Полный текст (599 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فَبَذَلَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي ثَمَنِهَا مِنَ التَّأْوِيلِ مَا يُرِيدُ، فَلَوْ رَأَيْتَهَا وَقَدْ عُزِلَتْ عَنْ سَلْطَنَةِ الْيَقِينِ، وَجُعِلَتْ تَحْتَ تَحَكُّمِ تَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ، هَذَا وَقَدْ قَعَدَ النُّفَاةُ عَلَى صِرَاطِهَا الْمُسْتَقِيمِ بِالدَّفْعِ فِي صُدُورِهَا وَالْأَعْجَازِ وَقَالُوا: لَا طَرِيقَ لَكِ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الْمَعْقُولَاتِ وَأَصْحَابُ الْبَرَاهِينِ، وَأَنْتِ أَدِلَّةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَظَوَاهِرُ سَمْعِيَّةٌ، لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ وَلَا الْيَقِينَ، فَسَنَدُكِ آحَادٌ وَهُوَ عُرْضَةٌ لِلطَّعْنِ فِي النَّاقِلِينَ، وَإِنْ صَحَّ وَتَوَاتَرَ فَفَهْمُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهَا مَوْقُوفٌ عَلَى انْتِفَاءِ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ لَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِانْتِفَائِهَا عِنْدَ النَّاظِرِينَ وَالْبَاحِثِينَ.
فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ! ! كَمْ هَدَمَتْ هَذِهِ الْمَعَاوِلُ مِنْ مَعَاقِلِ الْإِيمَانِ، وَتَثَلَّمَتْ بِهَا حُصُونُ حَقَائِقِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ، فَكَشْفُ عَوْرَاتٍ هَؤُلَاءِ وَبَيَانُ فَضَائِحِهِمْ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: " «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ» ".
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لِلْعَبْدِ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَعْقِدَ قَلْبَهُ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْهُدَى هُدًى، وَأَنَّ الْحَقَّ دَائِرٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَأَنَّهُ لَا مُطَاعَ سِوَاهُ وَلَا مَتْبُوعَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ كَلَامَ غَيْرِهِ يُعْرَضُ عَلَى كَلَامِهِ فَإِنْ وَافَقَهُ قَبِلْنَاهُ، لَا لِأَنَّهُ قَالَهُ بَلْ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ رَدَدْنَاهُ، وَلَا يُعْرَضُ كَلَامُهُ ﷺ عَلَى آرَاءِ الْقِيَاسِيِّينَ وَلَا عَلَى عُقُولِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا أَذْوَاقِ الْمُتَزَهِّدِينَ، بَلْ تُعْرَضُ هَذِهِ كُلُّهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، عَرْضَ الدَّرَاهِمِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى أَخْبَرِ النَّاقِدِينَ، فَمَا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فَهُوَ مِنْهُ الْمَقْبُولُ، وَمَا حَكَمَ بَرَدِّهِ فَهُوَ الْمَرْدُودُ.
[فصل قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُخَاطَبِ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ يُنَافِي قَصْدَ الْبَيَانِ]
فَصْلٌ
فِي أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُخَاطَبِ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ يُنَافِي قَصْدَ الْبَيَانِ وَالْإِرْشَادِ، وَأَنَّ الْقَصْدَيْنِ يَتَنَافَيَانِ، وَأَنَّ تَرْكَهُ بِدُونِ ذَلِكَ الْخِطَابِ خَيْرٌ لَهُ وَأَقْرَبُ إِلَى الْهُدَى.
لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْخِطَابِ دِلَالَةَ السَّامِعِ وَإِفْهَامَهُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ وَأَنْ يُبَيِّنَ
стр. 37
لَهُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَأَنْ يَدُلَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى أَمْرَيْنِ: بَيَانِ الْمُتَكَلِّمِ، وَتَمَكُّنِ السَّامِعِ مِنَ الْفَهْمِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْبَيَانُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ حَصَلَ وَلَمْ يَتَمَكَّنِ السَّامِعُ مِنَ الْفَهْمِ، لَمْ يَحْصُلْ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِذَا بَيَّنَ الْمُتَكَلِّمُ مُرَادَهُ بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مُرَادِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ مَعَانِيَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْبَيَانُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَكُّنِ السَّامِعِ مِنَ الْفَهْمِ وَحُصُولِ الْإِفْهَامِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ كَلَامِهِ خِلَافَ حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ لَكَانَ قَدْ كَلَّفَهُ أَنْ يَفْهَمَ مُرَادَهُ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مُرَادِهِ وَأَرَادَ مِنْهُ فَهْمَ النَّفْيِ لِمَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْإِثْبَاتِ، وَفَهْمَ الشَّيْءِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضِدِّهِ، وَأَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَفْهَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَهٌ يُعْبَدُ، وَأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا فَوْقَهُ وَلَا تَحْتَهُ وَلَا خَلْفَهُ وَلَا أَمَامَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ إِفْهَامَ أُمَّتِهِ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: " «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» " وَأَرَادَ إِفْهَامَ كَوْنِهِ خَلَقَ آدَمَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَأَرَادَ إِفْهَامَ تَخْرِيبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِعَادَتِهِمَا إِلَى الْعَدَمِ بِقَوْلِهِ: " «يَقْبِضُ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ» " وَأَرَادَ إِفْهَامَ مَعْنَى: مَنْ رَبُّكَ وَمَنْ تَعْبُدُ، بِقَوْلِهِ: " أَيْنَ اللَّهُ؟ " وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى السَّمَاءِ مُسْتَشْهِدًا بِرَبِّهِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رَبٌّ وَإِلَهٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِفْهَامَ السَّامِعِينَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ وَقَوْلَهُمْ، فَأَرَادَ بِالْإِشَارَةِ بِأُصْبُعِهِ بَيَانَ كَوْنِهِ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهُمْ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَعْلَمُ السَّامِعُ قَطْعًا أَنَّهَا لَمْ تُرَدْ بِالْخِطَابِ، وَلَا تُجَامِعُ قَصْدَ الْبَيَانِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِيمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ النُّفَاةُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
стр. 38
يَقُولُونَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، بَلْ يَجِدُونَهَا عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ عِنْدَهُمْ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا ظَاهِرًا، بَلْ دَلَّتْ عِنْدَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا يُضِلُّهُمْ ظَاهِرُهُ وَيُوقِعُهُمْ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ بَيَانَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَلَمْ يُفْصِحْ بِهِ، بَلْ رَمَزَ إِلَيْهِ رَمْزًا وَأَلْغَزَهُ إِلْغَازًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ الْجُهْدِ الْجَهِيدِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَلَّفَ عِبَادَهُ أَلَّا يَفْهَمُوا مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ حَقَائِقَهَا وَظَوَاهِرَهَا، وَكَلَّفَهُمْ أَنْ يَفْهَمُوا مِنْهَا مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَهَا قَرِينَةً تُفْهِمُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ دَائِمًا مُتَكَلِّمًا فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا ظَاهِرُهُ خِلَافَ الْحَقِّ بِأَنْوَاعٍ مُتَنَوِّعَةٍ مِنَ الْخِطَابِ، تَارَةً بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَتَارَةً بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تُرْفَعُ إِلَيْهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي نُزُولِهَا مِنَ الْعُلُوِّ إِلَى أَسْفَلَ تَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ الظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْكِتَابَ نَزَلَ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَتَارَةً بِأَنَّهُ يُرَى بِالْأَبْصَارِ عِيَانًا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَنَوُّعِ الدَّلَالَاتِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُوَافِقُ مَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ وَلَا يَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ مَا هُوَ الصَّوَابُ فِيهِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا وَلَا بَيِّنَةً.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ وَخَيْرُ الْقُرُونِ قَدْ أَمْسَكُوا مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ عَنْ قَوْلِ الْحَقِّ فِي هَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهَمِّ أُصُولِ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ إِمَّا جَهْلٌ يُنَافِي الْعِلْمَ، وَإِمَّا كِتْمَانٌ، وَلَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِخِيَارِ الْأُمَّةِ مَنْ نَسَبَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا ازْدَوَجَ التَّكَلُّمُ بِالْبَاطِلِ وَالسُّكُوتُ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ تَوَلَّدَ بَيْنَهُمَا جَهْلُ الْحَقِّ وَإِضْلَالُ الْخَلْقِ، وَلِهَذَا لَمَّا اعْتَقَدَ النُّفَاةُ التَّعْطِيلَ صَارُوا يَأْتُونَ مِنَ الْعِبَارَاتِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْطِيلِ وَالنَّفْيِ نَصًّا وَظَاهِرًا وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِثْبَاتِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ النُّصُوصِ مَا هُوَ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي الْإِثْبَاتِ حَرَّفُوهُ أَنْوَاعَ التَّحْرِيفَاتِ، وَطَلَبُوا لَهُ مُسْتَكْرَهَ التَّأْوِيلَاتِ، وَمِنْهُمْ أَنَّهُمُ الْتَزَمُوا لِذَلِكَ تَجْهِيلَ السَّلَفِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا أُمِّيِّينَ مُقْبِلِينَ عَلَى الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالتَّسْبِيحِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَلَمْ تَكُنِ الْحَقَائِقُ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَمِنْهَا أَنَّ تَرْكَ النَّاسِ مِنْ إِنْزَالِ هَذِهِ النُّصُوصِ كَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ وَأَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ، فَإِنَّهُمْ مَا اسْتَفَادُوا بِنُزُولِهَا غَيْرَ التَّعَرُّضِ لِلضَّلَالِ، وَلَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْهَا يَقِينًا وَلَا
стр. 39
عِلْمًا لِمَا يَجِبُ لِلَّهِ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قِيلَ: اسْتَفَدْنَا مِنْهَا الثَّوَابَ عَلَى تِلَاوَتِهَا وَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِهَا، قِيلَ: هَذَا تَابِعٌ لِلْمَقْصُودِ بِهَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْهُدَى وَالْإِرْشَادُ وَالدِّلَالَةُ عَلَى إِثْبَاتِ حَقَائِقِهَا وَمَعَانِيهَا وَالْإِيمَانِ بِهَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِمُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ وَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ، بَلْ أُنْزِلَ لِيُتَدَبَّرَ وَيُعْقَلَ وَيُهْتَدَى بِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَيُبَصِّرَ مِنَ الْعَمَى وَيُرْشِدَ مِنَ الْغَيِّ، وَيُعَلِّمَ مِنَ الْجَهْلِ وَيَشْفِيَ مِنَ الْعِيِّ، وَيَهْدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهَذَا الْقَصْدُ يُنَافِي قَصْدَ تَحْرِيفِهِ وَتَأْوِيلِهِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ الْمُسْتَكْرَهَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي فَلَا يَجْتَمِعُ قَصْدُ الْهُدَى وَالْبَيَانِ وَقَصْدُ مَا يُضَادُّهُ أَبَدًا.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ كِتَابَهُ بِأَوْضَحِ الْبَيَانِ وَأَحْسَنِ التَّفْسِيرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فَأَيْنَ بَيَانُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ فِي أَلْفَاظٍ ظَاهِرُهَا بَاطِلٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا تَطَلُّبُ أَنْوَاعِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرِهَةِ الْمُسْتَنْكِرَةِ لَهَا الَّتِي لَا يُفْهَمُ مِنْهَا بَلْ يُفْهَمُ مِنْهَا ضِدُّهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فَأَيْنَ بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ مَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ وَالْمُتَأَوِّلُونَ؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] وَعِنْدَ النُّفَاةِ إِنَّمَا حَصَلَتِ الْهِدَايَةُ بِأَبْكَارِ أَفْكَارِهِمْ وَنَتَائِجِ آرَائِهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وَعِنْدَ النُّفَاةِ الْمُخْرِجِينَ لِنُصُوصِ الْوَحْيِ عَنْ إِفَادَةِ الْيَقِينِ إِنَّمَا حَصَلَ الْيَقِينُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَسَّسَهُ الْفَلَاسِفَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ، فَبِهِ اهْتَدَوْا، وَبِهِ آمَنُوا، وَبِهِ عَرَفُوا الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَبِهِ صَحَّتْ عُقُولُهُمْ وَمَعَارِفُهُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وَأَنْتَ لَا تَجِدُ الْخِلَافَ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي آرَاءِ الْمُتَأَوِّلِينَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةً، وَهِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ خَيَالَاتٌ وَهْمِيَّةٌ نَبَذُوا بِهَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَاتَّبَعُوا مَا
стр. 40
﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ - أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ - وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٧] .
[فصل فِي بَيَانِهِ أَنَّهُ مَعَ كَمَالِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ]
فَصْلٌ
فِي بَيَانِهِ أَنَّهُ مَعَ كَمَالِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ وَفَصَاحَتِهِ وَبَيَانِهِ وَنُصْحِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ
وَيُكْتَفَى مِنْ هَذَا الْفَصْلِ بِذِكْرِ مُنَاظَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ جَهْمِيٍّ وَسُنِّيٍّ حَدَّثَنِي بِمَضْمُونِهَا شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ جَمَعَهُ وَبَعْضُ الْجَهْمِيَّةِ مَجْلِسٌ فَقَالَ الشَّيْخُ: قَدْ تَطَابَقَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَتَنَوَّعَتْ دَلَالَتُهَا أَنْوَاعًا تُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِثُبُوتِهَا وَإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ اعْتِقَادَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ، وَالسُّنَّةُ نَاطِقَةٌ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَمُقَرِّرَةٌ لَهُ، مُصَدِّقَةٌ لَهُ، مُشْتَمِلَةٌ عَلَى زِيَادَةٍ فِي الْإِثْبَاتِ، فَتَارَةً يَذْكُرُ الِاسْمَ الدَّالَّ عَلَى الصِّفَةِ كَالسَّمِيعِ الْبَصِيرِ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، وَتَارَةً يَذْكُرُ الْمَصْدَرَ، وَهُوَ الْوَصْفُ الَّذِي اشْتُقَّتْ مِنْهُ تِلْكَ الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» " وَقَوْلِهِ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» " وَقَوْلِهِ: " «أَسْأَلُكَ
стр. 41
بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ» "، وَقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: " سُبْحَانَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتِ " وَنَحْوِهِ، وَتَارَةً يَذْكُرُ حُكْمَ تِلْكَ الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] وَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَيُصَرِّحُ فِي الْفَوْقِيَّةِ بِلَفْظِهَا الْخَاصِّ، وَبِلَفْظِ الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ، وَأَنَّهُ (فِي السَّمَاءِ) وَأَنَّهُ (ذُو الْمَعَارِجِ) وَأَنَّهُ (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) وَأَنَّهُ (تَعْرُجُ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ) وَتَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ بِأَبْصَارِهِمْ عِيَانًا مِنْ فَوْقِهِمْ، إِلَى أَضْعَافِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ جُمِعَتِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ فِيهِ لَمْ تَنْقُصْ عَنْ نُصُوصِ الْأَحْكَامِ وَآثَارِهَا، وَمِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ وَأَوْضَحِ الضَّلَالِ حَمْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى خِلَافِ حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ، وَدَعْوَى الْمَجَازِ فِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ، وَأَنَّ الْحَقَّ فِي أَقْوَالِ النُّفَاةِ الْمُعَطَّلِينَ، وَأَنَّ تَأْوِيلَاتِهِمْ هِيَ الْمُرَادَّةُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَحَاذِيرُ ثَلَاثَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهِيَ: الْقَدْحُ فِي عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا أَوْ فِي بَيَانِهِ أَوْ فِي نُصْحِهِ.
وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذِهِ النُّصُوصِ عَالِمًا أَنَّ الْحَقَّ فِي تَأْوِيلَاتِ النُّفَاةِ الْمُعَطَّلِينَ أَوْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي عِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّ الْحَقَّ فِيهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّعْبِيرِ بِعِبَارَتِهِمُ الَّتِي هِيَ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّجْسِيمِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ مَنْ لَمْ يُنَزِّهِ اللَّهَ بِهَا، أَوْ لَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَى تِلْكَ الْعِبَارَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي فَصَاحَتِهِ، وَكَانَ وَرَثَةُ الصَّابِئَةِ وَأَفْرَاخُ الْفَلَاسِفَةِ وَأَوْقَاحُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَتَلَامِذَةُ الْمَلَاحِدَةِ أَفْصَحَ مِنْهُ وَأَحْسَنَ بَيَانًا وَتَعْبِيرًا عَنِ الْحَقِّ، وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ بُطْلَانَهُ بِالضَّرُورَةِ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ وَمُوَافَقُوهُ وَمُخَالِفُوهُ، فَإِنَّ مُخَالِفِيهِ لَمْ يَشُكُّوا أَنَّهُ أَفْصَحُ الْخَلْقِ، وَأَقْدَرُهُمْ عَلَى حُسْنِ التَّعْبِيرِ بِمَا يُطَابِقُ الْمَعْنَى وَيُخَلِّصُهُ مِنَ اللَّبْسِ وَالْإِشْكَالِ
стр. 42
وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ وَتَكَلَّمَ دَائِنًا بِخِلَافِهِ كَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي نُصْحِهِ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِأَنَّهُمْ أَنْصَحُ الْخَلْقِ لِأُمَمِهِمْ، فَمَعَ النُّصْحِ وَالْبَيَانِ وَالْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ كَيْفَ يَكُونُ مَذْهَبُ النُّفَاةِ الْمُعَطِّلَةِ أَصْحَابِ التَّحْرِيفِ هُوَ الصَّوَابَ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ أَتْبَاعُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بَاطِلًا؟
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ مَا جَرَى لِي مَعَ بَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَفْضَى بِنَا الْكَلَامُ إِلَى مِسَبَّةِ النَّصَارَى لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَأَنْتُمْ بِإِنْكَارِكُمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْ سَبَبْتُمُ الرَّبَّ تَعَالَى أَعْظَمَ مَسَبَّةٍ، قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ: لِأَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا مَلِكٌ ظَالِمٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ صَادِقٍ، وَأَنَّهُ خَرَجَ يَسْتَعْرِضُ النَّاسُ بِسَيْفِهِ فَيَسْتَبِيحُ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَيَقُولَ: اللَّهُ أَمَرَنِي بِهَذَا وَأَبَاحَهُ لِي، وَلَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ وَلَا أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحِ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَيَنْسَخُ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ عِنْدِهِ، وَيُبْطِلُ مِنْهَا مَا شَاءَ وَيُبْقِي مِنْهَا مَا شَاءَ، وَيَنْسُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى اللَّهِ، وَيَقْتُلُ أَوْلِيَاءَهُ وَأَتْبَاعَ رُسُلِهِ، وَيَسْتَرِقُّ نِسَاءَهُمْ وَذُرِّيَّتَهُمْ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى رَائِيًا لِذَلِكَ كُلِّهِ عَالِمًا بِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَاطِّلَاعِهِ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَقْبَحِ السَّبِّ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْأَخْذِ عَلَى يَدَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَا، فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى مَنْعِهِ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى الْعَجْزِ، وَإِنْ قُلْتُمْ: بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى السَّفَهِ وَالظُّلْمِ، هَذَا هُوَ أَمْرُهُ مِنْ حِينِ ظَهَرَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ رَبُّهُ يُجِيبُ دُعَاءَهُ وَيَقْضِي حَوَائِجَهُ، وَلَا يَقُومُ لَهُ عَدُوٌّ إِلَّا أَظْفَرَهُ بِهِ، وَأَمْرُهُ مِنْ حِينِ ظَهَرَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَزْدَادُ عَلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ظُهُورُةً وَعُلُوًّا وَرِفْعَةً، وَأَمْرُ مُخَالِفِيهِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا سُفُولًا وَاضْمِحْلَالًا، وَمَحَبَّتُهُ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ تَزِيدُ عَلَى مَمَرِّ الْأَوْقَاتِ، وَرَبُّهُ تَعَالَى يُؤَيِّدُهُ بِأَنْوَاعِ التَّأْيِيدَاتِ، هَذَا هُوَ عِنْدَكُمْ مِنْ أَعْظَمِ أَعْدَائِهِ وَأَشَدِّهِمْ ضَرَرًا عَلَى النَّاسِ، فَأَيُّ قَدْحٍ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَيُّ مَسَبَّةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَأَخَذَ الْكَلَامُ مِنْهُ مَا أَخَذَ، وَقَالَ: حَاشَا لِلَّهِ أَنْ نَقُولَ فِيهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ بَلْ هُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، كُلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ فَهُوَ سَعِيدٌ، وَكُلُّ مُنْصِفٍ مِنَّا يُقِرُّ بِذَلِكَ وَيَقُولُ: أَتْبَاعُهُ سُعَدَاءُ فِي الدَّارَيْنِ، قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الظَّفَرِ بِهَذِهِ السَّعَادَةِ؟ فَقَالَ: وَأَتْبَاعُ كُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَتْبَاعُ مُوسَى أَيْضًا سُعَدَاءُ، قُلْتُ: فَإِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ، وَقَدْ كَفَرَ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ، فَإِنْ صَدَّقْتَهُ فِي هَذَا وَجَبَ عَلَيْكَ اتِّبَاعُهُ، وَإِنْ كَذَّبْتَهُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ أَتْبَاعُهُ سُعَدَاءَ فَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا، وَقَالَ: حَدِّثْنَا فِي غَيْرِ هَذَا.
стр. 43
[فصل بَيَانِ أَنَّ تَيَسُّرَ الْقُرْآنِ لِلذِّكْرِ يُنَافِي حَمْلَهُ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمُخَالَفَاتِ لِحَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ]
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ أَنَّ تَيَسُّرَ الْقُرْآنِ لِلذِّكْرِ يُنَافِي حَمْلَهُ عَلَى التَّأْوِيلِ
الْمُخَالَفَاتِ لِحَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ
أَنْزَلَ اللَّهُ الْكِتَابَ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ مَعَانِيهِ أَشْرَفَ الْمَعَانِي وَأَلْفَاظُهُ أَفْصَحَ الْأَلْفَاظِ وَأَبْيَنَهَا وَأَعْظَمَهَا مُطَابَقَةً لِمَعَانِيهَا الْمُرَادَةِ مِنْهَا، كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] فَالْحَقُّ هُوَ الْمَعْنَى وَالْمَدْلُولُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ، وَالتَّفْسِيرُ الْأَحْسَنُ هُوَ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ الْحَقِّ، فَهُوَ تَفْسِيرُهُ وَبَيَانُهُ، وَالتَّفْسِيرُ أَصْلُهُ مِنَ الْبَيَانِ وَالظُّهُورِ، وَيُلَاقِيهِ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ الْإِسْفَارُ، وَمِنْهُ: أَسْفَرَ الْفَجْرُ إِذَا أَضَاءَ وَوَضَحَ، وَمِنْهُ السَّفَرُ لِبُرُوزِ الْمُسَافِرِ مِنَ الْبُيُوتِ، وَمِنْهُ السِّفْرُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ إِظْهَارَ مَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مُطَابِقًا لِلْمُفَسَّرِ مُفَهِّمًا لَهُ.
وَلَا تَجِدُ كَلَامًا أَحْسَنَ تَفْسِيرًا وَلَا أَتَمَّ بَيَانًا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ بَيَانًا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَسَّرَهُ لِلذِّكْرِ وَيَسَّرَ أَلْفَاظَهُ لِلْحِفْظِ وَمَعَانِيهِ لِلْفَهْمِ، وَأَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهِ لِلِامْتِثَالِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْأَلْفَاظِ لَا يَفْهَمُهَا الْمُخَاطَبُ لَمْ يَكُنْ مُيَسِّرًا لَهُ بَلْ كَانَ مُعَسِّرًا عَلَيْهِ، وَإِذَا أُرِيدَ مِنَ الْمُخَاطَبِ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ أَلْفَاظِهِ مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَانِي، أَوْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ فَهَذَا مِنْ أَشَدِّ التَّعْسِيرِ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ أَعْسَرَ عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ أَنْ يُرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْهَمُوا كَوْنَهُ سُبْحَانَهُ لَا دَاخِلًا فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُتَّصِلًا بِهِ، وَلَا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَلَا مُبَايِنًا لَهُ، وَلَا مُحَايِثًا لَهُ، وَلَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ عِيَانًا، وَلَا لَهُ يَدٌ وَلَا وَجْهٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَمِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» " وَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧] وَأَنْ يُجْهِدُوا أَنْفُسَهُمْ وَيُكَابِدُوا أَعْظَمَ الْمَشَقَّةِ فِي تَطَلُّبِ أَنْوَاعِ الِاسْتِعَارَاتِ وَضُرُوبِ الْمَجَازَاتِ وَوَحْشِيِّ اللُّغَاتِ، لِيَحْمِلُوا عَلَيْهَا آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارَهَا وَيَقُولُ: يَا عِبَادِي اعْلَمُوا أَنَّى أَرَدْتُ مِنْكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ فَوْقَ الْعَالَمِ،
стр. 44
وَلَا تَحْتَهُ، وَلَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَيَّ وَلَا يَعْرُجُ إِلَيَّ شَيْءٌ وَلَا يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِي: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَمِنْ قَوْلِي: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وَمِنْ قَوْلِي: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وَمِنْ قَوْلِي: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وَمِنْ قَوْلِي: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] وَمِنْ قَوْلِي: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَأَنْ تَفْهَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِي يَدَانِ مِنْ قَوْلِي: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَلَا عَيْنٌ مِنْ قَوْلِي: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] فَإِنَّكُمْ مَتَى فَهِمْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ حَقَائِقَهَا وَظَوَاهِرَهَا فَهِمْتُمْ خِلَافَ مُرَادِي مِنْكُمْ أَنْ تَفْهَمُوا مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ حَقَائِقِهَا وَظَوَاهِرِهَا.
فَأَيُّ تَيْسِيرٍ يَكُونُ هُنَاكَ، وَأَيُّ تَعْقِيدٍ وَتَعْسِيرٍ لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ خِطَابَ الرَّجُلِ بِمَا لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا بِتَرْجَمَةٍ أَيْسَرَ عَلَيْهِ مِنْ خِطَابِهِ بِمَا كُلِّفَ أَنْ يَفْهَمَ مِنْهُ خِلَافَ مَوْضُوعِهِ، فَتَيْسِيرُ الْقُرْآنِ مُنَافٍ لِطَرِيقَةِ النُّفَاةِ الْمُحَرِّفِينَ أَعْظَمَ مُنَافَاةٍ، وَلِهَذَا لَمَّا عَسُرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْهَمُوا مِنْهُ النَّفْيَ عَوَّلُوا عَلَى الشُّبَهِ الْخَيَالِيَّةِ.
[فَصْلُ اشْتِمَالُ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَكْثَرَ مِنَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا عَدَاهُ]
فَصْلُ
اشْتِمَالُ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَكْثَرَ مِنَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا عَدَاهُ
وَذَلِكَ لِشَرَفِ مُتَعَلِّقِهَا وَعَظَمَتِهِ، وَشَدِّةِ الْحَاجَةِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، فَكَانَتِ الطُّرُقُ إِلَى تَحْصِيلِ مَعْرِفَتِهِ أَكْثَرَ وَأَسْهَلَ وَأَبْيَنَ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ حِكْمَةِ الرَّبِّ ﵎ وَتَمَامِ نِعْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتْ حَاجَةُ الْعِبَادِ إِلَى الشَّيْءِ أَقْوَى كَانَ بَذْلُهُ لَهُمْ أَكْثَرَ وَأَسْهَلَ، وَهَذَا فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، فَإِنَّ حَاجَتَهُمْ لَمَّا كَانَتْ إِلَى الْهَوَاءِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَاءِ فِي الْقُوتِ كَانَ مَوْجُودًا مَعَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى الْمَاءِ شَدِيدَةً، إِذْ هُوَ مَادَّةُ أَقْوَاتِهِمْ وَفَوَاكِهِهِمْ وَشَرَابِهِمْ كَانَ مَبْذُولًا لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِي مَرَاتِبِ الْحَاجَاتِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَاجَتَهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهِمْ وَفَاطِرِهِمْ فَوْقَ مَرَاتِبِ هَذِهِ الْحَاجَاتِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ لَا سَعَادَةَ لَهُمْ وَلَا فَلَاحَ وَلَا صَلَاحَ وَلَا
стр. 45
نَعِيمَ إِلَّا بِأَنْ يَعْرِفُوهُ وَيَعْتَقِدُوهُ، وَيَكُونُ هُوَ وَحْدَهُ غَايَةَ مَطْلُوبِهِمْ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَيْهِ قُرَّةَ عُيُونِهِمْ، فَمَتَى فَقَدُوا ذَلِكَ كَانُوا أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْأَنْعَامِ، وَكَانَتِ الْأَنْعَامُ أَطْيَبَ عَيْشًا مِنْهُمْ فِي الْعَاجِلِ وَأَسْلَمَ عَاقِبَةً فِي الْآجِلِ.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ ضَرُورَةَ الْعَبْدِ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ كَانَتِ الْعِنَايَةُ بِبَيَانِهَا أَيْسَرَ الطُّرُقِ وَأَهْدَاهَا وَأَبْيَنَهَا، وَإِذَا سُلِّطَ التَّأْوِيلُ عَلَى النُّصُوصِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهَا فَتَسْلِيطُهُ عَلَى النُّصُوصِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ أَقْرَبُ بِكَثِيرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ لِعِبَادِهِ مِنْ صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ وَشَأْنِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ عُشْرَ مِعْشَارِ مَا ذَكَرَ لَهُمْ مِنْ نُعُوتِ جَلَالِهِ وَصِفَاتِ كَمَالِهِ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ قَابِلَةً لِلتَّأْوِيلِ فَالْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا الْمَلَائِكَةَ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَهَا الْمَلَاحِدَةُ كَمَا تَأَوَّلُوا نُصُوصَ الْمَعَادِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَبْدَوْا لَهَا تَأْوِيلَاتٍ لَيْسَتْ بِدُونِ تَأْوِيلَاتٍ الْجَهْمِيَّةِ لِنُصُوصِ الصِّفَاتِ، وَأَوَّلَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ عَامَّةَ نُصُوصِ الْأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ، وَقَالُوا لِلْجَهْمِيَّةِ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ حَاكِمُ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ، بَلِ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ مَمْلُوءَةٌ بِذِكْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَعُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ وَيَتَكَلَّمُ وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَأَنَّ لَهُ أَفْعَالًا تَقُومُ بِهِ وَهُوَ بِهَا فَاعِلٌ وَأَنَّهُ يُرَى بِالْأَبْصَارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا الَّتِي إِذَا قِيسَ إِلَيْهَا نُصُوصُ حَشْرِ هَذِهِ الْأَجْسَادِ وَخَرَابِ هَذَا الْعَالَمِ وَإِعْدَامِهِ لِإِنْشَاءِ عَالَمٍ آخَرَ، وُجِدَتْ نُصُوصُ الصِّفَاتِ أَضْعَافَ أَضْعَافِهَا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارَ الدَّالَّةَ عَلَى عُلُوِّ الرَّبِّ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ تُقَارِبُ الْأُلُوفَ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهَا الرُّسُلُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَمَا الَّذِي سَوَّغَ لَكُمْ تَأْوِيلَهَا وَحَرَّمَ عَلَيْنَا تَأْوِيلَ نُصُوصِ حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَخَرَابِ الْعَالَمِ؟
فَإِنْ قُلْتُمُ: الرُّسُلُ أَجْمَعُوا عَلَى الْمَجِيءِ بِهِ، فَلَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ، قِيلَ: وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ اسْتَوَى فَوْقَ عَرْشِهِ وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ وَمُتَكَلِّمٌ وَأَنَّهُ فَاعِلٌ حَقِيقَةً مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ، فَإِنْ مُنِعَ إِجْمَاعُهُمْ هُنَاكَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ هُنَا.
فَإِنْ قُلْتُمْ: أَوْجَبَ تَأْوِيلَ نُصُوصِ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَلَمْ يُوجِبْ تَأْوِيلَ نُصُوصِ الْمَعَادِ، قُلْنَا: هَاتُوا أَدِلَّةَ الْعُقُولِ الَّتِي بِهَا الصِّفَاتُ، وَنُحْضِرُ أَدِلَّةَ الْعُقُولِ الَّتِي بِهَا الْمَعَادُ وَحَشْرُ الْأَجْسَادِ، وَنُوَازِنُ بَيْنَهَا لِيَتَبَيَّنَ أَيُّهَا أَقْوَى.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنْكَارُ الْمَعَادِ تَكْذِيبٌ لِمَا عُلِمَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ، قُلْنَا: أَيْضًا إِنْكَارُ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ، وَأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ تَكْذِيبٌ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُمْ جَاءُوا بِهِ ضَرُورَةً.
стр. 46
فَإِنْ قُلْتُمْ: تَأْوِيلُنَا لِلنُّصُوصِ الَّتِي جَاءُوا بِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَهُمْ، قُلْنَا: فَمِنْ أَيْنَ صَارَ تَأْوِيلُنَا لِلنُّصُوصِ الَّتِي جَاءُوا بِهَا فِي الْمِيعَادِ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَهُمْ دُونَ تَأْوِيلِكُمْ: أَلِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي؟
فَصَاحَتِ الْقَرَامِطَةُ وَالْمَلَاحِدَةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ وَقَالُوا: مَا الَّذِي سَوَّغَ لَكُمْ تَأْوِيلَ الْأَخْبَارِ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا تَأْوِيلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْإِيجَابِ، وَمَوْرِدُ الْجَمِيعِ عَنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالُوا: وَأَيْنَ تَقَعُ نُصُوصُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ نُصُوصِ الْخَبَرِ؟ قَالُوا: وَكَثِيرٌ مِنْكُمْ قَدْ فَتَحُوا لَنَا بَابَ التَّأْوِيلِ فِي الْأَمْرِ، فَأَوَّلُوا أَوَامِرَ وَنَوَاهِيَ كَثِيرَةً صَرِيحَةَ الدِّلَالَةِ أَوْ ظَاهِرَةَ الدِّلَالَةِ فِي مَعْنَاهَا بِمَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَقَائِقِهَا، فَهَلُمَّ نَضَعُهَا فِي كِفَّةٍ وَنَضَعُ تَأْوِيلَاتِنَا فِي كِفَّةٍ وَنُوَازِنُ بَيْنَهَا، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّا أَكْثَرُ تَأْوِيلًا مِنْهُمْ، وَلَكِنَّا وَجَدْنَا بَابًا مَفْتُوحًا فَدَخَلْنَاهُ.
فَهَذِهِ مِنْ شُؤْمِ جِنَايَةِ التَّأْوِيلِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ طَرْدَ إِبْلِيسَ وَلَعْنَهُ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّهُ عَارَضَ النَّصَّ بِالْقِيَاسِ وَقَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلَ لِنَفْسِهِ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى نَصِّ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] وَهَذَا دَلِيلٌ قَدْ حُذِفَتْ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ، وَهِيَ: أَنَّ الْفَاضِلَ لَا يَخْضَعُ لِلْمَفْضُولِ، وَطَوَى ذِكْرَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ كَأَنَّهَا صُورَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَقَرَّرَ الْمُقَدِّمَةَ الْأَوْلَى بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فَكَانَ نَتِيجَةَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ امْتِنَاعُهُ مِنَ السُّجُودِ، وَظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الْعَقْلِيَّةَ تَنْفَعُهُ بِتَأْوِيلِهِ فَجَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى، وَصَارَ إِمَامًا لِكُلِّ مَنْ عَارَضَ نُصُوصَ الْوَحْيِ بِتَأْوِيلِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، كَمْ لِهَذَا الْإِمَامِ اللَّعِينِ مِنْ أَتْبَاعٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ عَامَّةَ شُبَهِ الْمُتَأَوِّلِينَ رَأَيْتَهَا مِنْ جِنْسِ شُبْهَتِهِ، وَالْقَائِلُ: إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ
стр. 47
قَدَّمْنَا الْعَقْلَ، مِنْ هُنَا اشْتَقَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَجَعَلَهَا أَصْلًا لِرَدِّ نُصُوصِ الْوَحْيِ الَّتِي يَزْعُمُ أَنَّ الْعَقْلَ يُخَالِفُهَا، وَعَرَضَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لِعَدُوِّ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ كِبْرِهِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الِانْقِيَادِ الْمَحْضِ لِنُصُوصِ الْوَحْيِ، وَهَكَذَا إِلْحَادُهُ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ إِنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ كِبْرٌ فِي صَدْرِهِ مَا هُوَ بِبَالِغِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] وَكَذَلِكَ خُرُوجُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ إِنَّمَا كَانَ بِالتَّأْوِيلِ، وَإِلَّا فَهُوَ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ بِالْأَكْلِ مَعْصِيَةَ الرَّبِّ، ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَجْهِ تَأْوِيلِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَأَوَّلَ بِحَمْلِهِ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ عَلَى الشَّجَرَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَغَرَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ بِأَنَّ جِنْسَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ وَأَطْمَعَهُ فِي أَنَّهُ إِنْ أَكَلَ مِنْهَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لَهُ: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فَذَكَرَ لَهُمَا عَدُوُّ اللَّهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي نُهِيَا عَنْهَا، إِمَّا بِعَيْنِهَا أَوْ بِجِنْسِهَا، وَصَرَّحَ لَهُمَا بِأَنَّهَا هِيَ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ آدَمَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ تِلْكَ الشَّجَرَةُ الْمُعَيَّنَةُ دُونَ سَائِرِ النَّوْعِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِأَكْلِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَنَزَعَ عَنْهُ لِبَاسَهُ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: تَأَوَّلَ آدَمُ أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ فَأَقْدَمَ، وَأَيْضًا فَحَيْثُ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِعْلِ الشَّيْءِ بِقُرْبَانِهِ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا لِتَحْرِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَأَيْضًا لَوْ كَانَ لِلتَّنْزِيهِ لَمَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ عَصَى رَبَّهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ كَانَ تَأْوِيلُهُ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا كَانَ عَنْ قُرْبَانِهِمَا وَأَكْلِهِمَا مَعًا، لَا عَنْ أَكْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ [البقرة: ٣٥] نَهْيٌ لَهُمَا عَنِ الْجَمْعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّهْيِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ حُصُولُهُ حَالَ الِانْفِرَادِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْخَطِيبِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ كَمَا تَرَى فِي الْبُطْلَانِ وَالْفَسَادِ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ أَنَّ هَذَا
стр. 48
التَّأْوِيلَ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَلْبَتَّةَ، وَهُمَا كَانَا أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَأَصَحَّ أَفْهَامًا، أَفَتَرَى فَهِمَ أَحَدٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَنَظَائِرِهِ، أَيْ إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنِ اجْتِمَاعِكُمْ عَلَى ذَلِكَ دُونَ انْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِهِ؟ فَيَا لَلْعَجَبِ مِنْ أَوْرَاقٍ وَقُلُوبٍ تُسَوَّدُ عَلَى هَذِهِ الْهَذَيَانَاتِ.
وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ آدَمَ لَمَّا قَاسَمَهُ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُ، وَأَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى أَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ التَّأَكُّدِ: أَحَدُهَا: الْقَسَمُ، الثَّانِي: الْإِتْيَانُ بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لَا فِعْلِيَّةٍ، وَالثَّالِثُ: تَصْدِيرُهَا بِأَدَاةِ التَّأَكُّدِ، الرَّابِعُ: الْإِتْيَانُ بِلَامِ التَّشْدِيدِ فِي الْخَبَرِ، الْخَامِسُ: الْإِتْيَانُ بِهِ اسْمَ فَاعِلٍ لَا فِعْلًا دَالًّا عَلَى الْحَدِيثِ، وَالسَّادِسُ: تَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ آدَمُ يَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يُقْسِمُ بِاللَّهِ كَاذِبًا غَمُوسًا يَتَجَرَّأُ فِيهَا هَذِهِ الْجُرْأَةَ، فَغَرَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذَا التَّأَكُّدِ، فَظَنَّ آدَمُ صِدْقَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ أَكَلَ مِنْهَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْجَنَّةِ وَرَأَى أَنَّ الْأَكْلَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ، فَمَصْلَحَةُ الْخُلُودِ أَرْجَحُ، وَلَعَلَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ اسْتِدْرَاكُ مَفْسَدَةِ النَّهْيِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، إِمَّا بِاعْتِذَارٍ وَإِمَّا بِتَوْبَةٍ، كَمَا تَجِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَائِمًا فِي نَفْسِ كُلِّ مُؤْمِنٍ أَقْدَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَقْبَلُ التَّأَوُّلَ مِنَ الْكَلَامِ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ]
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ مَا يَقْبَلُ التَّأَوُّلَ مِنَ الْكَلَامِ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ
لَمَّا كَانَ وَضْعُ الْكَلَامِ لِلدِّلَالَةِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَكَانَ مُرَادُهُ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِكَلَامِهِ، انْقَسَمَ كَلَامُهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا هُوَ نَصٌّ فِي مُرَادِهِ لَا يَقْبَلُ مُحْتَمَلًا غَيْرَهُ، وَالثَّانِي: مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي مُرَادِهِ وَإِنِ احْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ، الثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِنَصٍّ وَلَا ظَاهِرٍ فِي الْمُرَادِ بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ مُحْتَاجٌ إِلَى الْبَيَانِ، فَالْأَوَّلُ يَسْتَحِيلُ دُخُولُ التَّأْوِيلِ فِيهِ، إِذْ تَأْوِيلُهُ كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ، وَهَذَا شَأْنُ عَامَّةِ نُصُوصِ الْقُرْآنِ الصَّرِيحَةِ فِي مَعْنَاهَا، خُصُوصًا آيَاتُ الصِّفَاتِ وَالتَّوْحِيدِ، وَإِنَّ اللَّهَ مُكَلَّمٌ، مُتَكَلِّمٌ، آمِرٌ، نَاهٍ، قَائِلٌ، مُخْبِرٌ، مُوجِدٌ، حَاكِمٌ، وَاعِدٌ، وَمُوعِدٌ، مُبِينٌ، هَادٍ، دَاعٍ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى فَوْقَ عِبَادِهِ عَالٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، يَنْزِلُ الْأَمْرُ مِنْ عِنْدِهِ، وَيَعْرُجُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ
стр. 49
فَعَّالٌ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْخَلْقِ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ وَلَا ظَهِيرٌ، وَأَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْقَيُّومِيَّةِ ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩] وَأَنَّهُ يَسْمَعُ الْكَلَامَ الْخَفِيَّ كَمَا يَسْمَعُ الْجَهْرَ، وَيَرَى مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا ذَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ وَاحِدٌ عَنْ قُدْرَتِهِ الْبَتَّةَ، كَمَا لَا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وَتَكْوِينِهِ، وَأَنَّ لَهُ مَلَائِكَةً مُدَبِّرَةً بِأَمْرِهِ لِلْعَالَمِ تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ وَتَتَحَرَّكُ وَتَتَنَقَّلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالدُّنْيَا وَيُخَرِّبُ هَذَا الْعَالَمَ وَيَأْتِي بِالْآخِرَةِ، وَيَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي هِيَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مُرَادِهَا كَدِلَالَةِ لَفْظِ الْعَشَرَةِ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى مَدْلُولِهَا، وَكَدِلَالَةِ لَفْظِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالْبِغَالِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى مَدْلُولِهَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْبَتَّةَ.
فَهَذَا الْقِسْمُ إِنْ سُلِّطَ التَّأْوِيلُ عَلَيْهِ عَادَ الشَّرْعُ كُلُّهُ مُؤَوَّلًا، لِأَنَّهُ أَظْهَرُ أَقْسَامِ الْقُرْآنِ ثُبُوتًا وَأَكْثَرُهَا وُرُودًا وَدِلَالَةً، وَدِلَالَةُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مُتَنَوِّعَةٌ غَايَةَ التَّنَوُّعِ، فَقَبُولُ مَا سِوَاهُ لِلتَّأْوِيلِ أَقْرَبُ مِنْ قَبُولِهِ بِكَثِيرٍ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَكِنَّهُ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، فَهَذَا يُنْظَرُ فِي وُرُودِهِ فَإِنِ اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ اسْتَحَالَ تَأْوِيلُهُ بِمَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، لِأَنَّ التَّأْوِيلَ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَوْضِعٍ جَاءَ خَارِجًا عَنْ نَظَائِرِهِ، مُتَفَرِّدًا عَنْهَا فَيُؤَوَّلُ حَتَّى يُرَدَّ إِلَى نَظَائِرِهِ، وَتَأْوِيلُ هَذَا غَيْرُ مُمْتَنَعٍ إِذَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ اطِّرَادُ كَلَامِهِ فِي تَوَارُدِ اسْتِعْمَالِهِ مَعْنًى أَلِفَهُ الْمُخَاطَبُ، فَإِذَا جَاءَ مَوْضِعٌ يُخَالِفُهُ رَدَّهُ السَّامِعُ إِلَى مَا عُهِدَ مِنْ عُرْفِ الْمُخَاطَبِ إِلَى عَادَتِهِ الْمُطَّرِدَةِ.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ فِي الْأَذْهَانِ وَالْفِطَرِ وَعِنْدَ كَافَّةِ الْعُقَلَاءِ.
وَقَدْ صَرَّحَ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ بِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يَجُوزُ حَذْفُهُ إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي ادَّعَى فِيهِ حَذْفَهُ قَدِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ ثُبُوتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَذْفِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ادِّعَاءِ الْحَذْفِ قَدِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ ثُبُوتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَذْفِهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَلِكَ مَحْذُوفًا فِي مَوْضِعٍ عُلِمَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ فِي نَظَائِرِهِ أَنَّهُ قَدْ أُزِيلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ، فَهَذَا شَأْنُ مَنْ يَقْصِدُ الْبَيَانَ، وَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ التَّلْبِيسَ وَالتَّعْمِيَةَ فَلَهُ شَأْنٌ آخَرُ.
стр. 50
مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، فَتَأْوِيلُهُ بِاسْتَوْلَى بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ كَثُرَ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ اسْتَوْلَى، ثُمَّ يَخْرُجُ مَوْضِعٌ عَنْ نَظَائِرِهِ وَيُرَدُّ بِلَفْظِ اسْتَوْلَى، فَهَذَا كَانَ يَصِحُّ تَأْوِيلُهُ بِاسْتَوْلَى، فَتَفَطَّنْ لِهَذَا الْمَوْضِعِ وَاجْعَلْهُ قَاعِدَةً فِيمَا يَمْتَنِعُ تَأْوِيلُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ وَيَجُوزُ تَأْوِيلُهُ.
وَنَظِيرُ هَذَا اطِّرَادُ النُّصُوصِ بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هَكَذَا " «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ» " " «تَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّكُمْ» " ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وَلَمْ يَجِئْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: تَرَوْنَ ثَوَابَ رَبِّكُمْ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا خَرَجَ عَنْ نَظَائِرِهِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ اطِّرَادُ قَوْلِهِ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ [مريم: ٥٢] ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢] ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦] ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ [النازعات: ١٦] وَنَظَائِرُهَا، وَلَمْ يَجِئْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: أَمَرْنَا مَنْ يُنَادِيهِمْ، وَلَا: نَادَاهُ مَلَكٌ، فَتَأْوِيلُهُ بِذَلِكَ عَيْنُ الْمُحَالِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : " «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ. . .» " فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا، كُلُّهَا مُصَرِّحَةٌ بِإِضَافَةِ النُّزُولِ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى: وَلَمْ يَجِئْ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ بِقَوْلِهِ: يَنْزِلُ مَلَكُ رَبِّنَا، حَتَّى يُحْمَلَ مَا خَرَجَ عَنْ نَظَائِرِهِ عَلَيْهِ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ نُصُوصَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَسْمَحُ الْجَهْمِيَّةُ بِتَسْمِيَتِهَا نُصُوصًا وَإِذَا احْتَرَمُوهَا قَالُوا: ظَوَاهِرُ سَمْعِيَّةٌ، وَقَدْ عَارَضَهَا الْقَوَاطِعُ الْعَقْلِيَّةُ، وَجَدْتُهَا كُلَّهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَمِمَّا يَقْتَضِي مِنْهُ الْعَجَبَ أَنَّ كَلَامَ شُيُوخِهِمْ وَتَصْنِيفَهُمْ عِنْدَهُمْ نَصٌّ فِي مُرَادِهِمْ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَكَلَامَ الْمُوَافِقِينَ عِنْدَهُمْ نَصٌّ لَا يَجُوزُ تَأْوِيلُهُ، حَتَّى إِذَا جَاءُوا إِلَى كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَفُوهُ عَلَى التَّأْوِيلِ.
стр. 51
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ الَّذِي أُحِيلَ بَيَانُهُ عَلَى خِطَابٍ آخَرَ، فَهَذَا أَيْضًا لَا يَجُوزُ تَأْوِيلُهُ إِلَّا بِالْخِطَابِ الَّذِي يُبَيِّنُهُ، وَقَدْ يَكُونُ بَيَانُهُ مَعَهُ، وَقَدْ يَكُونُ بَيَانُهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي هُوَ عُرْضَةُ التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُبَيِّنُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ، فَهَذَا التَّأْوِيلُ فِيهِ مَجَالٌ وَاسِعٌ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْجُمَلِ الْمُرَكَّبَةِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْحُرُوفِ الْمُفْتَتَحِ بِهَا السُّوَرُ، بَلْ إِذَا تَأَمَّلَ مَنْ بَصَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَجَدَهَا مُتَضَمِّنَةً لِدَفْعِ مَا يُوهِمُهُ الْكَلَامُ مِنْ خِلَافِ ظَاهِرِهِ، وَهَذَا مَوْضِعٌ لَطِيفٌ جِدًّا فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ نُشِيرُ إِلَى بَعْضِهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] رَفَعَ سُبْحَانَهُ تَوَهُّمَ الْمَجَازِ فِي تَكْلِيمِهِ لِكَلِيمِهِ بِالْمَصْدَرِ الْمُؤَكَّدِ الَّذِي لَا يَشُكُّ عَرَبِيُّ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِثْبَاتُ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: مَاتَ مَوْتًا وَنَزَلَ نُزُولًا، وَنَظَائِرِهِ.
وَنَظِيرُهُ التَّأْكِيدُ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنِ وَ " كُلِّ " وَأَجْمَعَ، وَالتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ: حَقًّا وَنَظَائِرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] فَلَا يَشُكُّ صَحِيحُ الْفَهْمِ أَلْبَتَّةَ فِي هَذَا الْخِطَابِ أَنَّهُ نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ بِوَجْهٍ فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ السَّمْعِ لِلرَّبِّ تَعَالَى حَقِيقَةً وَأَنَّهُ بِنَفْسِهِ يَسْمَعُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢] فَرُفِعَ تَوَهُّمُ السَّامِعِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ عَمَلُ جَمِيعِ الصَّالِحَاتِ الْمَقْدُورَةِ وَالتَّجَوُّزُ عَنْهَا يُجَوِّزُهُ أَصْحَابُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، رُفِعَ هَذَا التَّوَهُّمُ بِجُمْلَةٍ اعْتُرِضَ بِهَا بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ تُزِيلُ الْإِشْكَالَ.
وَنَظِيرُهُ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] فَلَمَّا أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِغَيْرِهِ، بَلْ وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ بِنَفْسِهِ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] لِئَلَّا يَتَوَهَّمُ سَامِعٌ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُكَلَّفْ بِهِمْ فَإِنَّهُ يُهْمِلُهُمْ وَيَتْرُكُهُمْ.
стр. 52
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] فَتَأَمَّلْ كَمْ فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ رَفْعِ إِيهَامٍ، مِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الِاتِّبَاعَ فِي نَسَبٍ أَوْ تَرْبِيَةٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ رِقٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] لِرَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْآبَاءَ تُحَطُّ إِلَى دَرَجَةِ الْأَبْنَاءِ لِيَحْصُلَ الْإِلْحَاقُ وَالتَّبَعِيَّةُ، فَأَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١] أَيْ: مَا نَقَصْنَا الْآبَاءَ بِهَذَا الِاتِّبَاعِ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِمْ، بَلْ رَفَعْنَا الذَّرِّيَّةَ إِلَيْهِمْ قُرَّةً لِعُيُونِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَعْمَالٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا تِلْكَ الدَّرَجَةَ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] فَلَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ هَذَا الِاتِّبَاعَ حَاصِلٌ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، بَلْ هُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بِكَسْبِهِ وَقَدْ يُثِيبُهُ مِنْ غَيْرِ كَسْبِهِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] فَلَمَّا أَمَرَهُنَّ بِالتَّقْوَى الَّتِي شَأْنُهَا التَّوَاضُعُ وَلِينُ الْكَلَامِ نَهَاهُنَّ عَنِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِنَّ ذُو الْمَرَضِ، ثُمَّ أَمَرَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الْإِذْنِ فِي الْكَلَامِ الْمُنْكَرِ، لَمَّا نُهِينَ عَنِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَرَفَعَ تَوَهُّمَ فَهْمِ الْخَيْطَيْنِ مِنَ الْخُيُوطِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] فَلَمَّا أَثْبَتْ لَهُمْ مَشِيئَةً فَلَعَلَّ مُتَوَهِّمًا يَتَوَهَّمُ اسْتِقْلَالَهُمْ بِهَا فَأَزَالَ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ - فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ - وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦] .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١] فَلَعَلَّ
стр. 53
مُتَوَهِّمًا أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ اللَّهَ يَجُوزُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِمَا وَعَدَ بِهِ فَأَزَالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَلَمَّا ذَكَرَ إِتْيَانَهُ سُبْحَانَهُ رُبَّمَا تُوُهِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ إِتْيَانُ بَعْضِ آيَاتِهِ أَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ وَرَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَصَارَ الْكَلَامُ مَعَ هَذَا التَّقْسِيمِ وَالتَّنْوِيعِ نَصًّا صَرِيحًا فِي مَعْنَاهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ رَأَيْتَ هَذَا لَائِحًا عَلَى صَفَحَاتِهَا بَادِئًا عَلَى أَلْفَاظِهَا، كَقَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تُرَى الشَّمْسُ فِي الظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ، وَكَمَا نَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ» " وَقَوْلِهِ ﷺ : " «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانُ يُتَرْجِمُ لَهُ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ» " فَلَمَّا كَانَ كَلَامُ الْمُلُوكِ قَدْ يَقَعُ بِوَاسِطَةِ التُّرْجُمَانِ وَمِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ مِنَ الْأَفْهَامِ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا قَرَأَ ﷺ : ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَعَيْنِهِ رَفْعًا لِتَوَهُّمِ مُتَوَهِّمٍ أَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ غَيْرُ الْعَيْنَيْنِ الْمَعْلُومَتَيْنِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " «يَقْبِضُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالْأَرْضَ بِيَدِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ يَدَهُ وَيَبْسُطُهَا» "، تَحْقِيقًا لِإِثْبَاتِ الْيَدِ وَإِثْبَاتِ صِفَةِ الْقَبْضِ.
وَمِنْ هَذَا إِشَارَتُهُ إِلَى السَّمَاءِ حِينَ اسْتَشْهَدَ رَبَّهُ ﵎ عَلَى الصَّحَابَةِ أَنَّهُ
стр. 54
بَلَّغَهُمْ تَحْقِيقًا لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْعُلُوِّ، وَأَنَّ الرَّبَّ الَّذِي اسْتَشْهَدَهُ فَوْقَ الْعَالَمِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ.
[فَصْلٌ لَا يَأْتِي الْمُعَطِّلُ لِلتَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ بِتَأْوِيلٍ إِلَّا أَمْكَنَ الْمُعَطِّلُ لِلتَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ أَنْ يَأْتِيَ بِتَأْوِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ]
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي الْمُعَطِّلُ لِلتَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ الْخَبَرِيِّ بِتَأْوِيلٍ إِلَّا أَمْكَنَ الْمُشْرِكُ الْمُعَطِّلُ لِلتَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ أَنْ يَأْتِيَ بِتَأْوِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ
وَقَدِ اعْتَرَفَ حُذَّاقُ الْفَلَاسِفَةِ وَفُضَلَاؤُهُمْ فَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ (الْكَشْفُ عَنْ مَنَاهِجِ الْأَدِلَّةِ) الْقَوْلُ فِي الْجِهَةِ: وَأَمَّا هَذِهِ الصِّفَةُ فَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ يُثْبِتُونَهَا لِلَّهِ حَتَّى نَفَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ عَلَى نَفْيِهَا مُتَأَخِّرُو الْأَشْعَرِيَّةِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَمَنِ اقْتَدَى بِقَوْلِهِ، وَظَوَاهِرُ الشَّرْعِ كُلِّهِ تَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْجِهَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَمِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَمِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] وَمِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وَمِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي إِنْ سُلِّطَ التَّأْوِيلُ عَادَ الشَّرْعُ كُلُّهُ مُتَأَوَّلًا، وَإِنْ قِيلَ فِيهَا: إِنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ عَادَ الشَّرْعُ كُلُّهُ مُتَشَابِهًا ; لِأَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا مُبَيِّنَةٌ أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ، وَمِنْهُ تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى النَّبِيِّينَ بِالْوَحْيِ، وَأَنَّ مِنَ السَّمَاءِ نَزَلَتِ الْكُتُبُ، وَإِلَيْهَا كَانَ الْإِسْرَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَرُبَ مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَجَمِيعُ الْحُكَمَاءِ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي السَّمَاءِ كَمَا اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ. وَالشُّبْهَةُ الَّتِي قَادَتْ نُفَاةَ الْجَهْمِيَّةِ إِلَى نَفْيِهَا هِيَ أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْجِهَةِ يُوجِبُ إِثْبَاتَ الْمَكَانِ، وَإِثْبَاتَ الْمَكَانِ يُوجِبُ إِثْبَاتَ الْجِهَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ إِثْبَاتَ هَذَا كُلِّهِ غَيْرُ لَازِمٍ، فَالْجِهَةُ غَيْرُ الْمَكَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجِهَةَ إِمَّا سُطُوحُ الْجِسْمِ نَفْسِهِ الْمُحِيطِ بِهِ، وَهِيَ سِتَّةٌ، وَبِهَذَا نَقُولُ: إِنَّ لِلْحَيَوَانِ فَوْقَ وَأَسْفَلَ وَيَمِينًا وَشِمَالًا وَأَمَامًا وَخَلَفًا، وَإِمَّا
стр. 55
سُطُوحُ جِسْمٍ آخَرَ يُحِيطُ بِالْجِسْمِ ذِي الْجِهَاتِ السِّتِّ، فَأَمَّا الْجِهَاتُ الَّتِي هِيَ سُطُوحُ الْجِسْمِ نَفْسِهِ فَلَيْسَتْ بِمَكَانٍ لِلْجِسْمِ نَفْسِهِ أَصْلًا، وَأَمَّا سُطُوحُ الْأَجْسَامِ الْمُحِيطَةِ فَهِيَ لَهُ مَكَانٌ مِثْلَ سُطُوحِ الْهَوَاءِ الْمُحِيطِ بِالْإِنْسَانِ، وَسُطُوحِ الْفَلَكِ الْمُحِيطِ بِسُطُوحِ الْهَوَاءِ هِيَ أَيْضًا مَكَانُ هَوَاءٍ، وَهَكَذَا الْأَفْلَاكُ بَعْضُهَا مُحِيطَةٌ بِبَعْضٍ وَمَكَانٌ لَهُ، وَأَمَّا سَطْحُ الْفَلَكِ الْخَارِجِ فَقَدْ تَبَرْهَنَ أَنَّهُ لَيْسَ خَارِجَهُ جِسْمٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ ذَلِكَ الْجِسْمِ جِسْمٌ آخَرُ، وَيَمُرُّ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَإِذَنْ سَطْحُ آخَرِ أَجْسَامِ الْعَالَمِ لَيْسَ مَكَانًا أَصْلًا، إِذْ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ جِسْمٌ، فَإِذَنْ إِنْ قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى وُجُودِ مَوْجُودٍ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ جِسْمٍ، وَالَّذِي يَمْنَعُ وُجُودَهُ هُنَاكَ هُوَ عَكْسُ مَا ظَنَّهُ الْقَوْمُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُوَ جِسْمٌ لَا مَوْجُودَ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ خَارِجَ الْعَالِمِ خَلَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلَاءَ قَدْ تَبَيَّنَ فِي الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ امْتِنَاعُهُ ; لِأَنَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَلَاءِ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا كَثُرَ مِنْ أَبْعَادٍ لَيْسَ فِيهَا جِسْمٌ، أَعْنِي طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، لِأَنَّهُ إِنْ رُفِعَتِ الْأَبْصَارُ عَنْهُ عَادَ عَدَمًا، وَإِنْ فَرَضْتَ الْخَلَاءَ مَوْجُودًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَعْرَاضًا مَوْجُودَةً فِي غَيْرِ جِسْمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَبْعَادَ هِيَ أَعْرَاضٌ فِي بَابِ الْكَمِّيَّةِ وَلَا بُدَّ، وَلَكِنَّهُ قِيلَ فِي الْآرَاءِ السَّالِفَةِ الْقَدِيمَةِ وَالشَّرَائِعِ الْغَابِرَةِ: إِنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَيْسَ بِمَكَانٍ وَلَا يَحْوِيهِ زَمَانٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ كُلُّ مَا يَحْوِيهِ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ فَاسِدًا فَقَدْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا هُنَالِكَ غَيْرُ فَاسِدٍ وَلَا كَائِنٍ، وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى مَا أَقُولُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ هَاهُنَا شَيْءٌ إِلَّا هَذَا الْمَوْجُودُ الْمَحْسُوسُ أَوِ الْعَدَمُ، وَكَانَ مِنَ الْمَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ أَنَّ الْمَوْجُودَ شَيْءٌ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى الْوُجُودِ، أَعْنِي أَنَّهُ يُقَالُ: مَوْجُودًا أَيْ فِي الْوُجُودِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْعَدَمِ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودٌ هُوَ أَشْرَفُ الْمَوْجُودَاتِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَنْتَسِبَ مِنَ الْمَوْجُودِ الْمَحْسُوسِ إِلَى الْحَيِّزِ الْأَشْرَفِ وَهِيَ السَّمَاوَاتُ، وَلِشَرَفِ هَذَا الْحَيِّزِ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وَهَذَا كُلُّهُ يَظْهَرُ عَلَى التَّمَامِ لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ.
فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ مِنْ هَذَا أَنَّ إِثْبَاتَ الْجِهَةِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَأَنَّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ وَابْتُنِيَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ إِبْطَالَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِبْطَالٌ لِلشَّرَائِعِ، وَإِنَّ وَجْهَ الْعُسْرِ فِي تَفَهُّمِ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ نَفْيِ الْجِسْمِيَّةِ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُشَاهَدِ مِثَالٌ لَهُ، فَهُوَ بِعَيْنِهِ السَّبَبُ فِي
стр. 56
أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحِ الشَّرْعُ بِنَفْيِ الْجِسْمِ عَنِ الْخَالِقِ ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ إِنَّمَا يَقَعُ لَهُمُ التَّصْدِيقُ بِحُكْمِ الْغَائِبِ مَتَى كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الْوُجُودِ فِي الشَّاهِدِ، مِثْلَ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الشَّاهِدِ شَرْطًا فِي وُجُودِهِ كَانَ شَرْطًا فِي وُجُودِ الصَّانِعِ الْغَائِبِ، وَأَمَّا مَتَى كَانَ الْحُكْمُ الَّذِي فِي الْغَائِبِ غَيْرَ مَعْلُومِ الْوُجُودِ فِي الشَّاهِدِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ كَانَ الشَّرْعُ يَزْجُرُ عَنْ طَلَبِ مَعْرِفَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْجُمْهُورِ حَاجَةً إِلَى مَعْرِفَتِهِ، مِثْلَ الْعِلْمِ بِالنَّفْسِ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ مِثَالٌ فِي الشَّاهِدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ بِالْجُمْهُورِ حَاجَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فِي سَعَادَتِهِمْ.
وَالشُّبْهَةُ الْوَاقِعَةُ فِي نَفْيِ الْجِهَةِ عِنْدَ الَّذِينَ نَفَوْهَا لَيْسَ يَتَفَطَّنُ الْجُمْهُورُ إِلَيْهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ لَهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فَيَجِبُ أَنْ يُتَمَثَّلَ فِي هَذَا كُلِّهِ فِعْلُ الشَّرْعِ، وَأَنْ لَا يُتَأَوَّلَ مَا لَمْ يُصَرِّحِ الشَّرْعُ بِتَأْوِيلِهِ.
وَالنَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الشَّرْعِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: صِنْفٌ لَا يَشْعُرُونَ بِالشُّكُوكِ الْعَارِضَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى خَاصَّةً، مَتَى تُرِكَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَى ظَاهِرِهَا فِي الشَّرْعِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَكْثَرُونَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ، وَصِنْفٌ عَرَفُوا حَقِيقَةَ الْأَشْيَاءِ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَقَلُّ مِنَ النَّاسِ، وَصِنْفٌ عَرَضَتْ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ شُكُوكٌ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَلِّهَا، وَهَؤُلَاءِ فَوْقَ الْعَامَّةِ دُونَ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا الصِّنْفُ هُمُ الَّذِينَ يُوجَدُ فِي حَقِّهِمُ التَّشَابُهُ فِي الشَّرْعِ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْجُمْهُورِ فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ تَشَابُهٌ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ التَّشَابُهُ.
وَمِثَالُ مَا عَرَضَ لِهَذَا الصِّنْفِ مَعَ الشَّرْعِ مَا يَعْرِضُ فِي خُبْزِ الْبُرِّ مَثَلًا الَّذِي هُوَ الْغِذَاءُ النَّافِعُ لِأَكْثَرِ الْأَبْدَانِ أَنْ يَكُونَ لِأَقَلِّ الْأَبْدَانِ ضَارًّا وَهُوَ نَافِعٌ لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَلِكَ التَّعْلِيمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ نَافِعٌ لِلْأَكْثَرِ، وَرُبَّمَا ضَرَّ لِلْأَقَلِّ، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] لَكِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَعْرِضُ فِي آيَاتِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فِي الْأَقَلِّ مِنْهُ وَلِلْأَقَلِّ مِنَ النَّاسِ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ هِيَ الْآيَاتُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْإِعْلَامَ فِي أَنَّهُ الْغَائِبُ لَيْسَ لَهَا مِثَالٌ فِي الشَّاهِدِ، فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّاهِدِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ الْمَوْجُودَاتِ إِلَيْهَا وَأَكْثَرُهَا شَبَهًا بِهَا، فَيَعْرِضُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُمَثَّلَ بِهِ هُوَ الْمِثَالُ نَفْسُهُ، فَيَلْزَمُهُ الْحَيْرَةُ وَالشَّكُّ، وَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ مُتَشَابِهًا فِي الشَّرْعِ، وَهَذَا لَيْسَ يَعْرِضُ لِلْعُلَمَاءِ وَلَا لِلْجُمْهُورِ، وَهُمْ صِنْفَا النَّاسِ فِي الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَصِحَّاءُ، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَمَرْضَى، وَالْمَرْضَى
стр. 57
هُمُ الْأَقَلُّ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكَلَامِ.
وَأَشَدُّ مَا عُرِضَ عَلَى الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا كَثِيرًا مِمَّا ظَنُّوهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ إِنَّمَا أَتَى اللَّهُ بِهِ فِي صُورَةِ الْمُتَشَابِهِ ابْتِلَاءً لِعِبَادِهِ وَاخْتِبَارًا لَهُمْ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا الظَّنِّ بِاللَّهِ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ الْعَزِيزِ إِنَّمَا جَاءَ مُعْجِزًا مِنْ جِهَةِ الْوُضُوحِ وَالْبَيَانِ، فَإِذَا مَا أَبْعَدَهُ عَنْ مَقْصِدِ الشَّرْعِ مَنْ قَالَ فِيمَا لَيْسَ بِمُتَشَابِهٍ: إِنَّهُ مُتَشَابِهٌ، ثُمَّ أَوَّلَ ذَلِكَ الْمُتَشَابِهَ بِزَعْمِهِ، وَقَالَ لِجَمِيعِ النَّاسِ: إِنَّ فَرْضَكُمُ اعْتِقَادَ هَذَا التَّأْوِيلِ مِثْلَ مَا قَالُوهُ فِي آيَاتِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا قَالُوا إِنَّ ظَاهِرَهُ مُتَشَابِهٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَأَكْثَرُ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي زَعَمَ الْقَائِلُونَ بِهَا أَنَّهَا الْمَقْصُودُ مِنَ الشَّرْعِ إِذَا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ لَيْسَ يَقُومُ عَلَيْهَا بُرْهَانٌ وَلَا يُعْقَلُ فِعْلُ الظَّاهِرِ فِي قَبُولِ الْجُمْهُورِ لَهَا، وَعَمَلِهِمْ بِهَا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ بِالْعِلْمِ فِي حَقِّ الْجُمْهُورِ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ، فَمَا كَانَ أَنْفَعَ فِي الْعَمَلِ كَانَ أَجْدَرَ، وَأَمَّا الْمَقْصُودُ بِالْعِلْمِ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا، أَعْنِي الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ.
مِثَالُ مَنْ أَوَّلَ شَيْئًا مِنَ الشَّرْعِ وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي أَوَّلَهُ هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ الشَّرْعُ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِلْجُمْهُورِ مِثَالُ مَنْ أَتَى إِلَى دَوَاءٍ قَدْ رَكَّبَهُ طَبِيبٌ مَاهِرٌ لِيَحْفَظَ صِحَّةَ جَمِيعِ النَّاسِ أَوِ الْأَكْثَرِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَلَمْ يُلَائِمْهُ ذَلِكَ الدَّوَاءُ الْمُرَكَّبُ الْأَعْظَمُ، لِرَدَاءَةِ مِزَاجٍ كَانَ بِهِ لَيْسَ يَعْرِضُ إِلَّا لِلْأَقَلِّ مِنَ النَّاسِ، فَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَ الْأَدْوِيَةِ الَّذِي صَرَّحَ بِاسْمِهِ الطَّبِيبِ الْأَوَّلِ فِي ذَلِكَ الدَّوَاءِ الْعَامِّ الْمَنْفَعَةِ الْمُرَكَّبِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ الدَّوَاءَ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِي اللِّسَانِ أَنْ يَدُلَّ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ دَوَاءً آخَرَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاسْتِعَارَةٍ بَعِيدَةٍ، فَأَزَالَ الدَّوَاءَ الْأَوَّلَ مِنْ ذَلِكَ الْمُرَكَّبِ الْأَعْظَمِ وَجَعَلَ فِيهِ بَدَلَهُ الدَّوَاءَ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ قَصَدَهُ الطَّبِيبُ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: هَذَا هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ الطَّبِيبُ الْأَوَّلُ فَاسْتَعْمَلَ النَّاسُ ذَلِكَ الدَّوَاءَ الْمُرَكَّبَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمُتَأَوِّلُ، فَفَسَدَتْ بِهِ أَمْزِجَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَجَاءَ آخَرُونَ فَشَعَرُوا بِإِفْسَادِ أَمْزِجَةِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ الدَّوَاءِ الْمُرَكَّبِ فَرَامُوا إِصْلَاحَهُ بِأَنْ أَبْدَلُوا بَعْضَ أَدْوِيَتِهِ بِدَوَاءٍ آخَرَ غَيْرَ الدَّوَاءِ الْأَوَّلِ، فَعَرَضَ لِلنَّاسِ نَوْعٌ مِنَ الْمَرَضِ غَيْرُ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَجَاءَ ثَالِثٌ فَتَأَوَّلَ فِي أَدْوِيَةِ ذَلِكَ
стр. 58
الْمُرَكَّبِ غَيْرَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، فَعَرَضَ لِلنَّاسِ نَوْعٌ ثَالِثٌ مِنَ الْمَرَضِ غَيْرُ النَّوْعَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، فَجَاءَ مُتَأَوِّلٌ رَابِعٌ فَتَأَوَّلَ دَوَاءً آخَرَ غَيْرَ الْأَدْوِيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَعَرَضَ لِلنَّاسِ نَوْعٌ رَابِعٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ غَيْرُ الْأَمْرَاضِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ بِهَذَا الدَّوَاءِ الْمُرَكَّبِ الْأَعْظَمِ وَسُلِّطَ النَّاسُ التَّأْوِيلَ عَلَى أَدْوِيَتِهِ وَغَيْرِهَا وَبَدَّلُوهَا عَرَضَ لِلنَّاسِ أَمْرَاضٌ شَتَّى حَتَّى فَسَدَتِ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ بِذَلِكَ الدَّوَاءِ الْمُرَكَّبِ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ.
وَهَذِهِ هِيَ حَالُ الْفُرْقَةِ الْحَادِثَةِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تَأَوَّلَتْ فِي الشَّرِيعَةِ تَأْوِيلًا غَيْرَ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَتْهُ الْفِرْقَةُ الْأُخْرَى، وَزَعَمَتْ أَنَّهُ الَّذِي قَصَدَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ، حَتَّى تَمَزَّقَ الشَّرْعُ كُلَّ مُمَزَّقٍ وَبَعُدَ هَذَا عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَوَّلِ. وَلَمَّا عَلِمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ أَنَّ هَذَا سَيَعْرِضُ فِي شَرِيعَتِهِ قَالَ: " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» " يَعْنِي بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي سَلَكَتْ ظَاهِرَ الشَّرْعِ وَلَمْ تُؤَوِّلْهُ، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَا عَرَضَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنَ الْفَسَادِ الْعَارِضِ فِيهَا قَبْلُ تَبَيَّنْتَ أَنَّ هَذَا الْمِثَالَ صَحِيحٌ.
وَأَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ هَذَا الدَّوَاءَ الْأَعْظَمَ الْخَوَارِجُ، ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةُ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ الْأَشْعَرِيَّةُ، ثُمَّ الصُّوفِيَّةُ، ثُمَّ جَاءَ أَبُو حَامِدٍ فَطَمَّ الْوَادِي عَلَى الْقُرَى، وَذَكَرَ كَلَامًا بَعْدُ مُتَعَلِّقًا يُكْتَبُ لَيْسَ لَنَا غَرَضٌ فِي حِكَايَتِهِ. اهـ.
[فَصْلٌ فِي انْقِسَامِ النَّاسِ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ]
فَصْلٌ
فِي انْقِسَامِ النَّاسِ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ إِلَى أَصْحَابِ تَأْوِيلٍ وَأَصْحَابِ تَخْيِيلٍ، وَأَصْحَابِ تَمْثِيلٍ، وَأَصْحَابِ تَجْهِيلٍ، وَأَصْحَابِ سَوَاءِ السَّبِيلِ
الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: أَصْحَابُ التَّأْوِيلِ، وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اضْطِرَابًا إِذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ قَدَمٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُتَأَوَّلُ وَمَا لَا يُتَأَوَّلُ، وَلَا ضَابِطَ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ وَتَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْفِرَقِ فَإِنَّهُمْ جَرَوْا عَلَى ضَابِطٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ أَصْحَابِ التَّأْوِيلِ.
الصِّنْفُ الثَّانِي: أَصْحَابُ التَّخَيُّلِ، وَهُمُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا أَنَّ الرُّسُلَ لَمْ يُفْصِحُوا لِلْخَلْقِ بِالْحَقَائِقِ، إِذْ لَيْسَ فِي قُوَاهُمْ إِدْرَاكُهَا، وَإِنَّمَا أَبْرَزُوا لَهُمُ الْمَقْصُودَ فِي صُورَةِ
стр. 59
الْمَحْسُوسِ، قَالُوا: وَلَوْ دَعَتِ الرُّسُلُ أُمَمَهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِرَبٍّ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ، وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُحَايِثَهُ، وَلَا مُبَايِنًا لَهُ، وَلَا مُتَّصِلًا بِهِ، وَلَا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَلَا فَوْقَهُ، وَلَا تَحْتَهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ لَنَفَرَتْ عُقُولُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ تُصَدِّقْ بِإِمْكَانِ هَذَا الْمَوْجُودِ، فَضْلًا عَنْ وُجُوبِ وَجُودِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَهُمْ بِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ، وَأَنَّهُ فَيْضٌ فَاضَ مِنَ الْمَبْدَأِ الْأَوَّلِ عَلَى الْعَقْلِ الْفَعَّالِ، ثُمَّ فَاضَ مِنْ ذَلِكَ الْعَقْلِ عَلَى النَّفْسِ النَّاطِقَةِ الزَّكِيَّةِ الْمُسْتَعِدَّةِ لَمْ يَفْهَمُوا ذَلِكَ، وَلَوْ أَخْبَرُوهُمْ عَنِ الْمَعَادِ الرُّوحَانِيِّ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يَفْهَمُوهُ، فَقَرَّبُوا لَهُ الْحَقَائِقَ بِإِبْرَازِهَا فِي الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ، وَضَرَبُوا لَهُمُ الْأَمْثَالَ بِقِيَامِ الْأَجْسَادِ مِنَ الْقُبُورِ فِي يَوْمِ الْعَرْضِ وَالنُّشُورِ وَمَصِيرِهَا إِلَى جَنَّةٍ فِيهَا أَكْلٌ وَشُرْبٌ وَلَحْمٌ وَخَمْرٌ وَجِوَارٍ حِسَانٌ، أَوْ نَارٌ فِيهَا أَنْوَاعُ الْعَذَابِ، تَفْهِيمًا لِلَّذَّاتِ الرُّوحَانِيَّةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ وَلِلْأَلَمِ الرُّوحَانِيِّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
وَهَكَذَا فَعَلُوا فِي وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، ضَرَبُوا لَهُمُ الْأَمْثَالَ بِمَوْجُودٍ عَظِيمٍ جِدًّا أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَلَهُ سَرِيرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى سَرِيرِهِ، يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَتَكَلَّمُ وَيَأْمُرُ وَيَنْهَى وَيَرْضَى وَيَغْضَبُ، وَيَأْتِي وَيَجِيءُ وَيَنْزِلُ، وَلَهُ يَدَانِ وَوَجْهٌ، وَيَفْعَلُ بِمَشِيئَةٍ، وَإِذَا تَكَلَّمَ الْعِبَادُ سَمِعَ كَلَامَهُمْ، وَإِذَا تَحَرَّكُوا رَأَى حَرَكَاتِهِمْ، وَإِذَا هَجَسَ فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَاجِسٌ عَلِمَهُ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَيْهِمْ إِلَى سَمَائِهِمْ هَذِهِ فَيَقُولُ: " «مَنْ يَسْأَلْنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرْنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَطَقَتْ بِهِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ، قَالُوا: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ لِلْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ مَا وُضِعَتْ لَهُ الشَّرَائِعُ وَالْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ، وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِأُمُورٍ عَقْلِيَّةٍ تَعْجِزُ عَنْ إِدْرَاكِهَا عُقُولُ الْجُمْهُورِ، فَتَأْوِيلُهَا جِنَايَةٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَالْحِكْمَةِ.
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ عِنْدَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ تُطَابِقُ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُ أَمْثَالٌ وَتَخْيِيلٌ وَتَفْهِيمٌ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ، وَقَدْ سَاعَدَهُمْ أَرْبَابُ التَّأْوِيلِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَصَرَّحُوا فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى مَا صَرَّحَ بِهِ هَؤُلَاءِ فِي بَابِ الْمَعَادِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ بَلْ نَقَلُوا كَلِمَاتِهِمْ بِعَيْنِهَا إِلَى نُصُوصِ الِاسْتِوَاءِ وَالْفَوْقِيَّةِ، وَنُصُوصِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَوْجَبُوا أَوْ سَوَّغُوا تَأْوِيلَهَا بِمَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَقَائِقِهَا وَظَوَاهِرِهَا،
стр. 60
وَظَنُّوا أَنَّ الرُّسُلَ قَصَدَتْ ذَلِكَ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ تَعْرِيضًا لَهُمْ إِلَى الثَّوَابِ الْجَزِيلِ بِبَذْلِ الْجُهْدِ فِي تَأْوِيلِهَا وَاسْتِخْرَاجِ مَعَانٍ تَلِيقُ بِهَا، وَأُولَئِكَ حَرَّمُوا التَّأْوِيلَ وَرَأَوْهُ عَائِدًا عَلَى الشَّرِيعَةِ بِالْإِبْطَالِ، وَالطَّائِفَتَانِ مُتَّفِقَتَانِ عَلَى إِبْطَالِ حَقَائِقِهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ: أَصْحَابُ التَّجْهِيلِ الَّذِينَ قَالُوا: نُصُوصُ الصِّفَاتِ أَلْفَاظٌ لَا تُعْقَلُ مَعَانِيَهَا وَلَا يُدْرَى مَا أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهَا، وَلَكِنْ نَقْرَؤُهَا أَلْفَاظًا لَا مَعَانِيَ لَهَا، وَنَعْلَمُ أَنَّ لَهَا تَأْوِيلًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهِيَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ: (كهيعص) وَ (حَم عسق) وَ (المص) فَلَوْ وَرَدَ عَلَيْنَا مِنْهَا مَا وَرَدَ لَمْ نَعْتَقِدْ فِيهِ تَمْثِيلًا وَلَا تَشْبِيهًا، وَلَمْ نَعْرِفْ مَعْنَاهُ، وَنُنْكِرْ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَهُ، وَنَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ السَّلَفِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ حَقَائِقَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَا يَفْهَمُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] وَقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ.
وَبَنَوْا هَذَا الْمَذْهَبَ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ لِلْمُتَشَابِهِ تَأْوِيلًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَنَتَجَ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ اسْتِجْهَالُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالصِّفَاتِ وَلَا يَعْرِفُونَ مَعْنَى ذَلِكَ وَلَا مَا أُرِيدَ بِهِ، وَلَازِمُ قَوْلِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ وَلَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ، ثُمَّ تَنَاقَضُوا أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ فَقَالُوا: تُجْرَى عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَتَأْوِيلُهَا بِمَا يُخَالِفُ الظَّوَاهِرَ بَاطِلٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهَا تَأْوِيلٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَكَيْفَ يُثْبِتُونَ لَهَا تَأْوِيلًا وَيَقُولُونَ: تُجْرَى عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَيَقُولُونَ: الظَّاهِرُ مِنْهَا مُرَادٌ، وَالرَّبُّ مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهَا، وَهَلْ فِي التَّنَاقُضِ أَقْبَحُ مِنْ هَذَا؟
وَهَؤُلَاءِ غَلِطُوا فِي الْمُتَشَابِهِ وَفِي جَعْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَفِي كَوْنِ الْمُتَشَابِهِ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا اللَّهُ، فَأَخْطَئُوا فِي الْمُقَدِّمَاتِ الثَّلَاثِ وَاضْطَرَّهُمْ إِلَى هَذَا: التَّخَلُّصُ مِنْ تَأْوِيلَاتِ الْمُبْطِلِينَ وَتَحْرِيفَاتِ الْمُعَطِّلِينَ، وَسَدُّوا عَلَى نُفُوسِهِمُ الْبَابَ، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِالْخَطَأِ، وَلَا وُصُولَ لَنَا إِلَى الصَّوَابِ، فَتَرَكُوا التَّدْبِيرَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَالتَّعَقُّلَ لِمَعَانِي النُّصُوصِ، وَتَعَبَّدُوا بِالْأَلْفَاظِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ، وَظَنُّوا أَنَّهَا
стр. 61
أُنْزِلَتْ لِلتِّلَاوَةِ وَالتَّعَبُّدِ بِهَا دُونَ تَعَقُّلِ مَعَانِيهَا وَتَدَبُّرِهَا وَالتَّفَكُّرِ فِيهَا، وَأُولَئِكَ جَعَلُوهَا عُرْضَةً لِلتَّأَوُّلِ وَالتَّحْرِيفِ كَمَا جَعَلَهَا أَصْحَابُ التَّخْيِيلِ أَمْثَالًا لَا حَقِيقَةَ لَهَا.
وَقَابَلَهُمُ الصِّنْفُ الرَّابِعُ وَهُمْ صِنْفُ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، فَفَهِمُوا مِنْهَا مِثْلَ مَا لِلْمَخْلُوقِينَ وَظَنُّوا أَنْ لَا حَقِيقَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مُحَالٌ أَنْ يُخَاطِبَنَا اللَّهُ بِمَا لَا نَعْقِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] فَهَذِهِ الْفِرَقُ لَا يَزَالُ يُبَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُضَلِّلُهُ وَيُجَهِّلُهُ، وَقَدْ تَصَادَمَتْ كَمَا تَرَى، فَهُمْ كَزُمْرَةٍ مِنَ الْعُمْيَانِ تَلَاقَوْا فَتَصَادَمُوا، كَمَا قَالَ أَعْمَى الْبَصِيرَةِ مِنْهُمْ:
وَنَظِيرِي فِي الْعِلْمِ مِثْلِيَ أَعْمَى ... فَكِلَانَا فِي حِنْدِسٍ نَتَصَادَمْ
وَهَدَى اللَّهُ أَصْحَابَ سَوَاءِ السَّبِيلِ لِلطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، فَأَثْبَتُوا حَقَائِقَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَنَفَوْا عَنْهَا مُمَاثَلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَكَانَ مَذْهَبُهُمْ مَذْهَبًا بَيْنَ مَذْهَبَيْنِ، وَهُدًى بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، يُثْبِتُونَ لَهُ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا بِحَقَائِقِهَا، وَلَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْهَا، فَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى مَعْرِفَةِ كُنْهِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ كُلَّ عِبَادِهِ بِذَلِكَ وَلَا أَرَادَهُ مِنْهُمْ وَلَا جَعَلَ لَهُمْ إِلَيْهِ سَبِيلًا، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ أَوْ أَكْثَرُهَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ سَبِيلًا إِلَى مَعْرِفَةِ كُنْهِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ، وَهَذِهِ أَرْوَاحُهُمُ الَّتِي هِيَ أَدْنَى إِلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ دَانٍ، قَدْ حُجِبَتْ عَنْهُمْ مَعْرِفَةُ كُنْهِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا سُبْحَانَهُ عَنْ تَفَاصِيلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَقَامَتْ حَقَائِقُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَشَاهَدَتْهُ عُقُولُهُمْ، وَلَمْ يَعْرِفُوا كُنْهَهُ، فَلَا يَشُكُّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ أَنْهَارًا مِنْ خَمْرٍ، وَأَنْهَارًا مِنْ عَسَلٍ، وَأَنْهَارًا مِنْ لَبَنٍ، وَلَكِنْ لَا يَعْرِفُونَ كُنْهَ ذَلِكَ وَمَادَّتَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ، إِذْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ فِي الدُّنْيَا الْخَمْرَ إِلَّا مَا اعْتُصِرَ مِنَ الْأَعْنَابِ، وَالْعَسَلَ إِلَّا مَا قَذَفَتْ بِهِ النَّحْلُ فِي بُيُوتِهَا، وَاللَّبَنَ إِلَّا مَا خَرَجَ مِنَ الضُّرُوعِ، وَالْحَرِيرَ إِلَّا مَا خَرَجَ مِنْ دُودِ الْقَزِّ، وَقَدْ فَهِمُوا مَعَانِي ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِمَا فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ "، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ عَدَمُ النَّظِيرِ فِي الدُّنْيَا مِنْ فَهْمِ مَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ. فَهَكَذَا الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ لَمْ يَمْنَعْهُمُ انْتِفَاءُ نَظِيرِهَا وَمِثَالِهَا مِنْ فَهْمِ حَقَائِقِهَا
стр. 62
وَمَعَانِيهَا، بَلْ قَامَ بِقُلُوبِهِمْ مَعْرِفَةُ حَقَائِقِهَا، وَانْتِفَاءُ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا وَهَذَا هُوَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى الَّذِي أَثْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] ، الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] ، الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فَنَفَى الْمَثَلَ عَنْ هَذَا الْمَثَلِ الْأَعْلَى، وَهُوَ مَا فِي قُلُوبِ أَهْلِ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَذَاتِهِ.
فَهَذَا الْمَثَلُ الْأَعْلَى هُوَ الَّذِي آمَنَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَأَنِسَ بِهِ الْعَارِفُونَ ; وَقَامَتْ شَوَاهِدُهُ فِي قُلُوبِهِمْ بِالتَّعْرِيفَاتِ الْفِطْرِيَّةِ الْمُكَمَّلَةِ بِالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَضْبُوطَةِ بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ، فَاتَّفَقَ عَلَى الشَّهَادَةِ بِثُبُوتِهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ وَالْفِطْرَةُ، فَإِذَا قَالَ الْمُثْبِتُ: يَا لِلَّهِ، قَامَ بِقَلْبِهِ رَبٌّ قَيُّومٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، مُكَلَّمٌ، مُتَكَلِّمٌ، سَامِعٌ، قَدِيرٌ، مُرِيدٌ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، يَسْمَعُ دُعَاءَ الدَّاعِينَ، وَيَقْضِي حَاجَاتِ السَّائِلِينَ، وَيُفَرِّجُ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ، تُرْضَيْهِ الطَّاعَاتُ، وَتُغْضِبُهُ الْمَعَاصِي، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ بِالْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَتَنْزِلُ بِالْأَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ. وَإِذَا شِئْتَ زِيَادَةَ تَعْرِيفٍ بِهَذَا الْمَثَلِ الْأَعْلَى فَعُدَّ قُوَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ اجْتَمَعَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ كَانَ جَمِيعُهُمْ عَلَى قُوَّةِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ، فَإِذَا نُسِبَتْ قُوَّتُهُمْ إِلَى قُوَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى لَمْ تَجِدْ نِسْبَةً إِلَيْهَا الْبَتَّةَ كَمَا لَا تَجِدُ نِسْبَةً بَيْنَ قُوَّةِ الْبَعُوضَةِ وَقُوَّةِ الْأَسَدِ، وَإِذَا قَدَّرْتَ عُلُومَ الْخَلَائِقِ اجْتَمَعَتْ لِوَاحِدٍ ثُمَّ قَدَّرْتَ جَمِيعَهُمْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَتْ عُلُومُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى كَنَقْرَةِ عُصْفُورٍ فِي بَحْرٍ، وَكَذَا فِي حِكْمَتِهِ وَكَمَالِهِ، وَقَدْ نَبَّهَنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فَقَدِّرَ الْبَحْرَ الْمُحِيطَ بِالْعَالَمِ مِدَادًا وَوَرَاءَهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ تُحِيطُ بِهِ كُلُّهَا مِدَادًا يُكْتَبُ بِهِ كَلِمَاتُ اللَّهِ نَفِدَتِ الْبِحَارُ وَنَفِدَتِ الْأَقْلَامُ الَّتِي لَوْ قُدِّرَتْ جَمِيعُ أَشْجَارِ الْأَرْضِ مِنْ حِينِ خُلِقَتْ إِلَى آخَرِ الدُّنْيَا لَمْ تَنْفَدْ كَلِمَاتُ اللَّهِ.
стр. 63
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ " «أَنَّ السَّمَاوَاتَ السَّبْعَ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَالْكُرْسِيَّ فِي الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ» " وَهُوَ سُبْحَانُهُ فَوْقَ عَرْشِهِ يَعْلَمُ وَيَرَى مَا عِبَادُهُ عَلَيْهِ.
فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَامَ بِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ الْعَارِفِينَ بِهِ سُبْحَانَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى فَعَرَفُوهُ بِهِ وَعَبَدُوهُ بِهِ وَسَأَلُوهُ بِهِ، فَأَحَبُّوهُ وَخَافُوهُ وَرَجَوْهُ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَأَنَابُوا إِلَيْهِ، وَاطْمَأَنُّوا بِذِكْرِهِ وَأَنِسُوا بِحُبِّهِ بِوَاسِطَةِ هَذَا التَّعْرِيفِ، فَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْنَى اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَسَائِرُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ، إِذْ قَدْ أَحَاطَ عِلْمُهُمْ بِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لِذَلِكَ وَلَا مَثِيلَ لَهُ وَلَمْ يَخْطُرْ بِقُلُوبِهِمْ مُمَاثَلَةُ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَقَدْ أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ " «أَنَّهُ يَقْبِضُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ» " وَ " «أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفِّهِ كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ» " وَ " «أَنَّهُ يَضَعُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ» " فَأَيُّ يَدٍ لِلْخَلْقِ وَأَيُّ إِصْبَعٍ تُشْبِهُ هَذِهِ الْيَدَ وَهَذِهِ الْإِصْبَعَ حَتَّى يَكُونَ إِثْبَاتُهَا تَشْبِيهًا وَتَمْثِيلًا؟
فَقَاتَلَ اللَّهُ أَصْحَابَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، مَاذَا حُرِمُوهُ مِنَ الْحَقَائِقِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَمَاذَا تَعَرَّضُوا بِهِ مِنْ زُبَالَةِ الْأَذْهَانِ، وَنُخَالَةِ الْأَفْكَارِ، وَمَا أَشْبَهَهُمْ بِمَنْ كَانَ
стр. 64
غِذَاؤُهُمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى بِلَا تَعَبٍ فَآثَرُوا عَلَيْهِ الْفُومَ وَالْعَدَسَ وَالْبَصَلَ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يُذِلَّ مَنْ آثَرَ عَلَى الْأَعْلَى، وَيَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِلْعُقَلَاءِ.
فَأَوَّلُ هَذَا الصِّنْفِ إِبْلِيسُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، تَرَكَ السُّجُودَ لِآدَمَ كِبْرًا فَابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقِيَادَةِ لِفُسَّاقِ ذُرِّيَّتِهِ، وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ الَّذِينَ لَمْ يُقِرُّوا بِنَبِيٍّ مِنَ الْبَشَرِ وَرَضُوا بِآلِهَةٍ مِنَ الْحَجَرِ، وَالْجَهْمِيَّةُ نَزَّهُوا اللَّهَ عَنْ عَرْشِهِ لِئَلَّا يَحْوِيَهُ مَكَانٌ ثُمَّ قَالُوا: هُوَ فِي الْآبَارِ وَالْأَنْجَاسِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَكَذَا طَوَائِفُ الْبَاطِلِ لَمْ يَرْضَوْا بِنُصُوصِ الْوَحْيِ فَابْتَلَوْهُ بِزُبَالَةِ أَذْهَانِ الْمُتَحَيِّرِينَ، وَوَرَثَةِ الصَّابِئِينَ وَأَفْرَاخِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُلْحِدِينَ.
[فَصْلٌ أَسْبَابٌ قَبُولُ التَّأْوِيلِ]
فَصْلٌ
قَبُولُ التَّأْوِيلِ لَهُ أَسْبَابٌ: مِنْهَا: أَنْ يَأْتِيَ بِهِ صَاحِبُهُ مُمَوَّهًا بِزُخْرُفٍ مِنَ الْقَوْلِ، مَكْسُوًّا حُلَّةَ الْفَصَاحَةِ وَالْعِبَارَةِ الرَّشِيقَةِ فَتُسْرِعُ الْعُقُولُ الضَّعِيفَةُ إِلَى قَبُولِهِ وَاسْتِحْسَانِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يَسْتَعِينُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا يُزَخْرِفُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَيَفْتَرِيهِ الْأَغْمَارُ وَضُعَفَاءُ الْعُقُولِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ الْفَاعِلَ وَهُوَ مَا يَغُرُّ السَّامِعَ مِنْ زُخْرُفِ الْقَوْلِ، فَلَمَّا أَصْغَتْ إِلَيْهِ وَرَضِيَتْهُ اقْتَرَفَتْ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ قَوْلًا وَعَمَلًا.
فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا تَحْتَهَا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمِ الْقَدْرِ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ أُصُولِ الْبَاطِلِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَوَاقِعِ الْحَذَرِ مِنْهَا، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْبَاطِلِ رَأَيْتَهُمْ قَدْ كَسَوْهَا مِنَ الْعِبَارَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ مَا يُسْرِعُ إِلَى قَبُولِهِ كُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ بَصِيرَةٌ نَافِذَةٌ، فَيُسَمُّونَ أُمَّ الْخَبَائِثِ أُمَّ الْأَفْرَاحِ، وَيُسَمُّونَ اللُّقْمَةَ الْمَلْعُونَةَ الَّتِي هِيَ الْحَشِيشَةُ: لُقَيْمَةَ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ الَّتِي تُثِيرُ الْغَرَامَ السَّاكِنَ إِلَى أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ، وَيُسَمُّونَ مَجَالِسَ الْفُجُورِ: الْمَجَالِسَ الطِّبِّيَّةَ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَمَّا عَدَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا: تَرْكُ الْمَعَاصِي وَالتَّخَوُّفُ مِنْهَا إِسَاءَةُ ظَنٍّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَجَرَاءَةٌ عَلَى سِعَةِ عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، فَانْظُرْ مَا تَفْعَلُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي قَلْبٍ مُمْتَلِئٍ بِالشَّهَوَاتِ، ضَعِيفِ الْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يُخْرِجَ الْمَعْنَى الَّذِي يُرِيدُ إِبْطَالَهُ فِي صُورَةٍ مُسْتَهْجَنَةٍ تَنْفِرُ عَنْهَا الْقُلُوبُ، وَتَنْبُو عَنْهَا الْأَسْمَاعُ، فَيُسَمَّى عَدَمُ الِانْبِسَاطِ إِلَى الْفُسَّاقِ: سُوءَ خُلُقٍ، وَالْأَمْرَ
стр. 65
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِتْنَةً وَشَرًّا وَفُضُولًا، وَيُسَمُّونَ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ لِكَمَالِ اللَّهِ تَعَالَى تَجْسِيمًا وَتَشْبِيهًا وَتَمْثِيلًا، وَيُسَمُّونَ الْعَرْشَ حَيِّزًا وَجِهَةً، وَيُسَمُّونَ الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا وَالْأَفْعَالَ حَوَادِثَ، وَالْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ أَبْعَاضًا، وَالْحِكَمَ وَالْغَايَاتِ الَّتِي يَفْعَلُ لِأَجْلِهَا أَعْرَاضًا، فَلَمَّا وَضَعُوا لِهَذِهِ الْمَعَانِي الصَّحِيحَةِ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ الْمُسْتَكْرَهَةَ تَمَّ لَهُمْ تَعْطِيلُهَا وَنَفْيُهَا عَلَى مَا أَرَادُوا.
فَقَالُوا لِضُعَفَاءِ الْعُقُولِ: اعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَعْرَاضِ وَالْأَبْعَاضِ وَالْجِهَاتِ وَالتَّرْكِيبِ وَالتَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ، وَلَمْ يَشُكَّ أَحَدٌ لِلَّهِ فِي قَلْبِهِ وَقَارٌ وَعَظَمَةٌ فِي تَنْزِيهِ الرَّبِّ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَدِ اصْطَلَحُوا عَلَى تَسْمِيَةِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَحَيَاتِهِ أَعْرَاضًا، وَعَلَى تَسْمِيَةِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَيَدَيْهِ الْمَبْسُوطَتَيْنِ أَبْعَاضًا، وَعَلَى تَسْمِيَةِ اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ تَحَيُّزًا، وَعَلَى تَسْمِيَةِ نُزُولِهِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَتَكْلِيمِهِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ إِذَا شَاءَ، وَغَضَبُهُ بَعْدَ رِضَاهُ، وَرِضَاهُ بَعْدَ غَضَبِهِ: حَوَادِثَ، وَعَلَى تَسْمِيَةِ الْغَايَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ وَيَفْعَلُ لِأَجْلِهَا: غَرَضًا، وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ الْمُبَلِّغِينَ عَنْهُمْ، فَلَمَّا صَرَّحُوا لَهُمْ بِنَفْيِ ذَلِكَ بَقِيَ السَّامِعُ مُتَحَيِّرًا أَعْظَمَ حَيْرَةً بَيْنَ نَفْيِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَأَثْبَتَهَا لَهُ جَمِيعُ رُسُلِهِ وَسَلَفُ الْأُمَّةِ بَعْدَهُمْ، وَبَيْنَ إِثْبَاتِهَا، وَقَدْ قَامَ مَعَهُ شَاهِدُ نَفْيِهَا بِمَا تَلَقَّاهُ عَنْهُمْ.
فَأَهْلُ السُّنَّةِ هُمُ الَّذِينَ كَشَفُوا زَيْفَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَبَيَّنُوا زُخْرُفَهَا وَزَغَلَهَا، وَأَنَّهَا أَلْفَاظٌ مُمَوَّهَةٌ بِمَنْزِلَةِ طَعَامٍ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ فِي إِنَاءٍ حَسَنِ اللَّوْنِ وَالشَّكْلِ، وَلَكِنَّ الطَّعَامَ مَسْمُومٌ، فَقَالُوا مَا قَالَهُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀: " لَا نُزِيلُ عَنِ اللَّهِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ لِأَجْلِ شَنَاعَةِ الْمُشَنِّعِينَ ".
وَلَمَّا أَرَادَ الْمُتَأَوِّلُونَ الْمُعَطِّلُونَ تَمَامَ هَذَا الْغَرَضِ اخْتَرَعُوا لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَلْقَابًا قَبِيحَةً، وَسَمَّوْهُمْ حَشَوِيَّةً، وَمُحَيِّزَةً، وَمُجَسِّمَةً، وَمُشَبِّهَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَتَوَلَّدَ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ لِصِفَاتِ الرَّبِّ ; وَأَفْعَالِهِ، وَوَجْهِهِ، وَيَدَيْهِ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، وَتَلْقِيبِ مَنْ أَثْبَتَهَا لَهُ بِهَذِهِ الْأَلْقَابِ، وَلَعْنِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَبْدِيعِهِمْ، وَتَضْلِيلِهِمْ، وَتَكْفِيرِهِمْ، وَعُقُولِهِمْ، وَلَقُوا مِنْهُمْ مَا لَقِيَ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَزَالُ حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْزُوَ الْمُتَأَوِّلُ تَأْوِيلَهُ إِلَى جَلِيلِ الْقَدْرِ نَبِيلِ الذِّكْرِ مِنَ الْعُقَلَاءِ أَوْ مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَنْ حَصَلَ لَهُ مِنَ الْأُمَّةِ ثَنَاءٌ جَمِيلٌ وَلِسَانُ صِدْقٍ ; لِيُحَلِّيَهُ
стр. 66
بِذَلِكَ فِي قُلُوبِ الْجُهَّالِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ تَعْظِيمَ كَلَامِ مَنْ يَعْظُمُ قَدْرُهُ فِي نُفُوسِهِمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيُقَدِّمُونَ كَلَامَهُ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنَّا، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ تَوَصَّلَ الرَّافِضَةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ إِلَى تَرْوِيجِ بَاطِلِهِمْ وَتَأْوِيلَاتِهِمْ حَتَّى أَضَافُوهَا إِلَى بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ، فَانْتَمَوْا إِلَيْهِمْ وَأَظْهَرُوا مِنْ مَحَبَّتِهِمْ وَإِجْلَالِهِمْ وَذِكْرِ مَنَاقِبِهِمْ مَا خَيَّلَ إِلَى السَّامِعِ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ، ثُمَّ نَفَّقُوا بَاطِلَهُمْ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِمْ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمْ مِنْ زَنْدَقَةٍ وَإِلْحَادٍ وَبِدْعَةٍ قَدْ نَفَقَتْ فِي الْوُجُودِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَهُمْ بُرَآءُ مِنْهَا.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا السَّبَبَ رَأَيْتَهُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ النُّفُوسِ، فَلَيْسَ مَعَهُمْ سِوَى إِحْسَانِ الظَّنِّ بِالْقَائِلِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ قَادَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَهَذَا مِيرَاثٌ بِالتَّعْصِيبِ مِنَ الَّذِينَ عَارَضُوا دِينَ الرُّسُلِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْآبَاءُ وَالْأَسْلَافُ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُقَلِّدٍ لِمَنْ يُعَظِّمُهُ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ الْحَقَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
[فَصْلٌ أَهْلَ التَّأْوِيلِ لَا يُمْكِنُهُمْ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَى مُبْطِلٍ أَبَدًا وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الآفَاتِ]
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ لَا يُمْكِنُهُمْ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَى مُبْطِلٍ أَبَدًا وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ آفَاتِ التَّأْوِيلِ
مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ مُبْطِلٍ أَنْكَرَ عَلَى خَصْمِهِ شَيْئًا مِنَ الْبَاطِلِ قَدْ شَارَكَهُ فِي بَعْضِهِ أَوْ نَظِيرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَحْضِ حُجَّتِهِ لِأَنَّ خَصْمَهُ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا تَسَلَّطَ هُوَ بِهِ عَلَيْهِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَحْتَجَّ مَنْ يَتَأَوَّلُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ وَآيَاتِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ ثُبُوتَ صِفَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِهَا، فَيَقُولُ لَهُ خَصْمَهُ: هَذِهِ عِنْدِي مُؤَوَّلَةٌ كَمَا أَوَّلْتَ نُصُوصَ الِاسْتِوَاءِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالنُّزُولِ وَالضَّحِكِ وَالْفَرَحِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَى وَنَحْوَهَا، فَمَا الَّذِي جَعَلَكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِكَ مِنِّي؟ فَلَا يَذْكُرُ سَبَبًا عَلَى التَّأْوِيلِ إِلَّا أَتَاهُ خَصْمُهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ أَوْ دُونَهُ، وَإِذَا اسْتَدَلَّ الْمُتَأَوِّلُ عَلَى مُنْكِرِي الْمَعَادِ وَحَشْرِ الْأَجْسَامِ بِنُصُوصِ الْوَحْيِ أَبْدَوْا لَهَا تَأْوِيلَاتٍ تُخَالِفُ ظَاهِرَهَا وَحَقَائِقَهَا، وَقَالُوا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَيْهِمْ: تَأْوِيلُنَا لِهَذِهِ الظَّوَاهِرِ كَتَأْوِيلِكَ لِنُصُوصِ الصِّفَاتِ، وَلَا سِيَّمَا فَإِنَّهَا أَكْثَرُ وَأَصْرَحُ، فَإِذَا تَطَرَّقَ التَّأْوِيلُ إِلَيْهَا فَهُوَ إِلَى مَا دُونَهَا أَقْرَبُ تَطَرُّقًا، وَإِذَا اسْتَدَلَّ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى
стр. 67
فَضْلِ الشَّيْخَيْنِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ تَأَوَّلُوهَا بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيِّ، وَإِذَا احْتَجَّ الْجَهْمِيُّ عَلَى الْخَارِجِيِّ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى إِيمَانِ مُرْتَكِبِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، وَاحْتَجَّ بِهَا عَلَى الْوَعِيدِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِنُفُوذِ الْوَعِيدِ وَالتَّخْلِيدِ، قَالُوا: هَذِهِ مُتَأَوَّلَةٌ، وَتَأْوِيلُهَا أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِ نُصُوصِ الصِّفَاتِ، وَإِذَا احْتَجَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالُوا هَذِهِ النُّصُوصُ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ كَمَا قَبِلَتْهُ نُصُوصُ الِاسْتِوَاءِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، فَنَعْمَلُ فِيهَا مَا عَمِلْتُمْ أَنْتُمْ فِي تِلْكَ النُّصُوصِ.
فَقَدْ بَانَ لَا يُمْكِنُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى مُبْطِلٍ حُجَّةً مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ إِلَّا نَتَائِجُ الْأَفْكَارِ وَتَصَادُمُ الْآرَاءِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَعْطَى الْجَهْمِيُّ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَةِ مَجَازٌ، وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ إِذَا عَارَضَ السَّمْعَ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَرْبَابَ التَّأْوِيلِ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى مُبْطِلٍ حُجَّةً عَقْلِيَّةً أَبَدًا.
وَهَذَا أَعْجَبُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْحُجَجَ السَّمْعِيَّةَ مُطَابَقَةً لِلْمَعْقُولِ، وَالسَّمْعَ الصَّحِيحَ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، بَلْ هُمَا أَخَوَانِ وَصَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَذَكَرَ مَا يُتَنَاوَلُ بِهِ الْعُلُومُ وَهِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْفُؤَادُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْعَقْلِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] فَأَخْبَرُوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مُوجِبِ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] فَدَعَاهُمْ إِلَى اسْتِمَاعِهِ بِأَسْمَاعِهِمْ وَتَدَبُّرِهِ بِعُقُولِهِمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] فَجَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ، وَأَقَامَ بِهِمَا حُجَّتَهُ عَلَى
стр. 68
عِبَادِهِ، فَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ أَصْلًا، فَالْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ وَالْعَقْلُ الْمُدْرِكُ حُجَّةُ اللَّهِ خَلَقَهُ، وَكِتَابُهُ هُوَ الْحُجَّةُ الْعُظْمَى، فَهُوَ الَّذِي عَرَّفَنَاهُ، لَمْ يَكُنْ لِعُقُولِنَا سَبِيلٌ إِلَى اسْتِقْلَالِهَا بِإِدْرَاكِهِ أَبَدًا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَنْهُ مَذْهَبٌ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ مَفْزَعٌ فِي مَجْهُولٍ يَعْلَمُهُ وَمُشْكِلٍ يَسْتَبِيَنُهُ، فَمَنْ ذَهَبَ عَنْهُ فَإِلَيْهِ يَرْجِعُ، وَمَنْ دَفَعَ حِكْمَةً فِيهِ يُحَاجُّ خَصْمَهُ إِذْ كَانَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْيَقِينِيَّةِ، فَمَنْ رَدَّ مِنْ مُدَّعِي الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ حُكُومَتَهُ وَدَفَعَ قَضِيَّتَهُ، فَقَدْ كَابَرَ وَعَانَدَ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ سَبِيلٌ إِلَى إِفْهَامِهِ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي غَيْرُ رَاضٍ حُكْمَهُ بَلْ بِحُكْمِ الْعَقْلِ، فَإِنَّهُ مَتَى رَدَّ حُكْمَهُ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَعَانَدَ الْكِتَابَ وَالْعَقْلَ، وَالَّذِينَ زَعَمُوا مِنْ قَاصِرِي الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ أَنَّ الْعَقْلَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى السَّمْعِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا إِنَّمَا أُتُوا مِنْ جَهْلِهِمْ بِحُكْمِ الْعَقْلِ، وَمُقْتَضَى السَّمْعِ، فَظَنُّوا مَا لَيْسَ بِمَعْقُولٍ مَعْقُولًا، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ شُبَهَاتٌ تُوهِمُ أَنَّهُ عَقْلٌ صَرِيحٌ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، أَوْ مِنْ جَهْلِهِمْ بِالسَّمْعِ إِمَّا بِنَسَبِهِمْ إِلَى الرَّسُولِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، أَوْ نِسْبَتِهِمْ إِلَيْهِ مَا لَمْ يُرِدْهُ بِقَوْلِهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ مَا لَا يُدْرَكُ بِالْعُقُولِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ أَوْجَبَتْ لَهُمْ ظَنَّ التَّعَارُضِ بَيْنَ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ حَاجَّ عِبَادَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ فِيمَا أَرَادَ تَقْرِيرَهُمْ بِهِ وَإِلْزَامَهُمْ إِيَّاهُ بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ إِلَى الْعَقْلِ وَأَسْهَلِهَا تَنَاوُلًا، وَأَقَلِّهَا تَكَلُّفًا وَأَعْظَمِهَا غِنًى وَنَفْعًا.
[حُجَجُهُ سُبْحَانَهُ الْعَقْلِيَّةُ والسمعية على توحيده وأسمائه وصفاته]
فَحُجَجُهُ سُبْحَانَهُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي فِي كِتَابِهِ جَمَعَتْ بَيْنَ كَوْنِهَا عَقْلِيَّةً سَمْعِيَّةً ظَاهِرَةً وَاضِحَةً قَلِيلَةَ الْمُقْدِمَاتِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَا حَاجَّ بِهِ عِبَادَهُ مِنْ إِقَامَةِ التَّوْحِيدِ وَبُطْلَانِ الشِّرْكِ وَقَطْعِ أَسْبَابِهِ وَحُسْنِ مَوَادِّهِ كُلِّهَا ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَخَذَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَجَامِعَ الطُّرُقِ الَّتِي دَخَلُوا مِنْهَا إِلَى الشِّرْكِ وَسُدَّ بِهَا عَلَيْهِمْ أَبْلَغَ سَدٍّ وَأَحْكَمَهُ، فَإِنَّ الْعَابِدَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْبُودِ لِمَا يَرْجُو مِنْ نَفْعِهِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لَا يَرْجُو مَنْفَعَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ قَلْبُهُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْبُودُ مَالِكًا لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْفَعُ بِهَا عَابِدَهُ، أَوْ شَرِيكًا لِمَالِكِهَا، أَوْ ظَهِيرًا أَوْ وَزِيرًا أَوْ مُعَاوِنًا لَهُ أَوْ وَجِيهًا ذَا حُرْمَةٍ وَقَدْرٍ يَشْفَعُ عِنْدَهُ، فَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ انْتَفَتْ أَسْبَابُ الشِّرْكِ وَانْقَطَعَتْ مَوَادُّهُ، فَنَفَى سُبْحَانَهُ عَنْ آلِهَتِهِمْ أَنْ تَمْلِكَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَقَدْ يَقُولُ الْمُشْرِكُ: هِيَ
стр. 69
شَرِيكَةُ الْمَالِكِ الْحَقِّ، فَنَفَى شِرْكَهَا لَهُ، فَيَقُولُ الْمُشْرِكُ: قَدْ يَكُونُ ظَهِيرًا أَوْ وَزِيرًا أَوْ مُعَاوِنًا فَقَالَ: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ فَنَفَاهَا عَنْ آلِهَتِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لِلشَّافِعِ لَمْ يَتَقَدَّمْ بِالشَّفَاعَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، فَإِنَّ الْمَشْفُوعَ عِنْدَهُ يَحْتَاجُ إِلَى الشَّافِعِ وَمُعَاوَنَتِهِ لَهُ، فَيَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ بِذَاتِهِ، فَهُوَ الْغِنِيُّ بِذَاتِهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؟
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ مُقَرِّرًا بُرْهَانَ التَّوْحِيدِ أَحْسَنَ التَّقْرِيرِ وَأَبْلَغَهُ وَأَوْجَزَهُ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] فَإِنَّ الْآلِهَةَ الَّتِي كَانُوا يُثْبِتُونَهَا مَعَهُ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهَا عَبِيدُهُ وَمَمَالِيكُهُ وَمُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ، فَلَوْ كَانُوا آلِهَةً كَمَا يَقُولُونَ لَعَبَدُوهُ وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ ; فَكَيْفَ يَعْبُدُونَهُمْ دُونَهُ، وَقَدْ أَفْصَحَ سُبْحَانَهُ بِهَذَا بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِي هُمْ عَبِيدِي كَمَا أَنْتُمْ عَبِيدِي، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَيَخَافُونَ عَذَابِي ; فَلِمَاذَا تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِي؟
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] .
فَتَأَمَّلْ هَذَا الْبُرْهَانَ الْبَاهِرَ بِهَذَا اللَّفْظِ الْوَجِيزِ الْبَيِّنِ فَإِنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا فَاعِلًا يُوصِلُ إِلَى عَابِدِهِ النَّفْعَ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الضُّرَّ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُ سُبْحَانَهُ إِلَهٌ لَكَانَ لَهُ خَلْقٌ وَفِعْلٌ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرْضَى شَرِكَةَ الْإِلَهِ الْآخَرِ مَعَهُ، بَلْ إِنْ قَدَرَ عَلَى قَهْرِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ دُونَهُ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ انْفَرَدَ بِخَلْقِهِ وَذَهَبَ بِهِ، كَمَا يَنْفَرِدُ مُلُوكُ الدُّنْيَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِمَمَالِيكِهِمْ إِذَا لَمْ يَقْدِرِ الْمُنْفَرِدُ عَلَى قَهْرِ الْآخَرِ وَالْعُلُوِّ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا أَنْ يَذْهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِخَلْقِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَعْلُوَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ تَحْتَ قَهْرِ إِلَهٍ وَاحِدٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ حُكْمِهِمْ وَلَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ حُكْمِهِ فَيَكُونُ وَحْدَهُ هُوَ الْإِلَهُ وَهُمُ الْعَبِيدُ الْمَرْبُوبُونَ الْمَقْهُورُونَ، وَانْتِظَامُ أَمْرِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ وَارْتِبَاطُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَجَرَيَانُهُ عَلَى نِظَامٍ مُحْكَمٍ لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَفْسُدُ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مُدَبِّرَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ
стр. 70
غَيْرُهُ كَمَا دَلَّ دَلِيلُ التَّمَانُعِ عَلَى أَنَّ خَالِقَهُ وَاحِدٌ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، فَذَاكَ تَمَانُعٌ فِي الْفِعْلِ وَالْإِيجَادِ وَهَذَا تَمَانُعٌ فِي الْغَايَةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ، فَكَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ رَبَّانِ خَالِقَانِ مُتَكَافِئَانِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِلَهَانِ مَعْبُودَانِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] فَلِلَّهِ مَا أَحْلَى هَذَا اللَّفْظَ وَأَوْجَزَهُ وَأَدَلَّهُ عَلَى بُطْلَانِ الشِّرْكِ، فَإِنَّهُمْ إِنْ زَعَمُوا أَنَّ آلِهَتَهُمْ خَلَقَتْ مِنْ شَيْءٍ مَعَ اللَّهِ طُولِبُوا بِأَنْ يُرُوهُ إِيَّاهُ، وَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّهَا أَعْجَزُ وَأَضْعَفُ وَأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ آلِهَتُهَا بَاطِلًا وَمُحَالًا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤] فَطَالَبَهُمْ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] فَاحْتَجَّ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ بِتَفَرُّدِهِ بِالْخَلْقِ، وَعَلَى بُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ مَا سِوَاهُ بِعَجْزِهِمْ عَنِ الْخَلْقِ، وَعَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ بِأَنَّهُ قَهَّارٌ، وَالْقَهْرُ التَّامُّ يَسْتَلْزِمُ الْوِحْدَةَ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ تُنَافِي تَمَامَ الْقَهْرِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ - مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤] فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَثَلَ الَّذِي أُمِرَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِاسْتِمَاعِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَقَدْ عَصَى أَمْرَهُ، كَيْفَ تَضَمَّنَ إِبْطَالَ الشِّرْكِ وَأَسْبَابَهُ بِأَوْضَحِ بُرْهَانٍ فِي أَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَحْسَنِهَا وَأَحْلَاهَا، وَسَجَّلَ عَلَى جَمِيعِ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَعَاوَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَبْلَغِ الْمُعَاوَنَةِ لَعَجَزُوا عَنْ خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَهُمْ وَضَعْفَهُمْ عَلَى اسْتِنْقَاذِ مَا يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ
стр. 71
إِيَّاهُ حِينَ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَضْعَفُ مِنْ هَذَا الْإِلَهِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْ عَابِدِهِ الطَّالِبِ نَفْعَهُ وَحْدَهُ؟ فَهَلْ قَدَرَ الْقَوِيَّ الْعَزِيزَ حَقَّ قَدْرِهِ مَنْ أَشْرَكَ مَعَهُ آلِهَةً هَذَا شَأْنُهَا.
فَأَقَامَ سُبْحَانَهُ حُجَّةَ التَّوْحِيدِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَعْذَبِ أَلْفَاظٍ وَأَحْسَنِهَا لَمْ يَشُبْهَا غُمُوضٌ، وَلَمْ يُشِنْهَا تَطْوِيلٌ، وَلَمْ يُعِبْهَا تَقْصِيرٌ، وَلَمْ يُزْرِ بِهَا زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ، بَلْ بَلَغَتْ فِي الْحُسْنِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ وَالْإِيجَازِ مَا لَا يَتَوَهَّمُهُ مُتَوَهِّمٌ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ فِي مَعْنَاهَا مِنْهَا وَتَحْتَهَا مِنَ الْمَعْنَى الْجَلِيلِ الْقَدْرِ الْعَظِيمِ الشَّأْنِ الْبَالِغِ فِي النَّفْعِ مَا هُوَ أَجَلُّ مَنِ الْأَلْفَاظِ.
وَمِنْ ذَلِكَ احْتِجَاجُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَصِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ وَكَلَامُهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صُنْعِ الْبَشَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] فَأَمَرَ مَنِ ارْتَابَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلِهِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ أَقْصَرَ سُورَةٍ، ثُمَّ فَسَخَ لَهُ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِعَانَةَ بِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤] ثُمَّ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ تَسْجِيلًا عَامًّا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ بِعَجْزِهِمْ، وَلَوْ تَظَاهَرَ عَلَيْهِ الثَّقَلَانِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فَانْظُرْ إِلَى أَيِّ مَوْقِعٍ يَقَعُ مِنَ الْأَسْمَاعِ وَالْقُلُوبِ هَذَا الْحِجَاجُ الْجَلِيلُ الْقَاطِعُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا يَجِدُ طَالِبُ الْحَقِّ وَمُؤْثِرُهُ وَمُرِيدُهُ عَنْهُ مَحِيدًا وَلَا فَوْقَهُ مَزِيدًا وَلَا وَرَاءَهُ غَايَةً وَلَا أَظْهَرَ مِنْهُ آيَةً وَلَا أَوْضَحَ مِنْهُ بُرْهَانًا وَلَا أَبْلَغَ مِنْهُ بَيَانًا.
وَقَالَ فِي إِثْبَاتِ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ بِاعْتِبَارِ الْمُتَأَمِّلِ لِأَحْوَالِهِ وَدَعْوَتِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ - أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ - أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨ - ٧٠] .
стр. 72
فَدَعَا سُبْحَانَهُ إِلَى تَدَبُّرِ الْقَوْلِ وَتَأْمُّلِ حَالِ الْقَائِلِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ كَذِبًا وَزُورًا يُعْرَفُ مِنْ نَفْسِ الْقَوْلِ تَارَةً، وَتَارَةً مِنْ تَنَاقُضِهِ وَاضْطِرَابِهِ ظُهُورُ شَوَاهِدِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَيُعْرَفُ مَنْ حَالِ الْقَائِلِ تَارَةً، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْكَذِبِ وَالْفُجُورِ وَالْمُنْكَرِ وَالْخِدَاعِ وَالْمَكْرِ، لَا تَكُونُ أَقْوَالُهُ إِلَّا مُنَاسِبَةً لِأَفْعَالِهِ، وَلَا يَأْتِي مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا يَتَأَتَّى مِنَ الْبَارِّ الصَّادِقِ مِنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ وَغَدْرٍ وَفُجْرٍ وَكَذِبٍ، بَلْ قَلْبُ هَذَا وَقَصْدُهُ وَعَمَلُهُ وَقَوْلُهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَقَلْبُ ذَلِكَ وَعَمَلُهُ وَقَصْدُهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَدَعَاهُمْ سُبْحَانَهُ إِلَى تَدَبُّرِ الْقَوْلِ وَتَأَمُّلِ سِيرَةِ الْقَائِلِ وَأَحْوَالِهِ، وَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ لَهُمْ وَيَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الصِّدْقِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] فَتَأَمَّلْ هَاتَيْنِ الْحُجَّتَيْنِ الْقَاطِعَتَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ الْوَجِيزِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَذَا مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ قِبَلِي، وَلَا هُوَ مَقْدُورٌ لِي، وَلَا مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَأَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَأَمْسَكَ عَنْهُ قَلْبِي وَلِسَانِي وَأَسْمَاعَكُمْ وَأَفْهَامَكُمْ فَلَمْ أَتَمَكَّنْ مِنْ تِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ تَتَمَكَّنُوا مِنْ دِرَايَتِهِ وَفَهْمِهِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّى قَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرِي إِلَى حِينِ أَتَيْتُكُمْ بِهِ وَأَنْتُمْ تُشَاهِدُونِي وَتَعْرِفُونِي وَتَصْحَبُونِي حَضَرًا وَسَفَرًا، وَتَعْرِفُونَ دَقِيقَ أَمْرِي وَجَلِيلَهُ وَتُحَقِّقُونَ سِيرَتِي، هَلْ كَانَتْ سِيرَةَ مَنْ جَاهَرَ رَبَّهُ بِالْكَذِبِ وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ، وَطَلَبَ إِفْسَادَ الْعَالَمِ وَظُلْمَ النُّفُوسِ وَالْبَغْيَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
هَذَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْفَظُ كِتَابًا وَلَا أَخُطُّهُ بِيَمِينِي، وَلَا صَاحَبْتُ مَنْ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ، بَلْ صَاحَبْتُمْ أَنْتُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ مَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ وَتَسْأَلُونَهُ عَنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ وَالْمُلُوكِ وَغَيْرِهَا مَا لَمْ أُشَارِكْكُمْ فِيهِ بِوَجْهٍ، ثُمَّ جِئْتُكُمْ بِهَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ، الَّذِي فِيهِ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَعِلْمُ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَأَيُّ بُرْهَانٍ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا، وَأَيُّ عِبَارَةٍ أَفْصَحُ وَأَوْجَزُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وَلَمَّا كَانَ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي يَطْلُبُ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُنَاظِرًا مَعَ نَفْسِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ
стр. 73
يَكُونُ مُنَاظِرًا مَعَ غَيْرِهِ فَأَمَرَهُمْ بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: أَنْ يَقُومُوا لِلَّهِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، فَيَتَنَاظَرَانِ وَيَتَسَاءَلَانِ بَيْنَهُمَا وَاحِدًا وَاحِدًا، يَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ نَفْسِهِ، فَيَتَفَكَّرُ فِي أَمْرِ هَذَا الدَّاعِي وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَيَسْتَدْعِي أَدِلَّةَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَيَعْرِضُ مَا جَاءَ بِهِ عَلَيْهَا لِيَتَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةَ الْحَالِ، فَهَذَا هُوَ الْحِجَاجُ الْجَلِيلُ وَالْإِنْصَافُ الْبَيِّنُ، وَالنُّصْحُ التَّامُّ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي تَثْبِيتِ أَمْرِ الْبَعْثِ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَلَوْ رَامَ أَفْصَحُ الْبَشَرِ وَأَعْلَمُهُمْ وَأَقْدَرُهُمْ عَلَى الْبَيَانِ أَنْ يَأْتِيَ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَوْ مِثْلِهَا، فِي أَلْفَاظٍ تُشَابِهُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ، وَوَصَفَ حِينَئِذٍ الدِّلَالَةَ وَصِحَّةَ الْبُرْهَانِ لَأَلْفَى نَفْسَهُ الْعَجْزَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ افْتَتَحَ هَذِهِ الْحُجَّةَ بِسُؤَالٍ أَوْرَدَهُ الْمُلْحِدُ اقْتَضَى جَوَابًا، وَكَانَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] مَا وَفَى بِالْجَوَابِ وَأَقَامَ الْحُجَّةَ وَأَزَالَ الشُّبْهَةَ، لَوْلَا مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تَأْكِيدِ حُجَّتِهِ وَزِيَادَةِ تَقْرِيرِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا السَّائِلَ الْمُلْحِدَ لَوْ تَبَيَّنَ خَلْقَ نَفْسِهِ وَبَدْءَ كَوْنِهِ لَكَانَتْ فِكْرَتُهُ فِيهِ كَافِيَةً، ثُمَّ أَوْضَحَ سُبْحَانَهُ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] وَصَرَّحَ جَوَابًا لَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] فَاحْتَجَّ بِالْإِبْدَاءِ عَلَى الْإِعَادَةِ، وَبِالنَّشْأَةِ الْأُخْرَى، إِذْ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَذِهِ قَدَرَ عَلَى هَذِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ الثَّانِيَةِ عَجَزَ عَنِ الْأُولَى، بَلْ كَانَ أَعْجَزَ وَأَعْجَزَ.
وَلَمَّا كَانَ الْخَلْقُ يَسْتَلْزِمُ قُدْرَةَ الْخَالِقِ عَلَى مَخْلُوقِهِ، وَعِلْمَهُ بِتَفَاصِيلِ خَلْقِهِ أُتْبِعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] فَهُوَ عَلِيمٌ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ وَتَفَاصِيلِهِ وَمَوَارِدِهِ وَصُورَتِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ عَلِيمٌ بِالْخَلْقِ الثَّانِي، فَإِذَا كَانَ تَامَّ الْعِلْمِ كَامِلَ الْقُدْرَةِ، كَيْفَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْيِيَ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟
أَكَّدَ الْأَمْرَ بِحُجَّةٍ تَتَضَمَّنُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ مُلْحِدٍ آخَرَ يَقُولُ: الْعِظَامُ إِذَا صَارَتْ رَمِيمًا عَادَتْ طَبِيعَتُهَا بَارِدَةً يَابِسَةً، وَالْحَيَاةُ فِي الْأَبْدَانِ تَكُونُ مَادَّتُهَا طَبِيعَةٌ حَارَّةٌ، فَقَالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْعُنْصُرِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ الْمُمْتَلِئِ بِالرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ، فَالَّذِي يُخْرِجُ الشَّيْءَ مِنْ ضِدِّهِ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا أَنْكَرَهُ الْمُلْحِدُ مِنْ إِحْيَاءِ الْعِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ.
стр. 74
ثُمَّ أَكَّدَ الدِّلَالَةَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الشَّيْءِ الْأَعْظَمِ الْأَكْبَرِ فَهُوَ عَلَى مَا دُونَهُ أَقْدَرُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِي أَبْدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى جَلَالَتِهِمَا وَعِظَمِ شَأْنِهِمَا، وَكِبَرِ أَجْسَامِهِمَا وَسِعَتِهِمَا وَعَجِيبِ خَلْقِهِمَا، أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ عِظَامًا صَارَتْ رَمِيمًا فَيَرُدَّهَا إِلَى حَالَتِهَا الْأُولَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] .
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بَيَانًا آخَرَ يَتَضَمَّنُ مَعَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ دَفْعَ شُبَهِ كَلِّ مُلْحِدٍ وَجَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِي فِعْلِهِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ يَفْعَلُ بِالْآلَاتِ وَالْكُلْفَةِ وَالتَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ وَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْفِعْلِ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ آلَةٍ وَمُشَارِكٍ وَمُعِينٍ، بَلْ يَكْفِي فِي خَلْقِ مَا يُرِيدُ خَلْقَهُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] فَأَخْبَرَ أَنَّ نُفُوذَ إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَسُرْعَةَ تَكْوِينِهِ وَانْقِيَادَ الْكَوْنِ لَهُ، ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الْحُجَّةَ بِإِخْبَارِهِ أَنَّ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
سُبْحَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي جَمَعَ مَعَ وَجَازَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَصِحَّةِ بُرْهَانِهِ كُلَّ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ وَجَوَابِ الشُّبْهَةِ بِأَلْفَاظٍ لَا أَعْذَبَ مِنْهَا لِلسَّمْعِ، وَلَا أَحْلَى مِنْ مَعَانِيهَا لِلْقَلْبِ، وَلَا أَنْفَعَ مِنْ ثَمَرَاتِهَا لِلْعَبْدِ.
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا - قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا - أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا - يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥٢] فَتَأَمَّلْ مَا أُجِيبُوا بِهِ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ عَلَى التَّفْصِيلِ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] فَقِيلَ لَهُ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ: إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنْ لَا خَالِقَ لَكُمْ وَلَا رَبَّ، فَهَلَّا كُنْتُمْ خَلْقًا لَا يُصِيبُهُ التَّعَبُ كَالْحِجَارَةِ وَالْحَدِيدِ وَمَا هُوَ أَكْبَرُ فِي صُدُورِكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَنَا رَبٌّ خَالِقٌ خَلَقَنَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَأَنْشَأْنَا هَذِهِ النَّشْأَةَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْبَقَاءَ، وَلَمْ يَجْعَلْنَا
стр. 75
حِجَارَةً وَلَا حَدِيدًا، فَقَدْ قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةُ بِقَرَارِكُمْ، فَمَا الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ خَالِقِكُمْ وَمُنْشِئِكُمْ وَإِعَادَتِكُمْ خَلْقًا جَدِيدًا؟ .
وَلِلْحُجَّةِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَلْقٍ مُمَيَّزٍ مِنْهُمَا لَكَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُفْنِيَكُمْ وَيُحِيلَ ذَوَاتَكُمْ وَيَنْقُلَهَا مَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأَجْسَامِ مَعَ صَلَابَتِهَا وَشِدَّتِهَا بِالْإِفْنَاءِ وَالْإِحَالَةِ، فَمَا يُعْجِزُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيمَا هُوَ دُونَهَا بِإِفْنَائِهِ وَإِحَالَتِهِ وَنَقْلِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ سُؤَالًا آخَرَ بِقَوْلِهِمْ: مَنْ يُعِيدُنَا إِذَا اسْتَحَالَتْ أَجْسَامُنَا وَفَنِيَتْ؟ فَأَجَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] وَهَذَا الْجَوَابُ نَظِيرُ جَوَابِ قَوْلِ السَّائِلِ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الْحُجَّةُ وَلَزِمَهُمْ حُكْمُهَا انْتَقَلُوا إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ يَتَعَلَّلُونَ بِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ الْمَقْطُوعُ بِالْحِجَاجِ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: ﴿مَتَى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] فَأَجِيبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا - يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥١ - ٥٢] .
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى - أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى - ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى - فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى - أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠] ؟ .
فَاحْتَجَّ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْإِنْسَانَ مُهْمَلًا مُعَطَّلًا عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَإِنَّ حِكْمَتَهُ وَقُدْرَتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ نَقَلَهُ مِنْ نُطْفَةِ مَنِيٍّ وَمِنَ الْمَنِيِّ إِلَى الْعَلَقَةِ، ثُمَّ إِلَى الْمُضْغَةِ، ثُمَّ خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، وَرَكَّبَ فِيهِ الْحَوَاسَّ وَالْقُوَى وَالْعِظَامَ وَالْمَنَافِعَ، وَالْأَعْصَابَ وَالرِّبَاطَاتِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ، وَأَتْقَنَ خَلْقَهُ وَأَحْكَمَهُ غَايَةَ الْإِحْكَامِ، وَأَخْرَجَهُ عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ الَّتِي هِيَ أَشَمُّ الصُّوَرِ وَأَحْسَنُ الْأَشْكَالِ، كَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ إِعَادَتِهِ وَإِنْشَائِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً؟ أَمْ كَيْفَ تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ وَعِنَايَتُهُ أَنْ يَتْرُكَهُ سُدًى؟ فَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِحِكْمَتِهِ وَلَا تَعْجِزُ عَنْهُ قُدْرَتُهُ.
فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْحِجَاجِ الْعَجِيبِ بِالْقَوْلِ الْوَجِيزِ، وَالْبَيَانِ الْجَلِيلِ الَّذِي لَا يُتَوَهَّمُ أَوْضَحُ مِنْهُ، وَمَأْخَذُهُ الْقَرِيبُ الَّذِي لَا تُقْطَعُ الظُّنُونُ عَلَى أَقْرَبَ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى النَّصَارَى مُبْطِلًا لِدَعْوَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الَّذِي
следующие страницы →