Полный текст (599 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَبِهِ نَسْتَعِينُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا فَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا وَأَقَامَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَهَذَا اسْتِعْجَالُ الصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، انْتَخَبْتُهُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَقُدْوَةِ الْأَنَامِ نَاصِرِ السُّنَّةِ (شَمْسِ الدِّينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَهْلُ الْأَرْضِ أَحْوَجُ إِلَى رِسَالَتِهِ مِنْ غَيْثِ السَّمَاءِ وَمِنْ نُورِ الشَّمْسِ الَّذِي يُذْهِبُ عَنْهُمْ حَنَادِسَ الظَّلْمَاءِ، فَضَرُورَتُهُمْ إِلَيْهَا أَعْظَمُ الضَّرُورَاتِ وَحَاجَتُهُمْ إِلَيْهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْحَاجَاتِ، فَإِنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْقُلُوبِ وَلَا سُرُورَ وَلَا لَذَّةَ وَلَا نَعِيمَ وَلَا أَمَانَ إِلَّا بِأَنْ تَعْرِفَ رَبَّهَا وَمَعْبُودَهَا وَفَاطِرَهَا بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَيَكُونَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْهَا مِمَّا سِوَاهُ، وَيَكُونَ سَعْيُهَا فِيمَا يُقَرِّبُهَا إِلَيْهِ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ تَسْتَقِلَّ الْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ بِإِدْرَاكِ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ بِأَنْ بَعَثَ الرُّسُلَ بِهِ مُعَرِّفِينَ وَإِلَيْهِ دَاعِينَ وَلِمَنْ أَجَابَهُمْ مُبَشِّرِينَ وَلِمَنْ خَالَفَهُمْ مُنْذِرِينَ، وَجَعَلَ مِفْتَاحَ دَعَوْتِهِمْ وَزُبْدَةَ رِسَالَتِهِمْ مَعْرِفَةَ الْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَعَلَى هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ تَنْبَنِي مِطَالُ الرِّسَالَةِ جَمِيعِهَا، فَإِنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ وَالْمَحَبَّةَ وَالطَّاعَةَ وَالْعُبُودِيَّةَ تَابِعَةٌ لِمَعْرِفَةِ الْمَرْجُوِّ الْمَخُوفِ الْمَحْبُوبِ الْمُطَاعِ الْمَعْبُودِ.
وَلَمَّا كَانَ مِفْتَاحُ الدَّعْوَةِ الْإِلَهِيَّةِ مَعْرِفَةَ الرَّبِّ تَعَالَى قَالَ أَفْضَلُ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَقَدْ أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ: " «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي
стр. 2
الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. . .» " الْحَدِيثَ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَقَدْ نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ عَنْ غَيْرِ مَا يَصِفُهُ بِهِ الْمُرْسَلُونَ فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْخَلْقُ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ لِسَلَامَةِ مَا وَصَفُوهُ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، ثُمَّ حَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا كَمَالَ الْحَمْدِ.
وَمِنْ هُنَا أَخَذَ إِمَامُ السُّنَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵀ خُطْبَةَ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَفَوْقَ مَا يَصِفُهُ خَلْقُهُ " فَأَثْبَتَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَنَّ صِفَاتِهِ إِنَّمَا تُتَلَقَّى بِالسَّمْعِ لَا بِآرَاءِ الْخَلْقِ، وَأَنَّ أَوْصَافَهُ فَوْقَ مَا يَصِفُهُ بِهِ الْخَلْقُ، وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْعِلْمِ لِمَنْ يَرَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ لَا آرَاءَ الرِّجَالِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] فَمَنْ تَعَارَضَ عِنْدَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَآرَاءُ الرِّجَالِ فَقَدَّمَهَا عَلَيْهِ أَوْ تَوَقَّفَ فِيهِ أَوْ قَدَحَتْ فِي كَمَالِ مَعْرِفَتِهِ فَهُوَ أَعْمَى عَنِ الْحَقِّ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ رَسُولِهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سِرَاجٌ مُنِيرٌ وَأَنَّهُ هَادٍ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَبِأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ هُوَ الْمُفْلِحُ لَا غَيْرُهُ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُحَكِّمْهُ فِي كُلِّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَنَازِعُونَ وَيَنْقَدْ لِحُكْمِهِ، وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ حَرَجٌ مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَى مَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِمَا ذَكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا الْهُدَى فِي خِلَافِ ظَاهِرِهِ، وَالْحَقُّ فِي إِخْرَاجِهِ عَنْ حَقَائِقِهِ وَحَمْلِهِ عَلَى وَحْشِيِّ اللُّغَاتِ وَمُسْتَكْرَهَاتِ التَّأْوِيلَاتِ، وَأَنَّ حَقَائِقَهُ ضَلَالٌ وَتَشْبِيهٌ وَإِلْحَادٌ، وَأَنَّ الْهُدَى وَالْعِلْمَ فِي مَجَازِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ حَقَائِقِهِ؟ وَأَحَالَ الْأُمَّةَ فِيهِ عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ الْمُتَحَيِّرِينَ وَعُقُولِ الْمُتَهَوِّكِينَ (الْمُتَحَيِّرِينَ) فَيَقُولُ: إِذَا أَخْبَرْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ الْعُلَى
стр. 3
بِشَيْءٍ فَلَا تَعْتَقِدُوا حَقِيقَتَهُ وَخُذُوا مَعْرِفَةَ مُرَادِي بِهِ مِنْ آرَاءِ الرِّجَالِ وَمَعْقُولِهَا، فَإِنَّ الْهُدَى وَالْعِلْمَ فِيهِ.
مَعَاذَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَوْ خَرَجَ عَنْ ظَاهِرِهِ بِتَأْوِيلِ الْمُتَأَوِّلِينَ انْتَقَضَتْ عُرَى الْإِيمَانِ كُلُّهَا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ طَائِفَةٌ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الضَّلَالِ أَنْ تَتَأَوَّلَ النُّصُوصَ عَلَى مَذْهَبِهَا إِلَّا وَجَدَتِ السَّبِيلَ إِلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَّلَ لِلرَّسُولِ وَلِأُمَّتِهِ بِهِ دِينَهُمْ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِهِ نِعْمَتَهُ، وَمُحَالٌ مَعَ هَذَا أَنْ يَدَعَ مَا خُلِقَ لَهُ الْخَلْقُ وَأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ بِهِ الْكُتُبُ وَنُصِبَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَأُسِّسَتْ عَلَيْهِ الْمِلَّةُ، وَهُوَ بَابُ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا حَقُّهُ بِبَاطِلِهِ، لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ بِمَا هُوَ الْحَقُّ بَلْ تَكَلَّمَ بِمَا هُوَ الْبَاطِلُ، وَالْحَقُّ فِي إِخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَفْضَلُ الرُّسُلِ وَأَجَلُّ الْكُتُبِ غَيْرَ وَافٍ بِتَعْرِيفِ ذَلِكَ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ، مُبَيِّنٍ لَهُ بِأَكْمَلِ الْبَيَانِ، مُوَضِّحٍ لَهُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ، مَعَ شِدَّةِ حَاجَةِ النُّفُوسِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مَا اكْتَسَبَتْهُ النُّفُوسُ وَأَجَلُّ مَا حَصَّلَتْهُ الْقُلُوبُ.
وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَدْ عَلَّمَهُمْ آدَابَ الْغَائِطِ، قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَمَعَهُ، وَآدَابَ الْوَطْءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَتْرُكُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا يَقُولُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيَعْتَقِدُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ فِي رَبِّهِمْ وَمَعْبُودِهِمُ الَّذِي مَعْرِفَتُهُ غَايَةَ الْمَعَارِفِ وَالْوُصُولُ إِلَيْهِ أَتَمُّ الْمَطَالِبِ، وَعِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ أَقْرَبُ الْوَسَائِلِ، وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا ظَاهِرُهُ ضَلَالٌ وَإِلْحَادٌ، وَيُحِيلُهُمْ فِي فَهْمِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى مُسْتَكْرَهَاتِ التَّأْوِيلِ وَمَا تَحْكُمُ بِهِ عُقُولُهُمْ، هَذَا هُوَ الْقَائِلُ: " «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ» "، وَهُوَ الْقَائِلُ: " «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» "، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: " لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ
стр. 4
يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا "، «وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا فَذَكَرَ بَدْءَ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» ) ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي قَلْبِهِ وَقَارٌ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمْسَكَ عَنْ بَيَانِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ بِالصَّوَابِ؟ مَعَاذَ اللَّهِ، بَلْ لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَتَمَّ الْبَيَانِ وَأَوْضَحَهُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ، وَلَمْ يَدَعْ بَعْدَهُ لِقَائِلٍ مَقَالًا وَلَا لِمُتَأَوِّلٍ تَأْوِيلًا.
ثُمَّ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلُهَا وَأَسْبَقُهَا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ قَصَّرُوا فِي هَذَا الْبَابِ فَجَفَوْا عَنْهُ أَوْ تَجَاوَزُوا فَغَلَوْا فِيهِ، وَإِنَّمَا ابْتُلِيَ مَنْ خَرَجَ عَنْ مِنْهَاجِهِمْ بِهَذَيْنِ الدَّاءَيْنِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: وَالْحَالُ فِي هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ فَضَّلُوا طَرِيقَةَ الْخَلَفِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ طَرِيقَ السَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ وَلَا فَهْمٍ لِمُرَادِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْهَا، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْمُتَأَخِّرِينَ هِيَ اسْتِخْرَاجُ مَعَانِي النُّصُوصِ، وَصَرْفُهَا عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اللُّغَاتِ وَمُسْتَكْرَهَاتِ التَّأْوِيلَاتِ، فَهَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ أَوْجَبَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ الَّتِي مَضْمُونُهَا نَبْذُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِمْ وَبَيْنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ بِتَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ اعْتِقَادُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صِفَةٌ دَلَّتْ عَلَيْهَا هَذِهِ النُّصُوصُ، فَلَمَّا اعْتَقَدُوا التَّعْطِيلَ وَانْتِفَاءَ الصِّفَاتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنُّصُوصِ مِنْ مَعْنًى بَقَوْا مُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللَّفْظِ وَتَفْوِيضِ الْمَعْنَى، وَهَذَا الَّذِي هُوَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ
стр. 5
عِنْدَهُمْ وَبَيْنَ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَمَا وُضِعَ لَهُ إِلَى مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ، بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْمَجَازَاتِ وَبِالتَّكَلُّفَاتِ الَّتِي هِيَ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِيِّ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْبَيَانِ وَالْهُدَى، فَصَارَ هَذَا الْبَاطِلُ مُرَكَّبًا مِنْ فَسَادِ الْعَقْلِ وَالْجَهْلِ بِالسَّمْعِ، فَلَا عَقْلَ وَلَا سَمْعَ، فَإِنَّ النَّفْيَ وَالتَّعْطِيلَ إِنَّمَا اعْتَمَدُوا فِيهِ عَلَى شُبَهَاتٍ فَاسِدَةٍ ظَنُّوهَا مَعْقُولَاتٍ، وَحَرَّفُوا لَهَا النُّصُوصَ السَّمْعِيَّةَ عَنْ مَوَاضِعِهَا.
فَلَمَّا ابْتُنِيَ أَمْرُهُمْ عَلَى هَاتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ الْكَاذِبَتَيْنِ كَانَتِ النَّتِيجَةُ اسْتِجْهَالَ السَّابِقِينَ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَاعْتِقَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا أُمِّيِّينَ بِمَنْزِلَةِ الصَّالِحِينَ الْبُلْهِ الَّذِينَ لَمْ يَتَبَحَّرُوا فِي حَقَائِقِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، وَأَنَّ الْخَلَفَ هُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ أَحْرَزُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى الْغَايَةِ وَظَفِرُوا مِنَ الْغَنِيمَةِ بِمَا فَاتَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ وَإِيمَانٍ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ كَثُرَ فِي بَابِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ اضْطِرَابُهُمْ، وَغَلُظَ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ حِجَابُهُمْ، وَأَخْبَرَ الْوَاقِفُ عَلَى نِهَايَاتِ إِقْدَامِهِمْ بِمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ مَرَامِهِمْ، وَأَنَّهُ الشَّكُّ وَالْحَيْرَةُ حَيْثُ يَقُولُ:
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا ... وَسَايَرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ
وَيَقُولُ الْآخَرُ:
نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَغَايَةُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ دَهْرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا
وَقَالَ الْآخَرُ: " لَقَدْ خُضْتُ الْبَحْرَ الْخِضَمَّ وَتَرَكْتُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَعُلُومَهُمْ، وَخُضْتُ فِي الَّذِي نَهَوْنِي عَنْهُ، وَالْآنَ إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْنِي رَبِّي بِرَحْمَتِهِ فَالْوَيْلُ لِي، وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى عَقِيدَةِ أُمِّي "، وَقَالَ الْآخَرُ: " أَكْثَرُ النَّاسِ شَكًّا عِنْدَ الْمَوْتِ أَرْبَابُ الْكَلَامِ "، وَقَالَ آخَرُ:
стр. 6
مِنْهُمْ: " اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنِّي أَمُوتُ وَمَا عَرَفْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّ الْمُمْكِنَ مُفْتَقِرٌ إِلَى وَاجِبٍ "، ثُمَّ قَالَ: " الِافْتِقَارُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ فَلَمْ أَعْرِفْ شَيْئًا "، وَقَالَ آخَرُ وَقَدْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ مِنْ سُلْطَانِهِ فَاسْتَغَاثَ بِرَبِّ الْفَلَاسِفَةِ فَلَمْ يُغِثْ، قَالَ: فَاسْتَغَثْتُ بِرَبِّ الْجَهْمِيَّةِ فَلَمْ يُغِثْنِي، ثُمَّ اسْتَغَثْتُ بِرَبِّ الْقَدَرِيَّةِ فَلَمْ يُغِثْنِي، ثُمَّ اسْتَغَثْتُ بِرَبِّ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَمْ يُغِثْنِي، قَالَ: فَاسْتَغَثْتُ بِرَبِّ الْعَامَّةِ فَأَغَاثَنِي.
[فصل فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ التَّأْوِيلِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا]
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ التَّأْوِيلِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا
هُوَ تَفْعِيلٌ مِنْ آلَ يَئُولُ إِلَى كَذَا إِذَا صَارَ إِلَيْهِ، فَالتَّأْوِيلُ التَّصْيِيرُ، وَأَوَّلْتُهُ تَأْوِيلًا إِذَا صَيَّرْتُهُ إِلَيْهِ، قَالَ: وَتَأَوَّلَ وَهُوَ مُطَاوعُ أَوَّلْتُهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّأْوِيلُ تَفْسِيرُ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ، وَقَدْ أَوَّلْتُهُ وَتَأَوَّلْتُهُ بِمَعْنًى، قَالَ الْأَعْشَى:
عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَأَوَّلُ حُبَّهَا ... تَأَوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَأَوُّلُ حُبِّهَا أَيْ: تَفْسِيرُهُ وَمَرْجِعُهُ، أَيْ إِنَّ حُبَّهَا كَانَ صَغِيرًا فِي قَلْبِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَشِبُّ حَتَّى أَصْحَبَ فَصَارَ قَدِيمًا، كَهَذَا السَّقْبِ الصَّغِيرِ لَمْ يَزَلْ يَشِبُّ حَتَّى صَارَ كَبِيرًا مِثْلَ أُمِّهِ وَصَارَ لَهُ ابْنٌ يَصْحَبُهُ، وَالسَّقْبِ (بِفَتْحِ السِّينِ) وَلَدُ النَّاقَةِ أَوْ سَاعَةَ يُولَدُ أَوْ خَاصٌّ بِالذَّكَرِ.
ثُمَّ تُسَمَّى الْعَاقِبَةُ تَأْوِيلًا لِأَنَّ الْأَمْرَ يَصِيرُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ، وَتُسَمَّى حَقِيقَةُ الشَّيْءِ الْمُخْبَرِ بِهِ تَأْوِيلًا لِأَنَّ الْأَمْرَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] فَمَجِيءُ تَأْوِيلِهِ مَجِيءُ نَفْسِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الْيَوْمِ الْآخِرِ
стр. 7
وَالْمَعَادِ وَتَفَاصِيلِهِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُسَمَّى تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا تَأْوِيلَهَا بِالِاعْتِبَارَيْنِ، فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهَا وَهُوَ عَاقِبَتُهَا وَمَا تَئُولُ إِلَيْهِ، وَقَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] . أَيْ حَقِيقَتُهَا وَمَصِيرُهَا إِلَى هَاهُنَا. انْتَهَى.
وَتُسَمَّى الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ وَالْحِكْمَةُ الْمَطْلُوبَةُ بِالْفِعْلِ تَأْوِيلًا لِأَنَّهَا بَيَانٌ لِمَقْصُودِ الْفَاعِلِ وَغَرَضِهِ مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفِ الرَّائِي لَهُ غَرَضَهُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَضِرِ لِمُوسَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَهُ الْحِكْمَةَ الْمَقْصُودَةَ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ تَخْرِيقِ السَّفِينَةِ وَقَتْلِ الْغُلَامِ وَإِقَامَةِ الْجِدَارِ بِلَا عِوَضٍ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِالْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ الَّتِي انْتَهَى إِلَيْهَا فِعْلُهُ قَالَ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] ، فَالتَّأْوِيلُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُرَادُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْمَعْنَى الَّذِي يَئُولُ اللَّفْظُ إِلَيْهِ، وَهِيَ الْحَقِيقَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ نَوْعَانِ: خَبَرٌ وَطَلَبٌ، فَتَأْوِيلُ الْخَبَرِ هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَتَأْوِيلُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ هُوَ نَفْسُ الْمَوْعُودِ وَالْمُتَوَعَّدِ بِهِ، وَتَأْوِيلُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ الْعُلَى وَأَفْعَالِهِ نَفْسُ مَا هُوَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَمَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْعُلَى، وَتَأْوِيلُ الْأَمْرِ هُوَ نَفْسُ الْأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ» " يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. فَهَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ فِعْلُ نَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
فَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالسَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ فَمُرَادُهُمْ بِهِ مَعْنَى التَّفْسِيرِ وَالْبَيَانِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ: الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ " فِيمَا تَأَوَّلَتْهُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ " فَأَبْطَلَ تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَهُوَ تَفْسِيرُهَا الْمُرَادُ بِهَا وَهُوَ تَأْوِيلُهَا عِنْدَهُ، فَهَذَا التَّأْوِيلُ يَرْجِعُ إِلَى فَهْمِ الْمُؤْمِنِ وَيَحْصُلُ فِي الذِّهْنِ وَالْأَوَّلُ يَعُودُ إِلَى وُقُوعِ حَقِيقَتِهِ فِي الْخَارِجِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَمُرَادُهُمْ بِالتَّأْوِيلِ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَهَذَا هُوَ الشَّائِعُ فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ.
стр. 8
وَلِهَذَا يَقُولُونَ: التَّأْوِيلُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَالتَّأْوِيلُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ الَّذِي صَنَّفَ فِي تَسْوِيغِهِ وَإِبْطَالِهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَمَنْ صَنَّفَ فِي إِبْطَالِ التَّأْوِيلِ عَلَى رَأْيِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ، وَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ إِجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى عَدَمِ الْقَوْلِ بِهِ.
وَمِنَ التَّأْوِيلِ الْبَاطِلِ تَأْوِيلُ أَهْلِ الشَّامِ «قَوْلَهُ ﷺ لِعَمَّارٍ: " تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» "، فَقَالُوا: نَحْنُ لَمْ نَقْتُلْهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَعَهُ بَيْنَ رِمَاحِنَا، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُخَالِفٌ لِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَظَاهِرِهِ فَإِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ لَا مَنِ اسْتَنْصَرَ بِهِ، وَلِهَذَا رَدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ مِنْهُمْ فَقَالُوا: أَفَيَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا حَمْزَةَ وَالشُّهَدَاءَ مَعَهُ لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِهِمْ حَتَّى أَوْقَعُوهُمْ تَحْتَ سُيُوفِ الْمُشْرِكِينَ؟
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا رَوَى حَدِيثَ عَائِشَةَ: " «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ " فَقِيلَ لَهُ: فَمَا بَالُ عَائِشَةَ أَتَمَّتْ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ» ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ عَائِشَةَ وَعُثْمَانَ تَأَوَّلَا آيَةَ الْقَصْرِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهَا وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُمَا تَأَوَّلَا دَلِيلًا قَامَ عِنْدَهُمَا اقْتَضَى جَوَازَ الْإِتْمَامِ فَعَمِلَا بِهِ، فَكَانَ عَمَلُهُمَا بِهِ هُوَ تَأْوِيلُهُ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِدَلِيلِ الْأَمْرِ هُوَ تَأْوِيلُهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] بِامْتِثَالِهِ بِقَوْلِهِ " «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» "، فَكَأَنَّ عَائِشَةَ وَعُثْمَانَ تَأَوَّلَا
стр. 9
قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] فَإِنَّ إِتْمَامَهَا مِنْ إِقَامَتِهَا، وَقِيلَ: تَأَوَّلَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ أُمَّهُمْ حَيْثُ كَانَتْ فَكَأَنَّهَا مُقِيمَةٌ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ فَحَيْثُ كَانَ فَهُوَ مَنْزِلُهُ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الِاسْتِيطَانِ بِمِنًى أَوْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَأَهَّلَ بِهَا، وَمَنْ تَأَهَّلَ بِبَلَدٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْمُسَافِرِ، أَوْ أَنَّ الْأَعْرَابَ كَانُوا قَدْ كَثُرُوا فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ فَأَحَبَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ فَرْضَ الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا أَرْبَعُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ظَنَّاهَا أَدِلَّةً مُقَيِّدَةً لِمُطْلِقِ الْقَصْرِ أَوْ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِهِ وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ضَعِيفَةً، وَالصَّوَابُ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ، وَقَدْ قَصَرَتْ مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ عُثْمَانُ لِيُقِيمَ بِمَكَّةَ وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا رَخَّصَ فِي الْإِقَامَةِ بِهِ لِلْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِمْ ثَلَاثًا، وَالْمُسَافِرُ إِذَا تَزَوَّجَ فِي طَرِيقِهِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ بِمُجَرَّدِ التَّزَوُّجِ مَا لَمْ يُزْمِعِ الْإِقَامَةَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالتَّأْوِيلُ الَّذِي يُوَافِقُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ هُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ وَغَيْرُهُ هُوَ الْفَاسِدُ.
وَالتَّأْوِيلُ الْبَاطِلُ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: مَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ الْأَوَّلِ مِثْلَ تَأْوِيلٍ قَوْلِهِ ﷺ : " «حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ» " بِأَنَّ الرِّجْلَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّ هَذَا الشَّيْءَ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ الْبَتَّةَ.
الثَّانِي: مَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ اللَّفْظُ بِبِنْيَتِهِ الْخَاصَّةِ مِنْ تَثْنِيَةٍ أَوْ جَمْعٍ، وَإِنِ احْتَمَلَهُ مُفْرَدًا كَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] بِالْقُدْرَةِ.
الثَّالِثُ: مَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ سِيَاقُهُ وَتَرْكِيبُهُ وَإِنِ احْتَمَلَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ السِّيَاقِ كَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] بِأَنَّ إِتْيَانَ الرَّبِّ إِتْيَانُ بَعْضِ آيَاتِهِ الَّتِي هِيَ أَمْرُهُ، وَهَذَا يَأْبَاهُ السِّيَاقُ كُلَّ الْإِبَاءِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ
стр. 10
عَلَى ذَلِكَ مَعَ التَّقْسِيمِ وَالتَّنْوِيعِ وَالتَّرْدِيدِ، وَكَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: " «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ، وَكَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ» " فَتَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ فِي هَذَا السِّيَاقِ بِمَا يُخَالِفُ حَقِيقَتَهَا وَظَاهِرَهَا فِي غَايَةِ الِامْتِنَاعِ وَهُوَ رَدٌّ وَتَكْذِيبٌ يَسْتَتِرُ صَاحِبُهُ بِالتَّأْوِيلِ.
الرَّابِعُ: مَا لَمْ يُؤْلَفِ اسْتِعْمَالُهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي لُغَةِ الْمُخَاطَبِ وَإِنْ أُلِفَ فِي الِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ، وَهَذَا مَوْضِعٌ زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ حَيْثُ تَأَوَّلُوا كَثِيرًا مِنْ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ بِمَا لَمْ يُؤْلَفِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الْبَتَّةَ وَإِنْ كَانَ مَعْهُودًا فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِهِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا حَصَلَ، كَمَا تَأَوَّلَتْ طَائِفَةٌ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦] بِالْحَرَكَةِ وَقَالُوا: اسْتَدَلَّ بِحَرَكَتِهِ عَلَى بُطْلَانِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ أَنَّ الْأُفُولَ هُوَ الْحَرَكَةُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ الْبَتَّةَ، وَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ الْأَحَدِ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ عَنْ شَيْءٍ الْبَتَّةَ، ثُمَّ قَالُوا: لَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ لَمْ يَكُنْ أَحَدًا ; فَإِنَّ تَأْوِيلَ الْأَحَدِ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ وَلَا أَهْلُ اللُّغَةِ إِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ رَافَقَهُمْ، وَكَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] بِأَنَّ الْمَعْنَى أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ، لَا يُقَالُ لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الرَّحْلِ: اسْتَوَى عَلَيْهِ وَلَا لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَى عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ قِرَاءَةٍ أَوْ دِرَاسَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ قَدِ اسْتَوَى عَلَيْهَا، وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ سَنَذْكُرُهَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَّا تَكْذِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبِ هَذَا التَّأْوِيلِ لَكَفَاهُ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ " «إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» " فَكَانَ الْعَرْشُ مَوْجُودًا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
стр. 11
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ، وَالتَّأْوِيلُ إِذَا تَضَمَّنَ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ ﷺ فَحَسْبُهُ ذَلِكَ بُطْلَانًا.
الْخَامِسُ: مَا أُلِفَ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَكِنْ فِي غَيْرِ التَّرْكِيبِ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ، فَيَحْمِلُهُ الْمُتَأَوِّلُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ عَلَى مَجِيئِهِ فِي تَرْكِيبٍ آخَرَ يَحْتَمِلُهُ كَتَأْوِيلِ الْيَدَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] بِالنِّعْمَةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لِفُلَانٍ عِنْدِي يَدٌ، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ لِلصِّدِّيقِ ﵁: لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ.
وَلَكِنْ وُقُوعُ الْيَدِ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ الَّذِي أَضَافَ سُبْحَانَهُ فِيهِ الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ ثُمَّ تَعَدَّى الْفِعْلُ إِلَى الْيَدِ بِالْبَاءِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ خَاصَّةً خَصَّ بِهَا صَفِيَّهُ آدَمَ دُونَ الْبَشَرِ، كَمَا خَصَّ الْمَسِيحَ بِأَنَّهُ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَخَصَّ مُوسَى بِأَنْ كَلَّمَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ.
فَهَذَا مِمَّا يُحِيلُ تَأْوِيلَ الْيَدِ فِي النَّصِّ بِالنِّعْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي تَرْكِيبٍ آخَرَ تَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صَلَاحِيَةِ اللَّفْظِ لِمَعْنَى مَا فِي تَرْكِيبِ صَلَاحِيَتِهِ لَهُ فِي كُلِّ تَرْكِيبٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] يَسْتَحِيلُ فِيهَا تَأْوِيلُ النَّظَرِ بِانْتِظَارِ الثَّوَابِ، فَإِنَّهُ أَضَافَ النَّظَرَ إِلَى الْوُجُوهِ بِالنَّظْرَةِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ إِلَّا مَعَ حُضُورِ مَا يُتَنَعَّمُ بِهِ لَا مَعَ التَّنْغِيصِ بِانْتِظَارِهِ، وَيَسْتَحِيلُ مَعَ هَذَا التَّرْكِيبِ تَأْوِيلُ النَّظَرِ بِغَيْرِ الرُّؤْيَا وَأَنَّ كُلَّ النَّظَرِ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] .
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيِّ الْمُلَبِّسِ: إِذَا قَالَ لَكَ الْمُشَبَّهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقُلْ لَهُ: الْعَرْشُ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، وَالِاسْتِوَاءُ لَهُ خَمْسُ مَعَانٍ، فَأَيُّ ذَلِكَ الْمُرَادُ؟ فَإِنَّ الْمُشَبِّهَ يَتَحَيَّرُ وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْجَاهِلِ: وَيْلَكَ، مَا ذَنْبُ الْمُوَحِّدِ الَّذِي سَمَّيْتَهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ مُشَبِّهًا وَقَدْ قَالَ لَكَ نَفْسَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ مُشَبِّهًا كَمَا تَزْعُمُ لَكَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ النَّصَّ.
стр. 12
وَأَمَّا قَوْلُكَ: الْعَرْشُ لَهُ سَبْعَةُ مَعَانٍ وَنَحْوُهُ، وَالِاسْتِوَاءُ لَهُ خَمْسَةُ مَعَانٍ فَتَلْبِيسٌ مِنْكَ عَلَى الْجُهَّالِ وَكَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِعَرْشِ الرَّحْمَنِ الَّذِي اسْتَوَى عَلَيْهِ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ لِلْعَرْشِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ عِدَّةُ مَعَانٍ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ قَدْ صَارَ بِهَا فِي الْعَرْشِ مُعَيَّنًا وَهُوَ عَرْشُ الرَّبِّ تَعَالَى، الَّذِي هُوَ سَرِيرُ مُلْكِهِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَأَقَرَّتْ بِهِ الْأُمَمُ إِلَّا مَنْ نَابَذَ الرُّسُلَ.
وَقَوْلُكَ: الِاسْتِوَاءُ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ تَلْبِيسٌ آخَرُ مِنْكَ، فَإِنَّ الِاسْتِوَاءَ الْمُعَدَّى بِأَدَاةِ " عَلَى " لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ، وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ الْمُطْلَقُ فَلَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: اسْتَوَى كَذَا: انْتَهَى وَكَمَلَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] وَتَقُولُ: اسْتَوَى وَكَذَا إِذَا سَاوَاهُ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةُ وَاسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَتَقُولُ: اسْتَوَى إِلَى كَذَا إِذَا قَصَدَ إِلَيْهِ عُلُوًّا وَارْتِفَاعًا نَحْوَ اسْتَوَى إِلَى السَّطْحِ وَالْجَبَلِ وَاسْتَوَى عَلَى كَذَا أَيِ ارْتَفَعَ عَلَيْهِ وَعَلَا عَلَيْهِ، وَلَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ غَيْرَ هَذَا، فَالِاسْتِوَاءُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنَاهُ كَمَا هُوَ نَصٌّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنَاهُ، وَنَصٌّ فِي قَوْلِهِمْ: اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فِي مَعْنَاهُ وَلَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
السَّادِسُ: اللَّفْظُ الَّذِي اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنًى هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ وَلَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الْمُؤَوَّلِ أَوْ عُهِدَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ نَادِرًا، فَحَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ الْمَعْهُودِ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ تَلْبِيسًا يُنَاقِضُ الْبَيَانَ وَالْهِدَايَةَ بَلْ إِذَا أَرَادُوا اسْتِعْمَالَ مِثْلِ هَذَا فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ الْمَعْهُودِ حَفُّوا بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا يُبَيِّنُ لِلسَّامِعِ مُرَادَهُمْ بِهِ لِئَلَّا يَسْبِقَ فَهْمُهُ إِلَى مَعْنَاهُ الْمَأْلُوفِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَمَالَ هَذِهِ اللُّغَةِ وَحِكْمَةَ وَاضِعِهَا تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ ذَلِكَ.
السَّابِعُ: كُلُّ تَأْوِيلٍ يَعُودُ عَلَى أَصْلِ النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ فَهُوَ بَاطِلٌ كَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﷺ : " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» " فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْأَمَةِ، فَإِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مَعَ شِدَّةِ مُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ النَّصِّ يَرْجِعُ عَلَى أَصْلِ النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ: " «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» "، وَمَهْرُ الْأَمَةِ إِنَّمَا هُوَ لِلسَّيِّدِ فَقَالُوا:
стр. 13
نَحْمِلُهُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَهَذَا يَرْجِعُ عَلَى النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ أَتَى فِيهِ بِأَيِّ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَدَوَاتِ الْعُمُومِ وَأَتَى بِالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَهِيَ تَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَعَلَّقَ بُطْلَانَ النِّكَاحِ بِالْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لَهُ الْمُقْتَضِي لِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهِ وَهُوَ إِنْكَاحُهَا نَفْسَهَا، فَرَتَّبَهُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْبُطْلَانِ وَهُوَ افْتِئَاتُهَا عَلَى وَلِيِّهَا، وَأَكَّدَ الْحُكْمَ بِالْبُطْلَانِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَحَمْلُهُ عَلَى صُورَةٍ لَا تَقَعُ فِي الْعَالَمِ إِلَّا نَادِرًا يَرْجِعُ إِلَى مَقْصُودِ النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ عَامَّةَ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيَّةِ رَأَيْتَهَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، بَلْ أَشْنَعَ.
الثَّامِنُ: تَأْوِيلُ اللَّفْظِ الَّذِي لَهُ ظَاهِرٌ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ سِوَاهُ إِلَّا بِالْمَعْنَى الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا فُرَادَى مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ، كَتَأْوِيلٍ لَفْظِ الْأَحَدِ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ بِالذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا مَعْنَيَانِ بِوَجْهٍ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ أَمْكَنَ ثُبُوتُهُ فِي الْخَارِجِ لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا بَعْدَ مُقَدِّمَاتٍ طَوِيلَةٍ صَعْبَةٍ جِدًّا فَكَيْفَ وَهُوَ مُحَالٌ فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا يَفْرِضُهُ الذِّهْنُ فَرْضًا، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الْخَارِجِيِّ فَيَسْتَحِيلُ وَضْعُ اللَّفْظِ الْمَشْهُودِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ لِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ.
التَّاسِعُ: التَّأْوِيلُ الَّذِي يُوجِبُ تَعْطِيلَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْعُلُوِّ وَالشَّرَفِ وَيَحْمِلُهُ إِلَى مَعْنًى دُونَهُ بِمَرَاتِبَ، مِثَالُهُ تَأْوِيلُ الْجَهْمِيَّةِ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وَنَظَائِرَهُ بِأَنَّهَا فَوْقِيَّةُ الشَّرَفِ، كَقَوْلِهِمْ: الدَّرَاهِمُ فَوْقَ الْمُفْلِسِ، فَعَطَّلُوا حَقِيقَةَ الْفَوْقِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِعَظَمَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَحَطُّوهَا إِلَى كَوْنِ قَدْرِهِ فَوْقَ قَدْرِ بَنِي آدَمَ، وَكَذَلِكَ تَأْوِيلُهُمُ اسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ بِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ غَالِبٌ عَلَيْهِ.
فَيَالِلَّهِ الْعَجَبُ، هَلْ شَكَّ عَاقِلٌ فِي كَوْنِهِ غَالِبًا لِعَرْشِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ حَتَّى يُخْبِرَ بِهِ سُبْحَانَهُ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ مُطَّرِدَةٍ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعٌ وَاحِدٌ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُتَأَوِّلُونَ؟ وَهَذَا التَّمَدُّحُ وَالتَّعْظِيمُ كُلُّهُ لِأَجْلِ أَنْ يُعَرِّفَنَا أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى عَرْشِهِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ أَفْتَرَى لَمْ يَكُنْ غَالِبًا لِلْعَرْشِ قَادِرًا عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ تَزِيدُ عَنْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ تَجَدَّدَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ؟
الْعَاشِرُ: تَأْوِيلُ اللَّفْظِ بِمَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ السِّيَاقِ وَلَا قَرِينَةٌ تَقْتَضِيهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقْصِدُهُ الْمُبَيِّنُ الْهَادِي بِكَلَامِهِ، إِذْ لَوْ قَصَدَهُ لَحَفَّ بِالْكَلَامِ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُخَالِفِ لِظَاهِرِهِ حَتَّى لَا يُوقِعَ السَّامِعَ فِي اللَّبْسِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كَلَامَهُ بَيَانًا
стр. 14
وَهُدًى فَإِذَا أَرَادَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَلَمْ يَحُفَّ بِهِ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَتَبَادَرُ غَيْرُهُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ لَمْ يَكُنْ بَيَانًا وَلَا هُدًى.
[فصل تَنَازَعَ النَّاسُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ]
فَصْلٌ
تَنَازَعَ النَّاسُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بَلِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلَى إِقْرَارِهَا وَإِمْرَارِهَا مَعَ فَهْمِ مَعَانِيهَا وَإِثْبَاتِ حَقَائِقِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَعْظَمُ النَّوْعَيْنِ بَيَانًا وَأَنَّ الْعِنَايَةَ بِبَيَانِهَا أَهَمُّ لِأَنَّهَا مِنْ تَمَامِ تَحْقِيقِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَإِثْبَاتَهَا مِنْ لَوَازِمَ التَّوْحِيدِ، فَبَيَّنَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَيَانًا شَافِيًا لَا يَقَعُ فِيهِ لَبْسٌ يُوقِعُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ.
وَآيَاتُ الْأَحْكَامِ لَا يَكَادُ يَفْهَمُ مَعَانِيَهَا إِلَّا الْخَاصَّةُ مِنَ النَّاسِ، وَأَمَّا آيَاتُ الصِّفَاتِ فَيَشْتَرِكُ فِي فَهْمِ مَعْنَاهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، أَعَنِي فَهْمَ أَصْلِ الْمَعْنَى لَا فَهْمَ الْكُنْهِ وَالْكَيْفِيَّةِ، وَلِهَذَا أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] وَغَيْرُهَا مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ آيَاتِ الْأَحْكَامِ مُجْمَلَةٌ عُرِفَ بَيَانُهَا بِالسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَهَذَا مُجْمَلٌ فِي قَدْرِ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بِأَنَّهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ ذَبْحُ شَاةٍ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ كَآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَلَيْسَ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا مُجْمَلٌ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ مِنْ خَارِجٍ بَلْ بَيَانُهَا فِيهَا وَإِنْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِزِيَادَةٍ فِي الْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ.
стр. 15
[فصل تَعْجِيزِ الْمُتَأَوِّلِينَ عَنْ تَحْقِيقِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَسُوغُ تَأْوِيلُهُ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وما لا يسوغ]
فَصْلٌ
فِي تَعْجِيزِ الْمُتَأَوِّلِينَ عَنْ تَحْقِيقِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَسُوغُ تَأْوِيلُهُ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا وَمَا لَا يَسُوغُ
لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَاتٍ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَفْعَالٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ وَيَكْرَهُ وَيَمْقُتُ وَيَرْضَى وَيَغْضَبُ وَيَسْخَطُ وَيَجِيءُ وَيَأْتِي إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ الْمُسْتَوِي عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّ لَهُ عِلْمًا وَحَيَاةً وَقُدْرَةً وَإِرَادَةً وَسَمْعًا وَبَصَرًا وَوَجْهًا وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ وَأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ وَتَتَنَزَّلُ بِالْأَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ وَأَنَّهُ قَرِيبٌ وَأَنَّهُ مَعَ الْمُحْسِنِينَ وَمَعَ الصَّابِرِينَ وَمَعَ الْمُتَّقِينَ وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، وَوَصَفَهُ رَسُولُهُ بِأَنَّهُ يَفْرَحُ وَيَضْحَكُ وَأَنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَيُقَالُ لِلْمُتَأَوِّلِ: تَتَأَوَّلُ هَذَا كُلَّهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ، أَمْ تُفَسِّرُ الْجَمِيعَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، أَمْ تُفَرِّقُ بَيْنَ بَعْضِ ذَلِكَ وَبَعْضِهِ، فَإِنْ تَأَوَّلْتَ الْجَمِيعَ وَحَمَلْتَهُ عَلَى خِلَافِ حَقِيقَتِهِ كَانَ ذَلِكَ عِنَادًا ظَاهِرًا وَكُفْرًا صُرَاحًا وَجَحْدًا لِرُبُوبِيَّتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ لِلْعَالَمِ صَانِعًا، فَإِنْ قُلْتَ: أُثْبِتُ لِلْعَالَمِ صَانِعًا وَلَكِنْ لَا أَصِفُهُ بِصِفَةٍ تَقَعُ عَلَى خَلْقِهِ وَحَيْثُ وُصِفَ بِمَا يَقَعُ عَلَى الْمَخْلُوقِ تَأَوَّلْتُهُ، قِيلَ لَهُ: فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ هَلْ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ ثَابِتَةٍ هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا أَوْ لَا تَدُلُّ؟ فَإِنْ نَفَيْتَ دَلَالَتَهَا عَلَى مَعْنًى ثَابِتٍ كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ التَّعْطِيلِ، وَإِنْ أَثْبَتَّ دَلَالَتَهَا عَلَى مَعْنَى هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا ثَابِتٌ، قِيلَ لَكَ: فَمَا الَّذِي سَوَّغَ لَكَ تَأْوِيلَ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا أَثْبَتَّهَا وَنَفَيْتَهَا مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ أَوِ الْعَقْلِ وَدِلَالَةِ النُّصُوصِ أَنَّ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَعِلْمًا وَقُدْرَةً وَإِرَادَةً وَحَيَاةً وَكَلَامًا كَدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّ لَهُ مَحَبَّةً وَرَحْمَةً وَغَضَبًا وَرِضًا وَفَرَحًا وَضَحِكًا وَوَجْهًا وَيَدَيْنِ، فَدِلَالَةُ النُّصُوصِ عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَلِمَ نَفَيْتَ حَقِيقَةَ رَحْمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَفَرَحِهِ وَضَحِكِهِ، وَأَوَّلْتَهَا نَفْسَ الْإِرَادَةِ؟
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ إِثْبَاتَ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا، وَإِثْبَاتَ حَقَائِقِ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ فَإِنَّهَا لَا تُعْقَلُ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ رِقَّةٌ تَعْتَرِي طَبِيعَةَ الْحَيَوَانِ، وَالْمَحَبَّةَ مَيْلُ النَّفْسِ لِجَلْبِ مَا يَنْفَعُهَا، وَالْغَضَبَ غِلٌّ بِالْقَلْبِ لِوُرُودِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ.
стр. 16
قِيلَ لَكَ: وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ هِيَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى جَلْبِ مَا يَنْفَعُهَا وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهَا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا أَثْبَتَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَغْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِالْأَجْسَامِ فِي الشَّاهِدِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ انْطِبَاعُ صُورَةِ الْمَعْلُومِ فِي نَفْسِ الْعَالِمِ، أَوْ صِفَةٌ عَرَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْحَيَاةُ أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ، فَكَيْفَ لَزِمَ التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ مِنْ إِثْبَاتِ تِلْكَ الصِّفَاتِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ إِثْبَاتٍ هَذِهِ؟
فَإِنْ قُلْتَ: أَنَا أُثْبِتُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُ صِفَاتِنَا وَلَا يُشْبِهُهَا.
قِيلَ لَكَ: فَهَلَّا أَثْبَتَّ الْجَمِيعَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ؟
فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا لَا يُعْقَلُ، قِيلَ لَكَ: فَكَيْفَ عَقَلْتَ سَمْعًا وَبَصَرًا وَحَيَاةً وَإِرَادَةً وَمَشِيئَةً، لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ؟
فَإِنْ قُلْتَ: أَنَا أُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يُتَأَوَّلُ وَمَا لَا يُتَأَوَّلُ بِأَنَّ مَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى ثُبُوتِهِ يَمْتَنِعُ تَأْوِيلُهُ كَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ يَجِبُ أَوْ يَسُوغُ تَأْوِيلُهُ كَالْيَدِ وَالْوَجْهِ وَالضَّحِكِ وَالْفَرَحِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَى، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْمُحْكَمَ دَلَّ عَلَى الْإِرَادَةِ فَيَمْتَنِعُ مُخَالَفَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْعَقْلِ.
قِيلَ لَكَ: وَكَذَلِكَ الْإِنْعَامُ وَالْإِحْسَانُ وَكَشْفُ الضُّرِّ وَتَفْرِيجُ الْكُرُبَاتِ دَلَّ عَلَى الرَّحْمَةِ كَدِلَالَةِ التَّخْصِيصِ عَلَى الْإِرَادَةِ سَوَاءٌ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْكَرَامَةِ وَالِاصْطِفَاءِ وَالِاخْتِيَارِ دَالٌّ عَلَى الْمَحَبَّةِ كَدِلَالَةِ مَا ذَكَرْتَ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَالْإِهَانَةُ وَالطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ وَالْحِرْمَانُ دَالٌّ عَلَى الْمَقْتِ وَالْبُغْضِ كَدِلَالَةِ ضِدِّهِ عَلَى الرِّضَى وَالْحُبِّ، وَالْعُقُوبَةُ وَالْبَطْشُ وَالِانْتِقَامُ دَالٌّ عَلَى الْغَضَبِ كَدِلَالَةِ ضِدِّهِ عَلَى الرِّضَى.
وَنَقُولُ ثَانِيًا: هَبْ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي نَفَيْتَهَا فَإِنَّهُ لَا يَنْفِيهَا، وَالسَّمْعُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، بَلِ الطُّمَأْنِينَةُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَعْظَمُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ إِلَى مُجَرَّدِ الْعَقْلِ، فَمَا الَّذِي يُسَوِّغُ لَكَ نَفْيَ مَدْلُولِهِ؟
وَيُقَالُ ثَالِثًا: إِنْ كَانَ ظَاهِرُ النُّصُوصِ يَقْتَضِي تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا فَهُوَ يَقْتَضِيهِ فِي الْجَمِيعِ، فَأَوِّلِ الْجَمِيعَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَأْوِيلُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ بَعْضَهَا يَقْتَضِيهِ وَبَعْضَهَا لَا يَقْتَضِيهِ طُولِبْتَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَلَمَّا تَفَطَّنَ بَعْضُهُمْ لِتَعَذُّرِ الْفِرَاقِ قَالَ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ كَصِفَاتِ السَّمْعِ لَا يَتَأَوَّلُ، وَمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ فَإِنَّهُ يَتَأَوَّلُ، وَهَذَا كَمَا تَرَاهُ مِنْ أَفْسَدِ الْفُرُوقِ، فَإِنَّ مَضْمُونَهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَثْبَتَ مَا يَدُلُّ رَأْيُ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ، وَهَذَا قَدْحٌ فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى بَاطِلٍ.
стр. 17
ثُمَّ يُقَالُ: إِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ وَظَاهِرُهَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ بَطَلَ نَفْيُكُمْ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهَا بَطَلَ التَّفْرِيقُ بِهِ.
ثُمَّ يُقَالُ: خُصُومُكُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ لَمْ تُجْمِعْ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ قَبْلَهُمْ، قِيلَ: صَدَقْتُمْ وَاللَّهِ، وَالَّذِينَ أَجْمَعُوا قَبْلَهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَجْمَعُوا عَلَى إِثْبَاتِ سَائِرِ الصِّفَاتِ وَلَمْ يَخُصُّوهَا بِسَبْعٍ، بَلْ تَخْصِيصُهَا بِالسَّبْعِ خِلَافُ قَوْلِ السَّلَفِ، وَقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، فَالنَّاسُ كَانُوا طَائِفَتَيْنِ: سَلَفِيَّةٍ وَجَهْمِيَّةٍ، فَحَدَثَتِ الطَّائِفَةُ السَّبْعِيَّةُ وَاشْتَقَّتْ قَوْلًا بَيْنَ قَوْلَيْنِ، فَلَا لِلسَّلَفِ اتَّبَعُوا وَلَا مَعَ الْجَهْمِيَّةِ بَقُوا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: مَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرُهُ جَوَارِحَ وَأَبْعَاضًا، كَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ لَا يَتَأَوَّلُ، وَمَا كَانَ ظَاهِرُهُ جَوَارِحَ وَأَبْعَاضًا كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَدَمِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ لِاسْتِلْزَامِ إِثْبَاتِهِ التَّرْكِيبَ وَالتَّجْسِيمَ.
قَالَ الْمُثْبِتُونَ: جَوَابُنَا لَكُمْ هُوَ عَيْنُ الَّذِي تُجِيبُونَ بِهِ خُصُومَكُمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، فَهُمْ قَالُوا لَكُمْ: لَوْ قَامَ بِهِ سُبْحَانَهُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ لَكَانَ مَحَلًّا لِلْأَعْرَاضِ وَلَزِمَ التَّرْكِيبَ وَالتَّجْسِيمَ وَالِانْقِسَامَ، كَمَا قُلْتُمْ: لَوْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَيَدٌ وَإِصْبَعٌ لَزِمَ التَّرْكِيبَ وَالِانْقِسَامَ وَحِينَئِذٍ فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ لِهَؤُلَاءِ نُجِيبُكُمْ بِهِ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ نُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَكُونُ أَعْرَاضًا وَلَا نُسَمِّيهَا أَعْرَاضًا فَلَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكِيبًا وَلَا تَجْسِيمًا.
قِيلَ لَكُمْ: وَنَحْنُ نُثْبِتُ الصِّفَاتِ الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَنَفَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَبْعَاضَ وَالْجَوَارِحَ وَلَا يُسَمَّى الْمُتَّصِفُ بِهَا مُرَكَّبًا وَلَا جِسْمًا وَلَا مُنْقَسِمًا.
فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا لَا يُعْقَلُ مِنْهَا إِلَّا الْأَجْزَاءُ وَالْأَبْعَاضُ، قُلْنَا لَكُمْ: وَتِلْكَ لَا يُعْقَلُ مِنْهَا إِلَّا الْأَعْرَاضُ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: الْعَرَضُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَصِفَاتُ الرَّبِّ تَعَالَى بَاقِيَةٌ دَائِمًا أَبَدِيَّةٌ فَلَيْسَتْ أَعْرَاضًا، قُلْنَا: وَكَذَلِكَ الْأَبْعَاضُ هِيَ مَا جَازَ مُفَارَقَتُهَا وَانْفِصَالُهَا، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الرَّبِّ تَعَالَى مُحَالٌ، فَلَيْسَتْ أَبْعَاضًا وَلَا جَوَارِحَ، فَمُفَارَقَةُ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا مُسْتَحِيلٌ مُطْلَقًا فِي نَوْعَيْنِ، وَالْمَخْلُوقُ يَجُوزُ أَنْ تُفَارِقَهُ أَبْعَاضُهُ وَأَعْرَاضُهُ.
стр. 18
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنْ كَانَ الْوَجْهُ عَيْنُ الْيَدِ وَعَيْنُ السَّاقِ وَالْإِصْبَعِ فَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ يَلْزَمُ التَّمَيُّزُ وَيَلْزَمُ التَّرْكِيبُ، قُلْنَا لَكُمْ: وَإِنْ كَانَ السَّمْعُ هُوَ عَيْنُ الْبَصَرِ وَهُمَا نَفْسُ الْعِلْمِ وَهِيَ نَفْسُ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ فَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ تَمَيَّزَ لَزِمَ التَّرْكِيبُ، فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ؟ فَالْجَوَابُ مُشْتَرَكٌ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ نَعْقِلُ صِفَاتٍ لَيْسَتْ أَعْرَاضًا تَقُومُ بِغَيْرِ جِسْمٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الشَّاهِدِ نَظِيرٌ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ فَرْقٌ غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالتَّرْكِيبَ وَالْآخَرَ لَا يَسْتَلْزِمُهُ.
وَلَمَّا أَخَذَ هَذَا الْإِلْزَامُ بِخِنَاقِ الْجَهْمِيَّةِ قَالُوا: الْبَابُ كُلُّهُ عِنْدَنَا وَاحِدٌ وَنَحْنُ نَنْفِي الْجَمِيعَ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا هَذَا النَّفْيُ وَالتَّعْطِيلُ، وَإِمَّا أَنْ تَصِفُوا اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَتَتَّبِعُوا فِي ذَلِكَ سَبِيلَ السَّلَفِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِهَذَا الشَّأْنِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَأَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَتَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْمَفْهُومَةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تُرَدُّ بِالشُّبَهَاتِ فَيَكُونُ رَدُّهَا مِنْ بَابِ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يُتْرَكُ تَدَبُّرُهَا وَمَعْرِفَتُهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مُشَابَهَةً لِلَّذِينِ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ، بَلْ هِيَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى أَشْرَفِ الْمَعَانِي وَأَجَلِّهَا، قَائِمَةٌ حَقَائِقُهَا فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ، إِثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيهٍ، وَتَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ، كَمَا قَالَتْ حَقَائِقُ سَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي قُلُوبِهِمْ كَذَلِكَ، فَكَانَ الْبَابُ عِنْدَهُمْ بَابًا وَاحِدًا، وَعَلِمُوا أَنَّ الصِّفَاتِ حُكْمُهَا حُكْمُ الذَّاتِ، فَكَمَا ذَاتُهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ فَكَذَا صِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: (التَّشْبِيهُ أَنْ تَقُولَ: يَدٌ كَيَدٍ أَوْ وَجْهٌ كَوَجْهٍ، فَأَمَّا إِثْبَاتُ يَدٍ لَيْسَتْ كَالْأَيْدِي وَوَجْهٍ لَيْسَ كَالْوُجُوهِ فَهُوَ إِثْبَاتُ ذَاتٍ لَيْسَتْ كَالذَّوَاتِ، وَحَيَاةٍ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنَ الْحَيَاةِ، وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ لَيْسَ كَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ، وَلَيْسَ إِلَّا هَذَا الْمَسْلَكُ، وَمَسْلَكُ التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ وَالتَّنَاقُضِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ لِصَاحِبِهِ قَدَمٌ فِي النَّفْيِ وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ) وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَتَأَوَّلُ كُلَّ مَا يُخَالِفُ نِحْلَتَهَا وَأَصْلَهَا، فَالْعِيَارُ عِنْدَهُمْ فِيمَا يُتَأَوَّلُ وَمَا لَا يُتَأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ، مَا وَافَقَهَا أَقَرُّوهُ وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهُ وَمَا خَالَفَهَا تَأَوَّلُوهُ.
стр. 19
[فصل إِلْزَامِهِمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلُوهُ تَأَوُّلًا نَظِيرَ مَا فَرُّوا مِنْهُ]
فَصْلٌ
فِي إِلْزَامِهِمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلُوهُ تَأَوُّلًا نَظِيرَ مَا فَرُّوا مِنْهُ
وَهُوَ فَصْلٌ بَدِيعٌ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُتَأَوِّلِينَ لَمْ يَسْتَفِيدُوا بِتَأْوِيلِهِمْ إِلَّا تَعْطِيلَ حَقَائِقِ النُّصُوصِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَتَخَلَّصُوا مِمَّا ظَنُّوهُ مَحْذُورًا بَلْ هُوَ لَازِمٌ لَهُمْ فِيمَا فَرُّوا إِلَيْهِ كَلُزُومِهِ فِيمَا فَرُّوا مِنْهُ، بَلْ قَدْ يَنْفُونَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مَحْذُورًا، كَحَالِ الَّذِينَ تَأَوَّلُوا نُصُوصَ الْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالِاسْتِوَاءِ فِرَارًا مِنَ التَّحَيُّزِ وَالْحَصْرِ، ثُمَّ قَالُوا: هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ، فَنَزَّهُوهُ عَنِ اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَمُبَايَنَتِهِ لِخَلْقِهِ وَجَعَلُوهُ فِي أَجْوَافِ الْبُيُوتِ وَالْآبَارِ وَالْأَوَانِي وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهَا.
وَلَمَّا عَلِمَ مُتَأَخَّرُو الْجَهْمِيَّةِ فَسَادَ ذَلِكَ قَالُوا: لَيْسَ وَرَاءَ الْعَالَمِ وَلَا فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رَبٌّ يُعْبَدُ وَلَا إِلَهٌ يُصَلَّى لَهُ وَيُسْجَدُ، وَلَا هُوَ أَيْضًا فِي الْعَالَمِ، فَجَعَلُوا نِسْبَتَهُ إِلَى الْعَرْشِ كَنِسْبَتِهِ إِلَى أَخَسِّ مَكَانٍ.
فَإِذَا تَأَوَّلَ الْمُتَأَوِّلُ الْمَحَبَّةَ وَالرَّحْمَةَ وَالرِّضَى وَالْغَضَبَ بِالْإِرَادَةِ، قِيلَ لَهُ: يَلْزَمُكَ فِي الْإِرَادَةِ مَا لَزِمَكَ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَإِذَا تَأَوَّلَ الْوَجْهَ بِالذَّاتِ لَزِمَهُ فِي الذَّاتِ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْوَجْهِ، فَإِنَّ لَفْظَ الذَّاتِ يَقَعُ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ، وَإِذَا تَأَوَّلَ لَفْظَ الْيَدِ بِالْقُدْرَةِ، يُوصَفُ بِهَا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، وَإِذَا تَأَوَّلَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ بِالْعِلْمِ لَزِمَهُ مَا فَرَّ مِنْهُ فِي الْعِلْمِ، وَإِذَا تَأَوَّلَ الْفَوْقِيَّةَ بِفَوْقِيَّةِ الْقَهْرِ لَزِمَهُ فِيهَا مَا فَرَّ مِنْهُ مِنْ فَوْقِيَّةِ الذَّاتِ، فَإِنَّ الْقَاهِرَ مَنِ اتَّصَفَ بِالْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ، وَلَا يُعْقَلُ هَذَا إِلَّا جِسْمًا، فَإِنْ أَثْبَتَهُ الْعَقْلُ غَيْرَ جِسْمٍ لَمْ يَعْجِزْ عَنْ إِثْبَاتِ فَوْقِيَّةِ الذَّاتِ لِغَيْرِ جِسْمٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَأَوَّلَ الْإِصْبَعَ بِالْقُدْرَةِ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ أَيْضًا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ وَعَرَضٌ مِنْ أَعْرَاضِهِ، فَفَرَّ مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَأَوَّلَ الضَّحِكَ بِالرِّضَى بِالْإِرَادَةِ إِنَّمَا فَرَّ مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ، فَهَلَّا أَقَرَّ النُّصُوصَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْتَهِكْ حُرْمَتَهَا؟ فَإِنَّ الْمُتَأَوِّلَ إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ مَعْنًى ثُبُوتِيًّا أَوْ يَتَأَوَّلَ اللَّفْظَ بِمَا هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ، فَإِنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنًى ثُبُوتِيٍّ كَائِنٍ لَزِمَهُ فِيهِ نَظِيرُ مَا فَرَّ مِنْهُ.
[فَصْلٌ شبهات الجهمي في الوجه والعين والجنب والساق والجواب عليها]
فَصْلٌ
قَالَ الْجَهْمِيُّ: وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْوَجْهِ وَالْأَعْيُنِ وَالْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ، فَلَوْ أَخَذْنَا بِالظَّاهِرِ لَزِمَنَا إِثْبَاتُ شَخْصٍ لَهُ وَجْهٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ أَعْيُنٌ كَثِيرَةٌ وَلَهُ جَنْبٌ وَاحِدٌ،
стр. 20
وَعَلَيْهِ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ سَاقٌ وَاحِدٌ، وَلَا نَرَى فِي الدُّنْيَا شَخْصًا أَقْبَحَ صُورَةً مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُتَخَيَّلَةِ.
قَالَ السُّنِّيُّ الْمُعَظِّمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى: قَدِ ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَالَّذِي هُوَ خَيْرُ الْكَلَامِ وَأَصْدَقُهُ وَأَحْسَنُهُ وَأَفْصَحُهُ وَهُوَ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ وَجَعَلَهُ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَهُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُنْزِلْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ أَهْدَى مِنْهُ وَلَا أَحْسَنَ وَلَا أَكْمَلَ، فَانْتَهَكْتَ حُرْمَتَهُ وَعَظَمَتَهُ وَنَسَبْتَهُ إِلَى أَقْبَحِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ، وَادَّعَيْتَ أَنَّ ظَاهِرَهُ وَمَدْلُولَهُ إِثْبَاتُ شَخْصٍ لَهُ وَجْهٌ وَلَهُ أَعْيُنٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ سَاقٌ وَاحِدٌ، وَادَّعَيْتَ أَنَّ ظَاهِرَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّنِيعَةِ، فَيَكُونُ سُبْحَانَهُ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَقْبَحِ الصِّفَاتِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، فَأَيُّ طَعْنٍ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْ طَعْنِ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا ظَاهَرَهُ؟ وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْ أَعْدَاءِ الرَّسُولِ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُ بِالْمُحَارَبَةِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَبْطَلَ الْبَاطِلِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَقْرَبِ الطُّرُقِ لَهُمْ إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ، وَقَالُوا: كَيْفَ تَدْعُونَا إِلَى عِبَادَةِ رَبٍّ صُورَتُهُ هَذِهِ الصُّورَةُ الشَّنِيعَةُ؟ وَهُمْ يُورِدُونَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ، كَمَا أَوْرَدُوا عَلَيْهِ الْمَسِيحَ لَمَّا قَالَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فَتَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَهُ، وَهُوَ دُخُولُ الْمَسِيحِ فِيمَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِمَّا بِعُمُومِ لَفْظِ (مَا) وَإِمَّا بِعُمُومِ الْمَعْنَى، وَأَوْرَدَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] أَنَّ بَيْنَ هَارُونَ وَعِيسَى مَا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ بِوَجْهٍ، وَكَانُوا يَتَعَنَّتُونَ فِيمَا يُورِدُونَهُ عَلَى الْقُرْآنِ بِهَذَا وَدُونَهُ، فَكَيْفَ يَجِدُونَ ظَاهِرَهُ إِثْبَاتَ رَبٍّ شَأْنُهُ هَذَا وَلَا يُنْكِرُونَهُ؟
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَدَعْوَى الْجَهْمِيِّ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا إِثْبَاتُ أَعْيُنٍ كَثِيرَةٍ كَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ إِنْ دَلَّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَعْيُنٍ كَثِيرَةٍ وَأَيْدٍ كَثِيرَةٍ، دَلَّ عَلَى خَلْقَيْنِ كَثِيرَيْنِ، فَإِنَّ لَفْظَ الْأَيْدِي مُضَافٌ إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ، فَادَّعِ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ: ظَاهِرُهُ إِثْبَاتُ أَيْدٍ كَثِيرَةٍ لِآلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَإِلَّا فَدَعَوَاكَ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٍ لِذَاتٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَإِنَّمَا ظَاهِرُهُ بِزَعْمِكَ أَعْيُنٌ عَلَى ذَوَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا عَلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ.
стр. 21
الثَّانِي: أَنَّ دَعْوَاكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ إِثْبَاتُ أَيْدٍ كَثِيرَةٍ فِي جَنْبٍ وَاحِدٍ كَذِبٌ آخَرُ، فَأَيْنَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْأَيْدِي فِي الْجَنْبِ؟ وَكَذَلِكَ إِنَّمَا أَخَذْتَ هَذَا مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى بَنِي آدَمَ فَشَبَّهْتَ أَوَّلًا، وَعَطَّلْتَ ثَانِيًا، وَكَذَلِكَ جَعْلُكَ الْأَعْيُنَ الْكَثِيرَةَ فِي الْوَجْهِ الْوَاحِدِ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَإِنَّمَا أَخَذْتَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْآدَمِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ كُلَّ مُعَطِّلٍ مُشَبِّهٌ، وَلَا يَسْتَقِيمُ لَكَ التَّعْطِيلُ إِلَّا بَعْدَ التَّشْبِيهِ.
الثَّالِثُ: أَيْنَ فِي الْقُرْآنِ إِثْبَاتُ سَاقٍ وَاحِدٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَنْبٍ وَاحِدٍ؟ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وَقَالَ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] فَعَلَى تَقْدِيرٍ أَنْ يَكُونَ السَّاقُ وَالْجَنْبُ مِنَ الصِّفَاتِ فَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَا يُوجِبُ أَلَّا يَكُونَ لَهُ إِلَّا جَنْبٌ وَاحِدٌ وَسَاقٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْتَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيٍ مَا أَرَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا بِمَنْطُوقِهِ وَلَا بِمَفْهُومِهِ، حَتَّى الْقَائِلِينَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى نَفْيٍ مَا عَدَا الْمَذْكُورَ، لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ سَبَبٌ غَيْرَ الِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ لَمْ يَكُنِ الْمَفْهُومُ مُرَادًا بِالِاتِّفَاقِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْآيَتَيْنِ إِثْبَاتَ الصِّفَةِ حَتَّى يَكُونَ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ مُرَادًا، بَلِ الْمَقْصُودُ حُكْمٌ آخَرُ، وَهُوَ إِثْبَاتُ تَفْرِيطِ الْعَبْدِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَيَانُ سُجُودِ الْخَلَائِقِ إِذَا كُشِفَ عَنْ سَاقٍ، وَهَذَا حُكْمٌ قَدْ يَخْتَصُّ بِالْمَذْكُورِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ.
الرَّابِعُ: هَبْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ وَاحِدَةٍ هِيَ صِفَةٌ، فَمِنْ أَيْنَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُبْحَانَهُ إِلَّا تِلْكَ الصِّفَةُ الْوَاحِدَةُ، وَأَنْتَ لَوْ سَمِعْتَ قَائِلًا يَقُولُ: كَشَفْتُ عَنْ عَيْنِي وَأَبْدَيْتُ عَنْ رُكْبَتِي وَعَنْ سَاقِي، هَلْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدُ فَقَطْ، فَلَوْ قَالَ لَكَ أَحَدٌ: لَمْ يَكُنْ هَذَا ظَاهِرَ كَلَامِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ظَاهِرُ أَفْصَحِ الْكَلَامِ وَأَبَيْنِهِ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ يُرَادُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وَقَوْلِهِ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] وَقَوْلِهِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَلَوْ كَانَ الْجَنْبُ وَالسَّاقُ صِفَةٌ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] .
стр. 22
السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: مِنْ أَيْنَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ إِثْبَاتُ جَنْبٍ وَاحِدٍ هُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ؟ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا لَا يُثْبِتُهُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَأَعْظَمُ النَّاسِ إِثْبَاتًا لِلصِّفَاتِ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، لَا يُثْبِتُونَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى جَنْبًا وَاحِدًا وَلَا سَاقًا وَاحِدًا.
قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي نَقْضِهِ عَلَى الْمَرِيسِيِّ:
وَادِّعَاءُ الْمُعَارِضِ زُورًا عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْجَنْبِ الَّذِي هُوَ الْعُضْوُ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُونَهُ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: مَا أَرْخَصَ الْكَذِبَ عِنْدَكَ وَأَخَفَّهُ عَلَى لِسَانِكَ: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ فَأَشِرْ بِهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، قَالَ: وَإِلَّا فَلِمَ تُشَنِّعُ بِالْكَذِبِ عَلَى قَوْمٍ هُمْ أَعْلَمُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مِنْكَ، إِنَّمَا تَفْسِيرُهَا عِنْدَهُمْ: تَحَسُّرُ الْكُفَّارِ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي الْإِيمَانِ وَالْفَضَائِلِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى ذَاتِ اللَّهِ وَاخْتَارُوا عَلَيْهَا الْكُفْرَ وَالسُّخْرِيَةَ، فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: جَنْبٌ مِنَ الْجُنُوبِ؟ فَإِنَّهُ لَا يَجْهَلُ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنْ عُلَمَائِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: " الْكَذِبُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ " وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: " لَا يَجُوزُ الْكَذِبُ جِدًّا وَلَا هَزْلًا " وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: " مَنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ مُنَافِقٌ ".
وَالتَّفْرِيطُ فِعْلٌ أَوْ تَرْكُ فِعْلٍ، وَهَذَا لَا يَكُونُ قَائِمًا بِذَاتِ اللَّهِ لَا بِجَنْبٍ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ لَا يَكُونُ مُنْفَصِلًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ.
السَّابِعُ: هَبْ أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى إِثْبَاتِ جَنْبٍ هُوَ صِفَةٌ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ ظَاهِرُهُ أَوْ بَاطِنُهُ عَلَى أَنَّهُ جَنْبٌ وَاحِدٌ وَشِقٌّ وَاحِدٌ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِطْلَاقَ مِثَالِ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِقٌّ وَاحِدٌ كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: " صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» "، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا جَنْبٌ وَاحِدٌ.
стр. 23
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ عَلَى جَنْبٍ مِنْ جَنْبِكَ، قُلْنَا: فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ ذِكْرَ الْجَنْبِ مُفْرَدًا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَنْبٌ آخَرُ، وَنَظِيرُ هَذَا الْقَدَمُ إِذَا ذُكِرَ مُفْرَدًا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ قِدَمٍ آخَرَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ عَلَيْهَا قَدَمَهُ» ".
الثَّامِنُ: مِنْ أَيْنَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَنَّ لِلَّهِ سَاقًا وَلَيْسَ مَعَكَ إِلَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وَالصَّحَابَةُ مُتَنَازِعُونَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ عَلَى الْمُرَادِ بِهَا: أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ نِزَاعٌ فِيمَا يُذْكَرُ أَنَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ أَمْ لَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُضِفِ السَّاقَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُجَرَّدًا عَنِ الْإِضَافَةِ مُنَكَّرًا، وَالَّذِينَ أَثْبَتُوا ذَلِكَ صِفَةً كَالْيَدَيْنِ لَمْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، إِنَّمَا أَثْبَتُوهُ بِحَدِيثِ أَبَى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلُ، وَفِيهِ: " «فَيَكْشِفُ الرَّبُّ عَنْ سَاقِهِ» . . . " الْحَدِيثَ. وَمَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ ﷺ : " «يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ» " وَتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ كَأَنَّهُ قَالَ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ عَظِيمَةٍ، قَالُوا: وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الشِّدَّةِ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ، فَإِنَّ لُغَةَ الْقَوْمِ أَنْ يُقَالَ: كَشَفَ الشِّدَّةَ عَنِ الْقَوْمِ لَا كَشَفَ عَنْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الزخرف: ٥٠] فَالْعَذَابُ هُوَ الْمَكْشُوفُ لَا الْمَكْشُوفُ عَنْهُ، وَأَيْضًا فَهُنَاكَ تَحْدُثُ شِدَّةٌ لَا تَزُولُ إِلَّا بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَهُنَا لَا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، دَائِمًا يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ أَشَدَّ مَا كَانَتِ الشِّدَّةُ.
التَّاسِعُ: أَنْ يُقَالَ: ذِكْرُ الْعَيْنِ الْمُفْرَدَةِ مُضَافَةٌ إِلَى الضَّمِيرِ الْمُفْرَدِ، وَالْأَعْيُنِ مَجْمُوعَةٌ مُضَافٌ إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ، وَذِكْرُ الْعَيْنِ مُفْرَدَةً لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ لَيْسَ إِلَّا كَقَوْلِكَ: أَفْعَلُ هَذَا عَلَى عَيْنِي وَأُحِبُّكَ عَلَى عَيْنِي، وَلَا يُرِيدُ أَنَّ لَهُ عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا إِذَا أُضِيفَتِ الْعَيْنُ إِلَى اسْمِ الْجَمْعِ ظَاهِرًا وَمُضْمَرًا، فَالْأَحْسَنُ جَمْعُهُ مُشَاكَلَةً لِلَّفْظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَقَوْلِهِ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] وَهَذَا نَظِيرُ
стр. 24
الْمُشَاكَلَةِ فِي لَفْظِ الْيَدِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْمُفْرَدِ: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] وَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى ضَمِيرِ جَمْعٍ جُمِعَتْ: كَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] وَكَذَلِكَ إِضَافَةُ الْيَدِ وَالْعَيْنِ إِلَى اسْمِ الْجَمْعِ الظَّاهِرِ كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] وَقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] .
وَقَدْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِذِكْرِ الْيَدِ مُضَافَةً إِلَيْهِ بِلَفْظٍ مُفْرَدَةٍ، مَجْمُوعَةً وَمُثَنَّاةً، وَبِلَفْظِ الْعَيْنِ مُضَافَةً إِلَيْهِ مُفْرِدَةً وَمَجْمُوعَةً، وَنَطَقَتِ السُّنَّةُ بِإِضَافَتِهَا إِلَيْهِ مُثَنَّاةً كَمَا قَالَ عَطَاءٌ عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ قَامَ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا الْتَفَتَ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: إِلَى مَنْ تَلْفِتُ، إِلَى خَيْرٍ لَكَ مِنِّي» "، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» " صَرِيحٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ إِثْبَاتُ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوَرٌ ظَاهِرٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ، وَهَلْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الدَّاعِي: " اللَّهُمَّ احْرُسْنَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ " أَنَّهَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ لَيْسَ إِلَّا إِلَّا ذِهْنٌ أَقْلَفُ وَقَلْبٌ أَغْلَفُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ: هَذَا السَّبُعُ، فَنَادَى يَا قَسْوَرَةُ إِنْ كُنْتَ أُمِرْتَ فِينَا بِشَيْءٍ وَإِلَّا بِعَيْنِي فَاذْهَبْ، فَضَرَبَ بِذَنَبِهِ وَوَلَّى مُدْبِرًا، فَنَظَرَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ احْرُسْنَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَاكْنُفْنَا بِكَنَفِكَ الَّذِي لَا يُرَامُ، وَارْحَمْنَا بِقُدْرَتِكَ عَلَيْنَا، لَا نَهْلِكُ وَأَنْتَ الرَّجَاءُ. وَقَالَ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ: الْأَعْوَرُ ضِدَّ الْبَصِيرِ بِالْعَيْنَيْنِ.
стр. 25
وَقَدِ اسْتَدَلَّ السَّلَفُ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَيْنَيْنِ لَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ إِثْبَاتًا وَاسْتِدْلَالًا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كُتُبِهِ كُلِّهَا، فَقَالَ فِي كِتَابِ الْمَقَالَاتِ وَالْإِبَانَةِ، وَالْمُوجَزِ، وَهَذَا لَفْظُهُ فِيهَا: وَأَنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ بِلَا كَيْفٍ كَمَا قَالَ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] فَهَذَا الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُ لَمْ يَفْهَمُوا مِنَ الْأَعْيُنِ أَعْيُنًا كَثِيرَةً، وَلَا مِنَ الْأَيْدِي أَيَادٍ كَثِيرَةً عَلَى شِقٍّ وَاحِدٍ.
وَلَمَّا رَدَّ أَهْلُ السُّنَّةِ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ لَمْ يَقْدِرِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى أَخْذِ الثَّأْرِ مِنْهُمْ إِلَّا بِأَنْ سَمُّوهُمْ مُشَبِّهَةً، مُمَثِّلَةً، مُجَسِّمَةً، حَشَوِيَّةً، وَلَوْ كَانَ لِهَؤُلَاءِ عُقُولٌ لَعَلِمُوا أَنَّ التَّلْقِيبَ بِهَذِهِ الْأَلْقَابِ لَيْسَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ جَاءَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ وَتَكَلَّمَ بِهَا، وَدَعَا الْأُمَّةَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهَا، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَحْرِيفِهَا وَتَبْدِيلِهَا، وَلَوْ كَانَ خُصُومُكُمْ كَمَا زَعَمْتُمْ وَحَاشَاهُمْ مُشَبِّهَةً مُمَثِّلَةً مُجَسِّمَةً لَكَانُوا أَقَلَّ تَنَقُّصًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْكُمْ وَكِتَابِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِكَثِيرٍ، لَوْ كَانَ قَوْلُهُمْ يَقْتَضِي التَّنْقِيصَ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَقْتَضِيهِ لَوْ صَرَّحُوا بِهِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ أَثْبَتْنَا لَهُ غَايَةَ الْكَمَالِ وَنُعُوتَ الْجَلَالِ وَوَصَفْنَاهُ بِكُلِّ صِفَةِ كَمَالٍ، فَإِنْ لَزِمَ مِنْ هَذَا تَجْسِيمٌ وَتَشْبِيهٌ لَمْ يَكُنْ هَذَا نَقْضًا وَلَا عَيْبًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ لَازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ، وَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ كَمَالِ الرَّبِّ لَيْسَ بِنَقْصٍ.
وَأَمَّا أَنْتُمْ فَنَفَيْتُمْ عَنْهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لَازِمَ هَذَا النَّفْيِ وَصْفُهُ بِأَضْدَادِهَا مِنَ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ، فَمَا سَوَّى اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ وَلَا عُقَلَاءُ عِبَادِهِ بَيْنَ مَنْ نَفَى كَمَالَهُ الْمُقَدَّسَ حَذَرًا مِنَ التَّجْسِيمِ، وَبَيْنَ مَنْ أَثْبَتَ كَمَالَهُ الْأَعْظَمَ وَصِفَاتِهِ الْعُلَى بِلَوَازِمِ ذَلِكَ، كَائِنَةً مَا كَانَتْ.
فَلَوْ فَرَضْنَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَقُولُ: لَهُ سَمْعٌ كَسَمْعِ الْمَخْلُوقِ وَبَصَرٌ كَبَصَرِهِ وَيَدٌ كَيَدِهِ، لَكَانَ أَدْنَى إِلَى الْحَقِّ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا سَمْعَ وَلَا بَصَرَ وَلَا يَدَ، وَلَوْ فَرَضْنَا قَائِلًا يَقُولُ: إِنَّهُ مُتَحَيِّزٌ عَلَى عَرْشِهِ، تُحِيطُ بِهِ الْحُدُودُ وَالْجِهَاتُ لَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَهٌ يُعْبَدُ وَلَا تُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَيْدِي وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا هُوَ فَوْقَ خَلْقِهِ وَلَا مُحَايِثُهُمْ وَلَا مُبَايِنُهُمْ، فَإِنَّ هَذَا مُعَطِّلٌ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ رَادٌّ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَذَلِكَ الْمُشَبِّهُ غَالِطٌ مُخْطِئٌ فِي فَهْمِهِ، فَالْمُشَبِّهُ عَلَى زَعْمِكُمُ الْكَاذِبِ لَمْ يُشَبِّهْهُ تَنَقُّصًا لَهُ وَجَحْدًا لِكَمَالِهِ، بَلْ ظَنًّا أَنَّ إِثْبَاتَ الْكَمَالِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِذَلِكَ، فَقَابَلْتُمُوهُ بِتَعْطِيلِ كَمَالِهِ، وَذَلِكَ غَايَةُ التَّنْقِيصِ.
стр. 26
الْعَاشِرُ: أَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ مُتَنَوِّعَةٌ فِي إِفْرَادِ الْمُضَافِ وَتَثْنِيَتِهِ وَجَمْعِهِ بِحَسْبِ أَحْوَالِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَضَافُوا الْوَاحِدَ الْمُتَّصِلَ إِلَى مُفْرَدٍ أَفْرَدُوهُ، وَإِنْ أَضَافُوا إِلَى اسْمِ جَمْعٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وَإِنَّمَا هُمَا قَلْبَانِ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَتَقُولُ الْعَرَبُ: اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمَا، وَهَذَا أَفْصَحُ اسْتِعْمَالِهِمْ، وَتَارَةً يُفْرِدُونَ الْمُضَافَ فَيَقُولُونَ: لِسَانُهُمَا وَقَلْبُهُمَا، وَتَارَةً يُثَنُّونَ كَقَوْلِهِ: " ظَهْرَاهُمَا مِثْلَ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ " الْقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ لَا بِلُغَةِ الْعَجَمِ وَالطَّمَاطِمِ وَالْأَنْبَاطِ الَّذِينَ أَفْسَدُوا الدِّينَ وَتَلَاعَبُوا بِالنُّصُوصِ فَجَعَلُوهَا عُرْضَةً لِتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ.
وَإِذَا كَانَ مِنْ لُغَتِهِمْ وَضْعُ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ لِئَلَّا يَجْمَعُوا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ، فَلَأَنْ يُوضَعَ الْجَمْعُ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ تَثْنِيَةً أَوْلَى بِالْجَوَازِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ لَا تَجِدُ فِي كَلَامِهِمْ عَيْنَانِ وَيَدَانِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا يَلْتَبِسُ عَلَى السَّمْعِ قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِ: نَرَاكَ بِأَعْيُنِنَا وَنَأْخُذُ بِأَيْدِينَا، وَلَا يَفْهَمُ مِنْهُ بَشَرٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عُيُونًا كَثِيرَةً عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ.
الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ لَفْظَ الْيَدِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: مُفْرَدًا وَمُثَنًّى وَمَجْمُوعًا، فَالْمُفْرَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] وَالْمُثَنَّى كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَالْمَجْمُوعُ ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] فَحَيْثُ ذَكَرَ الْيَدَ مُثَنَّاةً أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ بِضَمِيرِ الْإِفْرَادِ وَعَدَّى الْفِعْلَ بِالْبَاءِ إِلَيْهَا فَقَالَ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَحَيْثُ ذَكَرَهَا مَجْمُوعَةً أَضَافَ الْعَمَلَ إِلَيْهَا وَلَمْ يُعَدِّ الْفِعْلَ بِالْبَاءِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ فُرُوقٍ فَلَا يَحْتَمِلُ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] مِنَ الْمَجَازِ مَا يَحْتَمِلُهُ ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] مَا
стр. 27
يَفْهَمُهُ مِنْ قَوْلِهِ: عَمِلْنَا وَخَلَقْنَا، كَمَا يَفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْيَدِ بَعْدَ نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْفَاعِلِ مَعْنًى، فَكَيْفَ وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ؟ فَكَيْفَ إِذَا ثُنِّيَتْ؟
وَسِرُّ الْفَرْقِ أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُضَافُ إِلَى يَدِ ذِي الْيَدِ الْمُرَادِ الْإِضَافَةِ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وَأَمَّا إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْفِعْلُ ثُمَّ عُدِّيَ بِالْبَاءِ إِلَى يَدِهِ مُفْرَدَةً أَوْ مُثَنَّاةً فَهُوَ مِمَّا بَاشَرَتْهُ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ بِيَدِهِ إِلَّا ثَلَاثًا: خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ) . فَلَوْ كَانَتِ الْيَدُ هِيَ الْقُدْرَةُ لَمْ يَكُنْ لَهَا اخْتِصَاصٌ بِذَلِكَ وَلَا كَانَتْ لِآدَمَ فَضِيلَةٌ بِذَلِكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ بِالْقُدْرَةِ) .
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَهْلَ الْمَوْقِفِ يَأْتُونَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: " «يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ» " وَكَذَلِكَ قَالَ آدَمُ لِمُوسَى فِي مُحَاجَّتِهِ لَهُ: " «اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ الْأَلْوَاحَ بِيَدِهِ» "، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ " وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ " «أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا: يَا رَبِّ خَلَقْتَ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ، فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ
стр. 28
فَكَانَ» " وَهَذَا التَّخْصِيصُ إِنَّمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فَلَوْ كَانَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] لَكَانَ هُوَ وَالْأَنْعَامُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً.
فَلَمَّا فَهِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] يُوجِبُ لَهُ تَخْصِيصًا وَتَفْضِيلًا بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا بِالْيَدَيْنِ عَلَى مَنْ أُمِرَ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ، وَفَهِمَ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَوْقِفِ حِينَ جَعَلُوهُ مِنْ خَصَائِصِهِ، كَانَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] خَطَأً مَحْضًا، كَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «يَقْبِضُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى» " وَقَوْلُهُ ﷺ : " «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يُغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقِسْطُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» " وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، فِي أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً: " «أُولَئِكَ الَّذِينَ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدَيَّ وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا» ".
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» "، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ:
стр. 29
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ: خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ الْفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي لَا يَدْخُلُهَا مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا دَيُّوثٌ» "، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ : " «تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّأُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ» ".
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ: " «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِكَ» " وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْهُ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ» " وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى» " وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ قَالَ: " «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» ".
وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبَى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يَا آدَمُ، وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى نَفَرٍ جُلُوسٍ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَذَهَبَ فَقَالُوا: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمُ
стр. 30
وَذُرِّيَّتُهُ. . .» الْحَدِيثَ "، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذَرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ» ".
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ فَاضَ بِهِمْ فِي كَفَّيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ» "، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ نَفَضَهُ نَفْضَ الْمِزْوَدِ فَقَبَضَ قَبْضَتَيْنِ، فَقَالَ لِمَا فِي الْيَمِينِ: فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ لِمَا فِي الْأُخْرَى: فِي النَّارِ» " وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، فَمِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالطَّيِّبُ وَالْخَبِيثُ» ".
стр. 31
وَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ " «إِنِ اللَّهَ خَمَّرَ طِينَةَ آدَمَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ فِيهَا فَخَرَجَ كُلُّ طَيِّبٍ بِيَمِينِهِ وَخَرَجَ كُلُّ خَبِيثٍ بِيَدِهِ الْأُخْرَى» " وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ " وَهَكَذَا " وَجَمَعَ يَدَيْهِ، قَالَ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " وَهَكَذَا " قَالَ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: حَسْبُكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَعْنِي يَا عُمَرُ، وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ الْجَنَّةَ كُلَّنَا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَدْخَلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " صَدَقَ عُمَرُ» " وَقَالَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَدِ اللَّهِ وَاحِدَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ؟ فَقَالَ: لَا، بَلِ اثْنَتَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: " مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِمَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ "، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: " أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَيَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، فَكَتَبَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنْ عَامِلٍ وَمَعْمُولٍ فِي بَرٍّ وَبَحْرٍ وَرَطْبٍ وَيَابِسٍ فَأَحْصَاهُ عِنْدَهُ ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] " يَقْبِضُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فَمَا يُرَى طَرَفُهَا فِي يَدِهِ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: " «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي قَبْضَتِهِ، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا: وَمَدَّ يَدَهُ وَبَسَطَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ أَنَا الرَّحْمَنُ. . .» " الْحَدِيثَ، وَقَالَ
стр. 32
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] قَالَ: " مَطْوِيَّةٌ بِيَمِينِهِ يَرْمِي بِهَا كَمَا يَرْمِي الْغُلَامُ بِالْكُرَةِ» " وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ: نَظَرْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ صَنَعَ، يَحْكِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " «يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدِهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ "، وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا " وَيَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ أَنَا الْمَلِكُ " حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟» وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: لَمَّا كَتَبَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ قَالَ: " بِاسْمِ اللَّهِ، هَذَا كِتَابُ اللَّهِ بِيَدِهِ لِعَبْدِهِ مُوسَى يُسَبِّحُنِي وَيُقَدِّسُنِي وَلَا يَحْلِفُ بِاسْمِي آثِمًا، فَإِنِّي لَا أُزَكِّي مَنْ حَلَفَ بِاسْمِي آثِمًا ".
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذِهِ النُّصُوصَ الَّتِي هِيَ غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ لِيَعْلَمَ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ مِنْهَا شَخْصًا لَهُ شِقٌّ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ سَاقٌ وَاحِدَةٌ، وَلَهُ أَعْيُنٌ كَثِيرَةٌ.
[فصل فِي الْوَظَائِفِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمُتَأَوِّلِ]
فَصْلٌ
فِي الْوَظَائِفِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمُتَأَوِّلِ
لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي اللَّفْظِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَالظَّاهِرُ كَانَ الْعُدُولُ بِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الْأَصْلِ، فَاحْتَاجَ مُدَّعِي ذَلِكَ إِلَى دَلِيلٍ يُسَوِّغُ لَهُ إِخْرَاجَهُ عَنْ أَصْلِهِ فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ لَا تَتِمُّ دَعْوَاهُ إِلَّا بِهَا:
الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: بَيَانُ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ فِي ذَلِكَ التَّرْكِيبِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا عَلَى اللُّغَةِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ قَدْ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْمَعْنَى لُغَةً، وَإِنِ احْتَمَلَهُ فَقَدْ لَا يَحْتَمِلُهُ فِي ذَلِكَ التَّرْكِيبِ الْخَاصِّ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ لَا يُبَالِي إِذَا تَهَيَّأَ لَهُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَهُ إِلَى مَقْصُودِهِ دَفْعِ الصَّائِلِ، فَبِأَيِّ طَرِيقٍ تَهَيَّأَ لَهُ دَفْعُهُ دَفَعَهُ، فَإِنَّ النُّصُوصَ قَدْ صَالَتْ عَلَى قَوَاعِدِهِ الْبَاطِلَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى كُلِّ مَا سَاغَ فِي اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ أَوِ الْخُطَبَاءِ وَالْكُتَّابِ وَالْعَامَّةِ إِلَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا عُلِمَ مِنْ وَصْفِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَأَسْمَائِهِ وَمَا تَضَافَرَتْ بِهِ صِفَاتُهُ لِنَفْسِهِ وَصِفَاتِ رَسُولِهِ، وَكَانَتْ إِرَادَةُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ مِمَّا
стр. 33
يَجُوزُ وَيَصْلُحُ لِنِسْبَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا سِيَّمَا وَالْمُتَأَوِّلُ يُخْبِرُ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ تَأْوِيلَ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ بِمَا يُوَافِقُ ظَاهِرَهُ أَوْ يُخَالِفُهُ إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمُرَادِهِ.
فَإِذَا عَلِمَ الْمُتَكَلِّمُ لَمْ يُرِدْ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَهُ وَأَنَّ فِي صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ إِرَادَتِهِ، اسْتَحَالَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ إِرَادَتَهُ.
فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ، وَمَنْ أَحَاطَ بِهِ فَعَرَفَهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَدَّعِيهِ الْمُخَرِّفُونَ لِلتَّأْوِيلَاتِ، مِمَّا يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يُرِدْهُ.
وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَسُوغُ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ أَوِ الْكُتَّابِ الْقَاصِدِينَ التَّعْمِيَةَ، لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْمُتَأَوِّلُ مِمَّا يَسُوغُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا التَّخَاطُبُ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَلَّا يَعُودَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ بِالْإِبْطَالِ وَالتَّعْطِيلِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَرَائِنُ تَحْتَفُّ بِهِ تُبَيِّنُ أَنَّهُ مُرَادٌ بِاللَّفْظِ، وَإِلَّا كَانَتْ دَعْوَى إِرَادَتِهِ كَذِبًا عَلَى الْمُتَكَلِّمِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ لَكَ أَمْثِلَةً:
الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: تَأَوُّلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] بِأَنَّهُ أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِهِ، فَهَذَا إِنْشَاءٌ مِنْهُمْ لِوَضْعِ لَفْظِ (اسْتَوَى) عَلَى (أَقْبَلَ) وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا مَعَانِي اسْتَوَى وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي مَعَانِيهِ الْإِقْبَالَ عَلَى الْخَلْقِ، فَهَذِهِ كُتُبُ اللُّغَةِ طَبَّقَتِ الْأَرْضَ لَا تَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَحْكِي ذَلِكَ عَنِ اللُّغَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اسْتِوَاءَ الشَّيْءِ وَالِاسْتِوَاءَ إِلَى وَالِاسْتِوَاءَ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَهُ وَوُجُودَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ الِاسْتِوَاءُ بِإِلَى أَوْ بِعَلَى، فَلَا يُقَالُ: اسْتَوَى إِلَى أَمْرٍ مَعْدُومٍ وَلَا اسْتَوَى عَلَيْهِ، فَهَذَا التَّأْوِيلُ إِنْشَاءٌ مَحْضٌ لَا إِخْبَارٌ صَادِقٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَكَذَلِكَ تَأْوِيلُهُمُ الِاسْتِوَاءَ بِالِاسْتِيلَاءِ فَإِنَّ هَذَا لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَتِهَا وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ كَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ، وَلَوِ احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْتَمِلْهُ هَذَا التَّرْكِيبُ، فَإِنَّ اسْتِيلَاءَهُ سُبْحَانَهُ وَغَلَبَتَهُ لِلْعَرْشِ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَالْعَرْشُ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِهِمَا بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ، وَبُطْلَانُ هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ أَرْبَعِينَ وَجْهًا سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
стр. 34
فَعَلَى الْمُتَأَوِّلِ أَنْ يُبَيِّنَ احْتِمَالَ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَيُبَيِّنَ تَعْيِينَ الْمَعْنَى ثَانِيًا، فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ عَنْ حَقِيقَتِهِ قَدْ يَكُونُ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، فَتَعْيِينُ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
الثَّانِي: إِقَامَةُ الدَّلِيلِ الصَّارِفِ لِلَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ، فَإِنَّ دَلِيلَ الْمُدَّعِي لِلْحَقِيقَةِ وَالظَّاهِرُ قَائِمٌ فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَارِفٍ يَكُونُ أَقْوَى مِنْهُ.
الثَّالِثُ: الْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارِضِ، فَإِنَّ مُدَّعِي الْحَقِيقَةِ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عِنْدَهُ عَلَى إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ: أَمَّا السَّمْعِيُّ فَلَا يُمْكِنُكَ الْمُكَابَرَةُ أَنَّهُ مَعَهُ، وَأَمَّا الْعَقْلِيُّ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: عَامٌّ، وَخَاصٌّ، فَالْعَامُّ: الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى كَمَالِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ وَكَمَالِ بَيَانِهِ وَكَمَالِ نُصْحِهِ، وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الشُّبَهِ الْخَيَالِيَّةِ الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِهَا النُّفَاةُ بِكَثِيرٍ، فَإِنْ جَازَ مُخَالَفَةُ هَذَا الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ فَمُخَالَفَةُ تِلْكَ الشُّبَهِ الْخَيَالِيَّةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ مُخَالَفَةُ تِلْكَ الشُّبَهِ فَامْتِنَاعُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ أَوْلَى، وَأَمَّا الْخَاصُّ فَكُلُّ صِفَةٍ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهَا رَسُولُهُ ﷺ فَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ قَطْعًا، فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَتَأْوِيلُهَا بِمَا يُبْطِلُ حَقَائِقَهَا.
فَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، دَلَّ نَظِيرُهُ عَلَى ثُبُوتِ الْحِكْمَةِ وَالرِّضَى وَالرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ وَالْفَرَحِ وَالضَّحِكِ، وَالَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ دَلَّ عَلَى قِيَامِ أَفْعَالِهِ بِهِ، وَذَلِكَ عَيْنُ الْكَمَالِ، وَكُلُّ صِفَةٍ دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالْعَقْلُ جَازِمٌ بِإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ أَوْ يَصِفَهُ رَسُولُهُ بِصِفَةٍ تُوهِمُ نَقْصًا وَهَذَا دَلِيلٌ أَيْضًا أَقْوَى مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ لِلنُّفَاةِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ أَدِلَّةَ مُبَايَنَةِ الرَّبِّ لِخَلْقِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فِطْرِيَّةٌ تُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِمَدْلُولِهَا.
وَأَمَّا السَّمْعِيَّةُ فَتُقَارِبُ أَلْفَ دَلِيلٍ، فَعَلَى الْمُتَأَوِّلِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهَيْهَاتَ لَهُ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، فَنَحْنُ نُطَالِبُهُ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ عَنْ دَلِيلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ: أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ خَارِجٌ عَنِ الذِّهْنِ ثَابِتٌ فِي الْأَعْيَانِ، أَوْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ خَارِجِيٌّ كَانَ خَيَالًا قَائِمًا بِالذِّهْنِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ وَإِنْ تَسَتَّرُوا بِزُخْرُفٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ وُجُودُهُ خَارِجَ الذِّهْنِ فَهُوَ مُبَايِنٌ لَهُ، أَوْ هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، إِذْ لَوْ كَانَ قَائِمًا بِهِ لَكَانَ عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِهِ، وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ
стр. 35
هُوَ هَذَا الْعَالَمُ، أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعَالَمَ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِقَوْلِ أَصْحَابِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْعَالَمِ إِلَهٌ مُبَايِنٌ لَهُ، مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَهَذَا أَكْفَرُ أَقْوَالِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ، أَوْ قَائِمًا بِالْعَالَمِ؟ فَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِالْعَالَمِ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِقَيُّومِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْعَالَمَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فَذَاتَانِ قَائِمَتَانِ بِأَنْفُسِهِمَا لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا دَاخِلَةً فِي الْأُخْرَى، وَلَا خَارِجَةً عَنْهَا وَلَا مُتَّصِلَةً بِهَا وَلَا مُنْفَصِلَةً عَنْهَا وَلَا مُحَايِثَةً وَلَا مُبَايِنَةً وَلَا فَوْقَهَا وَلَا تَحْتَهَا وَلَا خَلْفَهَا وَلَا أَمَامَهَا وَلَا عَنْ يَمِينِهَا وَلَا عَنْ شِمَالِهَا، كَلَامٌ لَهُ خِبْءٌ لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ مُنْصِفٍ، وَالْبَدِيهَةُ الضَّرُورِيَّةُ حَاكِمَةٌ بِاسْتِحَالَةِ هَذَا بَلْ بِاسْتِحَالَةِ تَصَوُّرِهِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ.
قَالُوا: فَنَحْنُ نُطَالِبُكُمْ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ الْوَاحِدِ مِنْ جُمْلَةِ أَلْفِ دَلِيلٍ، وَنَعْلَمُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَنَّ كُلَّ الْجَهْمِيِّينَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَوِ اجْتَمَعُوا لَمَا أَجَابُوا عَنْهُ بِغَيْرِ الْمُكَابَرَةِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَى أَهْلِ الْإِثْبَاتِ بِالتَّجْسِيمِ وَالسَّبِّ، هَذِهِ وَظِيفَةُ كُلِّ مُبْطِلٍ قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى.
[فصل بَيَانِ أَنَّ التَّأْوِيلَ شَرٌّ مِنَ التَّعْطِيلِ]
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ أَنَّ التَّأْوِيلَ شَرٌّ مِنَ التَّعْطِيلِ
فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّشْبِيهَ وَالتَّعْطِيلَ وَالتَّلَاعُبَ بِالنُّصُوصِ وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهَا، فَإِنَّ الْمُعَطِّلَ وَالْمُؤَوِّلَ قَدِ اشْتَرَكَا فِي نَفْيِ حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَامْتَازَ الْمُئَوِّلُ بِتَلَاعُبِهِ بِالنُّصُوصِ وَإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِهَا وَنِسْبَةِ قَائِلِهَا إِلَى التَّكَلُّمِ بِمَا ظَاهِرُهُ الضَّلَالُ وَالْإِضْلَالُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ أَرْبَعَةِ مَحَاذِيرَ: اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَالٌ بَاطِلٌ، فَفَهِمُوا التَّشْبِيهَ أَوَّلًا، ثُمَّ انْتَقَلُوا مِنْهُ إِلَى الْمَحْذُورِ الثَّانِي، وَهُوَ التَّعْطِيلُ، فَعَطَّلُوا حَقَائِقَهَا بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِمْ وَلَا يَلِيقُ بِالرَّبِّ سُبْحَانَهُ. الْمَحْذُورُ الثَّالِثُ: نِسْبَةُ الْمُتَكَلِّمِ الْكَامِلِ الْعِلْمِ، الْكَامِلِ الْبَيَانِ التَّامِّ النُّصْحِ، إِلَى ضِدِّ الْبَيَانِ وَالْهُدَى وَالْإِرْشَادِ، وَأَنَّ الْمُتَحَيِّرِينَ الْمُتَهَوِّكِينَ أَجَادُوا الْعِبَارَةَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَبَّرُوا بِعِبَارَةٍ لَا تُوهِمُ مِنَ الْبَاطِلِ مَا أَوْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الْمُتَكَلِّمِ بِتِلْكَ النُّصُوصِ، وَلَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ مِنْهُ أَوْ أَفْصَحَ لِلنَّاسِ. الْمَحْذُورُ الرَّابِعُ: تَلَاعُبُهُمْ بِالنُّصُوصِ وَانْتِهَاكُ حُرُمَاتِهَا. . فَلَوْ رَأَيْتَهَا وَهُمْ يَلُوكُونَهَا بِأَفْوَاهِهِمْ وَقَدْ حَلَّتْ بِهَا الْمَثُلَاتُ، وَتَلَاعَبَ بِهَا أَمْوَاجُ التَّأْوِيلَاتِ، وَنَادَى عَلَيْهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي سُوقِ: مَنْ يَزِيدُ،
стр. 36
فَبَذَلَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي ثَمَنِهَا مِنَ التَّأْوِيلِ مَا يُرِيدُ، فَلَوْ رَأَيْتَهَا وَقَدْ عُزِلَتْ عَنْ سَلْطَنَةِ الْيَقِينِ، وَجُعِلَتْ تَحْتَ تَحَكُّمِ تَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ، هَذَا وَقَدْ قَعَدَ النُّفَاةُ عَلَى صِرَاطِهَا الْمُسْتَقِيمِ بِالدَّفْعِ فِي صُدُورِهَا وَالْأَعْجَازِ وَقَالُوا: لَا طَرِيقَ لَكِ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الْمَعْقُولَاتِ وَأَصْحَابُ الْبَرَاهِينِ، وَأَنْتِ أَدِلَّةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَظَوَاهِرُ سَمْعِيَّةٌ، لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ وَلَا الْيَقِينَ، فَسَنَدُكِ آحَادٌ وَهُوَ عُرْضَةٌ لِلطَّعْنِ فِي النَّاقِلِينَ، وَإِنْ صَحَّ وَتَوَاتَرَ فَفَهْمُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهَا مَوْقُوفٌ عَلَى انْتِفَاءِ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ لَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِانْتِفَائِهَا عِنْدَ النَّاظِرِينَ وَالْبَاحِثِينَ.
فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ! ! كَمْ هَدَمَتْ هَذِهِ الْمَعَاوِلُ مِنْ مَعَاقِلِ الْإِيمَانِ، وَتَثَلَّمَتْ بِهَا حُصُونُ حَقَائِقِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ، فَكَشْفُ عَوْرَاتٍ هَؤُلَاءِ وَبَيَانُ فَضَائِحِهِمْ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: " «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ» ".
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لِلْعَبْدِ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَعْقِدَ قَلْبَهُ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْهُدَى هُدًى، وَأَنَّ الْحَقَّ دَائِرٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَأَنَّهُ لَا مُطَاعَ سِوَاهُ وَلَا مَتْبُوعَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ كَلَامَ غَيْرِهِ يُعْرَضُ عَلَى كَلَامِهِ فَإِنْ وَافَقَهُ قَبِلْنَاهُ، لَا لِأَنَّهُ قَالَهُ بَلْ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ رَدَدْنَاهُ، وَلَا يُعْرَضُ كَلَامُهُ ﷺ عَلَى آرَاءِ الْقِيَاسِيِّينَ وَلَا عَلَى عُقُولِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا أَذْوَاقِ الْمُتَزَهِّدِينَ، بَلْ تُعْرَضُ هَذِهِ كُلُّهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، عَرْضَ الدَّرَاهِمِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى أَخْبَرِ النَّاقِدِينَ، فَمَا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فَهُوَ مِنْهُ الْمَقْبُولُ، وَمَا حَكَمَ بَرَدِّهِ فَهُوَ الْمَرْدُودُ.
[فصل قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُخَاطَبِ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ يُنَافِي قَصْدَ الْبَيَانِ]
فَصْلٌ
فِي أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُخَاطَبِ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ يُنَافِي قَصْدَ الْبَيَانِ وَالْإِرْشَادِ، وَأَنَّ الْقَصْدَيْنِ يَتَنَافَيَانِ، وَأَنَّ تَرْكَهُ بِدُونِ ذَلِكَ الْخِطَابِ خَيْرٌ لَهُ وَأَقْرَبُ إِلَى الْهُدَى.
لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْخِطَابِ دِلَالَةَ السَّامِعِ وَإِفْهَامَهُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ وَأَنْ يُبَيِّنَ
стр. 37
لَهُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَأَنْ يَدُلَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى أَمْرَيْنِ: بَيَانِ الْمُتَكَلِّمِ، وَتَمَكُّنِ السَّامِعِ مِنَ الْفَهْمِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْبَيَانُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ حَصَلَ وَلَمْ يَتَمَكَّنِ السَّامِعُ مِنَ الْفَهْمِ، لَمْ يَحْصُلْ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِذَا بَيَّنَ الْمُتَكَلِّمُ مُرَادَهُ بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مُرَادِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ مَعَانِيَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْبَيَانُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَكُّنِ السَّامِعِ مِنَ الْفَهْمِ وَحُصُولِ الْإِفْهَامِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ كَلَامِهِ خِلَافَ حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ لَكَانَ قَدْ كَلَّفَهُ أَنْ يَفْهَمَ مُرَادَهُ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مُرَادِهِ وَأَرَادَ مِنْهُ فَهْمَ النَّفْيِ لِمَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْإِثْبَاتِ، وَفَهْمَ الشَّيْءِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضِدِّهِ، وَأَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَفْهَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَهٌ يُعْبَدُ، وَأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا فَوْقَهُ وَلَا تَحْتَهُ وَلَا خَلْفَهُ وَلَا أَمَامَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ إِفْهَامَ أُمَّتِهِ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: " «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» " وَأَرَادَ إِفْهَامَ كَوْنِهِ خَلَقَ آدَمَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَأَرَادَ إِفْهَامَ تَخْرِيبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِعَادَتِهِمَا إِلَى الْعَدَمِ بِقَوْلِهِ: " «يَقْبِضُ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ» " وَأَرَادَ إِفْهَامَ مَعْنَى: مَنْ رَبُّكَ وَمَنْ تَعْبُدُ، بِقَوْلِهِ: " أَيْنَ اللَّهُ؟ " وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى السَّمَاءِ مُسْتَشْهِدًا بِرَبِّهِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رَبٌّ وَإِلَهٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِفْهَامَ السَّامِعِينَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ وَقَوْلَهُمْ، فَأَرَادَ بِالْإِشَارَةِ بِأُصْبُعِهِ بَيَانَ كَوْنِهِ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهُمْ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَعْلَمُ السَّامِعُ قَطْعًا أَنَّهَا لَمْ تُرَدْ بِالْخِطَابِ، وَلَا تُجَامِعُ قَصْدَ الْبَيَانِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِيمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ النُّفَاةُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
стр. 38
يَقُولُونَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، بَلْ يَجِدُونَهَا عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ عِنْدَهُمْ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا ظَاهِرًا، بَلْ دَلَّتْ عِنْدَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا يُضِلُّهُمْ ظَاهِرُهُ وَيُوقِعُهُمْ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ بَيَانَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَلَمْ يُفْصِحْ بِهِ، بَلْ رَمَزَ إِلَيْهِ رَمْزًا وَأَلْغَزَهُ إِلْغَازًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ الْجُهْدِ الْجَهِيدِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَلَّفَ عِبَادَهُ أَلَّا يَفْهَمُوا مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ حَقَائِقَهَا وَظَوَاهِرَهَا، وَكَلَّفَهُمْ أَنْ يَفْهَمُوا مِنْهَا مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَهَا قَرِينَةً تُفْهِمُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ دَائِمًا مُتَكَلِّمًا فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا ظَاهِرُهُ خِلَافَ الْحَقِّ بِأَنْوَاعٍ مُتَنَوِّعَةٍ مِنَ الْخِطَابِ، تَارَةً بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَتَارَةً بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تُرْفَعُ إِلَيْهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي نُزُولِهَا مِنَ الْعُلُوِّ إِلَى أَسْفَلَ تَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ الظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْكِتَابَ نَزَلَ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَتَارَةً بِأَنَّهُ يُرَى بِالْأَبْصَارِ عِيَانًا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَنَوُّعِ الدَّلَالَاتِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُوَافِقُ مَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ وَلَا يَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ مَا هُوَ الصَّوَابُ فِيهِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا وَلَا بَيِّنَةً.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ وَخَيْرُ الْقُرُونِ قَدْ أَمْسَكُوا مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ عَنْ قَوْلِ الْحَقِّ فِي هَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهَمِّ أُصُولِ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ إِمَّا جَهْلٌ يُنَافِي الْعِلْمَ، وَإِمَّا كِتْمَانٌ، وَلَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِخِيَارِ الْأُمَّةِ مَنْ نَسَبَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا ازْدَوَجَ التَّكَلُّمُ بِالْبَاطِلِ وَالسُّكُوتُ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ تَوَلَّدَ بَيْنَهُمَا جَهْلُ الْحَقِّ وَإِضْلَالُ الْخَلْقِ، وَلِهَذَا لَمَّا اعْتَقَدَ النُّفَاةُ التَّعْطِيلَ صَارُوا يَأْتُونَ مِنَ الْعِبَارَاتِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْطِيلِ وَالنَّفْيِ نَصًّا وَظَاهِرًا وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِثْبَاتِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ النُّصُوصِ مَا هُوَ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي الْإِثْبَاتِ حَرَّفُوهُ أَنْوَاعَ التَّحْرِيفَاتِ، وَطَلَبُوا لَهُ مُسْتَكْرَهَ التَّأْوِيلَاتِ، وَمِنْهُمْ أَنَّهُمُ الْتَزَمُوا لِذَلِكَ تَجْهِيلَ السَّلَفِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا أُمِّيِّينَ مُقْبِلِينَ عَلَى الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالتَّسْبِيحِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَلَمْ تَكُنِ الْحَقَائِقُ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَمِنْهَا أَنَّ تَرْكَ النَّاسِ مِنْ إِنْزَالِ هَذِهِ النُّصُوصِ كَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ وَأَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ، فَإِنَّهُمْ مَا اسْتَفَادُوا بِنُزُولِهَا غَيْرَ التَّعَرُّضِ لِلضَّلَالِ، وَلَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْهَا يَقِينًا وَلَا
стр. 39
عِلْمًا لِمَا يَجِبُ لِلَّهِ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قِيلَ: اسْتَفَدْنَا مِنْهَا الثَّوَابَ عَلَى تِلَاوَتِهَا وَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِهَا، قِيلَ: هَذَا تَابِعٌ لِلْمَقْصُودِ بِهَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْهُدَى وَالْإِرْشَادُ وَالدِّلَالَةُ عَلَى إِثْبَاتِ حَقَائِقِهَا وَمَعَانِيهَا وَالْإِيمَانِ بِهَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِمُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ وَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ، بَلْ أُنْزِلَ لِيُتَدَبَّرَ وَيُعْقَلَ وَيُهْتَدَى بِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَيُبَصِّرَ مِنَ الْعَمَى وَيُرْشِدَ مِنَ الْغَيِّ، وَيُعَلِّمَ مِنَ الْجَهْلِ وَيَشْفِيَ مِنَ الْعِيِّ، وَيَهْدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهَذَا الْقَصْدُ يُنَافِي قَصْدَ تَحْرِيفِهِ وَتَأْوِيلِهِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ الْمُسْتَكْرَهَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي فَلَا يَجْتَمِعُ قَصْدُ الْهُدَى وَالْبَيَانِ وَقَصْدُ مَا يُضَادُّهُ أَبَدًا.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ كِتَابَهُ بِأَوْضَحِ الْبَيَانِ وَأَحْسَنِ التَّفْسِيرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فَأَيْنَ بَيَانُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ فِي أَلْفَاظٍ ظَاهِرُهَا بَاطِلٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا تَطَلُّبُ أَنْوَاعِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرِهَةِ الْمُسْتَنْكِرَةِ لَهَا الَّتِي لَا يُفْهَمُ مِنْهَا بَلْ يُفْهَمُ مِنْهَا ضِدُّهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فَأَيْنَ بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ مَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ وَالْمُتَأَوِّلُونَ؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] وَعِنْدَ النُّفَاةِ إِنَّمَا حَصَلَتِ الْهِدَايَةُ بِأَبْكَارِ أَفْكَارِهِمْ وَنَتَائِجِ آرَائِهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وَعِنْدَ النُّفَاةِ الْمُخْرِجِينَ لِنُصُوصِ الْوَحْيِ عَنْ إِفَادَةِ الْيَقِينِ إِنَّمَا حَصَلَ الْيَقِينُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَسَّسَهُ الْفَلَاسِفَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ، فَبِهِ اهْتَدَوْا، وَبِهِ آمَنُوا، وَبِهِ عَرَفُوا الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَبِهِ صَحَّتْ عُقُولُهُمْ وَمَعَارِفُهُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وَأَنْتَ لَا تَجِدُ الْخِلَافَ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي آرَاءِ الْمُتَأَوِّلِينَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةً، وَهِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ خَيَالَاتٌ وَهْمِيَّةٌ نَبَذُوا بِهَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَاتَّبَعُوا مَا
стр. 40
﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ - أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ - وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٧] .
[فصل فِي بَيَانِهِ أَنَّهُ مَعَ كَمَالِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ]
فَصْلٌ
فِي بَيَانِهِ أَنَّهُ مَعَ كَمَالِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ وَفَصَاحَتِهِ وَبَيَانِهِ وَنُصْحِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ
وَيُكْتَفَى مِنْ هَذَا الْفَصْلِ بِذِكْرِ مُنَاظَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ جَهْمِيٍّ وَسُنِّيٍّ حَدَّثَنِي بِمَضْمُونِهَا شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ جَمَعَهُ وَبَعْضُ الْجَهْمِيَّةِ مَجْلِسٌ فَقَالَ الشَّيْخُ: قَدْ تَطَابَقَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَتَنَوَّعَتْ دَلَالَتُهَا أَنْوَاعًا تُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِثُبُوتِهَا وَإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ اعْتِقَادَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ، وَالسُّنَّةُ نَاطِقَةٌ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَمُقَرِّرَةٌ لَهُ، مُصَدِّقَةٌ لَهُ، مُشْتَمِلَةٌ عَلَى زِيَادَةٍ فِي الْإِثْبَاتِ، فَتَارَةً يَذْكُرُ الِاسْمَ الدَّالَّ عَلَى الصِّفَةِ كَالسَّمِيعِ الْبَصِيرِ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، وَتَارَةً يَذْكُرُ الْمَصْدَرَ، وَهُوَ الْوَصْفُ الَّذِي اشْتُقَّتْ مِنْهُ تِلْكَ الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» " وَقَوْلِهِ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» " وَقَوْلِهِ: " «أَسْأَلُكَ
следующие страницы →