← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

عنه حتى قتل، وهو يرتجز ويقول: لقد علمت صفراء من بني فهر ... نقية الوجه نقية الصدر لأضربن اليوم عن أبي صخر قال ابن هشام: وكان خنيس بن خالد من خزاعة. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن أبي بكر قالا: وكان خنيس يكنى بأبي صخر. وأصيب من جهينة، سلمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر، أو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا، فخرج حماس منهزما، حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته، أغلقي علي بابي قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالمؤتمة١ ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا يسمع إلا غمغمة لهم نهيت٢ حولنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر قوله: كالمؤتمة: وتروي للرعاش الهذلي هذه الأبيات. وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وحنين، والطائف شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى امرأته من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم؛ إلا أنه قد عهد في نفر سماهم، أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم ابن سعد أخو بني عامر بن لؤي: وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لأنه كان أسلم، وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فارتد مشركا راجعا إلى قريش، ففر إلى عثمان بن عفان ﵁، وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول الله ﷺ ، بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة، فاستأمن له؛ فزعموا أن رسول الله ﷺ صمت طويلا، ثم قال: "نعم" فلما انصرف عنه عثمان ﵁، قال رسول الله ﷺ لمن حول من أصحابه: "لقد صمت ليقوم بعضكم

стр. 702

فيضرب عنقه"؛ فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي؟ قال ﷺ : "لا، إن النبي، لا يقتل بالإشارة". قال ابن هشام: ثم أسلم بعد؛ فولاه عمر بن الخطاب ﵁ بعض أعماله، ثم ولاه عثمان ﵁ بعد عمر ﵃. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل من بني تيم بن غالب؛ وإنما أمر بقتله إنه كان مسلما، فبعثه رسول الله ﷺ مصدقا، وبعص معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه، وكان مسلما، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما، فنام فاستيقظ، ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله. ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان: فرتني وصاحبتها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ؛ فأمر رسول الله ﷺ بقتلهما معه. والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصي، وكان ممن يؤذيه بمكة. قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطلب ﵁ حمل فاطمة، وأم كلثوم، بنتي رسول الله ﷺ ، يريد بهما المدينة؛ فنخس بهما الحويرث بن نقيذ، فرمي بهما إلى الأرض. قال ابن إسحاق: ومقيس بن صبابة؛ وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لقتله الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مشركا. وسارة مولاة لبني عبد المطلب، وعكرمة بن أبي جهل، وكانت سارة ممن يؤذيه بمكة. وأما عكرمة؛ فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمنه، فخرجت في طلبه، حتى أتت به رسول الله ﷺ . وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث المخزومي، وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه. وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله -رجل من قومه- فقالت ابنه مقيس في قتله: لعمري قد أخزي نميله رهطه ... وفجع أضياف الشقا بمقيس فلله عينا من رأى مثل مقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تخرس وأما قينتا ابن خطل، فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ بعد، فأمنها. وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها. ثم بقيت حتى أوطأها رجل من

стр. 703

الناس فرسا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ بالأبطح، فقتلها. وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة، فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم -وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي- قالت: فدخل علي علي بن أبي طالب أخي، فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة، وإن فيها لأثرا لعجن، وفاطمة ابنته تستره بثوبه؛ فلما اغتسل ﷺ أخذ ثوبه فتوشح به. ثم صلى ثمان ركعات في الضحى، ثم انصرف إلي، فقال: "مرحبا وأهلا بأم هانئ، ما جاء بك؟ " فأخبرته خبر الرجلين، وخبر علي ﵁ فقال ﷺ : "قد أجزنا من أجرت، وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما". قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة قالت: إن رسول الله ﷺ لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به وسعى على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده؛ فلما قضي طوافة، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ وقف على باب الكعبة، فقال: "لاإله إلا الله وحده، لا شريك له، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة، أو دم، أو مال، يدعى به؛ فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد السوط والعصا؛ ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب". ثم تلا ﷺ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] الآية كلها. ثم قال ﷺ "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد؛ فقام إليه علي بن أبي طالب ﵁ ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله ﷺ ، اجمع لنا الحجابة مع السقاية. فقال رسول الله ﷺ : "أين عثمان بن أبي طلحة؟ " فدعي له، فقال ﷺ "هاك مفتاحك يا عثمان، إن اليوم يوم بر ووفاء".

стр. 704

قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة أن رسول الله ﷺ قال لعلي ﵁ فلا أعطيكم ما ترزون، لا ما تزرون. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم ﵊ مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: "قاتلهم الله قد جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم، بالأزلام؟ " ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران] . ثم أمر ﷺ بتلك الصورة كلها فطمست، قال ابن هشام: وحدثني أن الرسول ﷺ دخل الكعبة ومعه بلال ﵁ ثم خرج رسول الله ﷺ وتخلف بلال؛ فدخل عبد الله بن عمر ﵄ على بلال فسأله: أين ﷺ ولم يسأله كم صلى. فكان ابن عمر ﵄ إذا دخل البيت مشي قبل وجهه وجعل الباب قبل ظهره حتى يكون بينه وبين الجدار ثلاث أذرع، ثم يصلي بنواحي الموضع الذي قال له بلال ﵁. وحدثني أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال ﵁ فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد بن الحارث بن هشام ﵃ جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقدج أكرم أسيد ألا يكون سمع هذا فسمع منه مايغيظه. وقال الحارث بن هشام: أما والله لو علم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة. فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: "قد علمت الذي قلتم"، ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث وعتاب ﵄: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي سندر الأسلمي عن رجل من قومه قال: كان معنا رجل يقال له أحمرا، وكان رجلا شجاعا، وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفي مكانه، وكان إذا بات في جبة بات معتبرا؛ فإذا بيت الحي صرخوا يا أحمر، فيثور مثل الأسد لا يقوم لسبيله شيء، فأقبل أعرابي من هذيل يريدون حاضره، حتى إذا دنوا من الحاضر قال ابن الأثوع الهذلي: لا تعجلوا حتى انظر، فإن كان في الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم فإن له غطيطا لا يخفي. قال: فاسمع؛ فلما كان عام الفتح وكان العد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلي حتى ندخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس، وهو على شركه، فرأته خزاعة

стр. 705

فعرفوه، فأحاطوا به، وهو إلى جنب جدار من جدر مكة، يقولون: أنت قاتل. قال: نعم، أنا قاتل أحمر. فعندئذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف؛ فقال هكذا عن الرجل، والله ما نظنه إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه فلما تفرجنا عنه حمل عليه فطنه بالسيف في بطنه؛ فوالله لكأني أنظر إليه وحوشته تسيل من بطنه، وإن عيينه ليريقان في رأسه وهو يقول: قد فعلتموها يا معشر خزاعة حتى أفجعت فوقع؛ فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل إن نفع قتلتم قتيلا لأدينه". قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير، جئته فقلت له: يا هذا، إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة؛ فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رج لمن هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فقال: "أيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض؛ فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا. لم تحلل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غصبا على أهلها، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس؛ فليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ فمن قال لكم إن رسول الله ﷺ قاتل فيها، فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله، ولم يحلها لكم، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، قد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لأدينه؛ فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاؤوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله" ١. ثم ودى رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي قتله خزاعة؛ فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية، قال أبو شريح: إني كنت شاهدا، وكنت غائبا، وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك. قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله ﷺ يوم الفتح: جندب بن الأكوع، قتلته بنو كعب، فواده مائة ناقة. قال ابن هشام: وبلغني عن يحيى بن سعيد أن النبي ﷺ حين افتتح مكة ودخلها، قام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار؛ فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه ولده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: "ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل ﷺ بهم حتى أخبروه. فقال النبي ﷺ : "معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم".

стр. 706

وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته؛ فطاف عليها، وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي ﷺ يشير بقضيب في يده إلى الأصنام، ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١] . فما أشار ﷺ إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعي: وفي الأصنام معتبر وعلم لمن يرجو الثواب أو العقابا قال ابن هشام: وحدثني أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل النبي ﷺ ، وهو يطوف بالبيت عام الفتح؛ فلما دنى منه، قال رسول الله ﷺ "أفضالة؟ " قال: نعم، فضالة يا رسول الله. قال ﷺ : "ماذا كنت تحدث به نفسك؟ " قال: لا شيء، أذكر الله. فضحك النبي ﷺ ، ثم قال: "استغفر الله" ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده من صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. قال فضالة ﵁: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها؛ فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا. وانبعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى علي الله والإسلام كوما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الإصنام لرأيت دين الله أصبح بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام ثم قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، من بني سليم سبعمائة. ويقول بعضهم: آلأف، ومن بني غفار أربعمائة. ومن أسلم أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والأنصار، وحلفائهم، وطوائف العرب، من بني تميم، وقيس، وأسد١. ثم قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. قال ابن إسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان بسنة ثمان ... انتهى٢، باختصار المواضع من إنباء خبر فتح مكة المشار إليه، ومن شعر تميم بن أسد، في اعتذاره، من فراره عن منبه، وشعر الأخرز بن لعيط الديلي، وما كان بين كنانة

стр. 707

وخزاعة في تلك الحرب، وشعر لبديل بن عبد مناة، ويقال: له بديل بن أم صرم، أجاب به الأخرز بن لعيط، وشعر حسان بن ثابت، ﵁ في المعنى١. وخبر إسلام أبي سفيان بن الحارث بنعبد المطلب في إسلامه٢ وخبر أبي قحافة والد أبي بكر الصديق ﵄ يوم الفتح وإسلامه٣، وأمر النبي ﷺ بتغيير شيبته، ومناشدة أبي بكر الصديق ﵁ في طوق أخته، كما سبق بيانه، وغير ذلك من الأشعار التي استشهد بها ابن هشام على بعض ما فسره من الشعر. واختصرنا أيضا من خبر الفتح ما قيل من الأشعار في الفتح، وغيره ذلك.

стр. 708

ذكر فوائد تتعلق بخبر فتح مكة: هذه الفوائد بعضها يخالف ما ذكرناه عن ابن إسحاق وابن هشام من خبر الفتح، وبعضها يوضح بعض أبهمه ابن إسحاق، وابن هشام، في ذلك. منها: أن موسى بن عقبة ذكر في "مغازيه" ما يقتضي أن إغارة بني كنانة على خزاعة التي هي سبب فتح مكة كانت بعرفة؛ لأنه قال فيما رويناه عنه في "مغازيه" فتح مكة: ثم إن بني نفاثة من بني الديل، أغاروا على بين كعب وهم بعرفة ... انتهى. وهذا يخالف ما ذكره ابن إسحاق؛ لأنه قال: ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة، وهم على مائهم بأسفل مكة، يقال له: الوتير ... انتهى. وإذا كان الوتير بأسفل مكة، كما هو مقتضى هذا الخبر، فهو غير عرفة، والله أعلم بالصواب. وأفاد السهيلي سبب تسميته الوتير؛ لأنه قال: والوتير في اللغة الورد الأبيض، وقد يكون منه بريئا، فيحتمل أن يكون هذا الماء سمي به١ ... انتهى. ولا منافاة بين قول ابن عقبة: "ثم إن بني نفاثة من بني الديل أغاروا على بني كعب" وبين قول ابن إسحاق: "ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة" لأن بني الديل الذي منه بنو نفاثة، هو الدول بن بكر بن كنانة، على ما ذكر ابن البطاح عن أبي اليقظان، كما حكي عنه الحازمي؛ ويدل لذلك قول ابن إسحاق فيما بعد: فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل ... انتهى. وذكر ابن إسحاق ما يوافق ما ذكره ابن عقبة، من نسبة هذه الإغارة إلى بني نفاثة؛ لأنه أنشد أبياتا لتميم بن أسد أولها: لما رأيت بني نفاثة أقبلوا ... يغشون كل وتيرة وحجاب

стр. 709

ومنها: أن ابن عقبة بين البيت من خزاعة؛ لأنه قال فيما رويناه عنه: فأغارت بنو الديل على بني عمرو وعامتهم فيما زعموا؛ نساء وصبيانا وضعفه الرجال، فبيوتهم وقتلوا منهم، حتى أدخلوهم دار بديل بن ورقاء بمكة ... انتهى. وبنو عمرو هؤلاء من بني كعب؛ لأن ابن عقبة قال فيما سبق: ثم إن بني نفاثة من بني الديل أغاروا على بني كعب ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين من رفد كنانة من قريش، وقاتل معهم؛ لأنه قال: ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معه من قريش من قاتل بالليل مستخفيا ... انتهى. وقد بين ذلك ابن عقبة؛ لأنه قال: ويذكر أن ممن أعانهم من قريش: صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو ... انتهى. وبين ذلك ابن سعد أيضا، وأفاد في ذلك ما لم يفده ابن عقبة؛ لأنا روينا عن الحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس في "سيرته" بعد ذكره لقول ابن إسحاق: ورفدت بني بكر قريشا بالسلاح، ذكر ابن سعد منهم: صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأخيف ... انتهى. ولا منافاة بين ما ذكره ابن عقبة وابن سعد فيمنأعان من قريش بني بكر لإمكان أن يكون الذين ذكرهم ابن عقبة وابن سعد أعانوا بن بكر، وذكر ابن عقبة بعضهم، وابن سعد بعضهم، ويكون المعين لبني بكر من قريش خمسة نفر، على مقتضى ما ذكر ابن عقبة وابن سعد، والله أعلم. ومنها أن قريشا رفدت بني كنانة بدقيق، أفاد ذلك ابنه عقبة؛ لأنه قال: وأعانتهم قريش بالسلاح والدقيق ... انتهى. وهذا لا يفهم مما ذكره ابن إسحاق. ومنها: أن الفاكهي ذكر خبرا يوهم أن سبب فتح مكة غير ما سبق؛ لأنه قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: وكانت خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ؛ فأصابت بنو بكر منهم قتيلا: فقالت بنو بكر لقريش: لا تسلموا بني عمكم، فكلم بديل بن ورقاء قريشا فقالوا: لا تسلمه فركب بديل إلى رسول الله ﷺ ، فلم يصدقه، وأرسل معه رسول الله ﷺ طليعة يستطلعهم، قال: فجاء به بديل بن ورقاء، فجعل يقف به على قريش ويكلمهم، فقالوا: قد عرفنا

стр. 710

إنما أنت مستطلع؛ فوالله لا نسلمهم. فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فأنشأ حينئذ يتجهز لنصر حلفاته١. ومنها: أن ابن سعد ذكر أنه خرج مع عمرو بن سالم الخزاعي لإعلام النبي ﷺ بفعل كنانة، فيهم أربعون راكبًا؛ وذلك لا يفهم من كلام ابن إسحق؛ لأنه قال: فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق، بما استحلوا من خزاعة، كانوا في عقد وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعي -أحد بني كعب- حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة ... انهى. وكلام ابن سعد رويناه في "السيرة" لابن سيد الناس؛ لأنه قال: بعد أن ذكر كلام ابن إسحاق هذا بعد قوله: خرج عمرو بن سالم الخزاعي، قال ابن سعد: في أربعين راكبًا، قال ابن سيد الناس بعد ذكره لقول ابن إسحق فيما بعد: "ثم خرج بديل بن ورقاء وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم ... انتهى. قلت: لعل الأربعين راكبًا الذين ذكر ابن سعد قدومهم من خزاعة مع عمرو سالم هو هؤلاء ... انتهى٢. ومنها: أن ابن عقبة ذكر في جواب أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ لأبي سفيان بن حرب ﵁ حين سألهما أن يكلما له رسول الله ﷺ فيما جاء له -غير ما ذكره ابن إسحق؛ لأنه -أعني ابن عقبة- قال: فخرج -يعنى أبو سفيان- من عند رسول الله ﷺ ، فأتي أبا بكر ﵁ فقال: جدد العقد، وزد في المدة؛ فقال أبو بكر ﵁ جواري في جوار رسول الله ﷺ ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. ثم خرج فأتي عمر بن الخطاب ﵁ فكلمه؛ فقال عمر ﵁: ما كان من حلفنا جديدًا فأخلقه الله، وما كان منه متينًا قطعه الله، وما كان منه مقطوعًا فلا وصله الله. فقال أبو سفيان: جزاك الله من ذي رحم شرًا ... انتهى. وإنما كان هذا مخالفًا لما ذكره ابن إسحق من جواب أبي بكر وعمر ﵄ لأبي سفيان؛ لأنه قال: ثم خرج -يعني أبو سفيان- حتى أتي رسول الله ﷺ وكلمه، فلم يرد عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر ﵁ فكلمه في أن يكلم رسول الله ﷺ . فقال: ما أنا لفاعل، ثم أتي عمر بن الخطاب ﵁ فكلمه

стр. 711

فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ... انتهى. ومخالفة هذا لما ذكره ابن عقبة ظاهرة؛ لأن ابن عقبة جعل جواب أبي بكر جواب عمر الذي ذكره ابن إسحق وإن اختلف لفظهما، فالمعنى واحد. وجعل جواب عمر ﵁ غير ما ذكره ابن إسحق، والله أعلم بالصواب. وذكر الفاكهي خبرًا فيه ما يدل لما ذكره ابن عقبة من جواب عمر لأبي سفيان -رضي الله عنه١. ومنها: أن كلام ابن إسحق يقتضي أن أبا سفيان بعد جواب عمر ﵁ له لما ذكره، سأل عليًا بن أبي طالب ﵁ أن يجير بين الناس، وأن عليًا ﵁ أجابه بعد الاستطاعة، وأن أبا سفيان سأل بعد ذلك فاطمة الزهراء ابنة النبي ﷺ أن تأمر ابنها الحسن بن علي ﵁ أن يجير بين الناس، وأن فاطمة ﵂ أجابته أن ابنها ما بلغ أن يجير بين الناس، وما أحد يجير على رسول الله ﷺ ؛ وذلك يخالف ما ذكره ابن عقبة؛ لأنه قال بعد ذكره لجواب عمر ﵁ بما سبق: ثم دخل على عثمان ﵁ فقال عثمان ﵁: جواري في جوار رسول الله ﷺ ، ثم أتبع أشراف قريش والأنصار فكلمهم، فكل يقول: عقدنا في عقد رسول الله ﷺ ، فلما أيس مما عندهم دخل على فاطمة ابنة رسول الله ﷺ فكلمها، فقالت: إنا أنا امرأة؛ وإنما ذلك إلى رسول الله ﷺ . قال: فأمري أحد ابنتيك، فقالت: إنهما صبيان ليس مثلهما يجير. قال: فكلمي عليًا، قالت: أنت تكلمه، فكلم عليًا ﵁، فقال: يا أبا سفيان، إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله يقتات على رسول الله ﷺ بجوار ... انتهى. ووجه مخالفة هذا لما ذكره ابن إسحق أنه يقتضي أن أبا سفيان ﵁ كلم عثمان، ثم أشراف قريش، والأنصار، ثم فاطمة ﵂، أن يجيروا قبل أن يكلم عليًا في ذلك، وكلام ابن إسحاق يقتضي خلافه، والله أعلم. وذكر الفاكهي خبرًا فيه ما يدل لما ذكره ابن عقبة من سؤال أبي سفيان لفاطمة ﵂، فيما يصلح به الإصلاح بين الناس. ومنها: أن الفاكهي ذكر خبرًا يوهم أن أبا سفيان لم يسأل النبي ﷺ فيما جاء له من تجديد الحلف والإصلاح بين الناس؛ لأنه قال: حدثنا محمد بن إدريس بن عمر من كتابه، قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة ...

стр. 712

فذكر خبرا يقتضي موادعة النبي ﷺ أهل مكة، ودخول خزاعة في صلح رسول الله ﷺ ، ودخول بني بكر في صلح قريش، وما كان بين خزاعة وبني بكر بعد ذلك من القتال، وإعانة قريش لهم بالسلاح والطعام، وتخوف قريش أن يكونوا قد نقضوا، وإرسالهم أبا سفيان بن حرب إلى النبي ﷺ ليجدد الحلف، ويصلح بين الناس، وقدوم أبي سفيان إلى المدينة، ثم قال: وقال رسول الله ﷺ ليجدد الحلف، ويصلح بين الناس، وقدوم أبي سفيان إلى المدينة، ثم قال: وقال رسول الله ﷺ : قد جاءكم أبو سفيان فيرجع راجيا بغير حاجة. قال: فأتى أبا بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس، أو قال: بين قومك؛ فقال أبو بكر ﵁: الأمر إلى الله تعالى وإلى رسول الله ﷺ . وقد قال له فيما قال: إن أعانوا قوما على قوم وأمدوهم بسلاح وطعام ما إن يكونوا نقضوا١؛ فقال أبو بكر ﵁: الأمر إلى الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم٢ ... انتهى. ومنها: أن الفاكهي ذكر ما يوهم أن قدوم أبي سفيان بن حرب المدينة لتجديد الحلف والإصلاح بين الناس كان قبل قدوم وافد خزاعة على رسول الله ﷺ المدينة، لإعلامه بما كان من قتال بني بكر لهم، ومعاونة قريش عليهم؛ لأن في الخبر السابق بعد ذكر إتيان أبي سفيان لعمر، وقوله له نحوا مما قال لأبي بكر، وجواب عمر لأبي سفيان بنحو من جوابه الذي أجابه، على نحو ما ذكره ابن عقبة، وإتيانه لفاطمة ﵂ له: ليس الأمر إلي، وإتيانه عليا ﵁، له بالجيرة بين الناس: ثم انطلق -يعني أبو سفيان- حين٣ قدم مكة، فأخبرهم بالذي صنع؛ فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد عشيرة، والله ما أتيتنا اليوم بحرب فنحذر، ولا أتيتنا اليوم بصلح فنأمن، ارجع. قال: وقدم وافد خزاعة على رسول الله ﷺ ، فأخبره بالذي صنع القوم، ودعاه إلى النصر، وأنشد في ذلك شعرا٤ ... انتهى. ومنها: أنابن عقبة ذكر ما يوهم أن بين خروج أبي سفيان إلى المدينة، وتجهيز النبي ﷺ إلى مكة مدة طويلة؛ لأنه قال بعد أن ذكر خروج أبي سفيان إلى مكة ووصوله إليها، وحلقه رأسه عند الصنمين اللذين عند الكعبة، ليرى الناس أنه على الدين الذي كان عليه؛ لأن الناس تحدثوا حين طال مكثه أنه قد أسلم، فمكن رسول الله ﷺ ، ما شاء الله أن يمكث، بعدما خرج من عنده أبو سفيان، ثم اعتد في الجهاد ... انتهى. وهذا لا يفهم من كلام ابن أسحاق، والله أعلم بالصواب.

стр. 713

ومنها: أن ابن إسحاق ذكر أن النبي ﷺ بعث مع علي، الزبير بن العوام ﵄ لإحضار كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بمكة، يخبرهم فيه بمسير رسول الله ﷺ إليهم. وذكر الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري في "المبهمات" خبر كتاب حاطب، وفيه أن النبي ﷺ بعث لطلب الكتاب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ وفي الخبر الذي ذكره الحافظ عبد الغني أمور لا تفهم من الخبر الذي ذكره ابن إسحاق في ذلك؛ فنذكره لمافيه من الفائدة. قال الحافظ عبد الغني بعد أن ذكر حديثين ليس فيهما بيان ما تعرف به المرأة التي حملت كتاب حاطب: هذه المرة الحاملة لكتاب حاطب بن أبي بلتعة ﵁ هي أم سارة، مولاة لقريش، والحجة في ذلك ما حدثنا به يعقوب بن المبارك، أن محمد بن جعفر بن أعين حدثهم، قال: حدثنا الحسن بن بشر بن مسلم الكوفي سنة عشرين، قال: أخبرنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: أمن رسول الله ﷺ الناس يوم فتح مكة، إلا أربعة من الناس: عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة الكناني، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، ثم قال بعد أن ذكر خبر ابن خطل، وابن أبي سرح، ومقيس بن صبابة: وأما أم سارة فإنها كانت مولاة لقريش، فأتت رسول الله ﷺ فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئا ثم أتاها رجل فدفع إليها كتابا إلى أهل مكة، يتقرب بذلك إليهم ليحفظه في عياله، وكان له بها عياله فأخبر جبريل ﵇ رسول الله ﷺ بذلك؛ فبعث في أثرها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄ فلحقاها، ففتشاها، فلم يعثرا على شيء معها، فأقبلا راجعين؛ فقال أحدهما لصاحبه: والله ما كذبنا ولا كذبنا، ارجع بنا إليها، فرجعا إليها، فسلا سيفيهما، وقالا: والله لنذيقنك الموت أو لتدفعن إلين الكتاب؛ فأنكرت. ثم قالت: أدفعه إليكما على أن لا ترادني إلى رسول الله ﷺ فقبلا ذلك منها، فحلت عقاص رأسها، فأخرجت الكتاب من قرن من قرونها، فدفعته إليهما، فرجعا إلى رسول الله ﷺ فدفعاه إليه ... انتهى باختصار. ومنها: أن كلام ابن إسحاق لا يفهم منه أن النبي ﷺ بعث يطلب كتاب حاطب مع علي ﵁، غير الزبير بن العوام ﵁، لقوله وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء، بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ ... انتهى. وذكر البخاري ما يقتضي أن النبي ﷺ بعث مع علي والزبير ﵄ أبا مرثد؛ وذكر ذلك في كتاب "استتابه المرتدين" في باب ما جاء في المتأولين؛ لأنه روي عنه بسنده إلى أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه

стр. 714

قال: بعثني رسول الله ﷺ والزبير وأبا مرثد، وكلنا فارس. قال "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ" ١. وذكر البخاري -أيضا- ما يفهم منه غير ما ذكر في هذا الباب؛ لأنه روي بسنده عن عبيد الله بن أبي رافع، سمعت عليا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد؛ فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ" ... فذكر القصة، وهذا الحديث أخرجه في باب غزوة الفتح من كتاب المغازي٢. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن المرأة التي معها كتاب حاطب بن أبي بلتعة أخرجته لعلي ﵁ ومن معه من قرون رأسها؛ فاستخرجت الكتاب منها، فدفته إليه ... انتهى. وذكر ابن إسحاق قبل ذلك ما يدل له، وذكر ابن عقبة ما يوافق ما ذكره ابن إسحاق، وذكر البخاري أيضا ما يوافق ذلك؛ لأن في الحديث الذي رواه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵁: فأخرجته من عقاصها٣، وذكر البخاري ما يقتضي أنها أخرجته حجزتها٤؛ لأن في الحديث الذي رواه في كتاب "استتابة المرتدين" الذي فيه ذكر أبي مرثد: "فأهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء، فأخرجت الصحيفة". وذكر مثل ذلك في الحديث الذي أخرجه في باب "فضل من شهد بدرا" من رواية أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ وفيه ذكر أبي مرثد ﵁ وقوله في هذين الحديثين: أخرجته من حجزتها بكساء، يقتضي أنها أخرجته من وسطها؛ لأن الكساء لا يحتجز به في الرأس لكبره؛ وإنما يحتجز به في الجسد لستره البدن؛ وذلك يخالف ماذكره ابن إسحاق من أنها أخرجته من قرون رأسها، ويخالف أيضا ما ذكره البخاري من حديث عبيد اللهبن ألأبي رافع عن علي ﵁. ومنها: أنه ابن إسحاق ذكر أن اسم المرأة التي حملت كتاب حاطب: سارة، وزعم لي غيره أنها مولاة لبعض بني عبد المطلب ... انتهى. وقد سبق في الحديث الذي

стр. 715

سبق ذكره عن الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، أن حاملة كتاب حاطب أم سارة، مولاة لقريش. وقد سبق ذكر ذلك قريبا. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين اسم المرأة المزنية التي قيل إنها حملتة كتاب حاطب؛ لقوله: ثم أعطاه امرأة، يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة ... انتهى. وقد بين ذلك الحافظ مغلطاي في "سيرته"؛ لأنه قال فيما أخبرت به عنه: فكتب حاطب كتابا، وأرسله مع أم سارة المزنية حاملة كتاب حاطب، وفي هذا ما يفهم منه خلاف ما في الصحيحين. ومنها: أن ابن إسحاق ذكر في الموضع الذي أدركت فيه المرأة حاملة كتاب حاطب فما يفهم منه خلاف ما في صحيح البخاري؛ لأن ابن إسحاق قال: فخرجا يعني عليا والزبير ﵄ حتى أدركاها بالخليفة خليفة١ بني أحمد ... انتهى. والذي في البخاري عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ والزبير والمقداد ﵄، فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب"، قال: فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة؛ فإذا نحن بالظعينة. انتهى باختصار، وذكر البقية من القصة. أخرج هذا الحديث في غزوة الفتح، وأخرج مثله في تفسير سورة الممتحنة، وفي "باب فضل من شهد بدرا" إلا أن في الحديث الذي أخرجه في هذا الباب٢: أبا مرثد بدل المقداد، وأخرج مثل ما في هذا الباب في باب ما جاء في المتأولين في كتاب استتابة المرتدين؛ إلا أن أبا عوانة روى الحديث الذي أخرجه في "باب ماجاء في المتأولين" قال: حاج، بدل خاخ. ثم قال البخاري بعد تمام الحديث: خاخ أصح. ولكن كذا قال أبو عوانة: حاج وخاخ تصحيف، وهو موضع. وابن هشام يقول: خاخ ... انتهى. وخاخ الذي أشار إليه البخاري أنه أصح بخاءين معجمتين، وخاخ الذي أشار إلى أنها تصحيف بحاء مهملة وألف وجيم؛ ذكر ذلك الحافظ أبو ذر الهروي؛ لأنه قال في أثناء حديث أبي عوانة: حاج بحاء مهملة وجيم، كذا الرواية هنا، والصواب بخاءين معجمتين؛ هكذا وجدته منقولا عن أبي ذر بخط بعض المحققين. وذكر ابن عقبة: أن عليا والزبير ﵄ أدركا المرأة -حاملة كتاب حاطب- ببطن ريم٣ لأنه قال: فانطلقا حتى أدركا المرأة ببطن ريم ... انتهى.

стр. 716

وذكر القاضي عياض في "المشارق" أن ريم على أربعة برد من المدينة على ما قال مالك، وقيل: ثلاثين ميلا، كما في مصنف عبد الرزاق، وأن روضة خاخ موضع بحمراء الأسد من المدينة. وحكى العابدي أنه موضع قريب من مكة، والأول أصح١ ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق لم يذكر ما في كتاب حاطب من اللفظ الذي عبر به عن المعنى الذي أخبر به أهل مكة، وقد ذكر السهيلي شيئا في بيان ذلك؛ لأنه قال: "فضل في ذكر كتاب حاطب إلى قريش"، ثم قال: وقد قيل: إنه كان في الكتاب أن رسول الله ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو صار إليكم وحده لنصره الله عليكم، فإنه منجز له ما وعده٢. وفي تفسير ابن سلام أنه كان في الكتاب الذي كتبه حاطب: إن محمدا قد نفر إما إليكم، وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين اسم اليوم الذي خرج فيه النبي ﷺ من المدينة لقوله: وخرج ﷺ لعشر مضين من شهر رمضان ... انتهى. وبين ذلك الحاكم النيسابوري فيما نقله عنه الحافظ مغلطاي في "سيرته"؛ لأنه قال: وخرج من المدينة في عشرة آلاف رجل، وقال الحاكم: في اثنى عشر، يوم الأربعاء، بعد العصر لعشر مضين من رمضان ... انتهى. وذكر الأزرقي عن الواقدي ما يوافق ما ذكره الحاكم، وسيأتي ذلك -إن شاء الله- فيما بعد، عند طواف النبي ﷺ بالكعبة. ومنها: أن ابن إسحاق ذكر أن النبي ﷺ صام في خروجه إلى مكة حتى بلغ الكديد لقوله: فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه؛ حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر ... انتهى. وذكر الفاكهي خبرين يقتضيان خلاف ذلك؛ لأنه قال: حدثنا أبو بشر برك بن خلف، قال: حدثنا ابن عدي، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: صام رسول الله ﷺ عام الفتح حتى بلغ عسفان٣. وقال أيضا: حدثنا هارون بن موسى المروزي قال: حدثني إبراهيم، وحدثنا محمد بن يحيى الرماني: وحسين بن حسن المروزي، قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي

стр. 717

جميعا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح؛ فصام حتى بلغ كراعة الغميم١، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، فدعا ﷺ بقدح من ماء بين الصلاتين فشربه، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعض الناس، وصام بعضهم. فبلغ رسول الله ﷺ أن أناسا صاموا، فقال ﷺ : "أولئك العصاة" ثلاث مرات٢ ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين الوقت الذي نزل فيه رسول الله ﷺ ومن معه مر الظهران، وقد بين ذلك ابن سعد، مع أمرين آخرين لا يفهمهما كلام ابن إسحاق؛ لأن الحافظ أبا الفتح ابن سيد الناس قال في "سيرته" فيما أخبرت به عنه: فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران٣، وقال ابن سعد: نزله عشاء؛ فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار. وجعل على الحرس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه٤ ... انتهى. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أإن بديل بن ورقاء هو القائل لأبي سفيان لما تعجب مما رآه من النيران والعسكر بمر الظهران: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. وكلام ابن عقبة يقتضي أن أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، قالوا ذلك. وأنهم قالوا في ذلك غيره؛ وذلك أرضا لا يفهم من كلام ابن إسحاق؛ لأن ابن عقبة قال: وبعثت قريش أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وخرج معهما بديل بن ورقاء، فاطلعوا على مر الظهران حتى بلغوا الأراك؛ وذلك عشاء، فإذا النيران والفساطيط، والعسكر، وسمعوا صهيل الخيل فراعهم ذلك، وفزعوا؛ فقالوا: هذه بنو كعب حمشتها٥ الحرب ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: هؤلاء أكثر من بني كعب، ثم قالوا: فلعلكم هوازن انتجعوا أرضنا، ولا والله ما يعرف هذا أيضا ... انتهى. وذكر الفاكهي في الخبر الذي رواه عن محمد بن إدريس بن عمر -المشار إليه- ما يقتضي أن أبا سفيان لما سأل عن العسكر والنيران، قيل له في ذلك غير ما سبق؛ لأنه قال: فأمر رسول الله ﷺ بالرحيل، فارتحلوا؛ فسار حتى نزلوا مر، قال: وجاء أبو سفيان ليلا؛ فرأى العسكر والنيران، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: هذه تميم، أمحلت بلادها، وانتجعت بلادكم، قال: هؤلاء والله أكثر من أهل منى، أو قال: مثل أهل منى٦ ... انتهى.

стр. 718

ومعنى قوله في هذا الخبر: هؤلاء والله أكثر من أهل منى: شبههم في الكثرة بالحجاج الذين ينزلوا بمنى، وليس المراد من ذلك أهل منى الذين هم سكانها دائما لقلتهم، والله أعلم. وفي البخاري ما يقتضي أن أبا سفيان شبه ما رآه من النيران بمر الظهران بنيران عرفة، وسيأتي ذلك قريبا، ومراد أبي سفيان بنيران عرفة النيران التي يوقدها الحجاج بعرفة لكثرتهم، والله أعلم. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن أبا سفيان لم يعلم بخبر ما رأى بمر الظهران من العسكر إلا من العباس ﵁؛ لأنه قال بعد أن ذكر خروج العباس ﵁ عن العسكر رجاء أن يجد من يبعثه إلى أهل مكة ليعلمهم الخبر؛ حتى يخرجوا فيستأمنوا لأنفسهم، ومحاورة أبي سفيان وبديل فيما رأيا من النيران والعسكر، قال: فعرفت صوته -يعني أبا سفيان- فقلت: يا أبا حنظلة؛ فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟! قلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي، قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان. فأخبره العباس الخبر ... انتهى. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن أبا سفيان لما علم من العباس ﵁ بما رآه وتعجب منه من العسكر والنيران استشار العباس ﵁ فيما يصنع؛ فأشار إليه العباس ﵁ بأن يذهب معه إلى النبي ﷺ ليستأمنه له؛ ففعل أبو سفيان ذلك. وكلام ابن عقبة يقتضي أن أبا سفيان ومن معه أخذوا قهرا، وذهب بهم إلى العسكر فلقيهم العباس ﵁ وأجارهم؛ لأنه قال: بعد أن ذكر قول أبي سفيان، وحكيم وبديل فيما رأوه من العسكر والنيران بمر الظهران: فبينما هم كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر، كان بعثهم رسول الله ﷺ وأصحابه؛ فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش، نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ فلما دخل بهم إلى العسكر، لقيهم العباس ﵁ فأجارهم؛ فقال: يا أبا حنظلة ثكلتك أمك وعشريتك؛ هذا محمد رسول الله وجميع المؤمني، فأدخلوا فأسلموا ... انتهى. وفي هذا موافقة لما في الخبر الذي ذكره الفاكهي من أن أبا سفيان علم خبر النبي ﷺ من غير العباس -رضي الله عنه١.

стр. 719

وذكر البخاري ما يوافق ما ذكره ابن عقبة، من أخذ حرس رسول الله ﷺ لأبي سفيان، وحكمي، وبديل؛ لأنه قال: "باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟ ": حدثني عبيد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال: لما سار رسول الله ﷺ ؛ فبلغ ذلك قريشا، خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ ؛ فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة؛ فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة؟ فقال بديل بن ورقاء: نيران بن عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك؛ فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم، فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم١ ... انتهى باختصار. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يوهم أن حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، لم يحضرا مع أبي سفيان عند النبي ﷺ بمر الظهران، لقوله بعد أن ذكر ركوب أبي سفيان خلف العباس ﵁: ورجع صاحباه، وكلام ابن عقبة يقتضي أنهما حضرا مع أبي سفيان عند النبي ﷺ بمر الظهران؛ لأنه قال تلو قوله: فادخلوا، فأسلموا، فدخلوا على رسول الله ﷺ ، فمكثوا عنده عامة الليل يحادثهم ويسألهم، ثم دعاهم إلى الإسلام؛ فقال: "اشهدوا أن لا إله إلا الله" فشهدوا، ثم قال: "اشهدوا أني محمد رسول الله"؛ فشهد حكيم وبديل ﵁ انتهى. وذكر ابن عقبة في هذا الخبر أن النبي ﷺ أمن من دخل دار حكيم بن حزام، قال: ودار حكيم بأسفل مكة ... انتهى. ولعلها بالموضع المعروف بالحزامية، بقرب الخزورة، والله أعلم. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن أبا سفيان إنما أسلم في صبيحة الليلة التي حضر فيها إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه قال: فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ ؛ فلما رآه رسول الله ﷺ ، قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم إن لا إله إلا الله؟ " إلى أن قال: فشهد شهادة الحق وأسلم ... انتهى. وذكر ابن عقبة ما يوافق ذلك؛ لأنه قال: فلما نودي للصلاة تبادر الناس ففزع أبو سفيان؛ فقال للعباس ﵁: ما تريدون؟ قال: الصلاة، ورأى الناس يتلقون وضوء رسول الله ﷺ فقال: ما رأيت ملكا قط كالليلة، ولا ملك كسرى، ولا ملك قيصر، ولا بني الأصفر٢؛ فسأل العباس ﵁ أن يدخله على رسول الله ﷺ فأدخله، فقال: يا محمد قد استنصرت إلهي، واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من

стр. 720

مرة إلا ظهرت علي؛ فلو كان إلاهي محقا، وإلهك مبطلا لقد غلبتك؛ فشهد أن محمدا رسول الله ... انتهى. وذكر الفاكهي ما يقتضي أن أبا سفيان ﵁ أسلم ليلا؛ لأنه قال في الخبر الذي رواه عن ابن إدريس تلو قوله: فأخبره العباس ﵁ الخبر، وانطلق به إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ في قبة لم؛ فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا سفيان أسلم تسلم" قال: فكيف أصنع باللات والعزى؟ قال أيوب: فحدثني أبو الخليل عن سعد بن جبير، قال: فقال له عمر ﵁ وهو خارج من القبة في عنقه السيف: اخرا عليها، أما والله لو كنت خارجا من القبة ما قلتها أبدا. فقال أبو سفيان: من هذا؟ قالوا: عمر، ثم رجع إلى حديث أيوب عن عكرمة، قال: فأسلم أبو سفيان ﵁، وانطلق به العباس ﵁ إلى منزله، فلما أصبحوا ثار الناس لظهورهم، فقال أبو سفيان ﵁: يا أبا الفضل أو أسر الناس في بشيء؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة ... انتهى باختصار. ومنها: أن كلام بان إسحاق لا يفهم السبب الذي لأجله أمر النبي ﷺ العباس ﵁ أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عنه خطم الخيل حتى تمر به جنود الله. وقد ذكر الفاكهي شيئا يدل على بيان سبب ذلك؛ لأنه قال: حدثني الحسين بن عبد المؤمن: حدثنا علي بن عاصم، عن حصين عن عبيد الله بن معبد الله، قال: فلما جعل أبو سفيان ﵁ يساير العباس بن عبد المطلب رأى من الناس انتشارا، والناس في حوائجهم بحضرة عدوة. قال: فبهؤلاء يريد أن يغلبني ويقتلني محمد. قال: يا عباس أنبئني من خلق السماء؟ قال: الله، قال: فأنبئني من خلق الأرض؟ قال: الله. وجعل يسأله عن أشياء نحوها؛ فعرف أن الإسلام لم يدخل قلبه، فتخلف عنه، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال ﷺ : "ادع لي خالد بن الوليد"، فدعى له، وهو على مقدمة رسول الله ﷺ . قال: "يا خالد"، قال: لبيك يا رسول الله، قال: "أضم إليك الخيل"؟ قال: نعم، فضم إليه الخيل قال: "ادعوا لي أبا عبيدة بن الجراح" فدعى له، فقال: "يا أبا عبيدة أضم إليك الناس؟ " قال: نعم. فضم إليه الناس، قال: وبقي رسول الله ﷺ في الضعفاء، وفي المشاة، وفي الردافي؛ فقال للعباس ﵁ فوقف بأبي سفيان في المكان الذي أمره رسول الله ﷺ ، فهو يحدثه إذ أقبل خالد بن الوليد ﵁ في الخيل؛ فلما رآهم أبو سفيان ﵁ في الخيل قال: يا عباس! أفي هؤلاء محمد؟ قال: لا، هذا خالد بن الوليد، هذا سيف الله. قال: فمضى خالد في خالد. ثم أقبل أبو عبيدة بالناس، فلما رآهم قال: يا عباس! أفي هؤلاء محمد؟ قال: لا، هذا أبو

стр. 721

عبيدة بن الجراح، هذا أمين الله على الناس. قال: فمضى أبو عبيدة في الناس، ثم أقبل النبي ﷺ في الردافي، والمشاة، وضعفاء الناس؛ فلما رآهم عرف أن النبي ﷺ فيهم فقال: يا عباس! هذا محمد؟ قال: نعم، هذا رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله قد أرعبه، وأنه يسأل الأمان. قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ١ ... انتهى. وذكر ابن عقبة ما يدل لسبب حبس أبي سفيان، حتى تمر عليه جنود الله وأفاد فيما ذكره بيان الموضع الذي حبس فيه؛ وذلك لا يفهم من كلام ابن إسحاق؛ لأنه قال: فلما توجهوا -يعني أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء- ذاهبين. قال ﷺ : "يا عباس إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن الإسلام، فيكفر، فاردده حتى يفقه ويرى من جنود الله تعالى معك"؛ فأدركه العباس ﵁ فحبسه. فقال أبو سفيان ﵁: أغدرا يا بني هاشم؛ قال: ستعلم أنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك حاجة، فأصبح حتى تنظر إلى جنود الله، وإلى ما أعد الله للمشركين. فحبسهم بالغميم٢ دون الأراك إلى مكة حتى أصبحوا، وأمر رسول الله ﷺ مناديا فنادى: لتصبح كل قبيلة قد ارتحلت ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من العدة، فأصبح الناس على ظهر، وقدم النبي ﷺ بين يديه الكتائب؛ فمرت كتيبة على أبي سفيان ﵁ فقال: يا عباس! أفي هذه رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قال: فمن هؤلاء؟ قال: قضاعة، ثم مرت القبائل على راياتها؛ فرأى أمرا عظيما رعبه الله به ... انتهى. وهذا يقتضي أن يكون الغميم دون مر الظهران إلى مكة؛ لأن أبا سفيان ﵁ حبس بالغميم ليرى ما أعز الله -تعالى- به الإسلام من الجنود، والجنود مرت عليه بالغميم؛ بعد توجهها من مر الظهران إلى مكة، فيكون الغميم بين مر الظهران ومكة. وإنما ذكرنا ذلك؛ لأن كلام النووي يقتضي أن يكون بين مر الظهران وعسفان؛ لأنه قال: كراع الغميم -هو بضم الكاف- والغميم -بفتح الغين وكسر الميم- وهو واد بين مكة والمدينة، بينه وبين مكة مرتحلتين، وهو أمام عسفان بثمانية أميال، يضاف إليه هذا الكراع، وهو جبل أسود بطرف الحرة يمتد إليه، ونقل أن صاحب "المطالع" أنه بضم الغين وفتح الميم، ثم قال: قلت: هذا تصحيف ... انتهى.

стр. 722

ومنها: أن ابن إسحاق ذكر ما يقتضي أن النبي ﷺ مر بأبي سفيان في كتيبة الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار؛ لأنه قال: بعد قوله فيقول: ما لي ولبني فلان؛ حتى مر به رسول الله ﷺ في كتيبة الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار؛ وذلك يخالف ما في "صحيح البخاري"؛ لأن فيه أن كتيبة الأنصار جاءت مع سعد بنم عبادة ﵁ ومعه الراية، قال: ولم ير مثلها، ثم جاءت كتيبة أخرى هي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه وراية النبي ﷺ مع الزبير ﵁، كذا وقع عند جميع الرواة، وروى الحميدي في كتابه: هي أقل الكتائب، وهو الأظهر كما قال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس على ما أخبرت به عنه في "سيرته"، ومنها نقلت ما ذكرناه عن البخاري والحميدي، وقوله في البخاري: ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وأخرج البخاري ذلك في الباب الذي ترجم عليه بقوله: "باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح"١. وذكر ابن عقبة ما يقتضي أن كتيبة الأنصار حين مروا بأبي سفيان ﵁ كانت مع سعد بن عبادة ﵁؛ لأنه قال: ومرت الكتائب تتلو بعضها بعضا على أبي سفيان، وحكيم، وبديل، لا ترم عليهم كتيبة إلا سألوا عنها، حتى مرت كتيبة الأنصار، فيهم سعد بن عبادة ... انتهى. ووقع في نسختي من "مغازي" موسى بن عقبة: وابن حكيم، والصواب: وحكيم بإسقاط "بن"؛ لأن الكلام لا يستقيم إلا بإسقاط: "بن"، والله أعلم. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن المهاجرين كانوا مع النبي ﷺ حين مر بأبي سفيان ﵁، وكلام ابن عقبة يقتضي خلاف ذلك؛ لأنه قال بعد قوله السابق: رعبه الله به، وبعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام ﵁ على المهاجرين، وخيلهم ... انتهى. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن أبا سفيان ﵁ بعد أن أطلقه العباس ﵁، أبلغ أهل مكة تأمين النبي ﷺ لمن دخل دار أبي سفيان، ومن أغلق عليه بابه، ومن دخل المسجد٢.

стр. 723

وذكر الفاكهي ما يقتضي أن العباس بن عبد المطلب ﵁ هو الذي أبلغ ذلك قريشا؛ لأن في الخبر الذي رواه عن ابن العباس: فقال العباس ﵁: يا رسول الله لو أذنت لي فأتيت أهل مكة فدعوتهم وأمنتهم، وجعلت لأبي سفيان شيئا يذكر به. قال: فانطلق العباس ﵁ حتى ركب بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، ثم انطلق فقال رسول الله ﷺ : "ردوا علي أبي، فإن عم الرجل صنو أبيه". قال: فانطلق العباس ﵁، حتى قدم على أهل مكة فقال: يا أهل مكة أسلموا، تسلموا؛ قد استبطنتهم بأشهب بازل. قال: وقد كان رسول الله ﷺ بعث الزبير ﵁ من قبل أعلى مكة، وبعث خالد بن الوليد من قبل أسفل مكة؛ فقال لهم العباس ﵁ من قبل أعلى مكة، وبعث خالد بن الوليد من قبل أسفل مكة، فقال لهم العباس ﵁: هذا الزبير من قبل أعلى مكة، وخالد بن الوليد من قبل أسفل مكة، خالد وما خالد وخزاعة المخزعة الأنوف، قال: ثم قال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قال ثم جاء رسول الله ﷺ فتراموا بشيء من النبل١ ... انتهى باختصار. ومنها: أن ابن إسحاق ذكر ما يقتضي أن النبي ﷺ كان على رأسه يوم فتح مكة عمامة حمراء لأنه قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته محتجزا بشقة برد حبرة حمراء ... انتهى. وذكر الفاكهي ما يقتضي خلاف ذلك؛ لأنه قال: حدثني أحمد بن عبيد عن عاصم بن مضرس الأنصاري، قال: أخبرن أبو بكر عمرو الضبي، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: كان النبي ﷺ يوم فتح مكة معتجرا بعمامة سوداء، والعباس بن عبد المطلب ﵁ كذلك ... انتهى باختصار. وقال الفاكهي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا بشير بن السري، حدثنا حماد بن أبي سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ... انتهى. ولا يعارض ذلك حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر٢، لإمكان أن تكون العمامة السوداء أو الشقة الحمراء المشار إليها هنا من فوق المغفر، والله أعلم.

стр. 724

ومنها: أن كلام ابن إسحاق موهم في بيان الموضع الذي أمر النبي ﷺ الزبير بن العوام أن يدخل منه إلى مكة يوم فتحها؛ لأنه قال: وحدثني ابن أبي نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كداء ... انتهى. ووجه الإبهام في كلام ابن إسحاق أنه لم يقل كداء التي أمر الزبير بالدخول منها بأعلى مكة، ولا بأسفلها، ولم يقل مثل ذلك في كدي التي أمر سعد بالدخول منها التي بأسفل مكة؛ فهو مخالف لما ذكره ابن عقبة؛ لأنه قال: وبعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم، وأمره أن يدخل من كدي من أعلى مكة، وأعطاه رسول الله ﷺ رايته، وأمره أن يغرزها بالحجون، ولا يبرح حيث أمره أن يغرزها، حتى يأتيه ... انتهى. ومنها: أن هشام ذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع سعد بن عبادة حين قال: اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة وأن عمر ﵁ أخبر بذلك النبي ﷺ وقال: وما نأمن أن يكون له في قريش صولة١. وذكر الأموي ما يخالف ذلك؛ لأن الحافظ أبا الفتح ابن سيد الناس قال فيما أخبرت به عنه: وقال الأموي: وكانت راية رسول الله ﷺ يوم الفتح بيد سعد بن عبادة؛ فلما مر بها على أبي سفيان -وكان قد أسلم أبو سفيان- فقال سعد إذ نظر إليه: اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا، فأقبل رسول الله ﷺ في كتيبة الأنصار، حتى إذا حاذى أبا سفيان نادى: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك؟! فإنه زعم سعد ومن معه حين مر بنا أنه قاتلنا، أنشدك الله في قومك، فأنت أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم، وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: ما نأمن سعدا أن يكون منه قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا سفيان: اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله فيه قريشا" ٢ ... انتهى. وهذا مخالف لما ذكره ابن هشام من وجهين: أحدهما: أن أبا سفيان أخبر النبي ﷺ بمقالة سعد.

стр. 725

والآخر: أن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن هما القائلان: ما نأمن أن يكون من سعد في قريش صولة. ووقوع ذلك منهما أقرب من وقوعه من عمر، لشدته في دين الله، والله أعلم. وذكر ابن عقبة ما يوافق ما ذكره الأموي من أن أبا سفيان سمع مقالة سعد وأخبر بها النبي ﷺ ، واستعطفه على قريش، وسيأتي ذلك قريبا، وفي "صحيح البخاري" مثل ذلك؛ لأن في حديث فتح مكة الذي ترجم عليه بقوله "باب: أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟ ": فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة١؟ ... انتهى. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب ﵁ أن يأخذ الراية من سعد، وأن يدل علي بها؛ لأنه قال بعد ذكر ما نسبه لعمر من الكلام السابق في حق سعد: فقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: "أدركه فخذ الراية؛ فكن أنت الذي تدخل بها". وهذا مخالف لما ذكر الأموي؛ لأنه قال بعد ذكره لما سبق، ولشعر قاله ضرار بن الخطاب الفهري في يوم فتح مكة، ليستعطف به النبي ﷺ على قريش: فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة، فنزع اللواء من يده، وجعله بيد قيس ابنه، ورأى رسول الله ﷺ أن اللواء لم يخرج عنه؛ إذ صار إلى ابنه، قيس ... انتهى. وذكر الفاكهي ما يوافق ما ذكره الأموي، لأنه قال: حدثني الحسين بن عبد المؤمن قال: حدثنا علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، قال: حدثني طاوس وعامر، قالا: دخل رسول الله ﷺ فقدم خالد بن الوليد -فذكر شيئا منخبره يأتي ذكره- ثم قال: ألا إن راية الأنصار في يد سعد بن عبادة، وقد مات سعد بن معاذ، وصار سعد بن عبادة سيد القوم، الراية في يده؛ فبينما هو واقف، والأنصار إذ نظر فلم ير حوله إلا الأنصار، فقال: اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة ودخل معهم من المهاجرين من لا يفطن له، فاتشد وهم لا يعلمون، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره بما سمع من سعد بن عبادة: فقال له: "أنت سمعته يقول هذا؟ قال: نعم، قال: "من هاهنا ادع إلى قيس بن سعد بن سعد بن عبادة"؛ فجاء الرسول وهو واقف مع أبيه، والراية في يد أبيه، وقال قيس: يدعوك رسول الله ﷺ ، فجاءه؛ فقال: "يا قيس". قال: لبيك يا رسول الله، فقال: "اذهب فخذ الراية من سعد" قال: نعم يا رسول الله،

стр. 726

قال: فجاءه الأنصار حوله؛ فقال: أعطني الراية، قال: لا، لا أم لك. قال: أعطنيها ولا تحمق نفسك. قال: لا. إلا أن يكون رسول الله ﷺ أمرك بهذا. قال: أمرني بذلك رسول الله ﷺ ، قال: فسمعا وطاعة، ودفع الراية إلى قيس ابنه، فدخل رسول الله ﷺ مكة، والراية مع قيس بن عبادة ... انتهى. وذكر الفاكهي أيضا ما يخالف ما ذكرناه عنه؛ لأنه قال: حدثنا عبد الله بن أحمد ابن أبي ميسرة، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثتني أم عرزة، عن أمها عن جدها الزبير بن العوام قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم فتح مكة لواء بن عبادة، ودخل مكة بلواءين ... انتهى١. ونقل ابن عقبة ما يوافق الخبر الذي رواه الفاكهي عن ابن أبي ميسرة؛ لأنه قال بعد عبادة في كتيبة الأنصار على أبي سفيان: فنادى -أي سعد- أبا سفيان؛ فقال: اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة فلما جاز به رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، وقال أبو سفيان: أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي نادوني: اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة وإني أنشد الله في قومك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فعزله وجعل الزبير مكانه على الأنصار مع المهاجرين؛ فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون، وغرز راية رسول الله ﷺ ... انتهى. فتحصل من هذه الأخبار فيمن أعطاه النبي ﷺ بعد أخذها من سعد بن عبادة ثلاثة أقوال: أولها: أنه على بن أبي طالب ﵁ عغلى مقتضى ما ذكره ابن إسحاق. وثانيها: أنه قيس بن سعد، على ما ذكره الأموي والفاكهي. وثالثها: أنه الزبير بن العوام على ما ذكره الفاكهي أيضا وابن عقبة. ومنها: أن ابن عقبة ذكره ما يقتضي أن سعدا كان قد أعطى رايته قبل أخذها لابنه قيس؛ لأنه قال: وبعث سعد بن عابدة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله ﷺ ؛ فدفع سعد رايته إلى قيس بن سعد ... انتهى. وهذا لا يفهم من كلام ابن إسحاق.

стр. 727

ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين صفة راية رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وقد بين ذلك الفاكهي؛ لأنه قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا شريك بن عبد الله النخعي، عن عمار الذهبي، عن ابن الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ مكة ولواؤه أبيض. قال الحسن بن علي: يعني يوم الفتح ... انتهى. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يفهم أن أبا عبيدة بن الجراح كان يوم فتح مكة على المشاة بين يدي رسول الله ﷺ ؛ لأنه قال: وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ... انتهى. ويتأيد ذلك بما رويناه في "صحيح مسلم"١ من أن أبا عبيدة كان على البيادقة يعني الرجالة، وقد سبق ضبط البيادقة٢ في الباب الأول، فأغنى عن إعادته. وذكر الفاكهي ما يقتضي أن أبا عبيدة لم يكن يوم الفتح -أي فتح مكة- على الرجالة إلا في الخبر الذي سبق ذكره عنه في بيان سبب حسب أبي سفيان حتى مر عليه جنود الله. قال: ادعوا إلى عبيدة بن الجراح، فدعى له، قال: يا أبا عبيدة ضم إليك الناس. قال: نعم، وضم إليه الناس، قال: وبقي رسول الله ﷺ في الضعفاء، وفي المشاة، وفي الردافى ... انتهى. ويتأيد ذلك في حيث المعنى بأن المقصود إرهاب أبي سفيان، وإرهابه بمرور أبي عبيدة ومعه غير المشاة؛ أقوى من إرهابه بمرور أبي عبيدة عليه والمشاة مع أبي عبيدة ... والله أعلم. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن النبي ﷺ دخل مكة يوم فتحها من أذاخر٣؛ لأنه قال: ودخل النبي ﷺ من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، ضربت هناكل قبته ... انتهى. وذكر ابن عقبة ما يقتضي أن النبي ﷺ دخل من ثنية كداء بأعلى مكة؛ لأنه قال: ولما علا رسول الله ﷺ ثنية كداء نظر إلى البارقة على الجبال، ثم فضض المشركين، فقال: "ما هذا؟ نهيت عن القتال"؛ فقال المهاجرون: نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان ليعصيك، ولا ليخالف أمرك، فهبط رسول الله من الثنية، فأجاز على الحجون ... انتهى. وذكر الفاكهي ما يوافق ما ذكره ابن عقبة؛ لأنه قال: حدثني عبد الله بن شبيب قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثني معن بن عيسى، عن عبد الله بن عمر، عن

стр. 728

حفص، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم رسول الله ﷺ إلى أبي بكر، فقال: "كيف قال حسان بن ثابت يا أبا بكر؟ " فأنشده أبو بكر ﵁: عدمت ثنيتي إن لم يروها ... تثير النقع من كتفي كداء ينازعن الأعنة مشفعات ... يلطمهن بالخمر النساء فقال رسول الله ﷺ : "ادخلوا من حيث قال حسان"؛ فدخل رسول الله ﷺ من كداء أعلى مكة١ ... انتهى. ومنها: أن كلام ابن عقبة يقتضي أن القصة التي ذكرها ابن إسحاق لحماش، وقعت لغيره؛ لأن ابن عقبة قال: فدخل رجل من هذيل -حين هزمت بنو بكر- على امرأته، فلامته وعجزته وعيرته بالفرار، فقال: وأنت لو رأيت يوم الخندق ... إذ فر صفوان وفر عكرمة ولحقتنا بالسيوف المسلمة ... يقطعن كل ساعد وجمجمة لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة قال: وقال ابن شهاب: قالها حماش أخو بني سعد بن ليث ... انتهى. وذكر ابن إسحاق أنه هذه الأبيات لبعض هذيل؛ لأنه قال: ويروي لخراش الهذلي. فاستفدنامن هذا الخلاف في صاحب هذه القصة، هل خراش أو غيره، والله أعلم بالصواب ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق خولف فيما ذكره من عدد من قتل من المشركين يوم فتح مكة؛ لأنه قال: وأصيب من المشركين ناس قريب من اثني عشر أو ثلاث عشر، ثم انهزموا ... انتهى. وقال ابن عقبة: واندفع خالد بن الوليد حين دخل من أسفل مكة فلقيته بنو بكر، فقاتلوا فهزموا، وقتل من بني بكر قريبا من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقتلوا بالحزورة، حتى بلغ قتلهم باب المسجد ... انتهى. وقال ابن سعد: قتل أربعة وعشرون رجلا من قريش، وأربعة من هذيل. ذكر ذلك عن ابن سعد٢ -هكذا- الحافظ أبو الفتح اليعمري في "سيرته" بعد ذكره لكلام ابن إسحاق في ذلك، فيما أخبرني به بعض مشايخنا عن الحافظ أبي الفتح٣.

стр. 729

وذكر الفاكهي خبرا فيه ما يقتضي أن المقتولين من المشركين يوم فتح مكة سبعون رجلا، وذكر لذلك سببا؛ فاقتضى الحال ذكر ذلك لما فيه من الفائدة، لأنه قال: حدثني الحسين بن عبد المؤمن قال: حدثنا علي بن عصام، عن عطاء بن السائب، قال: حدثني طاوس وعامر، قالا: دخل رسول الله ﷺ فقدم خالد بن الوليد ﵁ فأنالهم شيئا من قتل. فجاء رجل من قريش فقال: يا رسول الله هذا خالد بن الوليد قد أسرع في القتل؛ فقال النبي ﷺ لرجل من الأنصار عنده: "يا فلان"، قال: لبيك يا رسول الله، قال: "ائت خالد بن الوليد، فقل له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن لا تقتل بمكة أحدا"، فجاء الأنصار، فقال: يا خالد، إن رسول الله يأمرك أن تقتل من لقيت من الناس. فاندفع خالد، فقتل سبعين رجلا بمكة، قال: فجاء النبي ﷺ رجل من قريش، فقال: يا رسول الله هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم، قال: "ولم؟ "، قال: هذا خالد لا يلقى أحدا من الناس إلا قتله. قال: "ادع لي خالدا" فدعى له، قال: "يا خالد ألم أرسل إليك أن لا تقتل أحدا؟ "، قال: بل أرسلت إلي أن اقتل من قدرت عليه. قال: "ادع لي الأنصاري"، فدعى له، فقال: "ألم آمرك أن تأمر خالدا ألا يقتل أحدا؟ " قال: بلي، ولكنك أمرت وأراد الله غيره؛ فكان ما أراد الله. قال: "يا خالد"، قال: لبيك يا رسول الله. قال: "لا تقتل أحدا" ولم يقل للأنصاري شيئا ... انتهى. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن النبي ﷺ أمر أن لا يقتل يوم فتح مكة إلا من قاتل من المشركين؛ لأنه قال: وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم؛ إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة ... انتهى. وذكر ابن عقبة ما يوافق ذلك؛ لأنه قال: وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر ... انتهى. وذكر ابن عقبة ما يوافق ذلك؛ لأنه قال: وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر ... انتهى. وروينا في مسند ابن حنبل ما يقتضي أن النبي ﷺ أمر بقتل غير من استثناه؛ لأنه قال: حدثنا يحيى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ ، قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر"، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاح" ١ ... انتهى. وذكر الفاكهي أنه قال: حدثنا حسن بن حسين أن ابن أبي عدي قال: حدثنا حسن المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة، قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر" فأذن لهم حتى صلوا العصر، ثم أمرهم أن

стр. 730

يكفوا السلاح؛ حتى إذا كان الغد لقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر بالمزدلفة فقتله؛ فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قام خطيبا وظهره إلى الكعبة، فقال: "إن أعتى الناس على الله من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحول الجاهلية" ١ ... انتهى باختصار. ومنها: أن ابن سعد -أحد بني عامر بن لؤي- الذي أمر رسول الله ﷺ بقتله يوم فتح مكة، هو ابن أبي سرح؛ وذلك لا يفهم من كلام ابن إسحاق، ووقع في بعض نسخ سيرته تمسيته بعبد الله، وذلك لا يفهم أيضا أنه ابن أبي سرح، وقد ذكره عقبة بأوضح مما ذكره ابن إسحاق؛ لأنه قال: وأمرهم بقتل أربعة نفر: عبد الله بن سعد بن أبي سرح ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق لم يذكر في سبب أمر النبي ﷺ بقتل ابن أبي سرح، سوى ارتداده إلى الشرك بعد الإسلام، وكتابته الوحي للنبي صلى الله عليهة وسلم بأمره ﷺ قبل الفتح، وهاجر، وكانت يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، ثم ارتد مشركا إلى قرى بمكة، فقال لهم: إني كنت أصرف محمدا حيث ارتد، كان يملي عزيز حكيم، فأقول: أو عليم حكيم، فيقول: نعم، كل صواب٢ ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين أخوة الرضاع التي بين أبي سرح، وعثمان بن عفان، وبين ذلك أن عبد البر؛ لأنه قال تلو قوله كل صواب: فلما كان يوم الفتح، أمر رسول الله ﷺ بقتله، وقتل عبد الله بن خطل، ومقيس بن ضباعة، ولو وجدوا تحت أستار الكعبة؛ ففر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان ﵁ وكان أخاه من الرضاعة، أرضعته أم عثمان رضي الله عنه٢ ... انتهى. ومنها: أن كلام ابن إسحاق لا يفهم أن النبي ﷺ فهم عن أحد من الحاضرين عنده، لما جاء ابن أبي سرح أنه يريد قتل ابن أبي سرح؛ لأنه قال: بعد أن ذكر مجيء عثمان إلى النبي ﷺ ؛ فزعموا أن رسول الله ﷺ صبر طويلا، ثم قال نعم؛ فلما انصرف عثمان ﵁ قال رسول الله ﷺ لمن حوله من أصحابه: "لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه" ... انتهى. وفي الخبر الذي سبق ذكره عن الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري ما يقتضي أن النبي ﷺ ، فهم عن بعض الحاضرين عنده، لما جاء ابن أبي سرح أنه يريد قتل ابن أبي سرح؛ لأنه في الخبر المذكور، ونذر رجل من الأنصار أن يقتل عبد الله بن أبي سرح إذا رآه. وكان أخا عثمان ﵁ من الرضاعة، فأتى به رسول الله ﷺ يستشفع

стр. 731

له؛ فلما بصر به الأنصاري اشتمل السيف على عاتقه وخرج في طبله، فوجده في حلقه رسول الله ﷺ ، فهاب قتله، فجعل يتردد، ويكره أن يقدم عليه؛ لأنه في حلقه رسول الله ﷺ ، فبسط رسول الله ﷺ يده فبايعه، ثم قال للأنصاري: "قد انتظرتك أن توفي بنذرك"، قال: يا رسول الله هبتك، أفلا أومأت إلي، قال: "إنه ليس لنبي أن يومئ" ... انتهى. وكان ابن أبي سرح فارس بني عامر بن لؤي معدودا فيهم، وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش، وكان مجاب الدعوة، وله في ذلك خبر غريب؛ وذلك أن محمد بن حذيفة بن عقبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي نزع مصر من ولاية ابن أبي سرح هذا لما توجه أبن أبي سرح إلى عثمان بن عفان ﵁ بالمدينة، ومنعه ابن حذيفة من دخول مصر لما عاد من المدينة فمضى إلى عسقلان١، وقيل: إلى الرملة٢ ودعى ربه أن يجعل خاصة عمله صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى، قرأ في الركعة الأولى بأم القرآن، والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلم عن يمينه، وذهب ليسلم عن يساره، فقبض الله روحه -على ما ذكر يزيد بن أبي حبيب وغيره- فيما حكاه ابن عبد البر في "الاستيعاب"، ومنه لخصت ما ذكرت من حاله. وذكر ابن عبد البر أنه لم يبايع لعلي ولا معاوية ﵄ وأنه توفي سنة ست أو سبع وثلاثين، وقيل: ست وثلاثين. ومنها: أن ابن إسحاق سمي ابن خطل الذي أمر النبي ﷺ بقتله عبد الله؛ لأنه قال: وعبد الله بن خطل رجل من بني تيم بن غالب ... انتهى. وقد اختلف في اسمه، فقيل: عبد الله، كما ذكر ابن إسحاق، وقيل اسمه: هلال ذكره الفاكهي في خبر يأتي ذكره، وذكره السهيلي؛ لأنه قال: وقد قيل في اسمه: هلال، قال: وقد قيل هلال كان أخاه، وكان يقال لهما: الخطلان، وهما من تيم بن غالب بن فهر٣ ... انتهى. وقال ابن بشكوال في "المبهمات" لما تكلم على حديث قتل ابن خطل: اختلف في اسمه، فقيل عبد الله، وقيل: عبد العزى، وقيل: هلال، ذكر ذلك كله الدرقطني في "سننه". وذكر ابن عقبة ما يقتضي أن اسمه: قيس؛ لأنه قال: وأمر بقتل قيس بن خطل يوم الفتح رسول الله ﷺ ... انتهى.

стр. 732

وذكر الفاكهي ما يقتضي أن اسمه: عبد العزيز؛ لأنه قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال حدثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن ابن جريج، قال: بلغني أن النبي ﷺ أمن الناس يوم الفتح، إلا أربعة منهم عبد العزيز بن خطل١ ... انتهى. ولعل عبد العزيز -كما في هذا الخبر- تصحيف من الناسخ، فإن عبد العزى يشبه في الصورة: عبد العزيز، والله أعلم. ومنها: أن ابن إسحاق ذكر أن الذي قتل ابن خطل: سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في قتله، وذكر الفاكهي منا يخالف ذلك؛ لأنه قال: حدثنا محمد بن سليمان حدثنا زيد بن حباب، ثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد، حدثني جدي، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "أربعة لا أؤمنهم في حل ولا في حرم: الحارث بن نقيد، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وهلال بن خطل"، قال: فقتل علي ﵁ الحارث بن نقيد، وقتل مقيس ابن عم له، وقتل هلال بن خطل الزبير بن العوام رضي الله عنه٢ ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين الموضع الذي قتل فيه ابن خطل، وبين ذلك ابن جريج في الخبر الذي سبق ذكره قريبا من كتاب الفاكهي؛ لأن فيه وقتل ابن خطل، وهو آخذ بثياب الكعبة يتعوذ بها انتهى. وفي الصحيحين٣ وغيرهما ما يشهد لما ذكره ابن جريج، وروينا مثل هذا في "مبهمات" الحافظ عبد الغني بن سعيد؛ لأن في الحديث الذي سبق في بيان حاملة كتاب حاطب: فأما عبد العزى فإنه قتل وهي آخذ بأستار الكعبة ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق ذكر أن الذي قتل مقيس بن صبابة: نميلة بن عبد الله، رجل من قومه. وذكر الفاكهي في الخبر الذي سبق ذكره قريبا عن ابن جريج خلاف ذلك؛ لأن فيه: وقتل مقيس بن صبابة سعيد بن حريث، أو عمر بن حريث. وأفاد في هذا الخبر موضع قتله؛ لأنه قال: وأما مقيس عند الردم ... انتهى. والمراد -والله أعلم- بالردم: ردم بني جمح الذي قيل إن النبي ﷺ ولد فيه، كمان سبق في باب ذكر الموضع الذي ولد فيه رسول الله ﷺ ، في الباب الحادي والعشرين من هذا الكتاب. وليس المراد بالردم الذي بأعلى مكة؛ لأنه لم يكن إلا في خلافة عمر بن الخطاب، عمل صونا للمسجد من السيل حين ذهب بالمقام عن موضعه.

стр. 733

ومنها: أن كلام ابن ‘إسحاق يقتضي أن الرجل الذي قتله مقيس بن صبابة، وارتد بعد قتله، من الأنصار؛ لأنه قالك -لما ذكر الذين أمر النبي ﷺ بقتلهم: ومقيس بن صبابة؛ وإنما أمر النبي ﷺ بقتله، لقتله الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مشركا ... انتهى. وذكر الحافظ عبد الغني بن سعيد، ما يخالف كلام ابن إسحاق هذا؛ لأنه قال في الخبر الذي سبق ذكره: وأما مقيس بن صبابة؛ فإنه كان له أخ مع رسول الله ﷺ ، فقتل خطأ؛ فبعث معه رسول الله ﷺ رجلا من بني فهر، ليأخذ له عقله من الفهري؛ فلما جمع له العقل رجل القهقري، فوثب مقيس وأخذ حجرا فجلد به رأسه، فقتله، ثم أقبل وهو يقول: شقى النفس من قد بات خاضع ... مسندا يضرح بثوبين وماء الأخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله ... كذا تنسى وطاء المضاجع حللت به نذري وأدركت بغيتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع وفي حاشية كتاب الحافظ عبد الغني: ثارت به فهر وحملت عقله ... سراة بني النجار إن مات فارع ... انتهى. وفيما ذكره الحافظ عبد الغني من خبر مقيس ما لا يفهم مما ذكره ابن إسحاق. ومنها: أن الحافظ أبا الفتح ابن سيد الناس ذكر هبار بن الأسود فيمن أمر النبي ﷺ بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة هبارا هذا، وهو هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي. ولعل أمر النبي ﷺ بقتله، لما صنع بزينب ابنة النبي ﷺ حين بعث بها زوجها أبا العاص بن الربيع إلى المدينة؛ وذلك أن هبارا تعرض لها في سفهاء من قريش فأهوى هبار إليها، ونخس دابتها، فسقطت عن دابتها وألقت ما في بطنها، فقال النبي ﷺ : "إن وجدتم هبارا، فأحرقوه بالنار، ثم اقتلوه"، ثم قال ﷺ : "اقتلوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار" فلم يوجد، ثم أسلم هبار وحسن إسلامه، وصحب النبي ﷺ . وذكر ابن سيد الناس في سبب قتل هبار ما ذكرناه بالمعنى؛ لأنه قال: وأما هبار بن الأسود فهو الذي عرض لزينب النبي ﷺ ، وذكر ما سبق بالمعنى١. ومنها: أن الحافظ علاء الدين مغلطاي ذكر ما يقتضي أن النبي ﷺ استثنى من أمانه يوم الفتح جماعة غير الذي ذكرهم ابن إسحاق؛ لأنه قال فيما أخبرت به عنه: ونادى

стр. 734

منادية ﵇: من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، إلا من استثنى وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح أسلم، وابن خطل قتله أبو برزة، وقينتان، فربما أسلمتا، وسارة، ويقال كانت مولاة عمرو بن صيفي، وهاشم، وأرنب، وقريبة قتلت، وعكرمة بن أبي جهل أسلم، والحويرث بن نقيذ قتله علي، ومقيس بن صبابة نميلة الليثي، وهبار بن الأسود أسلم، وكعب بن زهير أسلم، وهند بنت عتبة أسلمت، ووحشي بن حرب أسلم ... انتهى. وقد سبق التعريف بشيء من هؤلاء المستثنين إلا كعب بن زهير؛ فإنه ابن أبي سلمة المزني الشاعر المشهور صاحب: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول القصيدة المشهورة التي مدح بها النبي ﷺ . وهند بنت عتبة، وهي امرأة أبي سفيان أم معاوية بن أبي سفيان. ووحشي هو قاتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب. ولعل الأمر بقتل وشحي وهند لما فعلا بحمزة بن عبد المطلب؛ فإن وحشيا قتله، وهند بنت عتبة مقرت عن كبد حمزة فلاكتها؛ فلم تستطع أن تستسيغها، فلفظتها، وكانت هي ونسوة معها يجد عن الآذان والأنوف من قتلى المسلمين يوم أحد ... انتهى، والله أعلم. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين اسم قينتي ابن خطل؛ وإنما اسم إحداهما، وأنه فرتني١، وبين ذلك ابن سيد الناس في غير موضع؛ لأنه قال: وأما قينتا ابن خطل فرتني وقريبة، فقتلت إحداهما، واستؤمن رسول الله ﷺ في الأخرى، فأمنها، فعاشت مدة، ثم ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم٢. وقال أيضا عن ابن سيد الناس غير واحد من أشياخي. وذكر السهيلي أن اسم قينتي بن خطل فرتني، وسارة٣، وهذا يخالف ما ذكره ابن سيد الناس، من أن اسم إحداهما قريبة، والأخرى فرتني، والله أعلم بالصواب. وسيأتي ذكر كلام السهيلي قريبا. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن إحدى قينتي ابن خطل قتلت، والأخرى لم تقتل؛ لأنه قال: وأما قينتا ابن خطل؛ فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى، حتى استؤمن لها رسول الله ﷺ بعد فأمنها ... انتهى.

стр. 735

وذكر السهيلي ما يقضي أنهما لم تقتلا وأنهما أمنتا. وسيأتي كلامه قريبا. ومنها: أن كلام أبن إسحاق يقتضي أن سارة التي أمر النبي ﷺ بقتلها؛ غير قينة ابن خطل، لأنه قال فيمن أمر النبي ﷺ بقتله يوم الفتح: وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، ثم قال -بعد ما ذكر قينتي ابن خطل: وأما سارة فاستؤمن لها رسول الله ﷺ فأمنها، ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ بالأبطح، فقتلها١ ... انتهى. وذكر السهيلي ما يقتضي أن سارة هذه إحدى قينتي ابن خطل؛ لأنه قال: وأما القينتان اللتان أمر بقتلهما وهما سارة وفرتني، فقد أسلمت فرتني وأمنت سارة، وعاشت إلى زمن عمر بن الخطاب، ثم وطئها فرس فقتلها٢ ... انتهى. وهذا هو كلام السهيلي الذي أشرنا إلى أنه يخالف ما ذكره ابن سيد الناس في قتل إحدى قينتي ابن خطل، وتأمين الأخرى، ويخالف ما ذكره ابن إسحاق أيضا في أن سارة إحدى قينتي ابن خطل، وأنها التي أمر النبي ﷺ بقتلها، ولا أعلم له سلفا فيما ذكره، والله أعلم. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين قينة ابن خطل اليت استؤمن لها رسول الله، وقد بين ذلك الحافظ مغلطاي؛ لأنه قال فيما أخبرت به عنه في ذكر المستثنين من الأمان يوم الفتح: وابن خطل قتله أبو برزة الأسلمي، وقينته فرتنا أسلمت، ثم قال: وقريبة قتلت ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق ذكر سارة فيمن أمر النبي ﷺ بقتله يوم الفتح. وذكر الفاكهي عن ابن جريج ما يقتضي أنها أم سارة. وذكر الحافظ عبد الغني سعيد المصري في "مبهماته" ما يوافق ما ذكره الفاكهي عن ابن جريج كما سبق، وسيأتي ذكر ما ذكره الفاكهي في ذلك. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن سارة لم تقتل في زمن الفتح، وذكر الفاكهي عن ابن جريج: أن أم سارة قتلت في الفتح، فإن كانت أم سارة التي ذكرها ابن جريج هي سارة التي ذكرها ابن إسحاق؛ فقد خولف ابن إسحاق في اسمها وحياتها في زمن الفتح. وإن كانت أم سارة التي ذكرها ابن جريج غير سارة التي ذكرها ابن إسحاق، فيكون ابن إسحاق قد ترك بعض من أمر النبي ﷺ بقتله يوم فتح مكة، ويستفاد ذلك من كلام ابن جريج لا من كلام ابن إسحاق، والأول هو الظاهر، والله أعلم، وإذا كان كذلك فيستفاد من الخبر الذي ذكره الفاكهي عن ابن جريج فائدة لا تفهم من كلام ابن إسحاق، وهي سبب أمر النبي ﷺ بقتل أم سارة.

стр. 736

ويظهر ذلك مع ما أشرنا إليه أولا بذكر الخبر الذي ذكره الفاكهي؛ لأنه قال: حدثنا سعيد بنعبد الرحمن، حدثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن ابن جريج، قال: بلغني أن النبي ﷺ أمن الناس يوم فتح مكة؛ إلا أربعة: عبد العزيز بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وأم سارة قينة لبني هاشم كانت تدعو على النبي ﷺ حين تصبح وحين تمسي؛ فأما أم سارة فقتلت ... انتهى باختصار. وذكر الحافظ عبد الغني بنسعدي أن سبب قتل أم سارة حملها كتاب حاطب بن سبق ذكرنا له عنه؛ لأن فيه: أمن رسول الله ﷺ الناس يوم فتح مكة، إلا أربعة فذكرهم، منهم أم سارة، ثم قال: وأما أم سارة فإنها كانت مولاة لقريش؛ فأتت رسول الله ﷺ ، فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئا، ثم أتاها رجل يدفع إليها كتابا إلى أهل مكة يتقرب بذلك إليهم ليحفظ في عياله، وكان له بها عيال، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ بذلك فذكر بقية الخبر السابق، وهذا يخالف ابن جريج في سبب قتل أم سارة، والله أعلم بالصواب. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين سبب أمر النبي ﷺ بقتل الحويرث بن نقيذ، سوى أنه كان يؤذي النبي ﷺ بمكة -لقوله بعد ذكره للحويرث: وكان ممن يؤذيه بمكة١. وذكر السهيلي ما يقتضي أن أمر النبي ﷺ بقتل الحويرث له سبب آخر؛ لأنه قال: وأم الحويرث بن نقيذ الذي أمر بقتله مع ابن خطل، فهو الذي نخس بزنيب بنت رسول الله ﷺ ، حين أدركها هو وهبار بن الأسود، فسقطت عن دابتها، وألقت جنينها٢ ... انتهى. وذكر ابن هشام ما يقتضي أن سبب أمر النبي ﷺ بقتل الحويرث، كونه نخس بفاطمة وأم كلثوم ابنتي النبي، ورمى بهما إلى أرض، لما بعثها العباس من مكة إلى المدينة؛ لأنه ذكر كلاما معناه هذا، بعد قول ابن إسحاق في شأن الحويرث بن نقيذ: وكان ممن يؤذيه بمكة، والمعروف أن المشركين عرضوا لزينب بنت النبي ﷺ ، لا لأختيها فاطمة وأم كلثوم؛ فيكون الحويرث نخس بزينب، لا بفاطمة وأم كلثوم، والله أعلم بالصواب. ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضي أن الثماني ركعات التي صلاها النبي ﷺ في يوم فتح مكةى، على ما ذكر ت أم هانئ من الضحى.

стр. 737

وذكر السهيلي ما يقتضي أنها صلاة الفتح؛ لأنه قال: فصل: ذكر صلاة النبي ﷺ في بيت أم هانئ، وهي صلاة الفتح، يعرف ذلك عند أهل العلم، وكان الأمراء يصلونها إذا افتتحوا بلدا، قال الطبري١: صلى سعد بن أبي وقاص ﵁ حين افتتح المدائن، ودخل إيوان كسرى قال: فصلى فيه صلاة الفتح. قال: ويه ثمان ركعات، لا يفصل بينها، ولا تصلي بإمام؛ فبين الطبري سنة هذه الصلاة وصفتها. ومن سننها أيضا أن لا يجهر فيها بالقراءة، والأصل ما تقدم في صلاة رسول الله ﷺ في بيت أم هانئ؛ وذلك ضحى٢. انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين ما كان من حال فاطمة بنت النبي ﷺ مع أم هانئ، وقد بين ذلك الفاكهي في خبر ذكره؛ لأنه قال: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي طالب تقول: لما كان يوم الفتح، أتاني حموان لي؛ فأمنتهما، فجاء علي بن أبي طالب ﵁ يريد أن يقتلهما، فذهبت إلى النبي ﷺ فوجدت فاطمة، وكانت أشد علي من علي بن أبي طالب ﵁ فقالت: لم تؤمنين المشركين وتجيرينهم؟ فبينما أنا عندها إذ دخل رسول الله ﷺ على وجهه رهجة الغبار، فقلت: يا رسول الله إني أمنت حموين لي، وإن ابن أمي علي بن أبي طالب يريد قتلهما. فقال: "ما كان ذلك له، قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت" ... انتهى باختصار. ومنها: أن ابن هشام، قال في تفسير الرجلين اللذين أجارتهما أم هانئ يوم الفتح: هما الحارث بن هشام، وزهير بن أمية بن المغيرة٣ ... انتهى. وقد تقدم قوله بأن الذي أجارته أم هانئ هو ابنها جعدة بن هبيرة، حكاه السهيلي٢ وغيره، وفيه بعد لقولها في السيرة: وفر إلي رجلان من أحماي من بني مخزوم، ومرداهم بقولها: أحماي بسط العذر لها في إجازتها لهما، ولو كان المجار ابنها لقالت ابني، فإنه أولى في بسط العذر لها في ذلك، ولا يعارض ذلك قول ابن عبد البر. وفي حديث مالك وغيره أن الذي أجارته بعض بني زوجها هبيرة بن أبي وهب لإمكان أن يكون ابن زوجها الذي أجارته من غيرها، والله أعلم.

стр. 738

وممن ذكر أن أحد الرجلين اللذين أجارتهما أم هانئ ﵁ الحارث ابن هشام: الزبير بن بكار وغيره. ومنها: أن ابن إسحاق لم يبين اسم اليوم الذي طاف فيه النبي ﷺ بالكعبة، بعد أن فتح الله عليه مكة، وذكر الأزرقي عن الواقدي ما يبين ذلك؛ لأنه قال: حدثني جدي عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن عمرو الهذلي قال: قدم رسول الله ﷺ مكة يوم الجمعة لعشر ليال بقين من شهر رمضان، فبث السرايا في كل وجه ... انتهى. وإذا كان قدوم النبي ﷺ إلى مكة في اليوم المشار إليه؛ فهو اليوم الذي طاف فيه بالكعبة؛ لأن النبي ﷺ طاف بالكعبة يوم دخل مكة في الفتح، على ما هو مقتضى الأخبار الواردة في ذلك، وخحرجح مغلطاي في "سيرته" بأن النبي ﷺ طاف بالكعبة يوم الجمعة، لعشر بقين من رمضان؛ لأنه قال فيما أخبرت به عنه: وطاف النبي ﷺ بالبيت يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان ... انتهى. ومنها: أن ابن إسحاق روى بسنده إلى صفية بنت شيبة: أن رسول الله ﷺ ، لما نزل مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت؛ فطاف به سبعا على راحلته١، وهذا ليس فيه بيان ما تعرف به الراحلة التي طاف عليها رسول الله ﷺ يوم فتح مكة؛ لأن النبي ﷺ عدة رواحل وهي: العطباء، والقصواء، والجدعاء، وإن كان قيل في الجميع إنهن واحدة، وقد بين ذلك ابن عمر ﵁ في حديثه في دخول النبي ﷺ الكعبة يوم فتح مكة، وصلاته فيما، على ما رويناه عنه في الصحيحين وغيرهما؛ وفي لفظ البخاري فيه: حدثنا شريح بن النعمان قال: حدثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أقبل النبي ﷺ عام الفتح، وهو مردف أسامة ﵁ على القصواء، ومعه بلال، وعثمان بن طلحة؛ حتى أناخ عند البيت، ثم قال لعثمان: "ائتنا بالمفتاح" فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب، فدخل النبي ﷺ ، وأسامة، وبلال، وعثمان ﵃، ثم أغلقوا عليهم الباب، فمكث نهارا طويلا٢ ... انتهى باختصار. ومنها: أن ما ذكره ابن إسحاق في طواف النبي ﷺ يوم الفتح يقتضي أن النبي ﷺ طاف على راحلته، لقوله فيه: فطاف به سبعا على راحلته. وقد روينا في حديث ابن عمر ﵄ ما يخالف ذلك في صحيح مسلم وغيره. ولفظ مسلم: أخبرنا ابن عمر قال: أنبأنا سفيان، عن أيوب السختياني عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح، على ناقة

стр. 739

أسامة بن زيد ﵁، حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم عاد عثمان بن طلحة؛ فقال: "ائتني بالمفتاح" فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه، أو ليخرجن هذا السيف من صلبي. فأعطته إياه، فجاء إلى النبي ﷺ فدفعه إليه، ففتح الباب، قال: ثم ذكر مثل حديث حماد بن زيد ... انتهى. توفي حديث ابن عمر السابق قريبا من "صحيح البخاري" ما يقتضي أن النبي ﷺ طاف يوم الفتح على راحلته وذلك يوافق ماذكره ابن إسحاق والله أعلم بالصواب، وحديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ السابق من "صحيح مسلم" أخرجه الأزرقي في تاريخه عن جده، عن سفيان بن عيينة عن أيوب١ من غير إحالة في نفسه، على خلاف ما صنع مسلم. ومنها: أن ابن إسحاق ذكر أن النبي ﷺ دعا عثمان بن طلحة بسبب مفتاح الكعبة، وليس في كلامه ما يبينم هل هذا الدعاء من النبي ﷺ أو برسول إلى عثمان ﵁، لقوله ابن إسحاق: فلما قضي طوافه دعا عثمان بن طلحة ... انتهى. وفي حديث ابن عمر ﵄ السابق قريبا من "صحيح البخاري" ما يدل على أنه دعاه بنفسه لقوله فيه: ثم قال ﷺ لعثمان: "ائتنا بالمفتاح". وذكر الأزرقي خبرا يقتضي أن النبي ﷺ أرسل في ذلك إلى عثمان ﵁ بلالا، ثم أبا بكر ﵁، وعمر ﵁، لما أبطأ عثمان ﵁، لأنه قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: انصرف رسول الله ﷺ يوم الفتح، بعدما طاف على راحلته، فجلس ناحية من المسجد والناس حوله، ثم أرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة ﵁، فقال ﷺ : "قل له إن رسول الله ﷺ يأمر أن تأتيه بمفتاح الكعبة". فجاء بلال إلى عثمان ﵁: نعم، فخرج إلى أمه "سلافة بنت سعد" بن سعيد الأنصارية، ورجع بلال ﵁ مع الناس؛ فقال عثمان لأمه، والمفتاح يومئذ عندها: يا أمه أعطيني المفتاح، فإن رسول الله ﷺ أرسل إلي، وأمرني أن آتي به إليه. فقالت له: أعيذك بالله أن تكون الذي تذهب بمأثرة قومك على يديك. قال: والله لتدفعنه أو ليأتينك غيري فيأخذه منك. فأدخلته في حجرها وقالت: أي رجل يدخل يده هاهنا؛ فبينما هما على ذلك، إذ سمعت سوت أبي بكر ﵄ في الدار، وعمر ﵁ رافع

стр. 740

صوته حين رأى إبطاء عثمان: يا عثمان اخرج، فقالت أمه: يا بني خذ المفتاح، فلأن تأخذه أنت أحب إلي من أن تأخذه تيم أو عدي، فأخذه عثمان، فأتى به رسول الله ﷺ ، فناوله إياه؛ فلما ناوله إياه فتح الكعبة١ ... انتهى باختصار. وذكر الواحدي في تفسيره "الوسيط" وكتابه "أسباب النزول" ما يقتضي أن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى عثمان بن طلحة، ليأخذ منه مفتاح الكعبة في يوم فتح مكة، ولكن كلام والواحدي يقتضي أن عثمان ﵁ لم يكن حين أخذ ذلك منه مسلما، وهو يخالف ما ذكره العلماء بهذا الشأن، من أنه كان مسلما. وفي طلب بنفسه المفتاح من عثمان ﵁، والله أعلم. ومنها: أن ما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن النبي ﷺ لم يفتح الكعبة، يوم فتح مكة؛ وإنما فتحت له، لقوله: فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها٢. وفي حديث ابن عمر السابق من "صحيح مسلم" ما يقتضي أن النبي ﷺ فتح الكعبة بنفسه في يوم الفتح لقوله فيه فجاء به إلى النبي ﷺ ؛ فدفعه إليه ففتح الباب. وفي الخبر السابق من تاريخ الأزرقي عن الواقدي ما يوافق ذلك، لقوله فيه: فلما ناوله إياه فتح الكعبة. وبوب المحب الطبري في "القرى" على حديث ابن عمر ﵄ المشار إليه بقوله: "ما جاء أن النبي ﷺ فتح البيت بنفسه" ... انتهى؛ ولكن في حديث ابن عمر ﵄ السابق في "صحيح البخاري" ما يقتضي خلاف ذلك؛ لأن فيه قال لعثمان: "ائتنا بالمفتاح" فجاءه بالمفتاح، ففتح له، فدخل رسول الله ﷺ ... انتهى. وهذا يوافق ما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم بالصواب. ومنها: أن ابن إسحاق ذكر دخول النبي ﷺ يوم الفتح، وليس فيما ذكره ما يبين هل طال مكثه ﷺ فيه أو قصر، ولا هل كان البيت مغلقا أو مفتوحا؟ ولا هل كان على الباب أحذ يذب الناس أم لا؟ فأما طول مكثه ﷺ في البيت وإغلاق بابه في يوم الفتح ففي حديث ابن عمر ﵄ السابق من "صحيح البخاري" ما يقتضي ذلك لقوله فيه: ثم أغلقوا عليهم الباب فمكث نهارا طويلا. وفي حديث أسامة بن زيد ﵄ أيضا ما يدل لإغلاق الباب؛ لأن في "سنن النسائي" من حديثه، أنه دخل هو ورسول الله ﷺ ، فأمر لإغلاقه الباب؛ لأن في "سنن النسائي" من حديثه، أنه دخل هو ورسول الله ﷺ ، فأمر بلالا ﵁ فأجاف الباب٣ ... انتهى باختصار. وحديث أسامة هذا يقتضي أن بلالا ﵁ هو الذي أجاف الباب؛
следующие страницы →