← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

السلطان صلاح الدين، وعوض أمير مكة عن ذلك ألفي دينار وألف أردب قمح، وإقطاعات بصعيد مصر وجهة اليمن١ ... انتهى بالمعنى. ومنها: أنه كان يخطب بمكة للسلطانة صلاح الدين يوسف بن أيوب، وما عرفت وقت ابتداء الخطبة له بمكة، وإنما ابن جبير ذكر في أخبار رحلته أنه كان يخطب بمكة للناصر العباسي٢، ثم لمكثر صاحب مكة، ثم للسلطانم صلاح الدين٣، وكانت رحلة ابن جبير سنة تسع وسبعين وخمسمائة٤. ومنها: أنه في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ازدحم الحجاج في الكعبة فمات منهم أربعة وثلاثون نفرا ذكر هذه الحادثة ابن القادس، وابن البزوري في "ذيل المنتظم" لابن الجوزي٥. ومنها: أنه في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة كانت بعرفة فتنة بين الحجاج العراقيين والشاميين استظهر فيها العراقيون على الشاميين، وقتل من الشاميين جماعة ونهبت أموالهم، وسبي نساؤهم إلا أنهن رددن عليهم، وجرح ابن المقدم -أمير الركب الشامي- جراحات أفضت به إلى الموت في يوم النحر، وسبب هذه الفتنة: أنه لم يسهل على طاشتكين أمير الركب العراقي ما قصده ابن المقدم من الدفع من عرفات قبله، فنهاه عن ذلك؛ فلم يقبل ابن المقدم ذلك، فأفضى الحال إلى قتال الفريقين، فكان ما جرى٦. ومنها: على ما وجدت بخط ابن محفوظ في أخبار سنة سبع وستمائة كانت فيها وقعة عظيمة بمنى، بين الحاج العراقي وأهل مكة، وقتل فيها عبد للشريف قتادة يسمى بلالا، وهي مشهورة بسنة بلالا، وهي مشهورة بسنة بلال ... انتهى. ولم أر من ذكر هذه الحادثة بين العراقيين وأهل مكة في هذه السنة؛ وإنما رأيت في أخبار هذه السنة أن قتادة صاحب مكة نهب الحاج اليمنى، ولو وقع بينه وبين الفريقين فتنة لذكر ذلك٧، والله أعلم.

стр. 842

ومنها: أنه في سنة ثمان وستمائة كان بمنى ومكة فتنة عظيمة، قتل فيها الحجاج العراقيون ونهبوا نهبا ذريعا. وقد ذكر هذه الحادثة جماعة من أهل الأخبار، ولم يشرحوا من أمرها مثل ما شرحه أبو شامة المقدسي في "ذيل الروضتين"، فاقتضى ذلك ذكرنا لما ذكره، ونتبع ذلك بما لم يذكره، ولما خولف فيه، ونصه ما ذكره أبو شامة في أخبار هذه السنة: فيها نهب الحاج العراقي، وكان حج بالناس من العراق علاء الدين محمد بن ياقوت نيابة عن أبيه ومعه ابن أبي فراس يفقهه ويدبره. وحج من الشام الصمصام إسماعيل أخو شاروخ النجمي على حاج دمشق، وعلى حاج المقدس: الشجاع علي بن سلار، وكانت ربعية خاتون أخت الملك العادل في الحاج؛ فلما كان يوم النحر بمنى بعد ما رمى الناس الجمرة، وثب الإسماعيلية على رجل شريف من بني عم قتادة أشبه الناس به؛ وظنوه إياه، فقتلوه عند الجمرة. ويقال: إن الذي قتله كان مع أم جلال الدين، وثار عبيد مكة والأشراف، وصعدوا على الجبلين بمنى، وهللوا وكبروا وضربوا الناس بالحجارة والنبل والمقاليع والنشاب، ونهبوا الناس يوم العيد والليلة واليوم الثاني، وقتل من الفريقين جماعة؛ فقال ابن أبي فراس لمحمد بن ياقوت: ارحلوا بنا إلى الزاهر منزلة الشاميين؛ فلما حملت الأثقال على الجمال حمل قتادة أمير مكة والعبيد، فأخذوا الجميع إلا القليل. وكانت ربيعة خاتون بالزاهر ومعها ابن السلار وأخو شاروخ أمير حاج الشام، فجاء محمد بن ياقوت أمير الحج العراقي، فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرا بها، ومعه خاتون أم جلال الدين. فبعثت ربيعة خاتون مع أبن السلار إلى قتادة تقول له: ما ذنب الناس؟ قد قتلت القاتل وجعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين، واستحللت الدماء في الشهر الحرام في الحرم والمال، وقالت له: قد عرفت من نحن، والله لئن لم تنته لأفعلن وأفعلن؛ فجاء إليه ابن السلار فخوفه وهدده، وقال: ارجع عن هذا وإلا قصدك الخليفة من العراق، ونحن من الشام؛ فكف عنهم وطلب مائة ألف دينار وإلا قصدك الخليفة من العراق، ونحن من الشام، فكف عنهم وطلب مائة ألف دينار، فجمعوا له ثلاثين ألفا من أمير الحاج العراقي، ومن خاتون أم جلال الدين، وأقام الناس ثلاث أيام حول خيمة ربيعة خاتون، بين قتيل وجريح ومسلوب وجائع وعريان. وقال قتادة: ما فعل هذا إلا الخليفة، ولئن عاد يقرب أحد من بغداد إلى هنا لأقتلن الجميع. ويقال: إنه أخذ من المال والمتاع وغيره ما قيمته ألف ألف دينار، وأذن الناس في الدخول إلى مكة، فدخل الأصحاء والأقوياء، فطافوا وأي طواف، ومعظم الناس ما

стр. 843

دخل، ورحلوا إلى المدينة ودخول بغداد على غاية الفقر والذل والهوان، ولم ينتطح فيها عنزان١ ... انتهى. وأما قول أبي شامة: ولم ينتطح فيها عنزان، فسببه أن قتادة أرسل ولده، راجحا وجماعة من أصحابه إلى بغداد؛ فدخلوا ومعهم السيوف مسلولة، والأكفان، فقبلوا العتبة، واعتذروا مما جرى على الحاج، فقبل عذرهم، ووصل قتادة في سنة تسع وستمائة مع الركب العراقي مال وخلع، ولم يظهر له إنكار فيما تقدم من نهب الحاج؛ ولكنه استدرج باستدعائه بالحضور إلى بغداد فلم يفعل. وقال في ذلك أبياتا مشهورة, وذكر ابن الأثير ما يقتضي أن الحجاج العراقيين رحلوا من منى ونزلوا على الحجاج الشاميين بمنى، ثم رحلوا جميعا إلى الزاهر؛ لأنه قال بعد أن ذكر مبيت الحجاج بمنى بأسواء حال من خوف القتل والنهب في الليلة التي تلي يوم النحر: فقال بعض الناس لأمير الحاج: انتقل بالناس إلى منزلة حجاج الشام؛ فأمر الناس بالرحيل، ثم قال بعد أن ذكر نهبهم في حال رحلتهم: والتحق من سلم بحجاج الشام، فاجتمعوا بهم، ثم رحلوا إلى الزاهر ... انتهى. وهذا يخالف ما ذكره أبو شامة، فإن كلامه يقتضي أن العراقيين لما رحلوا من منى نزلوا على الشامين بالزاهر. وذكر ابن الأثير أن القاتل للشريف بمنى كان باطنيا٢. وذكر ابن سعيد المغربي هذه الحادثة في تاريخه، وذكر فيها أن القاتل للشريف بمنى شخص مجهول، فظن الأشراف أنه خشيش٣ فقتلوه. وذكر قتلهم للحجيج العراقيين ونهبهم لهم بمنى، ثم قال: وفعلوا مثل ذلك بمن كان الحاج في مكة، وذكر ما سبق في أخذ أهل مكة ثلاثين ألف دينار من الحجاج العراقيين على تمكينهم من دخول مكة، لطواف الإفاضة. وذكر ابن محفوظ هذه الحادثة، وذكر فيها أن القاتل للشريف بمنى خشيش، وأن المقتول يسمى هارون، ويكنى أبا عزيز، ثم قال: وخرج من كان بمكة من نواب الخليفة ومن المجاورين، مثقلين من مكة سائر الأقطار٤ ... انتهى باختصار.

стр. 844

ومنها: أنه في سنة إحدى عشرة وستمائة حج الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وتصدق في الحرمين بمال عظيم، وحمل النقطتين وزودهم وأحسن إليهم، وجدد البرك والمصانع، وراعى في حجة ما يطلب فعله، ومما فعله من ذلك: أنه باب بمنى ليلة عرفة وصلى بها الصلوات الخمس، ثم سار إلى عرفة، ولما وصل إلى مكة تلقاه قتادة وحضر في خدمته؛ فقال له المعظم: أين ننزل؟ فقال قتادة: هناك، وأشار بسوطه إلى الأبطح، فاستكثر ذلك منه المعظم؛ لأن صاحب المدينة أنزل المعظم في داره بالمدينة، وسلم إليه مفاتيح المدينة، وبالغ في خدمته والإهداء إليه، ولأجل ذلك أعان المعظم أمير المدينة بجيش حارب به قتادة١. ومنها: أنه كان يخطب بمكة للعادل أبي بكر بن أيوب صاحب مصر والشام، وأظن أن ذلك بعد ملك حفيده الملك المسعود ابن الملك الكامل ابن العادل لليمن، وكان ملكه لليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة، وقيل: سنة إحدى عشرة وستمائة ومنها: أنه قس شنة تشع عشرة وستمائة، كان بمكة وقت الحج فتنة غلقت فيها أبواب مكة دون الحجاج، وقتل فيها أمير الحجاج العراقيين أقباش الناصري؛ وسبب ذلك: أنه لما حج في هذه السنة اجتمع به في عرفات راجح بن قتادة، وسأله أن يوليه إمرة مكة؛ لأن أباه مات في هذه السنة فلم يجبه أقباش، وكان مع أقباش خلع وتقليد لحسن بن قتادة، فظن حسن أن أقباش ولي أخاه، فأغلق أبواب مكة، ووقعت الفتنة بين لحسن بن قتادة، على رمح، فنصبه بالمسعى عند دار العباس، ثم رده إلى جسده ودفنوه بالمعلاة، وأراد حسن نهب الحاج العراقي، فمنعه أمير الحاج الشامي وخوفه من الأخوين: الكامل ملك مصر والمعظم ملك دمشق٢، وذكر ما يدل على أن حسن لم يكن له علم بما صنعه أصحابه مع أقباش؛ لأنه قال: قلت: وكان في حاج الشامي في هذه السنة شيخنا فخر الدين أبو منصور بن عساكر؛ فأخبرني بعض الحجاج في ذلك العام أن حسن بن قتادة أمير مكة جاء إليه وهو نازل داخل مكة، فقال له: قد أخبرت أنك خير أهل الشام، فأريد أن تسير

стр. 845

معي إلى داري فلعل بركات تزول هذه الشدة؛ فسار معه إلى داره جماعة من الدمشقيين، فأكلوها شيئا، فما استتم خروجهم من عنده حتى قتل أقباش، وزال ذلك الاستيحاش ... انتهى. وذكر ابن الأثير ما يقتضي أن هذه القضية كانت في سنة ثمان عشرة وستمائة١، وأن أقباش أجاب إلى تولية راجح؛ لأنه ذكر موت قتادة في هذه السنة، ثم قال بعد شرح شيء من حاله: فلما سار حجاج العراق كان الأمير عليهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه أقباش، وكان حسن السيرة مع الحاج في الطريق كثير الحماية، فقصده راجع بن قتادة، وبذل له وللخليفة مالًا يساعده على مالك مكة، فأجابه إلى ذلك ووصلوا إلى مكة، فنزلوا بالزاهر، وتقدم إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن، وكان قد جمع جموع كثيرة من العرب وغيرها؛ فخرج إليه من مكة وقاتله، وتقدم أمير الحاج من بين عسكره منفردا، وصعد جبلا إدلالا بنفسه، وأنه لا يقدم أحد عليه، فاحتاط به أصحاب حسن وقتله، وعلقوا رأسه، فانهزم عسكر أمير الحاج، وأحاط أصحاب حسن بالحاج لينهبوهم؛ فأرسل إليهم حسن عمامته أمانا للحاج؛ فعاد أصحابه عنهم ولم ينهبوا منهم شيئا. وسكن الناس، وأذن لهم في دخول مكة، وفعل ما يريدون من الحج وغير ذلك، وأقاموا بمكة عشرة أيام، وعادوا فوصلوا إلى العراق سالمين، وعظم الأمر على الخليفة، فوصلته رسل حسن تعتذر وتطلب العفو منه، فأجيب إلى ذلك٢. ومنها: أنه في سنة سبع وعشرة وستمائة لم يحج أحد من العجم بسبب التتار، على ما ذكره أبو شامة في "ذيل الروضتين"٣. ومنها: أنه في سنة تسع عشرة وستمائة مات بالمسعى جماعة من الزحام؛ لكثرة الخلق الذين حجوا في هذه السنة من العراق والشام٤. وفيها حج من اليمن صاحبها الملك المسعود، وبدا منه ما هو غير محمود، على ما ذكر أبو شامة؛ لأنه قال: قال أبو المظفر -يعني سبط ابن الجوزي: وحج بالناس من اليمن أقسيس بن الملك الكامل، ولقبه المسعود، في عسكر عظيم، فجاء إلى الجبل، وقد لبس هو وأصحابه السلاح، ومنع علم الخليفة أن يصعد به إلى الجبلِ، وأصعد علم أبيه الكامل وعلمه، وقال لأصحابه: إن أطلع البغاددة علم الخليفة فاكسروه وانهبوه، ووقفوا تحت الجبل من الظهر

стр. 846

إلى غروب الشمس يضربون الكوسات ويتعرضون للعراقي، وينادون: يا ثارات ابن المقدم؛ فأرسل ابن فراس أباه شيخا كبيرا إلى أقسيس، وأخبره بما يجب من طاعة الخليفة وما يلزمه في ذلك من الشناعة؛ فيقال إنه أن في صعود العلم قبيل الغروب، وقيل: لم يأذن، قال: وبدا من أقسيس هذا في تلك السنة جبروت عظيم، حكى لي شيخنا جمال الدين الحصيري قال: رأيت أقسيسا قد صعد على قبة زمزم، وهو يرمي حمام مكة بالبندق، قال فرأيت غلمانه في المسعى يضربون الناس بالسيوف في أرجلهم، ويقولون: اسعوا قليلا قليلا فإن السلطان نائم سكران في دار السلطنة التي بالمسعى، والدم يجري من سيقان الناس. قلت: واستولى أقسيس هذا على مكة وأعمالها، وأذل المفسدين فيها وشتت شملهم، وهو الذي بنى القبة على ماقام إبراهيم ﵇، وكثر الجلب إلى مكة من مصر واليمن في أيام، فرخصت الأسعار، ولعظم هيبته قلت الأشرار وأمنت الطرق والديار١ ... انتهى. وذكر ابن الأثير ما يقتضي أن حج الملك المسعود ومنعه من طلوع علم الخليفة كان في سنة ثمان عشرة وستمائة؛ بعد ذكره لشيء من خبر قتادة وابنه حسن، وخبر أقباش: وفي هذه السنة حج بحجاج الشام كريم الدين الخلاطي، وحضر الملك المسعودي صاحب اليمن مكة، ومنع أعلام الخيفة من الطلوع إلى جبل عرفات، ومنع حاج العراق من الدخول إلى مكة يوما واحدا، ثم بعد ذلك لبس خلعة الخليفة، واتفق الأمر، وفتح باب مكة، وحج الناس، وطابت قلوبهم٢ ... انتهى. وهذ الذي ذكره ابن الأثير من منع الملك المسعودي للحاج العراقي من دخول مكة، لم أره لغيره، والله أعلم ... انتهى. ومنها: أن أبا شامة قال في أخبار سنة إحدى سنة إحدى وعشرين وستمائة: وهي أول السنين الأربع المتصلة التي وجدت الحج فيها هنيئا مريئا من رخص الأسعار، والأمن في الطرق الشامية وبالحرمين، أما في المدينة: فسببه أن أميرها كان من أتباع صاحب الشام الملك المعظم عيسى؛ فكان يدور الحرس على الحج الشامي ليلا وأما بمكة: فسببه أنها صارت في المملكة الكاملية المسعودية، فانقمع بها المفسد، وسهل على الحجاج أمر دخول الكعبة، فلم يزل بابها مفتوحا ليلا ونهارا مدة مقام الحج فيها، وكان الكامل قد

стр. 847

أرضي بني شيبة سدنة الكعبة بمال أطلقه لهم عما كانوا يأخذونه بإغلاق الباب وفتحه لمن أرادوا، وكان الناس ينالون من ذلك شدة، ويزدحمون عند فتح الباب، ويتسلق بعضهم على رقاب بعض؛ لأن الباب مرتفع عن الأرض بنحو قامة رجل، فيقع بعضهم على بعض، فيموت وينكسر بعض، ويشج بعض، فزال ذلك عن الناس تلك السنة وما بعدها مدة بقاء مكة في المملكة الكاملية١ ... انتهى. ومنها: أنه كان يخبط بمكة للملك الكامل ابن الملك العادل صاحب الديار المصرية، وأظن أن ملك ابنه الملك المسعود مكة، وقد سبق أنه ملك مكة بعد أبيه المسعود، وما جرى بين عساكره وعساكر صاحب اليمن الملك المنصور نور الدين عمر علي بن رسول في أمر ولاية مكة، واستيلاء عسكر كل منهم عليها حينا، وكان يخطب لكل منهما في حال استيلاء عسكره على مكة، والله أعلم. ومنها: أنه في سنة خمس وعشرين وستمائة، وفي سنة ست وعشرين، وسبع وعشرين وستمائة، لم يحج أحد من الناس من الشام في هذه الثلاث سنين، على ما ذكر ابن كثير٢. وذكر أبو شامة ما يدل لذلك؛ لأنه قال في أخبار سنة أربع وعشرين: وانقطع ركب الحج بعدها، بسبب ما وقع بالشام من الاختلاف والفتن٣ ... انتهى. ومنها: أنه في سنة أربع وعشرين، وستمائة حج ميافارقين٤ سلطانها الشهاب غازي بن العادل بن أبي بكر بن أيوب، وكان ثقله على ستمائة جمل، على ما ذكر سبط ابن الجوزي٥. ومنها: أنه في سنة تسع وعشرين وستمائة خطب بمكة للملك المنصور نور الدين صاحب اليمن، وهي أول سنة خطب له فيها بمكة، وكان يخطب له في المدة التي تكون في ولاية عسكره. ومنها: أنه في سنة إحدى وثلاثين وستمائة حج الملك المنصور نور الدين صاحب اليمن على النجب حجا هنيا، ورجا أن يصله بمكة تقليد من الخيلفة المستنصر بإرسال ذلك إليه إلى عرفة؛ فلم يصله ذلك في سنة حجه، ووصله في التي بعدها.

стр. 848

ومنها: أنه في سنة أربع وثلاثين وستمائة، على ما ذكر ابن البزوري، لم يحج فيها ركب العراق١، ولم يحج أيضا العراقيون خمس سنين متوالية بعد هذه السنة، من سنة خمس وثلاثين إلى سنة أربعين٢، ذكر ذلك ابن البزوري في "ذيل المنتظم"، ووجدت بخط ابن محفوظ ما يقتضي أن الحجاج العراقيين لم يحجوا في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة؛ لأنه قال في أخبار سنة أربعين وستمائة: وحج العراقي في تلك السنة بعد أن أقام سبع سنين لم يحج ... انتهى. ولا يستقيم ما ذكره من أن العراقي لم يحج سبع سنين إلا بأن يكون انقطع من الحج سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. ومنها أنه في سنة سبع وثلاثين وستمائة خطب بمكة لصاحب مصر الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل أخي الملك المسعود، وقد سبق ما مكان بين عسكره وعسكر صاحب اليمن المنصور من استيلاء كل من العسكرين على مكة حينا٣. ومنها: أنه في سنة تسع وثلاثين وستمائة حج الملك المنصور نور الدين عمر بن علي ابن رسول صاحب اليمن، وصام رمضان في هذه السنة بمكة. وفيها أبطل السلطان نور الدين المذكور عن مكة سائر المكوسات والجبايات والمظالم، وكتب بذلك مربعة، وجعلت قبالة الحجر الأسود، ودام هذه المربعة إلى أن قعلها ابن المسيب لما ولي بمكة في سنة ست وأربعين وستمائة، وأعاد الجبايات والمكوس بمكة٤. ومنها: أن في سنة أربع وأربعين وستمائة، وسنة خمس وأربعين وستمائة، لم يحج الحاج العراقي على ما وجدت بخط ابن محفوظ٥. ومنها: على ما وجدت بخطه أن في سنة خمسين وستمائة، فيها حج العراقي٦، ولم يذكر أنه حج فيما بين سنة خمس وأربعين وهذه السنة؛ وذلك مشعر بتخلف العراق عن الحج في هذه السنة، والله أعلم. ومنها: أنه في سنة اثنتين وخمسين وستمائة خطب بمكة لصاحب مصر الملك الأشرف موسى ابن الملك الناصر يوسف ابن الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل،

стр. 849

ولأتابك الملك المعز أيبك التركماني الصالحي. وفيها تسلطن أيبك المذكور في شعبة ١. ومنها: أنه في سنة ثلاث وخمسين وستمائة كادت أن تقع الفتنة بين أهل مكة والركب العراقي، وسكن الفتنة الملك الناصر داود بن العظم عيسى صاحب الكرك، بعد أن ركب أمير الحاج العراقي بمن معه للقتال؛ لأن الناصر اجتمع بأمير مكة، وأحضره إلى أمير الحاج مذعنا بالطاعة، وقد حمل عمامته في عنقه، فرضي أمير الحاج وخلع عليه، وزاده على ما جرت به العادة من الرسم، وقضى الناس حجتهم، وهم داعون للمك الناصر شاكرون صنعه٢. ومنها: على ما وجدت بخط الشيخ أبي العباس الميورقي أنه لم يحج سنة خمس وخمسين وستمائة من الآفاق ركب سوى حجاج الحجاز ... انتهى. وما عرفت المانع لحجاج مصر والشام من الحج في هذه السنة، وأما العراقيون، فالمانع لهم التتار؛ لإفسادهم فيها وقصدهم الاستيلاء على بغداد، وتم لهم ذلك في سنة ست وخمسين، وقتلوا الخليفة المستعصم وغيره من الأعيان وغيرهم، وأسرفوا في القتل، حتى قيل إن هولاكو ملك التتار أرم بعد القتلى، فبلغوا ألفًا وثمانمائة ألف، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكثر بعد هذه السنة انقطاع الحجاج العراقيين من الحج، ولا سيما في بقية هذا القرن، فإني لا أعلم من حجهم في ذلك إلا اليسير، كما سيأتي بيانه. ولم يبق للحجاج العراقيين تقدم في أمر الحج وفي مشاعره، كما كان لهم ذلك في زمن الخلفاء العباسيين؛ لأن التتار بعد إزالتهم للخلافة العباسية من بغداد لم تكن لهم ولاية على الحرمين، وصار التقدم في إقامة الحج بمشاعره لأمير الحاج المصري، لكون السلطان بالديار المصرية نافذ الأمر في الحرمين الشريفين، ويقوم بمصالحهم من كسوة البيت الحرام. وأول من قام بذلك بعد العباسيين والخلفاء من ملوك مصر الملك الظاهر بيبرس البندقدراي الصالحي٣، وقام بذلك بعده ملوك مصر، إلا أن كسوة الكعبة، صارت تعمل من غلة٤ قرية ظاهرة القاهرة، وقفها الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، على كسوة الكعبة في كل سنة، ومع ذلك فيكتب في كسوة الكعبة اسم السلطان بمصر، وكان أمر بيبرس نافذا في الحجاز، وخطب له به، وكذلك غالب من بعده من ملوك مصر، والذي أشك في الخطبة لهم بمكة من

стр. 850

ملوك مصر بعد الظاهر بيبرس أبناءه: السعيد، وسلامش، والعادل كتبغا، ولاجين المنصوري، ويغلب على ظني أنه خطب لجميعهم غير سلامش؛ إلا أنه ربما قطعت خطبة بعضهم من مكة حينا، وخطب عوضه لصاحب اليمن، واتفق ذلك لصاحب مصر الأشرف خليل ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي، ولا يبعد أن يكون اتفق قبل ذلك للمنصور قلاوون وللظاهر بيبرس وابنه السعيد، والله تعالى أعلم، لاضطراب حال أبي نمي أمير مكة في الميل حينا إل صاحب اليمن، وحينا إلى صاحب مصر. وأما ملوك مصر بعد الأشراف خليل غير كتبغا ولاجين، فما علمت أن أحدا منهم انقطعت خطبته من مكة، إلا ما قيل من أن حميضة بن أبي نمي لما استولى على مكة بعد رجوعه من العراق، قطع خطبة الملك الناصر صاحب مصر، وخطب لملك العراق أبي سعيد بن خرابندة؛ وذلك في آخر سنة سبع عشرة، أو في أول سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وبضع ملوك مصر هؤلاء لم يخطب له بمكة، وهو المنصور عبد العزيز بن الملك الظاهر برقوق١، لقصر مدته؛ فإنها كانت سبعين يوما في مدة اختفاء أخيه الناصر فرج، وما اتفق أنه أرسل نجابا إلى مكة يخبر بولايته، وحتى يخطب له؛ ولكن وصل الخبر بذلك من غير نجاب له، فترك الخطيب الخطبة للناصر، وصار يدعو لصاحب مصر بها، فلما عاد الناصر إلى السلطنة صرح باسمه في الخطبة، وكان ذلك في النصف الأول من سنة ثمان وثمانمائة، وكان للملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي من نفوذ الكلمة بالحجاز ما لم يكن لأحد قبله من م لوك الترك بمصر، بسبب أن الملك الناصر المذكور أرهب أولاد أبي نمي بالولاية، والعزل لهم في أمر مكة، والقبض على بعضهم، وتجهيز العساكر غير مرة إلى مكة، والقبض على بعضهم، وتجهيز العساكر غير مرة إلى مكة لإصلاح أمرها، وتقوية من يوليه أمرها، وتم لملوك مصر بعد الملك الناصر مثل ما تم له من كثرة نفوذ أوامرهم بالحجاز، وانفردوا بالولاية فيه دون ملوك اليمن وغيرهم. ومنها: أنه في سنة تسع وخمسين وستمائة حج الملك المظفر يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي ابن رسول صاحب اليمن، وتصدق بصدقة جيدة عمت الناس، وغسل الكعبة بنفسه، وطيبها، ونثر عليها الذهب الفضة، وكسا البيت، وقام بما يطلب من مصالح الحرم وأهله، وهو أول من كسا البيت بعد الخلفاء العباسيين، وقام بمصالح الحرم، وتولى ذلك مع تولي ملوك مصر له في سنين، كان يخطب له في مكة في غالب مدة سلطنته، وخطب بمكة من بعده لذريته ملوك اليمن إلى تاريخه بعد ملوك مصر٢.

стр. 851

ومنها على ما قال الميورقي: إنه لم ترفع راية لملك من الملوك سنة ستين، كسنة وخمس وخمسين وستمائة ... انتهى منقولا من خطه، وأراد بذلك وقت الوقوف بعرفة١. ومنها: أنه في سنة ست وستين وستمائة، على ما قال الظهير الكازروني في ذيله، أمن الصاحب عن طريق الحجاز، وتوجه الحاج من بغداد في أمن ... انتهى. وهذه السنة أول سنة حج فيها العراقيون بعد استيلاء التتار على بغداد فيما علمت٢. ومنها: أنه في سنة سبع وستين وستمائة حج السلطان الظاهر بيبرس الصالحي صاحب مصر والشام، في ثلاثمائة مملوك وجماعة من أعيان الخليفة وغيرهم، وتصدق في الحرمين بمال عظيم، وأحسن إلى أمراء الحجاز؛ إلا أمير المدينة جماز بن شيحة وابن أخيه مالك بن منيف؛ لأنهما لم يواجهاه خوفا منه، وغسل الكعبة بنفسه، وزاد أميري مكة إدريس بن قتادة وأبا نمي جملة من المال والغلال في كل سنة بسبب تسبيل المسجد الحرام٣. ومنها: على ما وجدت بخط ابن محفوظ أن في سنة سبع وستين وستمائة: لم يحج فيها أحد من مصر لا في البر ولا في البحر٤ ... انتهى. ومنها: على ما قال الظهير الكازروني في أخبار سنة تسع وستين وستمائة: وحج الناس من بغداد٥ ... انتهى. ومنها: أنه في سنة أربع وسبعين وستمائة أقام الحجاج بمكة ثمانية عشر يوما، وبالمدينة عشرة أيام، وهذا شيء لم يعهد، ذكر هذه الحادثة ابن الجزري٦. ومنها على ما وجدت بخط الميورقي: أنه في الخميس رابع عشر ذي الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة ازدحم الحجاج في خروجهم إلى العمرة من باب المسجد

стр. 852

الحرام المعروف بباب العمرة؛ فمات بالزحمة جمع كثير يبلغون ثمانين نفرا، وقال لنا مكي: عدد خمسة وأربعين ميتا ... انتهى باختصار. ووجدت هذه الحادثة بخط غيره، وذكر أنها في ثالث عشر ذي الحجة، وأنها اتفقت حين خرج إلى العمرة من باب العمرة من المسجد الحرام١. ومنها: أنه في سنة ثماني وستمائة وقف الناس بعرفة يومين يوم الجمعة والسبت احتياطا، وذكر هذه الحادثة ابن الفركاح في "تاريخه"٢. ومنها: أنه في سنة ثلاث وثمانين وستمائة كان بين أبي نمي صاحب مكة وأمير الحج المصري علم الدين الباشقردي كلام، أفضى إلى أن أغلق أبو نمي أبواب مكة، ولم يمكن أحدا من دخولها؛ فلما كان يوم التروية أحرق الحجاج باب المعلاة، ونقبوا السور، وهجموا على البلد؛ فهرب أبو نمير وجمعه، ودخل الناس مكة، ووقع الصلح بينهم وبينأه لمكة على يد صاحب بدر الدين السنجاري، وذكر بعضهم أن سبب هذه الفتنة أن بعض أمراء بني عقبة حج في هذه السنة، وكان بينهم وبين أبي نمي معاداة، فتخيل أبو نمير أنه إنما جاء ليأخذه معه؛ فغلق أبوابها ولم يمكن أحدا من دخولها؛ فكان ما ذكرناه، وقد ذكر هذه الحادثة ابن الفركاح تاج الدين مفتي الشام، بمعن ما ذكرناه مختصرا. وقال بعد ذكره لها: أإن من الحجاج في هذه السنة بدر الدين بن جماعة، وأنه له في ذلك؛ فقال: السنة ما أحج، ولا بد أن تقع في مكة فتنة. قال: وهذا من كراماته، نفعنا الله به٣. ومنها:" أنه في سنة ثمان وثماني وستمائة، على ما ذكر ابن الفركاح، وصل من العراق ركب كبير، ولم يصل ركب اليمن؛ وإنما جاء منهم آحاد، ووقف الناس يومين يوم الجمعة ويوم السبت؛ لأنه ثبت عند القاضي جلال الدين ابن القاضي حسام الدين، وكان في الركب الشامي: أن أول الشهر كان يوم الخميس، ولم يوافقه الشيخ محب الدين الطبري شيخ مكة وفقيه الحجاز، وقال: كان أول الشهر الجمعة٤ ... انتهى. ومنها: أنه في سنة تسع وثمانين وستمائة -على ما قال ابن الفركاح- كانت فيها فتنة بين الحجاج وأهل مكة، وتقاتلوا في الحرم، وكان الأصل في ذلك أجناد من

стр. 853

المصريين، بسبب فرس؛ فانتهى الأمر إلى أن شهرت السيوف بالحرم الشريف، نحوا من عشرة آلاف سيف، ونهبت جماعة من الحجاج وجماعة الحجازيين، وقتل من الفريقين جمع كثير، قيل فوق أربعين نفسا، وجرح خلق كثير، ولو أراد الأمير أبو نمي أخذ الجميع أخذهم؛ ولكنه تثبت ... انتهى. وقال ابن الجزري في أخبار سنة تسع وثمانين وستمائة: وكان مع ركب الشام الأمير عبية أمير بني عقبة، وكان بينهع وبين أبي نمي صاحب مكة معاداة؛ فتخيل صاحب مكة أنه ما جاء إلا ليأخذ مكة شرفها الله، فغلق باب مكة ولم يمكن أحد من أصحاب عبية من الدخول إلى مكة، فاضطلعوا أصحاب عبية من جبال مكة، ودخلوا قهرا وأحرق المصريون باب مكة شرفها الله ، ونهبوا من الدباغات الطاقات الأديم، وجرى كل قبيح من الفريقين، وقتل من الطائفتين جماعة، ثم إنهم راسلوا صاحب مكة واتفقوا معه، فدخلوا وطافوا وقضوا حجهم، ثم قال: والذي حج بالناس من مصر الأمير علم الدين سنجر الباشقيري ... انتهى. وإنما ذكرنا هذا لأنه يخالف ما ذكره ابن الفركاح في سبب الفتنة في هذه السنة، والله أعلم. وذكر ابن محفوظ ما يخالف ما ذكره ابن الجزري فيمن كان أمير الحاج في هذه السنة؛ لأنني وجدت بخطه سنة تسع وثمانين وستمائة حج أمير الحاج في هذه السنة، ولأنني وجدت بخطه أن في تسع وثمانين وستمائة حج أمير يقال له الفارقاني، ووقع بينه وبين أهل مكة قتال عند درب الثنية ... انتهى. ودرب الثنية هو درب الشبيكة بأسفل مكة١. ومنها: أن ابن محفوظ قالفي أخبار سنة اثنتين وتسعين وستمائة: ووقف الناس الاثنين والثلاثاء٢ ... انتهى. ومنها على ما وجدت بخط ابن محفوظ في أخبار سنة ثلاث وتسعين وستمائة: وحصل بعرفة جفلة عظيمة شنيعة، وكان سببها أن بعض أولاد أبي نمي نهى مملوكا فأخطأ عليه المملوك، فجفل الناس٣ ... انتهى. ومنها: أنه في سنة أربع وتسعين حج فيها المجاهد أنس ابن السلطان مالك العادل كتبغا المنصوري صاحب الديار المصرية والشامية، وحج في خدمته جماعة من الأمراء

стр. 854

والأدر السلطانية١، وحصل بهم رفق كثير لأهل الحرمين، وشكر سيرة الملك أنس المذكور، وبذل المال لصاحب مكة وأتباعه، ويقال: إن الذي نال صاحب مكة منه نحو سبيعن ألف درهم٢. وحجت في هذه السنة عمة صاحب ماردين٣ مع الركب الشامي، وكان لها محمل كبير وسبيل كثير، وتصدق بمال كثير، وانتفع بها الحرمين وأمراء مكة والمدينة، وذكر هذه الحادثة بمعنى ما ذكرناه ابن الجزري وغيره٤. ومنها: أنه في سنة سبع وتسعين وستمائة حج الخليفة أبو العباس أحمد ابن الأثير حسن بن علي بن أبي بكر ابن الخليفة المسترشد بالله العباسي الملقب بالحاكم، ثاني الخلفاء العباسيين بعد المستعصم، وأول من أقام بمصر من الخلفاء العباسيين، وحج معه عياله، وأعطاه صاحب مصر المنصور لاجين سبعمائة ألف درهم، وحج فيها أمير العرب منها بن عيسى بن منها، وشكر سيرته؛ لأنه تصدق بأشياء كثيرة، وحخمل المنقطعين وأطعم العيش للناس كافة٥. ومنها: أنه في سنة ثمان وتسعين وستمائة حصل للحاج تشويش بعرفات وهوشة في نفس مكة، ونبه خلق كثيرون، وأخذت ثيابهم التي عليهم، وقتل خلق وجرح جماعة، وقيل إن المقتولين في هذه الفتنة أحد عشرة نفرا، وحصل لأبي نمي صاحب مكة من الجمال المنهوبة خمسمائة جمل، ذكره هذه الحادثة والتي قبلها بمعنى ما ذكرناه ابن الجزري٦. ومنها: أنه في سنة تسع وتسعين وستمائة لم يحج أحد من الشام، وحج الناس من الديار المصرية، ذكر هذه الحادثة الجزري٧. ومنها: أنه في سنة سبعمائة لم يحج فيها أحد من الشام؛ إلا أنه خرج عن دمشق جماعة إلى غزة، ومن غزة إلى إيلة، وصحبوا المصريين. ذكر ذلك البرزالي٨.

стр. 855

ومنها: أنه في سنة ثلاث وسبعمائة حج من مصر نائب السلطان بها الأمير سيف الدين سلار، وحج معه خمسة وعشرون أميرا، وتصدق سلار بصدقات كثيرة سد بها فاقة ذوي الحاجات، وانتفع بها المجاورون بمكة وأهلها الأشراف وغيرهم، وفعل بالمدينة مثل ذلك، وكان قد جهز للصدقة في البحر عشرة آلاف أردب قمح، وتصدق الأمراء الذين حجوا معه، وتوجهوا إلى المدينة ثم إلى القدس، وتوجهوا منه إلى مصر فدخلوها مع دخول الركب المصري؛ ذكر هذه الحادثة البرزالي بمعنى ما ذكرناه١. ومنها: أنه في سنة أربع وسبعمائة أبطل أمراء مكة حميصة ورميثة ابنا أبي نمي شيئا من المكوث في هذه السنة والتي قبلها٢. ومنها: أنه في سنة خمس وسبعمائة حج من مصر ونواحي الغرب ومن بلاد العراق والعجم خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى٣ ومنها: أنه في سنة خمس وسبعمائة كانت بمنى جفلة عظيمة، وحصل الحرب بين المصريين والحجازيين، وكان مقدم الركب المصري الأمير سيف الدين ألغيه، وكان كافر النفس مقداما على الجرائم، سفك من البشر جماعة، وجعل عوض نحر البدن نحرهم؛ ذكر هاتين الحادثتين هكذا صاحب "بهجة الزمن في تاريخ اليمن"، التاج عبد الباقي اليماني، وذكر هذه الحادثة التي في سنة أربع بمعنى ما ذكرناه٣. وذكر البرزالي ما يقتضي أن الفتنة التي كانت بين المصريين والحجازيين في سنة خمس، على ما ذكر صاحب "البهجة"؛ لأنه قال في أخبار سنة ست وسبعمائة: فيها كان أمير الركب المصري سيف الدين ألغيه قفجق السلحدار، ثم قال: ووقع في أيام الحج بمنى، ونهب شيء: ثم تفاقم الأمر، ولم يحصل ذلك إلا بالسوق خاصة، وانطلق العسكر خلف من فعل ذلك، فلم يعلم، وهرب المكيون في الجبال، وانطلق معهم من السروز إلى ذيل الجبل، فحصل فيهم من العسكر، ووسط منهم نفر يسير عند الجمرة، لتسكين الأمر، وإظهار الهيبة والقدرة؛ فسكن الناس ولكن بقي عندهم خوف ووجل.

стр. 856

ومنها: أنه في سنة تسع وسبعمائة لم يحج من الشام أحد على العامة إلا أن طائفة يسيرة من التجار وأهل الحجاز، خرجوا من دمشق إلى غزة، ومنها إلى إيله واجتمعوا بالمصريين وصحبوهم، ذكر هذه الحادثة البرزالي١. ومنها: أنه في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة حج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، ومع خواص عكسره نحو أربعين أميرا؛ ذكر ذلك البرزالي. وذكر صاحب "بهجة الزمان": أن الملك الناصر -المذكور- حج في هذه السنة في مائة فارس وستة آلاف مملوك على الهجن، وسار من دمشق إلى مكة في اثنتين وعشرين يوما٢ ... انتهى. ومنها: أنه في سنة ست عشرة وسبعمائة: حج فيها الأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصري نائب السلطنة المعظمة بالقاهرة، وتصدق بصدقات كثيرة بمكة والمدينة٣. وحج أيضا في سنة عشرين وسبعمائة، ومشي فيها من مكة إلى عرفة، وحج أيضا في سنة ست وعشرين وسبعمائة٤، ذكر ذلك ابن الجزري. ومنها: أنه في سنة تسع عشرة وسبعمائة حج الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، وحج معه من الأمراء نحو الخمسين من المقدمين الطبلخانات والعشراوات وجماعة من أعيان دولته، وكان توجه من القاهرة في تاسع ذي القعدة، وتصد على أهل الحرمين، وأحسن وعمل معروفا كثيرا، وغسل الكعبة بيده؛ ذكر ذلك هذه الحادثة بمعنى ما ذكرناه٥ البرزالي في تاريخه. ومنها: أنه في سنة عشرين وسبعمائة فعل الحاج سنة من سن الحج متروكة من قبل، وهي أنهم صلوا الصلوات الخمس من منى في يوم التروية وليلة التاسع، وأقاموا بمنى إلى أن أشرقت الشمس على ثبير، وتوجهوا إلى عرفة٦؛ ذكر هذه الحادثة بمعنى قال: وهذه مكملة مائة جمعة وقفها المسلمون من الهجرة النبوية إلى الآن؛ ونرجو الله تعالى أن تكون ألوفا إلى يوم القيامة ... انتهى.

стр. 857

ومنها: أنه في سنة عشرين وسبعمائة -على ما قال البرزالي: حضر الموقف عالم كثير من جميع الأقاليم والبلاد، قال الشيخ رضي الله الطبري إمام المقام: من عمري أحج ولم أر مثل هذه الوقفة، قال: وفيها حضر الركب العراقي في محمل كثير، ومعهم محمل عليه ذهب كثير، وفيه لؤلؤ وجوهر، قوم بمائة تومان ذهبا، وحسبنا ذلك بمائتي ألف دينار وخمسين ألف دينار من الذهب المصري١ ... انتهى. وذكر ابن الجزري ذلك بالمعنى. ومنها: أنه في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة حج من دمشق نائبها الأمير تنكز الناصري٢. ومنها: أنه في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة أبطل السلطان الملك الناصر المكس المتعلق بالمأكول فقط بمكة، وعوض صاحب مكة عطيفة عن ذلك ثلثي دمامين٣ من صعيد مصر، وذكر ذلك البرزالي وابن الجزري٤. ومنها: أنه في سنة أربع وعشرين وسبعمائة حج ملك التكرور موسى، وحضر للحج معه أكثر من خمسة عشر ألفا من التكاررة٥. ومنها: أنه في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وقف الناس بعرفة يوم السبت ويوم الأحد، بسبب الاختلاف في هلال ذي الحجة، وفيها رجع أكثر الركب المصري بسبب قلة الماء في المنازل؛ فلذلك قل الحج المصري، وحج العراقي وكان ركبا كبيرا، ذكر هذه الحوادث بمعنى ما ذكرناه البرزالي وابن الجزري٦. ومنها: أنه في سنة سبع وعشرين وسبعمائة بات الحجاج الشاميون بمنى ليلة عرفة ولم يبت بها المصريون، وكان المصريون قليلا بالنسبة إلى العادة٧. ومنها: أنه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة حج العراقيون ومعهم تابوت جوبان نائب أبي سعيد بن خرابندا ملك العراق؛ ليدفن بالتربة التي بناها بالمدينة عند باب

стр. 858

الرحمة؛ فلم يدفن بها لعدم تمكين أمير المدينة من ذلك، حتى يأذن فيه صاحب مصر، وأحضروا تابوته في الموقف بعرفة، ودخلوا مكة ليلا، وطافوا به حول البيت، ثم ذهبوا به إلى المدينة؛ فكان من أمره فيها ما ذكرناه١، ذكر الملك البرزالي بمعنى ما ذكرناه، وذكر أن الوقفة كانت يوم الجمعة باتفاق ... انتهى. وذكر ابن محفوظ أن قدوم الركب العراقي بجوبان كان في سنة سبع وعشرين، والله أعلم. ومنها: أنه في سنة ثلاثين وسبعمائة كانت فتنة عظيمة بين الحجاج المصريين وأهل مكة، وقد شرح قاضي مكة شهاب الدين الطبري شيئا من خبرها في كتاب كتبه إلى بعض أصحابه؛ لأن فيه: ونهى صدورها من حرام الله تعالى بعد توجه الركب السعيد على الحالة التي شاع ذكرها، ولا حيلة في القدرة، والله ما لأحد من أهل الأمر ذنب لا من هؤلاء ولا من هؤلاء؛ وإنما الذنب للغاغة والرعاع والعبيد والنفرية، على سبب مطالبة من أخدام الأشراف للعراقيين، بسبب عوائدهم، وحصلت ملالاة، وأوجبت معاداة؛ فقامت الهوسة والخطيب على المنبر، وكان السيد سيف الدين عند أمير الركب جالسا، فقام ليطفئ النوبة من ناحية، فانتفخت من نواحي، وقام الأمير سيف الدين يساعده، فاتسع الخرق وهاج الناس في بعضهم بعضا فمات من مات وفات من فات، ولزم الأشراف مكانهم بجياد، ولم يخرج منهم أحد إلى القتال إلا من انخلس من الفريقين. وذكر هذه الحادثة الحافظ علم الدين البرزالي، وشرح من أمرها ما لم يشرحه القاضي شهاب الدين الطبري؛ لأنه قال في أخباره سنة ثلاثين وسبعمائة: ووصل كتاب عفيف الدين الطبري يذكر فيه أمورا مما وقع للحجاج بمكة المشرفة، قال: وليس الخبر كالمعاينة، ولما كان يوم الجمعة عند طلوع الخطيب المنبر، حصلت شوشة ودخلت الخيل المسجد الحرام، وفيهم جماعة من بني حسن ملبين غائرين، وتفرق الناس وركب الأمراء من المصريين، وكانوا ينتظرون سماع الخطبة، فتركوها، وركب الناس بعضهم بعضا، ونهبت الأسواق، وقتل من الخلق جماعة من الحجاج وغيرهم، ونهبت الأموال وصلينا نحن الجمعة والسيوف تعمل، وطفت أنا ورفيقي طواف الوداع جريا، والقتل بين الترك والعبيد الحرامية من بني حسن، وخرج الناس إلى المنزلة، واستشهد من الأمراء سيف الدين ألدمر أمير جاندار وولده خليل، ومملوك لهم، وأمير عشرة يعرف بابن التاجي، وجماعة نسوة، وغيرهم من الرجال، وسلمنا من القتل، وكانت الخيل في إثرنا

стр. 859

يضربون بالسيوف يمينا وشمالا، وما وصلنا إلى المنزلة وفي العين قطرة، ودخل الأمراء راجعين بعد الهرب إلى مكة لطلب بعض الثأر، وخرجوا فارين مرة أخرى، ثم بعد ساعة جاء الأمراء خائفين وبنو حسن وغلمانهم خلفهم؛ فلما أشرفوا على ثنية كداء من أسفل مكة، فأمر بالرحيل، ولولا أن سلم الله الناس كانوا نزلوا عليهمولم يبق من الحجاج مخبر، فوقف أمراء المصريين في وجوههم، وأمر بالرحيل، فأخطبت الناس، وجعل أكثر الناس يتركون ما ثقل من أحمالهم، ونهب الحاج بعضه بعضا، وكان في جملة من راح جمل محمل لنا فيه جميع ما رزقنا الله من نفقة وثياب وزاد، واحتسبناه وحمدنا الله على سلامة أنفسنا١ ... انتهى. وذكر النويري هذه الحادثة في تاريخه، وذكر فيها ما يوافق ما ذكره الطبري، ثم قال: ووقع الخبر بذلك بالقاهرةن يوم الجمعة يوم مقتله يعني سيف الدين ألدمر جاندار سوار، ثم وصل الخبر بذلك مع المبشرين في ثالث المحرم٢. ومنها: أنه في سنة ثلاثين وسبعمائة -أيضا- حج الركب العراقي، ومعهم فيل، وما عرفت مقصد أبي سعيد بن خربندا ملك التتار بإرساله، وقد ذكر خبره البرزالي نقلا عن العفيف المطري؛ لأنه قال: بعد ما سبق ذكره من خبر الفتنة: وكان الركب العراقي ركبا صغيرا، ووصل معهم فيل، وقفوا به٣ المواقف كلها، وتفاءل٤ الناس منذ رأوه بالشر، فتم ما تم وحصل ما حصل، وكنا خائفين أن يقع بسببه شر، إذا وصل إلى المدينة، فوصل إلى أن بلغ الفريش الصغير قبيل البيداء التي ينزل منها إلى بئر الحرام من ذي الحليفة؛ فجعل كلما أراد أن يقدم رجلا تأخر مرة بعد مرة، قفضربوه وطردوه، وكل ذلك يأبى إلا الرجوع القهقرى، إلى أن سقط إلى الأرض ميتا في يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي الحجة الحرام؛ وذلك من معجزات النبي ﷺ ، وهذا من غرائب العجائب، والحمد لله على ذلك، وقد ذكر خبره النويري في تاريخه، بمعنى ما ذكره المطري، وقال: وقيل: أنه أنصرف عليه من حين خروجه من العراق إلى أن مات زيادة على ثلاثين ألف درهم، وما علم مقصد أبي سعيد في إرساله ذلك ... انتهى٥.

стр. 860

ومنها: أنه في سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة حج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومعه نحو سبعين أميرا، وجماعة من أعيان الفقهاء وغيرهم بالقاهرة، وتصدق بعد حجة على أهل الحرم من المجاورين والفقهاء١. ومنها: أنه في سنة ست وثلاثين وسبعمائة لم يحج الركب العراقي في هذه السنة، لموت السلطان أبي سعيد بن خربندا ملك العراقيين، واختلاف الكلمة بعده، ودام انقطاع الحج من العراقيين سنين كثيرة على ما يأتي بيانه٢ إن شاء الله تعالى. ومنها: أنه في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وقف الحجاج المصريون والشاميون بعرفة، يومين: يوم الجمعة ويوم السبت، ووقف أهل مكة السبت؛ ولكنهم حضروا عرفة ليلة السبت٣. ومنها: أنه في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة حج صاحب اليمن الملك المجاهد على ابن مالك المؤيد داود بن المظفر، ولما حضر بعرفة كان في خدمته الأشراف والقواد، وحموه من أن يتعرض له المصريون بسوء، وأطلعوا علمه على جبل عرفة، وكان المصريون قد عزموا على منعه من ذلك، ومن نزول عرفة والوقوف عند الصخرات بها، وكان الأشراف والقواد في خدمته، إلى أن قضى مناسك الحج، وعم بصدقته أهل مكة، وكان دخوله إليها أول ذي الحجة، ورحل منها في العشرين من ذي الحجة، ورام أن يكسو الكعبة ويقلع بابها ويركب بابا من عنده؛ فلم يمكنه الأشراف من ذلك، فوجد عليهم في ذلك٤. ومنها: أنه في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة حصل بين أمير الحاج المصري والأشراف قتال عظيم بعرفة، كان الظفر من يوم النفر الأول، ونزلوا بباب الشبيكة، وأقاموا به ليلة، ثم رحلوا في يوم النفر الثاني، ولم يعتمر أكثر الحجاج ولم يطوفوا طواف الوداع خوفا على أنفسهم، وتعرف هذه السنة بسنة المظلمة؛ لأن أهل مكة في نفرهم من عرفة سلكوا الطريق التي تخرجهم على البئر المعروفة بالمظلمة، وهي غير الطريق التي يسلكها الحجاج٥.

стр. 861

ومنها: أنه في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة حج العراقي بعد أن أقام إحدى عشر سنة لم يحج، وكان حاجا كثيرا، وكان حاج مصر والشام قليلا١. ومنها: أنه في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة حج الملك المجاهد صاحب اليمن وقبض عليه بمنى؛ وسبب ذلك أنه لم ينصف أمير مكة عجلان، ولا بني حسن، ولا أمير الحاج المصري "بزلار"، ولم يراع من المصريين إلا الأمير "طاز"؛ فأجمعوا عليه مع أمير مكة، وقصدوه في صبح اليوم الثالث من أيام منى إلى محطته، فقاتلهم أصحاب صاحب اليمن ساعة من نهار، ثم عظم عليهم الأمر باجتماع الناس عليهم للطمع في النهب، فنهب محطة المجاهد عن آخرها بما فيها من الخزائن، والخيول والبغال، والجمال، وغير ذلك، وكان من أسباب ذلك: عدم ظهوره للقتال، فإنه لم يركب، ولم ينصب علما ولا دق طبلا؛ وإنما صعد جبلا بمنى، فحصروه به إلى قرب غروب الشمس، ثم سلم نفسه بأمان، فأخذ سيفه وأركب بغلا واحتفظ به، وسافر مع المصريين تحت الحوطة، ولم يرم الجمار بمنى ولا ظهر بها، ولعله راعى في ترك القتال حرمة الزمان والمكان، وهما جديران بالاحترام، وكان من خبره بعد وصوله إلى مصر أن صاحبها الملك الناصر حسن بأن الملك الناصر محمد بن قلاوون أكرمه وسيره إلى بلده على طريق الحجاز، وفي خدمته بعض الأمراء؛ فلما كان بالدهناء قريبا من "ينبع" قبض عليه؛ لأن الأمير الذي في خدمته نقل عنه إلى الدولة بمصر ما أوجب تغير خاطرهم عليه، وذهب به إلى الكرك فاعتقل بها مع الأمير "بيبغاروس" الذي كان نائبا بالقاهرة، ثم أطلق بشفاعة الأمير يلبغا؛ لأنه كان أطلق قبله، وزار المجاهد القدس والخليل، وجاء إلى مصر فتوجه منها إلى بلاده على طريق عيذاب، فبلغ اليمن في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، ومنع الجلاب من السفر إلى مكة حنقا على أهلها٢. ومنها: أنه في سنة خمس وخمسين وسبعمائة لم يحج الركب العراقي، وحج في التي بعدها، وهي سنة ست وخمسين وسبعمائة، وكان حاجا قليلا٣. ومنها: أنه في سنة سبع وخمسين وسبعمائة وقف الناس بعرفة يومين، وحصل للناس في آخر اليوم مطر جيد سالت به الشعاب، فاستقى الحاج ودوابهم، وكان ذلك من الله رحمة لعباده، وكان الحاج العراقي في هذه السنة كثيرا لم يعهد أن مثله حج من العراق، وحج فيها بعض العجم، وتصدق بذهب كثير على أهل مكة والمدينة٤.

стр. 862

ومنها: أنه في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة حج العراقي وكان حاج مصر والشام قليلا١. ومنها: أنه في سنة تسع وخمسين وسبعمائة رحل الحجاج جميعهم من منى وقت الظهر من يوم النفر الأول، وكان الحاج قليلا من مصر والشام والعراق٢. ومنها: أنه في جمادى الآخرة أو رجب سنة ستين وسبعمائة أسقط المكس المأخوذ من المأكولات بمكة من الحب، والتمر، والغنم، والسمن، وغير ذلك، وارتفع من مكة الجور والظلم، وانتشر العدل والأمان؛ وذلك بسبب أن الملك الناصر حسن صاحب مصر جهز إلى مكة عسكرا لإصلاح أمرها وللإقامة بها مع من ولاة إمرة مكة وهما الشريفان محمد بن عطيفة بن أبي نمي، وسند بن رميثة بن أبي نمي، ودام هذا مدة مقام هذا العسكر بمكة؛ وذلك إلى آخر سنة إحدى وستين وسبعمائة٣. ومنها: أنه في سنة ستين وسبعمائة -أيضا- وصل الركب العراقي، وكان وصوله قبل الوقت الذي يعهد فيه وصوله بيومين وهو الخامس من ذي الحجة. ومنها: أنه في سنة إحدة وستين وسبعمائة كان بمكة فتنة بين أهلها من بني الحسن وبين الترك الذين قدموا إلى مكة للإقامة بها في موسم هذه السنة عوض الترك الذين كانوا قدموا مكة في سنة ستين وسبعمائة، وسبب هذه القتنة أن بعض الأشراف من ذوي المعروفة بدار المضيف عند باب الصفا، فطالبهم بالكراء بعض الأشراف من ذوي "علي بن قتادة"، وحصل بينهما منازعات أفضى الحال فيها إلى أن ضرب التركي الشريف فقتله الشريف، فثار عليه الترك، فصاح، فحمى له بعض الشرفاء فثارت الفتنة، وقيل في سبب الفتنة: إن بعض الترك أرادوا النزول في دار المضيف؛ فعارضه في ذلك بعض ذوي "علي" وضربوهم، فشكوا ذلك إلى "ابن قراسنقر"، وكانوا من جماعته، وكان إذ ذاك يطوف بالبيت الحرام محرما بعمرة، فقطع طوافه ولبس السلاح وثارت الفتنة، وركب هذا اليوم، وقصد بنو حسن أجياد، واستولوا على إسطبل ابن "قراسنقر" أحد مقدمي الترك المقيمين بمكة، وحصروا المقدم الآخر وهو الأمير المعروف "قراسنقر" أحد مقدمي "دار الزباع" بأجياد، وقاتلوه حتى غلبوه، ونجا بنفسه من موضع في الدار، فاستجار ببعض نساء الأشراف، واجتمع الترك في المدرسة المجاهدية، وفي المسجد الحرام،

стр. 863

وغلقوا أبوابه عليهم، وعملوا عند المدرسة المجاهدية جسرا من خشب يمنع بني حسن من قصدهم، وأزالوا الظلة التي على رأس الزقاق المقابل لباب أجياد، وقصدهم جماعة من بني حسن إلى جهة المجاهدين، فرموهم بالنشاب، ففر بنو حسن، ثم كر عليهم بعض من بني حسن ثانية، فقتل منهم جماعة منهم الشريف "مغامس بن رميثة"، ثم وصل الشريف "ثقبة بن رميثة" إلى مكة، بأثر الفتنة، فسكنها عن الترك، ووقع الاتفاق على أن ترحل الترك من مكة، فرحلوا بما خف من أموالهم. والتحقوا بالحجاج، فأدركوهم بينبع، وكانت هذه الفتنة بعد رحيل الحجاج من مكة بيوم أو يومين١. ومنها: أنه في سنة ست وستين وسبعمائة رسم السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر بإسقاط ما على الحج من المكوس بمكة في سائر ما يحمل إليها من المتاجر، سوى الكارم٢ وتجار الهند وتجار العراق، وأسقط المكس المتعلق بالمأكولات، وبلغني أن المكس الذي كان يؤخذ من المأكولات بمكة مد حب جدي، وهو مدان مكيان من كل حلم حب يصل من جدة، ومد مكي وربع مكي من كل حمل حب يصل من وجهة الطائف وبجيلة٣ وثمانية دنانير مسعودية على كل حمل من التمر اللبان٤ الذي يصل إلى مكة، وثلاثة دنانير مسعودية على كل حمل ترم محشي٥ يصل إلى مكة، وستة مسعودية على كل شاة يصل إليها، وسدس وثمن ما يباع بمكة من السمن والعسل والخضر؛ وذلك أنه يحصى ثمنها مسعودية، فإذا عرف أخذ على كل خمسة دنانير دينار مسعودية، ويؤخذ -أيضا- دينار مسعودية من ثمن السلة التمر إذا بيعت بالسوق من الثمار الذي باعها ليعيش منها، والمأخوذ على التمر أولا من جالبه إلى مكة، ويؤخذ شيء مما يباع في السوق من غير ما ذكرناه، وكان الناس يقاسون شدة؛ بحيث بلغني أن بعض الناس جلب شاة، فلم تساو المقدار المقرر عليها، فمسح بها في ذلك؛ فلم يقبل منه، فأزال الله -تعالى- جميع هذا الأشراف شعبان المذكور، بتنبيه بعض أهل الخير له على ذلك، وعوض صاحب مكة عن ذلك ثمانية وستين ألف درهم من بيت المال المعمور بالقاهرة، وألف أردب قمح، وقدر ذلك في دويان السلطان المذكور، وأمضى ذلك الولاة بالديار المصرية إلى تاريخه، وكتب خبر الإسقاط في أساطين بالمسجد الحرام في جهة باب الصفا وغيره، ولما وقعت

стр. 864

هذه الحسنة من الأمير يلبغا -المذكور- طابت بها نفس صاحب مكة -إذ ذاك- الشريف عجلان بن رميثة الحسن ﵀ وعمل بها هو ومن عبده من أمراء مكة أثابهم الله تعالى١. ومنها: أنه في أثناء سنة عشر السبعين وسبعمائة -بتقديم السين، خطب بمكة للسلطان الشيخ أويس ابن الشيخ حسن الصغير صاحب بغداد وغيرها، بعد أن وصلت منه قناديل حسنة للكعبة، وهدية طائلة لأمير مكة عجلان، وهو الأمر لخطيب مكة بالخطبة له؛ فكان الخطيب إذ ذاك جدي لأبي، قاضي مكة أبي الفضل النويري، ثم تركت الخطبة لصاحب العراق، وماعرفت وقت ابتداء تركها، وخفي على كثير من خبر الحجاج العراقيين في عشر السبعين وسبعمائة، وفي عشر الثمانين وسبعمائة، وفي عشر التسعين وسبعمائة، ويغلب على ظني أن حجهم في هذه الأعشار أكثر من انقطاعهم عن الحج فيها، والله أعلم. ومنها: أنه في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة كان الحجاج من مصر في غاية القلة، بسب ما اتفق في عقبة إيلة من ثورة الترك على الملك الأشرف شعبان صاحب مصر، وكان قد توجه إلى الحج في هذه السنة في تجمل كثير، وفر إلى القاهرة؛ فتبعه الناس إلا نفرا يسيرا، وكان من خبره أنه دخل في القاهرة متخفيا؛ لأن الأمراء الذي تركهم بها سلطنوا ولده المنصور عليا، وظفروا به بعد مدة يسيرة، واستشهد -رحمة الله تعالى- في بقية السنة٢. ومنها: أنه في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة حج محمل لصاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل ابن الملك الأفضل عباس ابن الملك المجاهد في البر، وأراد بعض الأمراء المصريين توهين حمرة هذا المحمل؛ فلم يمكنهم من ذلك صاحب مكة الشريف أحمد بن عجلان، وكان أمير الحج مع هذا المحمل ابن السنبلي، وليس هذا المحمل أول محمل حج من اليمن؛ فقد رأيت ما يدل على أن في السنة التي ولي فيها الملك المؤيد السلطنة ببلاد اليمن حج له محمل إلى مكة٣. ومنها: أنه في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة كان بمكة فتنة في أيام الموسم، وحج الناس خائفين، وسبب هذه الفتنة أن بعض الباطنية قتل أمير مكة محمد بن أحمد بن عجلان عندما حضر لخدمة المحمل المصري على جاري عادات الأمراء -أي أمراء

стр. 865

الحجاز- وتولى بعده عنان بن مغامس بن رميثة إمرة مكة، وقصدها في جماعته، ومعه أمير الحج المارديني؛ فحاربهم من كان بمكة من ذوي عجلان زمنا يسيرا، ثم انهزموا، واستولى عنان ومن معه على مكة١. ومنها: أنه في سنة سبع وتسعين وسبعمائة كان بمكة قتل ونهب في الحجاج في يوم التروية، وفي ليلة عرفة بطريق عرفة، وسبب هذه الفتنة: أن بعض القواد اختطف شيئا في المسجد الحرام، واحتمى ببعض أصحابه؛ فجرى بينهم وبين الحجاج مقاولة بالمسجد الحرام أفضت إلى مقاتلته، فشهرت السيوف بالمسجد الحرام وصارت الفتنة به وفي خارج المسجد، ونهبت الأموال، وجاء أمير الحج الحلبي المعروف بابن الزين غائرا من الأبطح في خيل ورجل، فلقيه بعض القواد بأسفل مكة إلى جهة الشبيكة، وجرى بين الفريقين قتال كان الظفر فيه للقواد، وطمح الحرامية في الحجاج، فنهبوهم نهبا ذريعا في خروجهم إلى منى، وفي ليلة عرفة بالموضع المعروف بالمضيق بين عرفة ومزدلفة وقتلوهم، وتعدى النهب إلى أهل مكة واليمن، وحج الناس خائفين، ورحل الحجاج أجمع في يوم النفر الأول، وكان في هذه السنة قدم مع الحجاج الشاميين محمل من حلب، ولم يعهد مثل ذلك فيما علمت إلا في سنة سبع وثمانين وسبعمائة٢، والله أعلم. وفيها حج العراقي عند انقطاعه مدة، وكان قدومه يوم الصعود، وكان حاجا قليلا جدا، يقال: إنه كان فيه خمسمائة جمل٢. ومنها: أنه في سنة ثمانمائة حج لصاحب اليمن الملك الأشرف مع طواشي من جهته وفي خدمته الشريف محمد بن عجلان، وحج معه جماعة من أعيان التجار والفقهاء المكيين وغيرهم، وحصل للحجاج الذين كانوا مع المحمل اليمني عطش بقرب مكة، مات فيه جماعة منهم -رحمهم الله تعالى- ووقف بعرفة مع المحامل، وكانت الوقفة يوم الجمعة٣. ومنها: أنه في سنة ثلاث وثمانمائة لم يحج من الشام أحد على الطريق المعتادة، وسبب ذلك أن تيمورلنك قصد البلاد الشامية في هذه السنة واستولى عليها وأخربها؛ وكان ما حصل من الخراب بدمشق أكثر من غيرها من البلاد الشامية بسبب إحراق التترية لها لما استولوا عليها، بعد أن فارقها الملك الناصر فرج،

стр. 866

وقصد الديار المصرية لأمر اقتضاه الحال. والتترية منازلون لدمشق، وكان استيلاء التترية على دمشق بصورة أمان، والتزام من أهل دمشق لهم بمال يؤدونه؛ لأنهم بعد رحيل السلطان من دمشق حصروا القلعة بدمشق وأخربوا بعضها، وكادوا يستولون عليها؛ فاقتضى ذلك خروج الشاميين إليهم لطلب الأمان والتزامهم لهم بالمال؛ فلما صار بأيديهم ما التزموا لهم به من المال وأكثر منه بكثير، فارقوا البلد، بعد أن أحرقوها في ثالث شعبان من السنة المذكورة، ثم عمرت القلعة والجامع الأموي ومواضع حوله من البلد وظاهرها عمارة حسنة، وأكثر البلد متخرب إلى الآن؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله١. ومنها: أنه في سنة ست وثمانمائة حج الركب الشامي على طريقته المعتادة، ومعه محمل، وكان قد بطل من سنة ثلاث وثمانمائة، وحج الشامي في سنة سبع وثمانمائة كحجة في سنة ست بمحمل وعلى طريقته المعتادة٢. ومنها: أنه في سنة سبع وثمانمائة حج العراقيون بمحمل من قبل متولى بغداد من أولاد تيمورلنك، ومات تيمورلنك في هذه السنة في سابع عشر شعبان منها، بعلة الإسهال القولنجي. ومنها: أنه في سنة ثمان وثمانمائة لم يحج الشاميون على طريقتهم المعتادة ولا حج لهم محمل؛ وإنما حج فيها من الشام تجار، جاؤوا من دمشق إلى غزة، ومنها إلى إيلة، ومنها إلى مكة٣. ومنها: أنه في سنة تسع وثمانمائة، حج الشاميون بمحمل على طريقتهم المعتادة، وتخوف الناس أن يقع بين أميرهم وبين أمير الركب المصري قتال، فسلم الله، وسبب توقع القتال في هذه السنة؛ أن الأمير "جكم"٤ بايع لنفسه بالسلطنة، وتلقب بالملك العادل، وخطب له بحبل وغيرها من البلاد الشامية؛ حتى أنه خطب له بدمشق -ولكن زمن الخطبة له بدمشق يسيرا دون شهر- وأعيدت الخطبة بها للملك الناصر، فرج ابن الملك الظاهر صاحب مصر، وضربت السكة باسم جكم، ورأيت دراهم مكتوبة عليها اسمه، وكان ذلك من الأمير جكم في هذه السنة أو في آخرها، أو في أول التي بعدها، وقتل من سهم أصابه على غفلة منه في حرب كانت بينه وبين بعض التركمان.

стр. 867

ومنها: أنه في سنة عشر وثمانمائة نفر الحجاج جميعهم في النفر الأول، ولم يزر المدينة المنورة من الركب المصري إلا القليل، وسار معظمهم مع أمير الحاج إلى "ينبع"، وسبب ذلك: أن أمير الحج المصري تخوف من أهل الشام أن يقصدوا الحجاج بسوء من جهة "إيلة"، بسبب القبض بمكة على أمير الركب الشامي في هذه السنة، وكان صورة القبض عليه: أن المصريين تكلموا مع أمير مكة في القبض عليه؛ فقصده أمير مكة في المسجد الحرام بعد طوافه يوم قدومه بالبيت، وقيل سعيه، وأشار على أمير الحج الشامي بأن يمضي معه للسلام على أمير الحج المصري؛ فلم يجد بدا من الموافقة على ذلك؛ لانفراده عن عسكره؛ فسار إلى أمير الحج المصري، فقبض عليه وحج معه محتفظا به، وذهب به تحت الخوطة إلى مصر، وكانت الموافقة يوم الجمعة١. ومنها: أنه في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة كان بين بني حسن من أهل مكة وبين أمير الحاج المصري مشاجرة عظيمة، أفضت إلى قتله بعض الحجاج ونهبهم غير مرة، ولم يحج بسبب ذلك من أهل مكة إلا اليسير، وسبب هذه الفتنة: أن صاحب مصر الملك الناصر فرج انحرف على الشريف حسن بن عجلان نائب السلطنة ببلاد الحجاز؛ فعزله عن ذلك، وعزل ابنيه عن إمرة مكة، وأسر ذلك إلى أمير الحج المصري "بيسق"٢؛ فاستعد للحرب، واستصحب معه أنواعا من السلاح والمكاحل والمدافع وغير ذلك، وورى بأن قصده بذلك الدخول إلى اليمن، وبلغ الشريف "حسن" ذلك في عاشر ذي القعدة من السنة المذكورة؛ فجمع أعراب مكة، وأهل الطائف و"ليه"٣ وغيرهم من عرب الشرق، على ما كان معه من بني حسن من الأشراف والقواد، وعبيد أخيه أحمد بن عجلان وأولادهم وعوام مكة، وكان من معه على ما بلغني يزيدون على ستة آلاف نفر؛ منهم: أربعة آلاف من الأعراب الذين استنفرهم، واجتمع عنده من الخيل نحو ستمائة على ما بلغني، وكان يكره القتال مخافة أن يصيب الحجاج سوء من معرة الجيش، وأشار بعض جماعته بأن يرسل إلى أمير الحاج من يعظم عليه أمر الحرم وأهله، وأنه إذا كان قصده القتال، فليتقدم الحجيج قبله بيوم أو يتقدم هو قبلهم بيوم فيقع اللقاء؛ وبينما هم في المعركة فيم يؤدي هذه الرسالة إلى أمير الحاج إذ جاء الله بالفرج، وأزال الخاص بخدمته فيروز الساقي٤ إلى مكة بخلع وتقاليد للسيد حسن -المذكور- وولديه، بعودهم إلى ولايتهم، ومنع أمير الحاج من التعرض لقتالهم، وكان وصول هذا الخبر إلى

стр. 868

مكة في تاسع من ذي القعدة، أو في اليوم الموفى ثلاثين منه، وقدم إلى مكة جماعة من الحجاج من الترك وغيرهم؛ فلقيهم الشريف حسن -بعسكره، وفي ليلة حسن جماعة الحجة بعث المقدم فيروز من يعلم بوصله في هذه السنة، فبعث الشريف حسن جماعة للقائه من باب الشبيكة، وكان هو قد قصد مكة من باب المعلاة، فلما رآه الموكلون بسرو باب المعلاة صاحوا وظنوه عدوا، فارتجت البلد، وظن الناس أن ما ذكر من خبر فيروز مكيدة، فقتل بعض من كان معه، ودخل البلد مكسورا، فطيب خاطره الشريف حسن، ووعده بكل جميل، وقرئ بحضوره التقليد الذي كان معه بعودة الشريف حسن وابنيه إلى ولايتهم، وسعى عند الشريف حسن في عدم التعرض لأمير الحاج؛ فأجاب إلى ذلك الشريف حسن، وشرط أن يسلم أمير الحج ما معه من السلاح وآلات الحرب، فأجاب أمير الحاج إلى ذلك بعد توقف، وشرط أن يكون برباط ربيع أجياد، إلى أن تنقضي أيام الموسم، ثم يتسلم ذلك، فأجيب إلى ما ذكر، ودخل الحجاج مكة في ثاني ذي الحجة وقت الظهر، ودخل أمير الحاج في ثالث ذي الحجة إلى مكة فطاف بالبيت، وتقدم إلى الشريف حسن بأجياد فأحسن لقاءه، وأقام بمكة إلى أن خرج منها في يوم التورية إلى متى بعد أن تقدمه طائفة من الحجاج، وبلغ الشريف حسن أن بعض ما جمعه من الأعراب عزموا على التعرض للحاج؛ فبعث إليهم من يزجرهم عن ذلك، فعصوا وتغلبوا على الحجيج، فقتلوا ونهبوا وعقروا الجمال عند المأزمين، وهو الموضع الذي تسميه الناس المضيق، وتوقف الشريف حسن هو وغالب من معه عن الحج، خيفة أن يقع بينهم وبين أمير الحج قتال، فيلحق الحجيج من ذلك مشقة، وحج ولد السيد أحمد بن حسن في نفر قليل من خواصه؛ وبسبب تخلفه عن الحج تخلف غالب أهل مكة. وكنت ممن يسر الله له الحج في هذا العام. ولما وصلنا إلى الموضع المعروف بالمأزمين: وجدنا الجمال في معقورة، وكدنا أن نرجع من الخوف، فقوى الله تعالى العزم السليم وله الحمد، وكان مما حملنا على العزم على الرجوع: أن بعض الأشراف لقينا قريبا من المزدلفة، وأخبرنا أن الحاج في أثرهم واصل، وسبب ذلك أن الحجاج لما خرجوا من مكة في يوم التروية لم ينزلوا بمنى، وساروا إلى عرفة فنزلوا بها، وثبت عند القاضي الحنفي بمكة أن هذا اليوم هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وكان هذا اليوم يوم التروية على رؤية أهل مكة، فاقتضى رأي أمير الحاج أن يقيم بالناس يومين بعرفة، وأن يدفع في هذا اليوم إلى أن يبلغ الأعلام التي هي حد عرفة من جهة مكة، ويرجع إليها فيقيم اليوم الثاني؛ ففعل ذلك ورأى ذلك الشرفاء، فظنوا أن الحاج سائر إلى منى. وتعرض أهل الفساد للحاج في توجههم من عرفة إلى منى، ونهبوهم وقتلوهم وجرحوهم، وذلك في ليلة النحر، ولم نستطيع أن نبيت بالمزدلفة إلى الصباح، فرحلنا

стр. 869

منها بعد أن أقمنا بها مقاما تتأدى به السنة، ووقع بمنى في ليلة النحر قتل ونهب، وفي ضحى يوم النحر شاع بين الناس بمكة وصول الشريف علي بن مبارك بن رميثة من مصر، وكان يذكر أنه يلي مكة مع أمير الحج، فاضطرب الناس بمكة ومنى، ثم سكنوا لما لم يصح ذلك، وفي آخر هذا اليوم دخل أمير الحج إلى مكة؛ فطاف للإفاضة والوداع، وكان قد قدم للسعي في يوم الصعود، وخرج من فوره إلى منى، وفي يوم النفر الأول اضطرب الناس بمنى، وظنوا أن الفتنة قامت بها، ثم لم يظهر لذلك أثر، ثم رحل الحاج بأجمعهم في اليوم الثاني -أي في يوم النفر الثاني- فلما وصلوا إلى الأبطح؛ أمر أمير الحاج المصري بأن يسلك الحجاج المصريون شعب أذاخر، ويخرجون منه إلى وادي الزاهر؛ ففعلوا ذلك ووصل إليه بالزاهر ما كان أودعه من السلاح بمكة، ولولا مراعاة الشريف حسن في هذه الفتنة للحجيج، لكثر عليهم العويل مع الحزن الطويل، فالله تعالى بقية، ومن الشر يقيه١. ومنها: أنه في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة حج صاحب كاوة الملك المنصور حسن ابن المؤيد سليمان بن الحسن، وتصدق على أعيان أهل الحرم، وزار بعد الحج، وركب البحر من أثناء الطريق إلى بلاد اليمن ليتواصل منها إلى بلاده من عدن٢. ومنها: أنه في سنة ثلاث عشر وثمانمائة أيضا، لم يحج العراقيون من بغداد بمحمل على العادة، وكانوا قد حجوا على هذه الصفة ست سنين متوالية، أولها سنة سبع وثمانمائة٣، وآخرها سنة اثنتي عشرة وثمانمائة٤، وسبب بطلان الحج في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة: أن فيها أو في التركماني٥ فقتل السلطان أحمد، وقيل: إنه فقد، واستولى التركماني على بغداد، وقرأ يوسف التركماني٥ فقتل السلطان أحمد، وقيل: إنه فقد، واستولى التركماني على بغداد، ولم يقع منهم عناية بتجهيز الحجاج بمحمل على العادة، ودام انقطاع الحجاج العراقيين من بغداد سنتين بعد سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وحج في هذه السنين من عراقي العجم جماعة على الطريق الحسا والقطيف٦ بلا محمل.

стр. 870

ومنها: أنه في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة أقام الحجاج المصريون والشاميون بمنى يوما ملفقا بعد يوم النفر الثاني، لرغبة التجار في ذلك، وكانت الوقفة في هذه السنة يوم الجمعة١. ومنها: أنه في يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس وعشرة وثمانمائة خطب بمكة للإمام المستعين بالله أمير المؤمنين أبي الفضل المستكفي أبي الربيع سليمان ابن الحاكم أبي العباس أحمد -المقدم ذكره- العباسي؛ وذلك لما أقيم في مقام السلطنة بالديار المصرية والشامية، بعد قتل الملك الناصر فرج، ولم يتفق مثل ذلك لأحد من أبنائه الذين بويعوا بالخلافة بمصر بعد المستعصم؛ لأنه وإن خطب لمن قبله بديار مصر، فلم يكن لأحد منهم سكة، ولا يخرج عنه توقيع وغير ذلك إلا الإمام المستعين بالله٢، إلى أن عهد بالسلطنة إلى مولانا السلطان الملك المؤيد أبي النصر شيخ -نصره الله- في مستهل شهر شعبان في هذه السنة، وقبل الخطبة للخليفة بمكة بيومين قرئ كتابه بتفويضه إلى الملك المؤيد تدبير الأمور بالممالك الشريفة، ولقبه فيه ينظام الملك بعد أن ذكر فيه قتل الملك الناصر٣ بسيف الشرع الشريف، وكان قتله في ليلة السبت سابع عشر صفر من هذه السنة بدمشق، ودعي للإمام المستعين بالله على زمزم بعهد المغرب من ليلة الخميس الحادي والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، عوض الملك الناصر، واستمر الدعاء له على زمزم في كل ليلة إلى أن وصل كتاب الملك المؤيد يتضمن مبايعة الخليفة، وأهل الحل والعقد من أهل الدولة وغيرهم له بالسلطنة في التاريخ المقدم ذكره، فترك الدعاء للخليفة المستعين بالله على زمزم ودعي له في الخطبة قبل الملك المؤيد دعاء مختصرا بالصلاح، ثم ترك الدعاء له في يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة ست عشرة وثمانمائة٤؛ لأن بعض من ولي الخطابة بمكة رأى ذلك، ثم أعيد الدعاء له في الخطب مختصرا، كما كان يفعل قبل الملك المؤيد في يوم الجمعة ثاني ذي الحجة من السنة المذكورة، لما عاد إلى الخطابة من كان يصنع ذلك، ثم ترك الدعاء له لما عاد إلى الخطابة من كان ترك الدعاء له؛ لأن الدعاء للخليفة لم يعهد بمكة فيما قيل في بعد المستعين، وحكي أيضا أن أخاه داود أقيم عوضه في الخلافة، ولقب بالمعتصم؛ وذلك في سنة سبع عشرة وثمانمائة، وفي ربيع الثاني منها ترك الدعاء في الخطبة بمكة للمستعين بالله، وأول جمعة دعي

стр. 871

فيها بمكة للمؤيد يوم الجمعة السابع عشر من شوال سنة خمس عشرة وثمانمائة١؛ فالله تعالى يديم دولته ويعلي كلمته. ومنها: أنه في سنة ست عشرة وثمانمائة حج الناس من بغداد بمحمل على العادة، ومعهم ناس من خراسان، والذي جهز الحجاج من بغداد صاحبها "ابن قرا يوسف" ودعي له ولأبيه ولأخيه في المسجد الحرام في ليلة الجمعة سادس عشر ذي الحجة من السنة المذكورة، وبعد الفراغ من قراءة الختمة الشريفة التي جرت العادة بقراءتها، لأجل صاحب بغداد، وكانت الوقفة بالجمعة٢. ومنها: أنه في سنة سبع عشرة وثمانمائة في يوم الجمعة خامس ذي الحجة حصل في المسجد الحرام فتنة عظيمة، انتهكت فيها حرمة المسجد كثيرا، لما حصل فيه القتال بالسلاح والخيل، وإراقة الدم فيه، وروث الخيل فيه وطول مقامها فيه؛ وسبب ذلك: أن أمير الحج المصري أدب بعض غلمان القواد المعروفين بالعمرة على حمل السلاح، لنهيه عن ذلك، وسجنه، فرغب مواليه في إطلاقه، فامتنع الأمير؛ فلما صليت الجمعة هاجم جماعة من القواد المسجد الحرام من باب إبراهيم راكبين خيولهم وبعضهم لابس لأمة الحرب، وبعضهم عار منها، وانتهوا إلى مقام الحنفية؛ فلقيهم الترك والحجاج واقتتلوا، فخرج أهل مكة من المسجد، فتبعهم الترك والحجاج، فقاتلوهم بسوق العلاقة بأسفل مكة؛ فظفر عليهم المصريون أيضا، وانتهب بعض العوام من المصريين السوق المذكور، والسوق الذي بالمسعى، وبعض بيوت المكيين؛ فلما كان آخر النهار أمر أمير الحجاج بتسمير أبواب المسجد، إلا باب بني شيبة، وباب الدريبة، والباب الذي عند المدرسة المجاهدية؛ لأن أمير الركب الأول ومن في أبواب المسجد الحرام كلها، خلا ما ذكر، وأدخلت خيل أمير المحمل إلى المسجد، وجعلت بالرواق الشرقي قريبا من منزله برباط الشرابي، وهو منزل أمير المحمل المصري في الغالب، وباتت الخيل في المسجد حتى الصباح، وأوقدت فيه مشاعل الأمير، ومشاعل المقامات الأربعة، وبات به جمع كثير من الحجاج المصريين في وجل كثير، ورام بعض القواد ومن انضم إليه نهب الحجيج الذين بالأبطح وخارج المسجد؛ فأبى ذلك الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة، وانضم في بكرة يوم السبت سادس ذي الحجة إلى القواد بموضع يقال له الطنبداوية بأسفل مكة قريبا منها، وحضر إليه في بكرة هذا اليوم جماعة من أعيان مكة والحجاج، فبدا منه ما يدل على كراهيته لما وقع من الفتنة ورغبته في إخمادها، وبعثهم بذلك إلى أمير المحمل،

стр. 872

فعرفوه بذلك، فبدا منه مثل ما بدا من صاحب مكة، وأجاب إلى ما سئل فيه من إطلاق الذي أدبه على أن يفصل صاحب مكة ما يحصل به الطمأنينة للحجاج من الحث على رعايتهم، وغير ذلك؛ فوافق على ذلك صاحب مكة، وبعث ولده السيد أحمد إلى أمير المحمل، فخلع عليه، وسكنت الخواطر بذلك، وباع الناس واشتروا، وحصل في الفريقين جراحات كثيرة، مات بها غير واحد من الفريقين، ولا أعلم أن المسجد الحرام انتهك نظير هذا الانتهاك من بعد الفتنة المعروفة بفتنة قندس، في آخر سنة إحدى وستين وسبعمائة إلى تاريخه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومنها: أنه في هذه السنة حصل اختلاف كثير في تعيين الوقفة؛ لأن جمعا كثيرا من القادمين إلى مكة في البر والبحر وبعضا من مكة، ذكروا أنهم رأوا هلال ذي الحجة ليلة الاثنين، ولم ير ذلك غالب أهل مكة ولا غالب الركب المصري؛ فوقع الاتفاق على أن الناس يخرجون إلى عرفة في بكرة يوم الثلاثاء من ذي الحجة على مقتضى رؤية الثلاثاء، ففعلوا ذلك، وصار معظم الحاج إلى عرفة من غير نزول بمنى؛ فبلغوها بعد دخول وقت العصر، وتخلف غالب المكيين بمكة إلى وقت الظهر، وتوجهوا إلى عرفة من غير نزول بمنى؛ فلما كانوا بالمأزمين: مأزمي عرفة -وتسمي الناس هذا الموضع: المضيق خرج عليهم بعض الحرامية، فقتلوا وجرحوا ونهبوا، وعقروا الجمال، وكنا بالقرب ممن أصابه هذا البلاء؛ فلطف الله تعالى، ولم يصبنا مثل الذي أصابهم، ووصلنا إلى عرفة، ووصل بعدنا إليها أناس آخرون، وأقمنا بها مع الحجاج بقية ليلة الأربعاء، ويوم الأربعاء حتى الغروب، ونفرنا مع الحجاج إلى المزدلفة، وبتنا بها إلى قريب الفجر، وسرنا إلى منى حتى انتهينا إليها في بكرة يوم الخميس. وحصل بمنى في ليلة الأربعاء وليلة الخميس نهب كثير وجراحات في الناس، ولم يحج في هذه السنة من أهل مكة إلا القليل. ونفر الحجاج أجمعهم في بكرة يوم النفر الثاني، ونزلوا قريبا من التنعيم، ولم يخرجوا بعد طوافهم للوداع إلا من باب المعلاة؛ لإغلاق باب الشبيكة دونهم، وسافر الأمير وأعيان الحاج وهم متأثرون لذلك ونسأل الله تعالى أن يحسن العاقبة. وفي هذه السنة حج ركب من بغداد بمحمل على العادة، ولم يعملوا في المسجد الحرام ختمة على العادة، لرحيلهم بأثر رحيل الحجاج المصريين والشاميين خوفا من زيادة الغرامة في المكس١. ومنها: أنه في سنة ثمان عشرة وثمانمائة أقام الحجاج بمنى حتى طلعت الشمس على ثبير من يوم عرفة، وصلوا بها الصلوات الخمس وأحيوا هذه السنة بعد إماتتها دهرا طويلا، والله يثبت الساعي في ذلك٢ آمين.

стр. 873

ومن شعائر الحج التي ينبغي إحياؤها -أيضا- الخطبة بمنى، وهذه سنة متروكة من دهر طويل جدا، وكان خطيب مكة الفقيه سليمان بن خليل يفعلها بعد الرمي، وفعلها بعده خطيب مكة ابن الأعمى قبل الرمي؛ وذلك في يوم النفر من سنة تسع وستين وستمائة، على ما ذكر الشيخ أبو العباس الميورقي في تعاليقه -فيما ألفيته منقولا بخط بعض أصحابنا من خط الميورقي١، وفعلها القاضي شهاب الدين أحمد بن ظهيرة فيما بلغني، فعل ذلك في موسم سنة ست وثمانين وسبعمائة أو في سنة سبع وثمانين أو في كليهما، والله أعلم. وكان يذكر أن في موسم سنة ثماني عشرة وثمانمائة تقام هذه الشعيرة بمنى؛ فما تم ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وفي كتب أصحابنا المالكية ما يقتضي أن الخطبة بمنى تكون في اليوم الحادي عشر قبل النفر الأول، والله أعلم. وفيها -أعني سنة ثمان عشرة وثمانمائة: حج العراقيون بمحمل من بغداد على العادة، وجرى حالهم كالسنة التي قبلها، وكذلك سنة تسع عشرة وثمانمائة، وكذلك سنة عشرين وثمانمائة٢. ولم يحج العراقيون من بغداد في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة٣، ولعل سبب ذلك كما قيل من أن الملك شاة رخ بن تيمورلنك أخذ تبريز من قرا سنقر والد صاحب بغداد، أو الحرب الذي كان بين عسكر قرا سنقر، وعسكر حلب من بلاد الروم، وكان الظفر لعسكر حلب، وقتل ابن لقرا سنقر، قيل هو صاحب بغداد، وقيل غيره، وهو أصح، والله أعلم، وكانت هذه الحرب في أثناء سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وفيها كانت الوقعة بالجمعة اتفاقا، وكان يقال: إن الملك المؤيد صاحب مصر يحج فيها؛ فلم يتفق ذلك، ولعل سبب ذلك ما اتفق من إتيان عسكر قرا سنقر لحلب، والله أعلم. ولم يحج العراقيون بمحمل من بغداد على العادة في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ولا في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة٤، ولا في سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة٥. وفي آخرها هلك قرا سنقر بعد أن ثبت عند الحكام بمصر زندقته وزندقة ولد محمد شاه صاحب بغداد. وفيها قصد صاحب الشرق الملك شاه رخ بن تيمورلنك في عسكر كثير جدا لحربه.

стр. 874

ولم يحج العراقيون أيضا من بغداد في سنة أربع وعشرين وثمانمائة١، وحج فيها قفل من عقيل، وتوجه معهم من مكة جمع كثيرون من التجار؛ فنهبوا نبها فاحشا فيما بين وادي نخلة والطائف في النصف الثاني من ذي الحجة منها، ورجع كثير من المنهوبين لمكة، فألبت عليهم الخواطر، وباع الناهبون ما انتهبوا بأبخس الأثمان. ومنها: أنه في يوم الجمعة السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وثمانمائة خطب بمكة للملك المظفر أحمد ابن الملك المؤيد أبي النصر شيخ، بعد مبايعته بالسلطنة وغيرها في يوم موت والده٢، وقبل ذلك في حياة والده بعهد منه، ووصل منه تقليد إمرة مكة للسيد حسن بن عجلان وابنه السيد بركات٣ فقرئ في الحطيم في رابع عشرة ربيع الأول٤. ومنها: أنه في يوم الجمعة ثاني ذي الحجة، على مقتضى رؤية أهل مكة لهلال ذي الحجة، هو الثالث منه على مقتضى رؤية أهل مصر واليمن لهلال ذي الحجة سنة أربع وعشرين وثمانمائة: خطب بمكة للملك الظاهر أبي الفتح ططر، الذي كان يدير دولة المظفر ابن الملك المؤيد، وكان قد سار به في العسكر لدمشق، ثم طلب وعاد منها لدمشق وبويع في يوم الجمعة تاسع عشر من شعبان من السنة المذكورة بالسلطنة، وخطب له بديار سنة خمس وعشرين وثمانمائة بالقاهرة، فسلطنته ثلاثة أشهر وخمسة أيام٥. ومنها: أنه في سنة أربع وعشرين وثمانمائة: أقام الحجاج بمنى بقية يوم التروية، وليلة التاسع وإلى أن طلعت الشمس منه، ثم ساروا إلى عرفة مع المحمل المصري والشامي، ووقفت الناس يوم الجمعة٦. ومنها: أنه في يوم الجمعة التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وثمانمائة خطب بمكة للملك الصالح أبي الخير محمد ابن الملك الظاهر أبي الفتح ططر٧؛ لأن والده عهد له بالسلطنة في ثاني ذي الحجة من سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وأخذ له البيعة بالسلطنة على أهل الحل والعقد بمصر من الدولة وغيرهم،

стр. 875

وتمت البيعة له بعد أبيه، وله من العمر نحو عشرة أعوام -فيما قيل- وأما المظفر: فكان سنة لما بويع له بالسلطنة نحو سنتين فيما قيل، وقيل: نحو أربع سنين، والله أعلم. ومنها: أنه في يوم الجمعة الثامن عشر لجمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وثمانمائة خطب بمكة للملك الأشرف أبي النصر برسباي١ الذي كان يدير دولة الملك الصالح ابن الملك الظاهر، لتوليه السلطنة بديار مصر والشام عوض الملك الصالح، بعد خلعه في ثامن شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وقطعت الخطبة للملك الصالح بمكة٢. ومنها: أنه في سنة ست وعشرين وثمانمائة بات الحجاج بمنى في ليلة التاسع إلى طلوع الفجر أو قربه، ثم ساروا إلى عرفة فبلغوها بعد طلوع الشمس بقليل، وسبب مبيتهم فيها: خوف النهب، فسلموا في ذهابهم ورجوعهم، لاعتناء الأمراء الذين حجوا في هذه السنة بحراستهم، أثابهم الله تعالى٣. وهذا آخر ما قصدنا ذكره من الحوادث في هذا الباب، ونسأل الله -تعالى- أن يجزل لنا على ذلك الثواب، ولولا مراعاتنا للاختصار في ذكرها لطال شرح أمرها، والله أعلم.

стр. 876

الباب التاسع والثلاثون: سيول مكة في الجاهلية: روينا بالسند المتدقم إلى الأزرقي قال: سيولة مكة في الجاهلية. حدثني محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز قال: إن وادي مكة سال في الجاهلية سيلا عظيما وخزاعة تلي الكعبة، وأن ذلك السيل هجم على أهل مكة، ودخل المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة، ورمي شجر بأسفل مكة، وجاء برجل وامرأة ميتين؛ فعرفت المرأة، كانت تسكن بأعلى مكة، يقال لها فارة، ولم يعرف الرجل، فبنت خزاعة حوالي البيت بناء وأدارته١ عليه، وأدخلوا الحجر فيه ليحصنوا البيت من السيل؛ فلم يزل ذلك البناء على حاله حتى بنت قريش الكعبة، فسمى ذلك السيل: سيل فارة، وسمعت أنها امرأة من بني بكر٢. وبه قال الأزرقي: حدثني جدي عن سفيان عن عمرو بن دينار، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: حدثني أبي عن جده قال: جاء سيل في الجاهلية كسا ما بين الجبلين٣ وبه قال الأزرقي.

стр. 877

سيول مكة في الإسلام: قال الأزرقي: "سيول وادي مكة في الإسلام": حدثني جدي قال: وسال وادي مكة في الإسلام بأسيال عظام مشهورة عند أهل مكة؛ منها: سيل في خلافة عمر بن

стр. 878

الخطاب ﵁ يقال له: سيل أم نهشل، أقبل السيل حتى دخل المسجد الحرام من الوادي ومن أعلى مكة من طريق الردم، وبين الدارين١، وكان ذلك السيل ذهب بأم نهشل بنت عبيد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس؛ حتى استخرجت منه بأسفل مكة؛ فمسي: سيل أم نهشل، واقتلع السيل المقام -مقام إبراهيم الخليل -عليه أفضل الصلاة والسلام- وذهب به حتى وجد بأسفل مكة، وعين مكانه الذي كان فيه، وأخذ فربط بلصق الكعبة بأستارها، وكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك فجاء فزعا، حتى رد المقام مكانه، ثم قال: فعمل عمر بن الخطاب ﵁ في تلك السنة الردم الذي يقال له: ردم عمر، وهو الردم الأعلى عند دار جحش بن رئاب، التي يقال لها: دار إبان بن عثمان إلى دار بيه؛ فبناه بالضفائر والصخر العظام، وكبسه، فسمعت جدي يذكر أنه لم يعله سيل منذ ردمه عمر ﵁ إلى اليوم. وقد جاء من بعده أسيال عظام، كل ذلك لا يعلوه منها شيء٢. قال الأزرقي: ذكر سيل الجحاف، وما جاء في ذلك، قال: وكان سبيل الجحاف في سنة ثمانين وفي خلافة عبد الملك بن مروان، صبح الحاج يوما، وكان يوم التروية، وهم آمنون قارون٣، قد نزلوا إلى وادي مكة، واضطربوا الأبنية، ولم يكن عليهم من المطر إلا شيء يسير؛ إنما كانت السماء في صدر الوادي، وكان عليهم من ذلك رشاش٤. قال الأزرقي: قال جدي: حدثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: لم يكن المطر عام الجحاف على مكة إلا شيئا يسيرا؛ وإنما كان شدته بأعلى الوادي، قال: فصبحبهم يوم التروية بالغبش قبل صلاة الصبح، فذهب بهم وبمتاعهم، ودخل المسجد وأحاط بالكعبة، وجاء دفعة واحدة، وهدم الدور على الشوارع وعلى الوادي، وقتل الهدم أناسا كثيرا، ورقي الناس في الجبال واعتصموا بها؛ فسمي ذلك الجحاف؛ وقال فيه عبد الله بن أبي عمار: ولم تر عيني مثل يوم الاثنين٥ ... أكثر محزونا وأبكى للعين

стр. 879

إذ خرج المختبئات تسعين ... سواندا في الجبلين يرقين١ فكتب في ذلك إلى عبد الملك بن مروان، ففزع لذلك، وبعث بمال عظيم، وكتب إلى عامله على مكة عبد الله بن سفيان المخزومي -ويقال: بل كان عامله الحارث بن خالد المخزومي- يأمره بعمل شفائر الدور الشارعة على الوادي للناس من المال الذي بعث به، وعمل ردما على أفواه السكك تحصن بها درر الناس من السيول، وبعث رجلا "معد بن مهند" في عمل ذلك، وعمل ضفائر المسجد الحرام، وضفائر الدور في جنبتي الوادي؛ فكان من تلك الردم، الردم الذي يقال له ردم الحزامية على فوهة بخط الحزامية٢، والردم الذي يقال له: ردم بني جمح، وليس لهم؛ ولكنه لبني قراد الفهريين، فغلب عليه ردم بني جمح، وله يقول الشاعر: سأملك عبرة وأفيض أخرى ... إذا جاوزت ردم بني قراد٣ قال: فأمر عامله بالصخر العظام٤، فنقلت له على العجل، وحفر الرباط دون دور الناس؛ فبناها به وأحكمها من المال الذي بعث به، قالوا: فكانت الخيل والثيران تجر ذلك العجل، حتى ربما أنفق في المسكن الصغير لبعض الناس مثل ثمنه مرات، ومن تلك الضفائر أشياء إلى اليوم قائمة على حالها من دار أبان بن عثمان التي هي ردم عمر ﵁، وهلم جرا إلى دار ابن الخوار؛ فتلك الضفائر التي في رباط تلك الدور كلها، مما عمل من ذلك المال، ومن ردم بني جمح منحدرا في الشق الأيسر إلى أسفل مكة، وأشياء من ذلك المال، ومن ردم بني جمح منحدرا في الشق الأيسر إلى أسفل مكة، وأشياء من ذلك هي على حالها، وأما الضفائر دار أويس التي بأسفل مكة ببطح نحر الوادي: فقد اختلف علينا في أمرها؛ فقال بعضهم: هي من عمل عبد الملك، وقال آخرون: هي من عمل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄، وهو أثبتهما عندنا٥. وكان جاء بعد ذلك سيل يقال له سيل المخبل في سنة أربع وثمانين، وأصاب الناس عقبه مرض شديد في أجسادهم وألسنتهم، أصابهم منه شبه الخبل٦، فسمي: المخبل٧، وكان عظيما دخل المسجد الحرام وأحاط بالكعبة٨.

стр. 880

وكان بعد ذلك أيضا سيل عظيم -في سنة أربع وثمانين ومائة- وحماد البربري أمير على مكة -دخل المسجد الحرام، وذهب بالناس وأمتعتهم، وغرق الوادي في أثره في خلافة الرشيد هارون١. وجاء سيل في سنة اثنتين ومائيتين في خلافة المأمون، وعلى مكة: يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي، خليفة لحمدون بن علي بن عيسى بن ماهان؛ فدخل المسجد الحرام وأحاط بالكعبة، وكان دون الحجر الأسود بذراع، ورفع المقام عن مكانه؛ لما خيف عليه أن يذهب به السيل، وهدم دورا من دور الناس، وذهب بناس كثير، وأصاب الناس بعده مرض شديد من وباء وموت وفاش؛ فسمى ذلك السيل: سيل ابن حنظلة٢. ثم جاء بعد ذلك في خلافة المأمون، هو أعظم من سيل ابن حنظلة في سنة ثمان ومائتين في شوال، جاء والناس غافلون؛ فامتلأ السد الذي بالثقبة٣، فلما فاض انهدم السد، فجاء السيل الذي اجتمع فيه مع سيل السدرة، وسيل ما أقبل منى؛ فاجتمع ذلك كله، فجاء جملة، فاقتحم المسجد الحرام، وأحاط بالكعبة، وبلغ الحجر الأسود، ورفع المقام من مكانه لما خيف عليه أن يذهب به، فكبس المسجد الحرام والواغدي بالطين والبطحاء، وقلع صناديق الأسواق ومقاعدهم، وألقاها بأسفل مكة، وذهب بأناس كثيرين، وهدم دورا كثيرا مما أشرف على الوادي. وكان أمير مكة يومئذ: عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب ﵃ وعلى بريد مكة وصوافيها: مبارك الطبري. وكان وافى تلك السنة للعمرة في شهر رمضان قوم من الحجاج من أهل خراسان وغيرهم كثير؛ فلما رأى الناس من الحجاج وأهل مكة ما في المسجد من الطين والتراب، اجتمع الناس فكانوا يعملون بأيديهم ويستأجرون من أموالهم؛ حتى كان النساء بالليل والعواتق يخرجن فينقلن التراب التماس الأجر والبركة؛ حتى رفع من المسجد الحرام ونقل ما فيه؛ فرفع ذلك إلى المأمون فأرسل بمال عظم، وأمر أن يعمر به في المسجد، ويبطح ويعزق وادي مكة، فعزق منه وادي مكة، وعمر المسجد الحرام وبطح، ثم لم يعزق وادي مكة، حتى كانت سنة سبع وثلاثين ومائتين؛ فأمرت أم أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله باثنتي عشرة ألف دينار لعزقه، فعزق بها عزقا مستوعبا٤ ... انتهى.
следующие страницы →