له عسكرا مصر والشام، بعد أن عزل حميضة ورميثة لكثرة الشكوى إليه منهما، ولم يصل أبو الغيث العسكر المجهز له إلى مكة إلى بعد أن فارقها "حميضة" و"رميثة" ولم تطل ولاية أبي الغيث على مكة؛ لأنه لسوء تدبيره قصر في حق من جهز معه من العسكر، وضاق بهم؛ فكتب لهم بخطه باستغنائه عنهم، ففارقوه بعد شهرين؛ فلم يملك بعد أن فارقوه إلا جمعة حتى وصل إليه حميضة وحاربه، فغلب حميضة أبا الغيث، ولجأ إلى هذيل بنخلة١ مكسورا، وأرسل حميضة إلى السلطان الملك الناصر ليستعطفه، فلم يرض عنه، وأرسل أبو الغيث يستنصر السلطان فوعده بالنصر، ثم التقى الأخوان في رابع ذي الحجة سنة أربع عشرة، فأسر حميضة أبا الغيث، ثم قتله٢، ودامت وليته على مكة إلى شعبان سنة خمس عشرة وسبعمائة.
ثم وليها رميثة في هذه السنة٣ بولاية من الملك الناصر وجهز معه عسكرا كثيرا، ولم يصلوا مكة إلا بعد أن فارقها حميض؛ فقصده إلى الخلف والخليف، وكان لجأ إليه يستحصن به؛ فلم يظفروا به، وانهزم إلى العراق، وقصد خربندا.
ودامت ولاية "رميثة" إلى انقضاء الحج من سنة سبع عشرة، أو أول سنة ثمان عشرة.
ثم وليها حميضة بعد رجوعه من العراق، وأخرج منها رميثة إلى نخلة بموافقة أهل مكة له على ذلك، ويقال: إن ذلك بموافقة "رميثة" أيضا، ويقال: إنه قطع خطبة الملك الناصر وخطب لصاحب العراق أبي سعيد خربندا، ولم تطل ولاية حميضة هذه؛ لأن الملك الناصر لما علم بفعله جهز إليه في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة جيشا٤. وأمرهم ألا يعودوا إلى بحميضة، فلم يظفروا به، ودام مهججا في البرية إلى أن قتل سنة عشرين وسبعمائة٥، ولما انقضى الموسم من سنة ثمان عشرة قبض على مقدم العسكر الأمير بهادر الإبراهيمي لاتهامه بالتقصير في القبض على حميضة، وعلى رميثة، لاتهامه بأن ما يفعله أخوه من الشغب بموافقة، وحملهما إلى القاهرة.
وولي مكة: عطيفة بن أبي نمي بولاية من ملك الناصر: وجهز معه عسكرا؛ وذلك في المحرم سنة تسع عشرة وسبعمائة٦. ولما وصلوا إلى مكة كثر بها الأمن
стр. 807
ودامت ولاية عجلان بمفرده إلى سنة ثمان وأربعين١.
ثم وليها معه أخوه ثقبة، ودامت ولايته إلى سنة خمسين وسبعمائة، ثم استقل ثقبة بالإمرة في هذه السنة لما توجه فيها عجلان إلى مصر، ثم استولى عجلان على مكة في خامس شوال من سنة خمسين، ودامت ولايته إلى موسم سنة اثنين وخمسين.
ثم وليها "ثقية" مع أخيه عجلان في موسم هذه السنة، بموافقة منهما على ذلك، وكان ثقبة قد وليها بمفرده في هذه السنة فلما وصلا إلى مكة في ذي القعدة من هذه السنة، لم يمكنه عجلان من البلاد؛ فأقام بخليص حتى جاء مع الحاج، وأصلح أمير الحاج بينه وبين أخيه على المشاركة في الإمرة٢.
ثم استقل "ثقبة" بالإمرة في أثناء سنة ثلاث وخمسين، بعد قبضة على أخيه "عجلان"، واستمر: "ثقبة" إلى أن قبض عليه في موسم سنة أربع وخمسين٣.
ووليها بعده أخوه عجلان، واستمر "عجلان" منفردا بالإمرة إلى أن اصطلح هو وأخوه "ثقبة" على الاشتراك فيها في تاسع عشر المحرم سنة سبع وخمسين٤.
ثم وليها عجلان بمفرده في موسم هذه السنة.
ثم اشتركا في الإمراء في موسم سنة ثمان وخمسين، ودامت ولايتهما إلى أن عزلا في أثناء سنة ستين وسبعمائة بأخيهما "سند بن رميثة"، وابن عمهما "محم بن عطيفة ابن أبي نمي"، وجهز مع ابن عطيفة من مصر عسكرا فيه أربعة أمراء، مقدم الأمير جركتمر المارداني٥ صاحب الحجاب بالقاهرة، وكان وصولهم مع ابن عطيفة إلى مكة في جمادى الآخر سنة ستين وسبعمائة، وكان سند باليمن مع إخوته؛ فوصل إلى مكة ولاءم الأمراء، ودامت ولايته وولايته ابن عطيفة إلى أن رحل الحاج من مكتة في سنة إحدى وستين وسبعمائة.
ثم زالت ولاية ابن عطيفة بأثر ذلك، وسبب زوالها أن بعض بني حسن جرح بعض الترك الذين جهزهم الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون للإقامة بمكة، عوض "جركتمر" ومن معه من الأحرار، لتأييد سند وابن عطيفة في إمرة مكة؛ فغضب للتركي الأتراك، وغضب للحسني بنو حسن، وتخلى محمد بن عطيفة عن
стр. 808
الفريقين، وظن أن أمره بمكة يكون مستقيما، وإن لم يكن العسكر بن مقيما؛ فقدر أن الترك انكسروا، وفي المسجد حصروا، وبما خف من أموالهم رحلوا، فرحل ابن عطيفة في إثرهم لتخوفه في المقام بعدهم، بسبب ما كان بين ذوي عطيفة والقواد والقتل، وهكذا ذكر لي رحيل ابن عطيفة بعد العسكر من يعتمد على خبره من أهل مكة، ووجدت بخط بعض أصحابنا، فيما نقله من خط ابن محفوظ، ما نصه بعد ذكره لهذه الحادثة: وراحوا١ الأمراء، وقعد محمد بن عطيفة، وسند في البلاد ... انتهى، والله أعلم بصحة ذلك.
وكان "ثقبة" جاء إلى مكة بإثر هذه الفتنة، واشترك مع أخيه "سند" في هذه الإمراء، إلى أن مات في شوال سنة اثنين وستين وسبعمائة٢.
وولي مكة في هذه السنة "عجلان"، وكان بمصر معتقلا؛ فأطلقه الأمير يلبغا المعروف بالخاسكي٣، لما صار إليه تدبير المملكة، بعد قتل الملك الناصر حسن، وولي معه في الأمراء أخاه ثقبة، بسؤال عجلان، ووصل عجلان إلى مكة وثقبة عليل، ولم يدخل مكة حتى مات ثقبة؛ فولي معه في الإمراء ابنه أحمد بن عجلان٤؛ وذلك في شوال سنة اثنتين وستين، وجعل له ربع المتحصل يصرفه في خاصة نفسه، وعلى عجلان كافية العسكر، ثم إن "سندا" استولى على "جده" ونازع في الإمراء، فلم يتم له أمر، واخترمته المنية، ودامت ولاية عجلان وابنه إلى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ثم انفرد أحمد بن عجلان بالإمرة بسؤال أبيه له في ذلك على شروط شرطها، منها: أن لا يقطع اسمه في الخطبة، والدعاء على زمزم، فوفى له ابنه بذلك.
واستمر أحمد منفردا بالإمرة، إلى أن وليها معه ابنه محمد بن أحمد بن عجلان في سنة ثمانين وسبعمائة بسؤال أبيه على ما بلغني؛ إلا أن أباه لم يظهر لولاية محمد أثرا لاستبداده بالإمرة؛ وذلك لصغر سن ابنه، ودامت ولايتهما إلى أن مات أحمد بن عجلان في حادي وعشرين شعبان سنة ثمان وثمانين.
ثم استقل محمد بن أحمد بالإمرة، حتى قتل في مستهل ذي الحجة من هذه السنة، وكان عمه كبيش يدبر له الأمر، ولما قتل هرب، وكان رأيه أن ابن أخيه لا يحضر لخدمة المحمل؛ فلم يسمع منه وحضر فقتل، ولكنه فاز بالشهادة،
стр. 809
ثم وليها بعد قتل محمد: عنان بن مغامس بن مريثة بن أبي نمي١، واستولى على جدة أيضا، ثم استولى على جدة كبيش بمن معه من العرب وغيرهم، ونبهت الأموال التي بجدة للحضارم والغلال التي فيها لبعض الدولة بمصر، والتف عليهم لطمع بعض أصحاب عنان، ثم انتقلوا إلى الوادي، وعات العبيد في الطرقات، وعنان مقيم بمكة.
واشترك معه في الإمرة بنو عمه: أحمد بن ثقبة٢، وعقيل بن مبارك بن رميتة٣، ثم أشرك عنان في الأمرة: علي بن مبارك٤، بعد مفارقته لكبيش ومن معه وملاءمته لعنان، وكان يدعى لهم معه على زمزم، ورأى أن ذلك تقوية لأمره؛ فكان الأمر بخلاف ذلك، لكثرة ماحصل عليه من الاختلاف، ونمى الخبر إلى السلطان بمصر، فعزل عنانا، وولي عوضة "علي بن عجلان بن رميثة"، ووصل الخبر بولايته في شعبان سنة تسع وثمانين، وتوجه "علي" مع "كبيش" وآل عجلان، ومن جمعوا إلى مكة؛ فلم يمكنهم منها عنان وأصحابه، واقتتلوا في التاسع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين بأذاخر٥. فتقل "كبيش" وغيره ممن معه، ورجع آل عجلان إلى الوادي، ودخل عنان وأصحابه مكة وأقاموا بها إلى أن كان الموسم من سنة تسع وثمانين، ثم فارقوها وقصدوا الزيمة٦ من وادي نخلة، ودخل مكة "علي بن عجلان" وجماعته، وكان قد توجه بعد وقعة أذاخر إلى السلطان بمصر، فولاه نصف إمرة مكة، وولي عنانا النصف الآخر، بشرط حضور عنان إلى خدمة المحمل المصري، وبلغ عنان النصف الآخر؛ فلما كاد أن يصل إليه خوف من آل عجلان عنان، ففر وتبعه أصحابه إلى الزيمة، وبعد رحيل الحاج من مكة نزلوا الوادي وشاركوا "علي بن عجلان" في إمرة جدة، ثم سافر عنان إلى مصر في أثناء سنة تسعين، واعتقل بها في السنة التي بعدها واصطلح "علي بن عجلان" والأشراف، واستمر منفردا بالإمرة إلى أن شاركه فيها عنان في أثناء سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، بولاية من الملك الظاهر٧ في ابتداء دولته الثانية، ووصل إلى مكة من القاهرة في نصف شعبان من السنة المذكورة، واصطلح مع آل عجلان، وكان معه القواد، ومع "علي" الشرفاء، وكانوا غير متمكنين من القيام بمصالح البلد كما ينبغي؛ لمعارضة بني حسن لهما في ذلك، ودامت ولايتهما٨ على هذه الصفة إلى الرابع والعشرين من صفر سنة أربعة وتسعين وسبعمائة.
стр. 810
ثم انفرد بها علي بن عجلان، وسبب ذلك أن بعض جماعته١ هم بالفتك بعنان في السمعي؛ فلم يظفروا به لفراره منهم، ولم يدخل مكة إلا أن استدعى هو، وعلي بن عجلان للحضور إلى السلطان بمصر، ودخلها ليتجهز منها بعد أن أخليت له من العبيد، وأقام بها مدة قصيرة، ثم خرج فتوجه إلى مصر، ولحقه علي بن عجلان، وترك بمكة أخاه محمد بن عجلان مع العبيد، وتخلف عنان بمصر، وجاء "علي" إلى مكة في موسم سنة أربع وتسعين منفردا بولاية مكة، ودامت ولايته عليها إلى أن استشهد في تاسع شوال سنة سبع وتسعين.
وكان في غالب ولايته مغلوبا مع الأشراف، وسبب ذلك أنه بعد شهر من وصوله من مصر قبض على جماعة من أعيان الأشراف والقواد، ثم خودع فيهم؛ فأطلقهم، وصاروا يشوشون عليه، ويكلفون ما لا تصل قدرته إليه، وأفضى الحال من تشويشهم عليه إلى أن قل الزمان بمكة، "وجدة"، فقصد التجار "ينبع"، ولحق أهل مكة من ذلك شدة.
ولما قتل بأمر مكة أخوه "محمد بن عجلان" مع العبيد، إلى أن وصل أخوه السيد الشريف حسن بن عجلان٢ من الديار المصرية، بولاية مكة عوض أخيه، وكان قدم مصر في سنة سبع وتسعين مغاضبا لأخيه، فاعتقله السلطان، ثم رضي عنه وولاه مكة بعد قتل أخيه، ودخل مكة في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، وضبط أحوال البلاد وحسم مواد الفساد، وأخذ بثأر أخيه من الأشراف في حرب كانت بينه وبينهم، بمكان من وادي مر، يقال له الزبادة، في يوم الثلاثاء خامس عشر من شوال من السنة المذكورة، وكان المقتولون من الأشراف وجماعتهم نحو أربعين نفرا، ولم يقتل من عسكر السيد حسن إلا واحدًا أو اثنان. واستمر مفردا بالولاية إلى أن اشترك معه فيها ابنه السيد بركات٣؛ وذلك في سنة تسع وثمانمائة، ووصل توقيعه بذلك في موسم هذه السنة، وهو مؤرخ بشعبان منها.
ثم سعي لابنه السيد شهاب الدين أحمد بن حسن٤ في نصف الإمرة التي كانت معه، فأجيب إلى سؤاله، وولي نصف الإمرة شريكا لأخيه، وولي أبوهما نيابة السلطنة لجميع بلاد الحجاز؛ وذلك في ربيع الأول سنة إحدى عشر وثمانمائة، وجرى توقيعهم بذلك في أوائل النصف الثاني من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وصار يدعى له
стр. 811
ولولديه في الخطبة بمكة، وعلى قبة زمزم، ويدعى للسيد حسن بمفرده في الخطبة بالمدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وسبب ذلك: أنه كان ولي المدينة عجلان بن نعير بن منصور بن جماز بن شيحة الحسني١، عوض أخيه ثابت بن نعير٢؛ فإنه كان ولي إمرتها في هذه السنة، ومات ثابت في صفر من هذه السنة قبل وصوله توقيعه، واسشتمرت الخطبة باسم الشريفة حسن بالمدينة النبوية إلى أن عزل عنها "عجلان" بابن عمهم سليمان بن هبة الله بن جماز بن منصور٣، في موسم سنة اثني عشرة وثمانمائة، وكان يقدم في الخطبة على عجلان.
وفي هذه السنة أيضا عزل الشريف حسن وابناه عن ولايتهم، ولم يظهر لذلك أثر بمكة؛ لأن السلطان الملك الناصر٤ فرج ابن الملك الظاهر برقوق أسرّ أمر عزلهم، ثم رضي عليهم بعد توجه الحجاج من القاهرة في هذه السنة؛ فأعادهم إلى ولايتهم، وبعث إليهم بتقليد وخلع بصحبة خادمه الحاج فيروز الشاقي٥، وكتب إلى أمير الحج المصري يأمره بالكف عن محاربتهم؛ فأحمد الله -تعالى- الفتنة بذلك، وبدا من الشريف حسن بعد دخول الحجاج إلى مكة أمور محمودة، من حرصه على الكف عن إذاية الحجيج، ولولا ذلك لعظم عليهم البكاء والضجيج، والله يزيده توفيقا ويسهل له إلى كل خير طريقا. وتاريخ ولايتهم في هذه السنة: الثاني عشر من ذي القعدة الحرام، ووصل الخبر بها في آخر يوم من ذي القعدة، وولي السيد حسن المذكور تدبير الأمور والقيام بمصالح العسكر والبلاد، ودامت ولايته على ذلك إلى أثناء صفر سنة ثمان عشرة وثمانمائة.
ثم ولي مكة بعد ذلك: السيد رميثة بن محمد بن عجلان بن رميثة٦، وما دخل مكة ولا دعي له في الخطبة ولا على زمزم إلا في العشر الأول من ذي الحجة من السنة المذكورة، وكانت قراءة توقيعه في يوم دخوله إلى مكة، وهو مستهل ذي الحجة من السنة المذكورة، وتاريخه رابعه عشر من صفر؛ وصرح فيه بأنه ولي نيابة السلطنة بالحجاز
стр. 812
عوضا عن عمه، وإمرة مكة عوضا عن ابن عمه، والله -تعالى- يسدده وإلى الخير يرشده.
ثم عزل عن ذلك في ثامن عشرين من رمضان من سنة تسع عشرة وثمانمائة، وولي عمه السيد الشريف حسن بن عجلان١ دون ولديه إمره مكة، ودخلها لابسا خلعة السلطان الملك المؤيد نصرة الله تعالى بالولاية، في بكرة يوم الأربعاء السادس والعشرين من شوال من هذه السنة، وبإثر طوافه بالبيت قرئ توقيعه، وكان يوما مشهودا، وفي ليلة يوم الأربعاء المذكور فارق مكة السيد رميثة ومن معه بعد حرب شديدة كانت بينهم وبين عسكر السدي حسن بن عجلان بالمعلاة في يوم الثلاثاء خامس عشر من شوال ظهرت فيه عسكر السيد حسن بن عجلان بالمعلاة في يوم الثلاثاء خامس عشر من شوال، ظهرت فيه عسكر السيد حسن علي من عاداهم؛ لأنهم لما أقبلوا من الأبطح ودنوا من باب المعلاة أزالوا من كان على الباب وقربه من أصحاب رميثة بالرمي بالنشاب والأحجاب، وعمد بعضهم إلى باب المعلاة فدهنه وأوقد تحته النار، فاحترق حتى سقط إلى الأرض، وقصد بعضم طرف السور الذي يلي الجبل الشامي مما يلي المقبرة، فدخل منه جماعة من الترك وغيرهم، ورقوا موضعا مرتفعا من الجبل، ورموا منه بالنشاب وبالأحجار من كان داخل الدرب من أصحاب رميثة، فتعبوا لذلك كثيرا، ونقب بعضهم ما يلي الجبل الذي هم فيه من السور نقبا متسعا حتى اتصل بالأرض، ودخل منه جدماعة من الفرسان من عسكر السيد حسن إلى مكة، ولقيهم جماعة من أصحاب رميثة وقاتلوهم حتى أخرجوهم من السور، وقد حصل في الفريقين جراحات، وهي في أصحاب رميثة وقاتلوهم حتى أخرجوهم من السور، وقد حصل في الفريقين جراحات، وهي في أصحاب رميثة أكثر، وقصد بعض أصحاب حسن أصغر من القتال، وكان السيد حسن كارها للقتال رحمة منه لمن مع رميثة من القواد العجزة، ولو أرادوا الدخول إلى مكة بكل عسكره من الموضع الذي دخل منه بعض عسكره لقدر على ذلك، وأمضى الخيرة بترك القتال، وبإثر ذلك وصل إليه جماعة من الفقهاء والصالحين بمكة، ومعهم ربعات شريفة، وسألوه في كف عسكره عن القتال؛ فأجاب إلى ذلك على أن يخرج من عانده من مكة؛ فمضى الفقهاء إليهم وأخبروهم بذلك، فتأخروا عنه إلى جوف مكة بعد أن توثقوا ممن أضار من القتال، ودخل السيد حسن من السور بجميع عسكره، وخيم حول بركتي المعلاة، وأقام هناك حتى أصبح، وأمن المعاندين له خمسة أيام وتوجهوا في أثنائهم إلى جهة اليمن.
وفي صغر من سنة عشرين وثمانمائة أتى السيد رميثة خاضعا لعمه واجتمعا بالشرف؛ فأكرم عمه وفادته، وتآلفا على الكرامة، فلله الحمد.
стр. 813
ثم في أول سنة أربع وعشرين وثمانمائة فوضت إمرة مكة للسيد حسن بن عجلان وابنه السيد زين الدين بركات١، في أول دولة الملك المظفر أحمد ابن الملك المؤيد، وكتب عنه بذلك عهد شريف مؤرخ بمستهل صفر سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وجهز لهما تشريفتين من خزانته الشريفة، ووصل ذلك مع العهد لمكة في ثاني عشر ربيع الأول، وقرئ العهد بالمسجد الحرام بظل زمزم في الحطيم، بحضور القضاة والأعيان في بكرة يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول، وقرئ بعد ذلك كتاب السلطان الملك المظفر، وهو يتضمن الأخبار بوفاة والده وعهد إليه بالسلطنة ومبايعة أهل الحل والعقد له بذلك، بعد وفاة أبيه وجلوسه على تخت المملكة، وغير ذلك من الأمور التي تصنع للملوك، وتفويضه إمرة مكة للسيد حسن بن عجلان وابنه السيد بركات وبحثهما على مصالح الرعية والتجار، وغير ذلك من مصالح المسلمين بمكة، وتاريخه الرابع عشر من صفر، وفيه أن وفاة الملك المؤيد في يوم الاثنين ثاني المحرم، ولبس السيد بركات تشريفته، وطاف عقب ذلك بالكعبة الشريفة والمؤذن يدعو له على حسب العادة فوق زمزم، وخرج من باب الصفا فركب ودار في شوارع مكة، وكان أبوه إذ ذاك غائبا بناحية الواديين من اليمن، ودامت ولاية السيد حسن بن عجلان وابنه السيد بركات إلى أوائل سنة سبع وعشرين وثمانمائة.
ثم ولي إمرة مكة السيد علي بن عنان بن مغامس بن رميثة الحسني٢ بمفرده، وتوجه إليها من مصر صحبة اتلعسكر المنصور الأشرفي، واستولى على مكة بغير قتال؛ لأن السيد حسن وابنه وجماعتهم فارقوها، ودخل السيد علي بن عنان إلى مكة لابسا خلعه الولاية، ضحوة يوم الخميس سادس جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وطاف بالكعبة المعظمة سبعا، والمؤذن يدعو له على زمزم، وبعد فراغه من صلاة الطواف قرئ توقيعه بالولاية بظل زمزم، وفيه أنه ولي إمرة مكة عوض السيد حسن بن عجلان، وركب بعد ذلك من باب الصفا، ودار في شوارع مكة والخلعة عليه؛ ثم مضى في ثالث يوم إلى جدة لتنجيل٣ ما وصل إليهما من الهند وغير ذلك، ورفق بالقادمين، ودعا بالعسكر المنصور إلى مكة في سابع جمادى الآخرة، وضربت باسمه السكة، وابتدأت الخطبة باسمه السكة، وابتدأت الخطبة باسمه في سابع جمادى الأولى.
واستمر ابن عنان متوليا إلى أول ذي الحجة سنة ثمان وعشرين، وهي هذا التاريخ وصل السيد حسن بن عجلان إلى مكة المشرفة بأمان من صاحب مصر السلطان الأشرف برسباي، ودخل مكة لابسا خلعة الولاية في يوم الأربعاء ذي الحجة من السنة،
стр. 814
وفوضت إليه إمرة مكة، وخطبت له، وتوجه بعد الحج إلى مصر؛ فنال إكراما كثيرا، وقفرر في إمرة مكة في العشرين من جمادى الأولى سنة تسع وعشرين، وهو عليل، واستمر كذلك حتى وفي في سادس عشر جمادى الآخر من السنة المذكورة بالقاهرة بعد أن تجهز للسفر إلى مكة.
ثم إن السلطان استدعى ولده السيد بركات بن حسن بن عجلان إلى مصر؛ فقدمها في ثالث عشرين من رمضان، فوصى إليه إمرة مكة عوضا عن أبيه في سادس وعشرين من رمضان من السنة، واستقر إخوة السيد إبراهيم١ نائبا عنه، وخلع عليهما تشريفتين، وتوجها إلى مكة في عاشر شوال من السنة؛ فوصلوا إليها في أوائل العشر الأوسط من ذي القعدة منها، وقرئ عهد الشريف بركات بالولاية وليس الخلعة.
هذا ما علمناه من خبر ولاة مكة في الإسلام، وقد أوعينا في تحصيل ذلك الاجتهاد، وما ذكرناه من ذلك غير واف بكل المراد؛ لأنه خفي علينا جماعة من ولاة مكة، وخصوصًا ولاتها من زمن المعتمد وإلى ابتداء ولاية الأشراف في آخر خلافة المطيع العباسي، وخفي علينا كثير من تاريخ ابتداء ولاية كثير منهم وتاريخ انتهائها، ومع ذلك فهذا الذي ذكرناه من ولاة مكة ليس له في كتاب نظير والذي لم نذكره من الولاة هو اليسير، وسبب الإقلال في ذلك والتقصير ما ذكرناه من أنا لم نر مؤلفا في هذا المعنى نستضيء به، وذلك مع المقدور لعدم العناية بتدوين كل قضية من أحوال الولاة عند وقوعها. وقد شرحنا كثيرا من أحوالهم، وما أجملناه من أخبارهم في كتابنا المسمى "بالعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين"، وفي مختصره المسمى: "عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى"؛ فمن أراد معرفة ذلك فليراجع أحد الكتابين؛ فإنه يعلم من حالهم أمورا كثيرا، وفي هذين الكتابين فوائد كثيرة مستغرفبة وأخبار مستعذبة.
والحمد لله على التوفيق، ونسأله الهداية إلى أحسن طريق.
стр. 815
الباب الثامن والثلاثون
في ذكر شيء من الحوادث المتعلقة بمكة في الإسلام
...
الباب الثامن والثلاثون:
في ذكر شيء من الحوادي المتعلقة بمكة في الإسلام:
لا شك أن الأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا، وخفي علينا كثير من ذلك، لعدم العناية بتدوينه في كل وقت، وقد سبق مما علمناه من ذلك أمور كثيرة في مواضع من هذا الكتاب؛ بعضها فيما يتعلق بسور مكة في الباب الأول من هذا الكتاب، وبعضها فيما يتعلق بأنصاب الحرم؛ وذلك في الباب الثالث من هذا الكتاب، وبعضها في الأخبار المتعلقة بالكعبة في الباب السابع، والباب الثامن من هذا الكتاب وبعضها في أخبار المقام؛ وذلك في الباب السادس عشر من هذا الكتاب، وبعضها في الأخبار المتعلقة بالحجر -بسكون الجيم- وذلك في الباب السابع عشر من هذا الكتاب، وبعضها في الأخبار المتعلقة بالمسجد الحرام؛ وذلك في الباب الثامن عشر، والتاسع عشر من هذا الكتاب، وبعضها في الأخبار المتعلقة بزمزم وسقاية العباس؛ وذلك في الباب العشرين من هذا الكتاب، وبعضها في الأخبار المتعلقة بالأماكن المباركة بمكة وظاهرها؛ وذلك في الباب الحادي والعشرين من هذا الكتاب، وبعضها في الأخبار المتعلقة بالأماكن التي لها تعلق بالمناسك؛ وذلك في الباب الثاني والعشرين من هذا الكتاب، وبعضها في الأخبار المتعلقبة بالمآثر بمكة كالربط والمدارس وغير ذلك، وذلك في الباب الثالث والعشرين من هذا الكتاب، وبعضها في الأخبار المتعلقة بولاة مكة في الإسلام؛ وذلك في الباب السابع والثلاثين من هذا الكتاب، وبعضها يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الأخبار المتعلقة بسيول مكة، وما كان فيها من الغلاء والرخص والوباء؛ وذلك في الباب التاسع والثلاثين من هذا الكتاب، وبعضها أيضا يأتي إن شاء الله تعالى في الأخبار المتعلقة بأسواق مكة؛ وذلك في الباب الأربعين من هذا الكتاب. والمقصود ذكره في هذا الباب وهو الباب الثامن والثلاثون: أخبار تتعلق بالحجاج، ولها تعلق بمكة أو باديتها، وحج جماعة من الخلفاء والملوك في حال خلافتهم وملكهم، ومن خطب له من الملوك
стр. 816
وغيرهم في خلافة بني العباس، وما جرى بسبب الخطبة بمكة بين ملوك مصر والعراق، وما أسقط من المكوسات المتعلقة بمكة، وراعينا في ذكر ذلك تاريخ وقوعه، لا مناسبة كل حادثة لما قبلها، مع مراعاتها للاختصار في جمع ما ذكرناه.
فمن الأخبار المقصود ذكرها هنا: أن أبا بكر الصديق ﵁ خليفة رسول الله ﷺ حج بالناس سنة اثنتي عشرة من الهجرة١، وهو الذي حج بالناس سنة تسع من الهجرة٢.
ومنها: أن عمر بن الخطاب ﵁ حج بالناس في جميع خلافته إلا السنة الأولى منها، وي سنة ثلاثة عشرة، فحج بالناس فيها عبد الرحمن بن عوف الزهري- رضي الله عنه٣
ومنها: أن عثمان بن عفان ﵁ حج بالناس في جميع خلافته إلا في السنة الأولى منها، وهي سنة أربع وعشرين٤؛ فحج بالناس فيها عبد الرحمن بن عوف الزهري ﵁ وإلا السنة الأخيرة وهي سنة خمس وثلاثين من الهجرة، حج بالناس فيها عبد الله بن عباس بن عبد المطلب -رضي الله عنهما٥.
ومنها: أنه في سنة تسع وثلاثين من الهجرة، كاد أن يقع بمكة قتال بين قثم بن العباس ﵁ عامل مكة لعلي بن أبي طالب ﵁، وبين يزيد بن شجرة الرهاوي، الذي بعثه معاوية ﵁ لإقامة الحج وأخذ البيعة له بمكة، ونفي عامل علي ﵁ عنها، ثم وقع الصلح بينهما، على أن يعتزل كل منهما الصلاة بالناس، ويختار الناس من يصلي بهم ويحج بهم. فاختاروا شيبة بن عثمان الحجبي فصلى بهم وحج بهم٦.
ومنها: أنه في سنة أربعين من الهجرة وقف الناس بعرفة في اليوم الثامن، وضعوا في اليوم التاسع، على ما ذكر العتيقي في "أمراء الموسم"؛ لأنه قال: وأقام للناس الحج لسنة أربعين المغيرة بن شعبة ﵁ بكتاب افتعله على لسان معاوية -رضي
стр. 817
الله عنه- أنه ولاه الموسم، ثم خشي أن يفطن لذلك؛ فوقف بالناس يوم التروية على أنه يوم عرفة، وضحوا يوم عرفة١ ... انتهى.
ونقل الذهبي في "تاريخ الإسلام"، عن الليث بن سعد ﵁ ما يدل لما ذكره العتيقي، وأفاد في ذلك ما لم يفده العتيقي؛ لأنه قال في أخبار سنة أربعين من الهجرة: حج بالناس المغيرة بن شعبة، ودعا لمعاوية ﵁، وقال الليث بن سعد ﵁: حج لمعاوية سنة أربعين؛ لأنه كان معتزلا بالطائف؛ فافعل كتابا عام الجماعة، فقدم الحج يوما خشية أن يجيء أمير، فتخلف عنه ابن عمر ﵄، وصار معظم الناس مع ابن عمر ﵄. قال الليث: قال نافع: فلقد رأيتنا ونحن غادون من منى، وقد استقبلونا مفيضين من جمع، فأقمنا بعدهم ليلة٢ ... انتهى.
وهذا إن صح عن المغيرة ﵁، فلعله صح عنده رؤية هلال ذي الحجة٣ على وفق ما فعل، ولم يصح ذلك عند من خالفه، فتأخروا عنه لذلك، والله أعلم.
ومنها أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ حج بالناس سنة أربع وأربعين من الهجرة٤، وسنة خمسين٥ منها على ما ذكر العتيقي.
ومنها: أن عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄ حج بالناس تسع حجج ولاء؛ أولها سنة ثلاث وستين٦، وآخرها سنة إحدى وسبعين٧ على ما ذكر العتيقي، وكان في سنة اثنتين وسبعين محصورا، حصره الحجاج٨.
ومنها: أنه في سنة ست وستين من الهجرة، وقف بعرفة أربعة ألوية؛ لواء ابن الزبير على الجماعة، ولواء لابن عامر على الخوارج، ولواء محمد ابن الحنفية على الشيعة، ولواء أهل الشام من مضر لبني أمية، وذكر ذلك المسبحي قال: وحج بالناس عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما٩.
стр. 818
ومنها: أن عبد الملك بن مروان حج بالناس في سنة خمس وسبعين١، وفي سنة ثمان وسبعين٢، على ما ذكر العتيقي.
ومنها: أن الوليد بن عبد الملك بن مروان حج بالناس سنة إحدى وتسعين٣، وفي سنة خمس وتسعين٤ على ما قيل.
ومنها: أن سليمان بن عبد الملك بن مروان حج بالناس سنة تسع وتسعين٥.
ومنها: أن هشام بن عبد الملك بن مروان حج بالناس سنة ست ومائة٦.
ومنها: أنه في سنة تسع وعشرين ومائة؛ بينما الناس معرفة، ما شعروا إلا وقد طلعت عليهم أعلام وعمائم سود على رؤوس الرماح، ففزع الناس حين رأوهم، وسألوهم عن حالهم، فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان -وهو يومئذ على مكة والمدينة- وطلب منهم الهدنة؛ فقالوا نحن بحجنا أحق وعليه أشح، فصالحهم على أنهم جمعيا آمنون بعضهم من بعض بمنى في منزل السلطان، ونزل أبو حمزة الخارجي مقدم الفريق الآخر بقرن الثعالب٧؛ فلما كان النفر الأول نفر فيه عبد الواحد وخلى مكة، فدخلها أبو حمزة٨ بغير قتال، وكان من أمره ما سبق في باب الولاة بمكة٩.
стр. 819
ومنها: أن أبا جعفر المنصور ﵁ ثاني خلفاء بني العباس- حج بالناس، على ما ذكر العتيقي في سنة أربعين ومائة من الهجرة١، وفي سنة أربع وأربعين٢، وفي سنة سبع وأربعين٣، وفي سنة اثنتين وخمسين من الهجرة٤، وهو الذي حج بالناس سنة ست وثلاثين، قبل أن تقضى إليه الخلافة٥، وفيها أفضت إليه، وأراد الحج بالناس في سنة ثمان وخمسين ومائة من الهجرة؛ فحالت المنية بينه وبين ذلك، بعد أن كاد يدخل مكة، وكانت وفاته ببئر ميمون٦ ظاهر مكة.
ومنها: أن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي حج بالناس سنة ستين ومائة٧ من الهجرة، وفي سنة أربع وستين ومائة٨ من الهجرة، وفي كل حجتيه يأمر بتوسعة المسجد الحرام؛ ففي الأولى جرد الكعبة مما عليها من الكسوة مخافة الثقل عليها، وكساها كسوة جديدة، وأنفق في حجته الأولى في الحرمين أموالا عظيمة، يقال عليها، وكساها كسوة جديدة، وأنفق في حجته الأولى في الحرمين أموالا عظيمة، يقال إنها ثلاثون ألف ألف درهم، وصل بها من العراق، وثلاثمائة ألف دينار وصلت إليه من مصر، ومائتا ألف دينار وصلت إليه من اليمن، ومائة ألف ثوب وخمسون ألف ثوب٩.
وما ذكرناه من حج المهدي مرتين، سنة ستين وفي سنة أربع وستين؛ ذكره الإمام الأزرقي في تاريخه٩، وذكر أنه في كل منهما أمر بالزيادة في المسجد الحرام، ولم يذكر العتيقي إلا حجته الأولى، وذكر أنه في سنة وستين خرج إلى الحج، فرجح في العقبة لعله أصابته١٠.
وهو أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة، وذلك في حجته الأولى.
ومنها: أن هارون الرشيد بن المهدي العباسي حج بالناس -على ما ذكر العتيقي- تسع حجج متفرقة وذلك في سنة سبعين ومائة١١، وسنة ثلاث وسبعين
стр. 820
ومائة١، وسنة أربع وسبعين ومائة٢، وسنة خمس وسبعين ومائة٣، وسنة سبع وسبعين ومائة٤، وسنة تسع وسبعين ومائة٥، وسنة إحدى وثمانين ومائة٦، وسنة ست وثمانين ومائة٧، وسنة ثمان وثمانين ومائة٨، وذكر ابن الأثير حج الرشيد بالناس في هذه السنين، وذكر أنه في سنة سبعين قسم الحرمين عطاء كثيرا٩، وأنه فيسنة ثلاث وسبعين أحرم بالحج من بغداد١٠، وأنه في سنة أربع وسبعين قسم في الناس مالا كثيرا١١، وأنه في سنة تسع وسبعين مشى من مكة إلى منى إلى عرفات، وشهد المشاعر كلها ماشيا، وأنه اعتمر في رمضان هذه السنة شكرا لله١٢ تعالى على قتل الوليد بن طريف١٣، وعاد إلى المدينة؛ فأقام بها إلى وقت الحج، وحج بالناس، وفعل ما سبق١٤، وأنه في سنة ست وثمانين بلغ عطاؤه في الحرمين ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وجعل في الكعبة العهد الذي عهده بين ولديه الأمين والمأمون، بعد أن عهد عليهما في الكعبة العهد الذي عهده بين ولديه الأمين والمأمون، بعد أن عهد عليهما في الكعبة بالوفاء١٥ وأنه في سنة ثمان وثمانين قسم أموالا كثيرة، قال: وهي آخر حجة حجها في قول بعضهم، وهو آخر خليفة حج من العراق١٦.
ومنها: أنه في سنة تسع وتسعين ومائة، وقف الناس بعرفة بلا إمام، وصلوا بلا خطبة؛ وسبب ذلك، أن أبا السرايا داعية ابن طباطبا١٧ بعث حسينا الأفطس للاستيلاء
стр. 821
على مكة، وأقام الموسم بها١؛ فلما آن وقت الحج فارق مكة واليها داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ومن كان معه بها من شيعة بني العباس مع قدرته على القتال والدفع، وافتعل كتابا من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم، وقال له: أخرج فصل بالناس بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبت بمنى، وصل الصبح ثم اركب دابتك فانزل طريق عرفة، وخذ على يسارك في شعب عمرو٢ حتى تأخذ طريق المشاش حتى تلحقني ببستان ابن عامر؛ ففعل ذلك؛ فلما زالت الشمس يوم عرفة تدافع للصلاة قوم من أهل مكة، وقيل لقاضي مكة: اخطب بالناس وصل بهم، قال: فلمن أدعو وقد هرب هؤلاء وظل هؤلاء على الدخول؟ فقيل له: لا تدع أحد، فلم يفعل، وقدموا وقدموا رجلا فصلى بالناس الصلاتين بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا بعرفة، ثم دفعوا بغير إمام.
ولما بلغ الأفطس خلو مكة من بني العباس؛ دخلها قبيل الغروب في نحو عشرة من أصحابه؛ فطافوا وسعو ومضوا إلى عرفة، فوقفوا بها ليلا، وأتوا مزدلفة، فصلى حسين بالناس فيها صلاة الفجر، ودفع إلى منى، وأقام بها أيام الحج، ثم أتى مكة ففعل فيها ما سبق ذكره في باب الولاة من الأفعال القبيحة٣.
ومنها: أنه في سنة مائتين من الهجرة نهب الحجاج بستان ابن عامر، وسبب ذلك: أن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق أخا علي بن موسى الكاظم، بعد استيلائه على اليمن في هذه السنة، وجه إلى اليمن رجلا من ولد عقيل بن أبي طالب في جند ليحج بالناس؛ فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر، فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن؛ فعلم العقيلي أنه لا يقوى بهم، فأقام ببستان ابن عامر، فاختار قافلة من الحاج، معهم كسوة الكعبة وطيبها، فأخذوا أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها، وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين، فاستشار المعتصم أصحابه، قال الجلودي: أنا أكفيك ذلك، فرده، فانتخب مائة رجل وسار إلى العقيلي، فصبحهم فقاتلهم، فانهزموا، وأسر أكثرهم، وأخذ كسوة الكعبة، وأموال التجار إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك، فأخذ الأسرى فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط وأطلقهم، فرجعوا إلى اليمن يستطيعون الناس، فهلك أكثرهم في الطريق٤ ... انتهى
стр. 822
وبستان ابن عامر١ هو ببطن نخلة كما سبق بيانه٢.
ومنها: أنه في سنة ثمان وعشرين ومائتين أصحاب الناس في الموقف حر شديد وأضر بهم. ثم أصابهم فيه برد، واشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحر، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة، فقتلت جماعة من الحجاج٣ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة إحدى وخمسين ومائتين لم يقف الناس بعرفة لا ليلا ولا نهارا، وقتل فيها خلق كثير، وسبب ذلك: أن إسماعيل بن يوسف العلوي -السابق ذكره في باب الولاة بمكة- بعد ظهوره بها في السنة، وما فعله فيها من الأفعال القبيحة بمكة والمدينة وجدة، ووافى الموقف بعرفة وبها محمد بن إسماعيل بن عيسى بن المنصور الملقب كعب البقر، وعيسى بن محمد المخزومي، وكان المعتز وجههما إليهما، فقاتلهم إسماعيل، وقتل من الحجاج نحو ألف ومائة، وسلب الناس، وهربوا إلى مكة، ولم يقفلوا بعرفة لا ليلا ولا نهارا. ووقف إسماعيل وأصحابه٤ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة اثنتين وستين ومائتين خاف الناس أن يبطل الحج، وسبب ذلك: أنه في هذه السنة وقع بين الجزارين والحناطين بمكة قتال يوم التروية، فخاف الناس أن يبطل الحج، ثم تحاجزوا إلى أن الحج الناس، وقتل منهم تسعة عشر رجلا٥.
ومنها: أنه في سنة تسع وستين ومائتين، وثب الأعراب على كسوة الكعبة وانتهبوها، فصار بعضهم إلى صاحب الزنج، وأصاب الحجاج فيها شدة شديدة٦.
ومنها: أنه في سنة تسع وستين ومائتين، كان قتال بين الحجاج المصريين أصحاب أحمد بن طولون، والعراقيين أصحاب أبي أحمد الموفق، وكان الظفر لأصحاب الموفق٧. وقد سبق هذه الحادثة في باب الولاة مبسوطة.
ومنها: أنه في سنة خمس وتسعين ومائتين كانت واقعة بين عج بن حاج٨ وبين الأجناد بمنى، ثاني عشر ذي الحجة، فقتل منهم جماعة؛ لأنهم طالبوا جائزة بيعة المقتدر، وهرب الناس إلى بستان ابن عامر.
стр. 823
وأصاب الحجاج في عودهم عطش عظيم، فمات جماعة، وحكي أن أحدهم كان يبول في كفة ثم يشربه١.
ومنها: أنه في سنة أربع عشرة وثلاثمائة٢، وفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة٣، وفي سنة ست عشرة وثلاثمائة٤, لم يحج إلى مكة أحد من العراق، على ما ذكر العتيقي في أخبار هذه الثلاث سنين، للخوف من القرمطي. وذكرها ما يقتضي أن الحج في هذه السنين لم يبطل من مكة، وذكر أنهم -يعني أهل مكة- حجوا في سنة أربع عشرة، على قلة من الناس خوف٥ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة سبع عشرة وثلاثمائة حج الناس من بغداد مع منصور الديلمي، وسلموا في طريق مكة من القرمطي، فوافدهم القرمطي مكة، وأسرف في قتلهم وأسرهم، وفعل في الكعبة ومكة أفعالا قبيحة، وقد ذكر أفعاله في هذه السنة جماعة من أهل الأخبار، منهم: أبو بكر عمر بن علي بن القاسم الذهبي في تاريخه، فيما حكاه عنه أبو عبيد البكري في كتابه "المسالك والممالك"، وأفاد فيما ذكره ما لم يفده غيره، فاقتضى ذلك ذكرنا بنصه؛ وذلك أنه قال: إن أبا طاهر القرمطي عدو الله وافي مكة يوم الاثنين لسبع خلون من ذي الحجة سنة سبع عشرة وثلاثمائة، في سبعمائة رجل من أصحابه، فقتل في المسجد الحرام نحوألف وسبعمائة من الرجال والنساء، وهم متعلقون بأستار الكعبة وردهم بهم زمزم، وفرش بهم المسجد وما يليه، وقتل في سكك مكة وشعابها من أهل خراسان والمغاربة وغيرهم زهاء ثلاثين ألفا، وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك، وأقام بمكة ستة أيام ولم يقف أحد تلك السنة بعرفة، ولا وافى نسكا، وهي التي يقال لها سنة الحمامي.
وأخذ حلي الكعبة، وهتك أستارها، وكان سدنة المسجد قد تقدموا إلى حمل المقام وتغييبه في بعض شعاب مكة، فتألم لفقده؛ إذ كان طلبه، فعاد عند ذلك عند الحجر الأسود فقلعه، وذكر من قلعه وتاريخ قلعه ما نقلناه عنه في أخبار الحجر الأسود.
ثم قال: ولم يأخذ الميزاب، وكان من الذهب الأبريز، وسبب ذلك: أنه لم يقدر على قلعة أحد من القرامطة الذين على ظهر الكعبة، ورام خلعه شخص منهم؛ فأصيب من أبي قبيس بسهم في عجزة، فسقط فمات.
стр. 824
قال: ورمى الله القرمطي في جسده، وطال عذابه، حتى تقطعت أوصاله، وأراه الله تعالى عبرة في نفسه١ ... انتهى.
وأما قول العتيقي في أخبار هذه السنة، ولم يحج أحد من العراق، ففيه نظر؛ لأنه إن أراد بالعراق عراق العجم، فهو يخالف مقتضى قول الذهبي السابق وقتل في سكك مكة وشعابها من أهل خراسان والمغاربة، وغيرهم زهاء ثلاثين ألفا ... انتهى. وهذا يدل لحج أهل خراسان؛ وهم من عراق العجم، وإن أراد عراق العرب؛ فهو يخالف ما ذكره ابن الأثير؛ لأنه قال: في أخبار سنة سبع عشرة وثلاثمائة: حج بالناس هذه السنة منصور الديلمي٢، سار بهم من بغداد إلى مكة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية٣، فذكر من أفعاله القبيحة بمكة بعض ما سبق ذكره٤.
ومنها: أنه في سنة تسع عشرة وثلاثمائة لم يحج ركب العراق. على ما ذكر الذهبي في "تاريخ الإسلام"٥.
ومنها: أنه في سنة عشرين وثلاثمائة، بطل الحج من العراق، على ما ذكر العتيقي، والذهبي، وذكر العتيقي أن فيها حج ناس من أهل المغرب واليمن٦.
ومنها: أنه في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة بطل الحج من بغداد، على ما ذكر العتيقي وابن الأثير، لاعتراض القرمطي يلهم في الطريق فيما بين القادسية والكوفة٧.
ومنها: أنه في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بطل الحج من ناحية العراق، على ما ذكر العتيقي٨.
ومنها: أنه في سنة خمس وعشرين بطل الحج من العراق، على ما ذكره العتيقي والذهبي٩.
ومنها: أنه في سنة ست وعشرين بطل الحج من العراق، على ما ذكره الذهبي، وأما العتيقي فقال في أخبار هذه السنة: وخرج من بغداد نفر يسير من الحجاج رجالة،
стр. 825
وقوم أكثروا من العرب، ونحروا في مكة، وحجوا وعادوا من طريق الشام، وعاد منهم قوم على طريق الجادة١ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، بطل الحج من العراق؛ لبعد المتقي عن العراق، واضطرب البلاد، على ما ذكر العتيقي٢.
ومنها: أنه في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة بطل الحج على ما ذكر العتيقي٣.
ومنها: أنه في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة٤، وسنة سبع وثلاثين وثلاثمائة٥، وسنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة٦، لم يحج أحد من العراق، على ما ذكر الذهبي في "تاريح الإسلام"، وذكر العتيقي ما يقتضي خلاف ذلك؛ لأنه قال: وحج بالناس في سنة خمس وثلاثين، وست وثلاثين، وسبع وثلاثين، وثمان وثلاثين، وتسع وثلاثين، عمر بن يحيى العلوي، بولاية السلطان له بذلك٧ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة أو في التي قبلها كان بين الحجاج العراقيين والمصريين قتال بسبب الخطبة بمكة، على ما ذكر العتيقي؛ لأنه قال: وحج بالناس سنة أربعين وثلاثمائة، وسنة إحدى أربعين وثلاثمائة، أحمد بن الفضل بن عبد الملك من مكة، وعارضه أهل مصر مع عمر بن الحسن بن عبد العزيز، وصحت الصلاة لأحمد بن الفضل، وكان أمير الحاج في بغداد عمر بن يحيى العلوي، ووقع بين عمر بن يحيى العلوي وابن الحسين محمد بن عبيد الله العلوي -وكان حاجا- وبين المصريين للمنبر٨ بعرفة. وأقام الحج عمر بن الحسن بن عبد العزيز بناحية بالأتراك والمصريين، وأقام لهم الحج٩ ... انتهى.
وذكر المسبحي ما يدل على أن هذه القصة كانت في سنة أربعين وثلاثمائة؛ لأنه قال في أخبار هذه السنة: وحج بالعراقيين أحمد بن الفضل بن عبد الملك الهاشمي أحمد، وحج بالمصريين أبو حفص عمر بن الحسن بن عبد العزيز وكانت سنة خلاف وفتنة حدثت بمكة ... انتهى.
стр. 826
وذكر غيره ما يدل على أن ذلك في سنة إحدى وأربعين؛ لأنه قال في أخبار هذه السنة: وفيها كان حرب بينم أصحاب معز الدولة، وأصحاب ابن طغج، وكان الظفر لأصحاب معز الدين ... انتهى.
ووقع مثل ذلك في سنة اثنتين وأربعين، وفي سنة ثلاث وأربعين، على ما ذكر ابن الأثير؛ لأنه قال في أخبار سنة اثنتين وأربعين: فيها سير الحجاج الشريفان أبو الحسن محمد بن عبد الله، وأبو عبد الله أحمد بن عمر بن يحيى العلويان؛ فجرى بينهما وبين عساكر المصريين من أصحاب ابن طغج حرب شديد، فكان الظفر لهما، فخطب لمعز الدولة بمكة؛ فلما خرجا من مكة لحقهما عساكر مصر، فقاتلهما فظفر بهم أيضا١.
وقال في أخبار سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة: فيها وقعت الحرب بمكة بين أصحاب معز الدولة، وأصحاب ابن طغج من المصريين؛ فكانت الغلبة لأصحاب معز الدولة، فخطب بمكة والحجاز لركن الدولة، ومعز الدولة، وولده عز الدولة بختيار، وبعدهم لابن طفج٢ ... انتهى.
وذكر المسبحي ما كان بين الفريقين في سنة ثلاث وأربعين، وذكر ذلك غيره، وأفاد في ذلك غير ما سبق؛ لأنه قال: في أخبار سنة ثلاث وأربعين: وكان بها أيضا حرب عظيمة بين أصحاب معز الدولة بن بويه والإخشيد بن محمد بن طغج صاحب الديار المصرية، ومنع أصحاب معز الدولة أصحاب الإخشيد من الصلاة بمنى والخطبة، ومنع أصحاب الإخشيد أصحاب معز الدولة من الدخول إلى مكة، والطواف٣ ... انتهى باختصار.
ومنها: أنه كان يدعى على المنابر بمكة والحجاز جميعة لكافور الإخشيدي صاحب مصر، ذكر هذه الحادية الملك المؤيد صاحب حماة٤، والظاهر أن الدعاء لكافور بمكة كان في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة؛ لأنه ولي السلطنة في هذه السنة بعد موت ابن أستاذه "علي بن محمد بن طغج الإخشيدي"، وكان هو المتولي لتدبير المملكة في سلطنة
стр. 827
ابن أستاذه المذكور، وسلطنة أخيه أبي القاسم، "أونجور" ومعناه بالعربي: محمود بن محمد بن طغج، ولعله كان يدعى لكافور في حال سلطنة المذكورين، لتوليه تدبير المملكة لهما، والله أعلم.
ومنها: أنه في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة لم يحج أحد من الشام ولا من مصر، على ما ذكر الذهبي١.
ومنها: أنه في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة خطب للمعز بن تميم بعد ابن المنصور العبيدي صاحب مصر؛ بمكة والمدينة واليمن، وبطلت الخطبة لبني العباس، وفرق فيه قائد حج مصر أموالا عظيمة في الحرمين؛ ذكر ذلك كله صاحب "المرآة" وذكر أن نقيب الطالبيين٢ حج بالناس من بغداد فيها٣.
ومنها -على ما قال ابن الأثير في أخبار سنة تسع وخمسين وثلاثمائة: وفيها كان الخطبة بمكة للمطيع لله، والقرامطة الهجريين، وخطب بالمدينة للمعز لدين الله العلوي، وخطب أبو أحمد الموسوي -والد الشريف الرضي- خارج المدينة للمطيع لله٤.
وذكر صاحب "المرآة" أن فيها خطب للمطيع وللهجريين بعده بمكة، وأن الفاعل لذلك أبو أحمد النقيب الموسوي، وذكر أنه حد بالناس في سنة ستين وثلاثمائة، وهذا يخالف ما ذكره العتيقي من انقطاع الحج في هذه السنة، وفي سنة تسع وخمسين؛ لأنه قال: وبطل الحج من العراق سنة تسع وخمسين، وسنة ستين وثلاثمائة من العراق والمشرق، فلم يحج أحد من هذه الجهات، لاختلاف كان وقع من جهة القرامطة٥ ... انتهى.
ودامت الخطبة للمطيع بمكة والحجاز فيما علمت إلى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
ومنها: أنه في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة خطب للمعز لدين الله صاحب مصر، بمكة والمدينة في الموسم٦.
стр. 828
وفيها: خرج بنو هلال وجمع من العربل على الحجاج، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وضاق الوقت وبطل الحج، ولم يسلم إلا من مضى مع الشريف أبي أحمد الموسوي والد الرضي على طريق المدينة، فتم حجهم ... انتهى من تاريخ ابن الأثير١.
ومنها: أنه في سنة أربع وستين وثلاثمائة بطل الحج من العراق مع توجههم منه؛ لأنهم قدروا أنهم لا يدركون الحج لأمر عرض لهم في الطريق، فعدلوا إلى المدينة المنورة، فوقفوا بها. ذكر ذلك بالمعنى ابن الأثير٢. وأما العتيقي فقال في أخبار هذه السنة: وحج بالناس سنة أربع وستين وثلاثمائة ابن القمر صاحب القرامطة٣ ... انتهى.
ومنها -على ما قال العتيقي: وبطل الحج في سنة خمس وستين وثلاثمائة، من ناحية العراق والمشرق، لاضطراب أمور البلاد٤ ... انتهى.
وفي هذه السنة -وهي خمس وستين- على ما ذكر صاحب "المرآة" حج بالناس علوي من جهة العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر، وخطب فيها بمكة والمدينة للعزيز٥ ... انتهى.
وذكر غيره ما يوافق ذلك، وأن العزيز أرسل جيشا في هذه السنة، فحصروا مكة وضيقوا على أهلها٦.
ومنها: أنه في سنة ست وستين وثلاثمائة حجت جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان حجا يضرب به المثل في التجمل وأفعال البر؛ لأنه كان معها أربعمائة محمل على لون واحد، ولم يعلم الناس في أيها كانت، وكست المجاورين في الحرمين، وأنفقت فيهم الأموال العظيمة، ولما شاهدت الكعبة نثرت عليها عشرة آلاف دينار من ضرب أبيها ... انتهى بالمعنى من "المرآة"٧.
وقد ذكر حج هذه المرأة جماعة من أهل الأخبار، منهم الذهبي؛ لأنه قال في أخبار سنة ست وستين: وفيها حجت جميلة بنت الملك ناصر حمدان، وصار حجها يضرب به المثل، فإنها أغنت المجاورين، وقيل: كان معها أربعمائة محمل، لا يدري في أيها هي، لكونهن في الحسن والزينة نسبة٨، ونثرت على الكعبة لما دخلتها عشرة آلاف دينار٩ ... انتهى.
стр. 829
وقال غيره في ذكر حجها: أنه كان معها عشرة آلاف جمل، وألف عجوز، ولم يحوج الناس إلى مأكول ولا مشروب، وحج معها الناس من أقطار الأرض، وأنفقت بمكة عشرين ألف دينار، وزوجت كل علوي وعلوية، وأنفقت بالمدينة مثلها. ثم قال: ويقال: إنها أنفقت في هذه الحجة ألف ألف دينار، ومائة وخمسين ألف دينار، ولما رجعت إلى بغداد صادرها عضد الدولة بن بويه، واستصفى أموالها، ثم أراد حملها إليه، فخرجت مع رسله، وتحيلت حتى ألفت نفسها في دجلة، وكانت من أزهد الناس وأعبدهم وأجراهم دمعة؛ فكانت تقوم نافلة الليل، وتسمع العظات وتكثر الصدقات١ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة سبع وستين -على ما قال ابن الأثير: سير العزيز بالله العلوي صاحب مصر وإفريقية أميرا على الموسم ليحج بالناس، وكانت الخطبة له بمكة، وكان الأمير على الموسم باديس بن زيري أخا يوسف بلكين خليفته بإفريقية؛ فلما وصل إلى مكة أتاه اللصوص بها، فقالوا له: نقبل الموسم منكم بخمسين ألف درهم ولا تتعرض لنا، فقال لهم: أفعل ذلك اجمعوا إلي أًصحابهم حتى يكون العقد مع جميعكم، فاجتمعوا -وكانوا نيفا وثلاثين رجلا- فقال: هل بقي منكم أحد؟ فحلفوا له أنه لم يبق منهم أحد، فقطع أيديهم كلهم٢ ... انتهى
ومنها: أنه في سنة سبعين وثلاثمائة خطب مكة والمدينة لصاحب مصر العزيز العبيدي دون الطائع العباسي على ما ذكر صابح "الرآة" وابن الأثير؛ إلا أنه لم يقل دون الطائع٣.
ومنها، على ما قال صاحب "المرآة" في أخبار سنة ثمانين وثلاثمائة: حج بالناس أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد الله العلوي نيابة عن الشريف أبي أحمد الموسوي٤، وكان لهم من سنة إحدى وسبعين لم يحج أحد من العراق، بسبب الفتن والخلف من العراقيين والمصريين، وقيل: إنهم حجوا في سنة اثنتين وسبعين مع أبي الفتح العلوي، وفي سنة يثمان وسبعين وثلاثمائة، والله أعلم.
وذكر العتيقي ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: وحج بالناس سنة اثنتين وسبعين وثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع وسبعين، وسنة ثمان وثلاثمائة: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يحيى بن عبيد الله العلوي ... انتهى.
стр. 830
ومنها: أنه في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة لم يحج من العراق ولا من الشام أحد، على ما قال ابن الأثير؛ لأنه قال في أخبار هذه السنة: فيها عاد الحاج من الثعلبية١، ولم يحج من الشام والعراق أحد، وسبب عودهم أن الأصفر أمير العرب اعترضهم وقال: إن الدراهم التي أرسلها السلطان عام أول كانت نقر مطلية وأريد العوض، وطالب المخاطبة والمراسلة، فضاق الوقت على الحجاج فرجعوا٢ ... انتهى.
وأما الذهبي فقال في أخبار هذه السنة: لم يحج من العراق ولا من الشام ولا من اليمن أحد على العادة، وحج الناس من مصر ... انتهى.
وأما الذهبي فقال في أخبار هذه السنة: لم يحج من العراق ولا من الشام ولا من اليمن أحد على العادة، وحج الناس من مصر ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة بطل الحج -على ما قال العتيقي؛ لأنه قال: وبطل الحج سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، لبعد السلطان منها واختلاف بين العرب٣.
ومنها: أنه في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، لبعد السلطان منها واختلاف بين العرب٤.
ومنها: أنه في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة لم يحج من العراق أحد، خوفا من الأصفر قال: وبطل الحج سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة، لبعد السلطان منها واختلاف بين العرب٥.
ومنها: أنه في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة لم يحج من العراق أحد، خوفا من الأصفر الأعرابي؛ ذكر ذلك هكذا صاحب "المرآة" وغيره٦.
وذكر العتيقي ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: وحج بالناس سنة ثلاث وتسعين وأربع وتسعين أبو الحارث بن محمد بنعمر بن يحيى العلوي ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة ست وتسعين وثلاثمائة خطب بمكة والمدينة للحاكم صاحب مصر على جاري٧ العادة، وأمر الناس بالحرمين بالقيام عند ذكره، وكذلك كانت عادتهم بمصر والشام٨.
ومنها: أنه في سنة سبع سبع وتسعين، وثلاثمائة لم يحج الركب العراقي مع توجههم؛ لاعتراض ابن الجراح لهم بالثعلبية ومطالبته لهم بالمال، فرجعوا إلى بغداد لضيق الوقت عليهم.
وحج الناس من مصر، وبعث الحاكم كسوة الكعبة وما لا لأهل الحرمين، وذكر ذلك صاحب "المرآة" وغيره٩.
стр. 831
ومنها أنه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة لم يحجد من العراق أحد، على ما ذكر صاحب "المرآة"١.
ومنها على ما قال العتيقي: وبطل الحج من العراق سنة إحدى وأربعمائة، ورجع الحجاج من بغداد٢.
ومنها على ما قال العتيقي: وبطل الحج في سنة ثلاث وأربعمائة لمسير رجل من القرامطة يعرف بابن عيسى المنتفقي والناير الخويلدي، وجماعة من العرب إلى ظاهر الكوفة، فحاصروها وانصرفوا، وقد فات الحجاج المسير فعادوا من الكوفة إلى بغداد٣ ... انتهى.
ومنها على ما قال العتيقي: وبطل الحج في سنة ست وأربعمائة لخراب الطريق واستيلاء العرب عليه؛ قال: وبطل الحج سنة سبع وأربعمائة بتأخر أهل خراسان٤ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة ثمان وأربعمائة لم يحج أحد من العراق، على ما ذكره صاحب "المرآة" وغيره٥.
ومنها على ما قال العتيقي" وبطل الحج في سنة تسعه وأربعمائة فخرجوا من بغداد مع عمر بن مسلم؛ فاعترضتهم العرب فيما بين القصر والحاجر، والتمسوا منهم زيادة مع عمر بن مسلم، فاعترضتهم العرب فيما بين القصر والحاجر، والتمسوا منهم زيادة على رسومهم، فرجعوا من القصر، وبطل الحج في هذه السنة٦.
وبطل الحج في سنة عشرة وأربعمائة بتأخر ورود أهل خراسان عن الحضور في هذه السنة في الحج٧.
وفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة بتأخر ورود أهل خراسان في هذه السنة ... انتهى.
وذكر صاحب "المرآة" ما يوافق ذلك.
ومنها: على ما قال العتيقي وبطل الحج في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، بتأخر ورود أهل خراسان٨ ... انتهى.
стр. 832
ومنها: أنه في سنة أربع عشرة وأربعمائة كان بمكة فتنة، قتل فيها جماعة من الحجاج المصريين ونهبوا بسبببها، وتجرأ بعض الملاحدة على الحجر الأسود فضربه بدبوس، وقد ذكر هذه الحادثة جماعة من أهل الأخبار، منهم ابن الأثير؛ لأنه قال في أخبار سنة أربع عشرة وأربعمائة: ذكر الفتنة بمكة في هذه السنة، كان يوم النفر الأول يوم الجمعة؛ فقام رجل من مصر بإحدى يديه سيف مسلول، وبالأخرى دبوس، بعدما فرغ الإمام من الصلاة فقصد ذلك الرجل الحجر الأسود فاستلمه، فضرب الحجر ثلاث ضربات بالدبوس، وقال: إلى متى يعبد الحجر الأسود ومحمد وعلي؟ فليمنعني مانع من هذا؛ فإني أريد أن أهدم البيت، فخاف أكثر الحاضرين وترجعوا عنه وكاد يفلت، فثار به وأحرقوا، فثارت الفتنة، وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين رجلا، غير ما أخفى منهم، وألح الناس ذلك اليوم على المغاربة من القتلى أكثر من عشرين رجلا؛ غير ما أخفى منهم، وألح الناس ذلك اليوم فلما كان الغد ماج الناس واضطربوا، وأخذوا أربعة من أصحاب ذلك الرجل، وقالوا: نحن مائة رجل؛ فضربت أعناق هؤلاء الأربعة١ ... انتهى باختصار لما يتعلق بأمر الحجر الأسود.
وذكر الذهبي٢ هذه الحادثة في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ونقل ذلك عن ابن الأثير عن محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي، وذكر القصة بمعنى ما ذكر ابن الأثير، وزيادة منها: أنه كان على باب المسجد عشرة من الفرسان، على أن ينصروا الذي ضرب الحجر، وأنه كان أحمر أشقر تام القامة جسيما، ونقل عن هلال بن المحسن أن الضارب للحجر كان من استغواهم الحاكم العبيدي صاحب مصر، وأفسد أديانهم على ما قيل ... انتهى.
وذر بعضهم ما يوهم أن هذه الحادثة اتفقت في سنة نيف وستين وأربعمائة، وهذا وهم قطعا، وفي الخبر الذي فيه ذلك أن القاتل للرجل الضارب للحجر رجل من أهل اليمن من السكاسك؛ فالله تعالى يثيبه.
ومنها على ما قال العتيقي: إن الحج بطل من العراق، لتأخر أهل خراسان في سنة خمس عشرة، وفيما بعدها إلى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة؛ إلا أنه قال في سنة إحدى وعشرين: حج من الكوفة قوم من العرب في قافلة كبيرة، ورجعوا سالمين إلى الكوفة في
стр. 833
آخر المحرم، وقال في سنة اثنتين وعشرين: وحج من الكوفة قوم من الرجالة، ومات منهم خلق عظيم في الطريق: وذكر الذهبي: مايوافق ذلك؛ إلا أنه لم يذكر شيئا في سنة خمس عشرة، ولا في سنة اثنتين وعشرين.
ومنها على ما قال العتيقي: وبطل الحج في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، لتأخر ورود أهل خراسان، وكان وصولهم إلى بغداد سلخ شوال، وتأخروا عن الخروج، وأقاموا إلى سلخ ذي العقدة، ورجعوا إلى خراسان وحج قوم من الرجالة سيرا١ ... انتهى.
وقال الذهبي في أخبار هذه السنة: ورد من مصر كسوة للكعبة، وأموال للصدقة وصلات لأمير مكة، ولم يحج ركب العراق لفساد الطريق٢ ... انتهى.
وقال ابن الأثير في أخبار هذه السنة: خرجت العرب على حجاج البصرة فأخذوهم ونهبوهم، وحج الناس من سائر البلاد إلا من العراق٣.
ومنها على ما قال العتيقي: وبطل الحج في سنة أربع وعشرين وأربعمائة؛ لتأخر أهل خراسان في هذه السنة، وخرج نفر يسير من الرجالة، وعمر الطريق، وقال: وبطل الحج في سنة خمس وعشرين وأربعمائة لتأخر أهل خراسان ... انتهى.
وقال الذهبي في أخبار سنة خمس وعشرين وأربعمائة، لم يحج العراقيون ولا المصريون خوفا من البادية، وحج أهل البصرة مع من يخفرهم؛ فغدروا بهم ونهبوهم٤ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة ست وعشرين وأربعمائة، لم يحج أحد من أهل العراق وخراسان٥.
ومنها: أنه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، لم يحج أحد من أهل العراق؛ لفساد البلاد واختلاف الكلمة. وذكر هاتين الحادثتين هكذا ابن كثير٦.
ومنها: أنه في سنة ثلاثين وأربعمائة، لم يحج فيها من العراق ومصر والشام أحد؛ ذكر ذلك هكذا الذهبي في "تاريخ الإسلام"، وأما ابن كثير فقال في أخبار هذه السنة: لم يحج فيها أحد من أهل العراق وخراسان٧ ... انتهى.
стр. 834
ومنها: أنه في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، لم يحج فيها أحد من أهل العراق١.
ومنها: أنه في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة لم يحج فيها أحد، ولا في اللواتي قبلها.
ومنها: أنه في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة لم يحج أهل العراق في هذا العام٢.
ومنها: أنه في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة لم يحج أحد من ركب العراق في هذا العام٣.
ومنها: أنه في سنة أربعين وأربعمائة لم يحج أحد من أهل العراق؛ ذكر هذه الخمس حوادث هكذا ابن كثير٤، وذكر ما يقتضي لم يحج أحد من أهل العراق في سنة إحدى وأربعين٥، وكذلك عام ثلاثة وأربعين٦، وكذلك عام ستة وأربعين٧، وكذلك عام ثمانية وأربعين٨.
ومنها: أنه في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة لم يحج أحد من أهل العراق في هذه السنة٩. وكذلك سنة اثنتين وخمسين؛ غير أن جماعة اجتمعوا إلى الكوفة، وذهبوا مع طائفة من الحضر١٠.
ومنها: أنه في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة لم يحج أحد في هذه السنة، ذكر هذه الحادثة هكذا ابن كثير١١، وذكر اللتين قبلها كما ذكرناه.
ومنها: أنه في سنة خمس وخمسين وأربعمائة حج علي بن محمد الصليحي صاحب اليمن، وملك فيها مكة، وفعل فيها أفعالا جميلة من العدل والإحسان، ومنع المفسدين١٢.
قال محمد بن هلال الصابي: وورد في صفر -يعني سنة ست وخمسين من الحج- من ذكر دخول الصليحي مكة في سادس ذي الحجة، واستعماله الجميل مع
стр. 835
أهلها، وإظهاره العدل فيها، وأن الحجاج كانوا آمنين أمنا لم يعهدوا مثله؛ لإقامة السياسة والهيبة حتى كانوا يعتمرون ليلا ونهارا وأموالهم محفوظة، ورحالهم محروسة. ويقدم بجلب الأقوات، فرخصت الأسعار وانتشرت له الألسن بالشكر، وأقام إلى يوم عاشوراء، ثم قال: وفي رواية: أقام بمكة إلى ربيع الأول. وذكر ما سبق من تأميره مكة لمحمد بن أبي هاشم المقدم ذكره١ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة اثنين وستين وأربعمائة أعيدت الخطبة العباسية بمكة، وخطب فيها بمكة للسلطان ألب أرسلان السلجوقي مع "القائم" الخليفة العباسي، والفاعل لذلك محمد بن أبي هاشم أمير مكة، على ما ذكر غير واحد من أهل الأخبار؛ منهم ابن الأثير؛ لأنه قال: في أخبار سنة اثنتين وستين وأربعمائة: وفيها ورد رسول لصاحب مكة محمد بن أبي هاشم ومعه ولده إلى السلطان ألب أرسلان، بخبره بإقامة الخطبة للخليفة "القائم" وللسلطان بمكة، وإسقاط خطبة العلوي صاحب مصر، وترك الأذان بحي على خير العمر، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة، وأجرى له كل سنة عشرة آلاف دينار، وقال: لو فعل أمير المدينة منها كذلك أعطيته عشرين ألف دينار، وكل سنة خمسة آلاف دينار٢ ... انتهى.
وذكر ابن كثير ما يقتضي أن الخطبة العباسية أعيدت بمكة قبل هذا التاريخ؛ لأنه قال: في أخبار سنة تسع وخمسين وأربعمائة: حج بالناس أبو الغنائم النقيب، وخطب بمكة للقائم بأمر الله العباسي٣ ... انتهى.
وذكر بعض مشايخنا في تاريخه ما يقتضي أن ذلك وقع في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، بإشارة النقيب أبي الغنائم، محمد بن أبي هاشم، فعزله أهله على ما فعل، لقطع الميرة من مصر عن مكة ... انتهى بالمعنى.
فهذه ثلاثة أقوال في ابتداء الخطبة العباسية بمكة، والله أعلم بالصواب.
ومنها: أنه في سنة سبع وستين قطعت الخطبة العباسية بمكة، وأعيدت خطبة المستنصر صاحب مصر؛ لإرساله هدية جليلة لابن أبي هاشم، وذكر ذلك ابن الأثير بالمعنى، قال: وكانت مدة الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة أشهر٤ ... انتهى.
وذكر ابن الأثير إعادة الخطبة للمستنصر في ذي الحجة من هذه السنة.
стр. 836
ومنها: أنه في سنة ثمان وستين وأربعمائة أعيدت الخطبة العباسية في ذي الحجة منها، على ما ذكر ابن الأثير وابن كثير؛ إلا أنه لم يقل في ذي الحجة١.
ومنها: كانت بمكة فتنة بين أمير الحجاج العراقي خليع٢ التركي، مقطع الكوفة، وبين بعض العبيد؛ لأنه لما حج في هذه السنة نزل في بعض دور مكة، فكبسه بعض العبيد، فقتل منهم مقتله عظيمة، وهزمهم هزيمة شنيعة، وكان بعد ذلك ينزل بالزاهر، ذكر هذه الحادثة بمعنى ما ذكرناه ابن الساعي، فيما نقله عنه ابن كثير٣.
ومنها: أنه في سنة سبعين وأربعمائة أرسل وزير الخليفة العباسي من بغداد منبرا هائلا، عمله لتقام عليه الخطبة العباسية بمكة؛ فلما وصل المنبر إليها إذا الخطبة قد أعيدت للمصريين، فكر ذلك المنبر وحرق، ذكر ذلك ابن الجوزي بمعنى ما ذكرناه، وذكر ذلك غيره٤.
ومنها: أنه في سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة قطعت خطبة المصريين بمكة وخطب فيها للمقتدي والسلطان٥.
ومنها أنه في سنة تسع وسبعين وأربعمائة قطعت خطبة المصريين من مكة والمدينة؛ ذكر هاتين الحادثتين هكذا ابن كثير٦.
ومنها: أنه في سنة خمس وثمانين وأربعمائة خطب بمكة للسلطان محمد بن السلطان ملك شاة السلجوقي، من بعد وفاة والده، وخطب له أيضا بالمدينة، وفي جميع ممالك أبيه٧.
ومنها: أنه في سنة ست وثمانين وأربعمائة -على ما قال ابن الأثير في أخبار هذه السنة- انقطع الحاج من العراق لأسباب أوجبت ذلك، وسار الحاج من دمشق مع أمير أقامه تاج الدولة تتش صاحبها؛ فلما قضوا حجهم وعادوا سائرين؛ سير أمير مكة -وهو محمد بن أبي هاشم- عسكرا فلحقوهم بالقرب من مكة ونهبوا كثيرًا من أموالهم وجمالهم فعادوا إليها أخبروه، وسألوه أن يعيد إليهم ما أخذ منهم، وشكوا إليه بعد
стр. 837
ديارهم؛ فأعاد بعض ما أخذه منهم، فلما أيسوا منه ساروا من مكة عائدين على أقبح صورة ... انتهى باختصار لما تم عليهم من البلاء في عودهم من العرب، وأهلك الله ابن أبي هاشم في السنة التي بعد هذه السنة١.
ومنها: أنه في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة لم يحج أحد من الناس، لاختلاف السلاطين٢.
ومنها: أنه في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة لم يحج أحد من أهل العراق فيها؛ ذكر هاتين الحادثتين هكذا ابن كثير٣.
ومنها: أنه في سنة تسع وثمانين وأربعمائة ذهب للحجاج، وهم نازلون بقرب وادي نخلة كثيرا من الأموال والدواب والأزواد؛ وذلك أنه أصابهم سيل عظيم فأغرقهم، ولم ينج منهم إلا من تعلق بالجبال٤.
ومنها: أنه في سنة ست عشرة وخمسمائة لم يحج الركب العراقي، على ما وجدت بخط بعض المكيين٥. وأما ابن كثير فقال: وفي سنة ست عشرة وخمسمائة حج الناس، وفيه نظر٦.
ومنها: أنه في سنته ثلاثين وخمسمائة لم يحج الركب العراقي على ما وجدت بخط بعض المكيين٧.
ومنها: أنه في سنة ثلاثين وخمسمائة لم يحج الركب العراقي، على ما وجدت في "المرآة"٨.
ومنها: أنه في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة نهب أصحاب هاشم بن فليتة أمير مكة الحجاج وهم في المسجد الحرام يطوفون ويصلون، ولم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة؛ وذلك لوحشة بين أمير مكة وبين أمير الحاج. ذكر هذه الحادثة بمعنى ما ذكرنا ابن الأثير وغيره٩.
стр. 838
ومنها: أنه في سنة أربع وأربعين وخمسمائة أقام الحجاج بمكة إلى انسلاخ ذي الحجة من هذه السنة، ونهبهم العرب بعد رحيلهم من مكة في ثالث عشر المحرم سنة خمس وأربعين١.
ومنها: أنه في سنة ست وخمسين وخمسمائة حج السلطان نور الدين محمود بن زنكي المعروف بالشهيد صاحب دمشق وغيرها٢.
ومنها: أنه في سنة سبع وخمسين وخمسمائة كانت فيها فتنة بين أهل مكة والحاج العراقي؛ سبببها أن جماعة من عبيد مكة أفسدوا في الحاج بمنى؛ فنفر عليهم بعض أصحاب أمير الحاج برغش فقتلوا منهم جماعة، ورجع من سلم إلى مكة، وجمعوا جموعا أغاروا على جمال الحاج، وأخذوا منها قريبا من ألف جمل؛ فنادى أمير الحاج في جنده فركبوا بسلاحهم، ووقع القتال بينهم، فقتل جماعة، ونهب جماعة من الحجاج وأهل مكة، فرجع أمير الحاج ولم يدخل مكة، ولم يقم الحاج بالزاهر غير يوم واحد، وعاد كثير من الناس رجالة لقلة الجمال، ولقوا شدة، ورجع بعضهم قبل إكمال حجة، وهم الذين لم يدخلوا مكة يوم النحر للطواف والسعي. ذكر هذه الحادثة هكذا ابن الأثير.
وذكر صاحب "المنتظم" أن أمير مكة بعث إلى أمير الحاج يستعطفه ليرجع؛ فلم يفعل، ثم جاء أهل مكة بخرق الدم، فضربت لهم الطبول؛ ليعلم أنهم قد أطاعوا٣ ... انتهى.
ومنها: أنه في سنة إحدى وستين وخمسمائة أطلق الحاج من غرامة المكس إكراما لصاحب عدن عمران بن محمد بن الزريع اليامي الهمداني؛ فإنه حمل إلى مكة في هذه السنة ميتا لكونه كان شديد الغرام إلى حج بيت الله الحرام واخترم الحمام، قبل بلوغ المرام، ووقف به بعرفات والمشعر الحرام، وصلي علي خلف المقام، ودفن بالمعلاة، في السنة المذكورة٤، والله أعلم؟
ومنها: أنه في سنة خمس وستين وخمسمائة بات الحاج بعرفة إلى الصبح، وخاف الناس خوفا شديدا لما كان بين أمير مكة عيسى بن أخيه عيسى بن فليتة وأخيه ذلك، ولم يحج عيسى وحج مالك٥.
стр. 839
ومنها: أن السلطان نور الدين محمود بن زنكي المعروف بالشهيد صاحب دمشق، خطب له بالحرمين واليمن، لما كان ملكها الملك المعظم توران شاه، أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ذكر هذه الحادثة الملك المؤيد صاحب حماة، وكان ملك توران شاه لليمن في سنة ثمان وستين وخمسمائة، فتكون الخطبة وللسلطان نور الدين بالحرمين في هذه السنة١.
ومنها: أنه في سنة سبعين وخمسمائة بات الحاج العراقي بعرفة، ولم يبت بمزدلفة: ولم يصل إليها إلا في يوم عرفة، ولما دخل أمير الحاج العراقي طاشتكين للوداع، هم أهل مكة بكبسه؛ لمنازعة جرت بين بعض جماعة أمير الحاج وبعض أهل مكة. وسالمهم أمير الحاج إلى أن خرج إلى الزاهر، ثم حصل بين الفريقين قتال يسير بالزاهر بعد ذلك، قتل فيه من أصحاب أمير الحاج: رجلان: وجرح أناس من أهل الحجاز٢.
ومنها: أنه في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة لم يتمكن الحجاج العراقيون من إقامة غالب مناسك الحج؛ لفتنة كان بين أميرهم طاشتكين، وبين صاحب مكة مكثر بن عيسى، وكانت فتنة عظيمة اتفقت فيها أمور عجيبة، على ما ذكر غير واحد من أهل الأخبار، منهم ابن الأثير؛ لأنه قال في أخبار هذه السنة: في ذي الحجة كان بمكة حرب شديد بين أمير الحاج طاشتكين، وبين الأمير مكثر بن عيسى أمير مكة، وكان قد بنى قعلة على جبل أبي قبيس فلما سار الحاج من عرفات لم يبيتوا بالمزدلفة؛ وإنما اجتازوا بها، ولم يرموا الجمال إنما رمى بعضهم وهو سائر، ونزلوا الأبطح، فخرج إليهم ناس من أهل مكة فحاربهم، وقتل من الفريقين. جماعة، وصاح الناس الغزاة إلى مكة، فهجموا عليها، فهرب أمير مكة مكثر، فصعد إلى القلعة التي بناها على جبل أبي قبيس، فحصروه بها، ففارقها وسار عن عكرمة، وولي أخوه داود الإمارة بها، ونهب كثير من الحاج بمكة، وأخذوا من أموال التجار المقيمين بها شيئا كثيرا، وأحرقوا دورا كثيرة.
من أعجب ما جرى أن إنسانا زراقا ضرب دارتا فيها بقارورة نفط فأحرقها، وكانت لأيتام فأحرق ما فيها، ثم أخذ قارورة أخرى ليضرب مبها مكانا آخر، فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها، واحترق هو فيها، فبقي ثلاثة أيام يتعذب بالحريق، ثم مات ... انتهى.
стр. 840
وقد سبق في باب الولاة أن أمير المدينة قاسم بن مهنا الحسيني ولي مكة في هذه السنة بعد هرب مكثر؛ لكون الخليفة المستضيء العباسي عقد له الولاية على مكة، ولما رأى من نفسه العجز عن القيام بأمر مكة ولى فيها أمير الحاج أخا مكثر بن داود بن عيسى، وهذا لا يفهم من كلام ابن الأثير، بل يفهم منه أن الخليفة ولى داود، وما ذكرناه من ولاية الخليفة مكة لأمير المدينة ذكره ابن الجوزي. وكلام ابن الأثير يقتضي أن سبب عزل مكثر بناؤه القلعة على أبي قبيس، وما أظن سبب عزله إلا ما كان من تجرؤوا أهل مكة على أمير الحاج في السنة التي قبلها؛ فإنهم هموا فيها بكبسه فيها، وفعلوا معه ما أوجب غيظه.
ووجدت بخط بعض المكيين أن الحجاج لما نزلوا الأبطح في هذه السنة تقاتلوا مع أهل مكة في يوم النحر، وثانية وثالثة، وفي اليوم الرابع سلم أمير مكة الحصن لأمير الحاج، فهدمه بعد ذلك، وذكر أنه لم يحج من أهل مكة إلا القليل، وذكر ما سبق من إحراق الدور بمكة ونهبها، وأن من الدور المنهوبة الدور التي على أطراف البلد من ناحية المعلاة١.
ومنها: أنه في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة أسقط المكس عن الحجاج إلى مكة في البحر على طريق عيذاب على ما ذكر أبو شامة في "ذيل الروضتين"؛ لأنه قال في أخبار هذه السنة: كان الرسم بمكة أن يؤخذ من حجاج المغرب على عدد الرؤوس، بما ينسب إلى الضرائب والمكوس، ومن دخل منهم ولم يفعل ذلك حبس حتى يفوته الوقوف بعرفة، ولو كان فقيرا لا يملك شيئا، فرأى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إسقاط ذلك، ويعوض عنه أمير مكة، فقرر معه أن يحمل إليه في كل عام مبلغ ثمانية آلاف أردب قمح إلى ساحل جدة، ووقف على ذلك وقوفا، وخلد بها إلى قيام الساعة معروفا، فانبسط لذلك النفوس، وزاد السرور، وزال البؤس، وصار يرسل أيضا للمجاورين بالحرمين من الفقهاء والشرفاء، ومدحه على ذلك ابن جبير بقصيدة أولها:
رفعت مغارم مكس الحجاز ... بإنعامك الشامل الغامر
وذكر ابن جبي في أخبار رحلته شيئا من أخبار مكة هذا المكس؛ فقال: إنه كان يؤخذ من كل إنسان سبعة دنانير مصرية ونصف، فإن عجز عن ذلك عوقب بأليم العذاب؛ من تعليقه بالاثنيين وغير ذلك، وكانوا يؤدون ذلك بعيذاب، فمن لم يؤدها ووصل جدة، ولم يعلم على اسمه علامة الأداء عذب بها أضعاف العذاب بعيذاب إن لم يؤد، وكانت هذه البلية في مدة دولة العبيديين، وجعلوها معلومة لأمير مكة، وأزالها الله تعالى على يد
стр. 841
السلطان صلاح الدين، وعوض أمير مكة عن ذلك ألفي دينار وألف أردب قمح، وإقطاعات بصعيد مصر وجهة اليمن١ ... انتهى بالمعنى.
ومنها: أنه كان يخطب بمكة للسلطانة صلاح الدين يوسف بن أيوب، وما عرفت وقت ابتداء الخطبة له بمكة، وإنما ابن جبير ذكر في أخبار رحلته أنه كان يخطب بمكة للناصر العباسي٢، ثم لمكثر صاحب مكة، ثم للسلطانم صلاح الدين٣، وكانت رحلة ابن جبير سنة تسع وسبعين وخمسمائة٤.
ومنها: أنه في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ازدحم الحجاج في الكعبة فمات منهم أربعة وثلاثون نفرا ذكر هذه الحادثة ابن القادس، وابن البزوري في "ذيل المنتظم" لابن الجوزي٥.
ومنها: أنه في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة كانت بعرفة فتنة بين الحجاج العراقيين والشاميين استظهر فيها العراقيون على الشاميين، وقتل من الشاميين جماعة ونهبت أموالهم، وسبي نساؤهم إلا أنهن رددن عليهم، وجرح ابن المقدم -أمير الركب الشامي- جراحات أفضت به إلى الموت في يوم النحر، وسبب هذه الفتنة: أنه لم يسهل على طاشتكين أمير الركب العراقي ما قصده ابن المقدم من الدفع من عرفات قبله، فنهاه عن ذلك؛ فلم يقبل ابن المقدم ذلك، فأفضى الحال إلى قتال الفريقين، فكان ما جرى٦.
ومنها: على ما وجدت بخط ابن محفوظ في أخبار سنة سبع وستمائة كانت فيها وقعة عظيمة بمنى، بين الحاج العراقي وأهل مكة، وقتل فيها عبد للشريف قتادة يسمى بلالا، وهي مشهورة بسنة بلالا، وهي مشهورة بسنة بلال ... انتهى.
ولم أر من ذكر هذه الحادثة بين العراقيين وأهل مكة في هذه السنة؛ وإنما رأيت في أخبار هذه السنة أن قتادة صاحب مكة نهب الحاج اليمنى، ولو وقع بينه وبين الفريقين فتنة لذكر ذلك٧، والله أعلم.
стр. 842
ومنها: أنه في سنة ثمان وستمائة كان بمنى ومكة فتنة عظيمة، قتل فيها الحجاج العراقيون ونهبوا نهبا ذريعا. وقد ذكر هذه الحادثة جماعة من أهل الأخبار، ولم يشرحوا من أمرها مثل ما شرحه أبو شامة المقدسي في "ذيل الروضتين"، فاقتضى ذلك ذكرنا لما ذكره، ونتبع ذلك بما لم يذكره، ولما خولف فيه، ونصه ما ذكره أبو شامة في أخبار هذه السنة: فيها نهب الحاج العراقي، وكان حج بالناس من العراق علاء الدين محمد بن ياقوت نيابة عن أبيه ومعه ابن أبي فراس يفقهه ويدبره. وحج من الشام الصمصام إسماعيل أخو شاروخ النجمي على حاج دمشق، وعلى حاج المقدس: الشجاع علي بن سلار، وكانت ربعية خاتون أخت الملك العادل في الحاج؛ فلما كان يوم النحر بمنى بعد ما رمى الناس الجمرة، وثب الإسماعيلية على رجل شريف من بني عم قتادة أشبه الناس به؛ وظنوه إياه، فقتلوه عند الجمرة. ويقال: إن الذي قتله كان مع أم جلال الدين، وثار عبيد مكة والأشراف، وصعدوا على الجبلين بمنى، وهللوا وكبروا وضربوا الناس بالحجارة والنبل والمقاليع والنشاب، ونهبوا الناس يوم العيد والليلة واليوم الثاني، وقتل من الفريقين جماعة؛ فقال ابن أبي فراس لمحمد بن ياقوت: ارحلوا بنا إلى الزاهر منزلة الشاميين؛ فلما حملت الأثقال على الجمال حمل قتادة أمير مكة والعبيد، فأخذوا الجميع إلا القليل. وكانت ربيعة خاتون بالزاهر ومعها ابن السلار وأخو شاروخ أمير حاج الشام، فجاء محمد بن ياقوت أمير الحج العراقي، فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرا بها، ومعه خاتون أم جلال الدين.
فبعثت ربيعة خاتون مع أبن السلار إلى قتادة تقول له: ما ذنب الناس؟ قد قتلت القاتل وجعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين، واستحللت الدماء في الشهر الحرام في الحرم والمال، وقالت له: قد عرفت من نحن، والله لئن لم تنته لأفعلن وأفعلن؛ فجاء إليه ابن السلار فخوفه وهدده، وقال: ارجع عن هذا وإلا قصدك الخليفة من العراق، ونحن من الشام؛ فكف عنهم وطلب مائة ألف دينار وإلا قصدك الخليفة من العراق، ونحن من الشام، فكف عنهم وطلب مائة ألف دينار، فجمعوا له ثلاثين ألفا من أمير الحاج العراقي، ومن خاتون أم جلال الدين، وأقام الناس ثلاث أيام حول خيمة ربيعة خاتون، بين قتيل وجريح ومسلوب وجائع وعريان.
وقال قتادة: ما فعل هذا إلا الخليفة، ولئن عاد يقرب أحد من بغداد إلى هنا لأقتلن الجميع.
ويقال: إنه أخذ من المال والمتاع وغيره ما قيمته ألف ألف دينار، وأذن الناس في الدخول إلى مكة، فدخل الأصحاء والأقوياء، فطافوا وأي طواف، ومعظم الناس ما
стр. 843
دخل، ورحلوا إلى المدينة ودخول بغداد على غاية الفقر والذل والهوان، ولم ينتطح فيها عنزان١ ... انتهى.
وأما قول أبي شامة: ولم ينتطح فيها عنزان، فسببه أن قتادة أرسل ولده، راجحا وجماعة من أصحابه إلى بغداد؛ فدخلوا ومعهم السيوف مسلولة، والأكفان، فقبلوا العتبة، واعتذروا مما جرى على الحاج، فقبل عذرهم، ووصل قتادة في سنة تسع وستمائة مع الركب العراقي مال وخلع، ولم يظهر له إنكار فيما تقدم من نهب الحاج؛ ولكنه استدرج باستدعائه بالحضور إلى بغداد فلم يفعل. وقال في ذلك أبياتا مشهورة, وذكر ابن الأثير ما يقتضي أن الحجاج العراقيين رحلوا من منى ونزلوا على الحجاج الشاميين بمنى، ثم رحلوا جميعا إلى الزاهر؛ لأنه قال بعد أن ذكر مبيت الحجاج بمنى بأسواء حال من خوف القتل والنهب في الليلة التي تلي يوم النحر: فقال بعض الناس لأمير الحاج: انتقل بالناس إلى منزلة حجاج الشام؛ فأمر الناس بالرحيل، ثم قال بعد أن ذكر نهبهم في حال رحلتهم: والتحق من سلم بحجاج الشام، فاجتمعوا بهم، ثم رحلوا إلى الزاهر ... انتهى.
وهذا يخالف ما ذكره أبو شامة، فإن كلامه يقتضي أن العراقيين لما رحلوا من منى نزلوا على الشامين بالزاهر.
وذكر ابن الأثير أن القاتل للشريف بمنى كان باطنيا٢.
وذكر ابن سعيد المغربي هذه الحادثة في تاريخه، وذكر فيها أن القاتل للشريف بمنى شخص مجهول، فظن الأشراف أنه خشيش٣ فقتلوه. وذكر قتلهم للحجيج العراقيين ونهبهم لهم بمنى، ثم قال: وفعلوا مثل ذلك بمن كان الحاج في مكة، وذكر ما سبق في أخذ أهل مكة ثلاثين ألف دينار من الحجاج العراقيين على تمكينهم من دخول مكة، لطواف الإفاضة.
وذكر ابن محفوظ هذه الحادثة، وذكر فيها أن القاتل للشريف بمنى خشيش، وأن المقتول يسمى هارون، ويكنى أبا عزيز، ثم قال: وخرج من كان بمكة من نواب الخليفة ومن المجاورين، مثقلين من مكة سائر الأقطار٤ ... انتهى باختصار.
стр. 844
ومنها: أنه في سنة إحدى عشرة وستمائة حج الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وتصدق في الحرمين بمال عظيم، وحمل النقطتين وزودهم وأحسن إليهم، وجدد البرك والمصانع، وراعى في حجة ما يطلب فعله، ومما فعله من ذلك: أنه باب بمنى ليلة عرفة وصلى بها الصلوات الخمس، ثم سار إلى عرفة، ولما وصل إلى مكة تلقاه قتادة وحضر في خدمته؛ فقال له المعظم: أين ننزل؟ فقال قتادة: هناك، وأشار بسوطه إلى الأبطح، فاستكثر ذلك منه المعظم؛ لأن صاحب المدينة أنزل المعظم في داره بالمدينة، وسلم إليه مفاتيح المدينة، وبالغ في خدمته والإهداء إليه، ولأجل ذلك أعان المعظم أمير المدينة بجيش حارب به قتادة١.
ومنها: أنه كان يخطب بمكة للعادل أبي بكر بن أيوب صاحب مصر والشام، وأظن أن ذلك بعد ملك حفيده الملك المسعود ابن الملك الكامل ابن العادل لليمن، وكان ملكه لليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة، وقيل: سنة إحدى عشرة وستمائة
ومنها: أنه قس شنة تشع عشرة وستمائة، كان بمكة وقت الحج فتنة غلقت فيها أبواب مكة دون الحجاج، وقتل فيها أمير الحجاج العراقيين أقباش الناصري؛ وسبب ذلك: أنه لما حج في هذه السنة اجتمع به في عرفات راجح بن قتادة، وسأله أن يوليه إمرة مكة؛ لأن أباه مات في هذه السنة فلم يجبه أقباش، وكان مع أقباش خلع وتقليد لحسن بن قتادة، فظن حسن أن أقباش ولي أخاه، فأغلق أبواب مكة، ووقعت الفتنة بين لحسن بن قتادة، على رمح، فنصبه بالمسعى عند دار العباس، ثم رده إلى جسده ودفنوه بالمعلاة، وأراد حسن نهب الحاج العراقي، فمنعه أمير الحاج الشامي وخوفه من الأخوين: الكامل ملك مصر والمعظم ملك دمشق٢، وذكر ما يدل على أن حسن لم يكن له علم بما صنعه أصحابه مع أقباش؛ لأنه قال: قلت: وكان في حاج الشامي في هذه السنة شيخنا فخر الدين أبو منصور بن عساكر؛ فأخبرني بعض الحجاج في ذلك العام أن حسن بن قتادة أمير مكة جاء إليه وهو نازل داخل مكة، فقال له: قد أخبرت أنك خير أهل الشام، فأريد أن تسير
стр. 845
معي إلى داري فلعل بركات تزول هذه الشدة؛ فسار معه إلى داره جماعة من الدمشقيين، فأكلوها شيئا، فما استتم خروجهم من عنده حتى قتل أقباش، وزال ذلك الاستيحاش ... انتهى.
وذكر ابن الأثير ما يقتضي أن هذه القضية كانت في سنة ثمان عشرة وستمائة١، وأن أقباش أجاب إلى تولية راجح؛ لأنه ذكر موت قتادة في هذه السنة، ثم قال بعد شرح شيء من حاله: فلما سار حجاج العراق كان الأمير عليهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه أقباش، وكان حسن السيرة مع الحاج في الطريق كثير الحماية، فقصده راجع بن قتادة، وبذل له وللخليفة مالًا يساعده على مالك مكة، فأجابه إلى ذلك ووصلوا إلى مكة، فنزلوا بالزاهر، وتقدم إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن، وكان قد جمع جموع كثيرة من العرب وغيرها؛ فخرج إليه من مكة وقاتله، وتقدم أمير الحاج من بين عسكره منفردا، وصعد جبلا إدلالا بنفسه، وأنه لا يقدم أحد عليه، فاحتاط به أصحاب حسن وقتله، وعلقوا رأسه، فانهزم عسكر أمير الحاج، وأحاط أصحاب حسن بالحاج لينهبوهم؛ فأرسل إليهم حسن عمامته أمانا للحاج؛ فعاد أصحابه عنهم ولم ينهبوا منهم شيئا.
وسكن الناس، وأذن لهم في دخول مكة، وفعل ما يريدون من الحج وغير ذلك، وأقاموا بمكة عشرة أيام، وعادوا فوصلوا إلى العراق سالمين، وعظم الأمر على الخليفة، فوصلته رسل حسن تعتذر وتطلب العفو منه، فأجيب إلى ذلك٢.
ومنها: أنه في سنة سبع وعشرة وستمائة لم يحج أحد من العجم بسبب التتار، على ما ذكره أبو شامة في "ذيل الروضتين"٣.
ومنها: أنه في سنة تسع عشرة وستمائة مات بالمسعى جماعة من الزحام؛ لكثرة الخلق الذين حجوا في هذه السنة من العراق والشام٤. وفيها حج من اليمن صاحبها الملك المسعود، وبدا منه ما هو غير محمود، على ما ذكر أبو شامة؛ لأنه قال: قال أبو المظفر -يعني سبط ابن الجوزي: وحج بالناس من اليمن أقسيس بن الملك الكامل، ولقبه المسعود، في عسكر عظيم، فجاء إلى الجبل، وقد لبس هو وأصحابه السلاح، ومنع علم الخليفة أن يصعد به إلى الجبلِ، وأصعد علم أبيه الكامل وعلمه، وقال لأصحابه: إن أطلع البغاددة علم الخليفة فاكسروه وانهبوه، ووقفوا تحت الجبل من الظهر