Полный текст (599 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] فَهُوَ سُبْحَانُهُ يَصْطَفِي مَنْ يُطْلِعُهُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ عَلَى مَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَ (نَبِيًّا) مِنَ الْإِنْبَاءِ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ، لِأَنَّهُ مُخْبَرٌ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَمُخْبِرٌ عَنْهُ فَهُوَ مُنَبَّأٌ، وَمُنْبِئٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِدُونِ خَبَرِهِمْ بَلْ وَلَا أَكْثَرُهُ، وَلِهَذَا كَانَ أَكْمَلُ الْأُمَمِ عِلْمًا أَتْبَاعَ الرُّسُلِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَحْذَقَ مِنْهُمْ فِي عِلْمِ النُّجُومِ وَالْهَنْدَسَةِ، وَعِلْمِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ، وَعِلْمِ النَّبْضِ وَالْقَارُورَةِ وَالْأَبْوَالِ وَمَعْرِفَةِ قِوَامِهَا، وَنَحْوِهَا مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي لَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا وَآثَرُوهَا عَلَى عُلُومِ الرُّسُلِ، وَهِيَ كَمَا قَالَ الْوَاقِفُ عَلَى نِهَايَتِهَا: " ظُنُونٌ كَاذِبَةٌ، وَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ "، وَهِيَ عُلُومٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَإِنْ نَفَعَتْ فَنَفْعُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ كَنَفْعِ الْعَيْشِ الْعَاجِلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ وَدَوَامِهَا.
فَلَيْسَ الْعِلْمُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ طَلَبًا وَخَبَرًا، فَهُوَ الْعِلْمُ الْمُزَكِّي لِلنُّفُوسِ الْمُكَمِّلِ لِلْفِطَرِ الْمُصَحِّحُ لِلْعُقُولِ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِاسْمِ الْعِلْمِ، وَسَمَّى مَا عَارَضَهُ ظَنًّا لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا وَخَرْصًا وَكَذِبًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] وَشَهِدَ لِأَهْلِهِ أَنَّهُمْ أُولُو الْعِلْمِ فَقَالَ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] وَالْمُرَادُ بِهِمْ أُولُو الْعِلْمِ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمْ أُولِي الْعِلْمِ بِالْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ وَفُرُوعِهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فَالْعِلْمُ الَّذِي أَمَرَهُ بِاسْتِزَادَتِهِ هُوَ عِلْمُ الْوَحْيِ لَا عِلْمُ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] أَيْ أَنْزَلَهُ وَفِيهِ عِلْمُهُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ، فَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ:
стр. 107
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] أَيْ أُنْزِلَ وَفِيهِ عِلْمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَرَاهِينِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّةِ مَنْ جَاءَ بِهِ.
وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَعْنَى: أَنْزَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَبُرْهَانٌ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى أَنْزَلَهُ مُتَضَمِّنًا لِعِلْمِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ إِلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ وَأَعْلَمَهُ بِهِ فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَقَالَ فِيمَا عَارَضَهُ مِنَ الشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَرْبَابُهَا: قَوَاطِعُ عَقْلِيَّةٌ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] وَقَالَ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمَعَادَ بِعَقْلِهِ: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] وَالظَّنُّ الَّذِي أَثْبَتَهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُعَارِضِينَ نُصُوصَ الْوَحْيِ بِعُقُولِهِمْ لَيْسَ هُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحَ، بَلْ هُوَ كَذِبُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ١٠ - ١١] .
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُعَارِضِينَ لِنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ بِعُقُولِهِمْ رَأَيْتَ كُلَّهُ خَرْصًا، وَعَلِمْتَ أَنَّهُمْ هُمُ الْخَرَّاصُونَ، وَأَنَّ الْعِلْمَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَهُوَ الَّذِي أَقَامَ اللَّهُ بِهِ حُجَّتَهُ، وَهَدَى بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فَهَذِهِ النِّعْمَةُ وَالتَّزْكِيَةُ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ عَرَفَ زَعْمَ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَأَنَّ الْعُقُولَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ الْعَقْلَ تَحْتَ حَجْرِ الشَّرْعِ فِيمَا يَطْلُبُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَفِيمَا يَحْكُمُ بِهِ
стр. 108
وَيُخْبِرُ عَنْهُ، فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي الطَّلَبِ وَالْخَبَرِ، وَكَمَا أَنَّ مَنْ عَارَضَ أَمْرَ الرُّسُلِ بِعَقْلِهِ لَمْ يُؤْمِنْ لَهُمْ وَبِمَا جَاءُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ مَنْ عَارَضَ خَبَرَهُمْ بِعَقْلِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَصْلًا، يُوَضِّحُهُ:
أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَى عَنِ الْكُفَّارِ مُعَارَضَةَ أَمْرِهِ بِعُقُولِهِمْ كَمَا حَكَى عَنْهُمْ مُعَارَضَةَ خَبَرِهِ بِعُقُولِهِمْ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَعَارَضُوا تَحْرِيمَهُ لِلرِّبَا بِعُقُولِهِمُ الَّتِي سَوَّتْ بَيْنَ الرِّبَا وَالْبَيْعِ، فَهَذَا مُعَارِضَةُ النَّصِّ بِالرَّأْيِ، وَنَظِيرُ مَا عَارَضُوا بِهِ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْمُذَكَّاةِ وَقَالُوا: تَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَ اللَّهُ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَعَارَضُوا أَمْرَهُ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْقِبْلَةُ الْأَوْلَى حَقًّا فَقَدْ تَرَكْتَ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلًا فَقَدْ كُنْتَ عَلَى بَاطِلٍ، وَإِمَامُ هَؤُلَاءِ شَيْخُ الطَّرِيقَةِ إِبْلِيسُ عَدُوُّ اللَّهِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَارَضَ أَمْرَ اللَّهِ بِعَقْلِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْتَضِي خِلَافَهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مُعَارَضَةَ خَبَرِهِ بِالْعَقْلِ فَكَمَا حَكَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ مُنْكِرِي الْمَعَادِ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ عَارَضُوا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِعُقُولِهِمْ، وَعَارَضُوا أَخْبَارَهُ عَنِ النُّبُوَّاتِ بِعُقُولِهِمْ وَعَارَضُوا بَعْضَ الْأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبَهَا بِعُقُولِهِمْ، وَعَارَضُوا أَدِلَّةَ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِعُقُولِهِمْ فَقَالُوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وَأَنْتَ إِذَا صُغْتَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ صَوْغًا مُزَخْرَفًا وَجَدْتَهَا مِنْ جِنْسِ مُعَارِضَةِ الْمَعْقُولِ لِلْمَنْقُولِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا - أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨] أَيْ لَوْ كَانَ رَسُولًا لِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَمَا أَحْوَجَهُ أَنْ يَمْشِيَ بَيْنَنَا فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْمَعِيشَةِ وَلَأَغْنَاهُ عَنْ أَكْلِ الطَّعَامِ وَلَأَرْسَلَ مَعَهُ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ أَلْقَى إِلَيْهِ كَنْزًا يُغْنِيهِ عَنْ طَلَبِ الْكَسْبِ.
стр. 109
وَعَارَضُوا شَرْعَهُ وَدِينَهُ الَّذِي شَرَعَهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ وَتَوْحِيدِهِ بِمُعَارَضَةٍ عَقْلِيَّةٍ، وَاسْتَنَدُوا فِيهَا إِلَى الْقَدَرِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ - قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩] وَحَكَى مِثْلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَفِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ رَأَيْتَهَا أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنْ مُعَارَضَةِ آيَاتِ الصِّفَاتِ بِعُقُولِهِمْ، فَإِنَّ إِخْوَانَهُمْ عَارَضُوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لِلْكَائِنَاتِ وَالْمَشِيئَةُ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالنُّفَاةُ عَارَضُوا بِأُصُولٍ فَاسِدَةٍ هُمْ وَضَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ تَلَقَّوْهُ عَنْ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْمَجُوسِ وَالْفَلَاسِفَةِ، وَهِيَ خَيَالَاتٌ فَاسِدَةٌ.
[معارضة العقل للشرع من عادة الكفار]
وَبِالْجُمْلَةِ فَمُعَارَضَةُ أَمْرِ الرُّسُلِ أَوْ خَبَرِهِمْ بِالْمَعْقُولَاتِ إِنَّمَا هِيَ طَرِيقَةُ الْكُفَّارِ، فَهُمْ سَلَفُ الْخَلْقِ بَعْدَهُمْ، فَبِئْسَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَمَنْ تَأْمَّلَ مُعَارَضَةَ الْمُشْرِكِينَ لِلرُّسُلِ بِالْعُقُولِ وَجَدَهَا أَقْوَى مِنْ مُعَارَضَةِ الْجَهْمِيَّةِ وَالنُّفَاةِ لَخَبَرِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَتَكْلِيمِهِ لِمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ بِعُقُولِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةُ بَاطِلَةً فَهَذِهِ أَبْطَلُ وَأَبْطَلُ، وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ فَتِلْكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْهَا وَهَذَا لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ، يُوَضِّحُهُ:
التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ عَلَى الْخَلْقِ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَتَكَلُّمِ اللَّهِ وَتَكْلِيمِهِ لِلرُّسُلِ وَاثَبَاتِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْحَيَاةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا عِنْدَ النُّفَاةِ مِثْلُ وَصْفِهِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالنَّوْمِ، كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ تَعَالَى مِنْ أَعْظَمِ الْمُنَفِّرَاتِ عَنْهُ، وَمُعَارَضَتُهُ فِيهِ أَسْهَلُ مِنْ مُعَارَضَتِهِ فِيمَا عَدَاهُ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ أَعْدَاؤُهُ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَهَلَّا عَارَضُوهُ بِمَا عَارَضَتْهُ بِهِ الْجَهْمِيَّةُ وَالنُّفَاةُ، وَقَالُوا: قَدْ أَخْبَرْتَنَا بِمَا يُخَالِفُ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنَا تَصْدِيقُكَ؟ بَلْ كَانَ الْقَوْمُ عَلَى شِرْكِهِمْ وَضَلَالِهِمْ أَعْرَفُ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ مِنَ النُّفَاةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَأَقْرَبُ إِلَى إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْمَشِيئَةِ وَالْفِعْلِ مِنْ شُيُوخِ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ السِّينَاوِيَّةِ وَالْفَارَابِيَّةِ وَالطُّوسِيَّةِ.
стр. 110
الْعِشْرُونَ: أَنَّ دِلَالَةَ السَّمْعِ عَلَى مَدْلُولِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي جِهَتِهَا، هَلْ هِيَ ظَنِّيَّةٌ أَوْ قَطْعِيَّةٌ وَأَرَادَتِ الرُّسُلُ إِفْهَامَ مَدْلُولِهَا وَاعْتِقَادَ ثُبُوتِهِ أَمْ أَرَادَتِ الرُّسُلُ إِفْهَامَ غَيْرِهِ وَتَأْوِيلَ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَصَرْفَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا؟ فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَدْلُولِهَا، ثُمَّ قَالَ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ: مَدْلُولُهَا ثَابِتٌ فِي الْأَمْرِ وَفِي الْإِرَادَةِ، وَقَالَتِ النُّفَاةُ أَصْحَابُ التَّأْوِيلِ: مَدْلُولُهَا مُنْتَفٍ فِي الْأَمْرِ وَفِي بَعْضِ الْإِرَادَةِ، وَقَالَ أَصْحَابُ التَّخْيِيلِ: مَدْلُولُهَا ثَابِتٌ فِي الْإِرَادَةِ مُنْتَفٍ فِي الْأَمْرِ، وَأَمَّا دِلَالَةُ مَا عَارَضَهَا مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ عَلَى مَدْلُولِهِ فَلَمْ يَتَّفِقْ أَرْبَابُهَا عَلَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، بَلْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَقُولُ فِي أَدِلَّةِ خُصُومِهَا: إِنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهَا لَا عَلَى صِحَّتِهَا، وَأَهْلُ السَّمْعِ مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ فِي دِلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ تِلْكَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى الْمُخَالِفَةِ لِلسَّمْعِ، فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي فَسَادَ قَوْلِ خُصُومِهَا بِالْعَقْلِ، يُصَدِّقُهُمْ أَهْلُ السَّمْعِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُكَذِّبُونَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ صِحَّةَ قَوْلِهِمْ بِالْعَقْلِ.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ دَعْوَى الطَّوَائِفِ فَسَادَ مَا يَفْهَمُ الْعَقْلُ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَشَهَادَةِ أَهْلِ الْوَحْيِ وَالسَّمْعِ مَعَهُمْ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا يَنْقَلِبُ عَلَيْكُمْ بِاتِّفَاقِ شَهَادَةِ الْفِرَقِ كُلِّهَا عَلَى بُطْلَانِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ; لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ السَّمْعَ دَلَّ عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ، فَيَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الدِّلَالَةِ الَّتِي لَمْ يُتَّفَقْ عَلَيْهَا عَلَى الدِّلَالَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْأُمُورَ السَّمْعِيَّةَ الَّتِي يُقَالُ: إِنَّ الْعَقْلَ عَارَضَهَا كَإِثْبَاتِ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَتَكَلُّمِهِ وَرُؤْيَةِ الْعِبَادِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لَهُ، هِيَ مِمَّا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِهَا، وَعُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ امْتَنَعَ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُطْلَانِهِ دَلِيلٌ، وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قَامَ عَلَى بُطْلَانِهِ دَلِيلٌ لَمْ يَبْقَ لَنَا وُثُوقٌ بِمَعْلُومٍ أَصْلًا لَا حِسٍّ وَلَا عَقْلٍ، وَهَذَا يُبْطِلُ حَقِيقَةَ الْإِنْسَانِيَّةِ بَلْ حَقِيقَةَ الْحَيَوَانِيَّةِ الْمُشْتَرِكَةَ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ، فَإِنَّ لَهَا تَمْيِيزًا وَإِدْرَاكًا لِحَقَائِقَ بِحَسْبِهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ عَنِ التَّأَمُّلِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ صَادِقٌ، فَفِي أَيِّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ يَقْدَحُ الْمُعَارِضُ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ؟
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ هُوَ إِخْبَارُهُ عَنِ الَّذِي خَلَقَهُ وَفَطَرَهُ أَنَّهُ وَضَعَ فِيهِ ذَلِكَ وَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ وَأَرْشَدَهُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ السَّمْعُ هُوَ الْخَبَرُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَتَكَلَّمَ بِهِ
стр. 111
وَأَوْحَاهُ وَعَرَّفَ بِهِ الرَّسُولَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعَرِّفَ الْأَمْرَ وَيُخْبِرَهُمْ بِهِ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا صَحِيحًا حَتَّى يَكُونَ الْآخَرُ مُطَابِقًا لِمُخْبِرِهِ وَأَنَّ الْأَمْرَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدَ شَهِدَ الْعَقْلُ لِخَبَرِ الرَّسُولِ بِأَنَّهُ صِدْقٌ وَحَقٌّ، فَعَلِمْنَا مُطَابَقَتَهُ لِمُخْبِرِهِ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ، بِخَبَرِ الرَّسُولِ بِهِ وَشَهَادَةِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ بِأَنَّهُ لَا يَكْذِبُ فِي خَبَرِهِ، وَأَمَّا خَبَرُ الْعَقْلِ عَنِ اللَّهِ بِمَا يُضَادُّ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ وَضَعَ فِيهِ ذَلِكَ وَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ فَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ الرَّسُولُ بِصِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ، بَلْ شَهِدَ بِبُطْلَانِهِ فَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ مَعَ عَدَمِ شَهَادَةِ الرَّسُولِ، فَكَيْفَ مَعَ تَكْذِيبِهِ لِلَّهِ؟ فَكَيْفَ مَعَ تَكْذِيبِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ الْمُؤَيَّدِ بِنُورِ الْوَحْيِ؟ فَكَيْفَ مَعَ اخْتِلَافِ سَائِرِ أَصْحَابِهِ وَتَكَاذُبِهِمْ وَتَنَاقُضِهِمْ؟ يَزِيدُهُ إِيضَاحًا:
[الاحتجاج بشهادة العقل وحده باطلة]
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: وَهُوَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ دَلَّ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَالْإِرْشَادِ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، فَهُوَ عَقْلِيٌّ سَمْعِيٌّ، فَمِنْ هَذَا غَالِبُ أَدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَالصِّفَاتِ وَالتَّوْحِيدِ، وَمَا لَا يَقُومُ التَّنْبِيهُ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ مِنْهُ فَهُوَ يَسِيرٌ جِدًّا، وَإِذَا تَدَبَّرْتَ الْقُرْآنَ رَأَيْتَ هَذَا أَغْلَبَ النَّوْعَيْنِ عَلَيْهِ، وَهَذَا النَّوْعُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى مُعَارَضَتِهِ لِاسْتِلْزَامِهِ مَدْلُولَهُ وَانْتِقَالِ الذِّهْنِ فِيهِ مِنَ الدَّلِيلِ إِلَى الْمَدْلُولِ ضَرُورَةً وَهُوَ أَصْلُ النَّوْعِ الثَّانِي الدَّالِّ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ، وَالْقَدَحُ فِي النَّوْعَيْنِ بِالْعَقْلِ مُمْتَنِعٌ بِالضَّرُورَةِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِاسْتِلْزَامِ الْقَدْحِ فِيهِ: الْقَدْحَ فِي الْعَقْلِ الَّذِي أَثْبَتَهُ، وَإِذَا بَطَلَ الْعَقْلُ الَّذِي أَثْبَتَ السَّمْعَ بَطَلَ مَا عَارَضَهُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، يُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ صِفَةٌ إِلَّا وَقَدْ دَلَّ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ عَلَى إِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ تَوَاطَأَ عَلَيْهَا دَلِيلُ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَارِضَ ثُبُوتَهَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ الْبَتَّةَ، لَا عَقْلِيٌّ وَلَا سَمْعِيٌّ، بَلْ إِنْ كَانَ الْمَعَارِضُ سَمْعِيًّا كَانَ كَذِبًا مُفْتَرًى أَوْ مِمَّا أَخْطَأَ الْمُعَارِضُ بِهِ فِي فَهْمِهِ، وَإِنْ كَانَ عَقْلِيًّا فَهِيَ شُبْهَةٌ خَيَالِيَّةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى عَظِيمَةٌ يُنْكِرُهَا كُلُّ جَهْمِيٍّ وَنَافٍ وَفَيْلَسُوفٍ، وَيَعْرِفُهَا مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلَبَهُ بِالْإِيمَانِ وَبَاشَرَ قَلْبَهُ مَعْرِفَةُ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ وَأَقَرَّتْ بِهِ الْفِطَرُ، وَشَهِدَتْ بِهِ الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ لَا الْمَنْكُوسَةُ الْمَرْكُوسَةُ، وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ هُوَ الْكَمَالُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهُ سِوَاهُ، فَجَاحِدُهُ جَاحِدٌ لِكَمَالِ الرَّبِّ تَعَالَى، فَإِنَّهُ تَمَدَّحَ بِكُلِّ صِفَةٍ وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ وَأَثْنَى بِهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَمَجَّدَ بِهَا نَفْسَهُ، وَحَمِدَ بِهَا نَفْسَهُ، فَذَكَرَهَا سُبْحَانَهُ عَلَى وَجْهِ الْمِدْحَةِ لَهُ
стр. 112
وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّمْجِيدِ، وَتَعَرَّفَ بِهَا إِلَى عِبَادِهِ لِيَعْرِفُوا كَمَالَهُ وَمَجْدَهُ وَعَظَمَتَهُ وَجَمَالَهُ، وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُهَا عِنْدَ ذِكْرِ آلِهَتِهِمُ الَّتِي عَبَدُوهَا مِنْ دُونِهِ.
فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَتَكَلُّمِهِ وَتَكْلِيمِهِ وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ وَنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ مَا هُوَ مُنْتَفٍ عَنْ آلِهَتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى بُطْلَانِ إِلَهِيَّتِهَا وَفَسَادِ عِبَادَتِهَا، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ دَعْوَتِهِ عِبَادَهُ إِلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَيَذْكُرُ لَهُمْ مِنْ أَوْصَافِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ مَا يَجِدُونَ قُلُوبَهُمْ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى دَعْوَتِهِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَذْكُرُ صِفَاتِهِ لَهُمْ عِنْدَ تَرْغِيبِهِمْ وَتَرْهِيبِهِمْ لِتَعْرِفَ الْقُلُوبُ مَنْ تَخَافُهُ وَتَرْجُوهُ، وَيَذْكُرُ صِفَاتِهِ أَيْضًا عِنْدَ أَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، فَقَلَّ أَنْ تَجِدَ آيَةَ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَّا وَهِيَ مُخْتَتَمَةٌ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْ صِفَتَيْنِ، وَقَدْ يَذْكُرُ الصِّفَةَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَوَسَطِهَا وَآخِرِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] وَيَذْكُرُ صِفَاتِهِ عِنْدَ سُؤَالِ عِبَادِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ عَنْهُ، وَيَذْكُرُهَا عِنْدَ سُؤَالِهِمْ لَهُ عَنْ أَحْكَامِهِ، حَتَّى إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَذِكْرُ أَسْمَائِهِ رُوحُهَا وَسِرُّهَا، يَصْحَبُهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا لِيُذْكَرَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَفَتَحَ لَهُمْ بَابَ الدُّعَاءِ رَغَبًا وَرَهَبًا لِيَذْكُرَهُ الدَّاعِي بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فَيَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ بِهَا، وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ مَا تَوَصَّلَ فِيهِ الدَّاعِيَ إِلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وَكَانَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى صِفَةِ الْحَيَاةِ الْمُصَحِّحَةِ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَصِفَةِ الْقَيُّومِيَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِجَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَلِهَذَا كَانَتْ سَيِّدَةَ آيِ الْقُرْآنِ وَأَفْضَلَهَا، وَلِهَذَا كَانَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا أَخْلَصَتِ الْإِخْبَارَ عَنِ الرَّبِّ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ دُونَ خَلْقِهِ وَأَحْكَامِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، «وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
стр. 113
الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ "، وَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ " فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: " لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ". وَقَالَ لِلْآخَرِ: " سَلْ تُعْطَهُ» " وَذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الدُّعَاءُ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَا أَصَابَ عَبْدٌ قَطُّ هَمٌّ وَلَا حُزْنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا " قَالُوا: أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» ".
وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِطَرِيقِ الْمَعْقُولِ، فَاسْتَيْقَظَتْ لِلتَّنْبِيهِ الْعُقُولُ الْحَيَّةُ، وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى رُقَادِهَا الْعُقُولُ الْمَيْتَةُ ; فَقَالَ فِي صِفَةِ الْعِلْمِ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] فَتَأَمَّلْ صِحَّةَ هَذَا الدَّلِيلِ مَعَ غَايَةِ إِيجَازِ لَفْظِهِ بِاخْتِصَارٍ، وَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] فَمَا أَصَحَّ هَذَا الدَّلِيلَ وَمَا أَوْجَزَهُ، وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْكَلَامِ:
стр. 114
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] نَبَّهَ بِهَذَا الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُكَلِّمُ وَلَا يَهْدِي لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى عَنِ الْعِجْلِ: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] فَجَعَلَ امْتِنَاعَ صِفَةِ الْكَلَامِ وَالتَّكْلِيمِ وَعَدَمَ مِلْكِ الضَّرِّ وَالنَّفْعِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْإِلَهِيَّةِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ سَمْعِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ لَا بُدَّ أَنْ يُكَلِّمَ وَيَتَكَلَّمَ وَيَمْلِكَ لِعِبَادِهِ الضَّرَّ وَالنَّفْعَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ إِلَهًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ - وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ - وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠] نَبَّهَ بِهَذَا الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْقَاطِعِ أَنَّ الَّذِي جَعَلَكَ تَتَصَرَّفُ وَتَتَكَلَّمُ وَتَعْلَمُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا عَالِمًا، وَأَيُّ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ قَطْعِيٍّ أَقْوَى مِنْ هَذَا وَأَبْيَنُ وَأَقْرَبُ إِلَى الْعُقُولِ؟
وَقَالَ تَعَالَى فِي آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ الْمُعَطِّلِينَ: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ عَدَمَ الْبَطْشِ وَالسَّمْعِ وَالْمَشْيِ وَالْبَصَرِ لَهُمْ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ إِلَهِيَّةِ مَنْ عَدِمَتْ مِنْهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ بِضِدِّ صِفَةِ أَوْثَانِهِمْ، وَبِضِدِّ مَا وَصَفَهُ بِهِ الْمُعَطِّلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْفِعْلِ بِالْيَدَيْنِ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ، وَذَكَرَ ضِدَّ صِفَاتِ الْأَصْنَامِ الَّتِي جَعَلَ امْتِنَاعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِيهَا دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ إِلَهِيَّتِهَا.
فَتَأَمَّلْ آيَاتِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى كَثْرَتِهَا وَتَفَنُّنِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَتَنَوُّعِهَا، تَجِدْهَا كُلَّهَا قَدْ أَثْبَتَتِ الْكَمَالَ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِذَلِكَ الْكَمَالِ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَبِيهٌ وَلَا مَثِيلٌ، وَأَيُّ دَلِيلٍ فِي الْعَقْلِ أَوْضَحُ مِنْ إِثْبَاتِ الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ لِخَالِقِ هَذَا الْعَالَمِ وَمُدَبِّرِهِ وَمَلِكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَيُّومِهِمَا؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْلِ إِثْبَاتُ جَمِيعِ الْكَمَالِ لَهُ فَأَيُّ قَضِيَّةٍ تَصِحُّ فِي الْعَقْلِ بَعْدَ هَذَا؟ وَمَنْ شَكَّ فِي أَنَّ صِفَةَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقَدَرِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَى وَالْفَرَحِ وَالرَّحْمَةِ كَمَالٌ فَهُوَ مِمَّنْ سُلِبَ خَاصَّةَ الْإِنْسَانِيَّةِ وَانْسَلَخَ مِنَ الْعَقْلِ، بَلْ مَنْ شَكَّ أَنَّ إِثْبَاتَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَمَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مَعَهُمَا كَمَالٌ فَهُوَ مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ.
وَمَنْ شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ مَا شَاءَ وَيَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ، وَيَنْزِلُ إِلَى حَيْثُ شَاءَ، وَيَجِيءُ إِلَى حَيْثُ شَاءَ غَيْرُ كَمَالٍ فَهُوَ جَاهِلٌ بِالْكَمَالِ، وَالْجَمَادُ عِنْدَهُ أَكْمَلُ مِنَ الْحَيِّ
стр. 115
الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ، كَمَا أَنَّ عِنْدَ الْجَهْمِيِّ أَنَّ الْفَاقِدَ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِنَ الْمَوْصُوفِ بِهِمَا، كَمَا أَنَّ عِنْدَ أُسْتَاذِهِمَا وَشَيْخِهِمَا الْفَيْلَسُوفِ أَنَّ مَنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَعْلَمُ وَلَا لَهُ حَيَاةٌ وَلَا قُدْرَةٌ، وَلَا إِرَادَةٌ، وَلَا فِعْلٌ وَلَا كَلَامٌ، وَلَا يُرْسِلُ رَسُولًا، وَلَا يُنْزِلُ كِتَابًا، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي هَذَا الْعَالَمِ بِتَحْوِيلٍ وَتَغْيِيرٍ وَإِزَالَةٍ وَنَقْلٍ وَإِمَاتَةٍ وَإِحْيَاءٍ، أَكْمَلُ مِمَّنْ يَتَصَرَّفُ بِذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ قَدْ خَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ، وَسَلَبُوا الْكَمَالَ عَمَّنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى جَعَلُوا الْكَمَالَ نَقْصًا.
فَتَأَمَّلْ نِسْبَتَهُمُ الْبَاطِلَةَ الَّتِي عَارَضُوا بِهَا الْوَحْيَ، هَلْ تُصَادِمُ هَذَا الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ بَعْدُ مَا شِئْتَ، وَهَذَا قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرٍ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ تَنْبِيهًا يَعْلَمُ بِهِ اللَّبِيبُ مَا وَرَاءَهُ، وَإِلَّا فَلَوْ أَعْطَيْنَا هَذَا الْمَوْضِعَ حَقَّهُ، وَهَيْهَاتَ أَنْ نَصِلَ إِلَى ذَلِكَ، لَكَتَبْنَا عِدَّةَ أَسْفَارٍ، وَكَذَا كُلُّ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَإِنَّهُ لَوْ بُسِطَ وَفُصِّلَ لَاحْتَمَلَ سِفْرًا وَأَكْثَرَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[غاية ما ينتهي إليه من عارض الشرع بالعقل]
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ غَايَةَ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ مَنِ ادَّعَى مُعَارَضَةَ الْعَقْلِ لِلْوَحْيِ أَحَدُ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا: إِمَّا تَكْذِيبُهَا وَجَحْدُهَا، وَإِمَّا اعْتِقَادُ أَنَّ الرُّسُلَ خَاطَبُوا الْخَلْقَ خِطَابًا جُمْهُورِيًّا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا مِنْهُمُ التَّخَيُّلَ وَضَرْبَ الْأَمْثَالِ، وَإِمَّا اعْتِقَادُ أَنَّ الْمُرَادَ تَأَوُّلُهَا وَصَرْفُهَا عَنْ حَقَائِقِهَا بِالْمَجَازَاتِ وَالِاسْتِعَارَاتِ، وَإِمَّا الْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَعَنْ فَهْمِهَا وَتَدَبُّرِهَا، وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا أُرِيدَ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَقَامَاتٍ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُلِّ مَقَامٍ مِنْهَا طَوَائِفُ مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَالْمَقَامُ الْأَوَّلُ: مَقَامُ التَّكْذِيبِ، وَهَؤُلَاءِ اسْتَرَاحُوا مِنْ كُلْفَةِ النُّصُوصِ وَالْوُقُوعِ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ، وَخَلَعُوا رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَعْنَاقِهِمْ.
الْمَقَامُ الثَّانِي: مَقَامُ أَهْلِ التَّخْيِيلِ، قَالُوا: إِنَّ الرُّسُلَ لَمْ يُمْكِنْهُمْ مُخَاطَبَةُ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَخَاطَبُوهُمْ بِمَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِمْ، وَضَرَبُوا لَهُمُ الْأَمْثَالَ، وَعَبَّرُوا عَنِ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ بِالْأُمُورِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْحِسِّ، وَسَلَكُوا ذَلِكَ فِي بَابِ الْإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَقَرُّوا بَابَ الطَّلَبِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ هَذِهِ الْمَسْلَكَ فِي الطَّلَبِ أَيْضًا، وَجَعَلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ إِشَارَاتٍ وَأَمْثَالًا، فَهُمْ ثَلَاثُ فِرَقٍ؟ هَذِهِ إِحْدَاهَا، وَالثَّانِيَةُ سَلَكَتْ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ دُونَ الْأَمْرِ، وَالثَّالِثَةُ سَلَكَتْ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ صِفَاتِهِ دُونَ الْمَعَادِ وَالْجَنَّةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ إِلْحَادٌ فِي أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَدِينِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْمُلْحِدُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرَّدِّ عَلَى الْمُلْحِدِ وَقَدْ وَافَقَهُ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ
стр. 116
خَالَفَهُ فِي فُرُوعِهِ، وَلِهَذَا اسْتَطَالَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ غَايَةَ الِاسْتِطَالَةِ، وَقَالُوا: الْقَوْلُ فِي نُصُوصِ الْمَعَادِ كَالْقَوْلِ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ، قَالُوا: بَلِ الْأَمْرُ فِيهَا أَسْهَلُ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ، لِكَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِهَا وَتَعَدُّدِ طُرُقِهَا، وَإِثْبَاتِهَا عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ التَّأْوِيلُ، فَإِذَا كَانَ الْخِطَابُ بِهَا خِطَابًا جُمْهُورِيًّا فَنُصُوصُ الْمَعَادِ أَوْلَى.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: نُصُوصُ الصِّفَاتِ قَدْ عَارَضَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهَا مِنَ الْعَقْلِ، قُلْنَا: وَنُصُوصُ الْمَعَادِ قَدْ عَارَضَهَا مِنَ الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْعَقْلِيَّاتِ الْمُعَارِضَةَ لِلْمَعَادِ مَا يَعْلَمُ بِهِ الْعَاقِلُ أَنَّ الْعَقْلِيَّاتِ الْمُعَارِضَةَ لِلصِّفَاتِ مِنْ جِنْسِهَا أَوْ أَضْعَفُ مِنْهَا.
الْمَقَامُ الثَّالِثُ: مَقَامُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، قَالُوا: لَمْ يُرَدْ مِنَّا اعْتِقَادُ حَقَائِقِهَا، وَإِنَّمَا أُرِيدَ مِنَّا تَأْوِيلُهَا بِمَا يُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا وَحَقَائِقِهَا، فَتَكَلَّفُوا لَهَا وُجُوهَ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ، وَالْمَجَازَاتِ الْمُسْتَنْكَرَةِ الَّتِي يَعْلَمُ الْعُقَلَاءُ أَنَّهَا أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ احْتِمَالِ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ لَهَا، وَأَنَّهَا بِالتَّحْرِيفِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالتَّفْسِيرِ.
وَالطَّائِفَتَانِ اتَّفَقَتَا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يُبَيِّنِ الْحَقَّ لِلْأُمَّةِ فِي خِطَابِهِ لَهُمْ وَلَا أَوْضَحَهُ، بَلْ خَاطَبَهُمْ بِمَا ظَاهِرُهُ بَاطِلٌ وَمُحَالٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَصْحَابُ التَّخْيِيلِ: أَرَادَ مِنْهُمُ اعْتِقَادَ خِلَافِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ فَالْمَصْلَحَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي فِيهِ، فَقَالَ أَصْحَابُ التَّأْوِيلِ: بَلْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ نَعْتَقِدَ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا الْمُرَادَ تَعْوِيضًا إِلَى حُصُولِ الثَّوَابِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ وَإِعْمَالِ الْفِكْرَةِ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِعُقُولِنَا، وَصَرَفَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ عَنْ حَقَائِقِهَا وَظَوَاهِرِهَا، لِنَنَالَ ثَوَابَ الِاجْتِهَادِ وَالسَّعْيِ فِي ذَلِكَ، فَالطَّائِفَتَانِ مُتَّفِقَتَانِ أَنَّ ظَاهِرَ خِطَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَلَالٌ وَبَاطِلٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنِ الْحَقَّ، وَلَا هَدَى إِلَيْهِ الْخَلْقَ.
الْمَقَامُ الرَّابِعُ: مَقَامُ اللَّاإِرَادِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا نَدْرِي مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَيَنْسِبُونَ طَرِيقَهُمْ إِلَى السَّلَفِ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ الْمُتَأَوِّلُونَ: إِنَّهَا أَسْلَمُ، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَيَقُولُونَ: هَذَا هُوَ الْوَقْفُ التَّامُّ عِنْدَ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، ثُمَّ وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَكُونُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ لَا يَعْلَمُونَ مَعَانِيَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ وَلَا أَصْحَابُهُمْ وَلَا التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، بَلْ يَقْرَءُونَ كَلَامًا لَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهُ.
стр. 117
ثُمَّ هُمْ مُتَنَاقِضُونَ أَفْحَشَ تَنَاقُضٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: تُجْرَى عَلَى ظَاهِرِهَا، وَتَأْوِيلُهَا بَاطِلٌ، ثُمَّ يَقُولُونَ: لَهَا تَأْوِيلٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِتَدَبُّرِ كِتَابِهِ وَتَفَهُّمِهِ وَتَعَقُّلِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ بَيَانٌ وَهُدًى وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَحَاكِمٌ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الِاخْتِلَافِ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَابِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْأَفْعَالِ، وَاللَّفْظُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مَا أَرَادَ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ لَا يَحْصُلُ بِهِ حُكْمٌ وَلَا هُدًى وَلَا شِفَاءٌ وَلَا بَيَانٌ.
وَهَؤُلَاءِ طَرَقُوا لِأَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالْبِدَعِ أَنْ يَسْتَنْبِطُوا الْحَقَّ مِنْ عُقُولِهِمْ، فَإِنَّ النُّفُوسَ طَالِبَةٌ لِمَعْرِفَةِ هَذَا الْأَمْرِ أَعْظَمَ طَلَبٍ، وَالْمُقْتَضَى التَّامُّ لِذَلِكَ فِيهَا مَوْجُودٌ، فَإِذَا قِيلَ لَهَا: إِنَّ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ لَهَا تَأْوِيلٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَعْنَاهَا، فَرَّتْ إِلَيْهِ عُقُولُهُمْ وَفِطَرُهُمْ وَآرَاؤُهُمْ، فَسَدَّ هَؤُلَاءِ بَابَ الْهُدَى وَالرَّشَادِ، وَفَتَحَ أُولَئِكَ بَابَ الزَّنْدَقَةِ وَالْبِدْعَةِ وَالْإِلْحَادِ وَقَالُوا: قَدْ أَقْرَرْتُمْ بِأَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ عِلْمٌ بِالْحَقِّ وَلَا يَهْدِي إِلَيْهِ، فَهُوَ فِي طَرِيقَتِنَا لَا فِي طَرِيقَةِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّا نَحْنُ نَعْلَمُ مَا نَقُولُ وَنُثْبِتُهُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ يَعْلَمُوا تَأْوِيلَ مَا قَالُوهُ وَلَا بَيَّنُوا مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ، وَأَصَابَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْغَلَطِ عَلَى السَّمْعِ مَا أَصَابَ أُولَئِكَ مِنَ الْخَطَأِ فِي الْعَقْلِ.
[كذب من زعم أن السلف لا يدرون معاني ألفاظ الصفات]
وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَ السَّلَفِ بِقَوْلِهِمْ: لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ، فَالتَّأْوِيلُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ، وَقَوْلِ يُوسُفَ: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] ، وَقَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] ، وَقَالَ يُوسُفُ: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧] ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ الطَّلَبِيِّ هُوَ نَفْسُ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَتَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: السُّنَّةُ تَأْوِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵁: «كَانَ
стр. 118
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ» ".
وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَهُوَ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا، ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ هُوَ كُنْهُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ تَفْسِيرَهُ وَمَعْنَاهُ.
وَقَدْ فَسَّرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْآيَاتِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْجَهْمِيَّةُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ وَقَالَ: إِنَّهُمْ تَأَوَّلُوهَا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا، وَبُيِّنَ مَعْنَاهَا، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ وَعَلِمُوا الْمُرَادَ بِآيَاتِ الصِّفَاتِ كَمَا عَلِمُوا الْمُرَادَ مِنْ آيَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا الْكَيْفِيَّةَ، كَمَا عَلِمُوا مَعَانِيَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ كُنْهِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ.
فَمَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، بِهَذَا الْمَعْنَى، فَهُوَ حَقٌّ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي هُوَ تَفْسِيرُهُ وَبَيَانُ الْمُرَادِ مِنْهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، أَقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَا أَرَادَ بِهَا، وَقَالَ مَسْرُوقٌ: مَا نَسْأَلُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَعِلْمُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ عِلْمَنَا قَصَرَ عَنْهُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا وَفِي كِتَابِ اللَّهِ بَيَانُهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُعَارَضَةَ الْعَقْلِ لِلسَّمْعِ لَا بُدَّ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَسْلُكَ أَحَدَ هَذِهِ الْمَسَالِكِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاطِلَةِ، أَسْلَمُهَا هَذَا الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ، وَقَدْ عَلِمْتَ بُطْلَانَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ أَقَلَّهَا بُطْلَانًا لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْخَبَرَ الْكَاذِبَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَقُولُ: لَا أَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ شَيْئًا وَلَا أَعْرِفُ الْمُرَادَ بِهَا، وَأَصْحَابُ تِلْكَ الْمَسَالِكِ تَتَضَمَّنُ أَقْوَالُهُمْ تَكْذِيبَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْإِخْبَارَ عَنِ النُّصُوصِ بِالْكَذِبِ.
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُعَارِضِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِعَقْلِيَّاتِهِمُ الَّتِي هِيَ فِي
стр. 119
الْحَقِيقَةِ جَهْلِيَّاتٌ إِنَّمَا يَبْنُونَ أَمْرَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ مُتَشَابِهَةٍ مُجْمَلَةٍ تَحْتَمِلُ مَعَانِيَ مُتَعَدِّدَةً، وَيَكُونُ مَا فِيهَا مِنَ الِاشْتِبَاهِ فِي الْمَعْنَى وَالْإِجْمَالِيِّ فِي اللَّفْظِ يُوجِبُ تَأْوِيلَهَا بِحَقٍّ وَبَاطِلٍ فِيمَا فِيهَا مِنَ الْحَقِّ يَقْبَلُ مَنْ لَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمًا بِمَا فِيهَا مِنَ الْبَاطِلِ لِأَجْلِ الِالْتِبَاسِ وَالِاشْتِبَاهِ، ثُمَّ يُعَارِضُونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبَاطِلِ نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَهَذَا مَنْشَأُ ضَلَالِ مَنْ ضَلَّ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَنَا، وَهُوَ مَنْشَأُ الْبِدَعِ كُلِّهَا، فَإِنَّ الْبِدَعَ لَوْ كَانَتْ بَاطِلًا مَحْضًا لَمَا قُبِلَتْ، وَلَبَادَرَ كُلُّ أَحَدٍ إِلَى رَدِّهَا وَإِنْكَارِهَا، وَلَوْ كَانَتْ حَقًّا مَحْضًا لَمْ تَكُنْ بِدْعَةً وَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِلسُّنَّةِ، وَلَكِنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيَلْتَبِسُ فِيهَا الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] فَنَهَى عَنْ لَبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَلَبْسُهُ بِهِ: خَلْطُهُ بِهِ حَتَّى يَلْتَبِسَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَمِنْهُ التَّدْلِيسُ، وَهُوَ التَّدْلِيسُ وَالْغِشُّ الَّذِي بَاطِنُهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ، فَكَذَلِكَ الْحَقُّ إِذَا لُبِسَ بِالْبَاطِلِ يَكُونُ فَاعِلُهُ قَدْ أَظْهَرَ الْبَاطِلَ فِي صُورَةِ الْحَقِّ وَتَكَلَّمَ بِلَفْظٍ لَهُ مَعْنَيَانِ، مَعْنًى صَحِيحٌ وَمَعْنًى بَاطِلٌ، فَيَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الصَّحِيحَ، وَمُرَادُهُ الْبَاطِلُ، فَهَذَا مِنَ الْإِجْمَالِ فِي اللَّفْظِ.
وَأَمَّا الِاشْتِبَاهُ فِي الْمَعْنَى فَيَكُونُ لَهُ وَجْهَانِ، وَهُوَ حَقٌّ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَبَاطِلٌ مِنَ الْآخَرِ، فَيُوهِمُ إِرَادَةَ الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، وَيَكُونُ غَرَضُهُ الْبَاطِلَ، فَأَضَلُّ ضَلَالِ بَنِي آدَمَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمَعَانِي الْمَشِيبَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا صَادَفَتْ أَذْهَانًا سَقِيمَةً، فَكَيْفَ إِذَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ هَوًى وَتَعَصُّبٌ؟ فَنَسْأَلُ اللَّهَ مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ أَنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً مِنَ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى، وَيُبَصِّرُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسٍ قَدْ أَحْيَوْهُ، وَكَمْ مِنْ تَائِهٍ ضَالٍّ قَدْ هَدَوْهُ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ، وَمَا أَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ، الَّذِينَ عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الْبِدْعَةِ، وَأَطْلَقُوا عِنَانَ الْفِتْنَةِ، فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ، مُتَّفِقُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ، يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ وَفِي اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتَنِ الْمُضِلِّينَ.
стр. 120
وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ تَلَقَّاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدْ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فِي الْحَوَادِثِ وَالْبِدَعِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدٌ حَدَّثَنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: يُوسُفُ، ثِقَةٌ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ، رَفَعَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي امْتَنَّ عَلَى الْعِبَادِ بِأَنْ جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً مِنَ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى، يُحْيِوُنَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى، وَيُبَصِّرُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى، وَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسٍ قَدْ أَحْيَوْهُ، وَتَائِهٍ ضَالٍّ قَدْ هَدَوْهُ، بَذَلُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ دُونَ هَلَكَةِ الْعِبَادِ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ عَلَيْهِمْ، وَمَا نَسِيَهُمْ رَبُّكَ، وَلَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، جَعَلَ قِصَصَهُمْ هُدًى، وَأَخْبَرَ عَنْ حُسْنِ مَقَالَاتِهِمْ، فَلَا تَقْتَصِرُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ وَإِنْ أَصَابَتْهُمُ الْوَضِيعَةُ.
فَالْمُتَشَابِهُ مَا كَانَ لَهُ وَجْهَانِ يَخْدَعُونَ بِهِ جُهَّالَ النَّاسِ، فَيَا لَلَّهِ كَمْ قَدْ ضَلَّ بِذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِأَظْهَرِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي حَقِيقَتُهُ إِثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ وَتَنْزِيهُهُ عَنْ أَضْدَادِهَا، فَاصْطَلَحَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى وَضْعِهِ، ثُمَّ دَعَوُا النَّاسَ إِلَى التَّوْحِيدِ فَخَدَعُوا بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ التَّوْحِيدَ هُوَ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ.
[أنواع التوحيد الصحيحة والباطلة]
وَالتَّوْحِيدُ اسْمٌ لِسِتَّةِ مَعَانٍ: تَوْحِيدُ الْفَلَاسِفَةِ، وَتَوْحِيدُ الْجَهْمِيَّةِ، وَتَوْحِيدُ الْقَدَرِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ، وَتَوْحِيدُ الِاتِّحَادِيَّةِ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ التَّوْحِيدِ جَاءَتِ الرُّسُلُ بِإِبْطَالِهَا، وَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ، فَأَمَّا تَوْحِيدُ الْفَلَاسِفَةِ فَهُوَ إِنْكَارُ مَاهِيَّةِ الرَّبِّ الزَّائِدَةِ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِنْكَارُ صِفَاتِ كَمَالِهِ، وَأَنَّهُ لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ، وَلَا قُدْرَةَ وَلَا حَيَاةَ وَلَا إِرَادَةَ وَلَا كَلَامَ وَلَا وَجْهَ وَلَا يَدَيْنِ، وَلَيْسَ فِيهِ مُعَيَّنَانِ يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ الْبَتَّةَ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُرَكَّبًا وَكَانَ جَسِيمًا مُؤَلَّفًا، وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَجَعَلُوهُ مِنْ جِنْسِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ الَّذِي لَا يُحِسُّ وَلَا يَرَى وَلَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ، بَلِ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ يُمْكِنُ وُجُودُهُ، وَهَذَا الْوَاحِدُ الَّذِي جَعَلُوهُ حَقِيقَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ.
فَلَمَّا اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّوْحِيدِ وَسَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢] نَزَّلُوا لَفْظَ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ لَهُ صِفَةٌ أَوْ كَلَامٌ أَوْ مَشِيئَةٌ، أَوْ عِلْمٌ، أَوْ حَيَاةٌ
стр. 121
وَقُدْرَةٌ، أَوْ سَمْعٌ أَوْ بَصَرٌ، لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا، وَكَانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا، فَسَمَّوْا أَعْظَمَ التَّعْطِيلِ بِأَحْسَنِ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ، وَسَمَّوْا أَصَحَّ الْأَشْيَاءِ وَأَحَقَّهَا بِالثُّبُوتِ، وَهُوَ صِفَاتُ الرَّبِّ، بِأَقْبَحِ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ التَّرْكِيبُ وَالتَّأْلِيفُ، فَتَوَلَّدَ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ الصَّحِيحَةِ لِلْمَعْنَى الْبَاطِلِ جَحْدُ حَقَائِقِ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ، بَلْ وَجَحْدُ مَاهِيَّتِهِ وَذَاتِهِ وَتَكْذِيبُ رُسُلِهِ، وَنَشَأَ مَنْ نَشَأَ عَلَى اصْطِلَاحِهِ مَعَ إِعْرَاضِهِ عَنِ اسْتِفَادَةِ الْهُدَى وَالْحَقِّ مِنَ الْوَحْيِ، فَلَمْ يَعْرِفْ سِوَى الْبَاطِلِ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ فَجَعَلُوهُ أَصْلًا لِدِينِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يُعَارِضُهُ قَالَ: إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ قُدِّمَ الْعَقْلُ.
التَّوْحِيدُ الثَّانِي تَوْحِيدُ الْجَهْمِيَّةِ: وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ تَوْحِيدِ الْفَلَاسِفَةِ، وَهُوَ نَفْيُ صِفَاتِ الرَّبِّ كَعِلْمِهِ، وَكَلَامِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ وَحَيَاتِهِ، وَعُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَنَفْيُ وَجْهِهِ، وَيَدَيْهِ، وَقُطْبُ رَحَى هَذَا التَّوْحِيدِ جَحْدُ حَقَائِقِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
التَّوْحِيدُ الثَّالِثُ: تَوْحِيدُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، وَهُوَ إِخْرَاجُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَنْ تَكُونَ فِعْلًا لَهُمْ، وَأَنْ تَكُونَ وَاقِعَةً بِإِرَادَتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ، بَلْ هِيَ نَفْسُ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ الْفَاعِلُ لَهَا دُونَهُمْ، وَنِسْبَتُهَا إِلَيْهِمْ، فِعْلُهَا يُنَافِي التَّوْحِيدَ عِنْدَهُمْ.
الرَّابِعُ: تَوْحِيدُ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَأَنَّ الْوُجُودَ عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ، لَيْسَ عِنْدَهُمْ وُجُودَانِ: قَدِيمٌ وَحَادِثٌ، وَخَالِقٌ وَمَخْلُوقٌ، وَوَاجِبٌ وَمُمْكِنٌ، بَلِ الْوُجُودُ عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ، وَالَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْخَلْقُ الْمُنَزَّهُ وَالْكُلُّ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ هُوَ الْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ.
فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ سَمَّاهَا أَهْلُ الْبَاطِلِ تَوْحِيدًا وَاعْتَصَمُوا بِالِاسْمِ مِنْ إِنْكَارِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: نَحْنُ الْمُوَحِّدُونَ؟ وَسَمَّوُا التَّوْحِيدَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ: تَرْكِيبًا وَتَجْسِيمًا وَتَشْبِيهًا، وَجَعَلُوا هَذِهِ الْأَلْقَابَ لَهُمْ سِهَامًا وَسِلَاحًا يُقَاتِلُونَ بِهَا أَهْلَهُ، فَتَتَرَّسُوا بِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْأَسْمَاءِ الصَّحِيحَةِ وَقَابَلُوهُمْ بِالْأَسْمَاءِ الْبَاطِلَةِ، وَقَدْ قَالَ جَابِرٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «فَأَهَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» ، فَهَذَا تَوْحِيدُ الرَّسُولِ ﷺ الْمُتَضَمِّنُ لِإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْحَمْدَ، وَلِإِثْبَاتِ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا أَنْ يَكُونَ مُنْعِمًا، وَلِإِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالتَّصَرُّفِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَى وَالْغِنَى وَالْجُودِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ مُلْكِهِ، وَعِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ لَا حَمْدَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا نِعْمَةَ وَلَا مُلْكَ، وَاللَّهُ
стр. 122
يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا نُجَازِفُ فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ، فَأَيُّ حَمْدٍ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَعْلَمُ وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَفْعَلُ، وَلَا هُوَ فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجٌ عَنْهُ وَلَا مُتَّصِلٌ بِهِ وَلَا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَلَا فَوْقَهُ وَلَا تَحْتَهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ؟ وَأَيُّ نِعْمَةٍ لِمَنْ لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ الْبَتَّةِ؟ وَأَيُّ مَالِكٍ لِمَنْ لَا وَصْفَ لَهُ وَلَا فِعْلَ؟ فَانْظُرْ إِلَى تَوْحِيدِ الرُّسُلِ وَتَوْحِيدِ مَنْ خَالَفَهُمْ.
[تسمية أهل الزيغ توحيد الرسل شركا وتجسيما]
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ سَمَّوْا تَوْحِيدَ الرُّسُلَ شِرْكًا وَتَجْسِيمًا وَتَشْبِيهًا مَعَ أَنَّهُ غَايَةُ الْكَمَالِ، وَسَمَّوْا تَعْطِيلَهُمْ وَإِلْحَادَهُمْ وَبَغْيَهُمْ تَوْحِيدًا، وَهُوَ غَايَةُ النَّقْصِ ; وَنَسَبُوا أَتْبَاعَ الرُّسُلِ إِلَى تَنْقِيصِ الرَّبِّ، وَقَدْ سَلَبُوهُ كُلَّ كَمَالٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لَهُ الْكَمَالَ قَدْ نَزَّهُوهُ عَنْهُ، فَهَذَا تَوْحِيدُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ.
وَأَمَّا تَوْحِيدُ الرُّسُلِ فَهُوَ إِثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ وَإِثْبَاتُ كَوْنِهِ فَاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَأَنَّ لَهُ فِعْلًا حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ وَحْدُهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَيُخَافَ وَيُرْجَى وَيُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِغَايَةِ الْحُبِّ بِغَايَةِ الْحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ، وَلَيْسَ لِخَلْقِهِ مِنْ دُونِهِ وَكَيْلٌ، وَلَا وَلِيٌّ، وَلَا شَفِيعٌ، وَلَا وَاسِطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي رَفْعِ حَوَائِجِهِمْ إِلَيْهِ، وَفِي تَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِمْ وَإِجَابَةِ دَعَوَاتِهِمْ.
بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَاسِطَةٌ فِي تَبْلِيغِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَإِخْبَارِهِ، فَلَا يَعْرِفُونَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيُبْغِضُهُ وَيُسْخِطُهُ، وَلَا حَقَائِقَ أَسْمَائِهِ وَتَفْصِيلَ مَا يَجِبُ لَهُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ وَيُوَصَفُ بِهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الْوَاسِطَةِ، فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ فَعَكَسُوا الْأَمْرَ وَقَلَبُوا الْحَقَائِقَ ; فَنَفَوْا كَوْنَ الرُّسُلِ وَسَائِطَ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا: يَكْفِي تَوَسُّطُ الْعَقْلِ، وَنَفَوْا حَقَائِقَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَقَالُوا: هَذَا التَّوْحِيدُ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نُنَزِّهُ اللَّهَ عَنِ الْأَعْرَاضِ وَالْأَبْعَاضِ وَالْحُدُودِ وَالْجِهَاتِ، وَحُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَيَسْمَعُ الْغِرُّ الْمَخْدُوعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فَيَتَوَهَّمُ مِنْهَا أَنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَمَّا يُفْهَمُ مِنْ مَعَانِيهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالنَّقَائِصِ وَالْحَاجَةِ، فَلَا يَشُكُّ أَنَّهُمْ يُمَجِّدُونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ، وَيَكْشِفُ النَّافِذُ الْبَصِيرُ مَا تَحْتَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَيَرَى تَحْتَهَا الْإِلْحَادَ وَتَكْذِيبَ الرُّسُلِ، وَتَعْطِيلَ الرَّبِّ تَعَالَى عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ كَمَالِهِ، فَتَنْزِيهُهُمْ عَنِ الْأَعْرَاضِ هُوَ مِنْ أَحَدِ صِفَاتِهِ كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَيَاتِهِ، وَعِلْمِهِ وَكَمَالِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ أَعْرَاضٌ لَا تَقُومُ إِلَّا بِجِسْمٍ، فَلَوْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَا لَكَانَ جِسْمٌ وَكَانَتْ أَعْرَاضًا لَهُ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَعْرَاضِ، وَأَمَّا الْأَعْرَاضُ فَهِيَ الْغَايَةُ وَالْحِكْمَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا يَخْلُقُ وَيَفْعَلُ، وَيَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَيُثِيبُ وَيُعَاقِبُ، وَهِيَ الْغَايَاتُ الْمَحْمُودَةُ الْمَطْلُوبَةُ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَفِعْلِهِ، فَيُسَمُّونَهَا أَعْرَاضًا وَعِلَلًا يُنَزِّهُونَهُ عَنْهَا.
стр. 123
وَأَمَّا الْأَبْعَاضُ فَمُرَادُهُمْ بِتَنْزِيهِهِ عَنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ وَلَا يَدَانِ؟ وَلَا يَمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبْعَاضٌ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَبْعَاضِ.
وَأَمَّا الْحُدُودُ وَالْجِهَاتُ فَمُرَادُهُمْ بِتَنْزِيهِهِ عَنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ رَبٌّ، وَلَا عَلَى الْعَرْشِ إِلَهٌ، وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ إِلَى فَوْقٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِهِ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، وَلَا رَفَعَ الْمَسِيحَ إِلَيْهِ، وَلَا عَرَجَ بِرَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ إِثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْجِهَاتِ لَهُ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حُلُولُ الْحَوَادِثِ فَيُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَا يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَلَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَجِيءُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَ أَنْ كَانَ رَاضِيًا، وَلَا يَرْضَى بَعْدَ أَنْ كَانَ غَضْبَانَ، وَلَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ الْبَتَّةَ، وَلَا أَمْرٌ مُجَدَّدٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يُرِيدُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لَهُ، فَلَا لَهُ كُنْ حَقِيقَةً، وَلَا اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوِيًا، وَلَا يَغْضَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يُنَادِيَ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُنَادِيًا، وَلَا يَقُولُ لِلْمُصَلِّي إِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا حَوَادِثُ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ حُلُولِ الْحَوَادِثِ.
وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: نَحْنُ نُثْبِتُ قَدِيمًا وَاحِدًا، وَمُثْبِتُو الصِّفَاتِ يُثْبِتُونَ عِدَّةَ قُدَمَاءَ، قَالَ: وَالنَّصَارَى أَثْبَتُوا ثَلَاثَةَ قُدَمَاءَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَكَفَّرَهُمْ، فَكَيْفَ مَنْ أَثْبَتَ سَبْعَةَ قُدَمَاءَ أَوْ أَكْثَرَ؟
فَانْظُرْ إِلَى هَذَا التَّدْلِيسِ وَالتَّلْبِيسِ الَّذِي يُوهِمُ السَّامِعَ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا قُدَمَاءَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا أَثْبَتُوا قَدِيمًا وَاحِدًا بِصِفَاتِهِ، وَصِفَاتُهُ دَاخِلَةٌ فِي اسْمِهِ، كَمَا أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَثْبَتُوا إِلَهًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ إِلَهًا بَلْ هُوَ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ مُتَلَقًّى مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى الْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ حَيْثُ قَالُوا: يَدْعُو مُحَمَّدٌ إِلَى إِلَهٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا اللَّهُ يَا سَمِيعُ يَا بَصِيرُ، فَيَدْعُو آلِهَةً
стр. 124
مُتَعَدِّدَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] فَأَيُّ اسْمٍ دَعَوْتُمُوهُ بِهِ فَإِنَّمَا دَعَوْتُمُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى الْمُشْتَقَّةُ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ حُسْنَى، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ كَمَا يَقُولُ الْجَاحِدُونَ لِكَمَالِهِ: أَسْمَاءٌ مَحْضَةٌ فَارِغَةٌ مِنَ الْمَعَانِي لَيْسَ لَهَا حَقَائِقُ لَمْ تَكُنْ حُسْنَى، وَلَوْ كَانَتْ أَسْمَاءُ الْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ أَحْسَنَ مِنْهَا، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى تَوْحِيدِ الذَّاتِ وَكَثْرَةِ النُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ: أَخَصُّ صِفَاتِ الْإِلَهِ: الْقَدِيمُ، فَإِذَا أَثْبَتُّمْ لَهُ صِفَاتٍ قَدِيمَةً لَزِمَ أَنْ تَكُونَ آلِهَةً قَدِيمَةً، وَلَا يَكُونُ الْإِلَهُ وَاحِدًا.
فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُدَلِّسِينَ الْمُلْبِسِينَ عَلَى أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَشْبَاهِ الْأَنْعَامِ: الْمَحْذُورُ الَّذِي نَفَاهُ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ وَالْفِطْرَةُ، وَأَجْمَعَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى بُطْلَانِهِ: أَنْ يَكُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ أُخْرَى، إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِلَهُ الْعَالَمِينَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ حَيًّا قَيُّومًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا آمِرًا نَاهِيًا فَوْقَ عَرْشِهِ، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى، فَلَمْ يَنْفِ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ وَالْفِطْرَةُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِلَهِ الْوَاحِدِ صِفَاتُ كَمَالٍ يَخْتَصُّ بِهَا لِذَاتِهِ.
[لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا لا نفيا]
وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْجِسْمِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْوَحْيُ إِثْبَاتًا فَيَكُونُ لَهُ الْإِثْبَاتُ، وَلَا نَفْيًا فَيَكُونُ لَهُ النَّفْيُ، فَمَنْ أَطْلَقَهُ نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ بِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالْجِسْمِ مَعْنَاهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَهُوَ الْبَدَنُ الْكَثِيفُ الَّذِي لَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ جِسْمٌ سِوَاهُ، فَلَا يُقَالُ لِلْهَوَى جِسْمٌ لُغَةً وَلَا لِلنَّارِ وَلَا لِلْمَاءِ، فَهَذِهِ اللُّغَةُ وَكُتُبُهَا بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَهَذَا الْمَعْنَى مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ عَقْلًا وَسَمْعًا، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَالْمُرَكَّبَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، فَهَذَا مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ قَطْعًا، وَالصَّوَابُ نَفْيُهُ عَنِ الْمُمْكِنَاتِ أَيْضًا، فَلَيْسَ الْمَخْلُوقُ مُرَكَّبًا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ مَا يُوَصَفُ بِالصِّفَاتِ وَيُرَى بِالْأَبْصَارِ وَيَتَكَلَّمُ وَيُكَلِّمُ وَيَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَرْضَى وَيَغْضَبُ، فَهَذِهِ الْمَعَانِي ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهَا، فَلَا نَنْفِيهَا عَنْهُ بِتَسْمِيَتِكُمْ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا جِسْمًا، كَمَا أَنَّا لَا نَسُبُّ الصَّحَابَةَ لِأَجْلِ تَسْمِيَةِ الرَّوَافِضِ لِمَنْ يُحِبُّهُمْ وَيُوَالِيهِمْ نَوَاصِبَ، وَلَا نَنْفِي قَدَرَ الرَّبِّ وَنُكَذِّبُ بِهِ لِأَجْلِ تَسْمِيَةِ الْقَدَرِيَّةِ لِمَنْ أَثْبَتَهُ جَبْرِيًّا، وَلَا بِرَدِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لِتَسْمِيَةِ أَعْدَاءِ الْحَدِيثِ لَنَا حَشْوِيَّةً، وَلَا نَجْحَدُ صِفَاتِ خَالِقِنَا وَعُلُوَّهُ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ لِتَسْمِيَةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ لِمَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ مُجَسِّمًا مُشَبِّهًا:
стр. 125
فَإِنْ كَانَ تَجْسِيمًا ثُبُوتُ اسْتِوَائِهِ ... عَلَى عَرْشِهِ إِنِّي إِذًا لِمُجَسِّمُ
وَإِنْ كَانَ تَشْبِيهًا ثُبُوتُ صِفَاتِهِ ... فَمِنْ ذَلِكَ التَّشْبِيهِ لَا أَتَكَتَّمُ
وَإِنْ كَانَ تَنْزِيهًا جُحُودُ اسْتِوَائِهِ ... وَأَوْصَافِهِ أَوْ كَوْنِهِ يَتَكَلَّمُ
فَعَنْ ذَلِكَ التَّنْزِيهِ نَزَّهْتُ رَبَّنَا ... بِتَوْفِيقِهِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَعْظَمُ
وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ حَيْثُ فَتَحَ لِلنَّاسِ هَذَا الْبَابَ فِي قَوْلِهِ:
يَا رَاكِبًا قِفْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى ... وَاهْتِفْ بِقَاعِدِ خَيْفِهَا وَالنَّاهِضِ
إِنْ كَانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّي رَافِضِي
وَهَذَا كُلُّهُ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ الْأَوَّلِ:
وَعَيَّرَنِي الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا ... وَذَلِكَ ذَنْبٌ لَسْتُ مِنْهُ أَتُوبُ
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ إِشَارَةً حِسِّيَّةً فَقَدْ أَشَارَ أَعْرَفُ الْخَلْقِ بِهِ بِأُصْبُعِهِ رَافِعًا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ بِمَشْهَدِ الْجَمْعِ الْأَعْظَمِ مُسْتَشْهِدًا لَهُ، لَا لِلْقِبْلَةِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ مَا يُقَالُ: أَيْنَ هُوَ؟ فَقَدْ سَأَلَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِهِ بِأَيْنَ، مُنَبِّهًا عَلَى عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَسَمِعَ السُّؤَالَ بِأَيْنَ، وَأَجَابَ عَنْهُ، وَلَمْ يَقُلْ: هَذَا السُّؤَالُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْجِسْمِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ، وَإِلَى، فَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِهِ، وَعَرَجَ بِرَسُولِهِ إِلَيْهِ، وَإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَعَبْدُهُ الْمَسِيحُ رُفِعَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ مَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ أَمْرٌ غَيْرُ أَمْرٍ، فَهُوَ سُبْحَانُهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، جَمِيعًا، مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ، وَهَذِهِ صِفَاتٌ مُتَمَيِّزَةٌ مُتَغَايِرَةٌ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا صِفَةٌ وَاحِدَةٌ فَهُوَ بِالْمَجَانِينِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْعُقَلَاءِ، وَقَدْ قَالَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِهِ: " «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» " وَالْمُسْتَعَاذُ بِهِ غَيْرُ الْمُسْتَعَاذِ مِنْهُ، وَأَمَّا اسْتِعَاذَتُهُ ﷺ بِهِ مِنْهُ فَبِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفِينَ، فَإِنَّ الصِّفَةَ الْمُسْتَعَاذَ بِهَا وَالصِّفَةَ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهَا صِفَتَانِ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ وَرَبٍّ وَاحِدٍ، فَالْمُسْتَعِيذُ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى مُسْتَعِيذًا بِالْمَوْصُوفِ بِهِمَا مِنْهُ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ مَا يَكُونُ فَوْقَ غَيْرِهِ وَمُسْتَوِيًا عَلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عِبَادِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، كَذَلِكَ إِنْ أَرَدْتُمْ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّرْكِيبِ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْوَحْيُ وَالْعَقْلُ، فَنَفْيُكُمْ لَهَا بِهَذِهِ الْأَلْقَابِ الْمُنْكَرَةِ خَطَأٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَجِنَايَةٌ عَلَى
стр. 126
أَلْفَاظِ الْوَحْيِ، أَمَّا الْخَطَأُ اللَّفْظِيُّ فَتَسْمِيَتُكُمُ الْمَوْصُوفَ بِذَلِكَ جِسْمًا مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا مُشَبَّهًا بِغَيْرِهِ، وَتَسْمِيَتُكُمْ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَرْكِيبًا وَتَجْسِيمًا وَتَشْبِيهًا، فَكَذَبْتُمْ عَلَى الْقُرْآنِ وَعَلَى الرَّسُولِ وَعَلَى اللُّغَةِ، وَوَضَعْتُمْ لِصِفَاتِهِ أَلْفَاظًا مِنْكُمْ بُدِئَتْ وَإِلَيْكُمْ تَعُودُ، وَأَمَّا خَطَؤُكُمْ فِي الْمَعْنَى فَنَفْيُكُمْ وَتَعْطِيُلُكُمْ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وَالْأَلْقَابِ، فَنَفَيْتُمُ الْمَعْنَى الْحَقَّ وَسَمَّيْتُمُوهُ بِالِاسْمِ الْمُنْكَرِ، وَكُنْتُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَمِعَ أَنَّ الْعَسَلَ شِفَاءٌ وَلَمْ يَرَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: مَائِعٌ رَقِيقٌ أَصْفَرٌ يُشْبِهُ الْعَذِرَةَ، تَتَقَيَّؤُهُ الزَّنَابِيرُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْعَسَلَ يَنْفِرُ عَنْهُ بِهَذَا التَّعْرِيفِ، وَمَنْ عَرَفَهُ وَذَاقَهُ لَمْ يَزِدْهُ هَذَا التَّعْرِيفُ عِنْدَهُ إِلَّا مَحَبَّةً لَهُ وَرَغْبَةً فِيهِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ: تَقُولُ هَذَا جِنَاءُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ وَإِنْ تَشَأْ قُلْتَ ذَا قَيْءُ الزَّنَابِيرِ مَدْحًا وَذَمًّا وَمَا جَاوَزْتَ وَصْفَهُمَا وَالْحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبِيرِ وَأَشَدُّ مَا جَادَلَ أَعْدَاءُ الرَّسُولِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُ سُوءُ التَّعْبِيرِ عَمَّا جَاءَ بِهِ، وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ الْقَبِيحَةِ لَهُ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْ تِلْكَ الْمَعَانِي الَّتِي أَحْسَنَ مِنْهَا بِأَلْفَاظٍ مُنْكَرَةٍ أَلْقَوْهَا فِي مَسَامِعِ الْمُغْتَرِّينَ الْمَخْدُوعِينَ، فَوَصَلَتْ إِلَى قُلُوبِهِمْ فَنَفَرَتْ عَنْهُ، وَأَكْثَرُ الْعُقُولِ كَمَا عَهِدْتُ يَقْبَلُ الْقَوْلَ بِعِبَارَةٍ وَيَرُدُّهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ الْفِرْعَوْنِيُّ: لَوْ كَانَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ رَبٌّ أَوْ عَلَى الْعَرْشِ إِلَهٌ لَكَانَ مُرَكَّبًا، قِيلَ لَهُ: لَفْظُ الْمُرَكَّبِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الَّذِي رَكَّبَهُ غَيْرُهُ فِي مَحَلِّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] وَقَوْلُهُمْ: رَكَّبَ الْخَشَبَةَ وَالْبَابَ، وَمَا يُرَكَّبُ مِنْ أَخْلَاطٍ وَأَجْزَاءٍ بِحَيْثُ كَانَتْ أَجْزَاؤُهُ مُفَرَّقَةً فَاجْتَمَعَتْ وَرُكِّبَ حَتَّى صَارَ شَيْئًا وَاحِدًا، كَقَوْلِهِمْ رَكَّبْتُ الدَّوَاءَ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ: لَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ كَانَ مُرَكَّبًا هَذَا التَّرْكِيبَ الْمَعْهُودَ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ، فَهُوَ كَذِبٌ وَفِرْيَةٌ وَبَهْتٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى الشَّرْعِ وَعَلَى الْعَقْلِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ عَالِيًا عَلَى خَلْقِهِ بَائِنًا مِنْهُمْ مُسْتَوِيًا عَلَى عَرْشِهِ لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، فَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ، فَكَأَنَّكَ قُلْتَ: لَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ، فَنَفَيْتَ الشَّيْءَ بِتَغْيِيرِ الْعِبَارَةِ بِقَوْلِكَ وَقَلْبِهَا إِلَى عِبَارَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا شَأْنُكُمْ فِي أَكْثَرِ مَطَالِبِكُمْ.
وَإِنْ أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ: كَانَ مُرَكَّبًا أَنَّهُ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ وَصَفْتَهُ أَنْتَ بِصِفَاتٍ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَهَلْ كَانَ عِنْدَكَ هَذَا تَرْكِيبًا؟
стр. 127
فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا يُقَالُ لِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ، فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُثْبِتُ لَهُ صِفَةً وَاحِدَةً فِرَارًا مِنَ التَّرْكِيبِ، قِيلَ لَكَ: الْعَقْلُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْتَهُ أَنْتَ مُرَكَّبًا، وَقَدْ دَلَّ الْوَحْيُ وَالْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ عَلَى ثُبُوتِهِ، أَفَتَنْفِيهِ لِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِكَ الْبَاطِلَةِ؟ فَإِنَّ التَّرْكِيبَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ خَمْسَةُ مَعَانٍ: تَرْكِيبُ الذَّاتِ مِنَ الْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ وُجُودَهَا زَائِدًا عَلَى مَاهِيَّتِهَا، فَإِذَا نَفَيْتَ هَذَا التَّرْكِيبَ جَعَلْتَهُ وُجُودًا مُطْلَقًا، إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَذْهَانِ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ، الثَّانِي: تَرْكِيبُ الْمَاهِيَّةِ مِنَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، فَإِذَا نَفَيْتَ هَذَا التَّرْكِيبَ جَعَلْتَهُ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ كُلِّ وَصْفٍ، لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَعْلَمُ وَلَا يَقْدِرُ وَلَا يُرِيدُ وَلَا حَيَاةَ لَهُ وَلَا مَشِيئَةَ وَلَا وَصْفَةَ أَصْلًا، فَكُلُّ ذَاتٍ فِي الْمَخْلُوقَاتِ خَيْرٌ مِنْ هَذِهِ الذَّاتِ، فَاسْتَفَدْتَ بِهَذَا التَّرْكِيبِ كُفْرَكَ بِاللَّهِ وَجَحْدَكَ لِذَاتِهِ وَلِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، الثَّالِثُ: تَرْكِيبُ الْمَاهِيَّةِ الْجِسْمِيَّةِ مِنَ الْهُيُولَى وَالصُّورَةِ كَمَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ، الرَّابِعُ: التَّرْكِيبُ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، الْخَامِسُ: تَرْكِيبُ الْمَاهِيَّةِ مِنْ أَجْزَاءٍ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَاجْتَمَعَتْ وَتَرَكَّبَتْ.
فَإِنْ أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ: لَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ مُرَكَّبًا، كَمَا يَدَّعِيهِ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ، قِيلَ لَكَ: جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَجْسَادَ الْمُحْدَثَةَ الْمَخْلُوقَةَ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً، لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، فَلَوْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ جِسْمٌ مَخْلُوقٌ أَوْ حَدَثٌ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَكَيْفَ يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي حَقِّ خَالِقِ الْفَرْدِ وَالْمُرَكَّبِ، الَّذِي يَجْمَعُ الْمُتَفَرِّقَ وَيُفَرِّقُ الْمُجْتَمِعَ، وَيُؤَلِّفُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ فَيُرَكِّبُهَا كَمَا يَشَاءُ ; وَالْعَقْلُ لَمَّا دَلَّ عَلَى إِثْبَاتِ إِلَهٍ وَاحِدٍ وَرَبٍّ وَاحِدٍ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الرَّبَّ الْوَاحِدَ لَا اسْمَ لَهُ وَلَا صِفَةَ، وَلَا وَجْهَ، وَلَا يَدَيْنِ، وَلَا هُوَ فَوْقَ خَلْقِهِ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَدَعْوَى ذَلِكَ عَلَى الْعَقْلِ كَذِبٌ صَرِيحٌ عَلَى الْوَحْيِ.
[الجهة والفوقية والعلو نفيها عنه سبحانه تعطيل]
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نُنَزِّهُهُ عَنِ الْجِهَةِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جِهَةٍ وُجُودِيةٍ تُحِيطُ بِهِ وَتَحْوِيهِ وَتَحْصُرُهُ إِحَاطَةَ الظُّرُوفِ بِالْمَظْرُوفِ فَنَعَمْ، هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ وَأَعْلَى، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِهَةِ أَمْرًا يُوجِبُ مُبَايَنَةَ الْخَالِقِ لِلْمَخْلُوقِ وَعُلُوَّهُ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ فَنَفْيُكُمْ لِهَذَا الْمَعْنَى بَاطِلٌ، وَتَسْمِيَتُهُ جِهَةً اصْطِلَاحٌ مِنْكُمْ تَوَسَّلْتُمْ بِهِ إِلَى نَفْيِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ وَالْفِطْرَةُ، وَسَمَّيْتُمْ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ جِهَةً وَقُلْتُمْ: مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِهَاتِ، وَسَمَّيْتُمُ الْعَرْشَ حَيِّزًا وَقُلْتُمْ: لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ.
стр. 128
وَسَمَّيْتُمُ الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا وَقُلْتُمْ: الرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ قِيَامِ الْأَعْرَاضِ بِهِ، وَسَمَّيْتُمْ حِكْمَتَهُ غَرَضًا وَقُلْتُمْ: مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَغْرَاضِ، وَسَمَّيْتُمْ كَلَامَهُ بِمَشِيئَتِهِ، وَنُزُولَهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَمَجِيئَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَمَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ الْمُقَارَنَةَ لِمُرَادِهَا وَإِدْرَاكَهُ الْمُقَارَنَةَ لِوُجُودِ الْمُدْرَكِ، وَغَضَبَهُ إِذَا عُصِيَ، وَرِضَاهُ إِذَا أُطِيعَ، وَفَرَحَهُ إِذَا تَابَ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، وَنِدَاهُ لِمُوسَى حِينَ أَتَى الشَّجَرَةَ، وَنِدَاهُ لِلْأَبَوَيْنِ حِينَ أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ، وَنِدَاهُ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَحَبَّتَهُ لِمَنْ كَانَ يَبْغَضُهُ حَالَ كُفْرِهِ ثُمَّ صَارَ يُحِبُّهُ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَرُبُوبِيَّتَهُ الَّتِي هُوَ بِهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ حَوَادِثَ، وَقُلْتُمْ: هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، وَحَقِيقَةُ هَذَا التَّنْزِيهِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْوُجُودِ وَعَنِ الرُّبُوبِيَّةِ وَعَنِ الْمُلْكِ وَعَنْ كَوْنِهِ فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ، بَلْ عَنِ الْحَيَاةِ وَالْقَيُّومَيَّةِ.
فَانْظُرْ مَاذَا تَحْتَ تَنْزِيهِ الْمُعَطِّلَةِ النُّفَاةِ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا مُرَكَّبٍ، وَلَا تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، وَلَا يُوَصَفُ بِالْأَبْعَاضِ، وَلَا يَفْعَلُ بِالْأَغْرَاضِ وَلَا تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ، وَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ: أَيْنَ، وَلَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ، كَيْفَ كَسَوْا حَقَائِقَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَتَكْلِيمِهِ لِخَلْقِهِ وَرُؤْيَتِهِمْ لَهُ بِالْأَبْصَارِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، هَذِهِ الْأَلْفَاظَ، ثُمَّ تَوَسَّلُوا إِلَى نَفْيِهَا بِوَاسِطَتِهَا، وَكَفَّرُوا وَضَلَّلُوا مَنْ أَثْبَتَهَا، وَاسْتَحَلُّوا مِنْهُ مَا لَمْ يَسْتَحِلُّوهُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِلَى اللَّهِ الْمَوْعِدُ وَإِلَيْهِ الْمُلْتَجَأُ، وَإِلَيْهِ التَّحَاكُمُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ التَّخَاصُمُ.
نَحْنُ وَإِيَّاهُمْ نَمُوتُ ... وَلَا أَفْلَحَ يَوْمَ الْحِسَابِ مَنْ نَدِمَا
[فصل إنكار القدرية خلق أفعال العباد وتسميتهم بذلك بالعدل]
فَصْلٌ
وَمِنْ ذَلِكَ لَفْظُ الْعَدْلِ، جَعَلَتْهُ الْقَدَرِيَّةُ اسْمًا لِإِنْكَارِ قُدْرَةِ الرَّبِّ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَخَلْقِهِ لَهَا وَمَشِيئَتِهِ، فَجَعَلُوا إِخْرَاجَهَا عَنْ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ هُوَ الْعَدْلُ، وَجَعَلَ سَلَفُهُمْ إِخْرَاجَهَا عَنْ تَقَدُّمِ عِلْمِهِ وَكِتَابَتِهِ مِنَ الْعَدْلِ، وَسَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ بِالْعَدْلِيَّةِ، وَعَمَدُوا إِلَى إِثْبَاتِ عُمُومِ قُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَفْعَالِ وَخَلْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وَشُمُولِ مَشِيئَتِهِ، فَسَمَّوْهُ جَبْرًا، ثُمَّ نَفَوْا هَذَا الْمَعْنَى الصَّحِيحَ وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِهَذَا الِاسْمِ، ثُمَّ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَسَمَّوْا مَنْ أَثْبَتَ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَثْبَتَ قَدَرَهُ وَقَضَاءَهُ أَهْلَ التَّشْبِيهِ وَالْحَيِّزِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الرَّافِضَةِ سَمَّوْا مُوَالَاةَ الصَّحَابَةِ نَصْبًا، وَمُعَادَاتَهُمْ مُوَالَاةً لِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ الْمُرْجِئَةُ سَمَّوْا مَنْ قَالَ فِي الْإِيمَانِ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَاسْتَثْنَى فِيهِ فَقَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَاكًّا.
стр. 129
وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُبْطِلٍ وَمُبْتَدِعٍ، يُلَقِّبُ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ بِالْأَلْقَابِ الشَّنِيعَةِ الْمُنْفَرِدَةِ، فَإِذَا أَطْلَقُوا لَفَظَ الْجِسْمِ صَوَّرُوا فِي ذِهْنِ السَّامِعِ خَشَبَةً مِنَ الْخَشَبِ الْكَثِيفِ، أَوْ بَدَنًا لَهُ حَامِلٌ يَحْمِلُهُ، وَإِذَا قَالُوا: مُرَكَّبٌ صَوَّرُوا فِي ذِهْنِهِ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً فَرَكَّبَهَا، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْمُرَكَّبِ لُغَةً وَعُرْفًا، وَإِذَا قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ تَحُلَّهُ الْحَوَادِثُ صَوَّرُوا فِي ذِهْنِهِ ذَاتًا تَنْزِلُ بِهِ الْأَعْرَاضَ النَّازِلَةَ بِالْمَخْلُوقِينَ كَمَا مَثَّلَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ آدَمَ أَمَلَهَ وَأَجَلَهُ وَالْأَعْرَاضَ جَانِبَهُ إِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا أَصَابَهُ هَذَا، وَإِذَا قَالُوا يَقُولُونَ بِالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ صَوَّرُوا فِي الذِّهْنِ مَوْجُودًا بِالْأَحْيَازِ، وَإِذَا قَالُوا لَزِمَ الْحَيِّزُ صَوَّرُوا فِي الذِّهْنِ قَادِرًا ظَالِمًا يَجْبُرُ الْخَلْقَ عَلَى مَا لَا يُرِيدُونَ وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَإِذَا قَالُوا: حَشْوِيَّةٌ، صَوَّرُوا فِي ذِهْنِ السَّامِعِ أَنَّهُمْ حَشَوْا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَتَنْفِرُ الْقُلُوبُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْقَابِ.
وَلَوْ ذَكَرُوا حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ لَمَا قَبِلَتِ الْقُلُوبُ السَّلِيمَةُ وَالْفِطَرُ الْمُسْتَقِيمَةُ سِوَاهُ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ الْحَقَّ لِأَسْمَاءٍ سَمَّوْهَا هُمْ وَأَسْلَافُهُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَأَلْقَابٍ وَضَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يَأْتِ بِهَا سُنَّةٌ وَلَا قُرْآنٌ، وَشُبُهَاتٍ قَذَفَتْ بِهَا الْقُلُوبُ مَا اسْتَنَارَتْ بِنُورِ الْوَحْيِ وَلَا خَالَطَهَا بَشَاشَةُ الْإِيمَانِ، وَخَيَالَاتٍ هِيَ بِتَخَيُّلَاتِ الْمُمْرَدِينَ وَأَصْحَابِ الْهَوَسِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِقَضَايَا الْعَقْلِ وَالْبُرْهَانِ، وَوَهْمَيَّاتٍ نِسْبَتُهَا إِلَى الْعَقْلِ الصَّحِيحِ كَنِسْبَةِ السَّرَابِ فِي الْأَبْصَارِ فِي الْقِيعَانِ، وَأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ وَمَعَانٍ مُشْتَبِهَةٍ قَدْ لُبِّسَ فِيهَا الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ فَصَارَ ذَا خَفَاءٍ وَكِتْمَانٍ.
فَدَعُونَا مِنْ هَذِهِ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةِ الَّتِي لَا تُفِيدُ إِلَّا إِتْعَابَ الْإِنْسَانِ، وَكَثْرَةَ الْهَذَيَانِ وَحَاكِمْنَا إِلَى الْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ، لَا إِلَى مَنْطِقِ يُونَانٍ، وَلَا إِلَى قَوْلِ فُلَانٍ وَرَأْيِ فُلَانٍ، كِتَابُ اللَّهِ لَيْسَ فَوْقَ بَيَانِهِ مَرْتَبَةٌ فِي الْبَيَانِ، وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُطَابِقَةٌ لَهُ أَعْظَمَ مِنْ مُطَابَقَةِ الْبَيَانِ لِلِّسَانِ، وَهَذِهِ أَقْوَالُ أَعْقَلِ الْأُمَمِ بَعْدَهُ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، لَا يَخْتَلِفُ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ اثْنَانِ، وَلَا يُوجَدُ عَنْهُمْ فِيهِ قَوْلَانِ مُتَنَافِيَانِ، بَلْ قَدْ تَتَابَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَعُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَإِثْبَاتِ تَكَلُّمِهِ
стр. 130
وَتَكْلِيمِهِ وَسَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ ، كَتَتَابُعِ الْأَسْنَانِ، وَقَالُوا لِلْأُمَّةِ: هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إِلَيْنَا وَعَهْدُنَا إِلَيْكُمْ وَإِلَى مَنْ بَعْدَكُمْ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَادَى بِهِ الْمُنَادِي وَأَذَّنَ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، فَحَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَرَاءَ هَذَا الْإِمَامِ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ، وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِمُتَابَعَتِهِ يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فِي ظُلْمَةِ لَيْلِ الشُّكُوكِ وَالْإِفْكِ وَالْكُفْرَانِ، فَلَا تَصِحُّ الْقُدْوَةُ بِمَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ وَصَدَّقَهُ الْمُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُ تَائِهٌ فِي بَيْدَاءِ الْآرَاءِ وَالْمَذْاهَبِ حَيْرَانَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْيَقِينِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، لَا هُوَ وَلَا مَنْ قَبْلَهُ عَلَى تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، وَإِنَّ غَايَةَ مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ الشَّكُّ وَالتَّشْكِيكُ وَلَقْلَقَةُ اللِّسَانِ.
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وَخَصَّهُمْ بِكَمَالِ الْعُقُولِ وَصِحَّةِ الْفِطْرَةِ وَنُورِ الْبُرْهَانِ، وَجَعَلَهُمْ هُدَاةً مُهْتَدِينَ، مُسْتَبْصِرِينَ مُبْصِرِينَ، أَئِمَّةً لِلْمُتَّقِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِهِ، وَيَدْعُونَ إِلَى دَارِهِ، وَيُجَادِلُونَ كُلَّ مُفْتَتِنٍ فَتَّانٍ، فَحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ بِمُتَابَعَةِ الْمَبْعُوثِ بِالْفُرْقَانِ، وَتَحْكِيمِهِ وَتَلَقِّي حُكْمِهِ بِالتَّسْلِيمِ وَالْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ، وَمُقَابَلَةِ مَا خَالَفَ حُكْمَهُ بِالْإِنْكَارِ وَالرَّدِّ وَالْهَوَانِ، وَمُطَاعَنَةِ الْمُعَارِضِينَ لَهُ بِقَوْلِهِمْ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَإِلَّا بِالْعِلْمِ وَاللِّسَانِ، فَالْعُقُولُ السَّلِيمَةُ وَالْفِطَرُ الْمُسْتَقِيمَةُ لِنُصُوصِ الْوَحْيِ يَسْجُدَانِ، وَيُصَدِّقَانِ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ وَلَا يُكَذِّبَانِ، وَيُقِرَّانِ أَنَّ لَهَا عَلَيْهِمَا أَعْظَمَ سُلْطَانٍ، وَأَنَّهُمَا إِنْ خَرَجَا عَنْهَا غُلِبَا وَلَا يَنْتَصِرَانِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْمُعَارَضَةَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَنُصُوصِ الْوَحْيِ لَا تَتَأَتَّى عَلَى قَوَاعِدِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنُّبُوَّةِ حَقًّا، وَلَا عَلَى أُصُولِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الْمُصَدِّقِينَ بِحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ، لَيْسَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالنُّبُوَّةِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا تَتَأَتَّى هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ مِمَّنْ يُقِرُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى قَوَاعِدِ الْفَلْسَفَةِ وَيُجْرِيهَا عَلَى أَوْضَاعِهِمْ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ بِالنُّبُوَّةِ عِنْدَهُمْ، وَالِاعْتِرَافَ بِمَوْجُودٍ حَلِيمٍ لَهُ طَالِعٌ مَخْصُوصٌ يَقْتَضِي طَالِعُهُ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا، فَإِذَا أَخْبَرَهُمْ بِمَا لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُهُمْ عَارَضُوا خَبَرَهُ بِعُقُولِهِمْ وَقَدَّمُوهَا عَلَى خَبَرِهِ.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَارَضُوا بَيْنَ الْعَقْلِ وَنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، فَعَارَضُوا الْأَنْبِيَاءَ فِي بَابِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ بِعُقُولِهِمْ، فَلَمْ يُصَدِّقُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى طَرِيقَةِ الرُّسُلِ، ثُمَّ سَرَتْ مُعَارَضَتُهُمْ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الرُّسُلِ، فَتَقَاسَمُوهَا تَقَاسُمَ الْوَارِثِ لِتَرِكَةِ مُوَرِّثِهِمْ، فَكُلُّ طَائِفَةٍ كَانَتْ نُصُوصُ الْوَحْيِ
стр. 131
عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِمْ لَجَئُوا إِلَى هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ الْإِيمَانَ بِالنُّبُوَّةِ، وَإِنْ تَنَاقَضَ الْقَائِلُ بِهِ فَغَلَبَتُهُ أَنْ يُثْبِتَ كَوْنَ النَّبِيِّ رَسُولًا فِي الْعَمَلِيَّاتِ وَلَا فِي الْعِلْمِيَّاتِ، أَوْ فِي بَعْضِ الْعِلْمِيَّاتِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا دُونَ الْبَعْضِ، وَهَذَا أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ جَعَلَهُ رَسُولًا إِلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِهَذَا يَجْعَلُهُ رَسُولًا فِي الْعِلْمِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، وَلَا يُعَارِضُ بَيْنَ خَبَرِهِ وَبَيْنَ الْعَقْلِ، وَإِنْ تَنَاقَضَ جَحْدُهُ عُمُومِ رِسَالَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، فَهَذَا جَحْدُ عُمُومِ رِسَالَتِهِ إِلَى الْمَدْعُوِّينَ، وَذَاكَ جَحْدُ عُمُومِ رِسَالَتِهِ فِي الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ الْمُخْبَرِ بِهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْ فِي الْحَقِيقَةِ بِرِسَالَتِهِ، لَا هَذَا وَلَا هَذَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِهَذَا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى هَؤُلَاءِ حَقًّا فَهُوَ رَسُولُهُ إِلَى الْآخَرِينَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ، وَمِنْ ضَرُورَةِ تَصْدِيقِهِ الْإِيمَانُ بِعُمُومِ رِسَالَتِهِ، وَيُقَالُ لِلْآخَرِ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ وَأَنَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهُوَ رَسُولُهُ فِي الْعِلْمِيَّاتِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُ بِهَذَا وَهَذَا.
[العقل يصدق ما جاء الوحي أشد مما يصدق كثير من المحسوسات]
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: وَهُوَ أَنَّكَ إِذَا جَعَلْتَ الْعَقْلَ مِيزَانًا، وَوَضَعْتَ فِي إِحْدَى كِفَّتَيْهِ كَثِيرًا مِنَ الْأُمُورِ الْمُشَاهَدَةِ الْمَحْسُوسَةِ الَّتِي يَنَالُهَا الْعَيَانُ، وَوَضَعْتَ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى الْأُمُورَ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهَا الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَجَدْتَ تَرْجِيحَهُ لِهَذِهِ الْكِفَّةِ فَوْقَ تَرْجِيحِهِ لِلَّتِي قَبْلَهَا وَتَصْدِيقَهُ بِهَا أَقْوَى، وَلَوْلَا الْحِسُّ وَالْمُشَاهَدَةُ يَمْنَعُهُ مِنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ لَأَنْكَرَهُ، هَذِهِ دَعْوَى نَعْلَمُ أَنَّكَ تَتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَدَّعِيهَا وَتَنْسُبُهُ إِلَى الْمُجَازَفَةِ وَقِلَّةِ التَّحْصِيلِ، وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ مُدَّعِيَهَا لَيَعْجَبُ مِنْ إِنْكَارِكَ لَهَا وَتَوَقُّفِكَ فِيهَا بَعْدَ الْبَيَانِ.
فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: أَنْسَبُ إِلَى الْعَقْلِ، حَيَوَانٌ يَرَى وَيُحِسُّ وَيَتَكَلَّمُ وَيَعْمَلُ، فَغَشِيَهُ أَمْرٌ أَلْفَاهُ كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ لَا رُوحَ فِيهَا، وَزَالَ إِحْسَاسُهُ وَإِدْرَاكُهُ، وَتَوَارَى عَنْهُ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَعَقْلُهُ، بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَأَدْرَكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنَ الْعُلُومِ الْعَجِيبَةِ وَالْأُمُورِ الْغَائِبَةِ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَالَ حُضُورِ ذِهْنِهِ، وَاجْتِمَاعِ حَوَاسِّهِ وَوُفُورِ عَقْلِهِ، وَعَلِمَ مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَلِيلٌ وَلَا طَرِيقٌ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ.
وَأَنْسَبُ إِلَيْهِ أَيْضًا حَيَوَانٌ خَرَجَ مِنْ إِحْلِيلِهِ مَجَّةَ مَاءٍ مُسْتَحِيلَةٍ عَنْ حُصُولِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَالْمَخْطَةِ، فَامْتَزَجَتْ بِمِثْلِهَا فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ فَأَقَامَتْ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، فَانْقَلَبَتْ دَمًا قَدْ تَغَيرَ لَوْنُهَا وَشَكْلُهَا وَصِفَاتُهَا، فَأَقَامَتْ كَذَلِكَ مُدَّةً، ثُمَّ انْقَلَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قِطْعَةَ لَحْمٍ، فَأَقَامَتْ كَذَلِكَ مُدَّةً، ثُمَّ انْقَلَبَتْ عِظَامًا وَأَعْصَابًا وَعَرُوقًا وَأَظْفَارًا مُخْتَلِفَةَ الْأَشْكَالِ وَالْأَوْضَاعِ، وَهِيَ جَمَادٌ لَا إِحْسَاسَ بِهَا، ثُمَّ عَادَتْ حَيَوَانًا يَتَحَرَّكُ وَيَتَغَذَّى وَيَتَقَلَّبُ، ثُمَّ
стр. 132
أَقَامَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ فِي مَكَانٍ لَا يَجِدُ فِيهِ مَنْفَسًا وَهُوَ دَاخِلُ أَوْعِيَةٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، ثُمَّ انْفَتَحَ لَهُ بَابٌ يَضِيقُ عَنْهُ مَسْلَكُ الذَّكَرِ لَا يَسْلُكُهُ إِلَّا بِضَغْطِهِ، فَوُسِّعَ لَهُ ذَلِكَ الْبَابُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ.
وَأَنْسَبُ إِلَيْهِ أَيْضًا: بِقَدْرِ الْحَبَّةِ تُرْسِلُهُ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْمُدُنِ فَيَأْكُلُ الْمَدِينَةَ وَكُلَّ مَنْ فِيهَا ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَأْكُلُهَا، وَهُوَ النَّارُ.
وَأَنْسَبُ إِلَيْهِ شَيْئًا بِقَدْرِ بَذْرِ الْخَشْخَاشِ يَحْمِلُهُ الْإِنْسَانُ بَيْنَ ثِيَابِهِ مُدَّةً فَيَنْقَلِبُ حَيَوَانًا يَتَغَذَّى بِوَرَقِ الشَّجَرِ بُرْهَةً، ثُمَّ إِنَّهُ يَبْنِي عَلَى نَفْسِهِ قِبَابًا مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ مِنْ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ وَأَحْمَرَ بِنَاءً مُحْكَمًا مُتَّفِقًا، فَيُقِيمُ فِي ذَلِكَ الْبِنَاءِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ لَا يَتَغَذَّى بِشَيْءٍ الْبَتَّةَ، فَيَنْقَلِبُ فِي الْقُبَّةِ طَائِرًا لَهُ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُ بِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ دُودًا يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ فَيَفْتَحُ عَنْ نَفْسِهِ بَابَ الْقُبَّةَ، وَذَلِكَ دُودُ الْقَزِّ.
إِلَى أَضْعَافِ أَضْعَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِمَّا يُشَاهَدُ بِالْعَيَانِ، مِمَّا لَوْ حُكِيَ لِمَنْ لَمْ يَرَهُ لَعَجِبَ مِنْ عَقْلِ مَنْ حَكَاهُ لَهُ وَقَالَ: وَهَلْ يُصَدِّقُ بِهَذَا عَاقِلٌ، وَضَرُورَةُ الْعَقْلِ تَدْفَعُ هَذَا، وَأَقَامَ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ عَلَى اسْتِحَالَتِهِ فَقَالَ فِي النَّائِمِ مَثَلًا: الْقُوَى الْحَسَّاسَةُ سَبَبُ الْإِدْرَاكِ لِلْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ وَآلَةٌ لَهَا، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْأَشْيَاءَ مَعَ وُجُودِهَا وَاسْتِجْمَاعِهَا وَوُفُورِهَا، فَلِأَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ عَدَمُ إِدْرَاكِهَا مَعَ عَدَمِهَا وَبُطْلَانِ أَفْعَالِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، وَهَذَا قِيَاسٌ أَنْتَ تَجِدُهُ أَقْوَى مِنَ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي يُعَارَضُ بِهَا خَبَرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْحِسُّ وَالْعِيَانُ يَدْفَعُهُ، وَمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِمَوَادِّ الْأَدِلَّةِ وَتَرْتِيبِ مُقَدِّمَاتِهَا، وَلَهُ أَدْنَى بَيَانٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْظِمَ أَدِلَّةً عَقْلِيَّةً عَلَى اسْتِحَالَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمُشَاهَدَةِ الْمَحْسُوسَةِ، وَتَكُونُ مُقَدِّمَاتُ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ مِنْ جِنْسِ مُقَدِّمَاتِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُعَارَضُ بِهَا النُّصُوصُ أَوْ أَصَحُّ مِنْهَا.
وَأَنْسَبُ إِلَى الْعَقْلِ: وُجُودُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَثُبُوتِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْنَا الْيَسِيرَ مِنْهَا، وَمَا لَمْ نَذْكُرْهُ وَلَمْ يَخْطُرْ لَنَا بِبَالٍ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، تَجِدُ تَصْدِيقَ الْعَقْلِ بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَوْلَا الْمُشَاهَدَةُ لَكَذَّبَ بِهَا، فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبَ، كَيْفَ يَسْتَجِيزُ الْعَقْلُ تَكْذِيبَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ وَرَأَى وَعَايَنَ مَا لَوْلَا الْحِسُّ لَأَنْكَرَهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ؟ وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ مَنْ صَحَّ عَقْلُهُ وَإِيمَانُهُ: إِنَّ نِسْبَةَ الْعَقْلِ إِلَى الْوَحْيِ أَقَلُّ وَأَدَقُّ بِكَثِيرٍ مِنْ نِسْبَةِ مَبَادِئِ التَّمْيِيزِ إِلَى الْعَقْلِ.
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُعَارِضِينَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْوَحْيِ لَا يُمْكِنُهُمْ إِثْبَاتَ
стр. 133
الصَّانِعِ، بَلْ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ نَفْيُهُ بِالْكُلِّيَّةِ لُزُومًا بَيِّنًا، وَلِأَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ إِقَامَةُ دَلِيلٍ عَلَى اسْتِحَالَةِ الْهَيِّنِ، وَلَا إِقَامَةِ دَلِيلٍ وَاحِدٍ عَلَى اسْتِحَالَةِ كَوْنِ الصَّانِعِ جِسْمًا، وَلَا إِثْبَاتِ كَوْنِهِ عَالِمًا وَلَا قَادِرًا وَلَا رَبًّا، وَنَقْتَصِرُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى بَيَانِ عَجْزِهِمْ عَنْ إِثْبَاتِ وُجُودِهِ ، فَضْلًا عَنْ تَنْزِيهِهِ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ فَنَقُولُ: الْمُعَارِضُ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ فِي الْأَصْلِ هُمُ الزَّنَادِقَةُ الْمُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَالْمَعَادِ، وَوَافَقَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ لِصِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ، وَالطَّائِفَتَانِ لَمْ تُثْبِتْ لِلْعَالَمِ صَانِعًا الْبَتَّةَ، فَإِنَّ الصَّانِعَ الَّذِي أَثْبَتُوا وُجُودَهُ مُسْتَحِيلٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ قَدِيمًا، أَمَّا الزَّنَادِقَةُ الْفَلَاسِفَةُ فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا لِلْعَالَمِ صَانِعًا لَفْظًا لَا مَعْنًى، ثُمَّ لَبَّسُوا عَلَى النَّاسِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْعَالَمَ صَنَعَهُ وَفَعَلَهُ وَخَلَقَهُ، ثُمَّ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلَا مَفْعُولٍ، وَلَا يُمْكِنُ عَلَى أَصْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ مَخْلُوقًا وَلَا مَفْعُولًا.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٌ فِي الْفَاعِلِ، وَوَجْهٌ فِي الْفِعْلِ، وَوَجْهٌ فِي نِسْبَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ، وَأَمَّا الَّذِي فِي الْفَاعِلِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا مُخْتَارًا عَالِمًا بِمَا يُرِيدُهُ حِينَ يَكُونُ فَاعِلًا لِمَا يُرِيدُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُمْ لَيْسَ مُرِيدًا، بَلْ لَا صَنْعَةَ لَهُ أَصْلًا، وَمَا يَصْدُرُ عَنْهُ فَيَلْزَمُ لُزُومًا ضَرُورِيًّا، وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ عِنْدَهُمْ وَالْفِعْلُ هُوَ الْحَادِثُ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْوَاحِدُ عِنْدَهُمْ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، وَالْعَالَمُ مُرَكَّبٌ مِنْ خُلُفَاتٍ، فَكَيْفَ يَصْدُرُ عَنْهُ؟
قَالَ: وَلِنُحَقِّقَ وَجْهَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ حَالِهِمْ فِي دَفْعِهِ فَنَقُولُ: الْفَاعِلُ عِبَارَةٌ عَمَّا صَدَرَ عَنْهُ الْفِعْلُ مَعَ الْإِرَادَةِ لِلْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ، مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَالَمَ مَعَ اللَّهِ كَالْمَعْلُومِ مَعَ الْعِلَّةِ، يَلْزَمُ لُزُومًا ضَرُورِيًّا لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى دَفْعُهُ، لُزُومَ الظِّلِّ لِلشَّخْصِ وَالنُّورِ لِلشَّمْسِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْفِعْلِ فِي شَيْءٍ، بَلْ مَنْ قَالَ: إِنَّ السِّرَاجَ يَفْعَلُ الضَّوْءَ، وَالشَّخْصُ يَفْعَلُ الظِّلَّ فَقَدْ جَاوَزَ وَتَوَسَّعَ فِي التَّجَاوُزِ تَوَسُّعًا خَارِجًا عَنِ الْحَدِّ، وَاسْتَعَارَ اللَّفْظَ وَاكْتَفَى بِوُقُوعِ الْمُشَارَكَةِ بَيْنَ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْفَاعِلَ سَبَبٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَالسِّرَاجُ سَبَبٌ لِلضَّوْءِ، وَالشَّمْسُ سَبَبٌ لِلنُّورِ، وَالْفَاعِلُ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلًا صَانِعًا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ سَبَبًا، بَلْ لِكَوْنِهِ سَبَبًا عَلَى وَجْهِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ، حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْجِدَارُ لَيْسَ بِفَاعِلٍ، وَالْحَجَرُ لَيْسَ بِفَاعِلٍ، وَالْجَمَادُ لَيْسَ بِفَاعِلٍ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ لِلْحَيَوَانِ، لَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ،
стр. 134
وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ كَذِبًا، وَلِلْحَجَرِ فِعْلٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الْهَوِيُّ إِلَى أَسْفَلَ وَالْمَيْلُ إِلَى الْمَرْكَزِ، كَمَا أَنَّ لِلنَّارِ فِعْلًا، وَهُوَ التَّسْخِينُ، وَلِلْحَائِطِ فِعْلًا وَهُوَ الْمَيْلُ إِلَى الْمَرْكَزِ وَوُقُوعُ الظِّلِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ صَادِرٌ عَنْهُ، وَهَذَا مُحَالٌ.
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ مَوْجُودٍ لَيْسَ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّا نُسَمِّي ذَلِكَ الشَّيْءَ مَفْعُولًا، وَنُسَمِّي سَبَبَهُ فِعْلًا وَلَا نُبَالِي، كَانَ الْمُسَبِّبُ فَاعِلًا بِالطَّبْعِ أَوْ بِالْإِرَادَةِ، كَمَا أَنَّكُمْ لَا تُبَالُونَ إِنْ كَانَ فَاعِلًا بِآلَةٍ أَوْ غَيْرِ آلَةٍ، بَلِ الْفِعْلُ جِنْسٌ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَقَعُ بِآلَةٍ وَإِلَى مَا يَقَعُ بِغَيْرِ آلَةٍ، كَذَلِكَ هُوَ جِنْسٌ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَقَعُ بِالطَّبْعِ وَإِلَى مَا يَقَعُ بِالِاخْتِيَارِ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَوْ قُلْنَا: فَعَلَ بِالطَّبْعِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُنَا فِعْلٌ بِالطَّبْعِ ضِدًّا لِقَوْلِنَا فِعْلًا، وَلَا رَفْعًا لَهُ، وَلَا نَقْصًا لَهُ، بَلْ بَيَانًا لِنَوْعِ الْفِعْلِ، كَمَا إِذَا قُلْنَا: فِعْلٌ مُبَاشِرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا، بَلْ تَنْوِيعًا وَبَيَانًا، وَإِذَا قُلْنَا: فِعْلٌ بِالِاخْتِيَارِ لَمْ يَكُنْ تَكْرَارًا، بَلْ كَانَ بَيَانًا لِنَوْعِ الْفِعْلِ، كَقَوْلِنَا: فِعْلٌ بِآلَةٍ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا فِعْلٌ يَتَضَمَّنُ الْإِرَادَةَ وَكَانَتِ الْإِرَادَةُ ثَابِتَةً لِلْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فِعْلٌ لَكَانَ قَوْلُنَا فِعْلٌ وَمَا فُعِلَ.
قُلْنَا: هَذِهِ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ سَبَبٍ بِأَيِّ فِعْلٍ كَانَ فَاعِلًا وَلَا كُلُّ سَبَبٍ مَفْعُولًا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ: الْجَمَادُ لَا فِعْلَ لَهُ وَإِنَّمَا الْفِعْلُ لِلْحَيَوَانِ، وَهَذِهِ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمَشْهُورَةِ الصَّادِقَةِ، فَإِنْ سُمِّيَ الْجَمَادُ فَاعِلًا فَبِالِاسْتِعَارَةِ كَمَا يُسَمَّى طَالِبًا مُرِيدًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَيُقَالُ: الْحَجَرُ يَهْوِي، لِأَنَّهُ يُرِيدُ الْمَرْكَزَ وَيَطْلُبُهُ، وَالطَّلَبُ وَالْإِرَادَةُ هُنَا حَقِيقَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ الْمُرَادِ الْمَطْلُوبِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ قَوْلَنَا: فَعْلٌ عَامٌّ وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ بِالطَّبْعِ وَإِلَى مَا هُوَ بِالْإِرَادَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: قَوْلُنَا: أَرَادَ عَامٌّ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَنْ يُرِيدُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ، وَإِلَى مَنْ يُرِيدُ وَلَا يَعْلَمُ مَا يُرِيدُ، وَهُوَ فَاسِدٌ، إِذِ الْإِرَادَةُ تَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ بِالضَّرُورَةِ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ يَتَضَمَّنُ الْإِرَادَةَ بِالضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ قَوْلَنَا: فِعْلٌ بِالطَّبْعِ لَيْسَ بِنَقْصٍ لِلْأَوَّلِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَقْضٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ التَّنَاقُضُ وَلَا يَشْتَدُّ نُفُورُ الطَّبْعِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَنْ كَانَ سَبَبًا مُوجِبًا وَالْفَاعِلُ أَيْضًا سَبَبًا سُمِّيَ فِعْلًا مَجَازًا، وَإِذَا قَالَ: فِعْلٌ بِالِاخْتِيَارِ فَهُوَ تَكْوِينٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، كَقَوْلِهِ: أَرَادَ، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا أَرَادَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَصَوَّرَ أَنْ يُقَالَ: فِعْلٌ وَهُوَ مَجَازٌ، وَيُقَالُ: فِعْلٌ وَهُوَ حَقِيقَةٌ لَنْ تَنْفِرَ النَّفْسُ عَنْ قَوْلِهِ: فِعْلٌ بِالِاخْتِيَارِ، وَكَانَ مَعْنَاهُ فِعْلٌ حَقِيقِيًّا لَا مَجَازِيًّا، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: تَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ، وَنَظَرَ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا
стр. 135
جَازَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ النَّظَرَ فِي الْقَلْبِ مَجَازًا، وَالْكَلَامُ فِي تَحْرِيكِ الرَّأْسِ وَالْيَدِ مَجَازًا، لَمْ يُسْتَقْبَحْ أَنْ يُقَالَ: قَالَ بِلِسَانِهِ وَنَظَرَ بِعَيْنِهِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ نَفْيَ احْتِمَالِ الْمَجَازِ، فَهَذِهِ مَزَلَّةُ الْقَدَمِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَتَسْمِيَةُ الْفَاعِلِ فَاعِلًا إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنَ اللُّغَةِ، وَإِلَّا فَقَدَ ظَهَرَ فِي الْعَقْلِ أَنَّ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّيْءِ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَكُونُ مُرِيدًا وَإِلَى مَا لَا يَكُونُ، فَوَقَعَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَقَعُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ حَقِيقَةً أَمْ لَا، إِذِ الْعَرَبُ تَقُولُ: النَّارُ تَحْرِقُ، وَالثَّلْجُ يُبْرِدُ، وَالسَّيْفُ يَقْطَعُ، وَالْخُبْزُ يُشْبِعُ، وَالْمَاءُ يَرْوِي، وَقَوْلُنَا: يَقْطَعُ مَعْنَاهُ يَفْعَلُ الْقَطْعَ، وَقَوْلُنَا: يَحْرِقُ مَعْنَاهُ يَفْعَلُ الْإِحْرَاقَ، فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ، فَأَنْتُمْ مُتَحَكِّمُونَ، قَالَ: وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ الْحَقِيقِيُّ مَا يَكُونُ بِالْإِرَادَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا حَادِثًا تَوَقَّفَ حُصُولُهُ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِرَادِيٌّ وَالْآخَرُ غَيْرُ إِرَادِيٍّ، أَضَافَ الْعَقْلُ الْفِعْلَ إِلَى الْإِرَادِيِّ، فَكَذَا اللُّغَةُ، فَإِنَّ مَنْ أَلْقَى إِنْسَانًا فِي نَارٍ فَمَاتَ يُقَالُ: هُوَ الْقَاتِلُ دُونَ النَّارِ، حَتَّى إِذَا قِيلَ: مَا قَتَلَهُ إِلَّا فُلَانٌ كَانَ صِدْقًا، وَإِذَا كَانَ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُرِيدِ وَغَيْرِ الْمُرِيدِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا بِطَرِيقِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا أَصْلًا وَالْآخَرِ مُسْتَعَارًا، فَلَمْ يُضِفِ الْقَتْلَ إِلَى الْمُرِيدِ لُغَةً وَعُرْفًا وَعَقْلًا، مَعَ أَنَّ النَّارَ هِيَ الْعِلَّةُ الْقَرِيبَةُ فِي الْعَقْلِ، وَكَانَ الْمُلْقِي لَمْ يَتَعَاطَ إِلَّا الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْجَمْعُ بِالْإِرَادَةِ وَتَأْثِيرُ النَّارِ بِغَيْرِ إِرَادَةٍ سُمِّيَ قَاتِلًا وَلَمْ تُسَمَّ النَّارُ قَاتِلَةً إِلَّا بِمَعْنَى الِاسْتِعَارَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مَنْ يَصْدُرُ الْفِعْلُ عَنْ إِرَادَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مُرِيدًا عِنْدَهُمْ وَلَا مُخْتَارًا لِلْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ صَانِعًا وَلَا فَاعِلًا إِلَّا مَجَازًا.
فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ نَعْنِي بِكَوْنِ اللَّهِ فَاعِلًا أَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُودِ كُلِّ مُوجِدٍ سِوَاهُ، وَأَنَّ الْعَالَمَ قَوَامُهُ بِهِ، وَلَوْلَا وُجُودُ الْبَارِي لَمَا تُصُوِّرَ وُجُودُ الْعَالَمِ، وَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الْبَارِي لَانْعَدَمَ الْعَالَمُ كَمَا لَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الشَّمْسِ لَانْعَدَمَ الضَّوْءُ، فَهَذَا مَا نَعْنِيهِ بِكَوْنِهِ فَاعِلًا، فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ يَأْبَى أَنْ يُسَمِّيَ هَذَا الْمَعْنَى فِعْلًا فَلَا مُشَاحَةَ فِي الْأَسَامِي بَعْدَ ظُهُورِ الْمَعْنَى.
قُلْنَا: غَرَضُنَا أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُسَمَّى فَعْلًا وَصُنْعًا، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى بِالْفِعْلِ وَالصُّنْعُ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْإِرَادَةِ حَقِيقَةً، وَقَدْ نَفَيْتُمْ حَقِيقَةَ مَعْنَى الْفِعْلِ، وَنَطَقْتُمْ بِلَفْظِهِ تَجَمُّلًا بِالْإِسْلَامِ، وَلَا يَتِمُّ الدِّينُ بِإِطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعَانِي، فَصَرَّحُوا بِأَنَّ اللَّهَ لَا فِعْلَ لَهُ حَتَّى يَتَّضِحَ أَنَّ مُعْتَقَدَكُمْ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَلْبِسُوا بِقَوْلِكُمْ: إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ الْعَالَمِ، فَإِنَّ هَذِهِ لَفْظَةٌ أَطْلَقْتُمُوهَا وَنَفَيْتُمْ حَقِيقَتَهَا، وَمَقْصُودُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَشْفُ عَنْ هَذَا التَّلْبِيسِ فَقَطْ ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ:
стр. 136
[أصول المعارضين للشرع بالعقل تنفي وجود الصانع لا صفاته فحسب]
إِنَّ أُصُولَهُمُ الَّتِي عَارَضُوا بِهَا الْوَحْيَ تَنْفِي وُجُودَ الصَّانِعِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ صَانِعًا لِلْعَالَمِ، بَلْ تَجْعَلُهُ مُمْتَنِعَ الْوُجُودِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا، لِأَنَّ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفُوهُ بِهَا صِفَاتُ مَعْدُومٍ مُمْتَنِعَةٌ فِي الْعَقْلِ وَالْخَارِجِ، فَالْعَقْلُ لَا يَتَصَوَّرُهُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْمُمْتَنِعِ كَمَا تُفْرَضُ الْمُسْتَحِيلَاتُ، وَلَا يُمْكِنُ فِي الْخَارِجِ وَجُودُهُ، فَإِنَّ ذَاتًا هِيَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ لَا مَاهِيةَ لَهَا سِوَى الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ الْمُجَرَّدِ عَنْ كُلِّ مَاهِيَّةٍ، وَلَا صِفَةَ لَهَا الْبَتَّةَ، وَلَا فِيهَا مَعْنَيَانِ مُتَغَايِرَانِ فِي الْمَفْهُومِ، وَلَا هِيَ هَذَا الْعَالَمُ، وَلَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا دَاخِلَةً فِيهِ، وَلَا خَارِجَةً عَنْهُ، وَلَا مُتَّصِلَةً بِهِ، وَلَا مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، وَلَا مُحَايَثَةً لَهُ، وَلَا فَوْقَهُ وَلَا تَحْتَهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، وَلَا تَرَى، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَرَى، وَلَا تُدْرِكُ شَيْئًا، وَلَا تُدْرِكُ هِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ، وَلَا مُتَحَرِّكَةً وَلَا سَاكِنَةً، وَلَا تُوصَفُ بِغَيْرِ السُّلُوبِ وَالْإِضَافَاتِ الْعَدَمِيَّةِ، وَلَا تُنْعَتُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ، هِيَ بِامْتِنَاعِ الْوُجُودِ أَحَقُّ مِنْهَا بِإِمْكَانِ الْوُجُودِ، فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهِ، وَتَكَلُّفُ الْعَقْلِ الِاعْتِرَافَ بِوُجُودِ هَذِهِ الذَّاتِ وَوُجُوبِهَا كَتَكْلِيفِهِ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الذَّاتِ لَا تَصْلُحُ لِفِعْلٍ وَلَا رُبُوبِيَّةٍ وَلَا إِلَهِيَّةٍ، فَأَيُّ ذَاتٍ فُرِضَتْ فِي الْوُجُودِ فَهِيَ أَكْمَلُ مِنْهَا، فَالَّذِي جَعَلُوهُ وَاجِبَ الْوُجُودِ هُوَ أَعْظَمُ اسْتِحَالَةً مِنْ كُلِّ مَا يُقَدَّرُ مُسْتَحِيلًا، فَلَا يَكْثُرُ بَعْدَ هَذَا عَلَيْهِمْ إِنْكَارُهُمْ لِصِفَاتِهِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحَيَاتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَلَا إِنْكَارُهُمْ لِكَلَامِهِ وَتَكْلِيمِهِ، فَضْلًا عَنِ اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَنُزُولِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمَجِيئِهِ، وَإِتْيَانِهِ، وَفَرَحِهِ، وَحُبِّهِ، وَغَضَبِهِ، وَرِضَاهُ، فَمَنْ هَدَمَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ مِنْ أَصْلِهَا كَانَ عَلَيْهِمْ هَدْمُ السَّقْفِ وَالْجُدْرَانِ أَهْوَنَ.
وَلِهَذَا كَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْلَ بِالدَّهْرِ وَإِنْكَارَ الْخَالِقِ بِالْكُلِّيَّةِ وَقَوْلَهُمْ: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وَإِنَّمَا صَانَعُوا الْمُسْلِمِينَ أَلْفَاظًا لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَاشْتَقَّ إِخْوَانُهُمُ الْجَهْمِيَّةُ النَّفْيَ وَالتَّعْطِيلَ مِنْ أُصُولِهِمْ، فَسَدُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِإِثْبَاتِ الْخَالِقِ وَتَوْحِيدِهِ بِمُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ بَايَنُوهُمْ فِي بَعْضِ لَوَازِمِهِمْ، كَإِثْبَاتِهِمْ كَوْنَ الرَّبِّ تَعَالَى قَادِرًا مُرِيدًا فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ وَإِثْبَاتِهِمْ مَعَادَ الْأَبْدَانِ، وَالنُّبُوَّةَ وَلَكِنْ لَمْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا نَفَوْهُ نَفْيَ إِخْوَانِهِمُ الْمَلَاحِدَةِ، بَلِ اشْتَقُّوا مَذْهَبًا بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ، وَسَلَكُوا طَرِيقًا بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، لَا لِلْمَلَاحِدَةِ فِيهِ وَافَقُوا، وَلَا لِلرُّسُلِ اتَّبَعُوا.
стр. 137
وَلِهَذَا عَظُمَتْ بِهِمُ الْبَلِيَّةُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِانْتِسَابِهِمْ إِلَيْهِ، وَظُهُورِهِمْ فِي مَظْهَرٍ يَنْصُرُونَ بِهِ الْإِسْلَامَ، فَلَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا، وَلَا لِأَعْدَائِهِ كَسَرُوا، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: هِيَ دَلَالَةٌ لَفْظِيَّةٌ مَعْزُولَةٌ عَنْ إِفَادَةِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ، وَمَرَّةً يَقُولُونَ: هِيَ مَجَازَاتٌ وَاسْتِعَارَاتٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا عِنْدَ الْعَارِفِينَ، وَمَرَّةً يَقُولُونَ: لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْكِيمِهَا، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهَا، وَقَدْ عَارَضَهَا الْعَقْلُ وَقَوَاطِعُ الْبَرَاهِينِ، وَمَرَّةً يَقُولُونَ: أَخْبَارُ آحَادٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي يُطْلَبُ مِنْهَا الْيَقِينُ، فَأَرْضَيْتُمْ بِذَلِكَ إِخْوَانَكُمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ أَعْدَاءِ الدِّينِ، فَهَذِهِ ثَمَرَةُ عُقُولِكُمْ وَحَاصِلُ مَعْقُولِكُمْ.
فَعَلَى عُقُولِكُمُ الْعَفَاءُ فَإِنَّكُمْ ... عَادَيْتُمُ الْمَعْقُولَ وَالْمَنْقُولَا
وَطَلَبْتُمُ أَمْرًا مُحَالًا، وَهُوَ إِدْ ... رَاكُ الْهُدَى لَا تَتْبَعُونَ رَسُولًا
وَزَعَمْتُمُ أَنَّ الْعُقُولَ كَفِيلَةٌ ... بِالْحَقِّ، أَيْنَ الْعَقْلُ كَانَ كَفِيلًا
وَهُوَ الَّذِي يَقْضِي فَيَنْقُضُ حُكْمَهُ ... عَقْلٌ، تَرَوْنَ كِلَيْهِمَا مَعْلُولًا
وَتَرَاهُ يَجْزِمُ بِالْقَضَاءِ وَبَعْدَ ذَا ... يَلْقَى لَدَيْهِ بَاطِلًا مَعْقُولًا
لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ دُونَ هِدَايَةٍ ... بِالْوَحْيِ تَأْصِيلًا وَلَا تَفْصِيلًا
كَالطَّرْفِ دُونَ النُّورِ لَيْسَ بِمُدْرِكٍ ... حَتَّى تَرَاهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
فَإِذَا الظَّلَامُ تَلَاطَمَتْ أَمْوَاجُهُ ... وَطَمِعْتَ بِالْإِبْصَارِ كُنْتَ مُحِيلًا
وَإِذَا النُّبُوَّةُ لَمْ يَنَلْكَ ضِيَاؤُهَا ... فَالْعَقْلُ لَا يَهْدِيكَ قَطُّ سَبِيلًا
نُورُ النُّبُوَّةِ مِثْلُ نُورِ الشَّمْسِ لِلْ ... عَيْنِ الْبَصِيرَةِ فَاتَّخِذْهُ دَلِيلًا
طُرُقُ الْهُدَى مَسْدُودَةٌ إِلَّا عَلَى ... مَنْ أَمَّ هَذَا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَا
فَإِذَا عَدَلْتَ عَنِ الطَّرِيقِ تَعَمُّدًا ... فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ مَا أَرَدْتَ وُصُولًا
يَا طَالِبًا دَرْكَ الْهُدَى بِالْعَقْلِ دُو ... نَ النَّقْلِ، لَنْ تَلْقَى لِذَاكَ دَلِيلًا
كَمْ رَامَ قَبْلَكَ ذَاكَ مِنْ مُتَلَدِّدٍ ... حَيْرَانَ عَاشَ مَدَى الزَّمَانِ جَهُولًا
مَازَالَتِ الشُّبُهَاتُ تَغْزُو قَلْبَهُ ... حَتَّى تَشَحَّطَ بَيْنَهُنَّ قَتِيلًا
فَتَرَاهُ بِالْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ وَالذْ ... ذَاتِيِّ طُولَ زَمَانِهِ مَشْغُولًا
فَإِذَا أَتَاهُ الْوَحْيُ لَمْ يَأْبَهْ لَهُ ... وَيَقُومُ بَيْنَ يَدَي عِدَاهُ مَثِيلًا
وَيَقُولُ تِلْكَ أَدِلَّةٌ لَفْظِيَّةٌ ... مَعْزُولَةٌ عَنْ أَنْ تَكُونَ دَلِيلًا
وَإِذَا تَمُرُّ عَلَيْهِ قَالَ لَهَا اذْهَبِي ... نَحْوَ الْمُجَسِّمِ أَوْ خُذِي التَّأْوِيلَا
стр. 138
وَإِذَا أَبَتْ إِلَّا النُّزُولَ عَلَيْهِ كَا
نَ لَهَا الْقِرَى التَّحْرِيفَ وَالتَّبْدِيلَا ... فَيَحِلُّ بِالْأَعْدَاءِ مَا تَلْقَاهُ مِنْ
كَيْدٍ يَكُونُ لِحَقِّهَا تَعْطِيلًا ... وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا بِعُمْيَانٍ خَلَوْا
فِي ظُلْمَةٍ لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ... فَتَصَادَمُوا بِأَكُفِّهِمْ وَعِصِيِّهِمْ
ضَرْبًا يُدِيرُ رَحَى الْقِتَالِ طَوِيلًا ... حَتَّى إِذَا مَلُّوا الْقِتَالَ رَأَيْتَهُمْ
مَشْجُوجَ أَوْ مَبْعُوجَ أَوْ مَقْتُولًا ... وَتَسَامَعَ الْعُمْيَانُ حَتَّى أَقْبَلُوا
لِلصُّلْحِ فَازْدَادَ الصِّيَاحُ عَوِيلًا
يُوَضِّحُهُ: الْوَجْهُ الثَلَاثُونَ، وَهُوَ أَنَّ الطُّرُقَ الَّتِي سَلَكَهَا هَؤُلَاءِ الْمُعَارِضُونَ بَيْنَ الْوَحْيِ وَالْعَقْلِ فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ هِيَ بِعَيْنِهَا تَنْفِي وُجُودَهُ لُزُومًا، فَإِنَّ الْمُعَارِضِينَ صِنْفَانِ: الْفَلَاسِفَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ، أَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَأَثْبَتُوا الصَّانِعَ بِطَرِيقِ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ، وَالْمُرَكَّبَ يَفْتَقِرُ إِلَى أَجْزَائِهِ، وَكُلُّ مُفْتَقِرٍ مُمْكِنٌ، وَالْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وُجُودٍ وَاجِبٍ، وَيَسْتَحِيلُ الْكَثْرَةُ فِي ذَاتِ الْوَاجِبِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، إِذْ يَلْزَمُ تَرْكِيبُهُ وَافْتِقَارُهُ، وَذَلِكَ يُنَافِي وُجُوبَهُ، وَهَذَا هُوَ غَايَةُ تَوْحِيدِهِمْ، وَبِهِ أَثْبَتُوا الْخَالِقَ عَلَى زَعْمِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى نَفْيِ الْخَالِقِ، فَإِنَّهُ يَنْفِي قُدْرَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَعِلْمَهُ وَحَيَاتَهُ، إِذْ لَوْ ثَبَتَ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ بِزَعْمِهِمْ لَكَانَ مُرَكَّبًا، وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ، وَفِي هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِنَ التَّلْبِيسِ وَالتَّدْلِيسِ وَالْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمَعَانِي الْمُشْتَبِهَةِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَقَدِ انْتَدَبَ لِإِفْسَادِهَا جُنُودُ الْإِسْلَامِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ، فَإِنَّ الْمُرَكَّبَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ مَا رَكَّبَهُ غَيْرُهُ، وَمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَتْ أَجْزَاؤُهُ، وَمَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ التَّرَاكِيبِ، وَيُرَادُ بِهِ فِي اصْطِلَاحِ هَؤُلَاءِ مَا لَهُ مَاهِيَّةٌ خَاصَّةٌ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْمَاهِيَّاتِ، وَمَا لَهُ ذَاتٌ وَصَفَاتٌ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ بَعْضُ صِفَاتِهِ عَنْ بَعْضٍ، وَهَذَا ثَابِتٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ هَؤُلَاءِ تَرْكِيبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الِافْتِقَارِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ فَقْرُ الْمَاهِيَّةِ إِلَى مَوْجُودٍ غَيْرِهَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهَا بِهِ، وَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا الِافْتِقَارِ، وَيُرَادُ بِهِ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ مُفْتَقِرَةٌ فِي ذَاتِهَا وَلَا قِوَامَ لِذَاتِهَا إِلَّا بِذَاتِهَا، وَأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَقُومُ وَإِنَّمَا تَقُومُ
стр. 139
بِالْمَوْصُوفِ، وَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ وَإِنْ سَمَّاهُ هَؤُلَاءِ الْمُلَبِّسُونَ فَقْرًا، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْغَيْرِ فِيهِ إِجْمَالٌ، وَيُرَادُ بِالْغَيْرَيْنِ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ فِي ذَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَصِفَاتِهِ وَإِنْ سَمَّاهُ هَؤُلَاءِ أَغْيَارًا، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ يَعْلَمُ مِنَ الْخَالِقِ صِفَةً دُونَ صِفَةٍ، وَقَدْ قَالَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِهِ: " «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» " وَهَذَا لِكَثْرَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَقَالَ: " «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» " وَالْمُسْتَعَاذُ بِهِ غَيْرُ الْمُسْتَعَاذِ مِنْهُ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا تَرْكِيبًا وَافْتِقَارًا وَغَيْرًا وَضَعَ وَضْعَهُ هَؤُلَاءِ، وَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي الْأَلْفَاظِ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي الْمَعَانِي.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى جُزْئِهِ تَلْبِيسٌ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ الْمَوْصُوفَ بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لَهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تُفَارِقَهُ صِفَاتُهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ غَيْرَ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ تِلْكَ الْحَقِيقَةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ سُمِّيَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ غَيْرًا، فَالذَّاتُ وَالصِّفَاتُ مُتَلَازِمَانِ لَا يُوجَدُ أَحَدُهُمَا إِلَّا مَعَ الْآخَرِ، وَهَذَا الِالْتِزَامُ يَقْتَضِي حَاجَةَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ إِلَى مَوْجُودٍ أَوْجَدَهَا وَفَاعِلٍ فَعَلَهَا، وَالْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ صِفَةٌ وَلَا ذَاتٌ وَلَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ أَمْرٌ عَنْ أَمْرٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهِ وَكَوْنِهِ غَنِيًّا بِنَفْسِهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَقَوْلُ الْمُلَبِّسِ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ لَهُ مَاهِيَّةٌ لَكَانَ مُفْتَقِرًا إِلَى مَاهِيَّتِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى اسْمٌ لِلَّذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِكَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَالْمَشِيئَةِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، لَيْسَ اسْمًا لِذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الْأَوْصَافِ وَالنُّعُوتِ، فَكُلُّ ذَاتٍ أَكْمَلُ مِنْ هَذَا الذَّاتِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ الْمُلْحِدِينَ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكَهَا هَؤُلَاءِ فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ هِيَ أَعْظَمُ الطُّرُقِ فِي نَفْيِهِ وَإِنْكَارِ وَجُودِهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ سَالِكُوهَا لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا مَلَائِكَتِهِ وَلَا كُتُبِهِ وَلَا رُسُلِهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَإِنْ صَانَعَ مَنْ صَانَعَ مِنْهُمْ أَهْلَ الْمِلَلِ بِأَلْفَاظٍ لَا حَاصِلَ لَهَا.
[فصل مذهب أهل الكلام في الصفات]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بُطْلَانَ هَذِهِ الطَّرِيقِ عَدَلُوا عَنْهَا إِلَى طَرِيقِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَتَرَكُّبِهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ، وَأَنَّهَا قَابِلَةٌ
стр. 140
لِلْحَوَادِثِ، وَمَا يَقْبَلُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ، فَالْأَجْسَامُ كُلُّهَا حَادِثَةٌ، فَإِذَنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهَا مُحْدِثٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فَبَنَوُا الْعِلْمَ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى حُدُوثِهَا بِأَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ، ثُمَّ قَالُوا: إِنَّ تِلْكَ أَعْرَاضٌ، وَالْأَعْرَاضُ حَادِثَةٌ، وَمَا لَا يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ، وَاحْتَاجُوا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ إِلَى إِثْبَاتِ الْأَعْرَاضِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِثْبَاتِ لُزُومِهَا لِلْجِسْمِ ثَانِيًا، ثُمَّ إِبْطَالِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا ثَالِثًا، ثُمَّ إِلْزَامِ بُطْلَانِ حَوَادِثَ لَا نِهَايَةَ لَهَا رَابِعًا عِنْدَ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، وَإِلْزَامُ الْفَرْقِ عِنْدَ فَرِيقٍ آخَرَ، ثُمَّ إِثْبَاتُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ خَامِسًا، ثُمَّ إِلْزَامُ كَوْنِ الْعَرْضِ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ سَادِسًا، فَيَلْزَمُ حُدُوثُهُ وَالْجِسْمُ لَا يَخْلُو مِنْهُ وَمَا لَا يَخْلُو مِنَ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ، ثُمَّ إِثْبَاتُ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ السَّبْعَةِ فَلَزِمَهُمْ مِنْ سُلُوكِ هَذِهِ الطَّرِيقِ إِنْكَارُ كَوْنِ الرَّبِّ فَاعِلًا فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ سَمَّوْهُ فَاعِلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ عِنْدَهُمْ فِعْلٌ، وَفَاعِلٌ بِلَا فِعْلٍ كَقَائِمٍ بِلَا قِيَامٍ، وَضَارِبٍ بِلَا ضَرْبٍ، وَعَالِمٍ بِلَا عِلْمٍ.
وَضَمَّ الْجَهْمِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَامَ بِهِ صِفَةٌ لَكَانَ جِسْمًا، وَلَوْ كَانَ جِسْمًا لَكَانَ حَادِثًا، فَيَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ صِفَاتِهِ إِنْكَارُ ذَاتِهِ، فَعَطَّلُوا صِفَاتَهُ وَأَفْعَالَهُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي أَثْبَتُوا بِهَا وُجُودَهُ، فَكَانَتْ أَبْلَغَ الطُّرُقِ فِي تَعْطِيلِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَعَنْ هَذَا الطَّرِيقِ أَنْكَرُوا عُلُوَّهُ عَلَى عَرْشِهِ وَتَكَلُّمَهُ بِالْقُرْآنِ وَتَكْلِيمَهُ لِمُوسَى، وَرُؤْيَتَهُ بِالْأَبْصَارِ فِي الْآخِرَةِ، وَنُزُولَهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَمَجِيئَهُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَغَضَبَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ مِثْلَهُ بَعْدَهُ، وَجَمِيعَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ وَصْفٍ ذَاتِيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ أَوْ فِعْلِيٍّ، فَأَنْكَرُوا وَجْهَهُ الْأَعْلَى، وَأَنْكَرُوا أَنَّ لَهُ يَدَيْنِ، وَأَنَّ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَحَيَاةً، وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ حَقِيقَةً، وَإِنْ سُمِّيَ فَاعِلًا فَلَمْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ لِفِعْلٍ قَامَ بِهِ، بَلْ فِعْلُهُ هُوَ عَيْنُ مَفْعُولِهِ.
وَكَذَلِكَ الطَّرِيقُ الَّتِي سَلَكُوهَا فِي إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ لَمْ يُثْبِتُوا أَنَّهَا نُبُوَّةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُمْ بَنَوْهَا عَلَى مُجَرَّدِ طَرِيقِ الْعَادَةِ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَحَارُوا فِي الْفَرْقِ فَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِمَا تُثْلَجُ لَهُ الصُّدُورُ، مَعَ أَنَّ النُّبُوَّةَ الَّتِي أَثْبَتُوهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى وَصْفٍ وَجُودِيٍّ بَلْ هِيَ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ الْأَزَلِيِّ بِالنَّبِيِّ، وَالتَّعَلُّقُ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ، فَعَادَتِ النُّبُوَّةُ عِنْدَهُمْ إِلَى أَمْرٍ عَدَمِيٍّ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صِفَةٍ ثُبُوتَيَّةٍ قَائِمَةٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ .
وَأَيْضًا فَحَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ إِنْبَاءُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وَأَمْرُهُ تَبْلِيغَ كَلَامِهِ إِلَى عِبَادِهِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ وَلَا يَقُومُ بِهِ كَلَامٌ.
стр. 141
وَأَمَّا الْيَوْمُ الْآخِرُ فَإِنَّ جُمْهُورَهُمْ بَنَوْهُ عَلَى إِثْبَاتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، قَالُوا: لَا يُنَافِي التَّصْدِيقَ بِالْمَعَادِ إِلَّا بِإِثْبَاتِهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَالْمُثْبِتُونَ لَهُ يَعْتَرِفُونَ أَنَّ الْقَوْلَ بِهِ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ وَأَدِلَّتُهُ مُتَعَارِضَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَهُ قَوْلَانِ فِي إِثْبَاتِهِ وَنَفْيِهِ، وَسَلَكُوا فِي تَقْرِيرِ الْمَعَادِ مَا خَالَفُوا فِيهِ جُمْهُورَ الْعُقَلَاءِ، وَلَمْ يُوَافِقُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْدَمُ أَجْزَاءَ الْعَالَمِ كُلَّهَا حَتَّى تَصِيرَ عَدَمًا مَحْضًا، ثُمَّ يُعِيدُ الْمَعْدُومَ وَيَقْلِبُهُ مَوْجُودًا حَتَّى إِنَّهُ يُعِيدُ زَمَنَهُ بِعَيْنِهِ وَيُنْشِئُهُ، لَا مِنْ مَادَّةٍ، كَمَا قَالُوا فِي الْمَبْدَأِ، فَجَنَوْا عَلَى الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَأَغْرَوْا أَعْدَاءَ الشَّرْعِ بِهِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ.
وَأَمَّا الْمَبْدَأُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ مُعَطَّلًا فِي الْأَوَّلِ، وَالْفِعْلُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، مَعَ قَوْلِهِمْ: كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، ثُمَّ صَارَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا، مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ أَمْرٍ أَصْلًا، وَانْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الِامْتِنَاعِ الذَّاتِيِّ إِلَى الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ، وَذَاتُ الْفَاعِلِ قَبْلَ الْفِعْلِ وَمَعَ الْفِعْلِ وَبَعْدَ الْفِعْلِ وَاحِدَةٌ.
فَهَذَا غَايَةُ عُقُولِهِمُ الَّتِي عَارَضُوا بِهَا الْوَحْيَ، وَهَذِهِ طُرُقُهُمُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي لَمْ يُثْبِتُوا بِهَا رَبًّا وَلَا رِسَالَةً، وَلَا مَبْدَأً وَلَا مَعَادًا.
[معارضة الوحي بالعقل]
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالثَلَاثُونَ: أَنَّ مُعَارَضَةَ الْوَحْيِ بِالْعَقْلِ مِيرَاثٌ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُرَّةَ، فَهُوَ أَمَلُ مَنْ عَارَضَ السَّمْعَ بِالْعَقْلِ وَقَدَّمَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَارَضَ أَمْرَهُ بِقِيَاسٍ عَقْلِيٍّ مُرَكَّبٍ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ جُمْلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] فَهَذِهِ هِيَ الصُّغْرَى، وَالْكُبْرَى مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُهَا: وَالْفَاضِلُ لَا يَسْجُدُ لِلْمَفْضُولِ، وَذَلِكَ سَنَدُ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَهُوَ أَيْضًا قِيَاسٌ حَمْلِيٌّ حُذِفَ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ فَقَالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ كُلُّهَا مَعْلُومَةٌ، أَيْ: وَمَنْ خُلِقَ مِنْ نَارٍ خَيْرٌ مِمَّنْ خُلِقَ مِنْ طِينٍ، فَهُمَا قِيَاسَانِ مُتَدَاخِلَانِ، وَهَذِهِ يُسَمِّيهَا الْمَنْطِقِيُّونَ الْأَقْيِسَةَ الْمُتَدَاخِلَةَ، فَالْقِيَاسُ الْأَوَّلُ هَكَذَا: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَخَيْرُ الْمَخْلُوقِينَ لَا يَسْجُدُ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ، وَهَذَا مِنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَالْقِيَاسُ الثَّانِي هَكَذَا: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، وَالْمَخْلُوقُ مِنَ النَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْمَخْلُوقِ مِنَ الطِّينِ، فَنَتِيجَةُ هَذَا الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَنَتِيجَةُ الْأَوَّلِ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ أَسْجُدَ لَهُ، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَادَّةَ هَذَا الْقِيَاسِ وَصُورَتَهُ رَأَيْتَهُ أَقْوَى مِنْ كَثِيرٍ مِنْ قِيَاسَاتِهِمُ الَّتِي عَارَضُوا بِهَا الْوَحْيَ، وَالْكُلُّ بَاطِلٌ.
стр. 142
وَقَدِ اعْتَذَرَ أَتْبَاعُ الشَّيْخِ أَبِي مُرَّةَ بِأَعْذَارٍ: مِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ قُدِّمَ الْعَقْلُ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْخِطَابَ بِصِيغَةِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] لَا عُمُومَ لَهُ، فَإِنَّ الضَّمَائِرَ لَيْسَتْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا فَإِنَّهُ خَصَّهُ بِالْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ بَلْ حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، أَوْ عَلَى الرُّجْحَانِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى التَّرَاخِي وَلَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ صَانَ جَنَابَ الرَّبِّ أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ السُّجُودُ لِسِوَاهُ.
وَبِاللَّهِ تَأَمَّلْ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ، وَقَابِلْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي يَذْكُرُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَفِي بَنِي آدَمَ مَنْ يُصَوِّبُ رَأْيَ إِبْلِيسَ وَقِيَاسَهُ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَصَانِيفُ، وَكَانَ بَشَّارٌ ابْنُ الشَّاعِرِ الْأَعْمَى عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ، وَلِهَذَا يَقُولُ فِي قَصِيدَتِهِ:
الْأَرْضُ مُظْلِمَةٌ سَوْدَاءُ مُعْتِمَةٌ ... وَالنَّارُ مَعْبُودَةٌ مُذْ كَانَتِ النَّارُ
وَلَمَّا عَلِمَ الشَّيْخُ أَنَّهُ قَدْ أُصِيبَ مِنْ مُعَارَضَةِ الْوَحْيِ بِالْعَقْلِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَبْلَغُ فِي مُنَاقَضَةِ الْوَحْيِ وَالشَّرْعِ وَإِبْطَالِهِ مِنْ مُعَارَضَاتِهِ بِالْمَعْقُولِ أَوْحَى إِلَى تَلَامِيذِهِ وَإِخْوَانِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ الْخَيَالِيَّةِ مَا يُعَارِضُونَ بِهَا الْوَحْيَ، وَأَوْهَمَ أَصْحَابَهُ أَنَّهَا قَوَاطِعُ عَقْلِيَّةٌ، وَقَالَ: إِنْ قَدَّمْتُمُ النَّقْلَ عَلَيْهَا فَسَدَتْ عُقُولُكُمْ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ - أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ - وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٧]
стр. 143
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَلَاثُونَ: فِي بَيَانِ فَسَادِ مَعْقُولِ الشَّيْخِ الَّذِي عَارَضَ بِهِ بِالْوَحْيِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَالْقِيَاسُ إِذَا صَادَمَ النَّصَّ وَقَابَلَهُ كَانَ قِيَاسًا بَاطِلًا، وَيُسَمَّى قِيَاسًا إِبْلِيسِيًّا، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُعَارَضَةَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَلِهَذَا كَانَتْ عُقُوبَتُهُ أَنْ أَفْسَدَ عَلَيْهِ عَقْلَهُ وَدُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَا عَارَضَ أَحَدٌ الْوَحْيَ بِعَقْلِهِ إِلَّا أَفْسَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَقْلَهُ حَتَّى يَقُولَ: مَا يُضْحِكُ الْعُقَلَاءَ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] كَذِبٌ، وَمُسْتَنَدُهُ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْضِيلِ مَادَّةٍ عَلَى مَادَّةٍ تَفْضِيلُ الْمَخْلُوقِ مِنْهَا عَلَى الْمَخْلُوقِ مِنَ الْأُخْرَى، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ مِنَ الْمَادَّةِ الْمَفْضُولَةِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَخْلُوقِ مِنْ غَيْرِهَا، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَنُوحًا وَالرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ صَالِحِي الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَادَّتُهُمْ نُورًا وَمَادَّةُ الْبَشَرِ تُرَابًا، فَالتَّفْضِيلُ لَيْسَ بِالْمَوَادِّ وَالْأُصُولِ، وَلِهَذَا كَانَ الْعَبِيدُ وَالْمَوَالِي الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ خَيْرًا وَأَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَنِي هَاشِمٍ.
وَهَذِهِ الْمُعَارَضَةُ الْإِبْلِيسِيَّةُ صَارَتْ مِيرَاثًا فِي أَتْبَاعِهِ فِي التَّقْدِيمِ بِالْأُصُولِ وَالْأَنْسَابِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَهِيَ الَّتِي أَبْطَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، النَّاسُ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ» .
وَقَالَ ﷺ : " «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ
стр. 144
عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» فَانْظُرْ إِلَى سَرَيَانِ هَذِهِ النُّكْتَةِ الْإِبْلِيسِيَّةِ فِي نُفُوسِ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ تَفْضِيلِهِمْ بِمُجَرَّدِ الْأَنْسَابِ وَالْأُصُولِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ ظَنَّهُ أَنَّ النَّارَ خَيْرٌ مِنَ التُّرَابِ بَاطِلٌ، مُسْتَنَدُهُ مَا فِيهَا مِنَ الْإِضَاءَةِ وَالْخِفَّةِ، وَمَا فِي التُّرَابِ مِنَ الثِّقَلِ وَالظُّلْمَةِ، وَنَسِيَ الشَّيْخُ مَا فِي النَّارِ مِنَ الطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ، وَطَلَبِ الْعُلُوِّ، وَالْإِفْسَادِ بِالطَّبْعِ، حَتَّى لَوْ وَقَعَ مِنْهَا شُوَاظٌ بِقَدْرِ الْحَبَّةِ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ لَأَفْسَدَهَا كُلَّهَا وَمَنْ فِيهَا، بَلِ التُّرَابُ خَيْرٌ مِنَ النَّارِ وَأَفْضَلُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْهَا: أَنَّ طَبْعَهُ السُّكُونُ وَالرَّزَانَةُ، وَالنَّارُ بِخِلَافِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَادَّةُ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَقْوَاتِ، وَالنَّارُ بِخِلَافِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعِيشَ بِدُونَهُ وَدُونَ مَا خُلِقَ مِنْهُ الْبَتَّةَ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَعِيشَ بُرْهَةً بِلَا نَارٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: " «كَانَ يَمُرُّ بِنَا الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ مَا يُوقَدُ فِي بُيُوتِنَا نَارٌ وَلَا نَرَى نَارًا " قَالَ لَهَا عُرْوَةُ: فَمَا عَيْشُكُمْ؟ قَالَتْ: " الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ» " وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَرْضَ تُؤَدِّي إِلَيْكَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبَرَكَةِ أَضْعَافَ أَضْعَافَ مَا تُودَعُهُ مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَتُرَبِّيهِ لَكَ وَتُغَذِّيهِ وَتُنَمِّيهِ، وَالنَّارُ تُفْسِدُهُ عَلَيْكَ وَتَمْحَقُ بَرَكَتَهُ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَرْضَ مَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ وَمَسْكَنُ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَكِفَاتُهُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَالنَّارُ مَسْكَنُ أَعْدَائِهِ وَمَأْوَاهُمْ، وَمِنْهَا: أَنَّ فِي الْأَرْضِ بَيْتَهُ الَّذِي جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ وَقِيَامًا لَهُمْ، وَجَعَلَ حَجَّهُ مَحَطًّا لِأَوْزَارِهِمْ، وَمُكَفِّرًا لِسَيِّئَاتِهِمْ، وَجَالِبًا لَهُمْ مَصَالِحَ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَمِنْهَا: أَنَّ النَّارَ طَبْعُهَا الْعُلُوُّ وَالْفَسَادُ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَلَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، وَالْأَرْضُ طَبْعُهَا الْخُشُوعُ وَالْإِخْبَاتُ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُخْبِتِينَ الْخَاشِعِينَ.
وَقَدْ ظَهَرَ بِخَلْقِ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ وَمُوسَى وَعِيسَى وَالرُّسُلِ مِنَ الْمَادَّةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَخَلْقِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ مِنَ الْمَادَّةِ النَّارِيَّةِ، نَعَمْ وَخَلَقَ مِنَ الْمَادَّةِ الْأَرْضِيَّةِ الْكُفَّارَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَمِنَ الْمَادَّةِ النَّارِيَّةِ صَالِحُو الْجِنِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مِثْلُ إِبْلِيسَ، وَلَيْسَ فِي أُولَئِكَ مِثْلُ الرُّسُلِ، فَعُلِمَ الْخَيْرُ مِنَ الْمَادَّةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَعُلِمَ الشَّرُّ مِنَ الْمَادَّةِ النَّارِيَّةِ.
стр. 145
وَمِنْهَا: أَنَّ النَّارَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا بَلْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ تَقُومُ بِهِ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْمَادَّةِ التُّرَابِيَّةِ فِي قِوَامِهَا وَتَأْثِيرِهَا، وَالْأَرْضُ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَحَلٍّ تَقُومُ بِهِ، وَلَا تَفْتَقِرُ فِي قِوَامِهَا وَنَفْعِهَا إِلَى النَّارِ، وَمِنْهَا: أَنَّ التُّرَابَ يُفْسِدُ صُورَةَ النَّارِ وَيُبْطِلُهَا وَيَقْهَرُهَا، وَإِنْ عَلَتْ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَى الْأَرْضِ فَتَقْبَلُهَا وَتَحْيَا بِهَا وَتُخْرِجُ زِينَتَهَا وَأَقْوَاتَهَا وَتَشْكُرُ رَبَّهَا، وَتَنْزِلُ عَلَى النَّارِ فَتَأْبَاهَا وَتُطْفِئُهَا وَتَمْحُوهَا وَتَذْهَبُ بِهَا، فَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ مُعَادَاةٌ، وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ مُوَالَاةٌ، وَمِنْهَا: أَنَّ النَّارَ تُطْفَأُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ وَتَضْمَحِلُّ عِنْدَ ذِكْرِ كِبْرِيَاءِ الرَّبِّ، وَلِهَذَا يَهْرَبُ الْمَخْلُوقُ مِنْهَا عِنْدَ الْأَذَانِ حَتَّى لَا يَسْمَعَهُ، وَالْأَرْضُ تَبْتَهِجُ بِذَلِكَ وَتَفْرَحُ بِهِ وَتَشْهَدُ بِهِ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَكْفِي فِي فَضْلِ الْمَخْلُوقِ مِنَ الْأَرْضِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَهَلْ حَصَلَ لِلْمَخْلُوقِ مِنَ النَّارِ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ؟ .
فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ حَالُ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ الْعَقْلِيَّةِ لِلسَّمْعِ وَفَسَادُهَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَأَكْثَرِ مِنْهَا، وَهِيَ مِنْ شَيْخِ الْقَوْمِ وَرَئِيسِهِمْ وَمُعَلِّمِهِمُ الْأَوَّلِ، فَمَا الظَّنُّ بِمُعَارَضَةِ التَّلَامِذَةِ؟
وَنَحْنُ نَقُولُ قَوْلًا نُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَشِيئَةَ اللَّهِ وَحَوْلَهُ وَالِاعْتِرَافَ بِمِنَّتِهِ عَلَيْنَا وَفَضْلَهُ لَدَيْنَا، وَإِنَّهُ مَحْضُ مِنَّتِهِ وَجُودِهِ وَفَضْلِهِ، فَهُوَ الْمَحْمُودُ أَوَّلًا وَآخِرًا عَلَى تَوْفِيقِنَا لَهُ وَتَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ:
إِنَّ كُلَّ شُبْهَةٍ مِنْ شُبَهِ أَرْبَابِ الْمَعْقُولَاتِ عَارَضُوا بِهَا الْوَحْيَ فَعِنْدَنَا مَا يُبْطِلُهَا بِأَكْثَرِ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي أَبْطَلْنَا بِهَا مُعَارَضَةَ شَيْخِ الْقَوْمِ، وَإِنْ مَدَّ اللَّهُ فِي الْأَجَلِ أَفْرَدْنَا فِي ذَلِكَ كِتَابًا كَبِيرًا، وَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَقُومُ بِهِ تَبْلُغُ إِلَيْهِ كِبَادُ الْإِبِلِ اقْتَدَيْنَا فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ بِمُوسَى ﵇ فِي سَفَرِهِ إِلَى الْخَضِرِ، وَبِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي سَفَرِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ لِسَمَاعِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ زَهِدَ النَّاسُ فِي عَالِمِ قَوْمِهِ ; وَقَدْ قَامَ قَبْلَنَا بِهَذَا الْأَمْرِ مَنْ بَرَزَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فِي عَصْرِهِ وَفِي أَعْصَارٍ قَبْلَهُ فَأَدْرَكَ مَنْ قَبْلَهُ وَحِيدًا ; وَسَبَقَ مَنْ بَعْدَهُ سَبْقًا بَعِيدًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالثَلَاثُونَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَأَنَّهُ لَا سَمِيَّ لَهُ وَلَا كُفْءَ لَهُ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ وَصْفَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي فَاتَ بِهَا شَبَهَ
следующие страницы →