ومنها قوله:
وبالخفيف أعطانا الإله أماننا ... وأذهب عنا كل ما نحن خفناه
وردت إلى البيت الحرام وفودنا ... رجعنا لها كالطير حن لمأواه
وطفنا طوافا للإفاضة حوله ... ولذنا به بعد الجمار وزرناه
ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة ... كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه
ونلنا أمان الله عند دخوله ... كما أخبر القرآن فيما قرأناه
فيا منزلا قد كان أبرك منزل ... نزلناه في الدنيا وبيت وطئناه
ترى حجة أخرى إليك ورحلة ... وذاك على رب العلا تمناه
فإخواننا ما كان أحلى دخولنا ... إليه لبثا في حماه لبثناه
فإخواننا أوحشتمونا هنا لكم ... فيا ليتكم معنا وأنا حففناه
ومنها قوله:
وبالحجر الميمون لذنا فإنه ... لرب السما في أرضه يمناه
نقبله من حبنا لإلهنا ... فكم أشعث كم اغبر قد رحمناه
وذاك لنا يوم القيامة شاهد ... وفيه لنا عهد قديم عهدناه
ونستلم الركن اليماني طاعة ... نستغفر المولى إذا ما لمسناه
وملتزم فيه التزمنا لذنبنا ... عهود وعفو الله فيه لزمناه
وكم موقف فيه مجاب لنا الدعا ... دعونا به القصد فيه نويناه
وصلى بأركان المقام حجيجنا ... وفي زمزم ماء طهور وردناه
وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا ... لما نحن ننويه إذا ما شربناه
وبين الصفا والمروة الحاج قد سعى ... فإن تمام الحج تكميل مسعاه
ومنها قوله:
وبينا حجيج الله بالبيت محدق ... ورحمة رب العرش تدنو وتغشاه
تداعت رفاق بالرحيل فما ترى ... سوى دمع عين بالدماء مزجناه
لفرقة بيت الله والحجر الذي ... لأجلهما شاق الأمور شققناه
وودعت الحجاج بيت إلهها ... وكلهم تجري من الحزن عيناه
فلله كم باك وصاحب حسرة ... يود بأن الله كان توفاه
ولا يشهد التوديع يوما لبيته ... وإن فراق البيت مرد وجدناه
فما فرقه إلا والله إنه ... أمر وأدهى ذاك شيء خبرناه
стр. 912
ومنها قوله:
ووالله لولا أن نؤمل عودة ... لذقنا طعام الموت حين فجعناه
ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا ... رحلنا إلى قبر الحبيب ومعناه
وأنشدني محمد بن محمد بن داود الصالحي مكاتبة منه، وفاطمة بنت أحمد الفقيه مشافهة بطيبة، أن أبا عمرو الإفريقي أنشدهما إذنا قال: أنشدنا أبو اليمن ابن عساكر١ نزيل مكة لنفسه، بقراءتي عليه بمسجد الخيف بمنى:
يا جبرتي بين الحجون إلى الصفا ... شوقي إليكم مجمل ومفصل
أهوى دياركم ولي يربوعها ... وجد يؤرقني وعهد أول
ويزيدني فيها العذول صبابة ... فيظل يغريني إذا ما يعدل
ويقول لي لو قد تبدلت الهوى ... فأقول: قد عز الغداة تبدل
بالله قل لي: كيف تحسن سلوتي ... عنها وحسن تصبري هل يجمل؟
هل في البلاد محلة معروفة ... مثل المعرف أو محل بحلل؟
أم في الزمان كليلة النفر التي ... فيها من الله العوارف تجزل
أم مثل أيام تقضت في منى ... عمر الزمان بها أغر محجل
في جنب مجتمع الرفاق ومنزع الأ ... شواق حياها السحاب المسبل
وأنشدتني أم الحسن فاطمة بنت مفتي مكة شهاب الدين أحمد بن قاسم الحرازي إذنا مشافهة بطيبة -إن لم يكن سماعا- قالت: أنشدني جدي الإمام رضي الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبري٢ سماعا قال: أنشدنا الإمام الحافظ أبو بكر بن محمد بن يوسف بن مسدي لنفسه من قصيدة له:
سقى تهامة ما تهمي السحاب به ... سحا يسح وتهتانا بتهتان
حيث الحجيج إن حجيجي تخذت بها ... ربعا بربع وأخذانا بأخدان
ومنها قوله:
أنكرت سلمى وأياما بذي سلم ... لوقفة بين تعريف وعرفان
حيث الأراك والنسيم صبا ... بقنا في شيخ أفنان بأفنان
والدار آهلة من كان مغترب ... يعرو إليها بتهليل وقرآن
стр. 913
واسم الحبيب شعار العاشقين بها ... تيك المشاعر من شيب وشيبان
لبيك لبيك توحيدا يؤكده ... توابع الشوق في سر وإعلان
وللإجابة سمع ليس يشغله ... شأن كثير من القول عن شان
وينفرون إلى الزلفى بمزدلف ... جمعا بجمع ووجدانا بوجدان
من كل مستغفر مستقبل ثقة ... من الحبيب بإقبال وغفران
من لم يقف برسوم الموقفين فما ... مشت به قط للأحباب رجلان
وفي منى للمنى ذاك المنال فلا ... تبعد بك الدار عن قرب وقربان
ومنها قوله:
وفي الإفاضة فيض الجود من ملك ... يلقى المسيء إذا استعفى بإحسان
ومنها قوله:
يا طائفين بنا إنا نطوف بكم ... باعا يباع ووجدانا بوجدان
ورب ماش تبادرناه هرولة ... إليه تلقاه بشرى قبل تلقاني
أما الغريب وإن عز المكان فلا ... يبعدنك الوهم في تقرير إمكان
من فاوض الركن قد فاوضته بيدي ... هذا يميني فحيوها بأيمان
من يستجر فإن بالمستجار له ... نعم المجير إذا يلجأ لي الجاني
وعند ملتزم منا لملتزم ... لو شاء ما شاء منا غير منان
ومنها قوله:
ولي مقام أمين بالمقام فما ... نوفي فيه إلا كل أمان
ولي بزمزم سر فيه زمزمة ... عنوانها عند أزمات وأزمان
ومنها قوله:
هذي الأماني لا أيام ذي سلم ... دار الأمان فما دار بغمدان
كفاني الله تبديلا بمظهرها ... حتى أغيب في لحدي وأكفاني
وأنشدني خالي قاضي الحرمين محب الدين النويري -تغمده الله برحمته- سماعا بالمسجد الحرام، أن القاضي عز الدين عبد العزيز ابن القاضي بدر الدين بن جماعة الشافعي أنشده سماعا، قال: أنشدني والدي لنفسه، وأنشدني عاليا الإمامان: أبو أحمد إبراهيم بن محمد اللهمي وأبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد المصري إذنا عن القاضي بدر الدين بن جماعة١ قال:
ما بال قلبي لا يقر قراره ... حتى يقضي من منى أوطاره
стр. 914
ما ذاك إلا أنه من شوقه ... قد شام من وادي الحمى تذكاره
يا سائق الأظعان إن جزت الحمى ... سلم على من بالمحصب داره
واشرح له ما يلتقي مشتاقه ... من فرط شوق أحرقته ناره
يصبو إذا ذكر الحطيم وزمزم ... والركن والبيت المكرم جاره
ويهيم من شوق يفتت كبده ... إذ عز ملقاه وطال مزاره
وأنشدني الرئيس شهاب الدين أحمد بن الحافظ صلاح الدين خليل بن كيلكلدي١ العلائي بقراءتي عليه في المسجد الأقصى بالرحلة الأولى أن الأستاذ أبا حيان محمد بن يوسف الأندلسي٢ النحوي أنشدني لنفسه قصيدة نبوية على وزن بانت سعاد، قال فيها:
وإذا قضيت غزاة فأتنف عملا ... للحج والحج للإسلام تكميل
ثم قال بعد وصفه للحجاج:
يسوقهم طرب نحو الحجاز فهم ... ذوو ارتباح على أكوارها ميل
شعث رؤوسهم بلس شفاههم ... حوص عيونهم غرث مهازيل
حتى إذا لاح من بيت الإله لهم ... نور إذا هم على الغبرا أراجيل
يعفرون وجوها طال ما سهمت ... باكين حتى أديم الأرض مبلول
حفوا بكعبة مولاهم فكعبهم ... عال بها لهم طوف وتقبيل
وبالصفا وقتهم صاف بسعيهم ... وفي منى لمناهم كان تنويل
تعرفوا عرفات واقفين بها ... لهم إلى الله تكبير وتهليل
وأنشدني العلامة الأديب المفنن برهان الدين إبراهيم بن عبد الله بن محمد المعروف بالقيراطي لنفسه إجازة من قصيدة، وأنشدنيها سماعا قاضي مكة جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة ﵀ عليه- عن القيراطي سماعا قال:
ثم أنشأت من جفوني سحبا ... أي نثر كالدر من إنشاء
كم سكبناه بل سكبناه تبرا ... فاز منه ثرى الحما بالثراء
فإذا جئت المحصب فانثر ... من يواقيته على الحصباء
أتمنى عيشا مضى وتقضى ... وتولى على الصفا بالصفاء
ميت أحيا يناديك حيا ... إنما الميت ميت الأحياء
لا يمل الثاوي هناك مقاما ... رب ثاو يمل طول الثواء
стр. 915
حسبه هواه الرطب فينا ... فذكرناه مجامع الأهواء
بك داء فارحل وجز بكداء ... وهو داء من الذنوب كداء
ومنها قوله:
ما حنينا للمنحني الجيد إلا ... واستقمنا بذلك الإنحناء
ومنها قوله:
أنا ما لي عن مكة من براح ... وبها أشتفي من البرحاء
حبذا الكعبة التي قد تبدت ... وهي تزهو في حلة سوداء
فصفا سترها مساء صباح ... وبياض الثنا صباح مساء
قبل الخال لا أبا لك عشرا ... يا أخا حيها بغير إباء
واملأ الحجر باللآلئ من الـ ... ـدمع ونزهه عن عقيق الدماء
واشربن من شراب زمزم كاسا ... دب منه السرور في الأعضاء
فهي حقا طعام طعم لجوع ... وبها للسقيم أي شفاء
فسقى المسجد الحرام غمام ... ورعى عشنا على البطحاء
كم حطمنا لدى الحطيم ذنوبا ... كثر عدها عن الإحصاء
صاح قم طف للإله سبعا ... بيت رمى الفيل فيه بالدهماء
مر بالمروين وارق لترقى ... بجنان مراقي السعداء
واكحل العين عند مسعاك ... بالميل ففيه شفاء ذاك العماء
ثم قف خاضعا على عرفات ... عل تعطى عوارف الإعطاء
وارمها في منى إلى جمرات ... اللظى بها في انطفاء
وأنشدنا الإمام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الصاحب ﵀، إجازة لنفسه، وأنشدني ذلك قاضي القضاة جمال الدين بن ظهيرة من لفظه عن ابن الصاحب هذا سماعا، قال من قصيدة نبوية:
على الأبطح المكي طيب سلامي ... وأزكى تحيات كمسك ختام
وسقيا له من أدمع بهوامع ... تجود بحفظ الود جود كرام
فذاك هو الحي الذي طاير المنى ... له فيه بالإطراب سجع حمام
إذا ذكروا في الحي طيب حديثه ... خلعت على السماء ثوب منام
وإن ظفرت نفسي بلثم ترابه ... لبست بذاك اللثم خير لثام
منازل أفراحي وأنسي ولذتي ... وموسم أعيادي ودار هيام
إذا مر بي من نحوها نسمة الصبا ... وجدت لها بردا لحر أوامي
فتبعث في الروح حتى أكاد أن ... أطير وقد قص الجناح سقامي
стр. 916
فلله عهد من معاهد أنسه ... جديد ولو أبلى الممات عظامي
فهل لي إلى تلك المواطن عودة ... على رغم حسادي وأهل ملامي
وأكحل بالميل الأخيضر ناظري ... بإثمد ركن البيت قبل حمام
وأنشد في عيدي بقرب أحبتي ... ألا إن هذا اليوم فطر صيامي
أديروا أديروا ماء زمزم خالصا ... فذا خيرا كأس في ألذ مقام
ونادوا على رأسي بأبواب شاربي ... عبيد ذليل مثقل بآثام
عسى عطفه منكم عليه فإنه ... تعلق من إحسانكم بزمام
وفي قوله أيضا:
في مكة الوقت قد صفا لي ... بطيب جار لها ودار
وخفض عيش جوار ربي ... فذاك خفضي على الجوار
وقوله أيضا:
ليل الحمى كله من طيبه سحر ... أحلى من النوم فيه عندنا السهر
يستلقط البرد من أنفاسه خلسا ... يطفي بها نار أحشاء لها شرور
وتجتلي الكعبة الغراء في خلع ... من الجمال على من فوقها الخفر
دار الهوى برح أطيار القلوب ... بداء أكبادنا روض الربا العطر
مستودع السر حضن الأمر منتقح ... إلام لا كنز لديه تحقر البدر
فغنني واسقني من ماء زمزمها ... هذا هو العيش لا خمر ولا وتر
وقوله أيضا:
وليل ببطحاء الحمى قد قطعته ... وطائر أنسي في الهوى قد ترنما
وطاف بكاسات الأماني سرورنا ... فطيب عيش في المقام وزمزما
وقوله أيضا:
بمكة قد طابت مجاورتي فيا ... إلهي فاجعلها مدى العمر سرمدا
فأنت الذي أحللتني ساحة الهوى ... وعودت قلبي عادة فتعودا
وقوله أيضا:
بمكة نلت الخير من كل جانب ... ودست على أمنية النفس بالنعل
فعن حرم الرحمن إن سرت قاصدا ... فلا كنت من نفسي الكريمة في حل
وقوله مضمنا:
مجاورتي بمكة نلت فيها ... أجل مناي من أقصى مرام
وما ظفر الفتى في الدهر يوما ... بأطيب من مجاورة الكرام
стр. 917
والأشعار في التشوق إلى هذه المشاعر الشريفة كثيرة، ونسأل الله تعالى أن يجعل أعيننا بدوام مشاهدتها قريرة.
وقد انتهى الغرض الذي أردنا جمعه في هذا الكتاب، ونسأل الله تعالى أن يجزل لنا فيه الثواب، وصلى الله عليه سيدنا محمد سيد المرسلين، وآله وصحبه الأكرمين.
стр. 918
خاتمة المؤلف للكتاب:
قال مؤلفه محمد بن أحمد بن علي الحسني الفاسي المكي المالكي، ألهمه الله رشده وأنجح قصده: كنت ألفت هذا الكتاب على وجه أخصر من هذا، ثم زدت فيه أمورا كثير مفيدة، تكون نحوا من مقداره أولا، وزدت في أبوابه ستة عشر بابا؛ لأني استطلت الباب الأخيرة منه أولا، وهو الباب الرابع والعشرون، فجعلته سبعة عشر بابا؛ فصارت أبوابه أربعين بابا، ولم يخل باب منها من زيادة مفيدة، وأصلحت في كثير منها مواضع كثيرة ظهر لي أن غيرها أصوب منها، وذكرت في بعض الأبواب ما كنت ذكرته في غيره، مع الإعراض عما ذكرته في الباب الذي كان فيه، لما رأيت في ذلك من المناسبة، وكان أكثر ما زدته فيه، وما أصلحت فيه، وما ذكرته في بعض الأبواب، معرضا عن ذكري له في غيره، وجعلي الباب الأخير من التأليف الأول: سبعة عشر بابا، بعد خروج التأليف المختصر الأول من يدي إلى ديار مصر والمغرب واليمن والهند، ولأجل ذلك تعذر علي أن أضع فيه ذلك، وكان اختصار للمختصر الأول في آخر سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وفي سنة أربع عشرة وثمانمائة، وفي سنة خمس عشر وثمانمائة، وفي سنة ست عشرة وثمانمائة، وما زدته في سنة خمس عشرة وست عشرة، أكثر مما زدته فيما قبلهما بكثير، وفي سنة ست عشرة جعلت أبوابه أربعين بابا، وزدت فيه فوائد كثيرة أيضا في المحرم وصفر من سنة سبع عشرة وثمانمائة بمكة، وزدت فيه في شوال وذي القعدة من السنة المذكورة فوائد كثيرة، بمرسى جزيرة كمران١، وفيما بينها وبين باب المندب٢ من البحر المالح ببلاد اليمن، وزدت فيه في
стр. 919
بقية هذه السنة، وفي سنة ثمان عشرة، وفي سنة تسع عشرة فوائد كثيرة أيضا، وأنا حريص على أن ألحق فيه ما يناسب من المتجددات ومن الفوائد.
وأسأل الله تعالى تيسير ذلك، وأظن أن الزيادة فيه تقل جدا؛ لأن غالب ما زدته فيه أخذته من كتاب الفاكهي؛ فإني لم أظفر به إلا بعد ذلك، ومن تاريخي المسمى بالعقد الثمن في تاريخ البلد الأمين، لما فيه من الأخبار ولاة مكة، والحوادث التي ذكرتها في الباب الذي فيه ذكر ولاة مكة في الإسلام، وقد أخذت من هذا الكتاب، ومن كتاب الفاكهي ما يناسب أن يذكر في هذا الكتاب.
ونسأل الله تعالى تيسير القصد والتوفيق فيه للصواب، إنه كريم وهاب.
وصلى الله على سيدنا محمد سيد الأنام، ورضي الله عن آله واصحابه حماة الإسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
آخر كتاب شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام:
تأليف الإمام العلامة الحافظ المؤرخ قاضي المسلمين: شهاب الدين أبي العباسي أحمد بن علي ابن العلامة أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني الفاسي المكي المالكي تغمده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان ... آمين، والحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ من هذه النسخة في عصر يوم الاثنين الحادي والعشرين من جمادى الثاني أحد شهور سنة أربع وستين وثمانمائة. والحمد لله حق حمده، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خير خلقه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 920
الملحق الأول: ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام "
ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام" ١:
قال العلامة المؤرخ ابن ظهيرة القرشي المخزومي المكي في كتابه "الجامع اللطيف في أخبار مكة المشرفة والبيت الشريف"٢ ما تلخيصه:
واستمر السيد بركات بعد موت الفاسي المؤرخ على ولاية مكة إلى أثناء سنة خمس وأربعين وثمانمائة فعزل عن ذلك.
ثم وليها أخوه السيد علي بن حسن وكان بالقاهرة فوصل مكة يوم السبت مستهل شعبان واستمر متوليا إلى رابع شوال سنة ست وأربعين وثمانمائة٣، وقبض عليه وعلى أخيه السيد إبراهيم.
ثم وليها أخوه أبو القاسم بن حسن وقدم من مصر متوليا، فدخل مكة في يوم السبت السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وأربعين وثمانمائة واستمر متوليا إلى أوائل سنة خمسين فعزل.
ثم أعيد السيد بركات إلى ولاية مكة ودامت ولايته إلى أن مرض وترعك بدنه؛ وذلك في سنة تسع وخمسين "بتقديم التاء المثناة الفوقية" وثمانمائة فسأل نائب جدة الأمير جاني بك الظاهر بأن يرسل إلى السلطان يسألة ولاية عمرة مكة لولده السيد محمد عوضا
стр. 921
عن أبيه فأجاب السلطان ذلك، وقبل وصول الخبر توفي السيد بركات في عصر يوم الاثنين تاسع عشر شعبان سنة تسع وخمسين بأرض خالد بوادي مر وحمل على أعناق الرجال إلى مكة ودفن بها في صبح يوم الثلاثاء لعشرين من شعبان؛ فلما كان عصر ذلك اليوم المذكور وصل قاصد من الديار المصرية بمرسوم للسيد محمد مؤرخا بسادس عشر رجب، ومضمونه ولاية مكة للسيد محمد عوضا عن والده حسب ما سأل نائب جدة، وكان السيد محمد خارجا عن مكة فدعى له على زمزم بعد المغرب من ليلة الأربعاء حادي عشر شعبان، ثم وصل السيد محمد مكة ليلة الجمعة سابع رمضان فقرئ موسمه في صبحها ثم لما كان رابع شوال من السنة المذكورة وصل إلى السيد محمد كتاب من السلطنة بالعزاء في والده وتوقيع باستمراره مؤرخا بشهر رمضان واستمر السيد محمد على ولاية مكة ودانت له البلاد وأطاعت له العباد لكونه أظهر العدل والإحسان والرأفة على الرعية والالتفات في أمور المسلمين وعدم الغفلة عن ذلك؛ فبسبب ذلك طالت مدته وحمدت سيرته وطابت سريرته فكانت مدة ولايته ثلاثا وأربعين سنة ونصفا إلا أربعة أيام مع مشاركة والده السيد بركات على عوائدهم، ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى في الحادي والعشرين من محرم الحرام سنة ثلاث وتسعمائة بوادي الأبيار وحمل إلى مكة ووقف بها١.
ثم وليها من بعده ولده السيد بركات بن محمد بركات من قبل الملك الناصر محمد بن قايتباي في رابع شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وتسعمائة واستمر على ولايتها إلى أن كان موسم سنة ست وتسعمائة.
ووليها أخوه السيد هزاع بن محمد بعد محاربة وقعت بينه وبين أخيه السابق السيد بركات بالموسم المذكور بمحل يقال له وادي الحجون٢ بمر الظهران وانهزم السيد بركات ودخل السيد هزاع مكة وحج بالناس سنة ثم خرج منها بعد انقضاء الموسم إلى ينبع٣ خوفا من أخيه بركات لقلة عسكره؛ فعاد السيد بركات إلى مكة واستمر بها إلى جمادى الثانية سنة سبع بتقديم السين وتسعمائة فوصل السيد هزاع من ينبع بعسكر عظيم
стр. 922
وتحارب هو وأخوه السد بركات محاربة ثانية بمحل يقال له: "طرف البرقا"١ فانهزم السيد بركات؛ فوليها السيد هزاع ثانيا واستمر إلى خامس عشر من رجب ثم توفي إلى رحمة الله.
ثم عاد السيد بركات إلى مكة واستمرت الفتن والشرور بينه وبين أخيه السيد أحمد جازان وتحاربا مرارا، وكان ابتداء ذلك من أواخر ذي الحجة سنة سبع وتسعمائة إلى أن كان يوم السبت الخامس والعشرون من شوال سنة ثمان وتسعمائة فوصل السيد جازان بعسكر كبير من ينبع من بني إبراهيم وغيرهم ووقع الحرب بينه وبين أخيه السيد بركات فانهزم السيد بركات.
ثم وليها السيد أحمد جازان ودخل مكة في يوم السبت المذكور ونهب عسكره مكة وفعلوا أفعالا قبيحة وانتهكوا حرمة البيت وجرى منهم على مكة وأهلها أمورا شنيعة ليس هذا محل ذكرها ولا نحن بصددها، واستمر السيد جازان بمكة إلى آخر ذي القعدة من السنة المذكورة فبلغه وصول التجريدة من قبل السلطان الغوري٢ بقيادة الأمير الكبير المعروف: بقتب الرجبي "بالجيم ثم الموحدة" بسبب ما فعله السيد جازان من نحو مكة ونهب الحاج الشامي والمصري فخرج من مكة هاربا، وهذا الشريف أحمد جازان المذكور هو جد أشراف مكة.
ثم عاد إلى مكة السيد بركات فواجه أمير التجريدة وقبض عليه، ثم حج وتوجه بعد ذلك إلى القاهرة من طريق ينبع في أوائل سنة تسع وسبعمائة، ثم عاد السيد جازان إلى مكة واستمر بها إلى يوم الجمعة عاشر رجب من السنة المذكورة فقتله الأتراك الشراكسة بالمطاف.
ثم وليها بعده أخوه السيد حميضة بن محمد واستمر إلى أواخر محرم أو أوائل صفر من سنة عشر وتسعمائة فعزل.
ثم وليها أخوه السيد قايتباي بن محمد بإشارة أخيه السيد بركات، وقد أمكنه الله بالفرار إلى مكة من مصر ولم يشعر به الغوري إلا بعد يومين؛ فأرسل خلفه فلم يلحقه، واستمر قايتباي متوليا موافقا لأخيه بركات مستضيئا برأيه إلى أن توفي إلى رحمة الله يوم الأحد الحادي والعشرين من صفر عام ثمان عشرة وتسعمائة بأرض حسان بوادي مر، فحمل إلى مكة فدفن بها، وهذا الشريف قايتباي جد أشراف مكة.
ثم استولى السيد بركات بعد موته على مكة إلى شهر شعبان من هذه السنة بمفرده.
стр. 923
ثم أرسل السلطان الغوري يطلب الشريف بركات إلى مصر، فاعتذر، وأرسل ولده الشريف محمد أبا نمي بن بركات إلى الديار المصرية فوصلها١ فقابل السلطان قانصوه فأكرمه وعظمه وأنعم عليه بإمرة مكة، ثم عاد إليها شريكا لأبيه وعمره يومئذ سبع سنوات وبضعة شهور٢ وكان وصوله إلى مكة في أواخر ذي القعدة الحرام بين يدي الحاج من السنة المذكورة، واستمر كذلك إلى أن كان عام ثلاث وعشرين وتسعمائة فاستولى السلطان سليم خان من آل عثمان على الديار الشامية والمصرية والحرمين الشريفين وجهز؛ فأصدر إلى مكة٣ للسيد بركات وابنه السيد أبي نمي باستمرارها في إمرة مكة، فتجهز حينئذ السيد أبو نمي، وسافر إلى القاهرة وقابل السلطان سليما٤ المذكور بمصر فأكرمه واحترمه وأقره هو ووالده على إمرة مكة، ثم عاد إلى مكة واستمر شريكا لوالده إلى أن أذن الله بوفاة والده السيد بركات في أثناء ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من ذي القعدة الحرام عام إحدى وثلاثين وتسعمائة٥ وله من العمر إحدى وسبعون سنة.
ثم ولي بها بعده السيد محمد أبو نمي بمفرده ولقب بنجم الدين، ووصلت إليه الأحكام السلطانية السليمانية بولاية إمرة مكة في أواخر عام اثنين وثلاثين وتسعمائة فاطمأنت به الخواطر وقرت به النواظر واستمر منفردا بالولاية إلى عام ست وأربعين وتسعمائة.
ثم وليها ابنه السيد أحمد شريكا لوالده في هذا العام بعد وصوله إلى الديار الرومية ومقابلته للإمام الأعظم والخاقان المكرم الملك المظفر السلطان سليمان خان؛ فقوبل بالإكرام والرعاية والاحترام، وعاد إلى مكة في أول ربيع الأول عام سبع وأربعين وتسعمائة واستمر شريكا لوالده الشريف أبي نمي إلى عام خمسين وتسعمائة.
واستمر الشريف أحمد بن أبي نمي إلى رجب سنة إحدى وستين وتسعمائة شريكا لوالده، وانتقل إلى رحمة الله ودفن بالمعلاة، وهو الشريف أحمد وهو جد ذوي حراز وذوي قنديل من أشراف مكة، والله أعلم.
ثم أقام الشريف أبو نمي ولده الثاني الشريف حسن وعرض ذلك على الأبواب السلطانية السليمانية ففوض إليه الأمر، واستمر والده مشاركا له في الدعاء إلى أن مات
стр. 924
في المحرم سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة بتقديم التاء فيهما، فاستقل ولده الشريف حسن بالأمور، وهذا الشريف حسن هو جد ذوي حسن من الأشراف.
ثم في أوائل عام سنة تسع بعد الألف عرض الشريف حسن لأكبر أولاده أن يشاركه في الأمر؛ فوصل الأمر الشريف السلطاني في آخر السنة المذكورة بأن يكون أول أولاده الشريف أبو طالب بن حسن مشاركا لوالده، ودعى لهما واستمر مشاركا لوالده إلى أن قضى الله على والده الشريف حسن فتوفي في ثالث جمادى الآخرة سنة عشرة وألف في محل يسمى فاعية، بينه وبين مكة نحو سبعة أيام بالجمال، وحمل إلى مكة ودفن بالمعلاة.
واستقل بالأمر الشريف أبو طالب المذكور استقلالا تاما إلى أن توفي في العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وألف بمحل يقال له: العشبة بنواحي بيشة فغسل هناك وكفن وقصد به مكة ودفن بالمعلاة بعد الصلاة عليه حسب العادة، وهو يزار وينذر له النذور، وتحمي ساداتنا بنو حسن من التجأ إلى قبره ولا ينال من استجار به مكروه.
ثم اجتمع الأشراف جميعهم فاختاروا الشريف إدريس بن حسن بن أبي نمي أخا المذكور وصدروه في جميع الأمور وأشركوا معه في الدعاء الشريف: محسن بن حسين بن حسن بن أبي نمي، والشريف فهيد بن حسين، وكتبوا بذلك إلى أبواب السلطنة العثمانية إلى الروم، ثم وصل المكتوب واستمروا كذلك إلى آخر شهر ربيع الآخر من سنة تسع عشرة وألف؛ فدخل الشريف محسن بن حسين بن حسن من اليمن بأمر من الشريف إدريس وقد كان الشريف محسن خرج إلى اليمن مغاضبا للشريف إدريس في سنة خمس عشرة وألف، ثم أخرجوا الشريف فهيدا من الديار المكية ورفعوا يده عما كان يستلمه من غلة الأقطار الحجازية فذهب إلى الروم ومات سنة إحدى وعشرين وألف، واستوى على ذلك كله الشريف إدريس، ثم إنه جعل ما كان للشريف فهيد من الربع لابن أخيه الشريف محسن بن حسين بن حسن، واستمر كذلك إلى أن حصل التنافر بين الشريف محسن وعمه الشريف إدريس؛ فعند ذلك اجتمع أهل الحل والعقد من بني عمه فرفعوا الشريف إدريس وفوضوا الأمر إلى الشريف محسن في يوم الخميس رابع محرم سنة أربع وثلاثين، وألف حصل بسبب ذلك القتال، وركب الشريف أحمد بن عبد المطلب بن حسن ومعه خيل ونادى في البلاد السابق ذكره، ثم خرج الشريف إدريس ليلة عيد المولد متوجها إلى الشريف مريضا فتوفي في جمادى الأخرى من سنته؛ ثم عرض على الأبواب السلطانية ما وقع فجاء التأييد في رابع عشر رمضان من العام المذكور للشريف محسن.
стр. 925
ولم يزل الشريف محسن منفردا بمراده قامعا لأضداده آمنا في سربه عزيزا في حزبه إلى أن دخلت سنة سبع وثلاثين وألف وحصل القتال فيما بينه وبين الشريف أحمد بن عبد المطلب بن حسن؛ فدخل الشريف أحمد مكة وخرج الشريف محسن إلى اليمن بعد عزله في يوم الأحد سابع عشر رمضان من السنة المذكورة، واستمر هناك إلى أن توفي سادس رمضان المعظم بظاهر صنعاء اليمن سنة ألف وثمان وثلاثين وعمره أربع وخمسون سنة، فحمل إلى صنعاء ودفن بها وبنى عليه قبة تزار.
واستمر الشريف أحمد متغلبا على مكة إلى أن قتله قانصوه أمير الحج المصري في سنة تسع بتقديم التاء وثلاثين وألف.
وولي الشريف مسعود بن إدريس إمرة مكة ونودي له في البلاد واستمرار إلى أن توفي في ثاني عشرين من ربيع الثاني سنة أربعين وألف؛ فاتفق الأشراف على تولية عمه الشريف عبد الله بن حسن بن أبي نمي وإليه ينسب العبادلة جميعا، وعرضوا ذلك على الأبواب السلطانية العثمانية فجاءت المراسم بتأييده وفي أيامه كان إتمام عمارة البيت المعظم في أيام سلطنة الخاقان الأعظم السلطان مراد خان، وهذه هي العمارة الموجودة إلى وقتنا هذا، ثم في يوم الجمعة غرة صفر سنة إحدى وأربعين وألف خلع نفسه تعففا وديانة، وقلد إمرة مكة لولده الشريف محمد بن عبد الله بن حسن وابن أخيه الشريف زيد بن محسن بن حسين بن حسن وإليه ينسب أمراء مكة ذوي زيد، وكان الشريف عبد الله قد أرسل إليه يطلبه من اليمن؛ لكونه بغي هناك بعد وفاة والده الشريف محسن؛ فوفد إليه فأشركه مع ولده الشريف محمد، وتجرد حينئذ الشريف عبد الله عن إمرة مكة للعبادة إلا أنه كان يدعى له على المنبر معهما إلى أن توفي بالمنحني في بستان خياير بيك ليلة الجمعة عاشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة أي سنة ١٠٤١ وصلى عليه ودفن بالمعلاة عند والده الشريف حسن.
وأعقب جملة من الذكور وهم محمد وأحمد وحمود وحسين وهاشم وثقبة وزامل ومبارك زين العادين، ولهؤلاء أعقاب معروفون بمكة واليمن والحجاز يقال لهم العبادلة.
ثم استمر الأميران على ولاية مكة وجاءهما التأييد من السلطنة العثمانية المرادية، ثم قتل الشريف محمد بن عبد الله بن في وقعة الجلالبة وهي وقعة البغاة من جند قانصوه قدموا من اليمن في سنته ووصلوا السعدية واقتتلوا بأسفل مكة عند فوز المكامسة؛ فاستشهد الشريف محمد المذكور في يوم الأربعاء خامس عشر من شعبان، فوصلوا به مكة عصر ذلك اليوم وغسلوه ودفنوه بعد أن صلوا عليه.
ثم دخلت الأتراك مكة ومعهم الشريف نامي بن عبد الملك بن حسن، فنودي له بالبلاد بعد أن ولاه قانصوه وأشركوا مع الشريف عبد العزيز بن إدريس في ربع مكة ولم
стр. 926
يشركه في الدعاء، وخرج الشريف زيد إلى بدر، وأرسل الشر يف علي بن هيازع إلى الأبواب السلطانية الشريفة يخبرها بوقعة الجلالبة، ثم توجه هو إلى المدينة النبوية فجاءه هناك قفطانان ولبسهما في حجرة جده ﷺ وتوجه إلى ينبع فواجه العسكر وسار معهم إلى أن وصل الجموم وبلغ خبرهم إلى صاحب مكة الشريف نامي السابق؛ فخرج هو وأخوه الشريف عبد العزيز لأربع من ذي الحجة من سنته وتوجهوا إلى تربة، وتوجه الشريف عبد العزيز إلى ينبع وكان بمكة الشريف أحمد بن قتادة بن ثقبة بن مهنا فنادى في البلاد للسلطان، وأرسل للشريف زيد وأخبره بخلو البلاد؛ ففي سنته من ذي الحجة دخل الشريف زيد مكة ومعه الصناجق الأربعة المرسلة من السلطنة والعسكر، ونزل بدار السعادة فنودي له في البلاد وحج بالناس في سنته، ثم بعد قضاء المناسك توجه إلى تربة لمحاصرة المذكورين؛ فحاصرهم وهجم بالعسكر على الحصن ودخوله في سنة اثنتين وأربعين وألف ليلة الجمعة حادي عشر من محرم، وأمسكوا الشريف نامي وأخاه ثم رجعوا إلى مكة واستفتوا العلماء بقتلهما فأفتوا بذلك فشنقوا يوم الخميس ثاني عشر من محرم، وكان مدة الشريف نامي على عدد حروف اسمه مائة يوم، وبقي زيد حاكما على مكة إلى أن توفي يوم الثلاثاء في صبحه ثامن محرم أو ثالثه سنة سبع وسبعين وألف ومدته خمس وثلاثون سنة، وكانت ولادته بعد مضي درجتين من شروق شمس يوم الاثنين سبع عشرة شعبان من سنة تسع عشرة وألف ببلدة بيشة وكان رديفه الشريف حمود بن عبد الله بن حسن جد الحمودية من العبادلة؛ فكان يرى أنه الأحق بولاية مكة، فاستحسن عمار أفندي سنجق جدة وشيخ الحرم المكي تولية الشريف سعد بن زيد المذكور وحصلت هناك رجة شديدة لمنازعة الشريف حمود وكان يطلبها لنفسه، وكان له أتباع نحو أربعمائة من بني عمه وعبيده وغيرهم وللشريف سعد المذكور أضعاف ذلك، وتأخر تأمير الشريف سعد بن زيد بسبب المنازعة المذكورة إلى بعد الزوال وكان إذ ذاك بمكة المشرفة جماعة من أكابر الأتراك والأروام فاتفق رأيهم على تولية الشريف بعد المذكور فذهبوا لبيته، وخلعوا عليه وهنوه وعزوه في والده على أنهم يرسلون إلى السلطان محمد خان في ذلك، ثم إنه جلس للتهنئة، وأرسل إلى حاكم الطائف، وكان إذ ذاك بمكة وأمره أن يطلع إلى الطائف من ليلته وكان أهلها في شدة عظيمة فحصل لهم السرور واطمأنوا بقدومه.
وأما ما كان من طرق الحجاز؛ فقد وقع فيها النهب واشتد فيها فلما كان يوم الخميس حصل بمكة اضطراب كبير من مشاجرة وقعت بين الشريف سعد والشريف حمود، ووقع بينهم رمي البندق ومع ذلك لم يحصل فيهم ضرر والحمد لله، ووقع لذلك اضطراب الطائف حتى إن الخطيب امتنع من الخطبة بها لشهرة ذلك عندهم وتخيل عدم صحة التولية، وإن ذلك ناشئ عنه، وقد وقع بين بعض القبائل قتال ولم يزل الناس بعد
стр. 927
ذلك في قيل وقال إلى اليوم الثالث عشر من توليته فوقع الاتفاق بينهم وزينوا لذلك مكة حسب عادتهم ثلاث ليالي واطمأنت القلوب وراقت الأفكار ودام السرور وزالت الأحزان، والناس مستبشرون بتوليته؛ غير أنه لم تأته الخلعة السلطانية إلا بعد مضي ستة أشهر وهذه هي الولاية الأولى له؛ فلما أهل شهر رجب وقع في رابعه بين جماعة الشريف سعد وجماعة الشريف حمواد النزاع مرة أخرى واشتد الأمر وتجمعت القبائل والعساكر وتراموا بالبندق، ومات نحو أربعة رجال اثنان منهم خطأ، ودام ذلك بينهم ليلتين ويوما وبعض يوم، ثم وقع الصلح ونودي بالأمن والحمد لله إلى صبيحة اليوم السادس والعشرين من رجب؛ فجاء التأييد والخلع السلطانية بإمارة مكة للشريف سعد المذكور فحصل بها غاية السرور ونودي بالزينة سبع ليال وأعطى عسكره في ذلك اليوم ألفي دينار وخلع على كثير من خدامه، واستمر الأم إلى شهر ذي القعدة فحصل أيضا بين الشريف سعد والشريف حمود تنافر وكلام من جهة المعلوم وخرج لذلك من مكة؛ فلما كان الثالث والعشرون من الشهر المذكور أرسل خدامه إلى الطرقات ينتهبون ما يجدون فبالغوا في ذلك وجمعوا أموالًا كثيرة من القوافل وغيرهم؛ حتى إنهم أخذوا فرسا لبعض خدام الشريف وأرسل لهم عند ذلك عسكرا فلم يجدوهم، واستمر أمرهم كذلك إلى زمن الحج فلم يقع منهم أذية للحجاج؛ غير أن أهل مكة وقراها والعرب لم يحج منهم إلا القليل، وبعد انقضاء الحج طلبوه للصلح وحضر القاضي فلم يقع الصلح وذكر أنه متوجه إلى مصر وخرج مع الأمير المصري إلى بدر فتخلف فيها، ثم انتقل إلى ينبع، ووقع لبعض أولاد الشريف زيد تنافر مع أخيرهم الشريف سعد والتحقوا بالسيد حمود وفعلوا مثل فعله من النهب وغيره، وجهز الشريف إليهم فلم يظفر بهم بل ببعض أموالهم ووقع من الشريف حمود أمور مشتهرة قيدها غير واحد من المؤرخين.
وفي هذه المدة تكاثرت الفتن والغلاء والسرقة والحرائق وسقوط النجوم وظهر عمود في السماء لم يظهر مثله وكثر الفناء والمرض وكسفت الشمس، وقد كان توجه الشريف سعد إلى ينبع مع الحج المصري وخلف أخاه الشريف أحمد بن زيد على مكة؛ فأقامه الله أحسن قيام ووجد الطعام ثم توجه هو إلى نواحي المبعوث وأقام مقامه الشريف بشير بن سليمان في صفر من سنة ألف وتسع وسبعين، انتهى ما وجدته مذيلا على نسخة المؤرخ العلامة ابن ظهيرة الموجودة بمصر بالأزهر الأنور برواق الأروام بخط كاتب ذلك التاريخ، وتم نسخ النسخة المذكورة في يوم الأحد الحاديث عشر من ذي القعدة الحرام من سنة ألف ومائة وتسع وثلاثين من هجرته ﷺ .
ثم رجع الشريف سعد إلى مكة في يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي القعدة من ينبع واستمر إلى سنة ثلاث وثمانين وألف وكان في هذه السنة أمير الحج حسين باشا فحصل التنافر في يوم الحادي عشر من ذي الحجة بمنى بين الشريف سعد وبين الباشا، وكان في
стр. 928
ذلك اليوم ترد الخلع السلطانية والمرسوم المتضمن بقاء الولاية والوصاية على الرعية والحجاج وتأخير أمين الصرة بذلك عن وقته المعهود وتعدى الحدود؛ فحينئذ أرسل الشريف سعد في طلبه فوجده عند الباشا المذكور وبعثوا يطلبونه من عندهم للبسه وكان مرادهم اقتناصه من أبناء جنسه؛ فأرسل يعرفهم أن القواعد جرت بأن يأتيهم به إليه فمنعوه وشحوا به عليه؛ فعلم الشريف القضية وأيقن أنه لا بد من القتال فترك ذلك حرمة للزمان والمكان ورأى أن القتال في هذا الشهر الشريف مما يضر بأهل التعريف وارتحل هو وأخوه الشريف أحمد ليلة الاثنين الثالث عشر من ذي الحجة المذكور إلى الطائف ثم إلى تربة ثم إلى بيشة ثم سار منها إلى بلاد عديدة إلى أن اجتماعا ووصل الديار الرومية وقابل الدولة العلية وبقيا هناك؛ فلما أصبح الناس يوم الثاني عشر منه شاع بين الناس ارتحال الشريف سعد وأخيه أحمد فاجتمع حسين باشا وأمين الصرة في بيت الشيخ محمد بن سليمان بمنى واستدعوا جماعة من الأشراف منهم الشريف بركات بن محمد بن إبراهيم بن بركات بن أبي نمي فأظهر الباشا أمرا سلطانيا بتولية المذكور فألبسوه خلعة الولاية، ثم إنه نزل من منى في موكب عظيم إلى مكة وجلس كهيئته في دار أبيه المعروفة به واستمر في ولاية مكة عشر سنين وعدة أيام إلى أن توفي ليلة الخميس في التاسع والعشرين من ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين وألف، ودفن بجوار الشيخ النسفي بوصاية منه، وقد ترجمه العلامة المحبي في تاريخ "خلاصة الأثر".
فولي مكة بعده ابنه الشريف سعد بن بركات وألبسه قاضي مكة خلعة الاستمرار بموجب الأمر السلطاني الذي بيده المتضمن كونه ولي عهد أبيه بعد يوم وفاة أبيه، ولم ينازعه أحد في ذلك، ثم ورد التأييد السلطاني بذلك أيضا وبقي إلى سنة خمس وتسعين وألف.
فولي بعده السلطان إمارة مكة للشريف أحمد بن زيد من الأستانة؛ لكونه كان موجودا هناك وسار إليها كما تقدم مع أخيه الشريف سعد، ثم دخل هو مكة في سابع ذي الحجة من سنة خمس وتسعين وألف، وتوجه الشريف سعيد بن بركات إلى مصر وتوفي بها، استمر الشريف أحمد إلى سنة تسع وتسعين "بتقديم التاء فيهما" وألف وتوفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى من العام المذكور.
فولي مكة الشريف سعيد بن سعد بن زيد وهي المرة الأولى من إمارته؛ حتى ورد الشريف أحمد بن غالب مكة ومعه أمر سلطاني بإمارة مكة له في ثاني شوال من السنة المذكورة وجلس للتهنئة وحصل التنافر بينه وبين الأشراف فنودي بالطائف وحده للشريف محسن بن حسين بن زيد فدخل مكة وخرج الشريف أحمد بن غالب بعد عشرين يوما منها، وجلس للتهنئة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من رجب سنة ألف ومائة
стр. 929
وواحد وجاءه التأييد السلطاني؛ فبقي مدة حتى صار الاختلاف فيما بين الأشراف في سنة ثلاث بعد المائة والألف إلى أن نزل عن ولاية مكة للشريف مساعد بن سعد جد ذوي مساعد من آل زيد.
ونزل هو للشريف سعيد بن سعد السابق جد ذوي سعيد بن ذوي زيد بحضرة القاضي فسجل ذلك، وبعث القاضي الشريف سعيد قفطانا من السلطان فلبسه وجلس للتهنئة يوم الأحد سابع محرم سنة ثلاث ومائة وألف، وهذه هي الولاية الثانية للشريف سعيد، ثم أرسلوا الخبر إلى أبواب السلطنة بذلك فولت والده الشريف سعد ذلك، وهذه هي الولاية الثانية له وكان حينئذ عندهم كما تقدم، ولم تزل الأخبار تتوارد بمجيء الشريف سعد إلا أن دخل مكة مع الحج في ذي الحجة من العام وجلس في دار للتهنئة، ثم بعد مدة في أواخر سنة خمس ومائة وألف عزل عنها لمنافرة حصلت بينه وبين محمد باشا صاحب جدة.
فولي إمارة مكة الشريف عبد الله بن هاشم بن محمد بن عبد المطلب بن حسن بن أبي نمي وخرج الشريف سعد إلى القنفذة.
ثم رجع الشريف أحمد بن غالب مكة وواجه أميرها الشريف عبد الله بن هاشم، ثم وصل الخير إلى الشريف بالقنفذة، وورد مكة فحصل القتال بينه وبين جماعة الشريف عبد الله بن هاشم الأمير والشريف أحمد بن غالب.
فغلب الشريف أسعد على مكة ودخلها وارتحل الشريف عبد الله والشريف أحمد إلى الرنى فاجتمع الأشراف وقالوا إن الفتنة لا تسكن إلا إذا نودي في البلاد للشريف سعد فحينئذ تم الأمر له وجلس في داره للتهنئة، وكانت مدة تولية الشريف عبد الله أربعة أشهر، وهذه هي الولاية الثالثة للشريف سعد، ثم وصل الخبر بذلك إلى الأبواب الخاقانية والسلطنة العثمانية؛ فأرسل حينئذ السلطان مصطفى خان التأييد للشريف سعد.
وإلى هنا تم تاريخ العلامة المؤرخ السنجاري١ المسمى "منائح الكرم في أخبار مكة وولاة الحرم".
واستمر الشريف سعد في ولايته هذه مطمئنا إلى سنة ثلاث عشرة ومائة وألف؛ فاستحسن أن يعرض للدولة إقامة ولده الشريف سعيد مقامه في ولاية مكة وينزل عنها فأجيب إلى ذلك، وهيه هي الولاية الثالثة للشريف سعيد السابق ذكره، وبقي فيها إلى أن حصل التنافر فيما بينه وبين الأشراف وامتدت الولاية إلى سنة ست عشرة ومائة، وحصل
стр. 930
بينهما القتال إلى أن خرج الشريف سعيد بن المغرب من أعلى مكة في ليلة الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول من العام المذكور.
ثم دخلت الأشراف مكة ورئيسهم الشريف عبد المحسن بن أحمد بن زيد فنودي في البلاد له بحكم سليمان باشا بعد عزل الشريف سعيد؛ فجلس في دار السعادة للتنهئة وبقي تسعة أيام.
ثم نزل عنها للشريف عبد الكريم بن محمد بن يعلى بن حمزة بن مغامس بن بركات بن أبي نمي جد ذوي عبد الكريم من آل بركات؛ فقبلها برضاء الأشراف جميعا وجلس في داره للتنهئة وهذه هي الولاية الأولى له.
ثم وقع فيما بين قائم مقام الشريف عبد الكريم بمكة وبين الشريف سعد النزاع وحصل القتال فيما بينهما؛ فغلب عليه فنودي في البلاد للشريف سعد المذكور سادس شوال من سنة ست عشرة ومائة وألف، وكان أمير مكة -إذ ذاك- غائبا باليمن ودخل الشريف سعد مكل وأرسل له الباشا قفطانا، وهذه هي الولاية الرابع للشريف سعد بن زيد وأقام فيها ثمانية عشر يوما، وسببه أن الشريف عبد الكريم ورد الحسينية١ قافلا من اليمن ومعه بنو عمه وقبائل عتبة وحرب وقاتل الشريف سعدا إلى أن انهزم؛ فدخل الشريف عبد الكريم مكة وفي صحبته الشريف عبد المحسن، ونودي في شوارع مكة للشريف عبد الكريم، وهذه هي الولاية الثانية له واطمأنت البلاد وخرج الشريف سعد إلى العابدية، وتوفي هناك يوم الأحد خامس ذي القعدة من سنة ست عشرة ومائة وألف، ودفن بقبة الشريف أبي طالب عند قبر والده الشريف زيد.
ثم ورد الأمر الشاهاني بتولية الشريف سعيد بن سعد من الدولة العلية؛ فدخل مكة بعده في اليوم السابع من ذي الحجة ونودي له في البلاد، وهذه هي الولاية الرابعة للشريف سعيد؛ فحج من سنته وذهبت القوافل حسب عادتها وأهل محرم سنة سبع عشرة ومائة وألف.
ثم كان يوم الاثنين ثامن عشر من رجب ورد مكة خبر أغا السلطان وصحبته الأمر السلطاني بتولية مكة للشريف عبد الكريم بن محمد بن يعلى السابق، ثم وصل الأغا جده ونودي له بها؛ فلما كان يوم الثلاثاء سادس شعبان دخل الشريف عبد الكريم مكة، وهذه هي الولاية الثالثة له وجلس للتنهئة في داره وبقي إلى سنة ثلاث وعشرين ومائة ألف.
وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب أو شوال من السنة المذكورة وردت الأخبار من المدينة النبوية بأن السلطنة أمرت بتوجيه ولاية مكة للشريف سعيد وورد إليهم
стр. 931
صورة الأمر الوارد فدخل الشريف سعيد ثامن عشر من ذي القعدة ونودي له في البلاد وجلس للتنهئة، وهذه هي الولاية الخامسة للشريف سعيد المذكور، واستمر فيها إلى أن توفي في الحاديث والعشرين من المحرم سنة تسع وعشرين ومائة وألف.
ثم تولى بعده ولده الشريف عبد الله بن سعيد وبقي إلى سنة ثلاثين ومائة وألف في ست وعشرين من جمادى الأولى وطلب الشريف علي بن سعيد فأعطاه ولاية مكة، وكتبوا إلى الدولة باستحسان ذلك فجاءته المراسيم السلطانية في شوال من سنته، ثم عدن ورود باشتة المحمل طلبت الأشراف أن يولوا الشريف يحيى بن بركات ويعزلوا الشريف الحالي فوافقهم على ذلك؛ فألبس الباشا الشريف يحيى بن بركات خلعة الولاية، وهذه هي الولاية الأولى له؛ وذلك في اليوم السادس من ذي الحجة من سنة ثلاثين ومائة وألف ودخل مكة وخرج الشريف علي بن سعيد منها، واستمر الشريف يحيى إلى أن عزل عنها بالشريف مبارك بن أحمد بن زيد من سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف، فدخل مكة بعد القتال مع الشريف يحيى ونودي للشريف مبارك في شوارع مكة وجلس للتنهئة، وهذه هي الولاية الأولى للشريف مبارك، ولم يزل في إمارة مكة إلى ست من ذي الحجة من سنة أربع وثلاثين ومائة وألف؛ فانتزعها منه الشريف يحيى بن بركات السابق ذكره بولاية من السلطنة الشريفة، وكان قد توجه هذا الشريف إلى دار السلطنة حتى اجتمع بالسلطان أحمد خان بن محمد بن إبراهيم خان العثماني؛ فولاه ذلك وأرسله مع أمير المحمل الشامي هو ووالي جدة أيضا فدخلوا مكة في ست من ذي الحجة ونودي له في البلاد، وهذه هي الولاية الثانية للشريف بركات في ذي الحجة في سبع وعشرين منه من سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، ثم حصل القتال فيما بينه وبين الشريف مبارك بن أحمد بن زيد المار ذكره في ثاني عشر من المحرم الحرام من سنة ست وثلاثين ومائة وألف؛ فانهزم الشريف بركات بن يحيى بن بركات ودخل مكة الشريف مبارك بن أحمد ونودي له وعم الأمن من كل الجهات، وهذه هي الولاية الثانية له.
فلما كان خامس عشر جمادى الآخرة عزل عنها وتولى بأمر السلطان الشريف عبد الله بن سعيد ولاية مكة، وهذه هي الولاية الثانية له وكان ذلك في التاريخ المذكور، ثم بقي إلى أن توفي خامس عشر ذي القعدة من سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف، فتولى، ولده محمد ذلك بعد أن نودي له ودعي من اليمن وكان حين وفاة والده بها؛ فوصل مكة في تسع وعشرين من ذي القعدة الحرام من العام المذكور وألبس الخلعة ونودي له في البلاد وعلى المنبر دعي له وكان عمره عشرين سنة، واستمر إلى أن حصل النزاع والقتال فيما بينه وبين الشريف مسعود بن سعيد عمه؛ إلى أن انهز الشريف محمد بن عبد الله بن سعيد فدخل الشريف مسعود مكة في سابع جمادى الأولى من سنة خمس وأربعين ومائة
стр. 932
وألف ونودي له في شوارع مكة، وهذه هي الولاية الأولى للشريف مسعود، ثم ارتحل الشريف محمد بن عبد الله بن سعيد اليمني، ثم رجع إلى الطائف فارتحل إليه الأمير الشريف مسعود وحصل القتال فيما بينهما فانهزم الشريف مسعود واستقل الشريف محمد بن عبد الله بكرسي الولاية وتوجه إلى مكة، وهذه هي الولاية الثانية له في السنة المذكورة، وبقي إلى أن أقبل الشريف مسعود بن سعيد مكة بجماعة معه فتقاتلا صبح اليوم السابع من رمضان من سنة ست وأربعين ومائة وألف؛ فانهزم الشريف محمد بن عبد الله بن سعد ودخل الشريف مسعود عمه مكة ونزل في داره وجلس للتنهئة، وهذه هي الولاية الثانية للشريف مسعود كما رأيت ذلك بخط العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن عبد الكريم الأنصاري المدني في هامش تاريخ ابن ظهيرة المسمى "بالجامع اللطيف في أخبار مكة المشرفة وولاتها والبيت الشريف"، واستمر الناس في ولايته مطمئنين فتوفي في يوم الجمعة الثاني من ربيع الثاني من سنة خمس وستين ومائة وألف.
وتولى بعده الشريف مساعد بن سعيد ونودي له في البلاد وعرفوا بذلك الدولة العليلة؛ فجاءه التأييد في ست وعشرين من شعبان وألبس الخلعة بالحطيم؛ كما رأيت بخط بعض الأماثل المعاصرين للشريف المذكور.
ثم استمر وانقادت له الأمور إلى سنة إحدى وسبعين ومائة وألف فحصل التنافر بينه وبين الأشراف فبسببه قبض على الأمير الشريف مساعد المذكور، وتولى أخوه الشريف جعفر بن سعيد إمارة مكة وألبس القفطان في السنة المذكورة.
ثم بعد توجه الحجاج والقوافل نزل الشريف جعفر بالإمارة لأخيه الشريف مساعد المذكورة؛ وذلك في اليوم الرابع عشر من المحرم الحرام من سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف وبقي هو في ذلك إلا أن توفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر المحرم الحرام من سنة أربع وثمانين ومائة وألف ... فبعد وفاته ولي إمارة مكة أخوه الشريف عبد الله بن سعيد.
فألبسه قاضي الشرع الشريف ونودي له في البلاد، ثم نزل عنها لأخيه الشريف أحمد بن سعيد وبقي أياما ثم في يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول من العام المذكور وصل مكة أبو الذهب محمد بيك من مصر؛ فعزل الشريف أحمد بن سعيد، وجلس على كرسي الولاية والإمارة الشريف عبد الله بن حسين بن يحيى بن بركات بن محمد بن بركات بن أبي نمي، وحسين والد هذا الأمير ينسب إليه ذوو حسين من الأشراف وسكن بدار آبائه المسماة بدار الهنا بباب الوداع ونودي باسمه في البلاد، وتوجه الشريف أحمد بن سعيد السابق إلى اليمن، ثم جاء إلى مكة لأخذ الثأر من الشريف عبد الله بن حسن السابق الأمير ومعه من العربان جمع غفير فحصل بينهما القتال
стр. 933
فانهزم الشريف عبد الله بن حسين، ودخل مكة الشريف أحمد بن سعيد في الثاني عشر من جمادى الثانية من السنة المذكورة سنة ١١٨٤هـ أربع وثمانين ومائة وألف، وبقي إلى أن حصل النزاع فيما بين الشريف أحمد بن سعيد الأمير وبين ابن أخيه الشريف سرور بن مساعد بن سعيد بن مسعد بن زيد يوم السبت ثلاثة عشر من ذي القعدة من سنة ١١٨٦هـ ست وثمانين ومائة وألف، وأدى إلى القتال؛ فانهزم الشريف أحمد ودخل مكة المشرفة الشريف سرور بن مساعد يوم السبت ثالث عشر من ذي القعدة من السنة المذكورة، ونودي له في شوارع مكة، وأمنت البلاد، ثم حصل القتال الشديد مرارا وفي كل مكان انهزم عمه الشريف أحمد، وفي الوقعة الخامسة عشر من جمادى الأولى من سنة ١١٩٣هـ ثلاث وتسعين ومائة وألف قبض الشريف سرور على عمه وعلى ولديه وأمر بحبسهم بينبع، ثم نقلوا إلى جدة وما زالوا بها حتى توفي أحد ولديه، ثم توفي الشريف أحمد بن سعيد في السجن أيضا في عشرين من ربيع الثاني من سنة ١١٩٥هـ خمس وتسعين ومائة وألف وأطلق حينئذ ابنه الأحسن وجاء جد كاتب النسخة، وجاء مع التذييل الشيخ حبيب الله لأجل أداء فريضة الحج من بلاد الهند في سنة ١٢٠٠هـ مائتين وألف، ثم بعد فراغه من الزيارة النبوية عاد إلى بلده دلهي بالهند وعاش ممتعا بحواسه بين أقرانه إلى أن توفي سنة ١٢٤٥هـ خمس وأربعين ومائتين وألف.
وخلف عمي الشيخ عبد النبي ووالد الشيخ عبد الوهاب وعمر الأول أربعون سنة ووالدي -إذ ذاك- ينيف عمره على عشر سنين، والله أعلم.
ولم يزل الشريف سرور في إمارة مكة إلى سنة اثنتين بعد المائتين والألف حتى توفي في اليوم الثامن عشر من شهر ربيع الثاني من العام المذكور.
وتولى إمارة مكة أخوه الشريف عبد المعين بن مساعد، ونودي له بذلك وبقي أياما، ثم نزل عنها لأخيه الشريف غالب بن مساعد بن سعيد بن مسعد بن زيد جد ذوي غالب وجاءته الخلعة السلطانية في التاسع والعشرين من ذي القعدة من العام المذكور، وقد حصل في أيامه الحركة الإصلاحية الوهابية المنسوبة إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي ودام القتال معه مدة المواسم، ذكرها شيخنا العلامة المرحوم برحمة الملك المنام السيد أحمد بن زيني بن دحلان في تاريخ "خلاصة الكلام في تاريخ أمراء بلد الله الحرام"، ثم صفا الوقت والزمان للشريف غالب المذكور إلى أن وصل محمد علي باشا جد العائلة الخديوية بمصر مكة المشرفة. واحتفل به الشريف غالب احتفالا تاما غير أن الباشا المذكور كان مأمورا من طرف الدولة العثمانية بالقبض على الشريف غالب الأمير وإرساله إلى الآستانة العلية فصار متحيرا في هذا الأمر لتحفظ الشريف غالبا أمير مكة على نفسه؛ حتى تشاور مع الشيخ أحمد تركي في ذلك الأمر، فدبر له تدبيرا حسنا،
стр. 934
حتى تم له الأمر في أواخر ذي القعدة الحرام من سنة ١٢٢٨هـ ثمان وعشرين ومائتين وألف، وقد صار الاستحسان بأن تكون إمارة مكة لابن أخيه الشريف يحيى بن سرور بن مساعد؛ فطلبوه فمضى فألبسه محمد علي باشا فروا سموريا، وأركبوه في هيئة على فرس وأوصلوه إلى داره بقرب باب الوداع فجلس للتنهئة؛ ثم إن الشريف غالب أنزل إلى جدة وتوجه به إلى الآستانة، ثم أرسل إلى سلانيك ونفى بها إلى أن توفي في سنة ١٢٣٥هـ خمس وثلاثين ومائتين وألف وقبره بها يزار.
واستمرت الإمارة للشريف يحيى مدة أعوام إلى أن دخلت سنة ١٢٤٠هـ أربعين ومائتين وألف، وفي ليلة الثاني من شعبان من العام المذكور صار قتل الشريف، وفي عام ١٢٤٢هـ حصل نزاع بين الشريف يحيى والأمير التركي أحمد باشا وخصوم الشريف من يحيى إلى مصر؛ حينئذ تأهب للسفر؛ فلما خرج ووصل بدرا صام رمضان فجاءته مشايخ حرب وهم عربان سكنوا بين الحرمين فوعدوه بالإعانة، ومكث هناك إلى تمام السنة فهلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين فأخذ في الشروع في جمع القبائل؛ فوصل الخبر إلى مكة بذلك، وكان أحمد باشا قد أنهى الأمر إلى مصر لدولة محمد علي بابا فأبطأ عليه في الجواب فاستحسن أن يولي مكة أحدا من الأشراف صورة؛ فوليها الشريف عبد المطلب بن غالب ليجمع جموعا يقابل بها الشريف يحيى المذكور وذلك في أثناء سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف. وهذه هي الولاية الأولى للشريف عبد المطلب المذكور؛ وحينئذ نودي باسمه في البلاد. وبعد دخول سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف جاءت البشائر من مصر بأن محمد علي باشا استحسن أن تكون الإمارة للشريف محمد بن عبد المعين بن عوف بن حسين بن عبد الله بن حسن بن أبي نمي، وكان -إذ ذاك- بمصر وهو جد أمراء مكة ذوي عون.
وأما الشريف يحيى فذهب من بلاد الحرمين إلى المدينة المنورة وزار قبر جده ﷺ وتوجه بعد حين إلى مصر فوصلها واجتمع بالشريف محمد بن عبد المعين بن عوف المتولي المذكور وبقي هناك إلى أن توفي بها.
ثم أرسل محمد علي باشا صاحب مصر الشريف محمدا المذكور مع جموع وعسكر عظيم إلى مكة فوصل جدة؛ ثم في اليوم الثاني من جمادى الأولى من العام المذكور أي عام ثلاث وأربعين ومائتين وألف، فدخل مكة بدون قتال لتوجه الشريف عبد المطلب بن غالب إلى الطائف، وجلس الشريف محمد بن عبد المعين بن عون في اليوم المذكور في دار الشريف يحيى بن سرور عند باب الوداع للتنهئة، ثم توجه إلى الطائف لقتال الشريف عبد المطلب فلم يقع ذلك، وحصل الصلح وكان ذلك في شهر
стр. 935
رجب الحرم من السنة المذكورة، وتوجه الشريف عبد المطلب بن غالب ومعه أخوه الشريف بن غالب إلى الآستانة برا فوصلها وتولى ثانيا كما سيأتي إن شاء الله، ثم استقامت للشريف محمد بن عبد المعين الأمير الأمور على أحسن حال وانتظمت أحكامه بلا معارض على أتم نظام.
وفي سنة خمس وستين ومائتين وألف توفي بمصر محمد علي باشا، ثم استمر الحال مطمئنا للشريف محمد بن عبد المعين بن عون إلى أن دخلت سنة سبع وستين ومائتين وألف ونزل من الطائف وفي صحبته ولده الشريف عبد الله والشريف علي فحضروا عند عبد العزيز باشا الشهير بأنه باشا، وكان ذلك في رجب من العام المذكور؛ فأبرزا أمرا مضمونه حضورهما مع والدهما إلى الآستانة دار السلطنة، فتوجهوا وأقاموا حينئذ الشريف المنصور بن يحيى بن سرور وكيلا قائم مقام أمير مكة، ثم وجهت الدولة الإمارة للشريف عبد المطلب بن غالب في رمضان من السنة المذكورة، وكان إذ ذاك بالآستانة عندهم، وهذه هي الولاية الثانية له، ثم وصل مكة في ذل القعدة من العام المذكور وجلس في داره بالقرارة للتنهئة، وبقي إلى سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف، فعزل وتوجه إلى دار السلطنة في شوال من سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف.
فولت الدولة العلية إمارة مكة للشريف محمد بن عبد المعين بن عون وكان إذ ذاك بالآستانة كما تقدم، فهذه هي الولاية الثانية له وجاء الخبر بوصوله إلى جدة في ثاني شعبان ومعه ابنه الشريف علي باشا فقط، ثم بعد يومين وصلا مكة وجلس الشريف محمد بن المعين بن عون للتنهئة في داره العامرة بسوق الليل، وبقي فيها إلى سنة أربع وسبعين ومائتين وألف وتوفي في الثالث عشر من شعبان المبارك من العام المذكور، ودفن بقبة السيدة آمنة والدة النبي ﷺ بالمعلاة.
فلما بلغ الخبر إلى السلطنة بوفاته وجهت الدولة إمارة مكة إلى ابنه الشريف عبد الله باشا في رمضان وكان إذ ذاك بالآستانة، وتركه والده كما تقدم وأقيم مقامه أخوه الشريف علي باشا بن محمد بن عبد المعين بن العون بمكة إلى حين مجيئه، ثم توجه الشريف عبد الله المتولي بعد قضاء حوائجه في ربيع الأول من سنة خمس وسبعين ومائتين وألف من الآستانة، ودخل مكة في موكب عظيم وجلس في دار والده للتنهئة، ودامت له الأمور في أحسن نظام إلى وفاته في اليوم الرابع عشر من جمادى الآخرة من سنة أربعين وتسعين ومائتين وألف بالطائف، ودفن بقبة الحبر ابن عباس.
فأقام تقي الدين باشا والي وجدة وشيخ الحرم المكي أخاه الشريف عون الرفيق باشا دليلا بمقام الإمارة وكان أخوة الأكبر الشريف حسين باشا بالآستانة؛ فوجهت الدولة
стр. 936
الإمارة له؛ فقدم مكة في شعبان من السنة المذكورة وتوجه الشريف عون الفريق إلى الآستانة في شوال من سنته، واستمر الشريف حسين في إمارة مكة إلى سنة سبع وتسعين "بتقدم السين في الأولى والتاء المثناة الفوقية في الثانية" ومائتين والألف ... وفيها توجه إلى جدة في أوائل ربيع الثاني، وفي دخوله جدة طعن بسكين مسمومة ودفن في قبر والده بقبة السيدة آمنة والدة النبي ﷺ بالمعلاة.
فلما وصل الخبر إلى الآستانة بوفاة الشريف حسين وجهت الدولة إمارة مكة للشريف عبد المطلب بن غالب، وكان إذ ذاك في الآستانة، وهذه هي الإمارة الثالثة له، ثم وصل مكة ودخلها في الحادي عشر من جمادى الثانية من العام المذكور وجلس للتنهئة في داره بالقرارة، واستمر الحال له بأحسن طريق إلى عشرين من شعبان من سنة تسع وتسعين ومائتين وألف حصل بينه وبين ولاة جدة ومكة الاختلاف، ثم جاء الخبر من السلطنة بأنها ولت عثمان نوري باشا ولاية الحجاز عبد المطلب الأمير؛ إذ أحاطت العسكر بداره الذي بالمثناة وأخبروه بأنه معزول ونودي في البلاد للسلطان، وأنزلوه من داره إلى قشلاق العسكرية للحكومة بالطائف، وأرسل الخبر إلى الدولة بذلك فتوجهت إمارة مكة للشريف عون الرفيق باشا، وكان إذ ذاك بالآستانة، ثم وصل الخبر بذلك إلى مكة وكان عثمان باشا قد أقام أخاه الشريف عبد الإله باشا نائبا عنه.
ثم توجه الشريف عون المتولي من دار السلطنة ووصل إلى جدة في ثامن يوم التروية من سنته، ووصل إلى مكة يوم عيد النحر وتوجه إلى منى في موكب عظيم في عصره وقرئ فرمانه ثاني يوم على حسب عادة الأمراء، ثم بعد انقضاء أيام منى نزل إلى مكة ومشت القوافل والحجيج وأهلت سنة ثلاثمائة وألف، وتوجه في شهر ربيع الأول من العام المذكور أخوه الشريف عبد الإله باشا إلى الآستانة، ولم يزل الشريف عون في إمارة مكة منتظما، وتوفي في جمادى الأولى من سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف بالطائف بداره رغدان، ودفن بقبة الحبر ابن عباس على أخيه الشريف عبد الله باشا، ونودي في البلاد باسم ولي النعم سيدنا الشريف علي باشا بن عبد الله باشا بن محمد بن عبد المعين بن محمد بن عبد الله بن حسين بن عبد الله بن حسن بن أبي نمي، ثم أرسل الخبر إلى الحجاز وشيخ الحرم أحمد راتب باشا بوفاة الشريف عون الرفيق، ووجهت الدولة إمارة مكة أصالة لولي النعم المتلقي لها باليدين السامي إليها من ذروة الشرف صاحب الدولة والسيادة والشرف سيدنا الشيخ شريف علي باشا السابق ذكره وهنؤوه بذلك، ثم نزل إلى مكة في شعبان من العام المذكور؛ فانتظمت له الأمور على أحسن منوال بدون معارض له ولا منازع، وقد امتدح
стр. 937
بقصيدة غراء في عيد الفطر من مطلعها١:
وفد الربيع بحلة خضراء ... فكسى الرياض ملابس الهيفاء
... إلى آخرها.
وبقي فيها إلى أن انفصل عن ذلك في شوال من سنة سبع وعشرين وثملاثمائة وألف، وجاء الخبر من الآستانة بتولية إمارة مكة لعمه الشريف عبد الإله باشا، وكان إذ ذاك باقيا بدار السلطنة وبقي فيها أياما وتوفي هناك من عامه، ثم وصل الخبر بتولية الشريف حسين باشا بن علي باشا بن محمد بن عبد المعين بن عون إمارة مكة لكونه إذ ذاك كان بالآستانة، وأقيم أخوه الشريف ناصر باشا نائبا عنه، ثم وصل في ذي القعدة إلى جدة، وفي ثاني يوم منه دخل مكة في موكبه وجلس في بيت جده للتنهئة، ثم توجهت القافلة حسب عادتها وحج هو في سنته، ثم في شعبان من سنة ثمان وعشرين وثملاثمائة وألف توجه أخوه الشريف ناصر باشا إلى دار السلطنة وهو باق بها معززا مكرما، وتوجه ابن عمه في هذه السنة الشريف علي باشا، ولم يزل الشريف حسين باشا بن علي باشا بن محمد بن عبد المعين بن عون يلي إمرة مكة من ٦ شوال عام ١٣٢٦هـ، ثم أعلن نفسه ملكا على الحجاز.
وقد دخل الملك عبد العزيز مكة في ٧ من جمادى الآولى سنة ١٣٤٣هـ، وسلم له الملك حسين حكم الحجاز في أوائل جمادى الثانية عام ١٣٤٤هـ، وصار خالد بن لؤي حاكم مكة من قبله، وهو أحد قواد جيش الملك عبد العزيز ومن أقربائه، ثم اختير سمو الأمير فصيل نائبا عن والده الملك عبد العزيز في حكم مكة والمدينة وباقي الحجاز.
وتوفي الملك عبد العزيز في ٢ ربيع الأول ١٣٧٣هـ "٩ نوفمبر ١٩٥٣"، وتولي ولي العهد جلالة الملك سعود حكم المملكة العربية السعودية في الخامس من ربيع الأول ١٣٧٣هـ، وكان قد بويع بولاية العهد قبل ذلك بأمد طويل في ١٦ محرم ١٣٥٢هـ، وميلاده في ليلة الثالث من شوال عام ١٣١٩هـ.
وقد عين حضرة صاحب السمو الأمير فيصل رئيسا لمجلس الوزراء في ٦ من ذي الحجة ١٣٧٣هـ، وصار حضرة صاحب الجلالة الملك سعود هو حامي حمى الحرمين وباقي مدن الحجاز وهو حاكم مكة المكرمة٢.
стр. 938
الملحق الثاني في الدرة الثمينة في تاريخ المدينة
مقدمة بقلم اللجنة التي أشرف على تحقيق الكتاب
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الملحق الثاني: في الدرة الثمينة في تاريخ المدينة
مقدمة: بقلم اللجنة التي أشرفت على تحقيق الكتاب
-١-
كتاب "الدرة الثمينة، في تاريخ المدينة" كتاب جليل، عظيم الأهمية، كبير النفع، يحتوي على كثير من المعلومات التاريخية الحافلة عن مدينة الرسول، ومسجده النبوي الشريف، ﷺ وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
وهذا الكتاب يكاد يكون من أقدم المصادر التاريخية التي وصلتنا في تاريخ المدينة، بعد تاريخ المدينة لابن زبالة الذي ألفه عام ١٩٩هـ، وهو من هذه الناحية يعد مصدرا أصيلا لا غنى لباحث أو محقق عن الرجوع إليه، والإفادة منه.
وها هو ذا ينشره الرجل الإسلامي الكبير: معالي الشيخ محمد سرور الصبان، بمعاونة أصحاب مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة: عبد الحفيظ وعبد الشكور عبد الفتاح فدا، في هذه الطبعة الجديدة المنقحة المحققة، ملحقا لكتاب "شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام" الذي تحدث فيه مؤلفه الفاسي عن محمد الحجاز الكبرى ما عدا المدينة، وقد آثرنا نشره هنا لتمام الفائدة.
وقد اعتمدنا في تحقيق الكتاب على ثلاث نسخ:
١- الأولى نسخة إستامبول الخطية لهذا الكتاب، وتقع في سبع وستين ورقة من القطع المتوسط، وقد كتب اسم الكتاب في الورقة الأولى، ونص الاسم كما هو مثبت فيها هو: "كتاب تاريخ المدينة المشرفة وفضائلها، على ساكنها الصلاة والسلام، تصنيف الشيخ الأجل أبي عبد الله محمد بن محمود بن النجار، ﵀، ونفعنا به"؛ وعلى الورقة الأولى كذلك أن هذا الكتاب وقف على العلماء العاملين بمحمية قسطنطينية في سنة ١٠٧٣هـ. وفي آخر هذه النسخة الخطية كتب اسم ناسخ الكتاب وهو
стр. 939
عبد القاهر بن أحمد بن سليمان بن موهوب، وقد فرغ من نسخه في ٥ ربيع الآخر عام ٧٣١هـ، وقد كتب في الورقة الأخيرة عدة كلمات في غير موضوع الكتاب، وبخط آخر كتب أيضا في آخرها تاريخ هو عام ٦٩١هـ، وبجواره اسم عثمان بن زيد المالكي.
٢- والنسخة الثانية هي نسخة المكتبة التيمورية الخطية رقم ٩١٢، وقد كتب عليها الدرة الثمينة في أخبار المدينة لمحب الدين محمد بن محمود النجار الحافظ المتوفى عام ٦٤٣هـ١، وتقع في ٢٦٣ صفحة من القطع الصغير، وهي مكتوبة بخط واضح وفي آخرها ما نصه: تمت نسخة تاريخ المدينة في دار الخلافة العلية على يد كاتبها الحاج أحمد الأنقروي الشهير بعرب شيخ زاده غفر الله ذنوبه وذنوب أبويه في دار الآخرة، في هلال شهر ذي الحجة مضت منه ثلاث يوم الخميس بعد الظهر.
٣- والنسخة الثالثة هي نسخة مطبوعة عام ١٣٦٦هـ-١٩٤٧م بمطبعة الرسالة بالقاهرة بتعليق الأستاذ صالح محمد جمال، وتقديم الشيخ محمد بن مانع، وهذه الطبعة بالاعتماد على نسخة خطية يبدو من المراجعة أن بها سقطا كثيرا، وتقع هذه الطبعة في ١٣٣ صفحة من القطع المتوسط، واسم الكتاب كما هو مكتوب في هذه الطبعة "أخبار مدينة الرسول، المعروف بالدرة الثمينة" للإمام محمد بن محمود النجار. وهذه الطبعة منقولة عن نسخة خطية مكية، تاريخ نسخها عام ١٢١٧هـ، وهي منقولة عن نسخة خطية أخرى، تاريخ نسخها عام ٩٧٥هـ، وجاء في أصل هذه النسخة: "علقه كما وجده الفقير إلى رحمة الله وكرمه محمد بن عبد اللطيف بن محمد الأشبيلي الخزرجي نزيل حرم الله بتاريخ ١١ ربيع الأول عام ٩٧٥هـ ... وكان الفراغ من تعليق هذه النسخة ليلة البدر من شوال سنة ١٢١٧هـ، مع ما في أصلها من ضياع بعض الكلمات لقدم النسخة، ودثور بعض الألفاظ ومحوها؛ وذلك بيد أحد العبيد المحتاج إلى ربه الفتاح، محمد أبي مرزوق بن أبي الصلاح".
-٣-
ومؤلف الكتاب هو الشيخ محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن النجار، وشهرته أبو عبد الله البغدادي، ولد عام ٥٧٣هـ، وتلقى ثقافته في الدين والعلوم والآداب على أساتذة أجلاء، ثم عشق الرحلات، فطاف بالعالم الإسلامي شرقا وغربا، نحو ثمان وعشرين سنة، وتوفي في ٥ شعبان عام ٦٤٧هـ٢ عن خمسة وسبعين عام ... وله مؤلفات كثيرة من أهمها:
١- تاريخ المدينة المشرفة وفضائلها، وهو هذا الكتاب.
стр. 940
٢- أخبار مكة.
٣- بيت المقدس.
٤- الذيل على تاريخ مدينة السلام خمسة مجلدات.
٥- غرر الفوائد، خمسة مجلدات.
٦- الكافي في أسماء الرجال.
٧- القمر المنير، في المسند الكبير.
٨- كنز الأيام، في معرفة الأحكام.
٩- نهج الإصابة في معرفة الصحابة.
أثابه الله على جهوده في خدمة الدين والعلم والإسلام خير الثواب ورحمه الله رحمة واسعة.
-٤-
وبعد فقد بذلنا كل ما أمكننا بذله من مجهود في مراجعة النصوص، وتحقيق الروايات، وضبط الأعلام والتعليق على التواريخ، وتخريج الأحاديث؛ ليخرج الكتاب في أروع حلة، وأجمل صورة.
والكتاب صورة لعلم مؤلفه وفضله، ولا غرو فقد كانت له مكانة علمية رفيعة في عصره، مما جعل هذا الكتاب القيم ذا البحوث المنوعة، والأبواب المختلفة، جديرا بكل عناية، حريا بكل ما يبذل فيه من مجهود.
ولا يفوتنا أن ننوه بفضل كل من ساعدنا وأمدنا بمعلومات ساعدت على خدمة هذا الكتاب وإخراجه في مظهر لائق به، وفي مقدمة هؤلاء سعادة الشيخ صالح القزاز.
وفي آخر الكتاب وضعنا عدة ملاحق في عمارة المسجد النبوي الشريف، وفي آثار المدينة؛ وذلك لتكون المعلومات التي تضمنتها هذه الملاحق معاونة على تتبع تاريخ المدينة بعد عصر المؤلف حتى اليوم، ولنثبت تاريخ العمارة في مسجد الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه منذ العصر النبوي إلى اليوم.
وفقنا الله إلى الصواب، بفضله وكرمه، إنه على ما يشاء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وما توفيقنا إلا بالله.
стр. 941
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف:
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
أخبرنا الفقيه الأجل الإمام العالم الشريف العدل: تاج الدين علي بن أبي العباس أحمد ابن الشيخ الأجل أبي محمد عبد المحسن بقراءتي عليه.
أخبرنا الشيخ الفقيه الأجل أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار بقراءة أبي عليه، وقراءة ابن الوليد عليه وأنا أسمع ... قال:
الحمد لله حمدًا يقتضي من إحسانه المزيد، ويبلغنا من رضوانه ما نؤمل وما نريد، وصلى الله على مَن هَدانا إلى المنهج السديد، محمد الذي هو على أمته شهيد، وعلى آله وأصحابه ذوي المجد المشيد، ما سار راكب في البيد.
وبعد؛ فإنني لما دخلت مدينة النبي ﷺ ، وأُسعدت بزيارته، أقمت بها فاجتمعت بجماعة من أهل الصلاة والعلم والفضل من المجاورين بها، وفقهم الله وإيانا، فسألوني عن "فضائل المدينة وأخبارها" فأخبرتهم بما تعلق في خاطري من ذلك، فسألوني إثباته في أوراق، فاعتذرت إليهم بأن الحفظ قد يزيد وينقص، ولو كانت كتبي حاضرة كنت أجمع كتابا في ذلك شافيًا لما في النفس، فألحوا علي وقالوا: تحصيل اليسير، خير من فوات الكثير، وهذه١ مع شرفها قد خلت ممن يعرف من أخبارها شيئا، ونحن نحب أن يكون لك بها أثر٢ صالح تذكر به، فأجبتهم إلى ذلك رجاء لبركتهم، واغتناما لامتثال أمرهم، وقضاء لحق جوارهم وصحبتهم، وطلبا لما عند الله تعالى بنشر فضائل دار الهجرة ومنبع الوحي، وذكر أخبارها والترغيب في سكناها والحث على زيارة المدفون بها.
стр. 942
صلوات الله عليه وسلامه، واستخرت الله، وأثبت في هذا الكتاب ما تيسر من ذلك بعون الله تعالى وحسن توفيقه، ثم إني ذكرت١ أكثره بغير إسناد؛ لتعذر حضور أصولي ... وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل ذلك لوجهه خالصا وإليه مقربا، ولنا ولهم نافعا في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.
وقد قسمته ثمانية عشر بابا، والله الموفق للصواب:
الباب الأول: في ذكر أسماء المدينة وأول ساكنيها.
الباب الثاني: في ذكر فتح المدينة.
الباب الثالث: في ذكر هجرة النبي ﷺ وأصحابه إليها.
الباب الرابع: في ذكر فضائلها.
الباب الخامس: في ذكر تحريمها وحدود حرمها.
الباب السادس: في ذكر وادي العقيق وفضله.
الباب السابع: في ذكر آبار المدينة وفضلها.
الباب الثامن: في ذكر جبل أحد وفضله وفضائل الشهداء به.
الباب التاسع: في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة.
الباب العاشر: في ذكر حفر الخندق حول المدينة.
الباب الحادي عشر: في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة.
الباب الثاني عشر: في ذكر مسجد النبي ﷺ وفضله.
الباب الثالث عشر: في ذكر المساجد التي بالمدينة وفضلها.
الباب الرابع عشر: في ذكر مسجد الضرار وهدمه.
الباب الخامس عشر: في ذكر وفاة النبي ﷺ وصاحبيه ﵄.
الباب السادس عشر: في ذكر فضل زيارة النبي ﷺ .
الباب السابع عشر: في ذكر البقيع وفضله.
الباب الثامن عشر: في ذكر أعيان من سكن المدينة من الصحابة والتابعين من بعدهم، ومن الله نستمد الهداية والسداد، إلى سبل الحق والرشاد.
стр. 943
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الباب الأول- في ذكر أسماء المدينة وأول من سكنها ١:
أنبأنا ذاكر بن كامل قال: كُتب إلى أبي علي الحداد أن أبا نعيم الحافظ أخبره إجازة عن أبي محمد المخلدي قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة عن إبراهيم بن أبي يحيى قال: للمدينة في التوراة أحد عشر اسما: المدينة، وطيبة٢، وطابة، والمسكينة، وجابرة، والمجبورة، والمرحومة، والعذراء، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة. وقال ابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد بن موسى بن عقبة عن عطاء بن مروان عن أبيه عن كعب قال: نجد في كتاب الله الذي نزل على موسى أن الله تعالى قال للمدينة: "يا طيبة يا طابة يا مسكينة لا تقبلي الكنوز، ارفعي أجاجيرك٣ على أجاجير القرى". قال عبد العزيز بن محمد: وبلغني أن لها في التوراة أربعين اسما. وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى سمى المدينة طابة". وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "هي المدينة يثرب"، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: "يثرب اسم أرض"، ومدينة النبي ﷺ في ناحية منها، وقال ابن زبالة: كانت يثرب أم قرى المدينة وهي ما بين طرف "قناة" إلى طرف "الجرف"، وما بين المال الذي يقال له البرناوي إلى زبالة.
وكانت زهرة٤ من أعظم قرى المدينة، قيل كان فيها ثلاثمائة صانع من اليهود، وقيل: إن تبعا لما قدم المدينة بعث رائدًا ينظر إلى مزارع المدينة فأتاه فقال: قد نظرت
стр. 944
فأما قناة١ فحب ولا تبن، وأما الحرار٢ فلا حب ولا تبن، وأما الجرف فالحب والتبن.
قال أهل السير: كان أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح قوم يقال لهم: صعل وفالج، فغزاهم داود النبي ﵇، فأخذ منهم مائة ألف عذراء، قال: وسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل، قالوا: وكانت العماليق قد انتشروا في البلاد فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله وعتوا عتوا كبيرًا، فبعث إليهم موسى -على نبينا وعليه السلام- جندا من إسرائيل فقتلوهم بالحجاز وأفنوهم.
وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: بلغني أن ضبعا ربيت هي وأولادها رابضة في حجاج٣ عين رجل من العماليق. وقال: لقد كان في ذلك الزمان تمضي أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة٤.
ذكر سكنى اليهود الحجاز:
قال: وإنما كان سكن اليهود بلاد الحجاز أن موسى ﵇ لما أظهره الله على فرعون وأهلكه وجنوده وطيئ الشام، وأهلك من بها وبعث بعثا من اليهود إلى الحجاز، وأمرهم ألا يستبقوا من العماليق أحدا بلغ الحلم، فقدموا عليهم فقتلوهم وقتلوا ملكهم "نبنما" وكان يقال له: الأرقم بن أبي الأرقم وأصابوا ابنا له شابا من أحسن الناس فضنوا به عن القتل وقالوا: نستحييه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم وقبض الله موسى قبل قدومهم؛ فلما سمع الناس بقدومهم تلقوهم فسألوهم عن أمرهم فأخبروهم بفتح الله عليهم، وقالوا: لم نستبق منهم أحدا إلا هذا الفتى فإننا لم نر شابا أحسن منه فاستبقيناه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فقالت لهم بنو إسرائيل: إن
стр. 945
هذه لمعصية لمخالفتكم نبيكم، لا والله لا يدخلوا علينا بلادنا، فحالوا بينهم وبين الشام، فقال الجيش: ما بلد إذ منعتم بلدكم خير من البلد الذي خرجتم منه. قال: وكانت الحجاز أكثر بلاد الله شجرًا وأظهره ماء. قالوا: وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق١ وهم يجدون في التوراة أن نبينا يهاجر من العرب إلى بلد فيه نخيل بين حرتين، فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد؛ فنزل طائفة تيماء وتوطنوا نخلًا، ومضى طائفة فلما رأوا خيبر٢ ظنوا أنها البلدة التي يهاجر إليها فأقام بعضهم بها ومضى أكثرهم وأشرفهم فلما رأوا يثرب سبخة وحرة ونخلًا قالوا: هذا البلد الذي يكون له مهاجر النبي إليها فنزلوه، فنزل النضير بمن معه بطحان فنزلوا منها حيث شاءوا وكان جميعهم بزهرة وهي محل بين الحرة والسافلة مما يلي القف، وكانت لهم الأموال بالسافلة، ونزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول؛ سيل بطحان والعقيق وسيل قناة مما يلي رغاية، قال: وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هذل وهدل وعمرو أبناء الخزرج بن الصريح بن التوم بن السبط بن اليسع بن العتين بن عيد بن خيبر بن النجار بن ناجوم بن عازر بن هارون بن عمران، والنصر بن النجار بن الخزرج بن الصريح بعد هؤلاء فتبعوا آثارهم فنزلوا بالعلية على واديين يقال لهما مذينيب ومهزور، فنزلت بنو النضير على مذينيب واتخذوا عليه الأموال ونزل قريظة وهذل على مهزور واتخذوا عليه الأموال وكانوا أول من احتفر بها الآبار واغترس الأموال وابتنوا الآطام والمنازل، قالوا: فجميع ما بنى اليهود بالمدينة تسعة وخمسون أطما٣.
قال عبد العزيز بن عمران: وقد نزل المدينة قبل الأوس والخزرج أحياء من العرب منهم أهل التهمة تفرقوا جانب بلقيز إلى المدينة، فنزلت بين مسجد الفتح إلى يثرب في الوطا، وجعلت الجبل بينها وبين المدينة فأبرت الآبار والمزارع.
ذكر نزول أحياء من العرب على يهود:
قالوا: وكان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل وكان قد نزلها عليهم أحياء من العرب فكانوا معهم وابتنوا الآطام والمنازل قبل نزول الأوس والخزرج؛ وهم بنو أنيف حي من بلى ويقال إنهم من بقية العماليق، وبنو مريد حي من بلى وبنو معاوية بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان وبنو الجذماحي من اليمن قالوا: وكانت الآطام عز أهل المدينة ومنعتهم التي يتحصنون فيها
стр. 946
من عدوهم فكان منها ما يعرف اسمه، ومنها ما لا يعرف اسمه، ومنها ما يعرف باسم سيده، ومنها ما لا يدري لمن كان، ومنها ما ذكر في الشعر، ومنها ما لم يذكر، وكان ما بني من الآطام للعرب بالمدينة ثلاثة عشر أطما.
ذكر نزول الأوس والخزرج المدينة:
قالوا: فلم تزل اليهود العالية بها الظاهرة عليها حتى كان من سيل العرم ما كان وما قص الله في كتابه، وذلك أن أهل مأرب وهي أرض سبأ كانوا آمنين في بلادهم تخرج المرأة بمغزلها لا تتزود شيئا تبيت في قرية وتقيل في أخرى حتى تأتي الشام فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] ، فسلط الله عليهم العرم١ وهو جرذ، فنقب عليهم حتى دخل السيل عليهم فأهلكهم وتمزق من سلم منهم في البلاد، وكان السد فرسخا في فرسخ، كان بناه لقمان الأكبر العادي، بناه للدهر على زعمه، وكان يجتمع إليه مياه أهل اليمن من مسيرة شهر، فكان تمزيقهم، ويروى أن طريفة بنت ربيعة الكاهنة امرأة عمرو بن عامر بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغفوث قالت٢: أُتيت في المنام فقيل لي: رب أسير ذاب، شديد الذهاب، بعيد الإياب، من واد إلى واد، وبلاد إلى بلاد، كدأب ثمود وعاد، ثم مكثت ثم قالت: أُتيت اليلة فقيل لي: شيخ هرم، وجعل لزم، ورجل قرم، ودهر أزم، وشر لزم، يا ويح أهل العرم، ثم قالت: أُتيت الليلة فقيل لي: يا طريفة لكل اجتماع فراق، فلا رجوع ولا تلاقٍ، من أفق إلى آفاق، ثم قالت: أُتيت اليلة في النوم فقيل لي: رب ألب موالب، وصامت وخاطب، بعد هلاك مارب، قالت: ثم أُتيت في النوم فقيل لي: لكل شيء سبب، إلا غبش ذو الذنب، الأشعر الأزب، فنقب بين المقر والقرب، ليس من كاس ذهب، فخرج عمرو وامرأته طريفة، فيدخلان العرم٣ فإذا هما بجرذ يحفر في أصله ويقلب بيديه ورجليه الصخرة ما يقلبها خمسون رجلًا، فقال: هذا والله البيان، وكتم أمره وما يريد، وقالا لابن أخيه وداعة بن عمرو: إني سأشتمك في المجلس فالطمني فلطمه، فقال عمرو: والله لا أسكن بلدًا لطمت فيه أبدا. من يشتري مني أموالي؟ قال: فوثبوا واغتنموا غضبته تزايدوا في ماله فباعه، فلما أراد الظعن قالت طريفة: من كان يريد حمرا وحميرا وبرا وشعيرا وذهبا وحريرا وسديرا فلينزل بطوى، ومن أراد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلج يثرب
стр. 947
ذات النخل، قال: فلحقت بنو عمرو بن ثعلبة وهم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو بن عامر يثرب وهي المدينة، قالوا: وكان ممن بقي بالمدينة من اليهود حين نزلت عليهم الأوس والخزرج بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو محمحم، وبنو زعورا، وبنو قينقاع، وبنو ثعلبة وأهل زهرة وأهل زبالة وأهل يثرب، وبنو القصيص، وبنو فاعصة، وبنو ماسكة، وبنو القمعة، وبنو زيد اللات وهم رهط عبد الله، وبنو عكوة، وبنو مرانة، قالوا: فأقامت الأوس والخزرج بالمدينة، ووجدوا الأموال والآطام والنخل في أيدي اليهود، ووجدوا العدد والقوة معهم، فسكنت الأوس والخزرج معهم ما شاء الله ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم وبينهم جوارا وحلفا يأمن به بعضهم من بعض ويمنعون به من سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا فلم يزالوا على ذلك زمنًا طويلًا وأَثْرَتِ الأوس والخزرج، وصار لهم مال وعدد، فلما رأت قريظة والنظير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، وكانت قريظة والنضير أعدوا وأكثروا، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم وهم خائفون أن تحتلهم يهود حتى نجم منهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج.
ذكر قتل يهود واستيلاء الأوس والخزرج على المدينة:
قالوا: ولما نجم مالك بن العجلان سوده الحيان عليهما، فبعث هو قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم حالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود عليهم، وكان رسولهم الدمق بن زيد بن امرئ القيس أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج وكان قبيحا دميما شاعرا بليغا، فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان الذين ساروا من يثرب إلى الشام يقال له أبو جبيلة من ولد حفنة بن عمرو بن عامر، وقيل كان أحد بني جشم بن الخزرج وكان قد أصاب ملكا بالشام وشرفا، فشكى إليه الدمق حالهم وغلبة اليهود عليهم وما يتخرفون منهم وأنهم يخشون أن يخرجوهم، فأقبل أو جبيلة في جمع كبير لنصرة الأوس والخزرج، وعاهد الله لا يبرح حتى يخرج من بها من اليهود أو يذلهم ويصيرهم تحت يد الأوس والخزرج، وأعلمهم ما جاء به فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلم نقدر عليهم ولكن تدعوهم للقائك وتتلطف بهم حتى يأمنوك ويطمئنوا، فتتمكن منهم فصنع لهم طعامًا وأرسل إلى وجوههم١ ورؤسائهم فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه وجعل الرجل منهم يأتي بخاصته وحشمه رجاء أن يحبوهم الملك، وقد كان بنى لهم حيزا وجعل فيه قوما وأمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه حتى أتى على وجوههم ورؤسائهم فلما فعل ذلك عزت الأوس والخزرج في المدينة واتخذوا الديار والأموال
стр. 948
وانصرف أبو جبيلة إلى الشام وتفرقت الأوس والخزرج في عالية المدينة وسافلتها، وبعضهم جاء إلى عفًا من الأرض لا ساكن فيه فنزله، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها، واتخذوا الأموال والآطام فكان ما ابتنوا من الآطام مائة وسبعة وعشرين أطما وأقاموا كلمتهم، وأمرهم مجتمع ثم دخلت بينهم حروب عظام وكانت لهم أيام ومواطن وأشعار فلم تزل الحروب بينهم إلى أن بعث الله نبيه ﷺ وأكرمهم باتباعه١.
стр. 949
الباب الثاني: في ذكر فتح المدينة
قالت عائشة ﵂: كل البلاد افتتحت بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن، قلت: وذلك أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه في كل موسم على قبائل العرب ويقول: "ألا رجل يحملني إلى قومه؛ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" حتى لقي في بعض السنين عند العقبة نفرًا من الأوس والخزرج قدموا في المنافرة التي كانت بينهم، فقال لهم: "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الأوس والخزرج، قال: "من موالي اليهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى"، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، وكانوا أهل شرك وأوثان، وكان إذا كان بينهم وبين اليهود الذين معهم بالمدينة شيء، قالت اليهود لهم وكانوا أصحاب كتاب: قد علمنا أن نبينا يبعث الآن قد أظل زمانه فنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي يوعدكم به اليهود فلا تسبقنكم إليه فاغتنموه وآمنوا به، فأجابوه فيما دعاهم إليه وصدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا، وكانوا ستة: أسعد بن زرارة، وعوف ابن عفراء -وهي أمه، وأبوه الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رباب، فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ وما جرى لهم ودعوهم إلى الإسلام ففشا فيهم حتى لم يبق بيت ولا دار من دور الأنصار إلا ولرسول الله ﷺ فيها ذكر، فلما كان العام المقبل وافى منهم اثني عشر رجلًا فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوه، فلما انصرفوا بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمر إلى المدينة وأمره أن يقرئهم القرآن
стр. 950
ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين وكان منزله على أسعد بن زرارة، ولقيه في الموسم الآخر سبعون رجلًا من الأنصار ومعهم امرأتان فبايعوه وأرسل رسول الله ﷺ أصحابه إلى المدينة ثم خرج إلى الغار بعد ذلك وتوجه هو وأبو بكر إلى المدينة.