← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 8363

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن الموصلي

Полный текст (599 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إِيَّاهُ حِينَ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَضْعَفُ مِنْ هَذَا الْإِلَهِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْ عَابِدِهِ الطَّالِبِ نَفْعَهُ وَحْدَهُ؟ فَهَلْ قَدَرَ الْقَوِيَّ الْعَزِيزَ حَقَّ قَدْرِهِ مَنْ أَشْرَكَ مَعَهُ آلِهَةً هَذَا شَأْنُهَا. فَأَقَامَ سُبْحَانَهُ حُجَّةَ التَّوْحِيدِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَعْذَبِ أَلْفَاظٍ وَأَحْسَنِهَا لَمْ يَشُبْهَا غُمُوضٌ، وَلَمْ يُشِنْهَا تَطْوِيلٌ، وَلَمْ يُعِبْهَا تَقْصِيرٌ، وَلَمْ يُزْرِ بِهَا زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ، بَلْ بَلَغَتْ فِي الْحُسْنِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ وَالْإِيجَازِ مَا لَا يَتَوَهَّمُهُ مُتَوَهِّمٌ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ فِي مَعْنَاهَا مِنْهَا وَتَحْتَهَا مِنَ الْمَعْنَى الْجَلِيلِ الْقَدْرِ الْعَظِيمِ الشَّأْنِ الْبَالِغِ فِي النَّفْعِ مَا هُوَ أَجَلُّ مَنِ الْأَلْفَاظِ. وَمِنْ ذَلِكَ احْتِجَاجُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَصِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ وَكَلَامُهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صُنْعِ الْبَشَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] فَأَمَرَ مَنِ ارْتَابَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلِهِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ أَقْصَرَ سُورَةٍ، ثُمَّ فَسَخَ لَهُ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِعَانَةَ بِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤] ثُمَّ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ تَسْجِيلًا عَامًّا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ بِعَجْزِهِمْ، وَلَوْ تَظَاهَرَ عَلَيْهِ الثَّقَلَانِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . فَانْظُرْ إِلَى أَيِّ مَوْقِعٍ يَقَعُ مِنَ الْأَسْمَاعِ وَالْقُلُوبِ هَذَا الْحِجَاجُ الْجَلِيلُ الْقَاطِعُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا يَجِدُ طَالِبُ الْحَقِّ وَمُؤْثِرُهُ وَمُرِيدُهُ عَنْهُ مَحِيدًا وَلَا فَوْقَهُ مَزِيدًا وَلَا وَرَاءَهُ غَايَةً وَلَا أَظْهَرَ مِنْهُ آيَةً وَلَا أَوْضَحَ مِنْهُ بُرْهَانًا وَلَا أَبْلَغَ مِنْهُ بَيَانًا. وَقَالَ فِي إِثْبَاتِ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ بِاعْتِبَارِ الْمُتَأَمِّلِ لِأَحْوَالِهِ وَدَعْوَتِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ - أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ - أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨ - ٧٠] .

стр. 72

فَدَعَا سُبْحَانَهُ إِلَى تَدَبُّرِ الْقَوْلِ وَتَأْمُّلِ حَالِ الْقَائِلِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ كَذِبًا وَزُورًا يُعْرَفُ مِنْ نَفْسِ الْقَوْلِ تَارَةً، وَتَارَةً مِنْ تَنَاقُضِهِ وَاضْطِرَابِهِ ظُهُورُ شَوَاهِدِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَيُعْرَفُ مَنْ حَالِ الْقَائِلِ تَارَةً، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْكَذِبِ وَالْفُجُورِ وَالْمُنْكَرِ وَالْخِدَاعِ وَالْمَكْرِ، لَا تَكُونُ أَقْوَالُهُ إِلَّا مُنَاسِبَةً لِأَفْعَالِهِ، وَلَا يَأْتِي مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا يَتَأَتَّى مِنَ الْبَارِّ الصَّادِقِ مِنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ وَغَدْرٍ وَفُجْرٍ وَكَذِبٍ، بَلْ قَلْبُ هَذَا وَقَصْدُهُ وَعَمَلُهُ وَقَوْلُهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَقَلْبُ ذَلِكَ وَعَمَلُهُ وَقَصْدُهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَدَعَاهُمْ سُبْحَانَهُ إِلَى تَدَبُّرِ الْقَوْلِ وَتَأَمُّلِ سِيرَةِ الْقَائِلِ وَأَحْوَالِهِ، وَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ لَهُمْ وَيَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الصِّدْقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] فَتَأَمَّلْ هَاتَيْنِ الْحُجَّتَيْنِ الْقَاطِعَتَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ الْوَجِيزِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَذَا مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ قِبَلِي، وَلَا هُوَ مَقْدُورٌ لِي، وَلَا مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَأَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَأَمْسَكَ عَنْهُ قَلْبِي وَلِسَانِي وَأَسْمَاعَكُمْ وَأَفْهَامَكُمْ فَلَمْ أَتَمَكَّنْ مِنْ تِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ تَتَمَكَّنُوا مِنْ دِرَايَتِهِ وَفَهْمِهِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّى قَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرِي إِلَى حِينِ أَتَيْتُكُمْ بِهِ وَأَنْتُمْ تُشَاهِدُونِي وَتَعْرِفُونِي وَتَصْحَبُونِي حَضَرًا وَسَفَرًا، وَتَعْرِفُونَ دَقِيقَ أَمْرِي وَجَلِيلَهُ وَتُحَقِّقُونَ سِيرَتِي، هَلْ كَانَتْ سِيرَةَ مَنْ جَاهَرَ رَبَّهُ بِالْكَذِبِ وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ، وَطَلَبَ إِفْسَادَ الْعَالَمِ وَظُلْمَ النُّفُوسِ وَالْبَغْيَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. هَذَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْفَظُ كِتَابًا وَلَا أَخُطُّهُ بِيَمِينِي، وَلَا صَاحَبْتُ مَنْ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ، بَلْ صَاحَبْتُمْ أَنْتُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ مَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ وَتَسْأَلُونَهُ عَنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ وَالْمُلُوكِ وَغَيْرِهَا مَا لَمْ أُشَارِكْكُمْ فِيهِ بِوَجْهٍ، ثُمَّ جِئْتُكُمْ بِهَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ، الَّذِي فِيهِ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَعِلْمُ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَأَيُّ بُرْهَانٍ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا، وَأَيُّ عِبَارَةٍ أَفْصَحُ وَأَوْجَزُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وَلَمَّا كَانَ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي يَطْلُبُ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُنَاظِرًا مَعَ نَفْسِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ

стр. 73

يَكُونُ مُنَاظِرًا مَعَ غَيْرِهِ فَأَمَرَهُمْ بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: أَنْ يَقُومُوا لِلَّهِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، فَيَتَنَاظَرَانِ وَيَتَسَاءَلَانِ بَيْنَهُمَا وَاحِدًا وَاحِدًا، يَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ نَفْسِهِ، فَيَتَفَكَّرُ فِي أَمْرِ هَذَا الدَّاعِي وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَيَسْتَدْعِي أَدِلَّةَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَيَعْرِضُ مَا جَاءَ بِهِ عَلَيْهَا لِيَتَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةَ الْحَالِ، فَهَذَا هُوَ الْحِجَاجُ الْجَلِيلُ وَالْإِنْصَافُ الْبَيِّنُ، وَالنُّصْحُ التَّامُّ. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي تَثْبِيتِ أَمْرِ الْبَعْثِ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَلَوْ رَامَ أَفْصَحُ الْبَشَرِ وَأَعْلَمُهُمْ وَأَقْدَرُهُمْ عَلَى الْبَيَانِ أَنْ يَأْتِيَ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَوْ مِثْلِهَا، فِي أَلْفَاظٍ تُشَابِهُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ، وَوَصَفَ حِينَئِذٍ الدِّلَالَةَ وَصِحَّةَ الْبُرْهَانِ لَأَلْفَى نَفْسَهُ الْعَجْزَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ افْتَتَحَ هَذِهِ الْحُجَّةَ بِسُؤَالٍ أَوْرَدَهُ الْمُلْحِدُ اقْتَضَى جَوَابًا، وَكَانَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] مَا وَفَى بِالْجَوَابِ وَأَقَامَ الْحُجَّةَ وَأَزَالَ الشُّبْهَةَ، لَوْلَا مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تَأْكِيدِ حُجَّتِهِ وَزِيَادَةِ تَقْرِيرِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا السَّائِلَ الْمُلْحِدَ لَوْ تَبَيَّنَ خَلْقَ نَفْسِهِ وَبَدْءَ كَوْنِهِ لَكَانَتْ فِكْرَتُهُ فِيهِ كَافِيَةً، ثُمَّ أَوْضَحَ سُبْحَانَهُ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] وَصَرَّحَ جَوَابًا لَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] فَاحْتَجَّ بِالْإِبْدَاءِ عَلَى الْإِعَادَةِ، وَبِالنَّشْأَةِ الْأُخْرَى، إِذْ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَذِهِ قَدَرَ عَلَى هَذِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ الثَّانِيَةِ عَجَزَ عَنِ الْأُولَى، بَلْ كَانَ أَعْجَزَ وَأَعْجَزَ. وَلَمَّا كَانَ الْخَلْقُ يَسْتَلْزِمُ قُدْرَةَ الْخَالِقِ عَلَى مَخْلُوقِهِ، وَعِلْمَهُ بِتَفَاصِيلِ خَلْقِهِ أُتْبِعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] فَهُوَ عَلِيمٌ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ وَتَفَاصِيلِهِ وَمَوَارِدِهِ وَصُورَتِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ عَلِيمٌ بِالْخَلْقِ الثَّانِي، فَإِذَا كَانَ تَامَّ الْعِلْمِ كَامِلَ الْقُدْرَةِ، كَيْفَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْيِيَ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ أَكَّدَ الْأَمْرَ بِحُجَّةٍ تَتَضَمَّنُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ مُلْحِدٍ آخَرَ يَقُولُ: الْعِظَامُ إِذَا صَارَتْ رَمِيمًا عَادَتْ طَبِيعَتُهَا بَارِدَةً يَابِسَةً، وَالْحَيَاةُ فِي الْأَبْدَانِ تَكُونُ مَادَّتُهَا طَبِيعَةٌ حَارَّةٌ، فَقَالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْعُنْصُرِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ الْمُمْتَلِئِ بِالرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ، فَالَّذِي يُخْرِجُ الشَّيْءَ مِنْ ضِدِّهِ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا أَنْكَرَهُ الْمُلْحِدُ مِنْ إِحْيَاءِ الْعِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ.

стр. 74

ثُمَّ أَكَّدَ الدِّلَالَةَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الشَّيْءِ الْأَعْظَمِ الْأَكْبَرِ فَهُوَ عَلَى مَا دُونَهُ أَقْدَرُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِي أَبْدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى جَلَالَتِهِمَا وَعِظَمِ شَأْنِهِمَا، وَكِبَرِ أَجْسَامِهِمَا وَسِعَتِهِمَا وَعَجِيبِ خَلْقِهِمَا، أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ عِظَامًا صَارَتْ رَمِيمًا فَيَرُدَّهَا إِلَى حَالَتِهَا الْأُولَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] . ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بَيَانًا آخَرَ يَتَضَمَّنُ مَعَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ دَفْعَ شُبَهِ كَلِّ مُلْحِدٍ وَجَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِي فِعْلِهِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ يَفْعَلُ بِالْآلَاتِ وَالْكُلْفَةِ وَالتَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ وَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْفِعْلِ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ آلَةٍ وَمُشَارِكٍ وَمُعِينٍ، بَلْ يَكْفِي فِي خَلْقِ مَا يُرِيدُ خَلْقَهُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] فَأَخْبَرَ أَنَّ نُفُوذَ إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَسُرْعَةَ تَكْوِينِهِ وَانْقِيَادَ الْكَوْنِ لَهُ، ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الْحُجَّةَ بِإِخْبَارِهِ أَنَّ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] . سُبْحَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي جَمَعَ مَعَ وَجَازَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَصِحَّةِ بُرْهَانِهِ كُلَّ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ وَجَوَابِ الشُّبْهَةِ بِأَلْفَاظٍ لَا أَعْذَبَ مِنْهَا لِلسَّمْعِ، وَلَا أَحْلَى مِنْ مَعَانِيهَا لِلْقَلْبِ، وَلَا أَنْفَعَ مِنْ ثَمَرَاتِهَا لِلْعَبْدِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا - قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا - أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا - يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥٢] فَتَأَمَّلْ مَا أُجِيبُوا بِهِ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ عَلَى التَّفْصِيلِ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] فَقِيلَ لَهُ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ: إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنْ لَا خَالِقَ لَكُمْ وَلَا رَبَّ، فَهَلَّا كُنْتُمْ خَلْقًا لَا يُصِيبُهُ التَّعَبُ كَالْحِجَارَةِ وَالْحَدِيدِ وَمَا هُوَ أَكْبَرُ فِي صُدُورِكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَنَا رَبٌّ خَالِقٌ خَلَقَنَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَأَنْشَأْنَا هَذِهِ النَّشْأَةَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْبَقَاءَ، وَلَمْ يَجْعَلْنَا

стр. 75

حِجَارَةً وَلَا حَدِيدًا، فَقَدْ قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةُ بِقَرَارِكُمْ، فَمَا الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ خَالِقِكُمْ وَمُنْشِئِكُمْ وَإِعَادَتِكُمْ خَلْقًا جَدِيدًا؟ . وَلِلْحُجَّةِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَلْقٍ مُمَيَّزٍ مِنْهُمَا لَكَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُفْنِيَكُمْ وَيُحِيلَ ذَوَاتَكُمْ وَيَنْقُلَهَا مَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأَجْسَامِ مَعَ صَلَابَتِهَا وَشِدَّتِهَا بِالْإِفْنَاءِ وَالْإِحَالَةِ، فَمَا يُعْجِزُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيمَا هُوَ دُونَهَا بِإِفْنَائِهِ وَإِحَالَتِهِ وَنَقْلِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ سُؤَالًا آخَرَ بِقَوْلِهِمْ: مَنْ يُعِيدُنَا إِذَا اسْتَحَالَتْ أَجْسَامُنَا وَفَنِيَتْ؟ فَأَجَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] وَهَذَا الْجَوَابُ نَظِيرُ جَوَابِ قَوْلِ السَّائِلِ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الْحُجَّةُ وَلَزِمَهُمْ حُكْمُهَا انْتَقَلُوا إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ يَتَعَلَّلُونَ بِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ الْمَقْطُوعُ بِالْحِجَاجِ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: ﴿مَتَى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] فَأَجِيبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا - يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥١ - ٥٢] . وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى - أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى - ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى - فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى - أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠] ؟ . فَاحْتَجَّ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْإِنْسَانَ مُهْمَلًا مُعَطَّلًا عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَإِنَّ حِكْمَتَهُ وَقُدْرَتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ نَقَلَهُ مِنْ نُطْفَةِ مَنِيٍّ وَمِنَ الْمَنِيِّ إِلَى الْعَلَقَةِ، ثُمَّ إِلَى الْمُضْغَةِ، ثُمَّ خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، وَرَكَّبَ فِيهِ الْحَوَاسَّ وَالْقُوَى وَالْعِظَامَ وَالْمَنَافِعَ، وَالْأَعْصَابَ وَالرِّبَاطَاتِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ، وَأَتْقَنَ خَلْقَهُ وَأَحْكَمَهُ غَايَةَ الْإِحْكَامِ، وَأَخْرَجَهُ عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ الَّتِي هِيَ أَشَمُّ الصُّوَرِ وَأَحْسَنُ الْأَشْكَالِ، كَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ إِعَادَتِهِ وَإِنْشَائِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً؟ أَمْ كَيْفَ تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ وَعِنَايَتُهُ أَنْ يَتْرُكَهُ سُدًى؟ فَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِحِكْمَتِهِ وَلَا تَعْجِزُ عَنْهُ قُدْرَتُهُ. فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْحِجَاجِ الْعَجِيبِ بِالْقَوْلِ الْوَجِيزِ، وَالْبَيَانِ الْجَلِيلِ الَّذِي لَا يُتَوَهَّمُ أَوْضَحُ مِنْهُ، وَمَأْخَذُهُ الْقَرِيبُ الَّذِي لَا تُقْطَعُ الظُّنُونُ عَلَى أَقْرَبَ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى النَّصَارَى مُبْطِلًا لِدَعْوَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الَّذِي

стр. 76

أَضَافَهُ مِنْ نَسَبِ الْوَلَدِ إِلَى اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالنَّصَارَى غَيْرُ سَائِغٍ فِي الْعُقُولِ إِذَا تَأَمَّلَهُ الْمُتَأَمِّلُ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا لَكَانَ يَصْطَفِي لِنَفْسِهِ، وَيَجْعَلَ هَذَا الْوَلَدَ الْمُتَّخَذَ مِنَ الْجَوْهَرِ الْأَعْلَى السَّمَاوِيِّ الْمَوْصُوفِ بِالْخُلُوصِ وَالنَّقَاءِ مِنْ عَوَارِضِ الْبَشَرِ، وَالْمَجْبُولِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالْبَقَاءِ، لَا مِنْ جَوَاهِرِ هَذَا الْعَالَمِ الْفَانِي الْكَثِيرِ الْأَدْنَاسِ وَالْأَوْسَاخِ وَالْأَقْذَارِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحِجَاجُ كَمَا تَرَى فِي هَذِهِ الْقُوَّةِ وَالْجَلَالَةِ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] . وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] ، وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ دَلِيلَيْنِ بِبُطْلَانِ إِلَهِيَّةَ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ: أَحَدُهُمَا: حَاجَتُهُمَا إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَضَعْفُ بِنْيَتِهِمَا عَنِ الْقِيَامِ بِنَفْسِهَا، بَلْ هِيَ مُحْتَاجَةٌ فِيمَا يُعِينُهُمَا إِلَى الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ إِلَهًا، إِذْ مِنْ لَوَازِمِ الْإِلَهِ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا. الثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ الطَّعَامَ يَكُونُ مِنْهُ مَا يَكُونُ مِنَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْفَضَلَاتِ الْقَذِرَةِ الَّتِي يُسْتَحَى مِنَ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِهَا، وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَبَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهَا بِلَازِمِهَا مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ الَّذِي يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنْهُ إِلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ هَذِهِ الْفَضْلَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّبِّ سُبْحَانَهُ أَنْ يَتَّخِذَ صَاحِبَةً وَوَلَدًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَلَوْ كَانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ أَوْ يُمْكِنُ لَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَلَا يَكُونُ مِنْهُ الْفَضَلَاتُ الْمُسْتَقْذَرَةُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٧ - ١٨] سُبْحَانَهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ الْبَنَاتِ بِأَنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَرْضَى بِالْبَنَاتِ، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى حَصَلَ لَهُ مِنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ السَّوَادُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ لَا يَرْضَى بِالْإِنَاثِ بَنَاتًا فَكَيْفَ تَجْعَلُونَهَا لِي؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] .

стр. 77

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ ضَعْفَ هَذَا الْجِنْسِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وَأَنَّهُ أَنْقَصُ الْجِنْسَيْنِ، وَلِهَذَا يَحْتَاجُ فِي كَمَالِهِ إِلَى الْحِلْيَةِ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْجِنْسَيْنِ بَيَانًا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] فَأَشَارَ بِنَشْأَتِهِنَّ فِي الْحِلْيَةِ إِلَى أَنَّهُنَّ نَاقِصَاتٌ فَيَحْتَجْنَ إِلَى الْحِلْيَةِ يَكْمُلْنَ بِهَا، وَأَنَّهُنَّ عَيِيَّاتٌ فَلَا يُبِنَّ حُجَّتَهُنَّ وَقْتَ الْخُصُومَةِ مَعَ أَنَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨] تَعْرِيضًا بِمَا وُضِعَتْ لَهُ الْحِلْيَةُ مِنَ التَّزَيُّنِ لِمَنْ يَفْتَرِشُهُنَّ وَيَطَأُهُنَّ، وَتَعْرِيضًا بِأَنَّهُنَّ لَا يَثْبُتْنَ فِي الْحَرْبِ، فَذَكَرَ الْحِلْيَةَ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ. وَمِنْ هَذَا مَا حَكَاهُ سُبْحَانَهُ مِنْ مُحَاجَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَوْمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ - وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٢] فَهَذَا الْكَلَامُ لَمْ يَخْرُجْ فِي ظَاهِرِهِ مَخْرَجَ كَلَامِ الْبَشَرِ الَّذِي يَتَكَلَّفُهُ أَهْلُ النَّظَرِ وَالْجِدَالِ وَالْمُقَايَسَةِ وَالْمُعَارَضَةِ، بَلْ خَرَجَ فِي صُورَةِ كَلَامٍ خَبَرِيٍّ يَشْتَمِلُ عَلَى مَبَادِئِ الْحِجَاجِ، وَيُشِيرُ إِلَى مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ وَنَتَائِجِهِ بِأَوْضَحِ عِبَارَةٍ وَأَفْصَحِهَا، وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِقَوْمِهِ مُتَعَجِّبًا مِمَّا دَعَوْهُ إِلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] وَتَطْمَعُونَ أَنْ تَسْتَزِلُّونِي عَنْ تَوْحِيدِهِ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي، وَتَأَكَّدَتْ بَصِيرَتِي وَاسْتَحْكَمَتْ مَعْرِفَتِي بِتَوْحِيدِهِ بِالْهِدَايَةِ الَّتِي رَزَقَنِيهَا، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ فِي اعْتِقَادِهِ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ عَنْ بَصِيرَةٍ لَا يُعَارِضُهُ فِيهَا رَيْبٌ فَلَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِزْلَالِهِ عَنْهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُحَاجَّةَ بَعْدَ وُضُوحِ الشَّيْءِ وَظُهُورِهِ نَوْعٌ مِنَ الْعَبَثِ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَاجَّةِ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَدْ رَآهَا مَنْ يُحَاجُّهُ بِعَيْنِهِ، فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ حِجَاجُكُمْ لَهُ أَنَّهَا لَمْ تَطْلُعْ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠] فَكَأَنَّهُ ﷺ يَذْكُرُ أَنَّهُمْ خَوَّفُوهُ آلِهَتَهُمْ أَنْ يَنَالَهُ مِنْهَا مَضَرَّةٌ كَمَا قَالَهُ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ أَصَابَنِي مَكْرُوهٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي

стр. 78

عَبَدْتُمُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُرْجَى أَوْ يُخَافُ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي أَصَابَنِي مِنْ قِبَلِ الْحَيِّ الْفَعَّالِ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. ثُمَّ ذَكَرَ سِعَةَ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، مِنْهَا عَلَى مَوْقِعِ احْتِرَازٍ لَطِيفٍ، وَهُوَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمًا فِي وَفِيكُمْ وَفِي هَذِهِ الْآلِهَةِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ عِلْمِي، فَإِذَا شَاءَ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَشَاؤُهُ، فَإِنَّهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُصِيبَنِي بِمَكْرُوهٍ لَا عِلْمَ لِي مِنْ أَيِّ جِهَةٍ أَتَانِي، فَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِمَا لَا أَعْلَمُهُ، وَهَذَا غَايَةُ التَّفْوِيضِ وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَأَسْبَابِ النَّجَاةِ، وَأَنَّهَا بِيَدِ اللَّهِ لَا بِيَدِي. وَهَكَذَا قَوْلُ شُعَيْبٍ ﷺ لِقَوْمِهِ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] فَرَدَّتِ الرُّسُلُ بِمَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ وَأَنَّهُ إِذَا شَاءَ فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَشَاؤُهُ وَلَا عِلْمَ لَنَا بِامْتِنَاعِهِ. ثُمَّ رَجَعَ الْخَلِيلُ إِلَيْهِمْ مُقَرِّرًا لِلْحُجَّةِ فَقَالَ: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨١] يَعْنِي فِي إِلَهِيَّتِهِ ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨١ - ٨٢] يَقُولُ لِقَوْمِهِ: كَيْفَ يَسُوغُ فِي عَقْلٍ أَنْ أَخَافَ مَا جَعَلْتُمُوهُ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي الْإِلَهِيَّةِ وَهِيَ لَيْسَتْ مَوْضِعَ نَفْعٍ وَلَا ضُرٍّ، وَأَنْتَمْ لَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ فِي الْإِلَهِيَّةِ أَشْيَاءَ لَمْ يُنَزِّلْ بِهَا حُجَّةً عَلَيْكُمْ، وَالَّذِي أَشْرَكَ بِخَالِقِهِ وَفَاطِرِهِ، فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ آلِهَةً لَا تَخْلُقُ شَيْئًا وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ، وَلَا تَمْلِكُ لِأَنْفُسِهَا وَلَا لِعَابِدِيهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَجَعَلَهَا نِدًّا لَهُ وَمِثْلًا فِي الْإِلَهِيَّةِ، أَحَقُّ بِالْخَوْفِ مِمَّنْ لَمْ يَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَحَّدَهُ وَأَفْرَدَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالْقَهْرِ وَالسُّلْطَانِ وَالْحَبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] فَحَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا بِأَحْسَنِ حُكْمٍ خَضَعَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَأَقَرَّتْ بِهِ الْفِطَرُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] .

стр. 79

فَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ وَعَجِيبَ مَوْقِعِهِ فِي قَطْعِ الْخُصُومِ، وَإِحَاطَتِهِ بِكُلِّ مَا وَجَبَ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَرُدَّ بِهِ مَا دَعَوْهُ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِطَاعِنٍ مَطْعَنٌ وَلَا سُؤَالٌ، وَلَمَّا كَانَتْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ عَظَّمَهَا بِإِضَافَتِهَا إِلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] وَكَفَى بِحُجَّةٍ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى مُلْقِيهَا لِخَلِيلِهِ أَنْ تَكُونَ قَاطِعَةً لِمَوَارِدِ الْعِنَادِ، وَقَامِعَةً لِأَهْلِ الشَّكِّ وَالْإِلْحَادِ. وَشَبِيهٌ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لَمَّا أَجَابَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ الْمُحَاجَّ لَهُ فِي اللَّهِ بِأَنَّ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ هُوَ اللَّهُ، أَخَذَ عَدُوُّ اللَّهِ فِي الْمُغَالَطَةِ وَالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِأَنَّهُ يَقْتُلُ مَنْ يُرِيدُ وَيَسْتَبْقِي مَنْ يُرِيدُ، فَقَدْ أَحْيَا هَذَا وَأَمَاتَ هَذَا، فَأَلْزَمَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَى طَرْدِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي حَرَكَةِ الشَّمْسِ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي يَأْتِي اللَّهُ مِنْهَا بِزَعْمِهِ، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ يُسَاوِي اللَّهَ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيَتَصَرَّفْ فِي الشَّمْسِ تَصَرُّفًا تَصِحُّ بِهِ دَعَوَاهُ، وَلَيْسَ هَذَا انْتِقَالًا مِنْ حُجَّةٍ إِلَى حُجَّةٍ أَوْضَحَ مِنْهَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُ النُّظَّارِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِلْزَامٌ لِلْمُدَّعِي فِي طَرْدِ حُجَّتِهِ إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً. وَمِنْ ذَلِكَ احْتِجَاجُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى إِثْبَاتِ عِلْمِهِ بِالْجِهَاتِ كُلِّهَا بِأَحْسَنِ دَلِيلٍ وَأَوْضَحِهِ وَأَصَحِّهِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] ثُمَّ قَرَّرَ عِلْمَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ التَّقْرِيرِ، فَإِنَّ الْخَالِقَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ مَخْلُوقَهُ، وَإِذَا كُنْتُمْ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ خَالِقُكُمْ وَخَالِقُ صُدُورِكُمْ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ، فَكَيْفَ تَخْتَفِي عَلَيْهِ وَهِيَ خَلْقُهُ؟ وَهَذَا التَّقْرِيرُ مِمَّا يَصْعُبُ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ فَهْمُهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ عِنْدَهُمْ مَا فِي الصُّدُورِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ عَلَى أُصُولِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى عِلْمِهِ بِهَا، وَلِهَذَا طَرَدَ غُلَاةُ الْقَوْمِ ذَلِكَ وَنَفَوْا عِلْمَهُ، فَكَفَّرَهُمُ السَّلَفُ قَاطِبَةً، وَهَذَا التَّقْرِيرُ مِنَ الْآيَةِ صَحِيحٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، أَعْنِي تَقْدِيرَ أَنْ يَكُونَ (مَنْ) فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، أَوْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ،

стр. 80

عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ: أَلَا يَعْلَمُ الرَّبُّ مَخْلُوقَهُ وَمَصْنُوعَهُ؟ ثُمَّ خَتَمَ الْحُجَّةَ بِاسْمَيْنِ مُقْتَضِيَيْنِ لِثُبُوتِهَا وَهُمَا: اللَّطِيفُ الَّذِي لَطُفَ صُنْعُهُ وَحِكْمَتُهُ وَدَقَّ حَتَّى عَجَزَتْ عَنْهُ الْأَفْهَامُ، وَالْخَبِيرُ الَّذِي انْتَهَى عِلْمُهُ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِبَوَاطِنِ الْأَشْيَاءِ وَخَفَايَاهَا كَمَا أَحَاطَ بِظَوَاهِرِهَا، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ مَا تُخْفِيهِ الضَّمَائِرُ وَتُجِنُّهُ الصُّدُورُ. وَمِنْ هَذَا احْتِجَاجُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦] فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّرْدِيدَ وَالْحَصْرَ الْمُتَضَمِّنَ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ بِأَقْرَبِ طَرِيقٍ وَأَوْضَحِ عِبَارَةٍ. يَقُولُ تَعَالَى: هَؤُلَاءِ مَخْلُوقُونَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا، فَهَلْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ خَلَقَهُمْ؟ فَهَذَا مِنَ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْمُسْتَحِيلِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ خَالِقًا لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ وَتَعَاطِيهِ أَسْبَابَ الْحَيَاةِ سَاعَةً وَاحِدَةً، كَيْفَ يَكُونُ خَالِقًا لِنَفْسِهِ؟ وَإِذَا بَطَلَ الْقِسْمَانِ تَبَيَّنَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ، فَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِمِ الْعِبَادَةَ وَالشُّكْرَ، فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ إِلَهًا غَيْرَهُ وَهُوَ وَحْدَهُ الْخَالِقُ لَهُمْ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] مِنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ؟ قِيلَ: أَحْسَنُ مَوْقِعٍ، فَإِنَّهُ بَيَّنَ بِالْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا فَاطِرًا، وَبَيَّنَ بِالْقِسْمِ الثَّالِثِ أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ وُجِدُوا وَخُلِقُوا فَهُمْ عَاجِزُونَ غَيْرُ خَالِقِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَخْلُقُوا نُفُوسَهُمْ وَلَمْ يَخْلُقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ الْمَسْكَنِ وَالسَّاكِنِ. وَمِنْ هَذَا مَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ مُحَاجَّةِ صَاحِبِ يس لِقَوْمِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ - اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢١] فَنَبَّهَ عَلَى وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَتْبُوعِ رَسُولًا لِمَنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَالِفَ وَلَا يَعْصَى، وَأَنَّهُ عَلَى هِدَايَةٍ، وَنَبَّهَ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ عَدَمُ سُؤَالِ الْأَجْرِ فَلَا يُرِيدُ مِنْكُمْ دُنْيَا وَلَا رِئَاسَةً، فَمُوجِبُ الِاتِّبَاعِ كَوْنُهُ مُهْتَدِيًا وَالْمَانِعُ مِنْهُ مُنْتَفٍ، وَهُوَ طَلَبُ الْعُلُوِّ وَالْفَسَادِ وَطَلَبُ الْأَجْرِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] أَخْرَجَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِي مَعْرِضِ الْمُخَاطَبَةِ لِنَفْسِهِ تَأْلِيفًا لَهُمْ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ عِبَادَةَ الْعَبْدِ لِمَنْ فَطَرَهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ فِي الْعُقُولِ،

стр. 81

فَإِنَّ خَلْقَهُ لِعَبْدِهِ أَصْلُ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِ، وَأَنْعَامُهُ كُلُّهَا تَابِعَةٌ لِإِيجَادِهِ وَخَلْقِهِ، وَقَدْ جَبَلَ اللَّهُ الْعُقُولَ وَالْفِطَرَ وَالشَّرَائِعَ عَلَى شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَمَحَبَّةِ الْمُحْسِنِ. وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا يَقُولُهُ نُفَاةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَفْسَدِ الْأَحْوَالِ وَأَبْطَلِهَا فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ وَالشَّرَائِعِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُخَوِّفًا تَخْوِيفَ النَّاصِحِ فَقَالَ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْآلِهَةِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ فَقَالَ: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣] فَإِنَّ الْعَبْدَ يُرِيدُ مِنْ مَعْبُودِهِ أَنْ يَنْفَعَهُ وَقْتَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ إِذَا أَرَادَنِي الرَّحْمَنُ الَّذِي فَطَرَنِي بِضُرٍّ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْآلِهَةِ مِنَ الْقُدْرَةِ مَا يُنْقِذُونِي بِهَا مِنْ ذَلِكَ الضُّرِّ، وَلَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَكَانَةِ عِنْدَهُ مَا يَشْفَعُ لِي إِلَيْهِ، وَلَا يُخَلِّصُ مِنْ ذَلِكَ الضُّرِّ، فَبِأَيِّ وِجْهَةٍ تَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ؟ ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٤] إِنْ عَبَدْتُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ حِجَاجِ الْقُرْآنِ يَسِيرٌ مِنْ كَثِيرٍ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ وَالْبَرَاهِينَ الْقَطْعِيَّةَ الَّتِي لَا مَطْمَعَ فِي التَّشْكِيكِ فِيهَا أَوِ الْأَسْئِلَةِ عَلَيْهَا إِلَّا لِمُعَانِدٍ مُكَابِرٍ، وَالْمُتَأَوِّلُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى مُبْطِلٍ حُجَّةً نَقْلِيَّةً وَلَا عَقْلِيَّةً، أَمَّا النَّقْلُ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ صَرِيحِهِ وَمُوجِبِهِ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي قَادَتْهُ إِلَى تَأْوِيلِ النُّصُوصِ وَإِخْرَاجِهَا عَنْ ظَوَاهِرِهَا وَحَقَائِقِهَا، فَصَارَتْ تِلْكَ الْقَوَاعِدُ الْبَاطِلَةُ حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ، فَإِذَا احْتَجَّ عَلَى خَصْمِهِ بِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ نَازَعَهُ خَصْمُهُ فِي مُقَدِّمَتِهَا بِمَا سَلَّمَ لَهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي تُخَالِفُهَا. [موافقة صريح العقل لصحيح النقل] فَالْمَقْصُودُ الصَّرِيحُ هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، فَإِذَا أَبْطَلَهُ بِالتَّأْوِيلِ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ صَحِيحٌ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى خَصْمِهِ كَمَا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَنْقُولٌ صَرِيحٌ، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ الْمَنْقُولَ لِلتَّأْوِيلِ، وَالْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ خَرَجَ عَنْهُ بِالَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ مَعْقُولٌ. وَمِثَالُ هَذَا أَنَّ الْعَقْلَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا يَكْذِبُ وَلَا يَغْلَطُ قَدْ حَكَمَ حُكْمًا لَا يَقْبَلُ الْغَلَطَ أَنَّ كُلَّ ذَاتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبَايِنَةً لِلْأُخْرَى أَوْ مُحَايِثَةً لَهَا، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الذَّاتُ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، وَإِحْدَاهُمَا لَيْسَتْ فَوْقَ الْأُخْرَى، وَلَا تَحْتَهَا، وَلَا عَنْ يَمِينِهَا وَلَا عَنْ يَسَارِهَا وَلَا مُحَايِثَةً وَلَا دَاخِلَةً فِيهَا وَلَا خَارِجَةً عَنْهَا، فَإِذَا خُولِفَ مُقْتَضَى هَذَا الْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ وَدُفِعَ مُوجِبُهُ، فَأَيُّ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ احْتَجَّ بِهِ الْمُخَالِفُ بَعْدَ هَذَا عَلَى مُبْطِلٍ أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ هُوَ بِهِ حُكْمُ هَذَا الْعَقْلِ.

стр. 82

الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْقَاطِعَةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى صِدْقِهِ أَبْيَنُ وَأَظْهَرُ مِنْ دِلَالَةِ الشُّبَهِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى نَقِيضِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُقَلَاءِ، وَلَا يَسْتَرِيبُ فِي ذَلِكَ إِلَّا مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ وَفِطْرَتِهِ، فَأَيْنَ الشُّبَهُ النَّافِيَةُ لِعُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَتَكَلُّمِهِ بِمَشِيئَتِهِ، وَتَكْلِيمِهِ لِخَلْقِهِ، وَلِصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَلِرُؤْيَتِهِ بِالْأَبْصَارِ فِي الْآخِرَةِ وَلِقِيَامِ أَفْعَالِهِ بِهِ، إِلَى بَرَاهِينِ نُبُوَّتِهِ الَّتِي زَادَتْ عَلَى الْأَلْفِ وَتَنَوَّعَتْ كُلَّ التَّنَوُّعِ، فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ بِالشُّبَهِ الْخَالِيَةِ الْمُتَنَاقِضَةِ؟ وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِنْسِ الشُّبَهِ الَّتِي أَوْرَدُوهَا فِي التَّشْكِيكِ فِي الْحِسِّيَّاتِ وَالْبَدَهِيَّاتِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ عَجَزَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ حَلِّهَا فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا قَدْحٌ فِيمَا عَلِمُوهُ بِالْحِسِّ وَالِاضْطِرَارِ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى حَلِّهَا وَإِلَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ حَزْمُهُ بِمَا عَلِمَهُ بِحِسِّهِ وَاضْطِرَارِهِ عَلَى حَلِّهَا. وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي الشُّبَهِ الَّتِي عَارَضَتْ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ سَوَاءٌ، فَإِنَّ الْمُصَدِّقَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَقْدَحُ فِي صِدْقِهِ وَلَا فِي الْإِيمَانِ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حَلِّهَا فَإِنَّ تَصْدِيقَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ضَرُورِيٌّ، وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ عِنْدَهُ لَا تُزِيلُ مَا عَلِمَهُ بِالضَّرُورَةِ، فَكَيْفَ إِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ؟ يُوَضِّحُهُ: الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: وَهُوَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَيَّنَ مُرَادَهُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَكْثَرَ مِمَّا تَبَيَّنَ لَنَا كَثِيرٌ مِنْ دَقَائِقِ الْمَعْقُولَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَمَعْرِفَتُنَا بِمُرَادِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ كَلَامِهِ فَوْقَ مَعْرِفَتِنَا بِتِلْكَ الدَّقَائِقِ إِذَا كَانَتْ صَحِيحَةَ الْمُقَدِّمَاتِ فِي نَفْسِهَا صَادِقَةَ النَّتِيجَةِ غَيْرَ كَاذِبَةٍ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ; فَتِلْكَ الَّتِي تُسَمَّى مَعْقُولَاتٍ قَدْ تَكُونُ خَطَأً وَلَكِنْ لَمْ يُتَفَطَّنْ لِخَطَئِهَا، وَأَمَّا كَلَامُ الْمَعْصُومِ ﷺ فَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ عَلَى صِدْقِهِ، وَلَكِنْ قَدْ يَحْصُلُ الْغَلَطُ فِي فَهْمِهِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، فَيَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ مَا فُهِمَ مِنَ النَّقْلِ وَبَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ صَرِيحُ الْعَقْلِ، فَهَذَا لَا يُدْفَعُ، وَلَكِنْ إِذَا تَأَمَّلَهُ مَنْ وَهَبَهُ اللَّهُ حُسْنَ الْقَصْدِ وَصِحَّةَ التَّصَوُّرِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ وَاقِعَةٌ بَيْنَ مَا فَهِمَهُ النُّفَاةُ مِنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَأَنَّهَا غَيْرُ وَاقِعَةٍ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ وَبَيْنَ الْعَقْلِ. وَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ هَذَا فَلْيُوَازِنْ بَيْنَ مَدْلُولِ النُّصُوصِ وَبَيْنَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ مُطَابَقَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، ثُمَّ يُوَازِنُ بَيْنَ أَقْوَالِ النُّفَاةِ وَبَيْنَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنَّ النُّفَاةَ أَخْطَأُوا خَطَأَيْنِ: خَطَأٌ عَلَى السَّمْعِ، فَإِنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْهُ خِلَافَ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمَ، وَخَطَأٌ عَلَى الْعَقْلِ بِخُرُوجِهِمْ عَنْ حُكْمِهِ.

стр. 83

الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الْمُعَارِضِينَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ قَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ الْعِلْمَ بِانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ مُطْلَقًا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، إِذْ مَا مِنْ مُعَارِضٍ نَفْسَهُ إِلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ، وَهَذَا مِمَّا اعْتَمَدَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْعُقُولِ وَجَعَلَ السَّمْعِيَّاتِ لَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْعِلْمِ بِحَالٍ، وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّا لَا نَعْلَمُ ثُبُوتَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَتَّى نَعْلَمَ انْتِفَاءَ مَا يُعَارِضُهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَلَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِالْمَعَارِضِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَفْسَدُ أَقْوَالِ الْعَالَمِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ، وَلَيْسَ فِي عَزْلِ الْوَحْيِ عَنْ رُتْبَتِهِ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا. الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ لَهُ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بِالْبَلَاغِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَقَالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] وَشَهِدَ لَهُ أَعْقَلُ الْخَلْقِ وَأَعْلَمُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، فَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي أَعْظَمِ مَجْمَعٍ وَأَفْضَلِهِ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي عَرَفَاتٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " «إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَرَفَعَ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ مُسْتَشْهِدًا بِرَبِّهِ الَّذِي فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اشْهَدْ» " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ وَتَيَقَّنُوا مَا أُرْسِلَ بِهِ وَحَصَلَ لَهُمْ مِنْهُ الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ، لَمْ يَكُنْ قَدْ حَصَلَ مِنْهُ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وَلَمَّا رُفِعَ عَنْهُ اللَّوْمُ، وَغَايَةُ مَا عِنْدَ النُّفَاةِ أَنَّهُ يُفْهِمُهُمْ أَلْفَاظًا لَا تُفِيدُهُمْ عِلْمًا وَلَا يَقِينًا، وَأَحَالَهُمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ عَلَى عُقُولِهِمْ وَفِطَرَهِمْ وَآرَائِهِمْ، لَا عَلَى مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، هَذَا مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِالضَّرُورَةِ. الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ عَقْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْمَلُ عُقُولِ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى

стр. 84

الْإِطْلَاقِ فَلَوْ وُزِنَ عَقْلُهُ بِعُقُولِهِمْ لَرَجَحَهَا، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ قَبْلَ الْوَحْيِ لَمْ يَكُنْ يَدْرِي مَا الْإِيمَانُ، كَمَا لَمْ يَكُنْ يَدْرِي مَا الْكِتَابُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى - وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى - وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨] وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ الشُّورَى، فَإِذَا كَانَ أَعْقَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ الْهُدَى بِالْوَحْيِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠] فَكَيْفَ يَحْصُلُ لِسُفَهَاءِ الْعُقُولِ وَأَخِفَّاءِ الْأَحْلَامِ الِاهْتِدَاءُ إِلَى حَقَائِقِ الْإِيمَانِ بِمُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ دُونَ نُصُوصِ الْوَحْيِ، حَتَّى اهْتَدَوْا بِتِلْكَ الْهِدَايَةِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٨٩ - ٩٠] . الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ بِكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ فَقَدْ أُنْذِرَ بِهِ وَقَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ اللَّهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ - وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨ - ١٠] فَلَوْ كَانَ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ وَالْعِلْمَ، وَالْعَقْلُ مُعَارِضٌ لَهُ، فَأَيُّ حُجَّةٍ تَكُونُ قَدْ قَامَتْ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ بِالْكِتَابِ وَالرُّسُلِ، وَهَلْ هَذَا الْقَوْلُ إِلَّا مُنَاقِضٌ لِإِقَامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ بِكِتَابِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؟ الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ لِعِبَادِهِ بِأَنَّهُ يُبَيِّنُ لَهُمْ غَايَةَ الْبَيَانِ، وَأَمَرَ رَسُولَهُ بِالْبَيَانِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ، وَلِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ

стр. 85

الْبَيَانُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ) فَهَذَا الْبَيَانُ الَّذِي تَكَفَّلَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَأُمِرَ بِهِ رَسُولَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ اللَّفْظِ وَحْدَهُ، أَوِ الْمَعْنَى وَحْدَهُ، أَوِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانَ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، فَإِنَّ هَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ، وَبَيَانُ الْمَعْنَى وَحْدَهُ بِدُونِ دَلِيلِهِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ، مُمْتَنِعٌ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، فَكَمَا نَقْطَعُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَيَّنَ اللَّفْظَ فَكَذَلِكَ نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ بَيَّنَ الْمَعْنَى، بَلْ كَانَتْ عِنَايَتُهُ بِبَيَانِ الْمَعْنَى أَشَدَّ مِنْ عِنَايَتِهِ بِبَيَانِ اللَّفْظِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي، فَإِنَّ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ، وَأَمَّا اللَّفْظُ فَوَسِيلَةٌ إِلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ عِنَايَتُهُ بِالْوَسِيلَةِ أَهَمَّ مِنْ عِنَايَتِهِ بِالْمَقْصُودِ، وَكَيْفَ يُتَيَقَّنُ بَيَانُهُ لِلْوَسِيلَةِ وَلَا يُتَيَقَّنُ بَيَانُهُ لِلْمَقْصُودِ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ؟ فَإِنْ جَازَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُبَيِّنَ الْمُرَادَ مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ جَازَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُبَيِّنَ بَعْضَ أَلْفَاظِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهَا خِلَافَ حَقَائِقِهَا وَظَوَاهِرِهَا دُونَ مَدْلُولَاتِهَا، وَقَدْ كَتَمَهُ عَنِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَهَا، كَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي رِسَالَتِهِ وَعِصْمَتِهِ، وَفَتْحًا لِلزَّنَادِقَةِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ بَابَ كِتْمَانِ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهَذَا مُنَافٍ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرِسَالَتِهِ، يُوَضِّحُهُ: الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ: إِنَّهَا تُفِيدُ ظَنًّا أَوْ لَا تُفِيدُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا، فَإِنْ قَالَ: لَا تُفِيدُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا فَهُوَ مَعَ مُكَابَرَتِهِ لِلْعَقْلِ وَالسَّمْعِ وَالْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كُفْرًا وَإِلْحَادًا، وَإِنْ قَالَ: بَلْ تُفِيدُ ظَنًّا غَالِبًا وَإِنْ لَمْ تُفِدْ يَقِينًا، قِيلَ لَهُ: فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ذَمَّ الظَّنَّ الْمُجَرَّدَ وَأَهْلَهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] فَأَخْبَرَ أَنَّ الظَّنَّ لَا يُوَافِقُ الْحَقَّ وَلَا يُطَابِقُهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] وَقَالَ أَهْلُ النَّارِ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] فَلَوْ كَانَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَحْوَالِ الْأُمَمِ وَعُقُوبَاتِهِمْ، لَا تُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا لَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ إِنْ يَظُنُّونَ إِلَّا ظَنًّا وَمَا هُمْ بِمُسْتَيْقِنِينَ، وَلَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] خَبَرًا غَيْرَ مُطَابِقٍ، فَإِنَّ عِلْمَهُمْ بِالْآخِرَةِ إِنَّمَا اسْتَفَادُوهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ، لَا سِيَّمَا وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْمَعَادَ إِنَّمَا عُلِمَ بِالنَّقْلِ، فَإِذَا

стр. 86

كَانَ النَّقْلُ لَا يُفِيدُ يَقِينًا لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يُوقِنُ بِالْآخِرَةِ، إِذِ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِيهَا، وَكَفَى بِهَذَا بُطْلَانًا وَفَسَادًا. وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَكْتَفِ مِنْ عِبَادِهِ بِالظَّنِّ بَلْ أَمَرَهُمْ بِالْعِلْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وَقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] وَقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وَنَظَائِرُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ اتِّبَاعُ الظَّنِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِلْحَاجَةِ، كَحَادِثَةٍ يَخْفَى عَلَى الْمُجْتَهِدِ حُكْمُهَا، أَوْ فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ كَتَقْوِيمِ السِّلَعِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْهُ بَلْ ظَنَّهُ ظَنًّا، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَلَوْ كَانَتِ الْأَدِلَّةُ اللَّفْظِيَّةُ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ لَكَانَ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَمْ يَتَيَقَّنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ. الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: قَوْلُهُ: إِنَّ الْعِلْمَ بِمَدْلُولِ الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى نَقْلِ اللُّغَةِ، كَلَامٌ ظَاهِرُ الْبَطَلَانِ، فَإِنَّ دِلَالَةَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا مِنْ جِنْسِ دِلَالَةِ لُغَةِ كُلِّ قَوْمٍ عَلَى مَا يَعْرِفُونَهُ وَيَعْتَادُونَهُ مِنْ تِلْكَ اللُّغَةِ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْعَرَبِ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِمَدْلُولِ أَلْفَاظِهِمْ عَلَى كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي وَقَعَ بَيْنَهُمْ بِهَا التَّخَاطُبُ، وَلِهَذَا لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ رَسُولًا إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ، فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ خِطَابِهِ لَهُمْ، فَدِلَالَةُ اللَّفْظِ هِيَ الْعِلْمُ بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ. وَيُرَادُ بِالدِّلَالَةِ أَمْرَانِ: فِعْلُ الدَّالِّ، وَكَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ يُفْهِمُ مَعْنًى، وَلِهَذَا يَقُولُ دَلَّهُ بِكَلَامِهِ دِلَالَةً، وَدَلَّ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا دِلَالَةً، فَالْمُتَكَلِّمُ دَالٌّ بِكَلَامِهِ، وَكَلَامُهُ دَالٌّ بِنِظَامِهِ، وَذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْ عَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي أَلْفَاظِهِ، فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهُ أَنَّهُ يَعْنِي بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى، عَلِمْنَا مَتَى خَاطَبَنَا بِهِ أَنَّهُ أَرَادَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ مَبْنَاهَا عَلَى عَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ الَّتِي يَقْصِدُهَا بِأَلْفَاظِهِ، وَكَذَا عَلَى مُرَادِهِ بِلُغَتِهِ الَّتِي عَادَتُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا، فَإِذَا عَرَفَ السَّامِعُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَعَرَفَ أَنَّ عَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ إِذَا تَكَلَّمَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ أَنْ يَقْصِدَهُ، عَلِمَ أَنَّهُ مُرَادُهُ قَطْعًا، وَإِلَّا لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُ مُتَكَلِّمٍ أَبَدًا، وَهُوَ مُحَالٌ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ إِفْهَامَ الْمُخَاطَبِينَ كَلَامَهُ وَعَلِمَ الْمُخَاطَبُ السَّامِعُ الْيَقِينَ بِمُرَادِهِ، وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ، وَلَوْ تَخَلَّفَ عَنْهُ الْعِلْمُ لَكَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي أَحَدِ

стр. 87

الْعِلْمَيْنِ، إِمَّا قَادِحًا فِي عِلْمِهِ فِي مَوْضُوعِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَإِمَّا فِي عِلْمِهِ بِعِبَارَةِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَصِفَاتِهِ وَقَصْدِهِ، فَمَتَى عَرَفَ مَوْضُوعَهُ عَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ أَفَادَهُ ذَلِكَ الْقَطْعُ، يُوَضِّحُهُ: التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ السَّامِعَ مَتَى سَمِعَ الْمُتَكَلِّمَ يَقُولُ: لَبِسْتُ ثَوْبًا، وَرَكِبْتُ فَرَسًا، وَأَكَلْتُ لَحْمًا، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَدْلُولِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِ، وَعَالِمٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَقْصِدُ بِقَوْلِهِ: لَبِسْتُ ثَوْبًا مَعْنَى ذَبَحْتُ شَاةً، وَلَا مِنْ قَوْلِهِ: رَكِبْتُ فَرَسًا مَعْنَى لَبِسْتُ ثَوْبًا، عَلِمَ مُرَادَهُ قَطْعًا، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ قَصْدَ خِلَافِ ذَلِكَ عُدَّ مُلَبِّسًا مُدَلِّسًا لَا مُبَيِّنًا مُفْهِمًا، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَعْظَمَ اسْتِحَالَةٍ وَإِنْ جَازَ عَلَى أَهْلِ التَّخَاطُبِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. فَإِذًا إِفَادَةُ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْيَقِينَ فَوْقَ اسْتِفَادَةِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ، وَهَذَا أَدَلُّ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ دَلَالَةِ كَلَامِ غَيْرِهِ عَلَى مُرَادِهِ، وَكُلَّمَا كَانَ السَّامِعُ أَعْرَفُ بِالْمُتَكَلِّمِ وَقَصْدِهِ وَبَيَانِهِ وَعَادَتِهِ، كَانَتِ اسْتِفَادَتُهُ لِلْعِلْمِ بِمُرَادِهِ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ. الْخَمْسُونَ: أَنَّ قَوْلَهُ: " إِنَّ فَهْمَ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى نَقْلِ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ " جَوَابُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نُقِلَ إِعْرَابُهُ كَمَا نُقِلَتْ أَلْفَاظُهُ وَمَعَانِيهِ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَأَلْفَاظُهُ مُتَوَافِرَةٌ وَإِعْرَابُهُ مُتَوَاتِرٌ، وَنَقْلُ مَعَانِيهِ أَظْهَرُ مِنْ نَقْلِ أَلْفَاظِهِ وَإِعْرَابِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَنَقْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ أَصَحُّ مِنْ نَقْلِ كُلِّ لُغَةٍ نَقَلَهَا نَاقِلٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَوَاعِدُ الْإِعْرَابِ وَالتَّصْرِيفِ الصَّحِيحَةُ مُسْتَفَادَةٌ مِنْهُ، مَأْخُوذَةٌ عَنْ إِعْرَابِهِ وَتَصْرِيفِهِ، وَهُوَ الشَّاهِدُ عَلَى صِحَّةِ غَيْرِهَا مِمَّا يُحْتَجُّ لَهُ بِهَا، فَهُوَ الْحُجَّةُ لَهَا وَالشَّاهِدُ، وَشَوَاهِدُ الْإِعْرَابِ وَالْمَعَانِي مِنْهُ أَقْوَى وَأَصَحُّ مِنَ الشَّوَاهِدِ مِنْ غَيْرِهِ، حَتَّى إِنَّ فِيهِ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِعْرَابِ وَقَوَاعِدِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ ضَوَابِطُ النُّحَاةِ وَأَهْلِ عِلْمِ الْمَعَانِي، فَبَطَلَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ تَتَوَقَّفُ دَلَالَتُهَا عَلَى عِصْمَةِ رُوَاةِ مُفْرَدَاتِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، يُوَضِّحُهُ: الْحَادِيُ وَالْخَمْسُونَ: هَبْ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِ ذَلِكَ، لَكِنَّ عَامَّةَ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ مَنْقُولٌ مَعْنَاهَا وَإِعْرَابُهَا بِالتَّوَاتُرِ، لَا يَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهِ إِلَى نَقْلٍ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْخَلِيلِ، وَسِيبَوَيْهِ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَأَبَى عُبَيْدَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَالْفَرَّاءِ، حَتَّى الْأَلْفَاظُ الْغَرِيبَةُ فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ " ابْتُلُوا " وَ " ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢] " وَ " ﴿عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] " وَنَحْوَهَا، مَعَانِيهَا

стр. 88

مَنْقُولَةٌ فِي اللُّغَةِ بِالتَّوَاتُرِ لَا يَخْتَصُّ بِنَقْلِهَا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ، فَلَمْ تَتَوَقَّفْ دَلَالَتُهَا عَلَى عِصْمَةِ رُوَاةِ مَعَانِيهَا، فَكَيْفَ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّهِيرَةِ كَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَاللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، وَالْبَرِّ، وَالْبَحْرِ، وَالْجِبَالِ، فَهَذِهِ الدَّعْوَى بَاطِلَةٌ فِي الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ وَالشَّهِيرَةِ، يُوَضِّحُهُ: الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَانُونِ قَالُوا: أَظْهَرُ الْأَلْفَاظِ لَفْظُ (اللَّهُ) وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ أَعْظَمَ اخْتِلَافٍ، هَلْ هُوَ مُشْتَقٌّ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّأْلِيهِ أَوْ مِنَ الْوَلَهِ أَوْ مِنْ لَاهٍ إِذَا احْتَجَبَ، وَكَذَلِكَ اسْمُ الصَّلَاةِ وَفِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا فِيهِ، هَلْ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّعَاءِ أَوْ مِنَ الِاتِّبَاعِ، أَوْ مِنْ تَحْرِيكِ الصَّلَوَيْنِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي أَظْهَرِ الْأَسْمَاءَ فَمَا الظَّنُّ بِغَيْرِهِ. فَتَأَمَّلْ هَذَا الْوَهْمَ وَالْإِيهَامَ وَاللَّبْسَ وَالتَّلْبِيسَ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ عُلَمَائِهِمْ وَجُهَلَائِهِمْ، وَمَنْ يَعْرِفُ الِاشْتِقَاقَ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَعَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ (اللَّهَ) اسْمٌ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ، فَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يُرَادُ بِهِ هَذَا الْمُسَمَّى، وَهُوَ أَظْهَرُ عِنْدَهُمْ وَأَعْرَفُ وَأَشْهَرُ مِنْ كُلِّ اسْمٍ وُضِعَ لِكُلِّ مُسَمًّى، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ مُتَنَازِعِينَ فِي اشْتِقَاقِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنِزَاعٍ مِنْهُمْ فِي مَعْنَاهُ. وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي مَعْنَاهَا الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهَا، وَلَيْسَ هَذَا نِزَاعًا فِي وَجْهِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] يُقَدِّرُهُ الْبَصْرِيُّونَ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، وَالْكُوفِيُّونَ لِئَلَّا تَضِلُّوا، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي التَّنَازُعِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ نِزَاعٌ فِي وَجْهِ دِلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى ذَاتِ الْمَعْنَى، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ إِفَادَتِهِ السَّامِعَ الْيَقِينَ بِمُسَمَّاهُ. الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْوُجُوهُ الْعَشَرَةُ مَدَارُهَا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ يَحْتَمِلُ أَزْيَدَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَا يُقْطَعُ بِإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ. فَنَقُولُ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يُشَرِّعُوا لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يُرِيدُ بِهِ خِلَافَ

стр. 89

ظَاهِرِهِ إِلَّا مَعَ قَرِينَةٍ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ، وَالْمَجَازُ إِنَّمَا يَدُلُّ مَعَ الْقَرِينَةِ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهَا تَدُلُّ مَعَ التَّجَرُّدِ، وَكَذَلِكَ الْحَذْفُ وَالْإِضْمَارُ لَا يَجُوزُ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ التَّخْصِيصُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَهُ إِلَّا مَعَ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلَا يُسَوِّغُ الْعُقَلَاءُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: جَاءَنِي زَيْدٌ، وَهُوَ يُرِيدُ ابْنَ زَيْدٍ إِلَّا مَعَ قَرِينَةٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، ﴿وَالْعِيرَ﴾ [يوسف: ٨٢] عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْقَرْيَةُ وَالْعِيرُ لَا يُسْأَلَانِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ أَهْلَهَا، وَمَنْ جَعَلَ الْقَرْيَةَ لِلسُّكَّانِ وَالْمَسْكَنِ، وَالْعِيرَ اسْمًا لِلرُّكْبَانِ وَالْمَرْكُوبِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ لَا تَجُوزُ مَعَ تَجْرِيدِ الْكَلَامِ عَنِ الْقَرَائِنِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْمُرَادِ، فَحَيْثُ تَجَرَّدَ عِلْمَنَا قَطَعْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ تَكُونُ الْقَرَائِنُ مَوْجُودَةً وَلَا عِلْمَ لَنَا بِهَا ; لِأَنَّ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَفْظِيًّا كَمُخَصَّصَاتِ الْأَعْدَادِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَعْنَوِيًّا كَالْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالنَّوْعَانِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا ظَاهِرَيْنِ لِلْمُخَاطَبِ لِيَفْهَمَ مَعَ تِلْكَ الْقَرَائِنِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِذَا تَجَرَّدَ الْكَلَامُ عَنِ الْقَرَائِنِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْمُرَادَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ، وَإِذَا اقْتَرَنَا بِتِلْكَ الْقَرَائِنِ فُهِمَ مَعْنَاهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ، فَلَمْ يَقَعْ لَبْسٌ فِي الْكَلَامِ الْمُجَرَّدِ وَلَا فِي الْكَلَامِ الْمُقَيَّدِ، إِذْ كُلٌّ مِنَ النَّوْعَيْنِ مُفْهِمٌ لِمَعْنَاهُ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَتِ اللُّغَةُ وَالشَّرْعُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُجَرَّدَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ مَعَ احْتِمَالِ مَجَازٍ أَوِ اشْتِرَاكٍ أَوْ حَذْفٍ أَوْ إِضْمَارٍ وَنَحْوِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ مَعَ الْقَرِينَةِ، أَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَلَا، وَالْمُرَادُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، يُوَضِّحُهُ: الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ غَايَةَ مَا يُقَالُ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظًا اسْتُعْمِلَتْ فِي مَعَانٍ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهَا، وَهِيَ الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالِاعْتِكَافِ وَنَحْوِهَا، وَالْأَسْمَاءُ الدِّينِيَّةُ كَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَنَحْوِهَا، وَأَسْمَاءٌ مُجْمَلَةٌ لَمْ يُرَدْ ظَاهِرُهَا كَالسَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ وَالزَّانِي وَالزَّانِيَةِ وَنَحْوِهَا، وَأَسْمَاءٌ مُشْتَرَكَةٌ كَالْقِرْءِ وَعَسْعَسَ وَنَحْوِهَا، فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ بِالْمُرَادِ مِنْهَا. فَيُقَالُ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ جَارِيَةٌ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ بَيَانُهُ مَعَهُ، فَهُوَ مَعَ

стр. 90

بَيَانِهِ يُفِيدُ الْيَقِينَ بِالْمُرَادِ مِنْهُ، وَنَوْعٌ بَيَانُهُ فِي آيَاتٍ أُخْرَى، فَيُسْتَفَادُ الْيَقِينُ مِنْ مَجْمُوعِ الْآيَتَيْنِ، وَنَوْعٌ بَيَانُهُ مُوكَلٌ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، فَيُسْتَفَادُ الْيَقِينُ مِنَ الْمُرَادِ مِنْهُ بِبَيَانِ الرَّسُولِ ﷺ وَلَمْ نَقُلْ نَحْنُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ: إِنَّ كُلَّ لَفْظٍ هُوَ مُفِيدُ الْيَقِينَ بِالْمُرَادِ مِنْهُ بِمُجَرَّدِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى لَفْظٍ آخَرَ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ يُعْلَمُ مِنْ لَفْظِهِ الْمُجَرَّدِ مِنْهُ وَالْمَقْرُونِ تَارَةً، وَمِنْهُ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ يُفِيدَانِ الْيَقِينَ بِمُرَادِهِ تَارَةً، وَمِنْهُ وَمِنْ بَيَانٍ آخَرَ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ يُحِيلُ الْمُتَكَلِّمُ عَلَيْهِ تَارَةً، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خِطَابٌ أُرِيدَ مِنْهُ الْعِلْمُ بِمَدْلُولِهِ إِلَّا وَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ، فَالْبَيَانُ الْمُقْتَرِنُ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وَنَظَائِرِ ذَلِكَ، وَالْبَيَانُ الْمُنْفَصِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فَأَفَادَ مَجْمُوعُ اللَّفْظَيْنِ الْبَيَانَ بِأَنَّ مُدَّةَ أَقَلِّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] وَمَعَ قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وَأَنَّهُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَإِنْ سَفُلَ، وَلَا وَالِدَ لَهُ وَإِنْ عَلَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أَفَادَ مَجْمُوعُ الْخِطَابَيْنِ فِي الرَّجْعِيَّاتِ دُونَ الْبَوَائِنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ - وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ - وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ - وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٢ - ٣٤] فَإِنَّ مَجْمُوعَ الْخِطَابَيْنِ يُفِيدُ أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ أَقْسَمَ بِإِدْبَارِ هَذَا وَإِقْبَالِ هَذَا، أَوْ إِقْبَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ: أَدْبَرَ النَّهَارُ

стр. 91

أَيْ جَاءَ فِي دُبُرِهِ، وَعَسْعَسَ بِأَقْبَلَ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْقَسَمُ بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَإِقْبَالِ النَّهَارِ، وَقَدْ يُقَالُ: وَقَعَ الْإِقْسَامُ فِي الْآيَتَيْنِ بِالنَّوْعَيْنِ. وَأَمَّا الْبَيَانُ الَّذِي يُحِيلُ الْمُتَكَلِّمُ عَلَيْهِ، فَكُلَّمَا أَحَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بَيَانِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَفَرَائِضِ الْإِسْلَامِ الَّتِي إِنَّمَا عُلِمَتْ مَقَادِيرُهَا وَصِفَاتُهَا وَهَيْئَاتُهَا مِنْ بَيَانِ الرَّسُولِ ﷺ فَلَا يَخْرُجُ خِطَابُ الْقُرْآنِ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ، فَصَارَ الْخِطَابُ مَعَ بَيَانِهِ مُفِيدًا لِلْيَقِينِ بِالْمُرَادِ مِنْهُ، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيَانُهُ مُتَّصِلًا بِهِ. الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُ هَذَا الْقَانُونِ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ بَنِي آدَمَ، وَلَا طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا طَوَائِفِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ قَبْلَ هَؤُلَاءِ، وَذَلِكَ لِظُهُورِ الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ، فَإِنَّهُ يَقْدَحُ فِيمَا هُوَ أَظْهَرُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، فَإِنَّ بَنِي آدَمَ يَتَكَلَّمُونَ وَيُخَاطِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مُخَاطَبَةً وَمُكَاتَبَةً، وَقَدْ أَنْطَقَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ الْجَمَادَاتِ وَبَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ بِمِثْلِ مَا أَنْطَقَ بَنِي آدَمَ، فَلَمْ يَسْتَرِبْ سَامِعُ النُّطْقِ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ بِهِ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، فَقَالَتِ النَّمْلَةُ لِأُمَّةِ النَّمْلِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] فَلَمْ يَشُكَّ النَّمْلُ وَلَا سُلَيْمَانُ فِي مُرَادِهَا وَفَهِمُوهُ يَقِينًا، وَلَمَّا عَلِمَ سُلَيْمَانُ مُرَادَهَا يَقِينًا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا، وَخِطَابُهُ الْهُدْهُدَ فَحَصَلَ لِلْهُدْهُدِ الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ بِمُرَادِ سُلَيْمَانَ مِنْ كَلَامِهِ. وَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ الْهَدِيَّةَ وَالْكِتَابَ، وَفَعَلَ مَا حَكَى اللَّهُ لَمَّا حَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ بِمُرَادِ الْهُدْهُدِ مِنْ كَلَامِهِ، وَأَنْطَقَ سُبْحَانَهُ الْجِبَالَ مَعَ دَاوُدَ بِالتَّسْبِيحِ وَعَلَّمَ سُلَيْمَانَ مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وَأَسْمَعَ الصَّحَابَةَ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسْمَعَ رَسُولَهُ تَسْلِيمَ الْحَجَرِ عَلَيْهِ، أَفَيَقُولُ مُؤْمِنٌ أَوْ عَاقِلٌ: إِنَّ الْيَقِينَ لَمْ يَحْصُلْ لِلسَّامِعِ بِشَيْءٍ مِنْ مَدْلُولِ هَذَا الْكَلَامِ.

стр. 92

السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ أَرْبَابَ هَذَا الْقَانُونِ الَّذِينَ مَنَعُوا اسْتِفَادَةَ الْيَقِينِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُضْطَرِبِينَ فِي الْعَقْلِ الَّذِي يُعَارِضُ النَّقْلَ أَشَدَّ الِاضْطِرَابِ، فَالْفَلَاسِفَةُ مَعَ شِدَّةِ اعْتِنَائِهِمْ بِالْمَعْقُولَاتِ أَشَدُّ النَّاسِ اضْطِرَابًا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَلْيَقِفْ عَلَى مَقَالَاتِهِمْ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ، كَالْمَقَالَاتِ الْكُبْرَى لِلْأَشْعَرِيِّ وَالْآرَاءِ وَالدِّيَانَاتِ لِلنُّوبَخْتِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَاضْطِرَابُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَشَدِّ اضْطِرَابٍ. فَتَأَمَّلِ اضْطِرَابَ فِرَقِ الشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّ صَرِيحَ الْعَقْلِ مَعَهُ، وَأَنَّ مُخَالِفَهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ صَرِيحِ الْعَقْلِ، وَنَحْنُ نُصَّدِّقُ جَمِيعَهُمْ، وَنُبْطِلُ عَقْلَ كُلِّ فِرَقِهِمْ بِعَقْلِ الْأُخْرَى ثُمَّ نَقُولُ لِلْجَمِيعِ: بِعَقْلِ مَنْ مِنْكُمْ يُوزَنُ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ؟ فَمَا وَافَقَهُ قُبِلَ وَأُقِرَّ عَلَيْهِ، وَمَا خَالَفَهُ أُوِّلَ أَوْ فُوِّضَ إِلَى عُقُولِكُمْ: أَعَقْلُ أَرِسْطُو وَشِيعَتِهِ، أَمْ عَقْلُ أَفَلَاطُونَ أَمْ فِيثَاغُورْسَ، أَمْ بُقْرَاطَ، أَمِ الْفَارَابِيِّ، أَمِ ابْنِ سِينَا، أَمْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا، أَمْ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ، أَمْ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، أَمِ النَّظَّامِ، أَوِ الْعَلَّافِ، أَمِ الْجُبَّائِيِّ، أَمْ بِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ، أَمِ الْإِسْكَافِيِّ؟ . أَمْ تُوصُونَ بِعُقُولِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ هَذَّبُوا الْعَقْلِيَّاتِ، وَمَخَّضُوا زُبْدَتَهَا وَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ تُوصُوا بِعُقُولِ سَائِرِ مَنْ تَقَدَّمَ؟ فَهَذَا أَفْضَلُهُمْ عِنْدَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ، فَبِأَيِّ مَعْقُولَاتِهِ تَزِنُونَ نُصُوصَ الْوَحْيِ وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ اضْطِرَابَهُ فِيهَا فِي كُتُبِهِ أَشَدَّ اضْطِرَابٍ وَلَا يَثْبُتُ عَلَى قَوْلٍ؟ أَمْ تَرْضَوْنَ عُقُولَ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، أَمْ عُقُولَ الِاتِّحَادِيَّةِ؟ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهِمْ يَدَّعِي أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ مَعَهُ، وَأَنَّ مُخَالِفِيهِ خَرَجُوا عَنْ صَحِيحِ

стр. 93

الْمَعْقُولِ، وَهَذِهِ عُقُولُهُمْ تُنَادِي عَلَيْهِمْ، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لَعَرَضْنَاهَا عَلَى السَّامِعِ عَقْلًا، وَقَدْ عَرَضَهَا الْمُعْتَنُونَ بِذِكْرِ الْمَقَالَاتِ، وَهَذِهِ الْعُقُولُ إِنَّمَا تُفِيدُ الرَّيْبَ وَالشَّكَّ وَالْحَيْرَةَ وَالْجَهْلَ الْمُرَكَّبَ. فَإِذَا تَعَارَضَ النَّقْلُ وَهَذِهِ الْعُقُولُ أُخِذَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ، وَرُمِيَ بِهَذِهِ الْعُقُولِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ، وَحُطِّتْ حَيْثُ حَطَّهَا اللَّهُ وَأَصْحَابُهَا. السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ أَدِلَّةَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: يَدُلُّ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ. وَالثَّانِي: يَدُلُّ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ. وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ آيَاتُ اللَّهِ الدَّالَّةُ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَآيَاتُهُ الْعِيَانِيَّةُ الْمَشْهُودَةُ فِي خَلْقِهِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُجَرَّدُ الْخَبَرِ، وَلَمْ تَتَجَرَّدْ أَخْبَارُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ آيَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا، بَلْ قَدْ بَيَّنَ لِعِبَادِهِ فِي كِتَابِهِ مِنَ الْبَرَاهِينِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ مَا فِيهِ هُدًى وَشِفَاءٌ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ تِلْكَ الْأَدِلَّةَ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ، إِنْ أَرَادَ بِهِ النَّوْعَ الْمُتَضَمِّنَ لِذِكْرِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَالْوَقَاحَةِ، فَإِنَّ آيَاتِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا أَدِلَّةً وَحُجَجًا عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَصِفَاتِ كَمَالِهِ إِنْ لَمْ تُفِدْ يَقِينًا بِمَدْلُولٍ أَبَدًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ النَّوْعَ الْأَوَّلَ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ فَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ عَلَى ثُبُوتِهِ فَلَمْ يُحِلْ عِبَادَهُ فِيهِ عَلَى خَبَرٍ مُجَرَّدٍ لَا يَسْتَفِيدُونَ ثُبُوتَهُ إِلَّا مِنَ الْخَبَرِ الْمُجَرَّدِ نَفْسِهِ دُونَ الدَّلِيلِ الدَّالِ عَلَى صِدْقِ الْخَبَرِ، وَهَذَا غَيْرُ الدَّلِيلِ الْعَامِّ الدَّالِّ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، بَلْ هُوَ الْأَدِلَّةُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْمَعَادِ وَأُصُولِ الْإِيمَانِ، فَلَا تَجِدُ كِتَابًا قَدْ تَضَمَّنَ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَطَالِبِ مَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ، فَأَدِلَّتُهُ الْقَطْعِيَّةُ عَقْلِيَّةٌ وَإِنْ لَمْ تُفِدِ الْيَقِينَ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] . فَفِي هَذَا كَسْرُ الطَّاغُوتِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ.

стр. 94

[كَسْرُ الطَّاغُوتِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُمْ إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ] كَسْرُ الطَّاغُوتِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا إِبْطَالُهُمَا، وَلَا يُقَدَّمُ النَّقْلُ، لِأَنَّ الْعَقْلَ أَصْلُ النَّقْلِ، فَلَوْ قَدَّمَنَا عَلَيْهِ النَّقْلَ لَبَطَلَ الْعَقْلُ، وَهُوَ أَصْلُ النَّقْلِ، فَلَزِمَ بُطْلَانُ النَّقْلِ، فَيَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيمِ النَّقْلِ بُطْلَانُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، فَتَعَيَّنَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ. فَهَذَا الطَّاغُوتُ أَخُو ذَلِكَ الْقَانُونِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ: الْأُولَى: ثُبُوتُ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَالثَّانِيَةُ: انْحِصَارُ التَّقْسِيمِ فِي الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهِ، الثَّالِثَةُ: بُطْلَانُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لِيَتَعَيَّنَ ثُبُوتُ الرَّابِعِ. وَقَدْ أَشَفَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَ بُطْلَانَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَكَسَرَ هَذَا الطَّاغُوتَ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى كَلِمَاتٍ يَسِيرَةٍ هِيَ قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرِهِ تَتَضَمَّنُ كَسْرَهُ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَالتَّقْسِيمُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ سَمْعِيَّانِ أَوْ عَقْلِيَّانِ، أَوْ سَمْعِيٌّ وَعَقْلِيٌّ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا قَطْعِيَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَا ظَنِّيَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَطْعِيًّا وَالْآخَرُ ظَنِّيًّا، فَأَمَّا الْقَطْعِيَّانِ فَلَا يُمْكِنُ تَعَارُضُهُمَا فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ هُوَ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ مَدْلُولَهُ قَطْعِيًّا، وَلَوْ تَعَارَضَا لَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَهَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَطْعِيًّا وَالْآخَرُ ظَنِّيًّا تَعَيَّنَ تَقْدِيمُ الْقَطْعِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ عَقْلِيًّا أَوْ سَمْعِيًّا، وَإِنْ كَانَا ظَنِّيَّيْنِ صِرْنَا إِلَى التَّرْجِيحِ وَوَجَبَ تَقْدِيمُ الرَّاجِحِ مِنْهُمَا، وَهَذَا تَقْسِيمٌ رَاجِحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى مَضْمُونِهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، فَأَمَّا إِثْبَاتُ التَّعَارُضِ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَالسَّمْعِيِّ وَالْجَزْمُ بِتَقْدِيمِ الْعَقْلِيِّ مُطْلَقًا فَخَطَأٌ وَاضِحٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَطْعِيَّيْنِ فَلَا نُسَلِّمُ إِمْكَانَ التَّعَارُضِ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الظَّنِّيَّيْنِ فَالتَّقْدِيمُ الرَّاجِحُ مُطْلَقًا، وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْعَقْلِيَّ هُوَ الْقَطْعِيُّ كَانَ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّهُ قَطْعِيٌّ لَا لِأَنَّهُ عَقْلِيٌّ، فَعُلِمَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْعَقْلِيِّ مُطْلَقًا خَطَأٌ وَأَنَّ جَعْلَ جِهَةِ التَّرْجِيحِ كَوْنُهُ عَقْلِيًّا خَطَأٌ، وَأَنَّ جَعْلَ سَبَبِ التَّأْخِيرِ وَالِاطِّرَادِ كَوْنُهُ نَقْلِيًّا خَطَأٌ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: إِنْ قَدَّمْنَا النَّقْلَ لَزِمَ الطَّعْنُ فِي أَصْلِهِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ:

стр. 95

الْعَقْلُ أَصْلُ النَّقْلِ، إِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ أَصْلٌ فِي ثُبُوتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَأَصْلٌ فِي عِلْمِنَا بِصِحَّتِهِ، فَالْأَوَّلُ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، فَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى عِلْمِنَا بِهِ، فَعَدَمُ عِلْمِنَا بِالْحَقَائِقِ لَا يُنَافِي ثُبُوتَهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ هُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ، سَوَاءٌ عَلِمْنَاهُ بِعُقُولِنَا أَمْ لَمْ نَعْلَمْهُ، وَسَوَاءٌ صَدَّقَهُ النَّاسُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقُوهُ، كَمَا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَإِنْ كَذَّبَهُ مَنْ كَذَّبَهُ، كَمَا أَنَّ وُجُودَ الرَّبِّ تَعَالَى وَثُبُوتَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقٌّ، سَوَاءٌ عَلِمْنَاهُ بِعُقُولِنَا أَوْ لَمْ نَعْلَمْهُ، فَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِنَا، فَضْلًا عَنْ عُلُومِنَا وَعُقُولِنَا، فَالشَّرْعُ الْمُنَزَّلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُسْتَغْنٍ فِي عِلْمِنَا وَعَقْلِنَا، وَلَكِنْ نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ أَنْ نَعْلَمَهُ، فَإِذَا عَلِمَ الْعَقْلُ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ كَمَالٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا فَقَدَهُ كَانَ نَاقِصًا جَاهِلًا. وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّ الْعَقْلَ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَتِنَا بِالسَّمْعِ وَدَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَعْنِي بِالْعَقْلِ الْقُوَّةَ الْغَرِيزِيَّةَ الَّتِي فِينَا، أَمِ الْعُلُومَ الْمُسْتَفَادَةَ بِتِلْكَ الْغَرِيزَةِ؟ فَالْأَوَّلُ لَمْ يُرِدْهُ، وَيَمْتَنِعُ إِرَادَتُهُ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْغَرِيزَةَ لَيْسَتْ عِلْمًا يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ لِلنَّقْلِ، وَإِنْ كَانَتْ شَرْطًا فِي كُلِّ عِلْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ سَمْعِيٍّ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي الشَّيْءِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لَهُ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ الْحَاصِلَةَ بِالْعَقْلِ، قِيلَ لَكَ: لَيْسَ كُلُّ مَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ يَكُونُ أَصْلًا لِلسَّمْعِ وَدَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَإِنَّ الْمَعَارِفَ الْعَقْلِيَّةَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَالْعِلْمُ بِصِحَّةِ السَّمْعِ غَايَتُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا بِهِ يُعْلَمُ صِدْقُ الرَّسُولِ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ، وَلَيْسَ كُلُّ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ الرَّسُولِ، بَلْ ذَلِكَ بِالْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَعْقُولَاتِ لَيْسَتْ أَصْلًا لِلنَّقْلِ لَا بِمَعْنَى تَوَقُّفِ الْعِلْمِ بِالسَّمْعِ عَلَيْهَا ; لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْإِثْبَاتِ كَالْأَشْعَرِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ الْحَادِثَةِ ضَرُورِيٌّ، فَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ مِنَ الْعِلْمِ الْعَقْلِيِّ سَهْلٌ يَسِيرٌ، مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ الْمُعَارِضُ لِلسَّمْعِ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ مَا لَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنِ الْقَدْحُ فِيهِ قَدْحًا فِي أَصْلِ السَّمْعِ، وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، وَلَيْسَ الْقَدْحُ فِي بَعْضِ الْعَقْلِيَّاتِ قَدْحًا فِي جَمِيعِهَا، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ الْقَدْحُ فِي بَعْضِ السَّمْعِيَّاتِ قَدْحًا فِي جَمِيعِهَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا مَعْرِفَتُنَا بِالسَّمْعِ صِحَّةُ غَيْرِهَا مِنَ الْمَعْقُولَاتِ، وَلَا مِنْ فَسَادِ هَذِهِ فَسَّادُ تِلْكَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلَى مَا يُقَالُ: إِنَّهُ مَعْقُولٌ فِي الْجُمْلَةِ الْقَدْحُ فِي أَصْلِهِ.

стр. 96

الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ وَثُبُوتِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا امْتَنَعَ التَّعَارُضُ عِنْدَهُ ; لِأَنَّ الْمَعْقُولَ إِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَمْ يَتَعَارَضْ مَعْلُومٌ وَمَجْهُولٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَمْ يَتَعَارَضْ مَجْهُولَانِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ امْتَنَعَ أَلَّا يَعْلَمَ بِثُبُوتِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِصِدْقِهِ لَزِمَ ضَرُورَةً أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِثُبُوتِ مُخْبَرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اسْتَحَالَ أَنْ يَقَعَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ يُعَارِضُ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمُعَارِضُ وَاجِبَ التَّقْدِيمِ، إِذْ مَضْمُونُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: لَا تَعْتَقِدْ ثُبُوتَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ يُنَافِي مَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ الْمُخْبِرَ صَادِقٌ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ، لَا تُصَدِّقْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ ; لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَصْدِيقِهِ، فَيَقُولُ: وَعَدَمُ تَصْدِيقِي لَهُ فِيهِ هُوَ عَيْنُ اللَّازِمِ الْمَحْذُورِ، فَإِذَا قِيلَ لِي: لَا تُصَدِّقْهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَدَمُ تَصْدِيقِهِ كَانَ كَمَا لَوْ قِيلَ: كَذِّبْهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَكْذِيبُهُ، فَهَكَذَا حَالُ مَنْ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوا الرَّسُولَ فِيمَا عَلِمَهُ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ رَسُولٌ لِئَلَّا يُفْضِيَ تَصْدِيقُهُمْ إِلَى عَدَمِ تَصْدِيقِهِ، يُوَضِّحُهُ: الْوَجْهُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنْ قَبُولِ هَذَا الْخَبَرِ وَتَصْدِيقِهِ فِيهِ هُوَ عَيْنُ الْمَحْذُورِ، فَيَكُونُ وَاقِعًا فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ سَوَاءٌ أَطَاعَ أَوْ عَصَى، وَيَكُونُ تَارِكًا لِلْمَأْمُورِيَّةِ سَوَاءٌ أَطَاعَ أَوْ عَصَى، وَيَكُونُ وُقُوعُهُ فِي الْمَخُوفِ الْمَحْذُورِ عَلَى تَقْدِيرِ الطَّاعَةِ أَعْجَلَ وَأَسْبَقَ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ التَّكْذِيبُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ النَّهْيُ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَحْذُورًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْذُورًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْهَى عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ مَحْذُورًا فَلَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لَهُ: لَا تُصَدِّقْهُ فِي هَذَا كَانَ آمِرًا لَهُ بِمَا يُنَاقِضُ مَا عَلِمَ بِهِ صِدْقَهُ، فَكَانَ آمِرًا بِمَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَثِقَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى جَوَّزَ كَذِبَهُ أَوْ غَلَطَهُ فِي خَبَرٍ جَوَّزَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ، وَلِهَذَا أَفْضَى الْأَمْرُ بِمَنْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِصِفَاتِ الرَّبِّ وَأَفْعَالِهِ، بَلْ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ يَجِبُ رَدُّهُ وَتَكْذِيبُهُ، وَنَوْعٌ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَنَوْعٌ يُقَرُّ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَصْلٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، بَلْ يَقُولُ: مَا أَثْبَتَهُ عَقْلُكَ فَأَثْبِتْهُ وَمَا نَفَاهُ عَقْلُكَ فَانْفِهِ، وَهَذَا يَقُولُ: مَا أَثْبَتَهُ كَشْفُكَ فَأَثْبِتْهُ وَمَا لَا فَلَا، وَوُجُودُ الرَّسُولِ عِنْدَهُمْ كَعَدَمِهِ فِي الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، بَلْ عَلَى قَوْلِهِمْ وَأُصُولِهِمْ وُجُودُهُ

стр. 97

أَضَرُّ مِنْ عَدَمِهِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ جِهَتِهِ عِلْمًا بِهَذَا الشَّأْنِ، وَاحْتَاجُوا إِلَى دَفْعِ مَا جَاءَ بِهِ، إِمَّا بِتَكْذِيبٍ، وَإِمَّا بِتَأْوِيلٍ، وَإِمَّا بِإِعْرَاضٍ وَتَفْوِيضٍ. فَإِذَا قِيلَ: لَا يُمْكِنُ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يُنَافِي الْعَقْلَ فَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَمُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ، قِيلَ: فَهَذَا إِقْرَارٌ بِاسْتِحَالَةِ مُعَارَضَةِ الْعَقْلِ لِلسَّمْعِ وَاسْتِحَالَةِ الْمَسْأَلَةِ، وَعُلِمَ أَنَّ جَمِيعَ أَخْبَارِهِ لَا تُنَاقِضُ الْعَقْلَ. قَعَدَ النَّقْلُ سَالِمًا مِنْ مُنَافٍ ... وَاسْتَرَحْنَا مِنَ الصُّدَاعِ جَمِيعًا فَإِنْ قِيلَ: بَلِ الْمُعَارَضَةُ ثَابِتَةٌ بَيْنَ الْعَقْلِ وَبَيْنَ مَا يُفْهِمُهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَلَيْسَتْ ثَابِتَةً بَيْنَ الْعَقْلِ وَبَيْنَ نَفْسِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَالْمُعَارَضَةُ ثَابِتَةٌ بَيْنَ الْعَقْلِ وَبَيْنَ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ دَلِيلٌ وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ، أَوْ يَكُونُ دَلِيلًا ظَنِّيًّا لِتَطَرُّقِ الظَّنِّ إِلَى بَعْضِ مُقَدِّمَاتِ إِسْنَادِهِ أَوِ امْتِنَاعًا؟ قِيلَ: وَهَذَا رَفَعَ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ وَيُحِيلُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُصَيِّرُ صُورَتُهَا هَكَذَا: إِذَا تَعَارَضَ الدَّلِيلُ الْقَوْلِيُّ وَمَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ، وَهُوَ كَلَامٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا حَاصِلَ لَهُ، وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يُتْرَكُ لِمَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ. ثُمَّ يُقَالُ: إِذَا فَسَّرْتُمُ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ بِمَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلِ اعْتِقَادُ دَلَالَتِهِ جَهْلٌ، أَوْ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ دَلِيلٌ وَلَيْسَ دَلِيلًا، فَإِنْ كَانَ السَّمْعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَبَرًا مَكْذُوبًا أَوْ صَحِيحًا، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مُعَارَضَتِهِ الْعَقْلَ بِوَجْهٍ، وَأَبَيْتُمُ التَّعَارُضَ وَالتَّقْدِيمَ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَسَاعَدْنَاكُمْ عَلَيْهِ، وَكُلُّنَا أَسْعَدُ بِذَلِكَ مِنْكُمْ، فَأَنَا أَشَدُّ مِنْكُمْ نَفْيًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَشَدُّ إِبْطَالًا لِمَا تَحْمِلُهُ مِنَ الْمَعَانِي الْبَاطِلَةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ ظَاهِرَ الدِّلَالَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمُرَادِ، لَمْ يَكُنْ مَا عَارَضَهُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ إِلَّا خَيَالِيَّاتٍ فَاسِدَةً. السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: لَوْ قَدْ عَارَضَ الْعَقْلُ لِلشَّرْعِ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الشَّرْعِ ; لَأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ صَدَّقَ الشَّرْعَ، وَمِنْ ضَرُورَةِ تَصْدِيقِهِ لَهُ قَبُولُ خَبَرِهِ، وَالشَّرْعُ لَمْ يُصَدِّقِ الْعَقْلَ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَلَا الْعِلْمُ بِصِدْقِ الشَّرْعِ مَوْقُوفٌ عَلَى كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ الْعَقْلُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ إِذَا سُلِكَ أَصَحُّ مِنْ مَسْلَكِهِمْ، كَمَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِيمَانِ: يَكْفِيكَ مِنَ الْعَقْلِ أَنْ يُعَرِّفَكَ صِدْقَ الرَّسُولِ وَمَعَانِيَ كَلَامِهِ ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَقَالَ آخَرُ: الْعَقْلُ سُلْطَانٌ وَلَّى الرَّسُولَ ثُمَّ عَزَلَ نَفْسَهُ ; وَلِأَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ وَطَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ ; وَلِأَنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ دِلَالَةً عَامَّةً مُطْلَقَةً، وَلَا يَدُلُّ عَلَى

стр. 98

صِدْقِ قَضَايَا نَفْسِهِ دِلَالَةً عَامَّةً ; وَلِأَنَّ الْعَقْلَ يَغْلَطُ كَمَا يَغْلَطُ الْحِسُّ، وَأَكْثَرَ مِنْ غَلَطِهِ بِكَثِيرٍ، فَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْحِسِّ مِنْ أَقْوَى الْأَحْكَامِ وَيَعْرِضُ فِيهِ مِنَ الْغَلَطِ مَا يَعْرِضُ، فَمَا الظَّنُّ بِالْعَقْلِ. الثَّامِنُ: أَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى صِحَّةِ الشَّيْءِ أَوْ ثُبُوتِهِ أَوْ عَدَالَتِهِ أَوْ قَبُولِ قَوْلِهِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لَهُ، بِحَيْثُ إِذَا قُدِّمَ قَوْلُ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ يَلْزَمُ إِبْطَالُهُ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ يَدْرِي مَا يَقُولُ، غَايَتُهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالدَّلِيلِ أَصْلُ الْعِلْمِ بِالْمَدْلُولِ، فَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْمَدْلُولِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا شَهِدَ النَّاسُ لِرَجُلٍ بِأَنَّهُ خَبِيرٌ بِالطِّبِّ أَوِ التَّقْوِيمِ أَوِ الْقِيَافَةِ دُونَهُمْ، ثُمَّ نَازَعَ الشُّهُودُ الْمَشْهُودَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَجَبَ تَقْدِيمُ قَوْلِ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَلَوْ قَالُوا: نَحْنُ شَهِدْنَا لَكَ وَزَكَّيْنَاكَ وَبِشَهَادَتِنَا ثَبَتَتْ أَهْلِيَّتُكَ، فَتَقْدِيمُ قَوْلِكَ عَلَيْنَا وَالرُّجُوعُ إِلَيْكَ دُونَنَا يَقْدَحُ فِي أَصْلِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ قَوْلُكَ، قَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ شَهِدْتُمْ بِمَا عَلِمْتُمْ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ دُونَكُمْ، وَأَنَّ قَوْلِي فِيهِ مَقْبُولٌ دُونَكُمْ، فَلَوْ قَدَّمْتُ أَقْوَالَكُمْ عَلَى قَوْلِي فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ لَكَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي شَهَادَتِكُمْ وَعِلْمِكُمْ بِأَنِّي أَعْلَمُ مِنْكُمْ. [تَقْدِيمَ الْعَقْلِ عَلَى الشَّرْعِ يَتَضَمَّنُ الْقَدْحَ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ] وَحِينَئِذٍ فَهَذَا وَجْهٌ تَاسِعٌ مُسْتَقِلٌّ بِكَسْرِ هَذَا الطَّاغُوتِ، وَهُوَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْعَقْلِ عَلَى الشَّرْعِ يَتَضَمَّنُ الْقَدْحَ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ شَهِدَ الشَّرْعُ وَالْوَحْيُ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَا نِسْبَةَ لَهُ إِلَيْهِ، وَأَنَّ نِسْبَةَ عُلُومِهِ وَمَعَارِفِهِ إِلَى الْوَحْيِ أَقَلُّ مِنْ خَرْدَلَةٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى جَبَلٍ، فَلَوْ قُدِّمَ حُكْمُ الْعَقْلِ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي شَهَادَتِهِ، وَإِذَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ بَطَلَ قَبُولُ قَوْلِهِ، فَتَقْدِيمُ الْعَقْلِ عَلَى الْوَحْيِ يَتَضَمَّنُ الْقَدْحَ فِيهِ وَفِي الشَّرْعِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، يُوَضِّحُهُ: الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: وَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ مَأْخُوذٌ عَنِ اللَّهِ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولَيْنِ وَالْبَشَرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، مُؤَيَّدًا بِشَهَادَةِ الْآيَاتِ وَظُهُورِ الْبَرَاهِينِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْعَقْلُ وَيَقْتَضِيهِ تَارَةً وَيَسْتَحْسِنُهُ تَارَةً وَيُجَوِّزُهُ تَارَةً وَيَضْعُفُ عَنْ دَرْكِهِ تَارَةً، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّسْلِيمِ لَهُ وَالِانْقِيَادِ لِحُكْمِهِ وَالْإِذْعَانِ وَالْقَبُولِ وَهُنَاكَ يَسْقُطُ (لَمْ) وَيَبْطُلُ (كَيْفَ) وَتَزُولُ (هَلَّا) وَتَذْهَبُ (لَوْ، وَلَيْتَ) فِي الرِّيحِ، لَأَنَّ اعْتِرَاضَ الْمُعْتَرِضِ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ، وَاقْتِرَاحَ الْمُقْتَرِحِ مَا ظَنَّ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْهُ سَفَهٌ، وَجُمْلَةُ الشَّرِيعَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَنْوَاعِ الْحِكْمَةِ عِلْمًا وَعَمَلًا، حَتَّى لَوْ جُمِعَتْ حِكَمُ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَنُسِبَتْ إِلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهَا إِلَيْهَا نِسْبَةٌ، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِأَعْلَى الْمَطَالِبِ بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ وَأَتَمِّ الْبَيَانِ فَهِيَ مُتَكَفِّلَةٌ بِتَعْرِيفِ

стр. 99

الْخَلِيقَةِ رَبَّهَا وَفَاطِرَهُمُ الْمُحْسِنَ إِلَيْهَا بِأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى رِضَاهُ. وَيُقَابِلُ ذَلِكَ تَعْرِيفُ حَالِ الدَّاعِي إِلَى الْبَاطِلِ وَالطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَيْهِ، وَحَالِ السَّالِكِينَ تِلْكَ الطَّرِيقَ وَإِلَى أَيْنَ تَنْتَهِي بِهِمْ، وَلِهَذَا تَقَبَّلُهَا الْعُقُولُ الْكَامِلَةُ أَحْسَنَ تَقَبُّلٍ بِالتَّسْلِيمِ وَالْإِذْعَانِ، وَتَسْتَدِيرُ حَوْلَهَا بِحِمَايَةِ حَوْزَتِهَا وَالذَّبِّ عَنْ سُلْطَانِهَا، فَمِنْ نَاصِرٍ بِاللُّغَةِ الشَّايِعَةِ، وَحَامٍ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَذَابٍّ عَنْهُ بِالْبُرْهَانِ، وَمُجَاهِدٍ بِالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالسِّنَانِ وَمُتَفَقِّهٍ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمُعْتَنٍ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَحَافِظِ الْمُتُونِ وَالسُّنَّةِ وَأَسَانِيدِهَا وَمُفَتِّشٍ عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا وَنَاقِدٍ لِصَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا وَمَعْلُولِهَا مِنْ سَلِيمِهَا. فَهَذِهِ الشَّرِيعَةُ ابْتِدَاؤُهَا مِنَ اللَّهِ وَانْتِهَاؤُهَا إِلَيْهِ لَيْسَ فِيهَا حَدِيثُ الْمُنَجِّمِ فِي تَأْثِيرَاتِ الْكَوَاكِبِ وَحَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَهَيْئَاتِهَا وَمَقَادِيرِ الْأَجْرَامِ وَلَا حَدِيثُ التَّرْبِيعِ وَالتَّثْلِيثِ وَالتَّسْدِيسِ وَالْمُقَارَنَةِ، وَلَا حَدِيثُ صَاحِبِ الطَّبِيعَةِ النَّاظِرِ فِي آثَارِهَا، وَاشْتِبَاكِ الِاسْتِفَاضَاتِ وَامْتِزَاجِهَا وَقِوَامِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ، وَمَا الْفَاعِلُ مِنْهَا وَمَا الْمُنْفَعِلُ، وَلَا فِيهَا حَدِيثٌ لِمُهَنْدِسٍ وَلَا لِبَاحِثٍ عَنْ مَقَادِيرِ الْأَشْيَاءِ وَنَقْطِهَا وَخُطُوطِهَا، وَسُطُوحِهَا وَأَجْسَامِهَا وَأَضْلَاعِهَا وَزَوَايَاهَا وَمَعَاطِفِهَا، وَمَا الْكُرَةُ وَمَا الدَّائِرَةُ وَالْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ وَالْمُنْحَنَى، وَلَا فِيهَا هَذَيَانُ الْمَنْطِقِيِّينَ وَنَحْوَهُمْ فِي النَّوْعِ وَالْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَالْخَاصَّةِ وَالْعَرَضِ الْعَامِّ، وَالْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ، وَالْمُخْتَلِطَاتِ وَالْمُوَجِّهَاتِ الصَّادِرُ عَنْ رَجُلٍ مُشْرِكٍ مِنْ يُونَانَ كَانَ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ وَلَا يَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، وَلَا يُصَدِّقُ بِمَعَادِ الْأَبْدَانِ، وَلَا أَنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ رَسُولًا بِكَلَامِهِ إِلَى نَوْعِ الْإِنْسَانِ. فَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الْمُعَارِضُونَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، عَقْلَ هَذَا الرَّجُلِ مِعْيَارًا عَلَى كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، فَمَا زَكَّاهُ مَنْطِقُهُ وَآلَتُهُ وَقَانُونُهُ الَّذِي وَضَعَهُ بِعَقْلِهِ قَبِلُوهُ، وَمَا لَمْ يُزَكِّهِ تَرَكُوهُ. وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ الَّتِي أَفْسَدَتْ عُقُولَ هَؤُلَاءِ صَحِيحَةً لَكَانَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ يُقَوِّمُ شَرِيعَتَهُ بِهَا وَيُكْمِلُهَا بِاسْتِعْوَالِهِا، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُنَبِّهُ عَلَيْهَا وَيَحُضُّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا. فَيَا لِلْعُقُولِ أَيْنَ الدِّينُ مِنَ الْفَلْسَفَةِ؟ وَأَيْنَ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ آرَاءِ الْيُونَانِ وَالْمَجُوسِ وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَالصَّابِئِينَ؟ وَالْوَحْيُ حَاكِمٌ وَالْعَقْلُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.

стр. 100

فَإِنْ قَالُوا: إِنَّمَا نُقَدِّمُ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ اثْنَانِ عَلَى نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ رَمَوُا الْأَنْبِيَاءَ بِمَا هُمْ أَبْعَدُ الْخَلْقِ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ جَاءُوا بِمَا يُخَالِفُ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ، هَذَا وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بِشَهَادَتِهِ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ أَنَّ طَرِيقَةَ الرَّسُولِ ﷺ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْبُرْهَانِيَّةُ لِلْحِكْمَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] فَالطَّرِيقَةُ الْبُرْهَانِيَّةُ هِيَ الْوَارِدَةُ بِالْوَحْيِ النَّاظِمَةُ لِلرُّشْدِ، الدَّاعِيَةُ إِلَى الْخَيْرِ، الْوَاعِدَةُ لَحُسْنِ الْمَآبِ الْمُبَيِّنَةُ لِحَقَائِقِ الْأَنْبَاءِ، الْمُعَرِّفَةُ بِصِفَاتِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَأَنَّ الطَّرِيقَةَ التَّقْلِيدِيَّةَ التَّخْمِينِيَّةَ هِيَ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَالنَّتِيجَةِ وَالدَّعْوَى الَّتِي لَيْسَ مَعَ أَصْحَابِهَا إِلَّا الرُّجُوعُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ يُونَانَ وَضَعَ بِعَقْلِهِ قَانُونًا يُصَحِّحُ بِزَعْمِهِ عُلُومَ الْخَلَائِقِ وَعُقُولَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ عَاقِلٌ تَصْحِيحَ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ عُلُومِ بَنِي آدَمَ، بَلْ مَا وُزِنَ بِهِ عِلْمٌ إِلَّا أَفْسَدَهُ، وَمَا بَرَعَ فِيهِ أَحَدٌ إِلَّا انْسَلَخَ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ كَانْسِلَاخِ الْقَمِيصِ عَنِ الْإِنْسَانِ. [إتمام الله لدينه لا يحوجنا إلى العقل] الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَمَّمَ الدِّينَ بِنَبِيِّهِ ﷺ وَكَمَّلَهُ بِهِ، وَلَمْ يُحْوِجْهُ هُوَ وَلَا أُمَّتَهُ إِلَى عَقْلٍ وَلَا نَقْلٍ سِوَاهُ وَلَا رَأْيٍ وَلَا مَنَامٍ وَلَا كَشْفٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِالْوَحْيِ فَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] ذَكَرَ هَذَا جَوَابًا لِطَلَبِهِمْ آيَةً تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْفِيهِمْ مِنْ كُلِّ آيَةٍ، فَلَوْ كَانَ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْهُ وَعَنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُنَاقِضُ الْعَقْلَ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا، وَسَيَأْتِي فِي الْوَجْهِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بَيَانُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ يُبْطِلُ كَوْنَ الْقُرْآنِ آيَةً وَبُرْهَانًا عَلَى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ تَمَّمَ الدِّينَ وَأَكْمَلَهُ بِنَبِيِّهِ ﷺ وَمَا بَعَثَهُ بِهِ فَلَمْ يُحْوِجْ أُمَّتَهُ إِلَى سِوَاهُ، فَلَوْ عَارَضَهُ الْعَقْلُ وَكَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا لِلْأُمَّةِ وَلَا تَامًّا فِي نَفْسِهِ، وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «رَأَى بِيَدِ عُمَرَ وَرَقَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنَ

стр. 101

التَّوْرَاةِ فَقَالَ: " كَفَى بِقَوْمٍ ضَلَالَةً أَنْ تَبِعُوا كِتَابًا غَيْرَ كِتَابِهِمْ، أُنْزِلَ عَلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ» " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . فَأَقْسَمَ سُبْحَانَهُ أَنَّا لَا نُؤْمِنُ حَتَّى نُحَكِّمَ رَسُولَهُ فِي جَمِيعِ مَا شَجَرَ بَيْنَنَا وَتَتَّسِعَ صُدُورُنَا لِحُكْمِهِ، فَلَا يَبْقَى فِيهَا حَرَجٌ، وَنُسَلِّمَ لِحُكْمِهِ تَسْلِيمًا فَلَا نُعَارِضُهُ بِعَقْلٍ وَلَا رَأْيٍ، فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ الْعَقْلَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَقَدْ شَهِدُوا هُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِمَعْنَاهُ وَإِنْ آمَنُوا بِلَفْظِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ حُكْمَ جَمِيعِ مَا تَنَازَعْنَا فِيهِ مَرْدُودٌ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الْحَاكِمُ فِيهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَلَوْ قُدِّمَ حُكْمُ الْعَقْلِ عَلَى حُكْمِهِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْحَاكِمَ بِكِتَابِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] فَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ وَحْدَهُ وَنَهَى عَمَّا خَالَفَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ كِتَابَهُ بَيِّنَةٌ وَهَدًى وَشِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ وَنُورٌ مُفَصَّلًا وَبُرْهَانًا وَحُجَّةً وَبَيَانًا، فَلَوْ كَانَ فِي الْعَقْلِ مَا يُعَارِضُهُ وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِلْعَقْلِ دُونَهُ. [اتفاق العقل والنقل] الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ مَا عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْعُقَلَاءُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَارِضَهُ الشَّرْعُ الْبَتَّةَ، وَمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ فِيمَا تَنَازَعَ الْعُقَلَاءُ فِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ وَجَدَ مَا خَلْفَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ شُبَهَاتٍ فَاسِدَةً يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ بُطْلَانُهَا، بَلْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ ثُبُوتُ نَقِيضِهَا، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَمَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْمَعَادِ، تَجِدْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْعَقْلِ لَمْ يُخَالِفْهُ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الرُّسُلَ لَا يُخْبِرُونَ بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ وَإِنْ أَخْبَرُوا بِمَجَازَاتِ الْعُقُولِ، فَلَا يُخْبِرُونَ بِمَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ.

стр. 102

الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الشُّبَهَاتِ الْقَادِحَةَ فِي نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَوُجُودِ الرَّبِّ وَمَعَادِ الْأَبْدَانِ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَرْبَابُهَا حُجَجًا عَقْلِيَّةً فِي كُلِّ مُعَارَضَةٍ لِلنَّقْلِ، وَهِيَ أَقْوَى مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي يَدَّعِي النُّفَاةُ لِلصِّفَاتِ أَنَّهَا مَعْقُولَاتٌ خَالَفَتِ النَّقْلَ وَمِنْ جِنْسِهَا أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا، كَمَا قِيلَ: دَعِ الْخَمْرَ يَشْرَبْهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي ... رَأَيْتُ أَخَاهُ مُغْنِيًا عَنْ مَكَانِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلَبَانِهَا قَدْ أَوْرَدَ عَلَى الْقَدْحِ فِي النُّبُوَّاتِ ثَمَانِينَ شُبْهَةً أَوْ أَكْثَرَ وَهِيَ كُلُّهَا عَقْلِيَّةٌ، وَأَوْرَدَ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ نَحْوَ أَرْبَعِينَ شُبْهَةً، وَأَوْرَدَ عَلَى الْمَعَادِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الشُّبَهَ مِنْ جِنْسِ شُبَهِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ وَعُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَتَكْلِيمِهِ وَتَكَلُّمِهِ وَرُؤْيَتِهِ بِالْأَبْصَارِ عِيَانًا فِي الْآخِرَةِ، لَكِنْ نَفَقَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِجَاهِ نِسْبَةِ أَرْبَابِهَا إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْقَوْمَ يَذُبُّونَ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَيُنَزِّهُونَ الرَّبَّ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَإِلَّا فَعِنْدَ التَّحْقِيقِ الْقَاعُ عَرْفَجُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشُّبَهِ الْمُعَارِضَةِ لِأَصْلِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيْنَ الشُّبَهِ الْمُعَارِضَةِ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَمَنْ تَأْمَّلَ هَذَا وَهَذَا تَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةُ الْحَالِ، وَرُبَّمَا وَجَدَ الشُّبَهَ الْقَادِحَةَ فِي أَصْلِ النُّبُوَّةِ أَكْثَرَ مِنَ الشُّبَهِ الْمُعَارِضَةِ لِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ. فَنَقُولُ لِمَنْ قَدَّمَ الْمَعْقُولَ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ: هَلْ تُقَدِّمُ الْمَعْقُولَ الْمُعَارِضَ لِأَصْلِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَأَنْتَ قَدْ أَوْرَدْتَهُ وَأَجَبْتَ عَنْهُ بِمَا تَعْلَمُ أَنَّ صَدْرَكَ لَمْ يَنْثَلِجْ لَهُ، فَإِنَّ تِلْكَ الْأَجْوِبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَوَاعِدَ قَدِ اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلُكَ، فَمَرَّةً تُثْبِتُهَا وَمَرَّةً تَنْفِيهَا وَمَرَّةً تَقِفُ فِيهَا، أَنْ تَطْرَحَ تِلْكَ الْمَقُولَاتِ وَتَشْهَدَ بِفَسَادِهَا، فَهَلَّا سَلَكْتَ فِي الْمَعْقُولَاتِ الْمُعَارِضَةِ لِخَبَرِ الرَّسُولِ مَا سَلَكْتَ فِي تِلْكَ، فَكَانَتِ السَّبِيلُ وَاحِدَةً؟ يُوَضِّحُهُ: الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: وَهُوَ أَنَّ أَرْبَابَ تِلْكَ الشُّبَهِ إِنَّمَا اسْتَطَالُوا عَلَى النُّفَاةِ الْجَهْمِيَّةِ بِمَا سَاعَدُوا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الشُّبَهِ، وَقَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا صَادِقًا مَنْ يُخْبِرُ بِمَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَرَى ; وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَلَا تَحِلُّهُ الْحَوَادِثُ وَلَا لَهُ وَجْهٌ وَلَا يَدٌ وَلَا أُصْبُعٌ وَلَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ وَلَا عِلْمٌ وَلَا حَيَاةٌ وَلَا قُدْرَةٌ زَايِدَةٌ عَلَى مُجَرَّدِ ذَاتِهِ، وَمِنْ أُصُولِنَا وَأُصُولِكُمْ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِذَاتِهِ فِعْلٌ وَلَا وَصْفٌ وَلَا حَرَكَةٌ وَلَا اسْتِوَاءٌ وَلَا نُزُولٌ وَلَا غَضَبٌ وَلَا رِضًى فَضْلًا عَنِ الْفَرَحِ وَالضَّحِكِ، وَنَحْنُ وَأَنْتُمْ مُتَّفِقُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالتَّوْرَاةِ وَلَا

стр. 103

بِالْإِنْجِيلِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَلَامُ شَيْءٍ عَنْهُ بِإِذْنِهِ عِنْدَكُمْ وَبِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ عِنْدَنَا، وَنَحْنُ وَأَنْتُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وَلَا رَآهُ، وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ أَحَدٌ، وَأَنَّ هَذَا مُحَالٌ، فَهُوَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَنَامُ، فَعِنْدَ التَّحْقِيقِ نَحْنُ وَأَنْتُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي نَفَتْ هَذِهِ الْأُمُورَ وَهِيَ بِعَيْنِهَا تَنْفِي صِحَّةَ نُبُوَّةِ مَنْ أَخْبَرَ بِهَا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّقَ مَنْ جَاءَ بِهَا، وَقَدِ اعْتَرَفْتُمْ مَعَنَا بِأَنَّ الْعَقْلَ يَدْفَعُ خَبَرَهُ وَيَرُدُّهُ، فَمَا لِلْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ وَجْهٌ، فَكَمَا تَسَاعَدْنَا نَحْنُ وَإِيَّاكُمْ عَلَى إِبْطَالِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي عَارَضَتْ صَرِيحَ الْعَقْلِ، فَسَاعِدُونَا عَلَى إِبْطَالِ الْأَصْلِ بِنَفْسِ مَا اتَّفَقْنَا جَمِيعًا عَلَى إِبْطَالِ الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ بِهِ. فَانْظُرْ هَذَا الْإِخَاءَ مَا أَلْصَقَهُ، وَالنَّسَبَ مَا أَقْرَبَهُ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْحَالِ فَانْظُرْ حَالَهُمْ مَعَ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةِ فِي رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ وَبُحُوثِهِمْ مَعَهُمْ وَخُضُوعِهِمْ لَهُمْ فِيهَا. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الرَّجُلَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِالرُّسُلِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا، فَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ، فَلَا وَجْهَ لِلْكَلَامِ مَعَهُ فِي تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، فَإِنَّ تَعَارُضَهُمَا فَرْعُ الْإِقْرَارِ بِصِحَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِالرِّسَالَةِ فَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي مَقَامَاتٍ: أَحَدُهَا: صِدْقُ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَنْكَرَ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِهَا وَأَنَّ الرُّسُلَ خَاطَبُوا الْجُمْهُورَ بِخِلَافِ الْحَقِّ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِهِمْ، وَمَضْمُونُ هَذَا أَنَّهُمْ كَذَبُوا لِلْمَصْلَحَةِ وَهَذِهِ حَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ كَذِبٌ حَسَنٌ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، فَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْمَقَامِ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يُقِرُّ بِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ أَوْ لَا يُقِرُّ بِهِ؟ فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ جَهْلًا عُرِفَ ذَلِكَ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّهُ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَحَارَبَ أَعْدَاءَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ الْأُمُورَ الضَّرُورِيَّةَ كَوُجُودِ بَغْدَادَ وَمَكَّةَ. وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْمَقَامِ الثَّالِثِ: وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ أَرَادَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَلَفْظُهُ أَوْ أَرَادَ خِلَافَهُ؟ فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَهُ فَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْمَقَامِ الرَّابِعِ: وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْمُرَادَ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي نَفْسِهِ أَوْ بَاطِلٌ ; فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَارِضَهُ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا انْتَقَلْنَا مَعَهُ إِلَى مَقَامٍ خَامِسٍ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَعْلَمُ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ لَا يَعْلَمُهُ؟ فَإِنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، فَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى جَهْلٍ، وَإِنْ قَالَ: كَانَ عَالِمًا بِهِ، انْتَقَلْنَا مَعَهُ إِلَى مَقَامٍ سَادِسٍ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ وَالْإِفْصَاحُ عَنِ الْحَقِّ كَمَا فَعَلْتُمْ أَنْتُمْ بِزَعْمِكُمْ، أَمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَهُ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَهُ كَانَ

стр. 104

تَعْجِيزًا لَهُ عَنْ أَمْرٍ قَدَرَ عَلَيْهِ أَفْرَاخُ الْفَلَاسِفَةِ وَتَلَامِذَةُ الْيَهُودِ، وَأَوْقَاحُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ غِشًّا لِأُمَّتِهِ، وَتَوْرِيطًا لَهُمْ فِي الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَاعْتِقَادِ مَا لَا يَلِيقُ بِعَظْمَتِهِ فِيهِ ; وَأَنَّ الْجَهْمِيَّةَ وَأَفْرَاخَ الصَّابِئَةِ وَالْيُونَانَ نَزَّهُوا اللَّهَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَتَكَلَّمُوا بِالْحَقِّ الَّذِي كَتَمَهُ الرَّسُولُ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا مَحِيدَ لَكُمْ عَنْهُ، فَاخْتَارُوا أَيَّ قِسْمٍ شِئْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّكُمْ مُتَنَازِعُونَ فِي الِاخْتِيَارِ، وَأَنَّ عُقَلَاءَكُمْ يَخْتَارُونَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَعْرِفُ الْحَقَّ فِي خِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ وَلَكِنْ تَرَكَ ذَلِكَ خَشْيَةَ التَّنْفِيرِ، فَخَاطَبَ النَّاسَ خِطَابًا جُمْهُورِيًّا بِمَا يُنَاسِبُ عُقُولَهُمْ بِمَا الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ أَقْوَالِكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ بِالرَّسُولِ وَأَقْرَرْتُمْ بِمَا جَاءَ بِهِ. السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ طُرُقَ الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ: الْحِسُّ، وَالْعَقْلُ، وَالْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا، فَالْمَعْلُومَاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، وَالثَّانِي: مَا يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ، وَالثَّالِثُ: مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ، وَكُلٌّ مِنْهَا يَنْقَسِمُ إِلَى ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ، وَإِلَى مَعْلُومٍ وَمَظْنُونٍ وَمَوْهُومٍ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ يَكُونُ عِلْمًا، بَلْ قَدْ يَكُونُ ظَنًّا أَوْ وَهْمًا كَاذِبًا، كَمَا أَنَّ مَا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَاكِمٍ يَفْصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، فَإِذَا اتَّفَقَ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ أَوِ الْعَقْلُ وَالْحِسُّ عَلَى قَضِيَّةٍ كَانَتْ مَعْلُومَةً يَقِينِيَّةً، وَإِذَا انْفَرَدَ بِهَا الْحِسُّ عَنِ الْعَقْلِ كَانَتْ وَهْمِيَّةً، كَمَا ذُكِرَ مِنْ أَغْلَاطِ الْحِسِّ فِي رُؤْيَةِ الْمُتَحَرِّكِ أَشَدَّ الْحَرَكَةِ وَأَسْرَعَهَا سَاكِنًا، وَالسَّاكِنِ مُتَحَرِّكًا، وَالْوَاحِدِ اثْنَيْنِ وَالِاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَالْعَظِيمِ الْجِرْمِ صَغِيرًا وَالصَّغِيرِ كَبِيرًا، وَالنُّقْطَةِ دَائِرَةً، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ يُجْزَمُ بِغَلَطِهَا لِتَفَرُّدِ الْحِسِّ بِهَا عَنِ الْعَقْلِ. وَكَذَلِكَ حُكْمُ السَّمْعِ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا، وَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا، ضَرُورَةً وَنَظَرًا، وَقَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا، فَإِذَا قَارَنَهُ الْعَقْلُ كَانَ حُكْمُهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا وَنَظَرِيًّا، كَالْعِلْمِ بِمُخْبِرِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِوَاسِطَةِ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ، فَإِنَّ السَّمْعَ أَدَّى إِلَى الْعَقْلِ مَا سَمِعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْعَقْلَ حَكَمَ بِأَنَّ الْمُخْبِرِينَ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَأَفَادَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ بِوُجُودِ الْمُخْبِرِ بِهِ، وَالنِّزَاعُ فِي كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْوَهْمُ يُدْرِكُ أُمُورًا، لَا يُدْرَى صَحِيحَةٌ هِيَ أَمْ بَاطِلَةٌ فَيَرُدُّهَا إِلَى الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، فَمَا صَحَّحَهُ مِنْهَا قَبِلَهُ وَمَا حَكَمَ بِبُطْلَانِهِ رَدَّهُ، فَهَذَا أَصْلٌ يَجِبُ الِاعْتِبَارُ بِهِ وَبِهِ يُعْرَفُ الصَّحِيحُ مِنَ الْفَاسِدِ.

стр. 105

إِذَا عُرِفَ هَذَا فَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّمْعَ الَّذِي دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنَ السَّمْعِ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْ لَهُ عَقْلٌ، وَلِهَذَا كَانَ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ أَعْرَفَ عِنْدَ الْعَقْلِ مِنَ الْآحَادِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ دِلَالَةَ الْعَقْلِ قَدْ قَامَتْ عَلَى أَنَّ الْمُخْبِرِينَ لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْكَذِبِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرُوا بِهِ مُخَالِفًا لِمَا اعْتَادَهُ الْمُخْبِرُ وَأَلِفَهُ وَعَرَفَهُ فَلَا نَجِدُ مَحِيدًا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ، وَالدِّلَالَةُ الْعَقْلِيَّةُ الْبُرْهَانِيَّةُ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ أَضْعَافُ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الْمُخْبِرِينَ خَبَرَ التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَقُمْ عَلَى صِدْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَلِيلٌ، وَلَكِنَّ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَالرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ قَامَتِ الْبَرَاهِينُ الْيَقِينِيَّةُ عَلَى صِدْقِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ، فَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ وَتَوَاطَأَتْ أَخْبَارُهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ الْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّهُ مُكَلَّمٌ مُتَكَلِّمٌ آمِرٌ نَاهٍ يَرْضَى وَيَغْضَبُ، وَيُثِيبُ وَيُعَاقِبُ وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ، فَأَفَادَ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ أَعْظَمَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ لِمُخْبِرِهَا، وَيَجِبُ فَإِنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى حِسٍّ قَدْ يَغْلَطُ، وَأَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى وَحْيٍ لَا يَغْلَطُ، فَالْقَدْحُ فِيهَا بِالْعَقْلِ مِنْ جِنْسِ شُبَهِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ الْقَادِحَةِ فِي الْحِسِّ وَالْعَقْلِ، وَلَوِ الْتَفَتْنَا إِلَى كُلِّ شُبْهَةٍ يُعَارَضُ بِهَا الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ لَمْ يَبْقَ لَنَا وُثُوقٌ بِشَيْءٍ نَعْلَمُهُ بِحِسٍّ أَوْ عَقْلٍ بِهِمَا، يُوَضِّحُهُ: الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الْمَعَانِيَّةَ الَّتِي لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالْخَبَرِ أَضْعَافُ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلِهَذَا كَانَ إِدْرَاكُ السَّمْعِ أَعَمَّ وَأَشْمَلَ مِنْ إِدْرَاكِ الْبَصَرِ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الْأُمُورَ الْمَعْدُومَةَ وَالْمَوْجُودَةَ وَالْحَاضِرَةَ وَالْغَائِبَةَ وَالْمَعْلُومَاتِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْحِسِّ، وَهَذَا حُجَّةُ مَنْ فَضَّلَ السَّمْعَ عَلَى الْبَصَرِ، وَرَجَّحَ آخَرُونَ الْبَصَرَ لِقُوَّةِ إِدْرَاكِهِ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ يُدْرِكُهُ، وَبَعَّدَهُ مِنَ الْغَلَطِ، وَفَصْلُ النِّزَاعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ، وَمَا يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأُمُورَ الْغَائِبَةَ عَنِ الْحِسِّ نِسْبَةُ الْمَحْسُوسِ إِلَيْهَا كَقَطْرَةِ بَحْرٍ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهَا إِلَّا الْخَبَرُ الصَّادِقُ، وَقَدِ اصْطَفَى اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَنْبِيَاءَ أَنْبَأَهُمْ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ بِمَا يَشَاءُ، وَأَطْلَعَهُمْ مِنْهَا عَلَى مَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]

стр. 106

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] فَهُوَ سُبْحَانُهُ يَصْطَفِي مَنْ يُطْلِعُهُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ عَلَى مَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَ (نَبِيًّا) مِنَ الْإِنْبَاءِ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ، لِأَنَّهُ مُخْبَرٌ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَمُخْبِرٌ عَنْهُ فَهُوَ مُنَبَّأٌ، وَمُنْبِئٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِدُونِ خَبَرِهِمْ بَلْ وَلَا أَكْثَرُهُ، وَلِهَذَا كَانَ أَكْمَلُ الْأُمَمِ عِلْمًا أَتْبَاعَ الرُّسُلِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَحْذَقَ مِنْهُمْ فِي عِلْمِ النُّجُومِ وَالْهَنْدَسَةِ، وَعِلْمِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ، وَعِلْمِ النَّبْضِ وَالْقَارُورَةِ وَالْأَبْوَالِ وَمَعْرِفَةِ قِوَامِهَا، وَنَحْوِهَا مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي لَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا وَآثَرُوهَا عَلَى عُلُومِ الرُّسُلِ، وَهِيَ كَمَا قَالَ الْوَاقِفُ عَلَى نِهَايَتِهَا: " ظُنُونٌ كَاذِبَةٌ، وَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ "، وَهِيَ عُلُومٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَإِنْ نَفَعَتْ فَنَفْعُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ كَنَفْعِ الْعَيْشِ الْعَاجِلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ وَدَوَامِهَا. فَلَيْسَ الْعِلْمُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ طَلَبًا وَخَبَرًا، فَهُوَ الْعِلْمُ الْمُزَكِّي لِلنُّفُوسِ الْمُكَمِّلِ لِلْفِطَرِ الْمُصَحِّحُ لِلْعُقُولِ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِاسْمِ الْعِلْمِ، وَسَمَّى مَا عَارَضَهُ ظَنًّا لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا وَخَرْصًا وَكَذِبًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] وَشَهِدَ لِأَهْلِهِ أَنَّهُمْ أُولُو الْعِلْمِ فَقَالَ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] وَالْمُرَادُ بِهِمْ أُولُو الْعِلْمِ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمْ أُولِي الْعِلْمِ بِالْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ وَفُرُوعِهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فَالْعِلْمُ الَّذِي أَمَرَهُ بِاسْتِزَادَتِهِ هُوَ عِلْمُ الْوَحْيِ لَا عِلْمُ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] أَيْ أَنْزَلَهُ وَفِيهِ عِلْمُهُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ، فَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ:

стр. 107

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] أَيْ أُنْزِلَ وَفِيهِ عِلْمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَرَاهِينِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّةِ مَنْ جَاءَ بِهِ. وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَعْنَى: أَنْزَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَبُرْهَانٌ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى أَنْزَلَهُ مُتَضَمِّنًا لِعِلْمِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ إِلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ وَأَعْلَمَهُ بِهِ فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَقَالَ فِيمَا عَارَضَهُ مِنَ الشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَرْبَابُهَا: قَوَاطِعُ عَقْلِيَّةٌ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] وَقَالَ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمَعَادَ بِعَقْلِهِ: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] وَالظَّنُّ الَّذِي أَثْبَتَهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُعَارِضِينَ نُصُوصَ الْوَحْيِ بِعُقُولِهِمْ لَيْسَ هُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحَ، بَلْ هُوَ كَذِبُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ١٠ - ١١] . وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُعَارِضِينَ لِنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ بِعُقُولِهِمْ رَأَيْتَ كُلَّهُ خَرْصًا، وَعَلِمْتَ أَنَّهُمْ هُمُ الْخَرَّاصُونَ، وَأَنَّ الْعِلْمَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَهُوَ الَّذِي أَقَامَ اللَّهُ بِهِ حُجَّتَهُ، وَهَدَى بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فَهَذِهِ النِّعْمَةُ وَالتَّزْكِيَةُ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ عَرَفَ زَعْمَ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَأَنَّ الْعُقُولَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ الْعَقْلَ تَحْتَ حَجْرِ الشَّرْعِ فِيمَا يَطْلُبُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَفِيمَا يَحْكُمُ بِهِ

стр. 108

وَيُخْبِرُ عَنْهُ، فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي الطَّلَبِ وَالْخَبَرِ، وَكَمَا أَنَّ مَنْ عَارَضَ أَمْرَ الرُّسُلِ بِعَقْلِهِ لَمْ يُؤْمِنْ لَهُمْ وَبِمَا جَاءُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ مَنْ عَارَضَ خَبَرَهُمْ بِعَقْلِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَصْلًا، يُوَضِّحُهُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَى عَنِ الْكُفَّارِ مُعَارَضَةَ أَمْرِهِ بِعُقُولِهِمْ كَمَا حَكَى عَنْهُمْ مُعَارَضَةَ خَبَرِهِ بِعُقُولِهِمْ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَعَارَضُوا تَحْرِيمَهُ لِلرِّبَا بِعُقُولِهِمُ الَّتِي سَوَّتْ بَيْنَ الرِّبَا وَالْبَيْعِ، فَهَذَا مُعَارِضَةُ النَّصِّ بِالرَّأْيِ، وَنَظِيرُ مَا عَارَضُوا بِهِ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْمُذَكَّاةِ وَقَالُوا: تَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَ اللَّهُ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَعَارَضُوا أَمْرَهُ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْقِبْلَةُ الْأَوْلَى حَقًّا فَقَدْ تَرَكْتَ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلًا فَقَدْ كُنْتَ عَلَى بَاطِلٍ، وَإِمَامُ هَؤُلَاءِ شَيْخُ الطَّرِيقَةِ إِبْلِيسُ عَدُوُّ اللَّهِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَارَضَ أَمْرَ اللَّهِ بِعَقْلِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْتَضِي خِلَافَهُ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مُعَارَضَةَ خَبَرِهِ بِالْعَقْلِ فَكَمَا حَكَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ مُنْكِرِي الْمَعَادِ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ عَارَضُوا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِعُقُولِهِمْ، وَعَارَضُوا أَخْبَارَهُ عَنِ النُّبُوَّاتِ بِعُقُولِهِمْ وَعَارَضُوا بَعْضَ الْأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبَهَا بِعُقُولِهِمْ، وَعَارَضُوا أَدِلَّةَ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِعُقُولِهِمْ فَقَالُوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وَأَنْتَ إِذَا صُغْتَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ صَوْغًا مُزَخْرَفًا وَجَدْتَهَا مِنْ جِنْسِ مُعَارِضَةِ الْمَعْقُولِ لِلْمَنْقُولِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا - أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨] أَيْ لَوْ كَانَ رَسُولًا لِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَمَا أَحْوَجَهُ أَنْ يَمْشِيَ بَيْنَنَا فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْمَعِيشَةِ وَلَأَغْنَاهُ عَنْ أَكْلِ الطَّعَامِ وَلَأَرْسَلَ مَعَهُ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ أَلْقَى إِلَيْهِ كَنْزًا يُغْنِيهِ عَنْ طَلَبِ الْكَسْبِ.

стр. 109

وَعَارَضُوا شَرْعَهُ وَدِينَهُ الَّذِي شَرَعَهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ وَتَوْحِيدِهِ بِمُعَارَضَةٍ عَقْلِيَّةٍ، وَاسْتَنَدُوا فِيهَا إِلَى الْقَدَرِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ - قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩] وَحَكَى مِثْلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَفِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ رَأَيْتَهَا أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنْ مُعَارَضَةِ آيَاتِ الصِّفَاتِ بِعُقُولِهِمْ، فَإِنَّ إِخْوَانَهُمْ عَارَضُوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لِلْكَائِنَاتِ وَالْمَشِيئَةُ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالنُّفَاةُ عَارَضُوا بِأُصُولٍ فَاسِدَةٍ هُمْ وَضَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ تَلَقَّوْهُ عَنْ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْمَجُوسِ وَالْفَلَاسِفَةِ، وَهِيَ خَيَالَاتٌ فَاسِدَةٌ. [معارضة العقل للشرع من عادة الكفار] وَبِالْجُمْلَةِ فَمُعَارَضَةُ أَمْرِ الرُّسُلِ أَوْ خَبَرِهِمْ بِالْمَعْقُولَاتِ إِنَّمَا هِيَ طَرِيقَةُ الْكُفَّارِ، فَهُمْ سَلَفُ الْخَلْقِ بَعْدَهُمْ، فَبِئْسَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَمَنْ تَأْمَّلَ مُعَارَضَةَ الْمُشْرِكِينَ لِلرُّسُلِ بِالْعُقُولِ وَجَدَهَا أَقْوَى مِنْ مُعَارَضَةِ الْجَهْمِيَّةِ وَالنُّفَاةِ لَخَبَرِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَتَكْلِيمِهِ لِمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ بِعُقُولِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةُ بَاطِلَةً فَهَذِهِ أَبْطَلُ وَأَبْطَلُ، وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ فَتِلْكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْهَا وَهَذَا لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ، يُوَضِّحُهُ: التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ عَلَى الْخَلْقِ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَتَكَلُّمِ اللَّهِ وَتَكْلِيمِهِ لِلرُّسُلِ وَاثَبَاتِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْحَيَاةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا عِنْدَ النُّفَاةِ مِثْلُ وَصْفِهِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالنَّوْمِ، كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ تَعَالَى مِنْ أَعْظَمِ الْمُنَفِّرَاتِ عَنْهُ، وَمُعَارَضَتُهُ فِيهِ أَسْهَلُ مِنْ مُعَارَضَتِهِ فِيمَا عَدَاهُ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ أَعْدَاؤُهُ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَهَلَّا عَارَضُوهُ بِمَا عَارَضَتْهُ بِهِ الْجَهْمِيَّةُ وَالنُّفَاةُ، وَقَالُوا: قَدْ أَخْبَرْتَنَا بِمَا يُخَالِفُ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنَا تَصْدِيقُكَ؟ بَلْ كَانَ الْقَوْمُ عَلَى شِرْكِهِمْ وَضَلَالِهِمْ أَعْرَفُ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ مِنَ النُّفَاةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَأَقْرَبُ إِلَى إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْمَشِيئَةِ وَالْفِعْلِ مِنْ شُيُوخِ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ السِّينَاوِيَّةِ وَالْفَارَابِيَّةِ وَالطُّوسِيَّةِ.

стр. 110

الْعِشْرُونَ: أَنَّ دِلَالَةَ السَّمْعِ عَلَى مَدْلُولِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي جِهَتِهَا، هَلْ هِيَ ظَنِّيَّةٌ أَوْ قَطْعِيَّةٌ وَأَرَادَتِ الرُّسُلُ إِفْهَامَ مَدْلُولِهَا وَاعْتِقَادَ ثُبُوتِهِ أَمْ أَرَادَتِ الرُّسُلُ إِفْهَامَ غَيْرِهِ وَتَأْوِيلَ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَصَرْفَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا؟ فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَدْلُولِهَا، ثُمَّ قَالَ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ: مَدْلُولُهَا ثَابِتٌ فِي الْأَمْرِ وَفِي الْإِرَادَةِ، وَقَالَتِ النُّفَاةُ أَصْحَابُ التَّأْوِيلِ: مَدْلُولُهَا مُنْتَفٍ فِي الْأَمْرِ وَفِي بَعْضِ الْإِرَادَةِ، وَقَالَ أَصْحَابُ التَّخْيِيلِ: مَدْلُولُهَا ثَابِتٌ فِي الْإِرَادَةِ مُنْتَفٍ فِي الْأَمْرِ، وَأَمَّا دِلَالَةُ مَا عَارَضَهَا مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ عَلَى مَدْلُولِهِ فَلَمْ يَتَّفِقْ أَرْبَابُهَا عَلَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، بَلْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَقُولُ فِي أَدِلَّةِ خُصُومِهَا: إِنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهَا لَا عَلَى صِحَّتِهَا، وَأَهْلُ السَّمْعِ مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ فِي دِلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ تِلْكَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى الْمُخَالِفَةِ لِلسَّمْعِ، فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي فَسَادَ قَوْلِ خُصُومِهَا بِالْعَقْلِ، يُصَدِّقُهُمْ أَهْلُ السَّمْعِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُكَذِّبُونَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ صِحَّةَ قَوْلِهِمْ بِالْعَقْلِ. وَقَدْ تَضَمَّنَتْ دَعْوَى الطَّوَائِفِ فَسَادَ مَا يَفْهَمُ الْعَقْلُ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَشَهَادَةِ أَهْلِ الْوَحْيِ وَالسَّمْعِ مَعَهُمْ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا يَنْقَلِبُ عَلَيْكُمْ بِاتِّفَاقِ شَهَادَةِ الْفِرَقِ كُلِّهَا عَلَى بُطْلَانِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ; لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ السَّمْعَ دَلَّ عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ، فَيَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الدِّلَالَةِ الَّتِي لَمْ يُتَّفَقْ عَلَيْهَا عَلَى الدِّلَالَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْأُمُورَ السَّمْعِيَّةَ الَّتِي يُقَالُ: إِنَّ الْعَقْلَ عَارَضَهَا كَإِثْبَاتِ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَتَكَلُّمِهِ وَرُؤْيَةِ الْعِبَادِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لَهُ، هِيَ مِمَّا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِهَا، وَعُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ امْتَنَعَ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُطْلَانِهِ دَلِيلٌ، وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قَامَ عَلَى بُطْلَانِهِ دَلِيلٌ لَمْ يَبْقَ لَنَا وُثُوقٌ بِمَعْلُومٍ أَصْلًا لَا حِسٍّ وَلَا عَقْلٍ، وَهَذَا يُبْطِلُ حَقِيقَةَ الْإِنْسَانِيَّةِ بَلْ حَقِيقَةَ الْحَيَوَانِيَّةِ الْمُشْتَرِكَةَ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ، فَإِنَّ لَهَا تَمْيِيزًا وَإِدْرَاكًا لِحَقَائِقَ بِحَسْبِهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ عَنِ التَّأَمُّلِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ صَادِقٌ، فَفِي أَيِّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ يَقْدَحُ الْمُعَارِضُ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ؟ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ هُوَ إِخْبَارُهُ عَنِ الَّذِي خَلَقَهُ وَفَطَرَهُ أَنَّهُ وَضَعَ فِيهِ ذَلِكَ وَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ وَأَرْشَدَهُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ السَّمْعُ هُوَ الْخَبَرُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَتَكَلَّمَ بِهِ
следующие страницы →