التناقض الثالث، الأمن الإسلامي في مواجهة الصراعات الإقليمية
لا ينقطع رجال التربية والفكر فوق المنابر، وفي المحافل لحظة واحدة عن الحديث عن السلام في الإسلام، والتعاون الإسلامي لحل المشكلات. ولكن رجال السياسة والحرب لا يتوقفون لحظة واحدة أيضا عن التآخر والفتنة والكيد، والإعداد لهزيمة بعضهم بعضا، وإذلال بعضهم بعضا، واقتراف ما يترتب على ذلك من تشريد، وقتل وتبديد للمقدرات البشرية والمادية. ويكاد العالم العربي، ومن ورائه العالم الإسلامي يموجان بالصراعات والفتن، وهما يمتلآن بضحايا هذه الصراعات من المشردين واللاجئين، والمنفيين والمبعدين السياسيين١.
واستمرار هذا التناقض من شأنه أن ينتهي بالإنسان المسلم عامة إلى الكفر بالسلام والتعاون والأخوة، ثم الانقضاض على جميع هذه المفاهيم، والشعارات بكل ما يجلبه هذا الانقضاض من آثار مدمرة للعالم الإسلامي كله.
إن الصراع غريزة في الإنسان لا سبيل إلى تجاهلها. ولكن الخطأ في التوجيه الذي يوجه هذا الصراع، والمقاصد التي تحدد ميادينه. فالغضب والانفعال -أو الانتصار حسب لغة القرآن- غريزة وضعها الله في الإنسان لدفع الظلم ومقارعة الشر الذي يمتحن به الإنسان من آن لآخر، وتترك له خيارات ثلاثة: فإما أن يستسلم للظلم والشر، وإما أن يناصر الظلم والشر، وإما أن يتناول الخير ليقارع به الشر. هذه هي -فلسفة الصراع- التي تناولناها بالتفصيل في كتاب -فلسفة التربية الإسلامية.
стр. 527
غير أن نظم التربية ومؤسساتها في العالم الإسلامي المعاصر لم ترتق بعد إلى مستوى تدريب الناشئة، والمتعلمين على تناول الخير لمقارعة الشر، ورفض الاستسلام له والترفع عنه الإذعان له. ولذلك فإن ما يجري في العالم الإسلامي من فتن وصراعات هو ثمرة هذا التخلف التربوي الذي تعاني منه نظم التربية القائمة فيه.
إن البديل للوضع الخاطئ القائم هو أن تتبنى مؤسسات التربية، ونظمها ما توجه إليه أصول التربية الإسلامية، وهو توجيه الإنسان المسلم للصراع ضد الظلم والشر، وحشد الطاقات كلها في هذا الاتجاه. وهو ما تقدمه مفاهيم -عنصر الرسالة والجهاد- التي مر استعراضها في عناصر الأمة المسلمة.
стр. 528
التناقض الرابع، الحاجة لتكافل المسلمين في مواجهة قوانين الإقامة والعمل
لم يعد باستطاعة بلد من بلدان الأرض أن يكتفي بخبرات الناس الذين يعيشون فيه على أرضه. بل إن الدول -التي توصف بالتقدم نفسها- تجد نفسها في فترات كثيرة بحاجة إلى استقدام الأعداد الغفيرة من الأدمغة المفكرة، والخبرات المنتجة والأيدي العاملة الماهرة، فتسن التشريعات وتضع المغريات، والتسهيلات التي تجذب الأعداد المطلوبة.
ولكن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تمارس سياساتها -في هذا المجال- على أسس غير عادلة ولا آمنة، ولا مغرية. فهي تريد -في كثير من الأحيان-الاستفادة من الخبرات والتخلي عن التسهيلات. فحين يمتد الزمن بالخبرات والطاقات المستقدمة، وتنقطع جذور المستقدمين بأماكنهم الأولى ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا تطل قوانين الإقامة، والعمل لتهز استقرار هؤلاء المستقدمين القدامى هزا يتهدد حياتهم، ومستقبل أبنائهم وتفرز مضاعفات ذلك في العصبيات الإقليمية، والاضطرابات الأمنية، وتفسد علاقات الأقطار والدول، وتبرز الأيدولوجيات المتطرفة.
ولم تجرؤ نظم التربية ومؤسساتها في العالم الإسلامي المعاصر -حتى الآن- أن تنظم لهذه المشكلات مكانا في مناهجها وبرامجها. ويبدو أنه لا حل لهذا التناقض إلا أن ترسخ نظم التربية المفهوم الإسلامي لـ -عنصر الإيواء- بتفاصيله التي مرت خلال الحديث عن عناصر الأمة المسلمة.
стр. 529
التناقض الخامس، مكانة الإنسان واحترامه في مواجهة الاعتداء على حرماته، والاستهانة بكرامته
في الوقت الذي لا ينقطع الحديث وتفيض الكتابات في المساجد، والمحافل والكتب والصحافة، والإعلام عن منزلة الإنسان في الإسلام وقدسيته وصيانة حرماته، فإن التطبيقات الجارية في ميادين الإدارة الرسمية، والتعامل الشعبي ما زالت تمتهن هذه الحرمات، وتعبث بهذه القدسية.
ولا يقتصر هذا التناقض على ما يجري في ميدان الصراعات السياسية، وما تفرزه من مضاعفات الاعتقال والسجن، والنفي والتجريد من الحقوق، وإنما يمتد إلى ميادين التعامل اليومي الجاري بين الأفراد والجماعات، وما يتخللها من مظاهر الانتقاص والعصبية والإقليمية، والعائلية في ميادين الحياة المختلفة.
وتتحمل نظم التربية، ومؤسساتها في العالم الإسلامي المعاصر المسئولية الأولى في هذا التخلف البشري في ميدان -كرامة الإنسان وقدسيته. فما زالت هذه النظم التربوية تشيع القيم القديمة -قيم عصور ما قبل الإسلام- التي تقسم الناس إلى أقارب وأغراب، ومواطنين وأجانب، إلى غير ذلك من التقسيمات القائمة على روابط العصبية الإقليمية والعرقية والقبلية. وينتج عن ذلك كله مضاعفات خطيرة في التطبيق السلبي لما تنهى عنه الآية الكريمة:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١-٣] .
стр. 530
ومضاعفات أخطر في امتهان كرامة الإنسان وحرماته، كالاستغلال في البيع والشراء، والإيجار والتنقل، والاستضعاف، وأكل الحقوق، ووضع المقيمين في الموضع الأسمى، والقادمين "الأجانب" في الموضع الأدنى إلى غير ذلك من مضاعفات ومشكلات.
ولكن النظر الدقيق في طبيعة التحديات التي يواجهها المسلمون المعاصرون، يكشف عن أنه لم يعد في صالح أحد التغاضي عن هذا التناقض السلبي المتخلف. فالمجتمعات الحديثة أصبحت تحتاج بعضها بعضًا. والعدو الطامع لا يخلق التناقضات خلقًا، وإنما يستغل ما هو قائم وموجود. والإنسان -كما قلنا: أصبح بدويا جديدا- لا يكاد يمر عليه يوم أو أيام قليلة إلا ويجد نفسه راحلا
أو مقيما. وهو حين يرحل يدخل في مواقف الضعف والحاجة إلى الإيواء
والنصرة، ومواقف العدل والإنصاف والموضوعية. وهو حين يقيم يدخل في مواقف القوة والدعم، والتمكن من مقدرات الآخرين. فهو دائم التردد -بشكل ليس له سابقة في التاريخ- بين حالتين اثنتين: حالة المقيم العزيز، وحالة ابن السبيل القابل للاستضعاف. وهو في كلا الحالتين يتلقى آثار الخبرات
الحسنة، والمعاملة الحسنة، وما يتفرع عنها من مضاعفات الترحيب، ويسر التعامل الرسمي والشعبي، أو يتلقى آثار الخبرات السيئة، والمعاملة السيئة وما يتفرع عنهما من مضاعفات الإهانة وعسر التعامل الرسمي والشعبي، والديان لا ينسى وكما تدين تدان.
وليس هناك من حل لهذا التناقض الذي يعرض كرامة الإنسان للامتهان، وينغص عليه سعادته ويفسد معيشته إلا بتصدي نظم التربية -أولًا- لمعالجة هذه السلبيات ثم التركيز على إخراج ناشئة، ومتعلمين يؤمنون بـ -عنصر الإيواء، وعنصر النصرة -بالمفهوم والمحتويات التي تطرحها أصول التربية الإسلامية في القرآن والسنة.
والخلاصة، إن آيات الله في الآفاق، والأنفس التي أسهم العلم الحديث والتكنولوجيا الحديثة في إظهارها وتسهيل شهودها، تكشف بوضوح
стр. 531
أهمية آيات الوحي التي توجه إلى تربية الإنسان الصالح -المصلح، وإخراج الأمة المسلمة المكونة من عناصر الإيمان، والهجرة والمهجر، والرسالة والجهاد، والإيواء، والنصرة، والولاية، وتنمية الإيمان بالوحدة الإنسانية والتربية العالمية بالمضامين التي مرت في هذا البحث، وهي توضح -بما لا يدع للشك مجالًا- أن هذه الأهداف التربوية الإسلامية أصبحت ضرورة معيشية للمسلم المعاصر، إذا أراد الخروج من دوامة التناقضات، والمشكلات الجارية. وليس من المعقول أن تستمر أجهزة الأمن ودوائر البوليس العالمي بإدانة ضحايا هذه التناقضات، ووصمهم بوصمات الإرهاب والجريمة، والانحراف دون أن تتحرك نظم التربية، والتوجيه ومؤسساتها لتصحيح المفاهيم الخاطئة التي أفرزتها الردة إلى العصبيات وكان من مضاعفاتها اقتراف العالم الإسلامي للكبيرة السابعة التي يشير الحديث النبوي عن الكبائر السبع بعبارة: "التعرب بعد الهجرة" و"المرتد أعرابيا بعد الهجرة" كما مر في صفات سابقة. وتتحمل مؤسسات التربية الوزر الأكبر في هذه الردة؛ لأنها نمتها -وما زالت تنميها، من خلال التركيز على أمثال شعر المعلقات، وتاريخ العصبيات والقوميات، والاكتفاء من الدين بفقه العبادات والطهارة، والحيض والنفاس وزكاة الجمال والبقر والماعز، دون أن تتصدى لقضايا الإنسان الكبرى في العيش والاجتماع، والتوعية بالظروف العالمية الجديدة التي تستدعي إعادة تخطيط العلاقات القائمة بين بني الإنسان في الطور الجديد -طور "قرية الكرة الأرضية The Global Villaga".
стр. 532
الفصل الرابع والثلاثون: توصيات
أولا: توصيات تتعلق بتربية الفرد المسلم أو الإنسان الصالح
...
الفصل الرابع والثلاثون: توصيات
السؤال يطرح نفسه كخاتمة لهذا البحث هو: كيف يمكن تحويل التصورات النظرية التي مرت إلى تطبيقات عملية تمكن مؤسسات التربية الإسلامية من تحويل الطموح المؤمل إلى واقع ملموس؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من الانتباه إلى أن الأهداف العامة الثلاثة -أو تربية الفرد المسلم، وإخراج الأمة المسلمة، وتنمية التآلف والأخوة بين بني الإنسان -التي تتطلع التربية الإسلامية إلى تحقيقها، إنما تقوم أساسًا على "الفقه التربوي" و"التطبيق التربوي" الذي يقوم به "مجتهدون تربويون" من البشر أنفسهم في ضوء التوجيهات الإلهية أو "بصائر الوحي" حسب تعبير القرآن الكريم١.
ولكن هذا الاجتهاد التربوي لن يكون مثمرًا إلا إذا جرى في إطار من الإعداد المنظم، والتخطيط الفعال، وهذا يتطلب مراعاة التوصيات التالية:
أولا: توصيات تتعلق بتربية الفرد المسلم أو الإنسان الصالح
التوصية الأولى، إن البحث في مقومات الشخصية المسلمة، أو مكونات العمل الصالح، وتنميتها وتركيبها ورعايتها، يقتضي وجود "مؤسسة
стр. 533
تنظير أو اجتهاد تربوي" تضم مجموعات -أو وحدات- تربوية يتوازى تصنيفها، وعددها مع تصنيف وعدد عناصر العمل الصالح، التي وردت في هذا البحث. ففي هذه المؤسسة المقترحة تقوم الواحدات المشار إليها، مستقلة ومتكاملة، بمواصلة البحث التربوي لبلورة "المعادلات العملية" لكل عنصر من عناصر العمل الصالح، ولبلورة المناهج والطرق، والأساليب، والوسائل والمؤسسات اللازمة لإخراج كل عنصر من عناصر العمل الصالح، ثم تركيب هذه العناصر -حسب المعادلات التي مر ذكرها- وبالتالي إخراج الشخصية المسلمة بالمواصفات المطلوبة التي تقتضيها الأصول الفلسفية، والاجتماعية والنفسية والتكنولوجية، وحسب أطوار حياة الإنسان، ومتطلبات العصور الزمانية والبيئات المكانية.
وإقامة -المؤسسة التربوية المقترحة- ضرورة لا غنى عنها ولا بديل. ذلك إن دور المفكر الفرد، أو المربى الفرد، أو المصلح الفرد، قد انتهى في عصر تفجر المعرفة، وتشابك العلاقات، وتعقيد المشكلات، عصر "قرية الكرة الأرضية" وعصر الأقمار الصناعية، والكمبيوتر، والفاكس، والتلكس، وبلغ من تعقيدات المعرفة والعلم والمشكلات، والعلاقات درجة جعلت إنسان العصر يؤمن مساء بما كفر به صباحًا، ويؤمن صباحا بما كفر به مساء.
و"الفقه الجماعي" و"البحث الجماعي" و"التطبيق الجماعي" و"الإنتاج الجماعي" صار ضرورة معيشية في كل ميدان. ولهذه الحكمة جعلت الأصول الإسلامية في محور قيمها، أن يد الله مع الجماعة. ويقيني أن الفارق الضخم المتسارع في ضخامته، بين المجتمعات التي تصنف إلى مجتمعات متقدمة، ومجتمعات متخلفة، لا يتمحور حول فوارق الثراء الاقتصادي، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والتنظيم الإداري، وإنما يتمركز هذا الفارق حول الفارق القائم بين نظمها ومؤسساتها التربوية، وطريقة كل منها في تنمية مكونات العمل، أو مقومات الشخصية، ثم تصنيف هذه
стр. 534
الشخصيات في سلم "الحكمة" النظرية والعملية، وتدريبها على مهارات "العمل الجماعي"، والتنسيق والتكامل بين أصحاب القدرات، والمهارات المختلفة. وليست الفوارق الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، والإدارية والسياسية، إلا بعض مضاعفات الفارق القائم بين نظم التربية ومؤسساتها وطرقها في تنمية مكونات العمل أو مقومات الشخصية وتوجيهها.
فالمجتمعات التي توصف بالتقدم، تتغير أحوالها السياسية والاقتصادية، والعلمية والعسكرية والإدارية بطريقة أفضل مما يقابلها في المجتمعات التي توصف بالتخلف؛ لأن مؤسسات تغيير ما بالأنفس، والمشتغلين بتغيير ما بالأنفس في الأولى، أعلى قدرات ومهارات من نظائرهم في الثانية؛ ولأن القيم العلمية السائدة فيها أرقى من نظائرها في المجتمعات التي توصف بالتخلف. ولعل مثالا واحدا يوضح لنا التقرير المشار إليه. ففي المجتمعات التي توصف بالتقدم تنبع قيم حرية التعبير والاختيار، والتفكير من المؤسسات التربوية، حيث يعطي المربون حرية التفكير والاختيار، والتعبير كاملة لتلاميذهم وطلابهم، ويتعاملون بها مع أقرانهم، أما في مجتمعات العالم الثالث -ومنه المجتمعات العربية والإسلامية- فجميع شرور القهر والتسلط، وكبت الحريات تنبع -ابتداء- من المؤسسات التربوية. وجمعينا يخبر البيروقراطية القبلية في مؤسسات التربية، وجميعنا ذاق ويعرف أساليب القهر، والإلزام السلطوي، والأسلوب المفروض في التفكير والتلقي والاستظهار، والتعبير والامتحان، الذي يمارسه المعلمون إزاء المتعلمين ابتداء من المستوى الابتدائي -بل قبل الابتدائي- حتى المستوى الجامعي. فالمؤسسات التربوية في مجتمعات العالم الثالث ما زالت نظام القيم التربوية فيها يقوم على "القوة فوق الفكرة" شأنها شأن المؤسسات الأخرى في هذه المجتمعات.
والتوصية الثانية، إقامة "مختبر التطبيقات التربوية" اللازم لتجريب الأفكار، والتصورات التي يفرزها مجتهدو مؤسسة التنظير التربوي المقترحة
стр. 535
بغية تحويل الفكرة إلى عمل، وبغية تجريبها وتعديلها، وتطويرها في ضوء النتائج التي يكشف عنها التطبيق العملي. وهذا هو الذي وجهت إليه الرسالات السماوية حين اتخذت طريقة -الناسخ والمنسوخ- كإحدى مناهجها وأساليبها في إخراج الأمة المسلمة١، وهو ما وجه الوحي به المربي الأول ﷺ إلى الأصل التربوي القائل:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] .
وهو أيضا ما تواتر نقله من أمثال الصحابي عبد الله بن مسعود ﵁ الذي قال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"٢.
ولا بد أن تتوارى مكونات "مختبر التطبيقات"، وأنشطته مع مراحل عمر الإنسان المسلم المراد إخراجه ابتداء من مرحلة الحضانة حتى الرشد. فتكون هناك روضة التطبيقات، ومدرسة التطبيقات، وجامعة التطبيقات. ولا بد من التخطيط، لأن تتوسع هذه التطبيقات في مرحلة لاحقة، لتشمل نماذج المؤسسات التربوية الموازية كأسرة التطبيقات، ومسجد التطبيقات، وصحيفة التطبيقات، وفيديو التطبيقات، وغير ذلك.
والذين يدرسون تاريخ النظم التربوية الحديثة في الغرب والشرق، يجدون أن هذه التطبيقات كانت عنصرًا أساسيا في عمليات التنظير والتطبيق التربويين، وفي عمليات التطوير التربوي والمراجعة التربوية والتجديدات
стр. 536
التربوية الجارية هناك، بغض النظر عن الإيجابيات، والسلبيات الجارية في بعض المحتويات والطرائق.
والتوصية الثالثة، هي توفر فرص التكامل المحكم الشامل بين كل من "مؤسسة التنظير التربوي" و"مؤسسة التطبيقات التربوية". فهذا التكامل يوفر للمؤسستين تقويم الأعمال، وتعديل الأفكار والممارسات، وتطوير البرامج والخطط، الأمر الذي يسهم في استمرار قدرة كلتا المؤسستين على القيام بمسئولياتهما، ويمكنهما من تلبية حاجات المجتمعات الإسلامية خلال ظروف الحياة المتطورة المتغيرة. وهذا هو الذي يتفق مع سنة الله وقوانينه في التطور البشري والنمو الحضاري. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن "الأذن" المسلمة المعاصرة تعاني -في الغالب- من حساسية حادة حين تسمع مصطلح التطور فتظنه زحزحة، وإبعادا عن القيم الإسلامية وتطبيقاتها. وهذه حساسية مفرطة لا بد من معالجتها والشفاء منها. فالتطور -في حقيقته- أصل من أصول التصور الإسلامي للوجود، وهو يعني أن هذا الكون ما زال يخلق، وأن مظاهر الخلق تبرز من عالم الغيب باستمرار، وأن الخالق سبحانه كل يوم هو في شأن.
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] .. ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ، ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] ، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] ، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ، ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٣، ١٤] .
ومن الطبيعي أن الخلق الجديد يفرز علاقات جديدة، والعلاقات الجديدة تحتاج إلى قيم ومهارات ومعارف جديدة، وهذه كلها تحتاج إلى مؤسسات جديدة. ومن الطبيعي -بناء على ذلك- أن الإنسان المسلم المراد إخراجه بواسطة مؤسسات التربية الإسلامية، يحتاج أن يكون قادرا على مواكبة الأطوار الجديدة، وفهم الشئون المتجددة، واكتشاف قوانينها، ثم تسخير هذه القوانين للتعايش معها، حسب ما تتطلبه المسئولية الملقاة على
стр. 537
عاتق الإنسان المسلم وأمة المسلمة في إشاعة المعروف الصائب الذي يضمن للنوع البشري بقاءه ودوام رقيه، وفي النهي عن المنكر الخاطئ الذي يهدد بقاء النوع الإنساني، ويوقف مسيرة رقيه.
والتوصية الرابعة، هي توفير الفرصة كاملة للمؤسسات التربوية المقترحة للإطلاع على ما يجري في حارات -قرية الكرة الأرضية- من تجارب تربوية في التنظير والتطبيق، بغية الوقوف على المؤثرات المختلفة، والمتجددة التي تعمل عملها في شخصية الفرد المسلم والأمة الإسلامية، فتشكل أفكار الأول وأعماله، وتسهم في صياغة قيم الثانية ونشاطاتها.
فهذا الاطلاع شرط أساسي لنجاح "مؤسستي التنظير التربوي والتطبيقات التربوية" المقترحين، وهو مظهر "الشهود" الذي جعله القرآن الكريم أول صفات الرسول المربي الذي أرسل ليضع مسيرة البشرية على أعتاب طور العالمية، والتفكير السنني والبحث العلمي في آيات الآفاق والأنفس:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] [الفتح: ٨] .
ومن الطبيعي أن يتوجب على ورثة الرسول ﷺ أن يتصفوا بالمؤهلات اللازمة لشهود العصر، وثقافة العصر، وتيارات العصر المتدفقة في جميع الميادين، ومخلوقات العصر الجديد البارزة عن غيب هذا العصر. فالذي لا يشهد العصر بجميع مكوناته، وميادينه والتطورات والمؤثرات المتفاعلة فيه، وبوسائل العصر اللغوية والمعرفية والتكنولوجية، لا يستطيع أن "يبشر" أهل العصر ويقنعهم بـ"المثل الأعلى" الذي تطرحه التربية الإسلامية لبقاء الجنس البشري ورقيه، ولا يستطيع أن "ينذر" أهل العصر من أخطار "المثل السوء" التي تهدد الجنس البشري بالفناء والتخلف.
стр. 538
ثانيا: توصيات تتعلق بإخراج الأمة المسلمة:
وانطلاقا من الملاحظات التي مرت عن مفهوم الأمة المسلمة يخلص البحث إلى التوصيات التالية:
التوصية الأولى، توجيه -إنسان التربية الإسلامية- إلى وجوب تطبيق مبدأ الانسحاب والعودة، الذي مرت الإشارة إليه، كلما دلفت الأمة إلى مرحلة المرض أو الوفاة. وهذا المبدأ يعني التوقف مؤقتا عن الإسهام في الممارسات الإسلامية المألوفة عن المستوى الفردي والجماعي، ثم اجتماع -الحكماء- من أولي الألباب المستنيرة، والإرادات العازمة النبيلة بغية القيام بمراجعة شاملة عميقة لاستراتيجيات التربية الإسلامية بأهدافها، ومناهجها وأساليبها ومؤسساتها.
ويراعى في اختيار عناصر -الحكماء- المشار إليهم أن يكونوا من العناصر الواعية بأصول الحياة الإسلامية، وبالتغيرات الجارية في قرية الكرة الأرضية، المتحررة من التقليد والآبائية، المزكاة من الولاءات العصبية، المتعالية عن الجاه والتقرب من أصحاب "السلطة والنفوذ"، وأهمية هذا التكوين العقلي والنفسي أن أمثال هذه النماذج الإنسانية هم القادرون على بلورة الطروحات الفكرية التي تخرج الحياة الإسلامية في صيغ جديدة تلبي حاجات المكان والزمان، وتنقيها من مضاعفات الأخطاء التي تسببت بها الممارسات المرتجلة، وفترات الجمود واختراقات محبي الجاه وأصحاب العصبيات.
ويراعى خلال المراجعة المطلوبة أن يقوم -الحكماء الإسلاميون- بأمرين اثنين: الأول، تشخيص دقيق للأوضاع المحلية والعالمية، ثم بلورة الطروحات الفكرية التي تلبي الحاجات وتتصدى للتحديات على المستويين المحلي والعالمي. والثاني، تطوير استراتيجية عمل إسلامي تتطابق مع التوجيهات القرآنية التي تصنف فصول العمل الإسلامي إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال الأحسن.
والاهتداء بهذه البصائر القرآنية الثلاث يتطلب أن يندرج تحت الحكمة شكلان من التخطيط: تخطيط تنظيري، وتخطيط عملي. وأن يندرج تحت -الموعظة الحسنة- بلورة سياسات إعلامية -دعوية تحسن تعبئة الجماهير
стр. 539
المحلية والعالمية لـ"نصرة" تنفيذ التخطيط الذي تفرزه الحكمة النظرية والعملية. وأن يندرج تحت "الجدال الأحسن" يقظة فكرية قادرة على التفاعل مع قيادات ومؤسسات الفكر المحلي، والعالمي بطروحات "أحسن" محتوى"، و"أحسن" بلاغا.
ولا بد لـ"الحكماء الإسلاميين" المنشودين أن يوالي بعضهم بعضا في مجلس دائم ترفده العناصر الذكية -الواعية المتعالية من كل جيل، ويقوم بمسئولياته في توجيه مؤسسات التخطيط، والتنفيذ طبقات لمتطلبات الخلق الجديد في أطوار الزمان وفي المكان.
التوصية الثانية، هي توجيه -إنسان التربية الإسلامية- إلى أهمية التدرج المرحلي الواعي، المحكم، خلال العمل على إخراج الأمة المسلمة، تماما كما تدرج الوحي في التربية، وتدرج الرسول ﷺ في العمل حتى اكتمل الإخراج عند خطوة:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
وخلال التدرج المطلوب لا بد من تكامل "الجهاد التربوي" مع كل من "الجهاد التنظيمي" و"الجهاد القتالي"، واستمرار إمداده لهما بالحكمة والفاعلية والتجدد، وهذه وظيفة تقتضي مراعاة أمور ثلاثة هي:
الأول، تربية العدد الكافي من الخامات الإنسانية المؤهلة لتحمل مسئولية العمل الإسلامي ونشر الرسالة. ويراعى أن يتناسب عدد هذه الطليعة مع الكثافة البشرية للمجتمعات التي ستتفاعل معها كتناسب الخميرة مع كمية العجين المراد تخميره. وكل نقص في تربية هذه الطليعة، وعددها سوف ينعكس على درجة صحة الأمة الإسلامية المراد إخراجها.
والثاني، تنظيم محتويات المناهج والتطبيقات التربوية، وصياغة العلوم لتدور جميعها في فلك "الأفكار" الإسلامية، كأن تعاد كتابة التاريخ
стр. 540
الإسلامي وغير الإسلامي ليصبح تاريخا يدور في فلك "الأفكار" بدل الدوران في فلك "الأشخاص والأشياء"، وإحلال الآداب والثقافة والفنون التي تدور في فلك "الأفكار" الإسلامية محل الآداب والثقافة، والفنون التي تدور في فلك "أشخاص" العصبيات التي أسهمت في الرد إلى الصنمية برموز وأصنام جديدة. كذلك تعاد صياغة مفهوم التطور الإنساني، وعلومه ليقاس التقدم بمدى دوران "الأشخاص والأشياء" في فلك "الأفكار"، وليس العكس كما هو قائم في مؤسسات التربية الحديثة القائمة.
وخلال هذه الجهود التغييرية لا بد من مراعاة القاعدة التربوية الإسلامية التي عبر عنها أمثال -عبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء- حين قالوا: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا"١.
والأمر الثالث، الذي يجب مراعاته هو أن للتربية، والتغيير المرادين كتابا مؤجلا وأطوارا زمنية لا بد أن تمر بها الخامات التي يجري تزكيتها تزكية إسلامية. وهذه الأطور هي:
الطور الأول، نقل النماذج البشرية التي يجري تغيير ما بأنفسها من حالة "الغياب" الاجتماعي الذي يبقى قدراتها العقلية، وإراداتها النفسية أسيرة لصنمية "الأشخاص"، ووثنية "الأشياء" إلى حالة "الحضور" الذي يجعلها تستشعر قيمة الإيمان، وأفكار" الإسلام.
والطور الثاني، رفع درجة "الحضور" عند النماذج الإنسانية المذكورة حتى تبلغ قدراتها العقلية درجة "الوعي" المحيط بغايات الحياة وسننها، وتبلغ إراداتها درجة "الحرية" في اختياراتها.
والطور الثالث، رفع كل من درجتي "الوعي" و"الحرية" حتى يبلغا
стр. 541
درجة "القدرة" على تحويل المدركات العقلية الصائبة، والإرادات المخلصة إلى "أعمال" صالحة -مصلحة.
والقرآن الكريم يسمي عمليات التغيير المشار إليها في الأطوار الثلاثة "إحياء" بعد الموت:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢، ١٢٣] .
والإحياء الذي توجه الآية إليه هو إحياء عقلي -إرادي يكون من ثمراته حسن المشي في الناس، وحسن التمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، والحق والباطل، وحسن التعامل معها كلها. وفي المقابل تلفت الآية أنظار المؤمنين إلى السياسات المعاكسة التي يديرها "أكابر المجرمين" في كل مجتمع، الذين يمكرون -أي يقيمون سياساتهم- على أساس الهبوط بالأتباع "المستضعفين" في الاتجاه المعاكس للأطوار الثلاثة حتى تنتهي بهم إلى حالة -الإماتة الإنسانية- أي إماتة العقول والإرادات وسجنها في غيابة الخرافة، والوهم والأهواء العصبية والشهوات الجسدية إلى أن تئول حياتهم إلى ظلمات العيش، وسوء الأعمال التي يزينها لهم سحرة الفكر والنفس، فلا يستطيعون منها خروجا١.
стр. 542
ولعملية "التغيير والإحياء" سنن وقوانين لا بد من التزامها، والتوافق معها الأمر الذي يتطلب البحث في علومها ومناهجها، ومؤسساتها وصفات القائمين عليها والبيئات والأوضاع اللازمة لنجاحها. وهذا يعني العمل على إيجاد مؤسسات تربوية، ومراكز للبحث العلمي لتقوم ببلورة محتويات "الحكمة النظرية" من خلال النشاطات التالية:
١- القيام بمراجعة -أو "توبة"- تربوية جزئية مستقلة من التأثيرات الآبائية، والأجنبية هدفها تمحيص التراث المتحدر من الآباء، أو تلك الوافدة من الغرباء بغية التعرف على ما كان أصيلًا يتفق مع مفهوم الأمة المسلمة في القرآن والسنة في الحالة الأولى، وما كان متنافرًا مع القرآن والسنة في الحالة الثانية، وما كان -في الحالتين- يحمل في طياته عوامل الخطأ والضعف والجمود.
والقيام بهذه المراجعة -أو التوبة- يضع الأمة على الصراط المستقيم الذي يتوافق مع سنن الحياة، وقوانين التغيير القرآنية التي تقرر أن الله لا يغير ما بقوم من أزمات سياسية أو اجتماعية، أو اقتصادية إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من محتويات فكرية وثقافية وقيم وعادات، وتقاليد وممارسات تتعلق بميادين الأزمات المذكورة.
٢- ممارسة الاجتهاد الذي يؤدي إلى ظهور علوم سياسية وإدارية، واقتصادية واجتماعية تبلور مفهوم الأمة المسلمة، ومحتويات عناصرها في الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية، حسب ما توجه إليه أصولها في القرآن والسنة، وتتطلبه حاجات الأزمنة والأمكنة، والتحديات في الداخل والخارج.
стр. 543
٣- تحويل ثمار الاجتهاد المقترح إلى خطط ومناهج، وتطبيقات تربوية يستطيع -إنسان التربية الإسلامية- من خلالها أن يعيش مضامين العناصر المكونة للأمة المسلمة فكرًا وعملًا، ويكون من ثمارها تنمية الولاء للأمة المسلمة وحدها، والعمل على إخراجها من جديد، والقضاء على الولاءات العصبية التي تتعارض مع هذا الولاء وتضعفه.
٤- تقويم الاجتهادات النظرية والتطبيقات العملية الخاصة بمفهوم الأمة المسلمة تقويما مستمرا في ضوء الحاجات المتجددة، والتغيرات الحاصلة في الزمان والمكان.
التوصية الثالثة، أن تقوم مؤسسات التربية الإسلامية بدورها كاملا لبلورة مفاهيم "الجهاد التنظيمي" وأشكاله. ويراعى في هذه العملية تطوير المؤسسات اللازمة للقيام بمسئولية تنفيذ المشروعات المقترحة في التوصية الأولى -أي القيام بـ"الحكمة العملية". ويراعى تزويد هذه المؤسسات بأعلى المؤهلات، وأدق الأجهزة والأدوات ومتابعة جهودها بالتقويم المستمر. ويراعي تنوع هذه المؤسسات إلى أقسام تتطابق مع مسئوليات الأمة المسلمة، كأن تكون كما يلي:
أ- مؤسسات تمارس الاجتهاد والنظر في آيات الوحي بغية بلورة نموذج "المثل الأعلى"، الذي تتطلبه حاجات الزمان والمكان.
ب- مؤسسات تنظر في "الخبرات الاجتماعية والكونية" في العالم كله بما في ذلك دراسة الثقافات العالمية المختلفة، وأنماط التفكير السائدة فيه لبلورة "وسائل" تحقيق المثل الأعلى.
جـ- مؤسسات وظيفتها رسم الاستراتيجيات اللازمة للتفاعل مع المجتمعات العالمية في ضوء معطيات "المثل الأعلى" الذي تفرزه المؤسسات رقم "أ" ونتائج شهود "الخبرات الاجتماعية والكونية" التي
стр. 544
تفرزها المؤسسات رقم "ب"١.
والواقع إن -الأزمة الرئيسية في العمل الإسلامي، وفي الحضارة الإسلامية- خلال التاريخ الإسلامي كله هي عدم تقدير دور -المؤسسات- وعدم إعطائها ما تستحقه من عناية -خاصة في ميدان السياسة، والاقتصاد- وترك المشروعات والإدارات للجهود والمبادرات الفردية، وتوقع قيام الفرد القائد بدور النبي المرسل المؤيد بوحي السماء، ونصرته سواء على مستوى الدول أو الجماعات. لذلك كانت -وما زالت- حركات اليقظة، ومشروعات الإصلاح حركات فردية موقوتة تعتمد على كفاءات الفرد القائد، أو الفرد المصلح،
وعلى قدراته الشخصية خلال حياته، وغياب الفرد عن مسرح الحياة يشكل نكسة حاسمة في اليقظات، والمشروعات قد ترد الأمة إلى نقطة الصفر أو تحولها
للسير في الاتجاه المعاكس. وهذا القول ينطبق على جميع حركات الإصلاح التي قادها مصلحون دينيون، أو سياسيون في الماضي والحاضر.
والتوصية الرابعة، ضرورة تكامل "التعليم ومؤسساته مع التنظيم ومؤسساته" أو نقول -تكامل عمل المدارس والجماعات مع الأحزاب، والمؤسسات والجماعات. فلقد دأبت الحركات الإسلامية العاملة للإصلاح والوحدة -منذ مطلع هذا القرن- على اعتماد الوعظ الجماهيري بدل التعليم المنظم تاركة "التعليم والتربية" للمدارس والمعاهد، والجماعات التقليدية التي انحدرت من عصور الجمود والانحطاط، أو تلك التي أنشأتها البعثات التبشيرية، أو تلك التي أنشأتها الحكومات الرسمية بتوجيه خبراء التعليم الأجانب. ولقد كان لهذه الظاهرة آثارها السلبية القاتلة إذ إن المؤسسات التربوية المشار إليها كانت -وما زالت- ترفد المجتمعات الإسلامية والحركات، والأحزاب بخليط متنافر التفكير والثقافات، كل يحمل معه
стр. 545
بصمات المدرسة أو المعهد أو الجامعة التي تخرج منها. ولذلك ضمت الحركات الإسلامية أفرادا يؤمنون بمثل عليا مختلفة متنافرة بينما يقفون تحت شعارات، وعموميات ضبابية غامضة دون أن يكون لديهم استراتيجيات صائبة
للتعليم أو التنظيم.
ولعله من الموضوعية والرجوع إلى الحق أن أنبه -هنا- إلى ما ورد في كتابي -هكذا ظهر جيل صلاح الدين، وهكذا عادات القدس- في الصفحات ٢٨٨-٢٩٥ من الطبعة الأولى حول اعتبار الأحزاب، والجماعات استراتيجية ضارة خاسرة. والواقع أنني بعد تحليل الظاهرة بعمق أكثر، وشمول أوفر أقرر أن الأسباب العشرة التي دللت بها على ضرر الجماعات، والأحزاب هي -في الحقيقة- أسباب لعدم التكامل بين المؤسسات التعليمية، والفكرية التي تمثلها المدارس والجامعات، والمؤسسات التنظيمية التي تمثلها الأحزاب، والجماعات ذلك أن ترك التعليم في أيد مؤسسات أجنبية ومحلية بنت فلسفاتها، وأهدافها ونظمت مناهجها، وتطبيقاتها حول قيم العصبيات القبلية والطائفية والإقليمية، أفرز أحزابا، وجماعات متأثرة بهذه القيم مما أشاع التنافر، والتباغض في علاقاتها وجعلها في ولاءاتها قبائل من لا قبيلة له وطائفة له.
والتوصية الخامسة، تنظيم علاقات "الأفراد المؤمنين" الذين تخرجهم مؤسسات التعليم، وينتمون إلى مؤسسات التنظيم في شبكة علاقات اجتماعية يكون العامود الفقري فيها هو عناصر الأمة الستة، أي عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد، والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية حسب التفصيلات التي مرت في هذا البحث.
ويراعى أن يتم بناء هذه الشبكة على مستويين اثنين: المستوى المحلي الذي ينظم علاقات "الأمة الصغرى" أي أفراد الجماعة أو الحزب، أو الأقلية الإسلامية. ثم المستوى العالمي الذي ينسق نشاطات الأشكال المحلية من -الأمم الصغرى- في تنظيم عالمي فعال غايته النهائية "إخراج الأمة المسلمة
стр. 546
الكبرى" في أرض ما حول الأقصى، والمسجد الحرام التي أراداها الله قاعدة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والإيمان بالله، والتي خطط حدودها إبراهيم ﵇ واكتملت وظيفتها في انطلاقة محمد ﷺ وخلفائه كما مر في فصل سابق.
فإذا اكتمل إخراج هذه "الأمة المسلمة الكبرى"، أصبح فرضا على "الأمم المسلمة الصغرى" الموقوتة أن تهاجر هجرتها الحسية إلى أرض "الأمة المسلمة الكبرى"، لتتلاحم وتتوالى وتتظافر لاستئناف حمل رسالة الإسلام إلى العالم كله.
والتوصية السادسة، بلورة مفهوم "رسالة إسلامية عالمية" تتصدى للأزمتين المستعصيتين في مجتمعات العالم المعاصر كله.
والأزمة الأولى -أزمة اجتماعية- تتمثل في فقدان المناعة الاجتماعية -أو انتشار "الإيذر الاجتماعي" في الأقطار غير الإسلامية- خاصة الأقطار الغربية المتقدمة علميا وتكنولوجيا. ولقد قوض هذا المرض أسس الحياة الاجتماعية في الأقطار المذكورة، وهيأها للانهيار من داخل. ومحور هذه الأزمة كامن في التصور الخاطئ عن "هوية الإنسان" و"موقعه في الوجود" و"المثل الأعلى" الذي يجسد هذا التصور في واقع الحياة.
والسبب الرئيس في هذه الأزمة هو الانشقاق بين أدوات المعرفة الثلاث: بين الوحي من ناحية والعقل، والحواس من ناحية أخرى. إذ إن غياب بصائر الوحي الصحيح عن ثقافة هذه المجتمعات يدفع "العقل والحواس" إلى استعمال "وسائل الحياة"، التي يكتشفها العقل وتطورها الحواس، استعمالا جاهلا بـ"أهداف الحياة وغاياتها"، وينتهي بنظم التربية ومؤسساتها إلى إخراج إنسان يبدد قدراته العقلية، والنفسية والجسدية في خدمة "مثل سوء" و"هوية" حيوانية و"ثقافة" خاطئة.
والأزمة الثانية -أزمة سياسية- يجسدها مرض -الإيذر السياسي- المستشري في أقطار العالم الثالث -خاصة الأقطار الإسلامية والعربية.
стр. 547
وهذا مرض أفقد هذه المجتمعات المناعة السياسية، وهيأها للانهيار والتمزق أمام التحديات الخارجية، وأفرز مضاعفات خطيرة في القيم وشبكة العلاقات الاجتماعية.
ومحور هذه الأمة كامن في التصور الخاطئ لـ"مفهوم الأمة" و"المثل الأعلى" الذي يجسد هذا المفهوم في واقع الحياة، ويبقى إنسان تلك الأقطار حبيس الولاء للعصبيات الضيقة، وينتهي بنظم التربية، ومؤسساتها إلى إخراج إنسان عاجز عن التكيف مع الخلق الجديد والتطور، وعاجز عن دخول عصر العالمية الذي جاءت الرسالة الإسلامية لتسهل للبشرية تخطي أعتابه، وعبور مسالكه والسعي في مناكبه.
والسبب الرئيس في هذه الأزمة هو -أيضًا- الانشقاق بين أدوات المعرفة الثلاثة -أي الوحي والعقل والحواس- مع اختلاف مظهر الانشقاق. إذ إن قيود العصبيات الدموية الضيقة تحول دون توفر الحرية -أو أوكسجين القدرات العقلية- ولذلك لا تنمو هذه القدرات ولا تنضج وظيفة العقل، فيظل إنسان تلك المناطق -خاصة الإنسان المسلم- عاجزا عن الانتفاع ببصائر الوحي المخزونة في الأسفار التي يحملها، ويتباهى بوراثتها عن آبائه، ويريد من الآخرين -بناء على هذا الإرث- أن يعترفوا له بدور "السادن" الذي يتلقى الجوائز وطقوس التبجيل.
فالأزمتان مختلفتان، ولكنهما متعادلتا التأثير والمصير. وسوف تنتهي كل منهما بمجتمعاتها إلى الانهيار: انهيار الأولى من الداخل، وانهيار الثانية أمام تحديات الخارج.
والخروج من هاتين الأزمتين يتطلب "فقها تربويا جديدا" يتخطى أصول الفقه التقليدية الشائعة بين الفريقين من مجتمعات العالم، ويبتكر أصولا جديدة -أو ما يسمى بالإنكليزية New Paradigms- كما يتطلب مربين جددا قادرين على النظر في المصادر الأصلية للتربية الإسلامية، وبناء نظم تربوية جديدة، وإقامة مؤسسات تربوية مجددة تتكامل فيها أدوات
стр. 548
المعرفة الثلاث: أي أدوات الوحي والعقل، والحواس لبلورة نموذج "مثل أعلى" جديد تتكامل فيه "غايات" الحياة مع "وسائلها".
والتوصية السابعة، هي أن التربية الإسلامية المنشودة تحتاج أن تتعمق في فقه "المظهر الاجتماعي للعبادة في الإسلام"١، ثم تتمحور حول الدعوة إليه وتتوسع في تطبيقه ليشمل العالم كله دون التزام بقومية من القوميات، أو جنس من الأجناس.
إن جانب القوة الذي مكن للشيوعية حوالي سبعين عاما هو تمحورها الإيدولوجي حول المظهر الاجتماعي للإصلاح، كما إن تنكرها لتطبيق هذه المظهر بعد التمكين، وقيام المعسكر الشيوعي قد أسهم في انفضاض أتباعها وانهيار مؤسساتها. وفي المقابل فإن انتباه الأقطار الرأسمالية للمظهر الاجتماعي، ومعالجته بقوانين الضمان الاجتماعي، وتشريعات العمل قد حال دون انتشار الشيوعية فيها، وأسهم في انتصارها في الحرب البادرة التي دارت بين المعسكرين.
لقد أهملت كل من مؤسسات التربية الإسلامية التقليدية، وحركات الإصلاح والتجديد المظهر الاجتماعي للعبادة، فحصرت الأولى عملها في المظهر الديني، وتربية "فرد" يهيأ لعبور الآخرة منذ الولادة دون عبور بمحطة الدنيا. وتمحورت نشاطات الثانية حول إفراز "قومية دينية" سياسية تدافع عن "قابلية الاستعمار" في مزق الأمة الإسلامية المتوفاة، فكانت "عاقبة" الاثنين أن لم تنجح التربية التقليدية في الحفاظ على "أفرادها"، ولم تفلح حركات الإصلاح في تحقيق أهدافها.
ولكن يجب الانتباه إلى أن التصور الشيوعي لـ"المظهر الاجتماعي" قد حمل في طياته عوامل هدمه وإفشاله، وذلك من خلال مظهري الضعف التاليين:
стр. 549
الضعف الأول، هو خطأ النظر إلى -موقع الإنسان في سلم الوجود- فالشيوعية التي أنكرت الخالق، وتبنت الإلحاد كرد فعل لوقوف الكنيسة إلى جانب معسكر "المترفين"، وليس كنتيجة من نتائج البحث العلمي والنظر الموضوعي في الوجود، وضعت الإنسان في الموقع الأول في الوجود -وليس المركز الوسط. فكان من نتائج ذلك الفهم أن الشيوعية هدمت إحساس الإنسان بمسئوليته أمام الخالق الذي يحاسبه على أعماله الخيرة والشريرة. وبذلك جعلت "إنسانها العامل" أكثر عرضة لمرض -الطغيان والاستضعاف- اللذين نهضت الشيوعية أصلا لمجابهتهما. فعندما تراءى لـ"الحزب الشيوعي" أنه استغنى، طغى وانقلب إلى طبقة أرستقراطية أبشع من أرستقراطية الرأسمالية. وهبطت تطبيقات اللينية ونظائرها بـ"العمال" إلى قطعان بشرية مسلوبة التفكير والإرادة. وبذلك تنكرت الشيوعية -من الناحية العلمية- لقيمها ومبادئها مبرهنة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .
والضعف الثاني، هو مفهوم الشيوعية عن "طبيعة الإنسان" الذي نقلته عن "الدارونية الاجتماعية"، والتي نقلها -دارون بطريقة غير مباشرة- عن الخطيئة الأصلية في المسيحية. فهذه الفكرة أصلت الشر في طبيعة الإنسان، وبررت نظرية الصراع الطبقي التي طرحتها الماركسية، وبذلك بذرت بذور الصراع، والتفكك بين أعتابها وفي مجتمعاتها نفسها.
والخلاصة أن التربية الإسلامية المنشودة، والمرشحة لإخراج أمة إسلامية جديدة تتصدى لمعالجة أزمات حارات قرية الكرية الأرضية تحتاج أن يتمحور عملها حول المظهر الاجتماعي للعبادة مع مراعاة الاختلافات الفكرية الحاسمة التي تميز الإسلام عما سواه خاصة مفهوم الإسلام عن "هوية الإنسان" الذي يضع الإنسان في المركز الوسط من سلم الوجود، ومفهومه عن "طبيعة الإنسان" الذي يقرر أن الإنسان خير في الأصل، والشر طارئ عليه، وليس العكس كما قررت المسيحية وتطبيقاتها في الشيوعية والرأسمالية.
стр. 550
وأهمية هذا التصور أن حركات الإصلاح، والتجديد التي تفرزها التربية الإسلامية المنشودة سوف لا تقف إلى جانب فريق من بني الإنسان ضد الفريق الآخر، وإنما سوف تعمل على إنقاذ جميع الفرقاء من مضاعفات مرض الانقطاع عن الله، والإسراف في حب الدنيا. فهذا المرض الذي ضربت مضاعفاته ميادين الحياة -خاصة الميادين الاجتماعية والاقتصادية- فأصابت "المترفين" الرأسماليين بسرطان "الطغيان" حين أبطرتهم القوة والثروة، فتخطوا حدود الوسطية، وقوضوا التوازن في الاجتماع الإنساني، وتحولوا إلى مترفين متسلطين سلبوا الآخرين حقوقهم في الحرية والعيش الكريم، وسلبوا أنفسهم محبة الله والناس من حولهم، وأحاطوها ببيئات الحقد ومجتمعات الكراهية وفقدان الأمن.
كذلك أصاب المرض المذكور العمال "المستضعفين" بسرطان "الهوان" حين أيأسهم فقدان القوة، والثروة والعدل فتحولوا إلى كافرين بالخير معادين للدين والأخلاق والإنسان.
ووضوح هذا التصور لإنسان التربية الإسلامية المنشودة يجعل هدف -إخراج الأمة المسلمة- أن تكون المرشد الأعظم Supreme Guide، وليس القوة العظمى Super Power، وهذا هو المنصب الذي ترمز إليه -قصة ذي القرنين- في سورة الكهف من القرآن الكريم: فإذا توجهت -الأمة المسلمة- شرفا ووجدت شعوبا معرضة لهجمات همجية يأجوجية ومأجوجية، فإنها لا تستغل ضعف هذه الشعوب، ولا تجعل منها سوقا دولية للسلاح. وإذا توجهت غربا ووجدت شعوبا جاهلة متخلفة، فإنها لا تستغل جهلها وتخلفها لابتزاز ثرواتها ومصادر عيشها، وإنما تدافع عن المعتدي عليه، وتأخذ بيد الجاهل المتخلف قائلة لكلا الطرفين إذا عرضوا عليها أجرا: "ما مكنني به الله خير!! ".
وهذا النموذج لـ"الأمة المسلمة" عامل رئيس في تحديد صورة -المثل الأعلى الجديد- الذي يجب أن تطرحه مؤسسات التربية الإسلامية للعالم
стр. 551
كله ليكون علاجًا حاسمًا لمرضى "الطغيان" و"الاستضعاف"، ومضاعفاتهما في الاستكبار والاستعباد، وليكون واقيا من استفحال عقلية "الطغيان" التي تنسى الله الخالق، وتغفل عن سننه في الاجتماع الإنساني والتاريخ، وتضع "الإنسان المترف" في المقام الأول في الوجود، وتهبط بـ"الإنسان المستضعف" إلى أسفل سلم المخلوقات. فعقلية الطغيان هذه عقلية خطيرة مدمرة تحمل في تلافيفها تدمير الإنسان وانهيار الحضارة. فقوة الله القيوم قائمة في التاريخ، فاعلة مهيمنة في الاجتماع الإنساني، وسوف نرى عملها فلا تستعجلوه!! وعلى التربية الإسلامية الجديدة، ومؤسساتها التنفيذة أن تقنع العالم بالبينة، وسلطان البرهان والعلم أن سنن الله لا يعلو عليها "الإنسان المترف" الذي يطغى أن رآه استغنى، فإن إلى ربنا الرجعي!!
والتوصية الثامنة، إن التربية الإسلامية المنشودة تحتاج أن تضع في قمة أساليبها بناء "مؤسسات القراءة"، والانطلاق -من القراءة- في كل عمل أو نشاط. والمقصود بالقراءة قراءة كل ما يتعلق بالأمم التي تسكن قرية الكرة الأرضية، ونشاطاتها وثقافاتها، وأنماط تفكيرها. ولا بد من توفير وسائل القراءة التي تبتكرها تكنولوجيا العصر، وتيسر الإحاطة بكل لغات العصر وفلسفات العصر وشئون العصر. ولا بد من توفير "القراء" المتخصصين المتفرعين الذين يتوزعون، ويتكاملون حسب موضوعات القراءة وميادينها ووسائلها؛ لأن "القراءة" المطلوبة يجب أن "تحيط" بكل ما يجري في قرية الكرة الأرضية، و"ترسخ" في التفاصيل الدقيقة قبل أن تقدم على أي تخطيط أو تنفيذ. وهذا هو اللائق بالأمة التي تنهض للعمل باسم دين بدأ الوحي فيه بكلمة "اقرأ"، ولم يبدأ بـ"صل" أو "زك" أو "حدج" أو "جاهد" أو ... أو ... لأن كل صلاة أو زكاة أو حج أو جهاد، أو عمل لا تسبقه قراءة راسخة محيطة بأهداف العمل وميادنيه ومناهجه، وطرقه ووسائله وأدواته وطبيعة عصره، وبيئته سوف يكون عملا فاشلا خاسرا.
إن آفة -المسلم التقليدي- الموجود أنه يناصر، ويخاصم بدون قراءة،
стр. 552
وهو إن قرأ فقراءته سطحية لا تتصف بالإحاطة والرسوخ. يناصر الإسلام ولا يقرأه، أو هو يقرأ شعارات عامة وملصقات ذهنية غانمة. ويخاصم الفلسفات والأيدولوجيات -كالشيوعية أو الرأسمالية- ولا يقرأ كتبها الأصلية وأصولها الفكرية، وإنما يررد ما تنتشره الصحف، أو تبثه إذاعات المعسكرات الممثلة لها والمتنافسة لقولبة الأذهان، وتعبئة المشاعر وتشكيل الاتجاهات، ولذلك يقع المسلم التقليدي في أخطاء قاتلة، وينتهي إلى إحباطات مدمرة!!
والتوصية التاسعة، أن التربية الإسلامية المنشودة تحتاج إلى شجاعة ووعي لفك الارتباط القائم بينها وبين "أزمات العصبيات القبلية والإقليمية" المتتالية في "مزق" الأمة الإسلامية. أي بحاجة أن تتخذ طابعا عالميا -إنسانيا في الطروحات الفكرية والولاءات العملية، وأن تتوجه في استراتيجيتها الكبرى إلى حشد "المؤمنين" الأقوياء من حارات قرية الكرية الأرضية، وإخراج الأمة الإسلامية الجديدة التي تملأ الفراغ في الأرض المباركة التي حدد حدودها، وأقام مؤسساتها الرسل الكرام ابتداء من إبراهيم حتى محمد صلوات الله وسلامه عليهم.
وعلى التربية الإسلامية أن تحذر من الطابع القومي الذي أفرزته مناهج التربية التقليدية، والتربية المستوردة وأدت إلى وضع العمل الإسلامي في خدمة المضاعفات التي يتسبب بها "حران"١ العربي المعاصر، والباكستاني المعاصر، والإيراني المعاصر ونظائرهم، وأقرانهم في مزق الإسلامية المتوفاة عن دخول عصر التكتلات العالمية التي تلغي الحدود الإقليمية، وتطلق الولاءات العصبية، وترتقي إلى دائرة الولاء لـ"الأفكار" الإسلامية العالمية، وعناصرها المكونة للأمة المسلمة الحقة.
فسرطان المسلم التقليدي الذي يهيؤه، لأن يستبدله الله بأقوام لا
стр. 553
يكونون أمثاله، هو هذا الحران العنيد الذي يصر على البقاء في طور العصبيات الإقليمية، والقبلية ويرفض الانتقال إلى طور "الأمة العالمية" الدائرة في فلك "الأفكار" الإسلامية، ويتحايل على دائرة الانتماء الإسلامي بمنظمات صورية تعمل كمقابر لمشكلات "مزق" الأمة الإسلامية المتوفاة!! الأمر الذي خرج به عن صراط الإيمان والإسلام، وأركسه في تعرجات النفاق الذي بدأ صغيرا ثم تطور إلى نفاق أكبر أركسه في الدرك الأسفل من هوان الدنيا، ويؤهله للدرك الأسفل من نار الآخرة!
ولا يقتصر هذا الحران العنيد، الذي يفرض الانتقال من "ثقافة العصبية القبلية" وتطبيقاتها، على الأنظمة السياسية والإدارية القائمة في "مزق" الأمة الإسلامية، المتوفاة!! بل إن الحركات الإسلامية القائمة لم "تتزك" من ثقافة العصبية القبلية، وإنما بقيت غارقة في حمأتها حتى الأذن. فالمرشد العام للجماعة، أو المراقب العام، أو الأمين العام للجبهة أو الحزب يبقى مرشدًا "راشدا"، وأمينا "أمينا" مدى الحياة محاطا بـ"العصمة" التي تحيط بشيخ القبيلة، ولا يطوله النقد الذي طال الخليفة عمر بن الخطاب. وحين يشيخ "معاوية"، أو يموت يرثه في منصب المرشد أو المراقب، أو الأمين العام أو المجلس النيابي ولده "يزيد". والمجموعة المتعاونة معه لا يجري اختيارها طبقا لمقاييس الدوران في فلك "أفكار" الجماعة أو الحزب، وإنما طبقا للدوران في فلك "أشخاص" القربى والمصاهرة، والشراكة التجارية والصدقات الشخصية، والانتماء الإقليمي أو طبقا لمستوى امتلاكهم لـ"أشياء" الدنيا وأمثال ذلك.
والدعوة ليس لها استراتيجية ولا خطط ولا مؤسسات، وإنما هي ارتجال وردود فعل لما يطرحه الإعلام المحلي والعالمي، واستجابات إشراطية منفعلة كاستجابات الحمية القبلية. وأساليب الدعوة تقتصر على -الخطابة والموعظة غير الحسنة- القائمة على الانفعال والارتجال، الجاهلة بالنفس البشرية ومفاتيحها. وليس هناك مؤسسات لإخراج من يدعو
стр. 554
بـ"الحكمة" والإعداد الموازين لمتطلبات العصر. وليس هناك مؤسسات لإعداد المفكرين المختصين بـ"الجدال الأحسن" الذين يخاطبون الفكر الإنساني كله بـ"أحسن" مما عنده. وليس هناك مؤسسات لـ"شهود" ما يجري في قرية الكرة الأرضية، و"قراءته" قراءة راسخة محيطة تمهد لـ"حكمة" التخطيط والتنفيذ. ليس هناك شيء من هذه المؤسسات والاستراتيجيات، بل الأمر متروك للكر والفر الخطابي، وللجهود الفردية. فإذا أفرزت الصدقة مفكرا فردا فظهر أمره، وشاع استثمرت الجماعة أو الحزب أفكاره، ومجهوداته -ما دامت توصف بالصواب وتحظى بالقبول، وإذا تناول النقد أفكار الفرد المذكور، أو أصاب التطرف تطبيقاتها تبرت الجماعة من المفكر، وأفكاره وألقت المسئولية عليه وحده.
والتوصية العاشرة الأخيرة، أن يتم التنسيق بين كافة المؤسسات المقترحة لتكون دائرة عمل فاعلة -متجددة بتحدد الحياة واستمرارها. ومثلما كان الطائر والسمكة هما النموذج الذي اهتدى به مصممو الطائرة والسفينة، فكذلك يجب أن يكون جسد الإنسان هو النموذج الذي يهتدي به تنسيق العمل الإسلامي ودائرة التنظيم المقترحة. فكما تحتل غدد الإفراز الموجهة -كالقلب والدماغ والرئتين والكلى، والبنكرياس -أحصن المواقع في الجسد وأخفاها حتى عن بصر صاحب الجسد نفسه، وتقوم بوظائف بعث الحياة في الجسد وتوجيه أنشطته وتنقيته مما يؤذيه، كذلك يجب أن يحل العمل الإسلامي -علماءه ومفكريه، أو "أولو الأمر" فيه- أحصن المواقع وأخفاها حتى عن عناصر العمل الإسلامي نفسه، ليقوموا في مواقعهم الحصينة الخفية بوظائف ثلاث: الأولى، تطوير -المثل الأعلى- اللازم لكل جيل من أجيال العاملين لإخراج الأمة المسلمة وعافيتها، والثانية، رسم الخطط والاستراتيجيات، والثالثة، التقويم والمراجعات والتزكية من المعوقات. فالعمل الإسلامي لديه الخبرة الكافية -إن كان يعقل- عن سياسات "حكماء مترفي قرية الكرة الأرضية" إزاء الرؤوس المفكرة المسلمة، وإبطال فاعلية العمل الإسلامي وإيقاف حركته.
стр. 555
ويمكن أن نمثل لدائرة التنظيم المقترحة بالرسم التالي:
هذه بعض التوصيات التي لا تعدو أن تكون مثيرات، ومنبهات للذين سوف يرشحهم الله لإخراج -الأمة المسلمة- من جديد، فلعلها تساعدهم على آداء فرض الله في "العمل الجماعي"، وتجسيد قوله ﷺ : "يد الله مع الجماعة".
стр. 556
المصارد والمراجع
...
المصادر والمراجع:
أولا: المصادر العربية:
أ- القرآن والحديث:
١- القرآن الكريم.
٢- صحيح البخاري.
٣- صحيح مسلم "شرح النووي".
٤- سنن الترمذي.
٥- سنن أبي داود.
٦- سنن النسائي.
٧- سنن ابن ماجه.
٨- سنن الدارمي.
٩- مسند أحمد "تصنيف الساعاتي".
١٠- المعجم الكبير/ للطبراني: بغداد: وزارة الأوقاف والشئون الدينية ١٩٨٢.
١١- السنن الكبرى/ للبيهقي.
١٢- كنز العمال/ المتقي الهندي.
١٣- المناوي، عبد الرءوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير، جـ٤، جـ٦ القاهرة، دار الفكر، ١٣٩١/ ١٩٧٢.
١٤- عز الدين بليق، منهاج الصالحين، بيروت: دار الفتح، ١٣٩٨/ ١٩٧٨.
١٥- عبد الله بن المبارك المروزي، كتاب الزهد والرقائق، مؤسسة الرسالة، بلا تاريخ.
١٦- محمد خليل الخطيب، إتحاف الأنام رسول الإسلام، طنطا، ١٣٧٣/ ١٩٥٤.
١٧- تفسير الطبري.
١٨- تفسير القرطبي.
١٩- تفسير ابن كثير.
стр. 557
٢٠- سيرة ابن هشام، جـ٤، القاهرة: مكتبات الكليات الأزهرية، بلا تاريخ.
ب- المصادر والمراجع:
٢١- ابن تيمية، الفتاوى، توحيد الألوهية، جـ١.
٢٢- ـ، ـ، مجمل اعتقاد السلف، جـ٣.
٢٣- ـ، ـ، كتاب السلوك، جـ١٠.
٢٤- ـ، ـ، كتاب التصوف، جـ١١.
٢٥- ـ، ـ، كتاب التفسير، جـ١٥.
٢٦- ـ، ـ، كتاب أصول الفقه، جـ٢٠.
٢٧- ـ، ـ، كتاب الجهاد، جـ٢٨.
٢٨- ـ، ـ، كتاب قتال أهل البغي، جـ٣٥.
كل هذه المجلدات من منشورات الرياض، عام ١٣٩٨هـ.
٢٩- السيوطي، لباب النقول.
٣٠- ابن الواحدي، علي، أسباب نزول القرآن، دار القبلة للثقافة الإسلامية: جدة، ١٤٠٤/ ١٩٨٤.
٣١- فنسنك، معجم ألفاظ الحديث.
جـ- الكتب الحديثة:
٣٢- جودت سعيد، العمل، دمشق: دار الثقافة، ١٤٠٠/ ١٩٨٠.
٣٣- فخري، أحمد، مصر الفوعونية، ط٣، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٧٠.
٣٤- فور، إيدجار، تعلم لتكون، ترجمة د. حنفي بن عيسى، الجزائر: اليونسكو - والشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ١٩٧٦.
٣٥- فينكس، فيليب، فلسفة التربية، ترجمة د. محمد لبيب النجيجي، القاهرة: دار النهضة العربية، ١٩٨٢.
٣٦- الكيلاني، ماجد عرسان، فلسفة التربية الإسلامية، ط٢، بيروت: مؤسسة الريان ١٤١٩/ ١٩٩٨.
стр. 558
١- Arnov, Robert, F. (ed) Philanthropy and Cultural Imperialism. Bloo-
mingtan: Indiana University Press, ١٩٨٢.
٢- The ASCD Committee on Research and Theory, Measuring and At-
taining the Goals of Education. USA, ١٩٨٠.
٣- Barnet, Richard J. Global Reach. New York: Simon and Schuster,
١٩٧٤.
٤- Becker, James. Education for A Global Society, Indiana: Blooming-
ton: The Phi Delta Kappa, ١٩٧٣.
٥- Becker, James and Lee Anderson "Ridexs on the Earth Together" in
Education in A Dynamic Society, ed. by Dorothy Westby-Gibson, Masachusettes: Addison-Westby. Publishing Co, ١٩٧٢.
٦- Berman, Edward H. The Infulence of the Carnegie, Ford, and Rocke-
feller Foundations on the American Policy: The Ideology of Philanthropy, New york: State University Press, ١٩٨٣.
٧- Besag, Frank P. and Jack L. Nelson, The Foundation of Education,
New york: Random House, Inc. ١٩٨٤.
٨- Bowels, Samuel and Herbert Ginitis, Shooling in Capitalist America.
New york: Basic Books, Inc. ١٩٧٦.
٩- Carnoy, Martin, Education as Cultural Imperialism, New york: Long-
man Inc. ١٩٧٤.
١٠- Commoner, Barry, The Closing Circle, New york, knoff, ١٩٧٧.
١١- Corwin, Ronald G. Education in Crisis, New york: John Wiley and
Sons Inc. ١٩٧٤.
١٢- Dewey, John. Democracy and Education, New york: Macmillan Co.
١٩٤٤.
١٣- Dewey, John, Experience and Education. ١٠th ed. New york: Collier
Books, ١٩٦٩.
١٤- Dobos, Rene, So Human An Animal, New york: Charles Scriber's
Sons, ١٩٦٨.
١٥- Fromm, Erich, "The Nature of Love" in, The Contemporary Scene.
edited by Paul B.Weisz, New york: Mc Graw-Hill Book Co., ١٩٧٠.
١٦- Globe, Frank. The Third Force, New york: Pocker Books, ١٩٧٠.
١٧- Heresy, Paul and Ken Blanchard, Management of Organization Beha-
vior, ٤th edition, Engle wood Cliff: Prentice-H Inc. ١٩٨٢.
١٨- Lappe, Francis Moor and Joseph Collins, Food First, Boston
Houghton Mifflin Co., ١٩٧٧.
стр. 559
١٩- Maslow, Abraham, Motivation and Personality, New york: Harper &
Row Publishers, ١٩٧٠.
٢٠- Maslow, Abraham, The Farther Reaches of Human Nature, New
york: Penguin Books, ١٩٧٩.
٢١- Maslow, Abraham, Toward a Psychology of Being, New york:
D.Van Nostrand Co., ١٩٦٨.
٢٢- Schumacher, E.Fritz, Small is Beautiful, New york: Harper & Row,
Inc. ١٩٧٣.
٢٣- Spring, Joel, Education the Worker Citizen, New york: Longman Inc.
١٩٨٠.
٢٤- Toffler, Alvin, Future Schock, New york: Bantam Co. ١٩٨١.
٢٥- Webb, Rodman B. Schooling and Society, New york: Macmillan
Publishing Co. ١٩٨١.
٢٦- White, John, The Aims of Education, London: Routledge and Kegan
Paul, ١٩٨٢.