من عدوهم فكان منها ما يعرف اسمه، ومنها ما لا يعرف اسمه، ومنها ما يعرف باسم سيده، ومنها ما لا يدري لمن كان، ومنها ما ذكر في الشعر، ومنها ما لم يذكر، وكان ما بني من الآطام للعرب بالمدينة ثلاثة عشر أطما.
ذكر نزول الأوس والخزرج المدينة:
قالوا: فلم تزل اليهود العالية بها الظاهرة عليها حتى كان من سيل العرم ما كان وما قص الله في كتابه، وذلك أن أهل مأرب وهي أرض سبأ كانوا آمنين في بلادهم تخرج المرأة بمغزلها لا تتزود شيئا تبيت في قرية وتقيل في أخرى حتى تأتي الشام فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] ، فسلط الله عليهم العرم١ وهو جرذ، فنقب عليهم حتى دخل السيل عليهم فأهلكهم وتمزق من سلم منهم في البلاد، وكان السد فرسخا في فرسخ، كان بناه لقمان الأكبر العادي، بناه للدهر على زعمه، وكان يجتمع إليه مياه أهل اليمن من مسيرة شهر، فكان تمزيقهم، ويروى أن طريفة بنت ربيعة الكاهنة امرأة عمرو بن عامر بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغفوث قالت٢: أُتيت في المنام فقيل لي: رب أسير ذاب، شديد الذهاب، بعيد الإياب، من واد إلى واد، وبلاد إلى بلاد، كدأب ثمود وعاد، ثم مكثت ثم قالت: أُتيت اليلة فقيل لي: شيخ هرم، وجعل لزم، ورجل قرم، ودهر أزم، وشر لزم، يا ويح أهل العرم، ثم قالت: أُتيت الليلة فقيل لي: يا طريفة لكل اجتماع فراق، فلا رجوع ولا تلاقٍ، من أفق إلى آفاق، ثم قالت: أُتيت اليلة في النوم فقيل لي: رب ألب موالب، وصامت وخاطب، بعد هلاك مارب، قالت: ثم أُتيت في النوم فقيل لي: لكل شيء سبب، إلا غبش ذو الذنب، الأشعر الأزب، فنقب بين المقر والقرب، ليس من كاس ذهب، فخرج عمرو وامرأته طريفة، فيدخلان العرم٣ فإذا هما بجرذ يحفر في أصله ويقلب بيديه ورجليه الصخرة ما يقلبها خمسون رجلًا، فقال: هذا والله البيان، وكتم أمره وما يريد، وقالا لابن أخيه وداعة بن عمرو: إني سأشتمك في المجلس فالطمني فلطمه، فقال عمرو: والله لا أسكن بلدًا لطمت فيه أبدا. من يشتري مني أموالي؟ قال: فوثبوا واغتنموا غضبته تزايدوا في ماله فباعه، فلما أراد الظعن قالت طريفة: من كان يريد حمرا وحميرا وبرا وشعيرا وذهبا وحريرا وسديرا فلينزل بطوى، ومن أراد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلج يثرب
стр. 947
ذات النخل، قال: فلحقت بنو عمرو بن ثعلبة وهم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو بن عامر يثرب وهي المدينة، قالوا: وكان ممن بقي بالمدينة من اليهود حين نزلت عليهم الأوس والخزرج بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو محمحم، وبنو زعورا، وبنو قينقاع، وبنو ثعلبة وأهل زهرة وأهل زبالة وأهل يثرب، وبنو القصيص، وبنو فاعصة، وبنو ماسكة، وبنو القمعة، وبنو زيد اللات وهم رهط عبد الله، وبنو عكوة، وبنو مرانة، قالوا: فأقامت الأوس والخزرج بالمدينة، ووجدوا الأموال والآطام والنخل في أيدي اليهود، ووجدوا العدد والقوة معهم، فسكنت الأوس والخزرج معهم ما شاء الله ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم وبينهم جوارا وحلفا يأمن به بعضهم من بعض ويمنعون به من سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا فلم يزالوا على ذلك زمنًا طويلًا وأَثْرَتِ الأوس والخزرج، وصار لهم مال وعدد، فلما رأت قريظة والنظير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، وكانت قريظة والنضير أعدوا وأكثروا، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم وهم خائفون أن تحتلهم يهود حتى نجم منهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج.
ذكر قتل يهود واستيلاء الأوس والخزرج على المدينة:
قالوا: ولما نجم مالك بن العجلان سوده الحيان عليهما، فبعث هو قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم حالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود عليهم، وكان رسولهم الدمق بن زيد بن امرئ القيس أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج وكان قبيحا دميما شاعرا بليغا، فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان الذين ساروا من يثرب إلى الشام يقال له أبو جبيلة من ولد حفنة بن عمرو بن عامر، وقيل كان أحد بني جشم بن الخزرج وكان قد أصاب ملكا بالشام وشرفا، فشكى إليه الدمق حالهم وغلبة اليهود عليهم وما يتخرفون منهم وأنهم يخشون أن يخرجوهم، فأقبل أو جبيلة في جمع كبير لنصرة الأوس والخزرج، وعاهد الله لا يبرح حتى يخرج من بها من اليهود أو يذلهم ويصيرهم تحت يد الأوس والخزرج، وأعلمهم ما جاء به فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلم نقدر عليهم ولكن تدعوهم للقائك وتتلطف بهم حتى يأمنوك ويطمئنوا، فتتمكن منهم فصنع لهم طعامًا وأرسل إلى وجوههم١ ورؤسائهم فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه وجعل الرجل منهم يأتي بخاصته وحشمه رجاء أن يحبوهم الملك، وقد كان بنى لهم حيزا وجعل فيه قوما وأمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه حتى أتى على وجوههم ورؤسائهم فلما فعل ذلك عزت الأوس والخزرج في المدينة واتخذوا الديار والأموال
стр. 948
وانصرف أبو جبيلة إلى الشام وتفرقت الأوس والخزرج في عالية المدينة وسافلتها، وبعضهم جاء إلى عفًا من الأرض لا ساكن فيه فنزله، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها، واتخذوا الأموال والآطام فكان ما ابتنوا من الآطام مائة وسبعة وعشرين أطما وأقاموا كلمتهم، وأمرهم مجتمع ثم دخلت بينهم حروب عظام وكانت لهم أيام ومواطن وأشعار فلم تزل الحروب بينهم إلى أن بعث الله نبيه ﷺ وأكرمهم باتباعه١.
стр. 949
الباب الثاني: في ذكر فتح المدينة
قالت عائشة ﵂: كل البلاد افتتحت بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن، قلت: وذلك أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه في كل موسم على قبائل العرب ويقول: "ألا رجل يحملني إلى قومه؛ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" حتى لقي في بعض السنين عند العقبة نفرًا من الأوس والخزرج قدموا في المنافرة التي كانت بينهم، فقال لهم: "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الأوس والخزرج، قال: "من موالي اليهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى"، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، وكانوا أهل شرك وأوثان، وكان إذا كان بينهم وبين اليهود الذين معهم بالمدينة شيء، قالت اليهود لهم وكانوا أصحاب كتاب: قد علمنا أن نبينا يبعث الآن قد أظل زمانه فنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي يوعدكم به اليهود فلا تسبقنكم إليه فاغتنموه وآمنوا به، فأجابوه فيما دعاهم إليه وصدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا، وكانوا ستة: أسعد بن زرارة، وعوف ابن عفراء -وهي أمه، وأبوه الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رباب، فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ وما جرى لهم ودعوهم إلى الإسلام ففشا فيهم حتى لم يبق بيت ولا دار من دور الأنصار إلا ولرسول الله ﷺ فيها ذكر، فلما كان العام المقبل وافى منهم اثني عشر رجلًا فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوه، فلما انصرفوا بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمر إلى المدينة وأمره أن يقرئهم القرآن
стр. 950
ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين وكان منزله على أسعد بن زرارة، ولقيه في الموسم الآخر سبعون رجلًا من الأنصار ومعهم امرأتان فبايعوه وأرسل رسول الله ﷺ أصحابه إلى المدينة ثم خرج إلى الغار بعد ذلك وتوجه هو وأبو بكر إلى المدينة.
стр. 951
الباب الثالث: في ذكر هجرة النبي ﷺ وأصحابه
أخبرنا يحيى بن أسعد المهاجر وأبو القاسم بن كامل الحذاء وجماعة غيرهما فيما أذنوا لي في روايته عنهم قالوا: أنبأنا الحسن بن أحمد أبو علي الحداد عن أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني قال: كتب إلى جعفر بن محمد بن نصير أبو محمد المخلدي قال: أنبأنا أبو شريك محمد بن عبد الرحمن المخزومي بمكة قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة عن جعفر بن صالح بن ثعلبة عن جده، ويعلى بن سلام عن محمد بن عبد الله بن خزيمة بن ثابت أن تُبَّعًا لما قدم المدينة وأراد إخراجها جاءه حبران يقال لهما تحيت ومنبه من قريظة فقالا: أيها الملك، انصرف عن هذه البلدة؛ فإنها محفوظة، وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد يخرج آخر الزمان، فأعجبه ما سمع وصدقهما وكف عن أهل المدينة.
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال١: "رأيت في المنام أني مهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهمي إلى اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب". وذكر البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ لما ذكر هذا المنام لأصحابه هاجر من هاجر منهم قِبَل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : "على رسلك ٢؛ فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال له أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ؛ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده الخبط أربعة أشهر قالت عائشة ﵂: بينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة٣ قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فدا له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "اخرج من عندك"، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: "فإني قد أُذِن لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم"، قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله
стр. 952
خذ إحدى راحلتيَّ هاتين، قال رسول الله ﷺ : "بالثمن"، قالت عائشة: فجهزناهما أحثَّ الجهاز١، ووضعنا لهما سفرة٢ في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فقال رسول الله ﷺ : "إن لها به نطاقين في الجنة"، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ بغارٍ في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهم عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب، فيدلج٣ من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة٤ من لبن فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبتان في رسل٥ حتى ينعق بها عامر بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدئل هدَّايًا ماهرًا بالهداية وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعاه إليه راحلتهما، وواعده غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل أسفل من عسفان ثم عارض الطريق على امج ثم لقي الطريق بناحية فنزل في خيام أم معبد بنت الأشقر الخزاعية بأسفل ثنية لفت ثم على الحرار ثم على ثنية المرة ثم استبطن مديحة ثم محاح ثم بطن مرج محاح ثم مرج ذي القصوى ثم بطن كشد ثم الأجرد ثم ذا سلم ثم اعدا مديحه بعهن ثم أجاز القاحة ثم هبط العرج ثنية العامر عن يمين ركوبة ويقال بل ركوبة نفسها ثم بطن ديم حتى انتهى إلى بني عمرو بن عوف بظاهر قباء، فنزل عليهم على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث وكان سيد الحي، وقد اختلف في اليوم الذي نزل فيه، وعن نجيح بن أفلح مولى بني ضمرة، قال: سمعت بريدة بن الحصيب يخبر أنه بعث يسارًا غلامه مع النبي ﷺ وأبي بكر من الحدوات، قال: وهي موضع أسفل من ثنية هرشا، يدلهما على العابرين ركوبة، قال يسار: فخرجت حتى صعدت الثنية ورجزت به فقلت:
هذا أبو القاسم فاستقيمي ... تعرضي مدارجا وسومي
تعرض الجوزاء للنجوم
قال: فلما علوًا ظهر الظهيرة حضرت الصلاة، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة، فقام أبو بكر عن يمينه وقمت عن يمين أبي بكر ودخلني الإسلام، فدفع رسول الله ﷺ صدر أبي بكر فأخره وأخرني أبو بكر، فصففنا خلفه فصلينا ثم خرجنا حتى قدمنا المدينة بكرة وكان يوم الاثنين، ولقي رسول الله ﷺ الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة
стр. 953
بخروج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد أن طال انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم رقى رجل من اليهود أطما من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين١ فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم٢ الذي تنتظرونه، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن آمن برسول الله ﷺ يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك، ولما أقبل النبي ﷺ إلى المدينة كان مردفا لأبي بكر وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: أيا با بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك، فيقول: هذا الرجل الذي يهديني السبيل فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق وإنما يعني سبيل الخير، ولبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه، ثم ركب راحلته فصار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا٣ للتمر لسهيل وسهل؛ غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: "هذه إن شاء الله المنزل"، ثم دعا رسول الله ﷺ بالغلامين فساومهما بالمربد؛ ليتخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدًا.
وعن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة قال: لما نزل رسول الله ﷺ على كلثوم بن الهرم وصاح كلثوم بغلام له يا نجيح، فقال رسول الله ﷺ : "أنجحت يا أبا بكر"، وعن ابن عباس أقام رسول الله ﷺ بقباء يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وركب من قباء يوم الجمعة، فجمع في بني سالم فكانت أول جمعة جمعها في الإسلام، وكان يمر بدور الأنصار دارا دارا فيدعونه إلى المنزل والمواساة، فيقول لهم خيرا ويقول: "خلوها؛ فإنها مأمورة" حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، وكان المسلمون قد بنوا مسجدا يصلون فيه، فبركت ناقته ونزل، وجاء أبو أيوب الأنصاري فأخذ رحله وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فلما خرج رسول الله ﷺ من المسجد تعلقت به الأنصار فقال: "المرء مع رحله"، فنزل على أبي أيوب الأنصاري خالد بن يزيد بن كليب ومنزله في بني غنم بن النجار.
стр. 954
وعن أبي عمرو بن حجاش قال: اختار رسول الله ﷺ المنازل فنزل في منزله ومسجده، فأراد أن يتوسط الأنصار كلها فأحدقت به الأنصار.
وقال البراء بن عازب: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم كلثوم وكانا يقرئان الناس، ثم قدم عمار بن ياسر وبلال ثم قدم عمر بن الخطاب ثم قدم رسول الله ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقولون: قدم رسول الله ﷺ فينا، قدم، قالت عائشة ﵂: لما قدم رسول الله ﷺ بالمدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف نجدك ويا بلال كيف نجدك؟ فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
وكل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
قالت: وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته فيقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها، واجعلها بالجحفة. قال أهل السير: وأقام علي بن أبي طالب ﵁ بمكة ثلاث ليالٍ وأيامها حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﷺ فنزل معه على كلثوم بن الهرم، قالوا: ولم يبق بمكة من المهاجرين إلا من حبسه أهله أو فتنوه.
أنبأنا أبو القاسم الزاندواذي عن أبي علي المقري عن أبي نعيم الحافظ عن جعفر الخواص قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قول الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] ، قال: جعل الله مدخل صدق المدينة ومخرج صدق مكة وسلطانا نصيرا الأنصار.
стр. 955
الباب الرابع: في ذكر فضائلها وما جاء في ترابها
أخبرنا عبد الرحمن بن علي الحافظ في كتابه قال: حدثنا معمر بن عبد الواحد إملاء قال: أنبأنا شكر بن أحمد أنبأنا أبو سعيد الرازي الحافظ في كتابه قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثنا سليمان بن داود، حدثنا أبو غزية حدثنا عبد العزيز بن عمران عن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه قال:
стр. 956
قال رسول الله ﷺ : "غبار المدينة شفاء من الجذام" ١، أخبرتنا عفيفة الفارقانية في كتابها عن أبي نعيم الحافظ عن أبي محمد الخواص قال: أخبرنا أبو يزيد المخزومي حدثنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن محمد بن فضالة عن إبراهيم بن الجهنم: أن رسول الله ﷺ أتى بني الحارث فرآهم روبا، فقال: "ما لكم يا بني الحارث روبا؟ " قالوا: نعم يا رسول الله أصابتنا هذه الحمى، قال: "فأين أنتم من صعيب؟ " قالوا: يا رسول الله ما نصنع به؟ قال: "تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء ثم يتفل عليه أحدكم ويقول: باسم الله تراب أرضنا بريق بعضنا شفاء لمرضنا بإذن ربنا"، ففعلوا، فتركتهم الحمى٢.
قال أبو القاسم ظاهر بن يحيى العلوي: "صعيب" وادي بطحان دون الماجشونية وفيه حفرة مما يأخذ الناس منه، وهو اليوم إذا ربا إنسان أخذ منه، قلت: ورأيت هذه الحفرة اليوم والناس يأخذون منها، وذكروا أنهم جربوه فوجدوه صحيحا وأخذت أنا منه أيضا.
وحدثنا ابن زبالة عن إبراهيم بن الحارث عن أبي سلمة: أن رجلا أُتِيَ به رسول الله ﷺ وبرجله قرحة، فرفع رسول الله ﷺ طرف الحصير ثم وضع أصبعه التي تلي الإبهام على التراب بعد ما مسها بريقه فقال: "باسم الله ريق بعضنا بتربة أرضنا يشفي سقيمنا بإذن ربنا"، ثم وضع أصبعه على القرحة فكأنما حل من عقال٢.
ما جاء في ثمرها:
روى مسلم في الصحيح حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: "من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره شيء حتى يمسي" ٣، وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث سعيد أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: "من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر" ٤.
ما جاء في انقباض الإيمان إليها:
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال٥: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها"، قلت: أي ينقبض إليها.
стр. 957
ما جاء في دعاء النبي ﷺ لها بالبركة:
أنبأنا محمد بن علي الحافظ في كتابه قال: أنبأنا يحيى بن علي القرشي أنبأنا حيدرة بن علي الأنطاكي أنبأنا أبو محمد بن أبي نصر أنبأنا أحمد بن سليمان بن أيوب حدثنا عبد الرحمن بن عمرو حدثنا عبيد بن حسان حدثنا الليث بن سعد حدثني سعيد بن أبي سعيد عن عمرو بن سليم الزرقي عن عاصم بن عمرو عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص، فقال رسول الله ﷺ : "ائتوني بوضوء" فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال: "اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين" ١.
أنبأنا عبد الرحمن بن علي الفقيه قال: أخبرنا علي بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عزيز حدثني سلامة عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة"، أخرجاه في الصحيحين٢.
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: كان الناس إذا رأوا التمر جاءوا به إلى رسول الله ﷺ فإذا أخذه قال: "اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مديتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإنه دعاك لأهل مكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" ٣ قال: ثم يدعو أصغر وليد فيعطيه ذلك التمر.
ما جاء في الصبر على لأوائها وشدتها:
روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة" ٤.
أنبأنا أبو محمد الشافعي قال: أخبرنا محمد بن الخليل بن فارس حدثنا أبو القاسم بن أبي العلاء أنبأنا محمد بن عبد الله الدوري حدثنا محمد بن موسى بن إبراهيم بن فضال حدثنا أبو بكر محمد بن ريان بن حبيب أخبرنا محمد بن رمح، أنبأنا
стр. 958
الليث عن سعيد المقبري بن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة واستشاره في الجلاء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة فقال: ويحك لا آمرك بذلك؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصبر أحد على جهد المدينة ولأوائها ١ فيموت إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما" ٢.
ما جاء في ذم من رغب عنها:
خرج مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يأتي على الناس زمان يدعو الرجل لابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا خلف فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير يخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" ٣.
ما جاء في ذم من أخاف المدينة وأهلها:
أنبأنا أبو الفرج بن علي قال: أنبأنا عبد الوهاب الحافظ أنبأنا أبو الحسن العاصمي حدثنا أبو عمر مهدي حدثنا عثمان بن أحمد السماك حدثنا أحمد بن الخليل والحسن بن موسى قالا: حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن دينار حدثنا سالم بن عبد الله قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: اشتد الجهد بالمدينة وغلا السعر، فقال النبي ﷺ : "اصبروا يا أهل المدينة وأبشروا؛ فإني قد باركت على صاعكم ومدكم، كلوا جميعا ولا تفرقوا؛ فإن طعام الرجل يكفي الاثنين، فمن صبر على لأوائها وشدتها كنت له شفيعا وكنت له شهيدا يوم القيامة، ومن خرج عنها رغبة عما فيها أبدل الله فيها من هو خير منه، ومن بغاها أو كادها بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء" ٢.
أنبأنا أبو طاهر لاحق بن الصوفي أنبأنا أبو القاسم الكاتب أنبأنا أبو علي بن المذهب أنبأنا أبو بكر القطيعي أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا أنس بن عياض حدثني يزيد بن حصيفة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن عطاء بن يسار عن السائب بن خلاد أن رسول الله ﷺ قال: "من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" ٤.
стр. 959
أنبأنا أبو محمد الشافعي عن أبي محمد بن طاوس حدثنا سليمان بن إبراهيم حدثنا أبو عبد الله حدثنا حامد بن محمود حدثنا محمد مكي بن إبراهيم حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن عبد الله بن نسطاس عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلًا، ومن أخاف أهلها فقد أخاف ما بين هذين" ووضع يديه على جنبيه تحت ثدييه١.
وخرج البخاري في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يكيد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء" ٢.
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن في كتابه قال: أنبأنا أبو البركات ابن المبارك أنبأنا عاصم بن الحسن أنبأنا عبد الواحد بن محمد حدثنا السماك حدثنا إسحاق بن يعقوب حدثنا محمد بن عبادة حدثنا أبو ضمرة عن عبد السلام بن أبي الجنوب عن عمرو بن عبيد عن الحسن عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "المدينة مهاجري، فيها مضجعي، وفيها مبعثي، حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، من حفظهم كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سقي من طينة الخبال"، قيل للمزني: ما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار.
ما جاء في منع الطاعون والدجال من دخولها ٣:
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال" ٤.
وفيهما من حديث أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق".
وأخرج البخاري في من حديث أبي بكر عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب في كل باب ملك".
стр. 960
ذكر ما يؤول إليه أمرها:
أنبأنا القاسم بن علي قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن أنبأنا سهل بن بشر بن محمد بن الحسن بن أبي طاهر حدثنا جعفر بن محمد الغيرياني، حدثنا هشام بن عمار أنبأنا يحيى بن حمزة الزبيدي حدثنا الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لتتركنَّ المدينة على خير ما كانت مدلاة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي -يريد عوافي السباع والطير- وآخر من يحشر منها راعيان من مزينة يردان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوهما" ١. أخرجه البخاري في صحيحه.
تضعيف الأعمال بها:
أخبرنا عبد العزيز بن محمود الأخصر قال: أخبرنا عبد الأول بن عيسى بن شعيب الشجري قال: أخبرنا محمد بن عبد العزيز الفارسي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، حدثنا ابن صاعد، حدثنا هارون بن موسى، حدثنا عمر بن أبي بكر الموصلي عن القاسم بن عبد الله عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها" ٢.
وبالإسناد عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : "صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف شهر فيما سواها" ٣.
فضيلة الموت بها:
أنبأنا عبد الرحمن بن علي قال: أنبأنا يحيى بن علي بن الطماح، أنبأنا محمد بن أحمد العدل، حدثنا محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا الصلت بن مسعود، حدثنا سفيان بن موسى، حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإن من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة" ٤.
стр. 961
الباب الخامس: في ذكر تحريم النبي للمدينة وحدود حرمها
في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم عن النبي ﷺ أنه قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة" ١.
وذكر أبو داود السجستاني في السنن من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أنشدها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال ولا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يعلف ٢ رجل بعيره".
وفي الصحيحين عن علي أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" ٣.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: عير وثور جبلان وأهل المدينة لا يعرفون بها جبلًا يقال له ثور إنما ثور بمكة. فترى أن الحديث أصله ما بين عير إلى أحد.
قلت: بل يعرف أهل المدينة جبل ثور وهو جبل صغير وراء أحد ولا ينكرونه. وفي السنن لأبي داود من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من المدينة بريدا بريدا لا يخبط شجرها ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل. وفيها أن سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا تصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﷺ فسلبه ثيابه، فجاءوا إليه فكلموه فيه فقال: "إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم، وقال: "من أخذ الصيد فيه فليسلبه ثيابه" فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه.
وفيها عن جابر بن عبد الله أنه قال: لا يخبط شجرها ولا يعضد ولكن يهش هشًّا رفيقًا.
أخبرنا يحيى بن أبي الفضل الفقيه، أخبرنا عبد الله بن رفاعة، أنبأنا علي بن الحسن الشافعي؛ أخبرنا شعيب بن عبد الله، حدثنا أحمد بن الحسن الرازي، حدثنا أبو الزنباع، حدثنا عمر بن خالد، حدثنا بكر بن مضر عن أبي الهاد عن أبي بكر بن محمد
стр. 962
عن عبد الله بن عمرو عن رافع بن خديج أنه سمع رسول الله ﷺ يقول؛ وذكر مكة، فقال: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها -يريد المدينة"، وفي صحيح البخاري في حديث الهجرة أن النبي ﷺ قال للمسلمين: "إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان".
أنبأنا القاسم بن علي، قال: أنبأنا محمد بن إبراهيم، أنبأنا سهل بن بشر، أنبأنا علي بن منير، أنبأنا الذهلي، أنبأنا موسى بن هارون، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، حدثني أبو بكر بن النعمان بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده عن كعب بن مالك قال: حرم رسول الله ﷺ الشجر بالمدينة بريدا في بريد، وأرسلني، فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش وعلى مشيرف وعلى أشراف المجتهر وعلى يتم١.
قلت: واختلف العلماء في صيد حرم المدينة وشجره فقال مالك والشافعي وأحمد: إنه محرم. وقال أبو حنيفة: ليس بمحرم واختلفت الرواية عن أحمد هل يضمن صيدها وشجرها بالجزاء؛ فروي عنه أنه لا جزاء فيه وبه قال مالك، وروي أنه يضمن وللشافعي قولان كالروايتين، وإذا قلنا بضمانه فجزاؤه سلب القاتل بتملكه الذي يسلبه، ومن أدخل إليها صيدًا لم يجب عليه رفع يديه عنه ويجوز له ذبحه وأكله، ويجوز أن يؤخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للرحل والوسائد ومن حشيشها ما يحتاج إليه للعلف بخلاف مكة.
стр. 963
الباب السادس: في ذكر وادي العقيق وفضله
روى البخاري في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أتاني ١ الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة".
وكان عبد الله بن عمر ينيخ بالوادي يتحرى معرس رسول الله ﷺ ويقول: هو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي بينه وبين الطريق وسط من ذلك.
أنبأنا يحيى بن أسعد الخباز قال: كُتب إلى أبي علي المقري، عن أحمد بن عبد الله الأصفهاني قال: أنبأنا جعفر بن محمد الزاهد إجازة قال: أنبأنا أبو يزيد
стр. 964
المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن عن عمر بن عثمان بن عمر، حدثنا موسى عن أيوب بن سلمة، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: ركب رسول الله ﷺ إلى العقيق ثم رجع فقال: "يا عائشة، جئنا من هذا العقيق فما ألين موطئه وأعذب ماءه"، قالت: يا رسول الله، أفلا ننقل إليه؟ فقال: "كيف وقد ابتنى الناس؟ "
قالت: ووجد على قبر آدمي عند حمى أم خالد بالعقيق١ حجر مكتوب: "أنا عبد الله رسول الله سليمان بن داود إلى أهل يثرب"، ووجد حجر آخر على قبر آدمي أيضا عليه مكتوب: "أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله عيسى ابن مريم إلى أهل هذه القرية"، قلت: وابتنى بعض الصحابة بالعقيق ونزلوه، وكذلك جماعة من التابعين ومن بعدهم، وكانت فيه القصور المشيدة والآبار٢ العذبة.
ولأهلها أخبار مستحسنة في الكتاب وأشعار رائقة، ولما بنى عروة بن الزبير قصره بالعقيق ونزله قيل له: جفوت عن مسجد رسول الله ﷺ ؛ فقال: إني رأيت مساجدهم لاهية، وأسواقهم لاغية، والفاحشة في فجاجهم عالية، فكان بعدي مما هنالك عافية.
قال أهل السير: كانت بنو أمية تجري في الديوان رزقا على من يقوم على حوض مروان بن الحكم بالعقيق في مصلحته وفيما يصلح بئر المغيرة من علقها ودلائها. قالوا: ومر هشام بن عبد الملك٣ وهو يريد المدينة بجرر هشام بن إسماعيل بالرابغ، فقيل له: يا أمير المؤمنين، هذه جرر جدك هشام، فأمر بإصلاحها وما يقيمها من بيت المال فكانت توضع هناك جرار أربع يسقى منهن الناس.
قالوا: وولى رسول الله ﷺ العقيق لرجل اسمه هيضم المزني، ولم تزل الولاة على المدينة يولون واليا من عهد النبي ﷺ حتى كان زمان داود بن عيسى٤ فتركه في سنة ثمانٍ وتسعين ومائة.
قالوا: ومات سعيد بن زيد بن أبي وقاص وهما من العشرة بالعقيق، وحملا إلى المدينة فدفنَّا بها، قلت: ووادي العقيق اليوم ليس به ساكن وفيه بقايا بنيان خراب وآثار تجد النفس برؤيتها أنسا كما قال أبو تمام:
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب
ما ربع مية معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب٥
стр. 965
الباب السابع: في ذكر آبار المدينة وفضلها
اعلم أنه قد نقل أهل السير أسماء آبار بالمدينة شرب منها النبي ﷺ وبصق فيها إلا أن أكثرها لا يعرف اليوم فلا حاجة في ذكرها، ونحن نذكر الآبار التي هي اليوم موجودة معروفة على ما يذكر أهل المدينة والعهدة عليهم في ذلك، ونذكر ما جاء في فضلها.
فأول ذلك بئر حا ١:
روى البخاري في الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصار المدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئر حا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، وإن أحب أموالي إلي بئر حا وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : "بخ بخ ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: أَفعَلُ يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
قلت: وهذه البئر اليوم وسط حديثة صغيرة جدا وعندها نخلات ويزرع حولها، وعندها بيت مبني على علو من الأرض وهي قريبة من سور المدينة وهي ملك لبعض أهل المدينة وماؤها عذب حلو، وذرعتها فكان طولها عشرة أذرع ونصف ماء، والباقي بنيان، وعرضها ثلاثة أذرع وشبر، وهي مقابلة المسجد كما ذكرت في الحديث.
ثم بئر أريس:
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري أنه توضَّأ في بيته ثم خرج فقال: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: خرج وجه ههنا، فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس٢، قال: فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قُفَّها٣ وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر،
стр. 966
قال: فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر الصديق ﵁ فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة"، قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، قال: فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف، ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا -يريد أخاه- يأتِ به فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فجئت عمر فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة، قال: فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا -يعني أخاه- يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان فقلت: على رسلك قال: وجئت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه"، قال: فجئت وقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك، قال: فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس وجاههم من الشق الآخر.
وقد أخرج البخاري في صحيحه هذا الحديث فزاد فيه ألفاظا ونقص، وقال: فدخل عثمان فلم يجد معهم مجلسا، فتحول حتى جاء مقابلهم عن شقة البئر فكشف عن ساقيه ثم دلاهما في البئر؛ وقال البخاري: قال سعيد بن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت ههنا وانفرد عثمان.
وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتما من ورق، أي فضة، وكان في يده ثم كان في يد أبي بكر ثم كان بعد في يد عمر ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس.
وروى البخاري في الصحيح من حديث أنس قال: كان خاتم النبي ﷺ في يده وفي يد أبي بكر وبعده وفي يد عمر بعد أبي بكر فلما كان عثمان جلس على بئر أريس فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر فلم نجده.
قلت: وهذه البئر مقابلة مسجد قباء وعندها مزارع ويستقى منها، وماؤها عذب، وذرعتها فكان طولها أربعة عشر ذراعا وشبرا، منها ذراعان ونصف ماء، وعرضها خمسة أذرع وطول قُفِّها الذي جلس عليه النبي ﷺ ، وصاحباه ثلاثة أذرع تشف كفًّا، والبئر تحت أطم عالٍ خراب من حجارة.
стр. 967
ثم بئر بضاعة:
روى أبو داود في السنن من حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له: إنه يسقى لك من بئر بضاعة١ وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعذر الناس، فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" ٢.
أنبأنا أبو القاسم الصموت عن الحسن بن أحمد بن عبد الله عن جعفر بن محمد، قال: أنبأنا أبو يزيد المخزومي حدثنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن حاتم بن إسماعيل عن محمد بن أبي يحيى عن أمه قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة فقال: لو أني سقيتكن من بئر بضاعة لكرهتن ذلك، وقد -والله- سقيت رسول الله ﷺ بيدي منها.
وحدثنا محمد بن الحسن عن عبد المهمين بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ بصق في بئر بضاعة، وحدثنا محمد بن الحسن عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن مالك بن حمزة بن أبي السيد عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ دعا لبئر بضاعة، قال أبو داود السجستاني في السنن: سمعت -والله- قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص قال: دون العورة، قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤه عما كان عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماءً متغير اللون. قلت: وهذه البئر اليوم في بستان وماؤها عذب طيب ولونه صافٍ أبيض، وريحه كذلك ويستقي منها كثيرا، وذرعتها فكان طولها أحد عشر ذراعا وشبرا، منها: ذراعان راجحة ماء والباقي بناء وعرضها ستة أذرع كما ذكر أبو داود في السنن.
ثم بئر غرس:
أخبرنا يحيى بن أسعد بخطه قال: أنبأنا أبو علي الحداد عن أبي نعيم الأصبهاني قال: كُتِب إلى أبي محمد الخواص أن محمد بن عبد الرحمن أخبره قال: أخبرنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد عن سعيد بن عبد الرحمن بن قيس، قال: جاءنا أنس بن مالك بقباء فقال: أين بئركم هذه؟ يعني بئر غرس٣ فدللناه
стр. 968
عليها قال: رأيت النبي ﷺ جاءها بسحر، فدعا بدلو من مائه فتوضأ منه ثم سكبه فيها فما نزفت بعد.
وحدثنا محمد بن الحسن عن القاسم بن محمد عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة"، فأصبح على بئر غرس، فتوضأ منها، وبصق فيها، وغسل منها حين توفي ﷺ ".
وحدثنا محمد بن الحسن عن سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: غسل رسول الله ﷺ من بئر يقال لها غرس، وكان يشرب منها.
قلت: وهذه البئر بينهما وبين مسجد قباء نحو نصف ميل، وهي في وسط الشجر وقد خربها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر إلا أنه عذب طيب وريحه الغالب عليه الأجون١، وذرعتها فكان طولها سبعة أذرع شافة، منها ذراعان ماء، وعرضها عشرة أذرع.
ثم بئر البصة:
أنبأنا ذاكر الحذاء عن الحسن بن أحمد الأصبهاني عن أحمد بن عبد الله الحافظ عن جعفر بن محمد قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن حدثنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن محمد بن موسى عن سعيد بن أبي زيد عن ابن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يأتي الشهداء وأبناءهم ويتعاهد عيالهم، قال: فجاء يوما أبا سعيد الخدري، فقال: "هل عندك من سدر أغسل به رأسي؛ فإن اليوم الجمعة". قال: نعم، فأخرج له سدرًا وخرج معه إلى البصة، فغسل رسول الله ﷺ رأسه وصب غسالة رأسه ومزاقة شعره في البصة.
قلت: وهذه البئر قريبة من البقيع على طريق المارِّ إلى قباء وهي بين نخل، وقد هدمها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر ووقفت على قفها وذرعت طولها فكان أحد عشر ذراعا منها ذراعان ماء، وعرضها تسعة أذرع وهي مبنية بالحجارة ولون مائها إذا انفصل منها أبيض وطعمه حلو إلا أن الأجون غلب عليه، وذكر لي الثقة أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمها السيل.
ثم بئر رومة:
روى أهل السير: أن تُبَّعًا لما قدم المدينة نزل بقباء واحتفر البئر الذي يقال لها: بئر الملك، وبه سميت، فاستوبئ ماؤها، فدخلت عليه امرأة من بني زريق من اليهود اسمها
стр. 969
فكيهة، فشكا إليها وباء بئره، فانطلقت فأخذت حمارين واستقت له من ماء رومة١ ثم جاءته فشربه، فقال: زيدينا من هذا الماء.
وكتبت إلي عفيفة الأصبهانية أن أبا علي الحداد أخبرها بخطه عن أبي نعيم قال: كتب إلى جعفر الملدي أن أبا يزيد المخزومي أخبره عن الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن عن محمد بن طلحة عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة أن رسول الله ﷺ قال: "نعم الحفيرة حفيرة المدني"؛ يعني رومة، فلما سمع بذلك عثمان بن عفان ابتاع نصفها بمائة بكرة، وتصدق بها فجعل الناس يستقون منها فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها باع من عثمان النصف الثاني بشيء يسير فتصدق بها كلها.
وروى البخاري في الصحيح من حديث أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر رومة فله الجنة؟ " فحفرتها، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة؟ " فجهزتهم، قال: فصدقوه.
قلت: وهذه البئر اليوم بعيدة عن المدينة جدًّا في براح واسع من الأرض وطيء، وعندها بناء من حجارة خراب قيل إنه كان ديرا ليهود والله أعلم، وحولها مزارع وآبار وأرضها رملة، وقد انتقضت خرزتها وأعلامها إلا أنها بئر مليحة جدًّا مبنية بالحجارة الموجهة، وذرعتها فكان طولها ثمانية عشر ذراعا، منها ذراعان ماء وباقيها مطموم بالرمل الذي تسفيه الرياح فيها، وعرضها ثمانية أذرع وماؤها صاف وطمه حلو إلا أن الأجون غلب عليه، قلت: واعلم أن هذه الآبار قد يزيد وماؤها في الأزمان عما ذكرنا وقد ينقص وربما بقي منها ما كان مطموما٢.
стр. 970
ذكر عين النبي ﷺ :
أنبأنا يحيى بن أسعد عن الحسن بن أحمد عن أبي نعيم عن جعفر بن محمد حدثنا محمد بن عبد الرحمن حدثنا الزبير حدثنا محمد بن الحسن عن موسى بن إبراهيم بن بشير عن طلحة بن خراش قال: كانوا أيام الخندق يخرجون برسول الله ﷺ ويخافون البيات، فيدخلون به كهف بني حرام فيبين فيه حتى إذا أصبح هبط، قال: ونقر رسول الله ﷺ في العينية التي عند الكهف فلم تزل تجري حتى اليوم، قلت: وهذه العين في ظاهر المدينة وعليها بناء وهي مقابلة المصلى.
стр. 971
الباب الثامن: في ذكر جبل أحد وفضله وفضل الشهداء به
روى البخاري في الصحيح من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه، قال أبو عمر بن عبد البر: في معنى هذا الحديث يحتمل أن الله خلق فيه الروح، فأحب النبي ﷺ ، وقيل: يحمل على المجاز. أخبرنا أبو غالب محمد بن المبارك الكاتب وعبد العزيز بن أحمد الناقد قالا: أنبأنا محمد بن عمر الفقيه أنبأنا جابر بن ياسين أنبأنا عمر بن أحمد المقري حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثنا إسحاق حدثنا عبد الله بن جعفر حدثني أبو حازم عن سهل قال: قال رسول الله ﷺ : "أُحُد ركنٌ من أركان الجنة"١.
وكتب إلى أبي محمد بن أبي القاسم الحافظ أن عبد الرحمن بن أبي الحسن أخبره قال: أنبأنا سهل بن بشر أنبأنا أبو الحسن بن منير أنبأنا أبو طاهر محمد بن عبد الله الذهلي حدثنا موسى بن هارون حدثنا يعقوب حدثنا عبد العزيز بن محمد عن طلحة بن خراش بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك قال: قال رسول الله ﷺ : "خرج موسى وهارون ﵉ حاجَّيْن أو معتمرين، فلما كانا بالمدينة مرض هارون فثقل، فخاف عليه موسى اليهود، فدخل به أُحُدًا فمات فدفنه فيه"٢.
وروي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لما تجلى الله تعالى لجبل طور سينا تشظى منه ست شظايا فنزلت مكة، فكان: حراء وثبير وثور، وبالمدينة: أحد وورقان وعير"، قلت: فأحد معروف وعير مقابله والمدينة بينهما وورقان عند شعب علي ﵁.
قلت: وكانت قريش قد جاءت من مكة لحرب النبي ﷺ ولقوه في يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة عند جبل أحد، وكان بينهم من القتال ما أكرم
стр. 972
الله به من أكرم من المسلمين بالشهادة بين يدي رسول الله ﷺ وخلص العدو إلى رسول الله ﷺ ، فذب بالحجارة حتى وقع لشقه فانكسرت رباعيته وشج في وجهه وكُلِمَتْ شفته، وكان ذلك كرامة له ﷺ ، ولأصحابه الذين استشهدوا بين يديه وكانوا سبعين رجلا: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، فهؤلاء الأربعة من المهاجرين، ومن الأنصار: عمر بن معاذ بن النعمان، والحارث بن أنس بن رافع، وعمارة بن زياد بن السكن، وسلمة بن ثابت بن قيس، وعمرو بن ثابت بن وقش، وأبو قيس ثابت، ورفاعة بن وقش، وحسيل بن ثابت، وهو اليمان أبو حذيفة، وصيفي بن قبطي، وعباد بن سهل، وخباب بن قبطي، والحارث بن أوس بن هانئ، وإياس بن أوس بن عتيك، وعبيد بن التيهان، ويقال: عتيك وحبيب بن زيد بن قتم، وزيد بن حاطب بن أمية بن رافع، وأبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد، وأنيس بن قتادة، وحنظلة بن أبي عامر بن صيفي، وأبو حبة بن عمرو بن ثابت أخو سعيد بن حثمة لأمه، وعبيد الله بن جبير بن النعمان، وخيثمة أبو سعد بن خيثمة، وعبد الله بن سلمة، وسبيع بن حاطب بن الحارث، وعمرو بن قيس بن زيد وابنه قيس، وثابت بن عمرو بن زيد، وعامر بن مخلد، وأبو هبيرة بن الحارث بن علقمة، وعمرو بن مطرف بن علقمة، وأوس بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت، وأنس بن النضر، وقيس بن مجلد، وكيسان عبد لبني النجار، وسليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو، وخارجة بن زيد، وسعد بن الربيع، وأنس بن الأرقم بن زيد، ومالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري، وسعيد بن سويد بن قيس وعتبة بن ربيع بن رافع، وثعلبة بن سعد بن مالك، وثقيف بن قرة، وعبد الله بن عمرو بن وهب، وضمرة حليف لبني طريف من جهينة، ونوفل بن عبد الله، وعباس بن عبادة، ونعمان بن مالك بن ثعلبة، والمجذر بن زياد، وعبادة بن الحسحاس، ورفاعة بن عمرو وعبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح، وابنه خلاد، وأبو أيمن مولاه وعنترة بن عمرو بن حديدة ومولاة عنيزة، وسهل بن قيس بن أبي كعب، وذكوان بن عبد قيس وعبيد بن المعلى بن لوذان ومالك بن نميلة، والحارث بن عدي بن خرشة، ومالك بن إياس، وإياس بن عدي، وعمرو بن إياس.
فهؤلاء الذين استشهدوا بين يديه ﷺ وقاتلوا وقتلوا ﵃ وأرضاهم أجمعين:
فأما حمزة ﵁ فإن النبي ﷺ وقف عليه، وقد مثل به جدع أنفه وأذناه وبقر بطنه عن كبده؛ فقال ﷺ : "لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت موقفا قط أغيظ لي من هذا"، ثم قال: "جاءني جبريل وأخبرني أن حمزة مكتوب في السموات السبع: حمزة بن
стр. 973
عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله"؛ فأقبلت صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة لأبيه ولأمه؛ فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير بن العوام: "القها فأرجِعْها لا ترى ما بأخيها"؛ فقال: يا أمه؛ رسول الله يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنه مُثِّل بأخي وذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فجاء الزبير، فأخبره بذلك، فقال: "خل سبيلها"، فأتته، فنظرت إليه، وصلت عليه، واسترجعت واستغفرت له، فأمر به النبي ﷺ فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر عليه سبعين ودفنه، ولما رجع إلى المدينة سمع البكاء والنواح على القتلى، فذرفت عيناه ﷺ وبكى؛ ثم قال: "لكن حمزة لا بواكي له"، فجاء نساء بني عبد الأشهل لما سمعوا ذلك، فبكين على عم رسول الله ﷺ ونحن على باب المسجد؛ فلما سمعهن خرج إليهن فقال: "ارجعن يرحمكن الله؛ فقد آسيتن بأنفسكن".
وأما عمر بن زياد بن السكن فإنه قاتل حتى أثبتته الجراحة؛ فقال رسول الله ﷺ : "أدنوه مني"، فأدنوه منه، فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله ﷺ ورضي عنه.
وأما عمرو بن ثابت بن وقش فإنه كان يأبى الإسلام فلما كان يوم أحدا بدا له في الإسلام فأسلم وأخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض المسلمين فقاتل حتى أثبتته الجراحة فرآه المسلمون بين القتلى، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو أحرب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام آمنت بالله ورسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابني ما أصابني ثم مات في أيديهم فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: "إنه لمن أهل الجنة"، وكان أبو هريرة يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصل قط، فإذا لم تعرفه الناس قال: هو عمرو بن ثابت.
وأما أبو ثابت بن وقش والحسيل وهو اليمان أبو حذيفة فإنهما كانا شيخين كبيرين ارتفعا في الآطام مع النساء والصبيان لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد، فقال أحدهما لصاحبه: لا أبا لك ما تنتظر؟ فوالله إنما نحن عامة اليوم أو غد أفلا نحني أسيافنا ونلحق برسول الله ﷺ لعل الله يزرقنا الشهادة معه؟ فأخذا أسيافهما وخرجا حتى دخلا في الناس فقاتلا حتى قتلا.
وأما حنظلة ابن أبي عامر فإنه لما قتله المشركون قال رسول الله ﷺ : "إن صاحبكم لتغسله الملائكة فسألوا أهله: ما شأنه؟ " فسئلت صاحبته عنه فقالت: خرج وهو جنب حين سمع النداء، فقال رسول الله ﷺ : "لذلك غسلته الملائكة".
وأما أنس بن النضر فإنه جاء إلى المهاجرين والأنصار وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟، قالوا: قتل رسول الله ﷺ وكان الشيطان قد نادي بذلك، وفقده المسلمون؛ لاختلاطهم فلم يعرفوه فقال لهم أنس: فما تصنعون بالحياة بعده؛ قوموا فموتوا على ما
стр. 974
مات عليه ثم قال: إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فاستقبل المشركين وقاتل حتى قتل، ولما وجدوه في القتلى ما عرفوه حتى عرفته أخته بشامة أو بنانة وفيه بضع وثمانون طعنة وضربة ورمية بسهم.
وأما سعد بن الربيع فإن النبي ﷺ قال: "هل من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع في الأحياء هو أم الأموات؟ " فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق قال: فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم الأموات، قال: أنا في الأموات، فبلغ رسول الله ﷺ عني السلام، وقل: إن سعد بن الربيع يقول له: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، قال: لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته.
وأما عبد الله بن عمرو بن حرام فإنه روى البخاري في الصحيح أن ابنه جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي ﷺ ينهوني، فقال النبي ﷺ : "لا تبكه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه".
وأما عمرو بن الجموح فإنه كان أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا: إن الله قد عذرك، فأتى النبي ﷺ فقال: إني بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه؛ فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك"، وقال لبنيه: "ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة"، فخرج معه فقتل بأحد، وروى البخاري في الصحيح أن رجلًا قال للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت أين أنا؟ قال: "في الجنة" فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل، وروى البخاري أيضا من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يجمع بني الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن" فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى، اللون لون دم والريح ريح مسك"، وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "أريت في رؤياي أني هززت سيفي فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء الله به يوم الفتح واجتماع المؤمنين"، قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ من القرآن في يوم أحد ستين آية، من آل عمران فيها صفة
стр. 975
ما كان من يومهم ذلك، وهي من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٢١-١٧٩] إلى آخر الآية.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "لما أصيب أخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأتي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا يلتووا عن الحرب، فقال الله ﵎: فأنا أبلغهم"، فأنزل الله على رسوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] ... الآيات.
وروى البخاري في الصحيح عن عقبة بن عامر: قام رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر، فقال: "إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها"، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ .
وروى أبو داود في سننه من حديث طلحة بن عبيد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نريد قبور الشهداء حتى إذا أشرفنا على حرة واقم١ فلما تدلينا منها فإذا قبور، فقلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال: "قبور أصحابنا"، فلما جئنا قبور الشهداء قال: "هذه قبور إخواننا".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أحد: "هؤلاء شهداء؛ فأتوهم وسلموا عليهم ولن يسلم عليهم أحد ما قامت السموات والأرض إلا ردوا عليه".
وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تختلف بين اليومين والثلاثة إلى قبور الشهداء بأحد، فتصلي هناك وتدعو وتبكي حتى ماتت ﵂.
وروى العطاف بن خالد قال: حدثتني خالة لي وكانت من العوابد قالت: ركبت يوما حتى جئت قبر حمزة بن عبد المطلب ﵁، فصليت ما شاء الله، والله ما في الوادي داعٍ ولا مجيب وغلامي آخذ برأس دابتي، فلما فرغت من صلاتي قمت فقلت: السلام عليكم، وأشرت بيدي فسمعت رد السلام من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله سبحانه خلقني، فاقشعر جلدي وكل شعرة مني، فدعوت الغلام وركبت.
стр. 976
وروى مالك في الموطأ أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كان السيل قد حفر قبرهما، وكانا في قبر واحد، وهما ممن استشهدوا يوم أحد، فحفر عنهما؛ لينقلا من مكانهما فوجدا كأنهما ماتا بالأمس، فكان أحدهما قد جرح موضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم الحفر عنهما ست وأربعون سنة.
قلت: وقبور الشهداء اليوم لا يعرف منها إلا قبر حمزة ﵁؛ فإنه قد بنت عليه أم الخليفة الناصر لدين الله ﵀ مشهدا كبيرا١، وجعلت عليه بابا من ساج منقوش وحوله حصا، وعلى المشهد باب من حديد يفتح في كل يوم خميس وقريب منه مسجد يذكر أهل المدينة أنه موضع مقتله والله أعلم بصحة ذلك٢.
وأما بقية الشهداء فهناك حجارة موضوعة يذكر أنها قبورهم، وفي أحد غار يذكرون أنه صلى فيه، وموضع في الجبل أيضا منقوب في صخرة منه على قدر رأس الإنسان، يذكرون أنه ﷺ قعد وأدخل رأسه هناك كل هذا لم يرد به نقل فلا يعتمد عليه.
стр. 977
الباب التاسع: في ذكر إجلاء النبي ﷺ بني النضير من المدينة
كان النبي ﷺ قد عقد حلفا بين بني النضير من اليهود وبين بني عامر، فعدا رجل من بني النضير على رجلين من بني عامر فقتلهما. فجاء النبي ﷺ إلى بني النضير يستعين في دية ذينك القتيلين، فقالوا له: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، وكان رسول الله ﷺ قاعدا إلى جنب جدار من بيوتهم، فمُرُوا رجلًا يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه، وانتدب لذلك أحدهم فصعد؛ ليلقي عليه صخرة، ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة وأخبر أصحابه بما كانت اليهود همَّت به، وأمرهم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم، وسار حتى نزل بهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها، وكان رهط من الخزرج من المنافقين قد بعثوا إلى بني إسرائيل أن اثبتوا وتمنعوا؛ فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك منهم فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم
стр. 978
الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل يهدم بيته ويأخذ بابه فيضعه على البعير وينطلق به، واستقلوا بالنساء والأبناء والأموال معهم، والدفوف والمزامير والقيان تعزف خلفهم، وخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ فقسمهما على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرًا، فأعطاهما رسول الله ﷺ من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاه. فأنزل الله في بني النضير سورة الحشر بأسرها يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته وما سلط عليهم به رسوله وما عمل فيهم.
стр. 979
الباب العاشر: حفر النبي ﷺ الخندق حول المدينة
كان نفر من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله ﷺ قد خرجوا، فقدموا مكة على قريش، فدعوهم إلى حرب النبي، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فسرهم ذلك واتعدوا له وتجمعوا، ثم جاءوا غطفان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وأنهم معهم وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك وخرجت قريش وغطفان بمن جمعوا معهم فلما سمع رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة يعمل فيه رسول الله ﷺ والمسلمون معه ودأبوا فيه.
روى البخاري في الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك فلما رأى ما بهم من النصب قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة"
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا١
وروى أيضا من حديث البراء بن عازب قال: كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبرَّ بطنه، ويقول:
والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الألى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا، ويرفع بها صوته: أبينا أبينا.
стр. 980
قال ابن إسحاق: وحكت ابنة بشير بن سعد قالت: دعتني أمي فأعطتني حفنة من تمر في ثوب ثم قالت: اذهبي إلى أبيك وخالك بغدائهما، قالت: فأخذتها، فانطلقت بها، فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي فقال: "تعالي يا بنية ما هذا معك؟ ". قالت: قلت: يا رسول الله، هذا بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة؛ يتغديانه، قال: "هاتيه". قالت: فصببته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأتهما ثم أمر بثوب، فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: "اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء"، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
وروى جابر بن عبد الله أن صخرة اشتدت عليهم، فشكوها إلى رسول الله ﷺ فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح ذلك على تلك الصخرة، فانهالت حتى عادت كالكثيب ما ردت فأسا ولا مسحاة.
ولم يزل المسلمون يعملون فيه وينقلون التراب على أكتافهم حتى فرغوا منه وأحكموه، وأقبلت قريش ومن تبعها في عشرة آلاف حين نزلت بمجتمع السيول من رومة، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد، وخرج رسول الله في ثلاثة آلاف حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، وضرب عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام، وخرج حيي بن أحطب النضري حتى أتى قريظة في دارها، وسألهم أن يكونوا معهم على حرب رسول الله؛ فذكروا أن بينهم وبينه عقدا وحلفا، فلم يزل بهم حتى نقضوه وأجابوه إلى حرب محمد ﷺ ، فبعث سعد بن معاذ وجماعة معه إليهم؛ لينظروا صحة ذلك، فأتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم، فنالوا من رسول الله ﷺ وقالوا: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد وشاتموه، ثم أقبل بمن معه إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وآتاهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، فأقام رسول الله ﷺ وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلا النبل والرمي والحصار إلا فوارس من قريش فإنهم قاتلوا فقتلوا وقتلوا، ولما وقفوا على الخندق قالوا: إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها؛ ويقال: إن سلمان أشار به على النبي ﷺ ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع أكحله فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه؛ اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. واستشهد يومئذ من المسلمين ستة نفر من الأنصار منهم
стр. 981
أنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عنمة، وكعب بن زيد أصابه سهم فقتله، وسعد بن معاذ عاش حتى قتل النبي ﷺ بني قريظة بحكمه، واستجاب دعاءه، ثم قبض شهيدا، وسيأتي ذكر وفاته، وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشدة؛ لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى هدى الله نعيم بن مسعود أحد غطفان للإسلام؛ لإنفاذ أمره سبحانه في نصر نبيه وإقامة دينه؛ فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة"، فخرج حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديمًا في الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، ولا تقدرون على أن تحولوا عنه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم؛ فإن رأوا نهزة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا منهم أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، قالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن اليهود قد ندموا على ما صنعوه فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ من القبيلتين قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي حتى تستأصلهم، فأرسل إليهم: نعم، فإن بعثت إليكم يهود تطلب منكم رجلا واحدا فلا تدفعوه، ثم خرج فأتى غطفان فقال لهم مثل ما قال لقريش، فأرسلت قريش إلى يهود أن اغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، فقالوا: لسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فقالت قريش وغطفان: إن الذي حدثكم نعيم لحق، ثم أرسلوا إلى قريظة إنا لن ندفع إليكم أحدا؛ فإن أردتم أن تقاتلوا فقاتلوا، فقالت قريظة: إن الذي قال لكم نعيم لحق، وخذل الله بينهم وبعث عليهم الريح في ليالٍ باردة شديدة البرد، فجعلت تكفئ قدورهم وتطرح أبنيتهم، فرجعوا إلى بلادهم وكان مجيئهم وذهابهم في شوال سنة خمس من الهجرة.
قلت: والخندق اليوم باقٍ وفيه قناة تأتي من عين بقباء إلى النخل الذي بأسفل المدينة بالسيح حوالي مسجد الفتح وفي الخندق نخل قد انطم أكثره وتهدمت حيطانه.
стр. 982
الباب الحادي عشر: في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة
قال ابن إسحاق: ولما انصرف رسول الله ﷺ من الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح أتى جبريل رسول الله ﷺ معتمًّا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوَقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: "نعم" فقال: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة؛ فإني عامد إليهم فمزلزل بهم، فأذَّن رسول الله ﷺ في الناس: من كان سامعا ومطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة، وأقبل رسول الله ﷺ والمسلمون، فمر بنفر من أصحابه فقال: هل مر بكم أحد فقالوا: مر بنا دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم"، وأتاهم رسول الله ﷺ والمسلمون ونزل عليهم، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فتواثبت الأوس، وقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج فهبهم لنا، فقال: "ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منهم"، قالوا: بلى، قال: "فذلك إلى سعد بن معاذ"، وكان سعد في خيمة في المسجد يداوى جرحه، فأتاه الأوس، فأركبوه، وأتوا به رسول الله ﷺ فقال: أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري، فقال ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ١ "، ثم استنزلوا بني قريظة من حصونهم، فحبسوا بالمدينة في دار امرأة من بني النجار، ثم خرج ﷺ إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم، فجيء بهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، وكانوا سبعمائة وفيهم حيي بن أخطب النضري الذي حرضهم على نقض العهد وعلى محاربة النبي ﷺ ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة؛ فإنها كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد من الحصن، فقتلته، فقتلها النبي ﷺ وكان النبي قد قتل منهم كل من أنبت، ومن لم ينبت استحياه ثم قسم الرسول أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأنزل الله في بني قريظة وأمر الخندق الآيات من سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [٩-٢٧] الآية.
ولما فرغ ﷺ من شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، فمات منه شهيدًا، وروي أن جبريل أتى النبي ﷺ في جوف الليل فقال: يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ فقام ﷺ سريعا يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات.
стр. 983
الباب الثاني عشر: في ذكر مسجد النبي ﷺ وفضله
قدم النبي ﷺ المدينة حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فنزل في علو المدينة في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم، فمكث عندهم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، فأخذ مربد كلثوم فعمله مسجدًا، وأسسه، وصلى فيه إلى بيت المقدس، وخرج من عندهم يوم الجمعة عند ارتفاع النهار، فركب ناقته القَصوَى، وحشد المسلمون، ولبسوا السلاح عن يمينه وشماله، وخلفه منهم الماشي والراكب، واعترضه الأنصار فما يمر بدار من دورهم إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول لهم خيرا ويدعو لهم، ويقول عن ناقته: "إنها مأمورة؛ خلوا سبيلها"، فمر ببني سالم فأتى مسجدهم الذي في الوادي وادي رانوناء، وأدركته صلاة الجمعة فصلى بهم هنالك وكانوا مائة رجل، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة ثم ركب راحلته وأرخى لها زمامها وسار حتى انتهت به إلى زقاق الحبشي ببني النجار، فبركت على باب دار أبي أيوب الأنصاري، فنزل النبي ﷺ ، ينزل عليه القرآن ويأتيه جبريل حتى ابتنى مسجده ومساكنه، وكان النبي ﷺ قد نزل في سفل بيت أبي أيوب وذكر أبو أيوب أنه فوق النبي ﷺ فلم يزل ساهرا حتى أصبح، فأتاه فقال: يا رسول الله، إني أخشى أن أكون ظلمت نفسي أن أبيت فوق رأسك، فقال ﵇: "السفل أرفق بنا وبمن يغشانا"، فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى انتقل إلى العلو، وأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب سبعة أشهر، وكان بنو مالك بن النجار يحملون كل يوم قصاع الثريد إلى النبي يتناوبون ذلك بينهم إلا سعد بن عبادة فإنه ما كان يقطع جفنته في كل ليلة إلى دار أبي أيوب فيدعو النبي أصحابه فيأكلون، وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ لما أخذ المربد من بني النجار كان فيه نخل وقبور المشركين وخِرب "خرائب" فأمر النبي ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضاديته حجارة، قال: وكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم: "اللهم إن الخير خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة" وجعلوا ينقلون الصخر، وطفق النبي ﷺ ينقل اللبن معهم في ثيابه ويقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
وبنى النبي ﷺ مسجده مربعا، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وطوله سبعون ذراعا أو يزيد، وجعل له ثلاث أبواب: بابا في مؤخره، وباب عاتكة وهو باب الرحمة والباب الذي
стр. 984
كان يدخل منه النبي ﷺ وهو باب عثمان، ولما صرفت القبلة إلى الكعبة سد النبي ﷺ الباب الذي كان خلفه وفتح الباب الآخر حذاءه فكان المسجد له ثلاثة أبواب: باب خلفه وباب عن يمين المصلى وباب عن يساره، وجعلوا أساس المسجد من الحجارة وبنوا باقيه من اللبن، وفي الصحيحين: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزه، وقالت عائشة: كان طول جدار المسجد بسطة وكان عرض الحائط لبنة لبنة ثم إن المسلمين كثروا، فبنوه لبنة ونصفا ثم قالوا: يا رسول الله لو أمرت فزيد فيه قال: "نعم" فأمر به فزيد فيه، وبني جداره لبنتين مختلفتين ثم اشتد عليهم الحر، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل، قال: "نعم"، فأمر به فأقيم له سواري من جذوع النخل شقة ثم شقة ثم طرحت عليها العوارض والخصف والإذخر، وجعل وسطه رحبة فأصابتهم الأمطار فجعل المسجد يكف١ عليهم، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد يعمر فَطُين فقال لهم: "عريش كعريش موسى ثمام وخشيبات والأمر أعجل من ذلك"، فلم يزل كذلك حتى قبض ﷺ ، ويقال: إن عريش موسى كان إذا قام أصاب رأسه السقف، قال أهل السير: بنى النبي ﷺ مسجده مرتين؛ بناه حين قدم أقل من مائة في مائة فلما فتح الله عليه خيبر بناه، وزاد عليه في الدور مثله، وصلى النبي ﷺ فيه متوجها إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم أمر بالتحول إلى الكعبة فأقام رهطا على زوايا المسجد؛ ليعدل القبلة، فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده: هكذا، فأماط كل جبل بينه وبينها فوضع القبلة وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء، فلما فرغ قال جبريل: هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها، وصارت قبلته إلى الميزاب، أخبرنا أبو القاسم المظفري والأرحبي في كتابيهما عن أبي علي الأصفهاني عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد الخلدي، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن أبو زبالة، حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام بن سعد بن أبي هلال عن أبي هريرة قال: كانت قبلة النبي ﷺ الشام، وكان مصلاه الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده موضع الأسطوانة المخلفة اليوم خلف ظهرك ثم تمشي إلى الشام حتى إذا كنت بين باب آل عثمان كانت قبلته في ذلك الموضع.
فضيلة المسجد والصلاة فيه:
أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن أحمد العطار، أخبرنا أبو سعد عمار بن طاهر الهمداني، حدثنا مكي بن عبد السلام الرميلي، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد النصيبي، أخبرنا محمد بن محمد الواسطي، حدثنا عمر بن الفضل بن مهاجر، حدثنا الوليد بن
стр. 985
حماد الرملي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"، أخرجه البخاري في صحيحه.
أنبأنا الذهلي، حدثنا أبو محمد بن عبدوس، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "من دخل مسجدي هذا يتعلم خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره".
أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن الهمداني في كتابه قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمد بن محمد الفقيه، قال: أنبأنا عبد العزيز بن أحمد النصيبي، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي، حدثنا عمرو بن الفضل بن مهاجر، حدثنا أبي، حدثنا الوليد، أخبرنا محمد بن النعمان، أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو عبد الملك عن عبد الواحد بن زيد عن شهر بن حوشب عن عبد الله قال: سكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة إلى باب الأسباط، وهو يصلي في كل جمعة في خمسة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد قباء، ويصلي كل ليلة جمعة في مسجد الطور ويأكل كل جمة أكلتين من كمأة وكرفس ويشرب مرة من زمزم ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس ويغتسل من عين سلوان.
أنبأنا أبو الفرج بن الجوزي قال: أنبأنا عباد بن أحمد الحسن آباذي، قال: أخبرنا الحسن بن عمر الأصبهاني أنبأنا الحسن بن علي البغدادي حدثنا محمد بن علي الهمداين حدثنا محمد بن عمران حدثنا بحر بن نصير أخبرنا موسى بن عبيدة عن داود بن مدرك عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتركب إليه الرواحل، وصلاة في مسجدي هذا أفضل من الصلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام". وأخرج مسلم في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" ١.
أخبرنا عبد الوهاب بن علي أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي أنبأنا أبو محمد الصيرفي أنبأنا أبو بكر بن عبدان عن عبد الوهاب بن المهتدي حدثنا أيوب بن سليمان الصعدي حدثنا أبو اليمان حدثنا العطاف بن خالد عن عبد الله بن عثمان بن عمر بن الأرقم بن أبي الأرقم عن أبيه عن جده قال: قلت لرسول الله ﷺ : إني أريد أن