقيما معه بمكة، لم يعرض له يحيى بن حكيم؛ فكتب الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة يذكر له مداهنة يحيى بن حكيم لعبد الله بن الزبير، فعزل يزيد، يحيى بن حكيم، وولي الحارث بن خالد مكة، فلم يدعه "ابن الزبير" يصلي بالناس، وكان الحارث يصلي في جوف داره بمواليه ومن أطاعه من أهله، وكان مصعب بن عبد الرحمن يصلي بالناس في المسجد الحرام، بأمر عبد الله بن الزبير، فلم يزل كذلك حتى وجه يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير: مسلم٧ بن عقبة، فبويع عبد الله بن الزبير بالخلافة بالنسا بمكة٨ ... انتهى.
ثم ولي مكة عبد الله بن الزبير ﵁، بعد أن لقي في ذلك عناء شديدا، سببه أن يزيد بن معاوية لما طرد أهل المدينة عامله عثمان بن محمد بن أبي
стр. 760
سفيان وغيره من بني أمية، إلى ولد عثمان بن عفان ﵁ بعث إليهم مسلم بن عقبة المري، وسمي مسرفا لإسرافه في القتل بالمدينة. وبعث معه اثني عشر ألفا، فيهم: الحصين بن نمير السكوني، وقيل: الكندي، ليكون على العسكر إن عرض لمسلم موت؛ فإنه كان عليلا؛ في بطنه الماء الأصفر، وأمر يزيد مسرفا إذا بلغ المدينة أن يدعوا أهلها ثلاثا، فإن أجابوه وإلا قاتلهم، فإذا ظهر عليهم أباحها ثلاثا، ثم يكف عن الناس ويسير إلى مكة لقتال ابن الزبير؛ فلما بلغ "مسلم" المدينة بمن معه، التقى مع أهلها بظاهر المدينة، فاقتتلوا، فقتل من أولاد المهاجرين ما يزيد عن ثلاثمائة نفر وجماعة من الصحابة، ودخل المدينة وأباحها ثلاثا، وكانت الوقعة بمكان يقال له: الحرة، وأقام لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة، ثم سار إلأى مكة؛ فلما كان بالمشلل١ مات، وقيل مات بثنية هرشي٢، بعد أن قدم على عسكره: "الحصين بن نمير"، فسار "الحصين" حتى بلغ مكة، لأربع بقين من المحرم سنة أربع وستين، وقد بايع أهل مكة والحجاز وغيرهم ابن الزبير، وأجمعوا عليه، وانضم إليه من انهزم من أهل المدينة، وكان قد بلغه خبر أهل المدينة مع مسلم هلال المحرم سنة أربع وستين، مع المسور بن مخرمة، فلحقه منهن أمر عظيم، واعتد هو وأصحابه واستعدوا للقتال، وقاتلوا الحصين أياما، وتحصن ابن الزبير وأصحابه في المسجد وحول الكعبة، وضرب أصحاب ابن الزبير في المسجد خياما ورقاقا يكتنون بها من حجارة المنجنيق، ويستظلون فيها من الشمس، وكان الحصين بن نمير قد نصب المنجنيق على أبي قبيس، وعلى الأحمر؛ فكان يمريهم بالحجارة، وتصيب الحجارة الكعبة فتوهنت، ودامت الحرب بينهم إلى أن فرج الله على ابن الزبير وأصحابه، بوصول نعي يزيد معاوية، وكان وصول نعيه ليلة الثلاثاء، لثلاث مضين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين، وبلغ نعيه ابن الزبير قبل أن يبلغ الحصين، وبعث إلى الحصين من يعلمه بذلك، ويحسن له ترك القتال، ويعظم إليه أمر الحرام، وما أصاب الكعبة؛ فمال إلى ذلك، وأدبر إلى الشام لخمس ليال خلون من ربيع الآخر سنة أربع وستين، بعد أن اجتمع بابن الزبير في الليلة التي تلي اليوم الذي بلغه فيه نعي يزيد، وسأله ابن الزبير في أن يبايع له هو ومن معه من أهل الشام، على أن يذهب معهم أبن الزبير إلى الشام ويؤمن النساء، ويهدر الدماء التي كانت بينهم وبين أهل الحرم، فأبى ابن الزبير ذلك٣.
стр. 761
وبويع ابن الزبير بعد رحيل الحصين عن مكة بالخلافة بالحرمين، ثم بويع بها في العراق، واليمن، وغير ذلك، حتى كاد تجتمع الأمة عليه؛ فولي في البلاد التي بويع له فيها العمال، ودامت ولايته على مكة إلى أن قتله الحجاج -قاتله الله- في جمادى الأولى، وقيل: يوم الثلاثاء من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، عن ثلاث وسبعين سنة، وبعد أن حاصره الحجاج بمن معه أزيد من نصف سنة، وهو ينتصف منهم، ويفضل عليهم في الغلب؛ لأنه كان نهاية في الشجاعة، وكذا في العبادة. وكان في اليوم الذي قتل فيه حمل على أهل الشام لما دخلوا عليه في أبواب المسجد، حتى أبلغهم الحجون. ولم يقتل حتى أدهش بآجرة رمي به وجهه ودمي؛ فعند ذلك تعاونوا عليه تعاونوا عليه وقتلوه. ولم يقتل إلا بعد أنلم يبق معه من أصحابه إلا اليسير لميلهم، عنه إلى الحجاج، وأخذهم الأمان من الحجاج، وكان ممن فعل ذلك ابناه: حمزة: وحبيب. وكان ابتداء حصار الحجاج له في ذي القعدة سنة اثنين وسبعين، وكان الحجاج في حال محاصرته لابن الزبير يرمي الكعبة بالمنجنيق من أبي قبيس، لكون ابن الزبير كان مكتنا في المسجد، وكان الحجاج نازلا ببئر ميمون، ومعه طارق بن عمرومولى عثمان، وكان عبد الملك قد أمد الحجاج بطارق، لما سأله النجدة على ابن الزبير؛ فقدم طارق في ذي الحجة، ومعه خمسة آلاف. وكان مع الحجاج ألفان -وقيل: ثلاثة- من أهل الشام، وكان الحجاج لما وصل من عند عبد الملك نزل الطائف؛ فكان يبعث منه خيلا إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير خيلا إلى عرفة، فيقتتلون بها، فتهزم خيل ابن الزبير، وتعود خيل الحجاج بالظفر، ثم استأذن عبد الملك في منازلة ابن الزبير، فأذن له؛ فكان من الأمر ما كان.
وكان حصار الحجاج لابن الزبير ستة أشهر وسبع عشرة ليلة، على ما ذكر ابن جرير١، وصلب ابن الزبير بعد قتله منكسا على الثنية اليمنى بالحجون، وبعث رأسه إلى عبد الملك بن مروان، فطيف به في البلدان.
وولي مكة لابن الزبير في خلافته الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي، على ما ذكر ابن عبد البر؛ لأنه قال في ترجمته: واستعمل ابن الزبير الحارث بن حاطب على مكة سنة ست وستين. وقيل: إنه كان يلي المساعي أيام مروان٢ ... انتهى.
ثم ولي مكة لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير جماعة، وهم: ابنه مسلمة بن عبد الملك، والحجاج بن يوسف الثقفي، والحارث بن خالد المخزومي -المقدم ذكره- وخالد بن عبد الله القسري، وعبد الله بن سفيان المخزومي،
стр. 762
وعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي، ونافع بن علقمة الكناني، ويحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي.
فأما ولاية الحجاج: فمشهورة، ذكرها غير واحد، ودامت إلى سنة خمس وسبعين. وولي مع مكة: المدينة، والحجاز، وقد ذكر ابن جرير ما يدل لذلك، ولمنتهى ولايته على الحجاز؛ لأنه ذكر في أخبار سنة أربع وسبعين أنه كان ولي على مكة والمدينة، وذكر في أخبار سنة خمس وسبعين أنه ولي العراق، وعزل عن الحجار، وذكر أنه انصرف إلى المدينة في صفر من سنة أربع وسبعين، وأقام بها ثلاثة أشهر، وأنه حج بالنسا في هذه السنة١.
وأما ولاية الحارث بن خالد المخزومي؛ فذكر الزبير بن بكار ما يشهد بذلك؛ لأنه قال بعد أن ذكر تولية يزيد بن معاوية له على مكة، ومنع ابن الزبير له من الصلاة: ولم يزل معتزلا لابن الزبير حتى ولي عبد الملك بن مروان؛ فولاه مكة ثم عزله، فقدم عليه في دمشق، ولم ير عنده ما يحب فانصرف عنه، وقال في ذلك شعرا٢ ... انتهى.
وأما ولاية خالد بن عبد الله القسري: ففي "تاريخ الأزرقي" ما يدل لذلك؛ لأنه روى بسنده أن جده عقبة بن الأزرق بن عمرو الغساني كان يضع على طرف دالره مصباحا عظيما، فيضيء لأهل الطواف وأعلى المسجد، ثم قال: فلم يزل ذلك المصباح على حرف الدار، حتى كان خالد بن عبد الله القسري؛ فوضع مصباح زمزم مقابل الركن الأسود في خلافة عبد الملك بن مروان، فمنعنا أن نضع ذلك المصباح٣. وذكر في الترجمة التي ترجم عليها: "أول من أدار الصفوف حول الكعبة" ما يدل لذلك؛ لأنه روى فيها عن جده، عن عبد الرحمن بن حسن الأزرقي قال: فلما ولي خالد بن عبد الله القسري لعبد الملك بن مروان، فذكر إدارته للصفوف، والمعروف أن خالدا ولي مكة للوليد، وسليمان، ولدى عبد الملك بن مروان، والله أعلم. ويبعد أن يقال: لعل الأزرقي سها فيما ذكره من ولاية خالد لعبد الملك، لكونه كرر ذلك في غير موضع٤، والله أعلم.
وخالد القسري هو الذي حفر البئر التي ساق منها الماء، حتى أخرجه في المسجد الحرام عند زمزم، ليضاهي به زمزم، وحكي عنه في تفضيله على زمزم، وتفضيل الخليفة الذي أمره بذلك ما يستشبع ذكره، وقيل: إن ذلك لا يصح عنه، والله أعلم.
стр. 763
وأما ولاية عبد الله بن سفيان المخزومي: فذكر الأزرقي ما يدل لها؛ لأنه قال لما ذكر سيل الجحاف: وكان سيل الجحاف سنة ثمانين في خلافة عبد الملك، وذكر خبرا فيه؛ فكتب في ذلك إلى عبد الملك بن مروان، ففزع لذلك، وبعث بمال عظيم، وكتب عامله على مكة عبد الله بن سفيان المخزومي -ويقال: بل كان عامله الحارث بن خالد المخزومي- يأمره بعمل ضفائر الدور الشارعة على الوادي١ ... انتهى.
وما عرفت نسب عبد الله بن سفيان هذا؛ إلا أني لم أر له ذكرا في غير تاريخ الأزرقي٢، وعلى ما ذكر في تاريخ الجحاف، وكتابة عبد الملك لعامله على مكة عبد الله أو الحارث المشار إليهما، بكون ولاية من كان واليا عبد الملك لعامله على مكة عبد الله أو الحارث المشار إليهما بكون ولاية من كان واليا فيهما في سنة ثمانين، وفي التي بعدها؛ لأن سيل الجحاف كان في زمن الحج، وما يصل خبره لعبد الملك، ويصل أمره ببناء ضفائر الدور إلا في سنة إحدى وثمانين، والله أعلم.
وأمام ولاية عبد العزيز فذكرها الزبير بن بكار؛ لأنه قال: واستعمل عبد الملك بن مروان عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، على مكة٣ ... انتهى.
ورأيت في كتاب "الكمال" لعبد الغني المقدسي، ما يوافق ذلك؛ ولكنه لم يحكه إلا بصيغة التمريض؛ لأنه قال: ولي مكة لسليمان بن عبد الملك، قيل: إنه وليها لعبد الملك أيضا ... انتهى.
وأما ولاية نافع بن علقمة الكناني، ويحيى بن الحكم؛ فذكر الزبير بن بكار ما يشهد لذلك٤، وفي ذلك طول اختصرناه، ولأنا في الغالب لا نستدل إلا على ما يستغرب، أو يقع فيه اختلاف، وولاية مسلمة بن عبد الملك حكاها ابن قتيبة في "الإمامة والسياسة"٥، وكلامه صريح في أنه وليها لأبيه، وأن خالدا القسري وليها أيضا لعبد الملك٦؛ لأنه قال: وذكروا أن مسلمة بن عبد الملك كان واليا على مكة؛ فبينا هو يخطب على المنبر، إذ أقبل خالد بن عبد الله القسري من الشام واليا عليها، فدخل المسجد؛ فلما قضي مسلمة خطبته صعد خالد المنبر، فلما ارتقى في الدرجة الثانية تحت مسلمة أخرج طومارا ففضه، ثم قرأه الناس فإذا فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة، أما بعد فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلا؛ فإنما هو القتل لا غيره، وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير والسلام".
стр. 764
ثم التفت إليهم خالد فقال: والذي يحلف به، ويحج إليه، لا أجده في دار أحد إلا قتلته، وهدمت داره، ودار كل من جاوره، واستبحت حرمه. وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام، ثم نزل ودعا مسلمة برواحله، ولحق بالشام. فأتى رجل إلى خالد، فقال له: إن سعيد بن جبير بوادي كذا، من أودية مكة، مختفيا بمكان كذا؛ فأرسل خالد في طلبه، فأتاه الرسول، فلما نظر إليه قال لي: إنني أمرت بأخذك، وأتيت لأذهب بك، وأعوذ بالله من ذلك، فألحق بأي بلد شئت. وأنا معك. فقال سعيد بن جبير: ألك هاهنا
أهل وولد؟ قال: نعم قال: إنهم يؤخذون بعدك، وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني. قال: وإني أكلهم إلى الله ، قال سعيد: لا يكون هذا؟ فأتى به إلى خالد فشدجه وثاقا ثم بعث به إلى الحجاج؛ فقال له رجل من أهل الشام: إن الحجاج قد أنذر به وأشعر قبلك، فما عرض له، فلو جعلته بينك وبين الله تعالى، لكان أزكى من كل عمر يتقرب به إلى الله . قال خالد -وظهره إلى الكعبة وقد استند إليها: والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى إلا بنقض هذا البيت حجرا لنقضته في مرضاته.
وممن ولي مكة لعبد الملك بن مروان فيما أظن: هشام بن إسماعيل المخزومي؛ لأن الفاكهي ذكر ما يدل لولايته لها؛ إلا أنه لم يصرح بأنه ولي مكة لعبد الملك بن مروان، وولايته لها؛ إلا أنه لم يصرح بأنه ولي مكة لعبد الملك بن مروان، وولايته لها لا يبعد أن تكون في زمن عبد الملك بن مروان؛ لأنه ولي المدينة له، وحج في خلاته عدة سنين، وإذا كان ولي ذلك لعبد الملك فولايته على مكة لعبد الملك أقرب من ولايته عليها لغيره١، والله أعلم.
وممن ولي مكة لعبد الملك بن مروان فيما أظن: إبان بن عثمان بن عفان٢ ﵄، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة الوليد بن عبد الملكبن مروان رجلان فيما علمت: الإمام العادل عمر بن عبد العزيز٣ بنمروان بن الحكم الأموي ﵁، ثم خالد بن عبد الله القسري.
فأما ولاية عمر بن عبد العزيز ﵁ فقد ذكرها جماعة منهم: ابن كثير، وأفاد فيما ذكره تاريخ ابتدائها؛ لأنه قال في ترجمته: قالوا: ولما مات عبد الملك حزن عليه ولبس المسموح تحت ثيابه سبعين يوما. وولي الوليد، فعاملهما كان يعامله به، وولاه المدينة ومكة والطائف من سنة ست وثمانين، إلى سنة ثلاث وتسعين٤ ...
стр. 765
انتهى. وقيل: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ عزل عن مكة في سنة تسع وثمانين وقيل: سنة إحدى وتسعين.
وأما ولاية خالد القسري: فاختلف في أولها، للخلاف في تاريخ عزل عمر بن عبد العزيز ﵁-١ ودامت ولايته إلى أن مات الوليد بن عبد الملك، وكان موته في جمادى الآخر سنة ست وتسعين٢.
ثم ولي مكة في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان ثلاثة نفر:
خالد القسري، ثم طلحة بن داود الحضرمي، ثم عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي.
فأما ولاية خالد القسري لسليمان: فقد ذكر الأزرقي ما يدل لها٣، وكذلك الزبير بن بكار، وما ذكره في ذلك أصح مما ذكره الأزرقي؛ لأنه قال: وحدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: إن خالد بن عبد الله القسري أخاف عبد الله الأصغر بن شيبة بن عثمان، وهو الأعجم؛ فهرب منه، فاستجار بسليمان بن عبد الملك، قال محمد بن الضحاك: عن أبيه، وخالد بن عبد الله يومئذ والي لسليمان بن عبد الملك على مكة، فكتب سليمان بن عبد الملك إلى خالد بن عبد الله ألا يهيجه، وأخبره أنه قد آمنه؛ فجاء بالكتاب، فأخذ الكتاب ووضعه ولم يفتحه، وأمر به فبرز فجلده، ثم فتح الكتاب؛ فقال: لو كنت قرأته ما جلدتك، فرجع عبد الله إلى سليمان، فأخبره الخبر، فأمر الكتاب -في خالد- أن تقطع يده، فكلمه فيه يزيد بن المهلب وقبل يده، وكتب مع عبد الله: إن كان خالد قرأ الكتاب، ثم جلده قطعت يده، وإن كان جلده قبل أن يقرأ الكتاب أقيد منه، فأقيد منه عبد الله٤ ... انتهى باختصار. ولعل فعل خالد هذا سبب عزل سليمان له، وكان عزله في سنة ست وتسعين كما سيأتي بيانه.
وأما ولاية طلحة: فذكرها ابن جرير؛ لأنه قال في أخبار سنة ست وتسعين من الهجرة: وعزل سليمان بن عبد الملك خالد بن عبد الله الفسري عن مكة، وولاها طلحة بن داود الحضرمي٥، وذكر ابن جرير أيضا منا يدل على خلاف ما ذكره في تاريخ ولاية طلحة؛ لأنه قال في أخبار سنة سبع وتسعين: وفي هذه السنة قال الواقدي: حدثني
стр. 766
إبراهيم بن نافع عن ابن أبي مليكة قال: لما صدر سليمان بن عبد الملك من الحج عزل طلحة بن داود الحضرمي عن مكة، وكان عمله عليها ستة أشهر١ ... انتهى.
وأما ولاية عبد العزيز بن عبد الله بن خالد: فكذرها ابن جرير، وحكى خلافا في ابتدائها؛ لأنه قال في أخبار سنة ست وتسعين، بعد أن ذكر ما سبق في عزل سليمان لخالد وتوليته طلحة، وحكي عن ابن أبي معشر أنه قال: كان الأمير على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد٢، وقال في أخبار سنة سبع وتسعين، بعد أن حكى عن الواقدي ما سبق في عزله طلحة: فولي عليها عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان عبد العزيز على مكة في سنة ثمان وتسعين، على ما ذكر ابن جرير أيضا٣.
ثم ولي مكة لعمر بن عبد العزيز بن مروان ﵁ في خلافته: عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد المذكور على مقتضى ما ذكر ابن جرير؛ لأنه ذكر في أخبار سنة تسع وتسعين أن عامل عمر بن عبد العزيز على مة في هذه السنة: عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد٤، وذكر في أخبار سنة مائة٥ ما يقتضي أنه كان والي مكة. وذكر الأزرقي ما يقتضي ذلك أيضا؛ لأنه روى عن أحمد بن ميسرة عن عبد الحميد بن أبي رواد عن أبيه قال: قدمت مكة سنة مائة وعليها عبد العزيز بن عبد الله أميرا فقدم كتابا من عمر بن عبد العزيز ﵁ ينهى عن كراء بيوت مكة، ويأمر بتسوية بيوت منى. قال: فجعل الناس يدسون إليهم الكراء سراء ويسكنون٦ ... انتهى.
وولي مكة لعمر بن عبد العزيز ﵁ على ما قبل: محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، على ما ذكر ابن حبان، فيما حكي عنه الذهبي في "تذهيب مختصر التذهيب"٧، وعروة بن عياض بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي٨، على ما ذكر صاحب الكمال. ووجدت ذلك بخط الذهبي في ترجمته في "تاريخ الإسلام"، وعبد الله بن
стр. 767
قيس بن مخرمة بن المطلب، القرشي١، وعثمان بن عبد الله بن سراقة العدوي، وولايتها ذكرها الفاكهي.
وفي ولايتهما وولاية الذين من قبلهما على مكة لعمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته نظر، لما ذكره ابن جرير٢ من أن عبد العزيز بن عبد الله كان عامل مكة لعمر بن عبد العزيز ﵁ مدة خلافته كما سبق، ولعل المذكورين ولوا مكة لعمر ﵁ في زمن ولايته لها عن الوليد بن عبد الملك في المدة التي كان يقيمها بالمدينة؛ فإنها كانت في ولايته أيضا، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان جماعة أولهم: عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد المذكور؛ لأن ابن جرير ذكر أنه كان على مكة في سنة إحدى ومائة وذكر ذلك ابن الأثير، وذكر أنه كان على مكة في السنة اثنين ومائة٣.
ثم عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس القرشي الفهري، مع المدينة، وولايته بمكة في سنة ثلاثة ومائة، وللمدينة في سنة إحدى ومائة٤.
ثم ولي مكة عبد الواحد بن عبد الله النصري بالنون من بني نصر بن معاوية -بعد عزل عبد الرحمن بن الضحاك في سنة أربع ومائة مع الطائف والمدينة٥.
ثم ولي مكة في خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان جماعة، أولهم: عبد الواحد المذكور، ومدة ولايته لذلك في خلافة يزيد وهشام سنة وثمانية أشهر، على ما ذكر ابن الأثير٦.
ثم ولي مكة بعده إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، خال هشام بن عبد الملك في سنة ستة ومائة. وولي مع ذلك الطائف والمدينة، ودامت ولايته على مكة إلى سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة ومائة٧.
стр. 768
ثم ولي مكة بعده أخوه محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، ودامت ولايته إلى سنة خمس وعشرين على ما قيل١.
وممن ولي مكة لهشام بن عبد الملك بن مروان: نافع بن علقمة الكناني، ذكر ولايته الفاكهي، وذكر أنه وليها لأبيه.
وممن وليها في خلافة عبد الملك بن مروان، أو في خلافه أحد من أولاده الأربعة: أبو حراب محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر الأموي، ذكر ولايته على مكة الفاكهي، وهكذا نسبه، وذكر ما يقتضي أنه كان واليا على مكة في زمن عطاء بن أبي رباح.
ثم ولي مكة في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان -بعد عزل محمد بن هشام خال الوليد المذكور- يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي، مع الطائف والمدينة في سنة خمس وعشرين٢، ودامت إلى انقضاء خلافة الوليد بن يزيد، سنة ست وعشرين.
ثم ولي مكة في خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان٣، فيما أظن، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة مروان -المعروف بالحمار- ابن محمد بن مروان الأموي خاتمة خلفاء بني أمية: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان، ودامت ولايته إلى أن حج بالناس في سنة ثمان وعشرين٤.
ثم ولي مكة بعده عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، مع المدينة والطائف في سنة تسع وعشرين، ودامت ولايته إلى أن حج بالناس في هذه السنة٥.
ثم ولي مكة بعد الحج من هذه السنة أبو حمزة الإباضي الخارجي، واسمه المختار بن عوف، تغلب على مكة، وذلك أن عبد الله بن يحيى الأعور الكندي المسمى
стр. 769
طالب الحق بعد أن ملك حضرموت١ وصنعاء وظفار، وطرد عنها عامل مروان: القاسم بن عمر الثقفي، بعث إلى مكة أبا حمزة الخارجي -المذكور- في عشرة آلاف؛ فخاف منهم عبد الواحد بن سليمان والي مكة، وخذله أهلها؛ ففارقها في النفر الأول، وقصد المدينة، فغلب أبو حمزة على مكة، ثم سار منها بعد أن استخلف عليها أبرهة بن الصباح الحميري؛ فلقي بقديد الجيش الذي انفذه عبد الواحد بن سليمان القتال أبي حمزة، فظفر أبو حمزة؛ وذلك في صفر من سنة ثلاثين، وسار إلى المدينة فدخلها، وقتل بها جماعة، منهم أربعون رجلا من بني عبد العزى، ولما بلغ مروان خبره جهز إليه عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، في أربعة آلاف فارس؛ فسار ابن عطية حتى لقي بوادي القرى٢ بلجا، وهو على مقدمة أبي حمزة؛ فقتل بلجا وعاة أصحابه، ثم سار ابن عطية يطلب أبا حمزة؛ فأدركه بمكة بالأبطح، ومع أبي حمزة خمسة عشرة ألفا، ففرق عليه ابن عطية الخيل، من أسفل مكة ومن أعلاها، ومن قبل منى، فاقتتلوا إلى نصف النهار، فقتل أبرهة بن الصباح عند بئر ميمون، وقتل أبو حمزة، وقتل خلق من جيشه؛ هذا ملخص بالمعنى مما ذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام" نقلا عن خليفةبن خياط٣ في خبر أبي حمزة.
وفي تاريخ ابن الأثير ما يخالف ذلك، في مواضع:
منها: أنه كان مع أبي حمزة لما وافى عرفة سبعمائة رجل٤.
ومنها: أنه كان ما يقتضي أن أبا حمزة لقي ابن عطية بوادي القرى، وأنه قتل في الواقعة التي بوادي القرى٥، والله أعلم.
وذكر ابن الأثير أن ابن عطية لما سار إلى اليمن لقتال طالب الحق، استخلف على مكة رجلا من أهل الشام٦، ولم يسمه، ورأيت في مختصر تاريخ ابن جرير أن هذا الرجل يقال له ابن ماعز٧، وهذا يقتضي أن يكون عبد الملك بن محمد السعدي المذكور ولي مكة لمروان، ولا يبعد أن يجعل ذلك مروان لعبد الملك، إذا نزع من أبي حمزة ما تغلب عليه، وقد يسر الله ذلك لابن عطية، وكان من أمره بعد مسيرة من مكة لقتال طالب الحق، أنهما، فقتل طالب الحق، وبعث عبد الملك برأسه إلى مروان،
стр. 770
وكتب مروان لعبد الملك كتابا بالقدوم إلى مكة لإقامة الحج والناس؛ فسار في نفر قليل، فخرج عليه بعض العرب، فقتلوه بعد أن أظهر لهم كتاب مروان بتأميره على الحج؛ فلم يقبلوا ذلك منه، وقالوا له ولمن معه: إنما أنتم لصوص١.
وولي مكة لمروان: الوليد بن عروة السعدي ابن أخي عبد الملك على ما ذكر ابن جرير٢، وذكر أنه كان على مكة في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وعلى الطائف والمدينة من قبل عمه، وهذا لا يعارض ما سبق من أن عمه، قتل في سنة ثلاثين لإمكان أن يكون كتب إليه من اليمن بولاية ذلك، وأقره مروان على ذلك بعد قتل عمه، والله أعلم.
وذكر ابن الأثير ما يقتضي أن محمد بن عبد الملك بن مروان كان يلي مكة والمدينة والطائف في سنة ثلاثين ومائة، وأنه حج بالناس فيها٣، ولم أر في مختصر تاريخ ابن جرير ولايته لذلك؛ وإنما فيه أنه حج بالناس في سنة ثلاثين ومائة٤، على أن النسخة التي رأيت فيها ذلك من تاريخ ابن الأثير لا تخلو من سقم، والله أعلم بالصواب.
ورأيت في نسخة من تاريخ ابن الأثير اضطرابا في اسم ابن أخي عبد الملك الذي ولي مكة، كما سبق ذكره، هل هو الوليد بن عروة٥ أو هو عروة بن الوليد؟ والصواب: الوليد، كما ذكر ابن جرير والعتيقي في "أمراء الموسم"، والله أعلم.
стр. 771
الدولة العباسية:
ثم ولي مكة في خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أول خلفاء بني العباس: عمه داود بن علي بن عبد الله العباس، في سنة اثنين وثلاثين ومائة، وولاه مع مكة: المدينة واليمن، واليمامة١، ودامت ولايته حتى مات في سنة ثلاث وثلاثين في ربيع الأول بالمدينة، بعد أن قتل من ظفر به بني أمية بمكة والمدينة٢.
стр. 772
ثم ولي مكة بعد داود: زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، خال السفاح، مع الطائف، والمدينة، واليمامة، ودامت ولايته إلى سنة ست وثلاثين ومائة، على ما يقتضيه كلام ابن الأثير١.
ثم ولي مكة بعده: العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، في سنة ست وثلاثين ومائة للسفاح، على ما ذكر ابن الأثير٢، وذكر ما يقتضي أن ولايته دامت على مكة حتى مات السفاح، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذلك. وذكر ابن حزم أنه ولي مكة للسفاح وقال: كان رجلا صالحا٣ ... انتهى.
وممن ولي مكة للسفاح: عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي٤، على ما ذكر ابن حزم في "الجمهرة"؛ وذلك غير ملائم لما ذكره ابن الأثير٥، من كون زياد بن عبيد الله الحارثي دامت ولايته على مكة إلى سنة ست وثلاثين، وأن العباس بن عبد الله بن معبد وليها بعده حتى مات السفاح، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أخي السفاح: العباس بن عبد الله بن معبد المذكور؛ لأن ابن الأثير قال في أخبار سنة سبع وثلاثين: وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد، ومات العباس بعد انقضاء الموسم٦.
ثم ولي مكة بعده زياد بن عبيد الله الحارث المقدم ذكره، على ما ذكر ابن الأثير وغيره، مع المدينة، والطائف، ودامت ولايته إلى سنة إحدى وأربعين ومائة٧، وهو الذي تولى للمنصور عمارة ما زاده في المسجد الحرام٨.
ثم ولي مكة بعد عزل زياد: الهيثم بن معاوية العتكي الخراساني مع الطائف، في سنة إحدى وأربعين، ودامت ولايته إلى سنة ثلاث وأربعين٩.
стр. 773
ثم ولي مكة بعد عزله: السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب مع الطائف؛ فسار "السري" إلى مكة ودامت ولايته عليها إلى سنة خمس وأربعين ومائة.
ثم ولي مكة بعده بالتغلب محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي الجعفري؛ لأن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية لما ثار في سنة خمسة وأربعين بالمدينة، وغلب عليها، استعمل محمدًا هذا على مكة، والقاسم بن إسحاق على اليمن، فسار إلى مكة، فخرج محمد إليها السري بن عبد الله المقدم ذكره، فلقيهما ببطن أذاخر١ فهزماه، ودخل محمد مكة وقام بها يسيرا، فأتاه كتاب محمد بن عبد الله بن الحسن يأمره بالمسير إليه فيمن معه، ويخبره بمسير عيسى بن موسى إليه لمحاربته، فسار إليه من مكة هو القاسم، فبلغه بنواحي "قديد" قتل محمد النفس الزكية، فهرب هو وأصحابه وتفرقوا، فلحق محمد بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله أخي محمد بن عبد الله، فأقام عنده حتى قتل إبراهيم، ذكر هذا بالمعنى ابن الأثير٢.
ورأيت في كتاب "النسب" للزبير بن بكار ما يقتضي أن الذي ولاه محمد بن عبد الله بن الحسن على مكة: حسن بن معاوية والد محمد بن حسن المقدم ذكره، والله أعلم بالصواب.
ثم ولي السري مكة، ودامت ولايته عليها إلى سنة ست وأربعين ومائة٣.
ثم ولي مكة بعده: عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس العباسي، عم المنصور والسفاح، وولي مع ذلك الطائف، ودامت ولايته إلى سنة تسع واربعين ومائة٤، وقيل: إلى سنة خمسين٥، وقيل: إنه كان على مكة في سنة سبع وخمسين٦، وهذا إن صح فهو ولاية ثانية لعبد الصمد على مكة، والله أعلم.
ثم ولي مكة بعد عبد الصمد: محمد بن إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي، ودامت ولايته في غالب الظن إلى سنة ثمان وخمسين٧.
ثم ولي مكة في خلافة المهدي، محمد بن المنصور العباسي: إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، مع الطائف، بوصية من المنصور٨.
стр. 774
ثم ولي مكة: جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس العباس مع الطائف، وكان على ذلك في سنة إحدى وستين١، وفي سنة ثلاث وستين كان على المدينة٢ في هذه السنة.
ثم ولي مكة عبيد الله٣ بن قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب مع الطائف، وكان واليا لذلك في سنة ست وستين، وفي سنة تسع وستين٤.
وممن ولي مكة في خلافة المهدي: محمد بن إبراهيم الإمام العباسي المقدم ذكره، ذكر ولايته على مكة للمهدي: الفاكهي.
وممن ولي مكة في خلافة المهدي -فيما أظن والله أعلم: قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، والد عبيد الله المذكور؛ لأن ابن حزم قال في "الجمهرة" لما ذكر أولاد عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فمن ولده: قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ولي مكة واليمامة، وابنه عبيد الله٥ بن قثم ولي مكة للرشيد٦ ... انتهى.
وإنما ظننا أن ولاية "قثم" في خلافة المهدي؛ لأن ابن الأثير ذكر في كل سنة من خلافة السفاح والمنصور من كان والي مكة، ولم يذكر ولاية قثم هذا في سنة من سنتين خلافة العباس والمنصور.
وذكر ابن الأثير أيضا ولاة مكة في زمن الرشيد، في ترجمته ترجم عليها بقوله: ذكر ولاة مكة٧، وسردهم كما سيأتي ذكره، ولم يذكر قثم المذكور، فغلب على الظن أنه ولي مكة في خلافة المهدي؛ لأنه لم يذكر في كل سنة من خلافته من ولي فيها مكة؛ وإنما ذكر ذلك في بعض السنين ولم يذكر ولاتها في خلافته جملة، كما ذكرها جملة في خلافة الرشيد، ويحتمل أن يكون وليها في خلافة المهدي قبل ابنه عبيد الله بن قثم أو بعده، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة الهادي موسى بن المهدي العباس: عبيد الله بن قثم بن العباس المقدم ذكره، على مقتضى ما ذكر ابن جرير؛ لأنه قال في أخبار سنة تسع
стр. 775
وستين وهي السنة التي في أولها أفضت الخلافة إلى الهادي، بعد أن ذكر من كان فيها علي ولاية المدينة وعلى مكة، والطائف عبيد الله بن قثم١ ... انتهى.
وولي مكة في خلافة الهادي بالتغلب: الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني؛ لأنه ثار بالمدينة، وفتك بهم فيها من جماعة الهادي، ونهبوا بيت المال بالمدينة، وبويع على كتاب الله -تعالى- وسنة نبيه ﷺ ، وخرج هو وأصحابه إلى مكة لست بقين من ذي القعدة سنة تسع وستين.
ولما بلغوا مكة أمر الحسين فنودي فيها: أيما عبد أتانا فهو حر؛ فأتاه العبيد. وكان الهادي لما انتهى إليه خبره كتب إلى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن رجال من أهل بيته، ومعه خيل وسلاح، فقدموا مكة وطافوا وسعوا وحلوا من العمرة، وعسكروا بذي طوى، وانضم إليهم من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم، والتقوا مع الحسين وأصحابه؛ فقتل الحسين في أزيد من مائة من أصحابه، وانهزم بعضهم إلى مصر وغيرها، وكانت القتال في يوم التروية بفخ، ظاهر مكة٢. وقبر الحسين هذا معروف إلى الآن في قبة تكون على يمين الداخل إلى مكة، ويسار الخارج منها، بقرب الموضع المعروف بالزاهر، وحمل رأسه بعد قتله إلى الهادي؛ فلم يعجبه ذلك وقال: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت، إن أقل ما أجزيكم أن أحرمكم جوائزكم، فلم يعطهم شيئا.
وكان الحسين شجاعا كريما، قدم على المهدي فأعطاه أربعين آلاف دينار، ففرقها في الناس ببغداد، والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فروة ما تحتها قميص؛ فالله -تعالى- يرحمه ويغفر له.
وممن ولي مكة في خلافة الهادي أو الخلافة أخيه الرشيد: محمد بن عبد الرحمن السفياني، وولايته لأمر مكة ذكرها الفاكهي؛ لأنه قال: وكان ممن ولي مكة بعد ذلك محمد بن عبد الرحمن السفياني، كان على قضاء مكة وإمارتها ... انتهى.
وذكر الزبير بن بكار أن الهادي استقصاه على مكة، وأن الرشيد أقره حتى صرفه المأمون، فولاه قضاء بغداد شهرا ثم صرفه٣ ... انتهى. ولعل محمد بن عبد الرحمن السفياني هذا ولي إمرة مكة مع قضائها في زمن الأخوين: الهادي والرشيد، أو في زمن أحدهما، والله أعلم.