الفصل الحادي والثلاثون: الوحدة الإنسانية ومفاهيم التربية الدولية المعاصرة
الاتجاه الأول: المدرسة المثالية idealistic
...
الفصل الحاديث والثلاثون: الوحدة الإنسانية، ومفاهيم التربية الدولية المعاصرة
بدأ رجال التربية منذ أوائل الستينات بالحديث عما يعرف بـ"التربية الدولية"، ثم تزايدت الدعوة إلى تحقيق هذه العالمية التربوية من خلال مؤسسات التربية الدولية -وخاصة اليونسكو- وفي المؤتمرات التربوية ذات الطابع العالمي.
ولقد اتخذت الدعوة إلى -عالمية التربية- اتجاهين رئيسين هما: اتجاه المدرسة المثالية، واتجاه المدرسة الواقعية. وفيما يلي عرض مفصل لكل من الاتجاهين المذكورين.
أ- الاتجاه الأول: المدرسة المثالية Idealistic:
أطلقنا هذا الاسم على هذا الاتجاه؛ لأن الممثلين له مجموعة من المثاليين الذين يريدون -من خلال التربية- بناء عالم مثالي خال من نوازع الشر والأنانية، ومفعم بدوافع الخير والإثرة والتضحية. ولقد اتخذ هذا الاتجاه -أيضا- شكلين رئيسين: الشكل الأول مثله أفراد من المفكرين المتناثرين هنا وهناك، والشكل الثاني تمثل بمؤسسة اليونسكو الدولية.
ويمكن أن نختار -كمثال للشكل الأول- نفرًا من التربويين الذين أسهموا في بلورة هذا الشكل منهم المربي الأمريكي -جيمس يبكر James Becker- الذي شارك لسنوات طويلة بنشاطات اليونسكو، وأسهم في بلورة منطلقات التربوية الدولية، وعمل خبيرًا للمنظمات التربوية في الولايات المتحدة.
وفي البحث المشترك الذي قدمه -بيكر- بالاشتراك مع -لي
стр. 492
أندرسون Lee Anderson لخص الباحثان الأفكار الرئيسية لفكرة التربية الدولية وبواعثها ومبرراتها. ومما جاء فيه:
"لقد رأى الإنسان عالمه -عالم الأرض- من مدار القمر بصورة تختلف تمامًا عن الصورة التي ألفها، وهو يجلس على الأرض نفسها. لقد رأى كوكبا هشا غير صلب، عالم ثمين جدا يوفر أسباب الحياة وسط ملايين الأميال من البرودة والفراغ. وبذلك استيقن الإنسان إن مصادر الحياة -من الهواء والماء والتراب والمعادن- هي مصادر محدودة قابلة للنفاذ السريع، وإن الصراعات التي تجري على هذه الأرض صراعات تافهة إذا قورنت بوحدة بني الإنسان، ومصلحتهم المشتركة في البقاء.
ولقد قاده هذا التفكير إلى فكرة أخرى مرعبة، وهي ماذا سيكون عليه مصير الإنسان إذا لم يتعلم أن يتعايش مع هذه الحقائق الجديدة عن وحدة الأرض، وتفردها إن المدارس نادرا ما تغرس في وجدان الطلبة الإحساس بوحدة الكرة الأرضية، وما تقدمه التربية عن العالم لا يزيد عن مجموعة من قطع المعلومات المبعثرة، حيث تقدم مقررا عن الشرق الأدنى، ومقررا عن أمريكا الجنوبية، ومقررا عن الولايات المتحدة، ودرسا عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ودرسا عن الشيوعية، ودرسا عن العلاقات الدولية، ودرسا عن الثقافات الإنسانية، ودرسا عن التفكير الناقد. يرافق ذلك الصورة القديمة التي تقدمها الخرائط السياسية عن إن العالم يتكون من "١٣٠" قطعة من العقارات الأرضية.
فالتربية الدولية ما زالت صورة باهتة غامضة الأهداف مفككة المناهج والمدارس القائمة هي مؤسسات فاشلة عاجزة عن تربية الأطفال، والشباب وإعدادهم ليعيشوا في عالم اليوم، وعالم المستقبل"١.
стр. 493
كذلك ناقش -جيمس بيكر- أهمية التربية الدولية بتفضيل أكثر في كتابه "تربية لمجتمع عالمي موحد"١، فذكر إن هناك مجموعة من العوامل المستجدة التي تجعل وحدة الكرة الأرضية ضرورة ملحة، وحاجة من حاجات الحياة إذا أريد للحياة على الأرض أن تستمر وتبقى.
ومن هذه المستجدات: ثورة الاتصالات وتقلص المسافات، والانفجار السكاني في العالم، ومشكلات الطاقة، وظهور ثقافة عالمية مشتركة، وتبادل الاعتماد التاري والاقتصادي، وأخطار تلوث الماء والهواء والمحيطات، واستمرار أخطار التسلح والحروب. بالإضافة إلى ما تسببت به هذه المستجدات الجديدة من تغييرات في زيادة الإنتاج والاستهلاك، وتعرية سطح التربة، واستنزاف مصادر الوقود والمعادن والمواد الأخرى، وتلوث العناصر الضرورية لحياة الإنسان وصحته، وزيادة قدرة الإنسان على السلب والنهب، وتفوقه على بقية الكائنات الموجودة في التخريب، وزيادة تعرض المجتمعات لخطر الدمار والانحلال.
ولقد أثرت هذه التغييرات كلها في التركيب السياسي القائم في المجتمعات المعاصرة. فتضاعفت القدرات الحربية في الوقت الذي لم تتقدم الثقافة والقيم. وظل الجوع والمرض يشكلان القاسم المشترك بين غالبية السكان بينما يتربع على قمة المجتمع قلة من النخبة التي تملك كل شيء وتتمتع بكل شيء.
فإذا قارنا هذا الوقع الخطير بالصورة التي نقلها رواد الفضاء عن الكرة الأرضية الخضراء الهشة، السابحة في الفضاء فسوف نعي المخاطر التي تتهدد سلامة الإنسان، وسوف ندرك الحاجة إلى نظم تربوية تقدم العالم كله وحدة واحدة، وليس مجرد مجموعة من المناطق المتباعدة المعزولة.
стр. 494
ولكن هناك مجموعة من العقبات التي تقف سدًّا أمام إخراج هذا النوع من التربية العالمية الموحدة. وأخطر هذه العقبات -في رأي جيمس بيكر- هي العنصريات والقوميات القائمة. فالناس حين يولدون فهم يولدون بجنسية واحدة وانتماء واحد هو -أمة الإنسان- ولكنهم بعد الميلاد تلتهمهم التكتلات الإقليمية، والعرقية التي تمزق الانتماء الإنساني وتفسده، وتمنع تسوية المشكلات بالوسائل السلمية بين جماعات البشر.
واليوم تعيش الدول القومية مجموعة من التناقضات الخطيرة المدمرة.
وأول هذه التناقضات إن أيا من هذه الدول لا تملك ضمانات الأمن لمواطنيها وسلامتهم، وازدهارهم بمعزل عن بقية الأمم ومع ذلك فهي لا تتوقف عن إثارة المشكلات، والنفخ في الخلافات وإشعالها.
وثاني هذه التناقضات إن قادة هذه الدول يمارسون عددا من الألاعيب، والمناورات مع الأنداد والخصوم تحت ستار الأمن والقومي، والنفوذ، والمكانة الدولية في الوقت الذي ينادون بتسنيق المصالح الإنسانية المشتركة، وتوازن المدفوعات، وتسهيل التجارة الدولية، وحرية الملاحة في المحيطات، والتعاون لحفظ بيئة الكرة الأرضية من التلوث.
وثالث هذه التناقضات إن قادة الدول القومية يلعبون مع مواطني بلادهم مجموعة أخرى من الألاعيب السياسية، حيث يضيقون عليهم معيشتهم باسم الأمن الاجتماعي، وفرض الضرائب، والصالح العام، بينما يعدونهم بتوفير فرص التعليم، وتوفير الإسكان، والصحة العامة.
ورابع هذه التناقضات إن الحكومات القومية تنشر القوات البحرية في ما وراء البحار، وتطور الأسلحة، وتذكي التسابق في التسلح وحملات الفضاء، وإنفاق الملايين في السياسات الخارجية، في الوقت الذي تقصر في نفقات التربية والصحة العامة، والإسكان وأمثالها.
стр. 495
ولقد زادت حدة هذه التناقضات والضغوط الناتجة عنها بسبب الوعي السياسي المتزايد، وانشار فاعليته بين الطبقات المحرومة.
ولكن أخطر هذه التناقضات -في رأي جيمس بيكر- هو فشل الحكومات الإقليمية، والقومية المعاصرة في إدارك التناقض بين سياساتهم المحلية الإقليمية وبين الضرورات العالمية. فالحكومات القويمة -منذ مائتي عام- تمارس سلطة مطلقة وتنفرد في تقرير المصائر على حساب الواجب الملح في تحقيق التعاون بين شعوب العالم. وما زالت التربية تصيغ الناشئة صياغة قومية، وتضعهم في خدمة التسلط الطبقي، والقومي مع إن تطور الحياة يسير في اتجاه معاكس ويتطلب آفاقا أرحب من التسامح، والتعاون لمساعدة بني الإنسان على التحرر من نزعاتهم العدوانية التي يمارسونها تحت عناوين الصالح العام والأمن القومي.
ويزيد في الحاجة إلى التربية الدولية أن التطور الثقافي في العالم يسير في اتجاه يعزز أهداف هذه التربية وتوجهاتها، ويمهد لبدء حضارة عالمية واحدة أساسها المعارف العلمية، والتكنولوجية المشتركة، والتطلعات المشتركة، والمصير المشترك، والجهود المشتركة لمواجهة المشكلات القائمة، وتخطي الحدود القائمة في السياسة والثقافة والاجتماع. ويعزز ذلك انهيار الحواجز الجغرافية والثقافية وظهور المدن الكبرى التي تعيش فيها مجموعات تمثل العالم كله مثل نيويورك ولندن، وطوكيو بالرغم من التناقضات التي تسببها الحكومات القومية، والعرقيات القائمة في العالم. ويعزز هذه الوحدة الظواهر العالمية والمشاركات والممارسات العالمية كالشركات الاقتصادية العالمية، ودراسات السلام العالمي والتخطيط المشترك لمستقبل العالم.
ويخلص -بيكر- من استعراضه هذا إلى القول إنه آن الأوان أن يدرك الناس أن البشري يعشون في كوكب واحد -أو بلد واحد- بين كواكب أخرى لا حياة فيها، وأنهم يواجهون مشتركة واحدة، وإنهم ما لم
стр. 496
يخططوا نظم التربية وتنمية الولاء المشترك للكرة الأرضية، وتوجيه الناشئة للعمل والتعاون الجماعي بعيدا عن ألاعيب السياسيين، فلن يستمروا في الحياة أبدا.
ويشترك مع -بيكر- في هذا الاتجاه آخرون نختار منهم كلا من -فرانك ب. بساج، وجاك ل. نلسون -في كتابهما المشترك- أصول التربية -حيث يخلص الباحثان إلى النتائج التي خلص إليها بكر، ويشاركانه آراءه في تحليل الظواهر العالمية القائمة.
ويأخذ كل من -بساج ونلسون- على المؤسسات التعليمية، ونظم التربية أنها ما زالت تؤكد على المناهج الإقليمية والقومية، وتتجاهل التطورات الكاسحة التي تجري في بيئة الكرة الأرضية١.
ويضيف الباحثان إن أخطر نتائج تجاهل هذه التطورات العالمية هو الاضطراب التي تحدثه نظم تقوم على تصورات قديمة تفتت وحدة الإنسانية، وتحيلها إلى وحدات وكتل متصارعة. وأخطر هذه النظم هي الأيدولوجيات الشيوعية، والرأسمالية والقومية، والإقليمية التي تلعب دورا أساسيا في دعم المفاهيم والقيم القديمة التي تفرز الولاء للأوضاع القائمة الشاذة، وتستعمل أساليب النفي السياسي، والمقاطعة الاقتصادية والتدخل العسكري والحرمان الوظيفي بهدف الإبقاء على الوضع القائم في العالم رغم عدم مناسبته للتطورات الجارية، ورغم ما يتسبب به من مشكلات ومجاعات، وتلوث للبيئة وتعذيب لبني البشر، وسجن سياسي وإهدار للمصادر الطبيعية، وتهديد نووي للحضارة في الكرة الأرضية كلها٢.
ويضيف المؤلفان إنه للوقوف على هول المأسأة التي تتسبب بها النظم
стр. 497
القائمة يكفي أن ننظر في حجم الخسارة، والإهدار التي تسببه نفقات التسلح بغرض الحفاظ على الأنظمة القائمة التي تخالف الطابع العالمي الجديد١. وفيما يلي بعض الأمثلة التي يقدمها الباحثان لهذا الإهدار في نفقات التسلح:
١- إن الميزانيات العسكرية في ٢٥ دولة من أفقر الدول تفوق دخل بليونين من السكان.
٢- إن الميزانية السنوية التي تنفق على الأبحاث العسكرية تفوق بمقدار "٦" ست مرات الميزانية التي تنفق على الطاقة في العالم كله.
٣- إن ميزانية الأبحاث العسكرية التي تجري سنويات في العالم تفوق ميزانيات الأبحاث الأخرى المتعلقة بقضايا الصحة والتربية، والزراعة وغيرها.
٤- إن ما ينفق على التسلح في يومين اثنين يكفي للإنفاق على الأمم المتحدة في العالم كله.
٥- إن ما ينفق لبناء غواصة واحدة يساوي ما ينفق على تعليم ١٦.٠٠٠.٠٠٠ ستة عشر مليون طالبًا سنويًّا.
٦- إن ما ينفق على الجندي الواحد يزيد بمقدار "٦٥" مرة عما ينفق على تعليم الطفل الواحد.
لذلك كله يقترح الباحثان التركيز على تطوير التربية، وتنويرها لإبراز مخاطر هذه الجمود المتمثل في الظواهر المفرقة للجنس البشري، وما تفرزه من صراع دولي. وإن هذا التركيز يتوافق مع أهم أهداف التربية في تحسين الحضارة، وتنمية الفكر الناقد المتحرر. ويقترح الباحثان نموذجا لأهداف التربية الدولية المنشودة، ويصنفان هذه الأهداف في التالي:
السلام.
стр. 498
والرخاء الاقتصادي.
وتوازن البيئة.
والعدل الاجتماعي
والمشاركة السياسية.
كذلك يقدمان لهذه الأهداف الخمسة تفريعات، وتفصيلات تستهدف التأثير في برامج التربية وتطويرها١.
والشكل الثاني، من أشكال المدرسة المثالية هو المحاولات التي تقوم بها كل من اليونسكو، والأمم المتحدة لتطوير نظام تربوي عالمي يعمل على تقوية مظاهر التعاون بين شعوب العالم.
أما عن دور اليونسكو فقد بدأت نشاطاتها في ميدان التربية الدولية منذ الستينات -بل لعل الفكرة نشأة أصلًا في أروقتها. ولكن أبرز أعمالها في هذا الشأن هو ما قامت به عام ١٩٧١ حين عمدت إلى تشكيل لجنة دولية لدراسة كيفية النهوض بالتربية الدولية. ولقد تألفت اللجنة برئاسة السيد إيدجار فور الرئيس السابق لمجلس الوزراء الفرنسي، والوزير السابق للتربية الوطنية وعضوية كل من:
- فيليب هيريرا: أستاذ بجامعة تشيلي، والرئيس السابق لبنك الأقطار الأمريكية للتنمية.
- عبد الرزاق قدورة: أستاذ الفيزياء النووية بجامعة دمشق.
- هنري لويس: وزير الشئون الخارجية، والوزير السابق للتربية الوطنية في جمهورية الكنغو الشعبية.
- آرثر ف. بتروفسكي: أستاذ وعضو مجمع العلوم التربوية في الاتحاد السوفياتي.
стр. 499
- مجيد رحنامة: الوزير السابق للتعليم العالي والعلوم في إيران.
- فريدريك شامبيون وورد: المستشار في شئون التربية الدولية لدى مؤسسة فورد.
ولقد لخص رئيس اللجنة في رسالته التي وجهها إلى المدير العام لليونسكو أهداف اللجنة فقال:
"لقد أردنا، نزولا عند رغبتكم، أن تكون نقطة الانطلاق في عملنا هي دراسة حالة التربية عام ١٩٧٢ دراسة نقدية، أي أن ننظر إلى الأمور من زاوية عالمية لكي نستخلص الخصائص المشتركة التي لا يمكن فهم الكثير منها، إلا بالرجوع إلى الماضي، مثل الاتجاهات الجديدة المنتشرة اليوم في أغلب الأقطار على اختلاف أنظمتها، ومثل العوامل التي أخذت لأول مرة في التاريخ تؤثر في تطور التربية أو ترافق تطورها. وهكذا آل بنا الأمر إلى الحديث عن "المشاكل المستعصية"، فخصصنا لها جزءًا من هذا التقرير"١.
والتقرير المشار إليه هو خلاصة عمل اللجنة التي تشكلت بناء على القرار الصادر عن الجمعية العامة لليونسكو خلال دورتها السادسة عشرة عام ١٩٧٠، ثم قضت عامين من العمل، وزيادة أقطار العالم واستشارة الخبراء التربويين فيه، ثم جمع المعلومات وتحليلها إلى أن صدر التقرير بشكله النهائي تحت عنوان Learning To Be الذي ترجم إلى العربية بعنوان "تعلم لتكون".
وأما عن دور الأمم المتحدة، فأبرز مظاهر الدعوة إلى -عالمية التربية- هو العمل على إنشاء -جامعة الأمم المتحدة.
وأساس هذا المشروع أن الشباب في العالم يشتركون في أمور كثيرة، ولهم اهتمامات وحاجات مشتركة، وإنهم يملكون إحساسًا مشتركًا بما يعني
стр. 500
وجود نظام عالمي يحل السلام على الأرض. وهم أيضا سيتسلمون مسئولية المستقبل الذي سوف تتداخل فيه روابط الشعوب بشكل أعمق وأوسع.
وإزاء هذه التوقعات ظهرت فكرة -جامعة الأممة المتحدة- وبناء نظام تربوي ذي طابع عالمي هدفه -كما يقول هارولد تايلور- كالتالي:
"إن جامعة الأمم المتحدة مجهود يستهدف حشد الذكاء المنظم لدى الجنس البشري لحل مشكلات العالم على أساس عالمي، وذلك باستعمال قدرات الفكر، والذكاء لاستنباط حلول جديدة، وتعليم فلسفة جديدة"١.
وخلاصة فكرة -جامعة الأمم المتحدة- هو اختيار عدد مناسب من الطلاب من جميع أقطار العالم ثم إعدادهم لتولي مناصب القيادة في أقطارهم بعد أن يجري توحيد اتجاهاتم، وأفكارهم بما يخدم الأهداف العالمية المشتركة.
ولقد تم الاتفاق على أن لا يكون لهذه الجامعة مباني محددة، وإنما تتكون من إدارة عالمية تتخذ مركزها في -طوكيو- في اليابان، ويقوم إلى جانب هذه الإدارة مجلس للجامعة يتكون من خبراء من أقطار العالم. ثم برنامج تربوي يعتمد أساسا على المؤتمرات والزيارات، والمحاضرات والأنشطة والرحلات المشتركة للدارسين في هذه الجامعة.
ولقد تحمست لهذا المشروع دول عديدة وتبرعت اليابان بـ١٠٠ مليون دولار لها إلا أن الولايات المتحدة، وروسيا والدول الغربية لم تتحمس لها إجمالا واقتصرت مشاركاتها على عدد من الأفراد والمؤسسات، وما زالت الفكرة لم تتعد الاجتماعات والمداولات٢.
стр. 501
ب- الاتجاه الثاني: المدرسة الواقعية Realistic:
وأعضاء هذه المدرسة ينتشرون في ميادين التربية والأنثروبولوجيا، والعلوم السياسية والحضارات، وهم يفكرون من منطلق -الدارونية الاجتماعية Social Darwinism- التي تؤمن بنظرية الصراع بين الأجناس، ويطبقونها في ميدان الحياة الاجتماعية وعلاقات الطبقات والشعوب.
ويؤمن -الواقعيون- بأثر المستجدات الجديدة التي أدت إلى عالمية العلاقات والنشاطات، وعالمية التأثير في ميادين الحياة المختلفة. ولكنهم حينما يفكرون بمواجهة المشكلات الناجمة عن هذه المستجدات، فإنهم لا ينطلقون في حلولهم من الفلسفات المثالية وتوجيهات الدين، وإنما ينطلقون من الواقع الدنيوي القائم، ويؤمنون بحلول وإجراءات تتناسب مع هذا الواقع دون اعتبار لمقاييس الخير والشر، والفضيلة والرذيلة والحساب والعقاب في الحياة الآخرة.
وحين يتحدث هؤلاء عن -التربية الدولية- يكون مرادهم إعادة النظر في مناهج التربية وطرائقها، وأسسها في أقطار الدول المتقدمة صناعيا وعلميا التي ينتمون إليها، بحيث يكون الهدف هو إخراج جيل قادر على أمرين: الأول: رفع درجة استثمار موارد البيئة المحلية بالوسائل المناسبة للزمان والمكان، والثاني، إدارة دفة الصراع الدولي القائم في ميادين الاقتصاد والسياسة، ثم الهيمنة على موارد الكرة الأرضية ومقدراتها وسياساتها، دون اعتبار للضرر الذي سيلحق بالشعوب المهزولة؛ لأن هذه هي قوانين الصراع والبقاء للأصلح.
ولذلك حين تناقش قضايا التفجر السكاني وتلوث البيئة، ومحدودية مصادر الأرض، فإن الحلول التي يطرحها أعضاء المدرسة الواقعية تدور حول التخلص من الزيادة السكانية التي غالبا ما توجد بين شعوب العالم الثالث في آسيا، وأفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ لأنها -حسب رأيهم- شعوب تستهلك ولا تنتج، وتلوث ولا تنظف؛ ولأن نظمها وثقافاتها تندرج في
стр. 502
عداد العقبات التي تواجه الباحثين عن حلول للمشكلات القائمة. فهي شعوب متوحشة تعاني من طغيان الدكتاتورية والتخلف العلمي، والفوضى الإدارية، واضطراب سلوك الفرد وتفكيره، وانعدام النظام وعدم الإنتاج والعيش معيشة الديدان الطفيلية.
أما الوسائل التي تقترح للتخلص من هذه الزيادة السكانية، فتتركز حول استغلال تناقضات شعوب العالم الثالث، وجهلها ورواسب التخلف فيها مثل العصبيات القبلية والإقليمية، والطائفية والأغلال الثقافية والاجتماعية لإشعال الفتن بين أهلها، ثم تزويدهم بالسلاح ليقتل بعضهم بعضا، ويبيد بعضهم بعضا.
والأفكار التي تناولت هذه القضايا عديدة متكررة. منها ما ذكره -هارولد تايلور- حيث قال معلقا على عدم مشاركة الدول الكبرى بمشروعات التربية الدولية كما تطرحها المدرسة المثالية:
"من المؤكد أن الأزمات التي نتحدث عنها مثل: الزيادة الهائلة في السكان، ونقص إنتاج الغذاء في العالم، وخطر الحرب الذرية، وتصاعد التسلح، وهيمنة الدكتاتوريات العسكرية، واللجوء إلى قوة السلاح لحل النزاعات السياسية، واستنزاف مصادر الكرة الأرضية، هي مخاطر حقيقية وقائمة. وهناك احتمال قوي إذا لم تتخذ خطوات حاسمة للتغلب على هذه المخاطر، فإننا سوف نجد أنفسنا -في يوم معين- خلال القرن الآتي مضطرين لقتل وتجويع، وبتر نسبة كبيرة من سكان الكرة الأرضية حتى يتيسر للبقية أن تبقى على قيد الحياة في معسكر يعيش تحت هيمنة أولئك الذين يمتلكون أغلب الأسلحة المخزونة القوية"١.
стр. 503
ويقول -باري كومنر:
"الحرب ... وسيلة لحل المشكلات الاجتماعية، وإنما بعملية بيولوجية هي -الموت. وأنا أعتقد أن الوسيلة نفسها أداة صالحة لتحديد عدد السكان"١.
ويناقش -جاريت هاردن- أستاذ علم البيئة في جامعة كالفورنيا في مدينة سانت باربرا، قضية مساعدة الأقطار الغنية للأقطار الفقيرة حيث يخلص إلى أن ثلث أقطار العالم أقطار غنية بينما الباقي فقراء، وإن مثال الأولى مثال ركاب في رقاب نجاة عددهم "٥٠" خمسون والقارب يتسع لـ"ستين". بينما هناك مجموعة من الناس تقارب المائة إلى جانب القارب تتقاذفها الأمواج وتتعرض للغرق. فهل ينقذ أهل القارب منهم عشرة أفراد؟ وكيف يختارون العشرة؟ وإذا اختاروا إنقاذ الجميع فسوق يصبح ركاب القارب مائة وخمسين راكبا وينتهي أمره إلى الغرق. ولذلك فمن الأفضل ترك كل فريق لمصيره، ونتائج ما هو فيه٢.
ولم تر هذه الآراء وأمثالها الداعية إلى وأد ملايين البشر كحل جراحي لمشكلة زيادة السكان، بدون ردود. فقد انبرى عدد من الكتاب لتفنيد المشكلة المزعومة. من ذلك ما كتبه كل من -فرانسيس مور لابي، وجوزيف كولنز- في كتابهما المسمى -الغذاء أولًا. ولقد أورد المؤلفان كثيرًا من الشواهد والأدلة على أن المشكلة ليست في زيادة سكان الأرض، وإنما في احتكار مصادر الغذاء والإنتاج، وعدم تمكين الأكثرية الفقيرة من استعمالها، وأن مشكلة الجفاف في قارتي أفريقيا وآسيا -مثلا- سببها تآمر الشركات الدولية الاستعمارية التي احتالت على تلك الأقطار، وحولتها من
стр. 504
نظمها الزراعية التقليدية التي كانت توفر الغذاء للسكان المحليين، ثم استأجرت أراضيها لرزاعة منتوجات مترفة غير رئيسية كالموز والكاكاو والدخان، بالإضافة إلى قطع أشجار الغابات فيها من أجل صناعة الأخشاب العالمية، وهذا كله جلب الفقر والجفاف وأفقر التربة في القارتين المذكورتين، أضف إلى ذلك ما قامت به الدول الاستعمارية التي تنفذ سياسات الشركات الدولية من إفساد نظم التربية في العالم الثالث، وتحويل جماهيره من التربية الزراعية والمهنية إلى جماهير عاطلة مكدسة في دوائر حكومية لا حاجة لها١. ويبدو أن السياسات الدولية التي تنتهجها الدول القوية -بعد انتهاء فترة الحرب الباردة في أوائل التسعينات- أخذت تتجه لتطبيق آراء المدرسة الواقعية التي تفترض أن يد الله مغلولة، وأن الواجب هو تطبيق عمليات الوأد الجماعي خشية الفقر، والإملاق في الكرة الأرضية.
والخلاصة أن برامج التربية الدولية الجارية تتعثر تعثرا كبيرا خاصة، وأن اليونسكو -التي ترعى الاتجاه المثالي- قد تعرضت منذ عقد الثمانينات بسبب هذا الاتجاه إلى هزات شديدة حيث انسحبت منها الولايات المتحدة وبريطانيا، وقطعتا عنها حصتهما في المزانية إلى أن استقال أمينها العام -آنئذ- السيد
أحمد بامبو.
والواقع أن أخطر نقاط الضعف في مفاهيم التربية الدولية القائمة أنها تضع الإنسان في غير مكانته، وتنطلق به من غير طبيعته. فالمدرسة المثالية تضعه في منزله أرقى من منزلته الحقيقة: منزلة العبد المخلوق الذي يحتاج إلى إرشاد الخالق وتوجيهه. فالإنسان -مهما تسامى- لا بد أن يكون لتساميه نفع مرتقب كالثواب الذي يعد به الدين، وأن يكون لسقوطه مسئولية كالعقوبات الدنيوية، والأخروية التي يهدد بها الدين كذلك. كذلك تفتقر الفلسفات المثالية
إلى الأساليب، والوسائل الفعالة لتنفيذ ما تدعو إليه وتبشر
стр. 505
به. فالدراسات التي قامت بها اليونسكو -رغم الجهود التي بذلت من أجلها- لم يكن لها من أثر إلا تثقيف نفر من المفكرين والمثقفين. والجامعة التي اقترحتها الأمم المتحدة لا تعدو عن إفراز نخبة من الأرستقراطيين العالميين.
أما المدرسة الواقعية فهي مدرسة غير واقعية؛ لأنها تتصدى لمضاعفات الأزمة دون الأسباب الحقيقية لها. فهي تعالج طبقا لمصالح الطبقة التي تسبب بالأزمة نفسها. ذلك إن النقص القائم في الاقتصاد، والاضطراب المستعر في العلاقات سببه تفشي روح الترف والجشع والاحتكار، وما ينتج عن ذلك من صراعات دولية وطبقية ونفقات حربية:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] .
وروح الترف والجشع والاحتكار المعاصرة تجاوزت جميع الحدود التي عرفتها البشرية، وهي تستغل جميع العقائد والقيم والقدرات العقلية والنفسية، والمادية لمزيد من الاحتكار والترف. وحين تبرر المدرسة الواقعية ممارسات الذين يتسببون بالأزمة القائمة، وتدعو للإجهاز الكامل على ضحاياها؛ فلأن هذه المدرسة تمثل إحدى اتجاهات -الدارونية الاجتماعية Social Darwinism التي بررت عمليات القتل والإبادة لصالح الأثرياء والأقوياء، وأسهمت من إشعال الصراعات الطبقية في الداخل والعالمية في الخارج. والواقع إن المدرسة الواقعية تمثل نكسة في الفكر الإنساني وردة فعالية في العودة إلى ممارسات -الوأد، ولكنه الآن وأد الشعوب بعد أن كان مترفو الماضي وفراعنته يقتصرون على وأد الأفراد المواليد من المذكور، واستبقاء الإناث.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الحل إذن؟ للأزمة القائمة؟ لعل الجواب هو نموذج التربية الدولية -كما هو في محتواه النظري في أصول التربية الإسلامية. أقول -محتواه النظري- لأن الواقع العملي في حياة المسلمين يخالف هذا النموذج ويصطدم به، ولكنه يظل نموذجا فريدا
стр. 506
ومجديا طالما إن نظم التربية الدولية تتداعى للتفتيش في تراث الإنسانية كلها عن نموذج يعالج الأزمة القائمة.
فالنموذج الإسلامي مزيج من المثالية والواقعية الحقيقية، فهو يعمد إلى توعية العناصر الصالحة من البشرية كلها وتربيتهم، وتوثيق شبكة العلاقات الاجتماعية بينهم من خلال صلاة الجماعة، والحج وروابط الإيمان والإيواء والنصرة التي مرت في باب الأمة المسلمة، ثم يوجه هذه الكتلة العالمية للقيام بعمليات الإصلاح اللازم، ولإجراء عمليات الجراحة البشرية لبتر الأعضاء الميتة الفاسدة من المجتمعات البشرية، ومحاربة شياطين الترف والجشع والاحتكار، والشر بمراتبهم الثلاثة التي مرت وهو ما يوفره -عنصر الرسالة والجهاد.
أما تفاصيل الخطوط العريضة لتطوير النظم التربوية الدولية -حسب الأصول الإسلامية- المشار إليها، فهي موضوع الفصل التالي من هذا البحث.
стр. 507
الفصل الثاني والثلاثون: التربية الإسلامية ووحدة الجنس البشري
الأصول العقدية والاجتماعي لوحدة الجنس البشري
...
الفصل الثاني والثلاثون: التربية الإسلامية ووحدة الجنس البشري
تعمل التربية الإسلامية للوصول إلى وحدة الجنس البشري من خلال أمرين اثنين: الأول، غرس الإيمان بوحدة الإنسانية، والتعريف بالأصول العقدية والاجتماعية لهذه الوحدة. والثاني، اتخاذ الخطوات العملية، وتوفير الأساليب التربوية التي تحول هذه الأصول النظرية إلى ممارسات عملية في واقع الإنسانية كلها.
وفيما يلي عرض لكل من هذين الأمرين:
١- الأصول العقدية والاجتماعية لوحدة الجنس البشري:
الأصل في الجماعات البشرية المتناثرة في الكرة الأرضية هي الوحدة. أما التنوع والاختلاف القائمان فلها هدفان: الأول، تنوع السلالات والأعراق والشعوب، والقبائل بغية التمييز بين الجماعات، وتسهيل التعارف بين أفراد الجنس البشري: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
والهدف الثاني، هو تنوع الاستعدادات والقدرات واختلاف المهن والتخصصات في ميادين الفكر، والتشريع والإدارة والمهن العسكرية والتكنولوجية، والاتجاهات العلمية والذوق الفني وهكذا. ومن الطبيعي أن يلحق بهذا التنوع، والاختلاف العوامل التي جعلها الله أسبابا لذلك مثل تنوع البيئات، والثقافات واللغات وغيرها. وإلى هذا التنوع يشير قوله تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] .
стр. 508
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] .
فالناس جميعا -إلا من رحم ربك- مبتلون -أي ممتحنون- فيما آتاهم الله من القدرات والاستعدادات المتباينة المختلفة، ومطلوب منهم أن يتسابقوا في استعمالها من أجل توفير الخيرات للخلق كلهم -لا للأغراض الفردية والأنانيات الشهوانية- وإن إلى الله مرجعهم وهو سينبؤهم فيما اختلفوا فيه حول استعمال هذه القدرات، وأي الاستعمالات كانت استعمالات خيرة، وأيها كانت استعمالات شريرة.
والواقع أن الفهم السليم لهذا التنوع والاختلاف في الأجناس، والثقافات وفي القدرات والاستعدادات منافعه ومزاياه: إذ من خلاله يستطيع الناس أن يتعرفوا على ما لدى بعضهم بعضا من خصائص ثقافية وحضارية، وأن يفهموا تاريخهم الماضي ويقدروا إنجازاتهم في الحاضر. ومن خلاله تصبح الحياة غنية جميلة متجددة الخبرات، متنوعة العطاء والمسرات، فلا تكون -دائما- نمطا واحدا رتيبا يقابله الإنسان في كل وقت، ويطالعه أينما توجه في أرجاء الأرض كلها.
ومن خلال هذا التنوع والاختلاف تثرى المعرفة الإنسانية والعلوم، والإنجازات وتزداد عملية تبادل العطاء الحضاري، والإنتاج المادي والمعنوي، وتتوفر المساواة والرضى النفسي فلا ينقسم البشر إلى قسمين: يد عليا تعطي، ويد سفلى تتلقى، وإنما يكون العطاء متبادلا كل يشبع حاجته النفسية في الإنتاج وتحقيق الذات، ويشبع حاجة الإنسان المقابل الذي يعايشه في المحبة والاحترام، وبذلك يصبح الإنسان بين حالتين: يعطي ويأخذ، فيشكر ويشكر، ويحب ويحب، فتتوثق روابط الأخوة وترسخ دعائم الوحدة الإنسانية.
ولكن لا بد من ملاحظة أمر هام وهو أن التواصل والتوادد المشار
стр. 509
إليهما لا يتمان إلا إذا قام الناس كلهم بأدوارهم في الإنتاج، ووازنوا بين العطاء والأخذ وتوظيف القدرات والاستعدادات. وبدون ذلك يضطرب توازن العلاقات بين البشر، فالذين يعطون ولا يأخذون يصابون بالتخمة والتعالي، والذين يأخذون ولا يعطون يضر بهم الحرمان والضعة. وبذلك ينقلب التنوع والاختلاف عن هدفهما، وتنقسم البشرية إلى نوعين من المجموعات: مجموعة متقدمة متحضرة تنتج تعطي وتمارس دور اليد العليا، ومجموعات متخلفة تأخذ، وتستهلك وتمارس دور اليد السفلى، ولذلك مضاعفات السلبية التي تلحق الأذى بالاجتماع البشري، وتحدث الاضطراب فيه.
ويروي القرآن أن المجتمع البشري عاش طورًا سابقا تسوده الوحدة، ولكن خلال مراحل التطور الثقافي والاجتماعي اختلفت المستويات في الفهم والتطبيق، فكان من ثمرات ذلك خروج البعض عن المنهج الصحيح وإفراز مضاعفات الحسد، والبغي والكسل والتقاعس عن أداء الأدوار وينتج عن ذلك كله الانقسام إلى جماعات متباينة العقائد والقيم والثقافات، ومختلفة المنازل والمكانة.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩] .
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
والإشارات القرآنية المتعلقة بهذا التطور، وما نتج عنه من تنوع واختلاف تحمل توجيها مؤكدا ليقوم الإنسان بالبحث العلمي في تاريخ المجتمعات الإنسانية للوقوف على تفاصيل هذا التطور وآثاره الإيجابية
стр. 510
والسلبية، وللوقوف من خلال هذه التفاصيل على صدق الخبر الذي يقدمه القرآن حول هذا الشأن، وتوظيف هذا الصدق في تقويم المسيرة الإنسانية، والعودة بها إلى سابق وحدتها.
وانطلاقا من ذلك كله وضعت الرسالة الإسلامية في أصول منطلقاتها التربوية بذل الجهد -بما فيه جهد المال والنفس- لرد الإنسانية إلى سابق أصلها ووحدتها:
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] .
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] .
وفي الحديث النبوي أن رسول الله ﷺ في خطبة الوداع قال:
"يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت؟ " قالوا: بلغ رسول الله ﷺ "١.
стр. 511
٢- الأساليب والوسائل العملية لتحقيق الوحدة الإنسانية:
لتحقيق هدف -وحدة الإنسانية- عملت التربية الإسلامية على توفير ثلاثة أمور هي: الأول، جهاز تربوي ضخم يتناسب حجمه مع حجم البشرية التي تسكن الكرة الأرضية. والثاني، مؤسسات تربوية تتسع للجهاز التربوي المشار إليه وتوفر له القيام بوظيفته بين أهل الأرض جميعًا. والثالث، أساليب تربوية لها من الشمول والواقعية، وقلة التكاليف بما يتناسب مع الهدف المذكور. أما هذه الأمور الثلاثة فهي:
стр. 512
أولًا: الجهاز التربوي العامل لتحقيق وحدة الإنسانية -الأمة المسلمة:
تطلق التربية الإسلامية على هذا الجهاز مصطلح -الأمة- وهو مصطلح -كما قلنا- ذو محتوى فكري نفسي، ويختلف عن مصطلحات "الشعب" و"القوم" ذات المحتويات الدموية والجغرافية، وهو ذلك لا يقابله مصطلح مماثل في اللغات الأخرى كما فصلنا ذلك في باب -إخراج الأمة المسلمة.
ولذلك تحمل -الأمة المسلمة- مواصفات معينة لا تستيطع القيام بوظيفتها التربوية إلا إذا اتصفت بهذه المواصفات كاملة، وهي المواصفات التي استعرضناها في الباب الثالث من هذا البحث.
ولقد رأينا -عند استعراض مفهوم الأمة المسلمة ومكوناتها، ووظيفتها- أن الأصول الإسلامية تشترط على الأمة المسلمة ما يشبه التفرغ لآداء وظيفتها في التربية الدولية. فالقرآن يشترط عليها بذل الجهد الدائم، ورصد المقدرات -من المال والأنفس- في سبيل هذه الوظيفة. والرسول يحذرها من -اتباع أذناب البقر- أي الانغماس في الزراعة، و -التبايع بالعينة- أي الانغماس في التجارة انغماسا ينحرف ينحرف بها إلى الحد الذي ينسيها وظيفتها التربوية، ويجعلها تضع الوسائل محل الأهداف: أي تسهو عن وضع المال والأنفس في سبيل الرسالة، وإنما تستغل الرسالة ومؤسساتها لجمع المال وترفيه النفس.
والأمة المسلمة المخرجة لممارسة التربية الدولية لا تفرزها المصادر الدموية، أو العرقية وإنما هي تجميع وتركيب وإخراج مستمر لـ"أمة" لا يقتصر تكوينها على جنس من الأجناس، أو عرق من الأعراق وإنما هي أمة مفتوحة لجميع العناصر الصالحة من الإنسانية كلها، والتي ترغب المشاركة في وظيفة الأمة المسلمة، وتسهم في تكاليفها ومتطلبات البذل في سبيلها، وهذه هي وظيفة التربية المستمرة.
стр. 513
والناظر في نشأة الأمة المسلمة على يد الرسول ﷺ يجد أنها -منذ الأيام الأولى- حملت سمات العالمية في تكوينها. فالطليعة التي اعتنقت الإسلام، وكونت العامود الفقري في الأمة المسلمة آنذاك لا يمكن أن تنسب إلى الجنس العربي؛ لأنها كانت - بما فيها الرسول نفسه- تحمل في دمائها سمات العالمية من خلال الهجرات القديمة واختلاط العناصر. كذلك فإن دم إبراهيم الكلداني يجري إلى ولده إسماعيل مختلطا بدم المصرية هاجر، ثم يختلط دم إسماعيل هذا بدماء قبيلة جرهم اليمنية، ليكون ما عرف باسم -العرب المستعربة.
وإلى جانب العرب العاربة، والعرب المستعربة -أو العرب بالتجنس- ضمت الأمة المسلمة -الوليدة الفارسي والرومي والحبشي، وجمعت بين الأحرار والعبيد، والأغنياء، والفقراء. وفي كتب التفسير والسيرة أن الرسول ﷺ ذكر للمسلمين أن العروبة ليست فيهم من أب وأم، وإنما هي اللغة، وإنه ذكر أن سلمان أول ثمار الفرس، وصهيب أول ثمار الروم، وبلال أول ثمار الحبشة١.
ولقد استمرت مسيرة الحضارة الإسلامية -بعد عصر النبوة- تحمل صفة العالمية في تركيبها الاجتماعي، ونشاطاتها الحضارية حيث أسهم في بنائها العربي والفارسي والتركي، والرومي والهندي والكردي والإفريقي وغيرهم من الأجناس، والأعراق الذين تكاملت جهودهم في جميع الميادين.
ولكن سياسات -التعرب بعد الهجرة كما يقول الرسول ﷺ وسلبيات العصبية القبلية التي ارتد إليها طلقاء مكة بقيادة الأمويين ومن حذا حذوهم، ثم إفرازات الشعوبية التي صاحبتها، كدرت المسيرة العالمية للأمة المسلمة، وكانت عاملا أساسيا في تشويه بنيتها والانتهاء بها إلى المرض ثم الانهيار.
стр. 514
ثانيا: المؤسسات الإسلامية للتربية العالمية
هناك عدد من المؤسسات التي أقامتها التربية الإسلامية للإسهام في تحقيق التربية العالمية، وهذه المؤسسات هي:
أ- الأرض المباركة: التي يشير إليها القرآن الكريم عند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] . وتشمل هذه الأرض المنطقة التي رسمت حدودها مسيرة هجرة إبراهيم ﵇، ثم اتخذها هو والرسل من ذريته قاعدة لرسالاتهم وجهادهم، وتضم بلاد الشام، والهلال المحيط بها ابتداء من أرض الرافدين ومرورا بالحجاز حتى أعالي مصر. والقرآن الكريم يضفي على الرسالات المشار إليها طابعا واحدا يتلخص في العمل على إخراج "أمة الوسط" التي تبنى ثقافتها وقيمها على أساس الإيمان بالله، وتخطط استراتيجياتها على الأساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العالم كله. وبذلك تتحدد معالم الحضارة التي يجب بناؤها في الأرض المباركة، ونوع المؤسسات التربوية والفكرية العالمية التي تعدها "أمة الوسط" لنشر هذه الحضارة المؤمنة -الراشدة، وإرساء سياساتها المحلية والعالمية، وإقامة علاقاتها مع الأقطار المجاورة، وما يتلوها في الشرق والغرب والشمال والجنوب طبقا لوظيفة "أمة الوسط" المناطة بها.
ب- المساجد والمراكز التربوية: وأبرز هذه المساجد -أو المحور الرئيسي فيها- هو المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل في الطرف الجنوبي للأرض المباركة. ثم المسجد الأقصى الذي أقيم في الطرف الشمالي المقابل. والربط بين أرض المسجدين سواء في تقسيم أسرة إبراهيم بينهما، أو توجيهات موسى عبر سيناء إلى فلسطين، أو توجيهات سليمان من فلسطين إلى مملكة سبأ، إنما كان هدفه تحقيق التكامل بين المؤسستين الرئيسيتين وهما: المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
ولقد بلغ هذا التكامل الأوج في المرحلة التي انتهت برسالة
стр. 515
محمد ﷺ ، حيث أعاد للمسجد الحرام مكانته وبنى إلى جانبه المسجد النبوي الشريف. ثم إن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى يشير إلى ربط مركز التربية بمركز الدعوة والنشر. فإذا كان المسجد الحرام هو -المثابة- التي يتوجه إليها الناس في صلاتهم، ويؤمونه في حجهم طلبا
للتزكية، والمثوبة إلى الرشد بعد الضلال، فإن المسجد الأقصى هو مركز الدعوة والتعليم الذي يقدم للغادين، والرائحين بين مشارق الأرض ومغاربها مبادئ الرسالة التي تستهدف الارتقاء بهم إلى روابط الإيمان، والوحدة والأخوة.
وهذه هي الاستراتيجية التي حرص أبو بكر الصديق على تعميقها في نفوس جيوش الفتح الإسلامي التي توجهت إلى بلاد الشام، حين أوصى هذه الجيوش بقوله:
"إنكم تقدمون الشام، وهي أرض شبيعة، وإن الله ممكنكم حتى تأخذوا فيها مساجد، فلا يعلم إنما تأتونها تلهيا، وإياكم والأشر"١.
وهي أيضا السياسة التي اختطها -بوعي وقصد- كل من نور الدين، وصلاح الدين وجيلهما حين طهروا بلاد الشام من أوكار الفساد الفاطمي وبذلوا أنفسهم لتطهيرها من الكفر الصليبي، ثم أنفقوا أموالهم لملئها بمعاهد العلم ودور القرآن والحديث ومدارس الفقه، والعلوم والصناعات المختلفة حتى كان في القدس وحدها "٨٠" ثمانون معهدا ومدرسة؟!
والقرآن حين يربط بين المسجد الحرام، والمسجد الأقصى عند الحديث عن إسراء الرسول ﷺ يذكر -بما يشبه التهديد، والتحذير- أنه في كل مرة ينحرف المقيمون في هذه الأرض عن وظيفة -أمة الوسط- ويستبدلون المساجد بالقصور والفلل، ومراكز بدور اللهو والتجارة
стр. 516
ومتنزهات السياحة، فإن الله يرسل عليهم عبادا أولي بأس شديد ليجوسوا خلال الديار، ويدمروا مؤسسات الترف واللهو التي صرفت الأمة عن وظيفتها التربوية، وليفرغوا -ما حول الأقصى- لقدوم "أمة وسط" جديدة تلتزم هذه الوظيفة، وتقدم ما تتطلبه من تضحيات ونفقات١!!
جـ- طرق وأساليب التربية الإسلامية في التربية العالمية: حددت التربية الإسلامية طرق، وأساليب عديدة لتربية البشرية، والتدرج بها نحو الوحدة العالمية.
وأول هذه الطرق هو التوجه العالمي في الخطاب القرآني. ففاتحة الكتاب تبدأ بتوجيه "الحمد لله رب العالمين" أي لرب العوالم كلها: عوالم الإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد، الذي ربط بين حلقاتها ونسق وجودها وبيئاتها، وهذه بداية تستهدف إنهاء فاعلية "ثقافات" الحمد العصبية القومية والإقليمية والقبلية والطائفية، والأسرية المفرقة للعوالم المذكورة، الملوثة لبيئاتها الملحقة للأذى، والخراب في نظمها وعلاقاتها. فالأساس في إرساء أصول التربية العالمية التي توجه إليها التربية الإسلامية هو الهجرة من دوائر الولاء للعصبيات المختلفة، ثم الارتقاء بعناصر الأمة المسلمة: أي عناصر الإيمان، والهجرة، والجهاد، والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية، لتتفاعل على دائرة الولاء للأفكار الإسلامية
стр. 517
الموحدة للإنسانية كلها تحت "ثقافة" واحدة وعوالم الغيب غير المشهود: عوالم الملائكة والجن وأمثالها. لا تدين بالولاء إلا لرب العوالم الأربعة المحسوسة: عوالم الإنسان والحيوان، والنبات والجماد.
وتتوالى بصائر الوحي التي تتضمنها سور القرآن الكريم -بعد الفاتحة- لتقدم التفصيلات المعززة للتربية العالمية، والموجهة لسلوك إنسان التربية الإسلامية وعلاقاته بالخالق والكون والإنسان والحياة والآخرة، في ميادين الحياة المختلفة متدرجة في تشكيل أفكاره واتجاهاته، وممارساته وبروز "ثقافة" عالمية إنسانية ذات نظم وقيم وتقاليد وعادات، وفنون وممارسات متناسقة يجتمع بها صفتا التنوع، والوحدة اللتين تعطيان الحياة طابع التجدد والارتقاء.
ومن الموضوعية أن نقول: إن هذا التوجه القرآني العالمي لا يمكن أن يحقق غاياته، إلا إذا نهض بهذه المهمة "فكر" متقدم يقف على ثغور الفكر الإنساني، ويقتحم
ميادين البحث في مجالات الحياة المختلفة، ثم يخاطب الإنسانية كلها بـ"أحسن" مما عندها. وهذا هو السبب الذي من أجله كانت "الرسالة الإسلامية"، وأخرجت "الأمة الإسلامية" لحملها والجهاد في سبيلها.
وثاني هذه الطرق هي تحديد -قبلة واحدة- يتوجه إليها بنو البشر في صلاة واحدة تكون رمزا واحدا لوحدة توجهاتهم الفكرية، واتجاهاتهم النفسية وممارساتهم العملية. ويتكامل مع -تحديد القبلة- صلاة الجماعة التي هي وسيلة فعالة في التربية العالمية، وإعادة تشكيل روابط الأفراد والجماعات لما يحقق التماسك، وحسن الجوار في عصر المدن العالمية الكبرى والبداوة الجديدة الزاخرة بالهجرات العالمية بين قارات الكرة الأرضية.
وثالث هذه الطرق التربوية هو -الحج- الذي يتفق معناه اللغوي، ومحتواه الاصطلاحي مع معاني "الأمة" و"إمامة الناس"، إذ يقال: حج أي أم وقصد. والذين تنتدبهم العناية الإلهية للحج -في كل عام- إنما يرشحون لوظيفة "الإمامة" بين الناس وتزكية البشرية من أمراض
стр. 518
العصبيات والطبقيات المختلفة ومضاعفاتهما في "الطغيان" و"الاستضعاف" والفتن السياسية، والمفاسد الاجتماعية.
وتتناسق مناسك الحج مع أهداف التربية العالمية، وتشكل رموزا بارزة لهذه الأهداف. فـ"الإحرام"، وخلع اللباس الذي يبدأ به الحاج إنما يرمز إلى الانسلاخ التام من الولاءات العصبية والأعمال التابعة لها، ثم إعلان ميلاد إيماني جديد يقوم على الولاء الكامل لله وحده.
و"التلبية" التي يرددها الحاج ابتداء من "الميقات" إنما هي تزكية من الاستعمالات الخاطئة لمفاهيم "الحمد" التي تشيعها "ثقافات" الحمد لغير الله، وتسند "النعمة والملك" إلى الأصنام الممثلة لهذه الثقافات.
و"الطواف حول الكعبة" رمز لما يجب أن تطوف حوله الأفكار والإرادات والأعمال، وأن تتوحد كلها حول -المثل الأعلى- الذي جاءت به الرسالة الإسلامية، ليكون نموذجا لحياة الإنسان وواقيا له من مضاعفات الطغيان والاستضعاف.
و"تقبيل الحجر الأسود" رمز لما يجب أن يقتصر عليه محبة الإنسان، وطاعته واحترامه التي تحولها "ثقافات" الصنمية إلى رموزها من الأصنام المادية والبشرية.
و"السعي بين الصفا والمروة" رمز لما يجب أن يكون عليه سعي الإنسان خلال العقود السبعة من العمر الفاعل في حياة الفرد بحيث يبدأ هذا السعي من الصفاء، ولا يهبط عن المروءة.
و"الوقوف على جبل عرفات" رمز لتعارف الأجناس، والطبقات على الأخوة بالله والتعاون لما فيه بقاء النوع البشري ورقيه.
و"الزحف نحو المزدلفة ومنى" رمز للاستعداد، وحشد الجهود عند الجماعات الإنسانية التي تعارفت على أفكار الرسالة وتطبيقاتها.
و"رمي الجمرات" رمز لتوجيه الأسلحة نحو شياطين الباطل، وحماته
стр. 519
طبقا لترتيب المواجهة معهم: مرتبة الشياطين الصغار الذين يمثلهم جند الباطل وبوليسه ومخابراته، ومرتبة الشياطين المتوسطين الذين يمثلهم وزراء الباطل ومديرو أجهزته وإدارته، ومرتبة الشياطين الرؤوس الذين يجسدون "الطغيان" ويأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف.
و"تقديم الأضاحي" رمز لـ"التضحية" في سبيل الله، واستعداد لتقديم كل ما تتطلبه الرسالة من تضحيات وتكاليف.
فإذا أكمل -الحجاج- هذه المناسك طافوا "طواف الإفاضة" -أي فاضوا وانتشروا- إلى مواقع مرابطتهم في مجتمعات الأرض ليحولوا ما قاموا به من "مناسك دينية" إلى "تطبيقات اجتماعية"، وليسهموا في تزكية الإنسانية من "ثقافات" الكفر والنفاق، ومضاعفاتهما في الطغيان والاستضعاف، وليبدأوا "الجهاد" ضد شياطين الشر، والباطل بمراتبهم الثلاث التي مرت الإشارة إليها.
ولتجسيد المعاني التي مرت، تحتاج وفود الحج العالمية القادمة من كل فج عميق أن تنسق سياساتها، وممارساتها طبقا لهذا "الفقه" العالمي الهادف إلى تزكية المجتمعات الإنسانية من العصبيات العنصرية والقومية، والإقليمية والطائفية والقبلية ومن مضاعفاتها في الفتن السياسية والفساد الاجتماعي الكبير، وإلى تحقيق الأخوة الإنسانية تحت راية الرسالة الإسلامية الداعية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. وهذا كله بعض ما توجه إليه الآية الكريمة:
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] .
وهو أيضًا بعض ما يأمر به قوله تعالى:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
ولقد علق سفيان الثوري على هذه الآية بقوله: "إتمامهما -أي إتمام
стр. 520
الحج والعمر- أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويقوي هذا قوله تعالى: "لله! "١.
ومثله القرطبي الذي قال: "وفائدة التخصيص "لله" هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر، والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس فيه طاعة، ولاحظ بقصد، ولا قربة بمعتقد، فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لآداء فرضه وقضاء حقه"٢.
لذلك فإن من أولى واجبات التربية الإسلامية أن تجتهد لتعميق "فقه" المعاني الإلهية التي مرت حول التربية العالمية، والبلوغ بها إلى درجة الوعي والممارسة. وبدون ذلك فسوف تتحول وسائل التربية الالمية الإسلامية إلى ممارسة فارغة من "القيم" الإسلامية التي مر ذكرها، حيث تتحول الصلاة والقبلة الواحدة إلى مجرد حركات آلية، وتولية للوجوه قبل المشرق والمغرب دون أن يكون لها محتوى من "البر" الاجتماعي و"الحكمة" الكونية، وتتحول مناسك الحج إلى رحلة شاقة مرهقة، وتظاهرات من أجل العصبيات السياسية، وتتحول تطبيقات "ليشهدوا منافع لهم" إلى رحلات سياحية، وتجارة دولية يكون المستفيد الأول منها الشركات العالمية من غير المسلمين. ثم تكون محصلة ذلك كله أن تبقى التوجيهات القرآنية حبيسة النصوص والمصاحف، ولن تجد طريقها إلى التطبيق العملي الصائب، وسوف يظل مفهوم العبادة عند المسلمين محصورا في "المظهر الشعائري" دون "المظهر الاجتماعي" و"المظهر الكوني٣، وبذلك يقع الانشقاق بين "القيمة التربوية" و"رمزها المحسوس"، فتطمس القيمة ويبقى الرمز وتتحول مناسك الدين، وشعائره إلى ممارسات شكلية تشبه ممارسات الأديان الطوطمية.
стр. 521
الفصل الثالث والثلاثون: التناقضات القائمة بين مفاهيم التربية العالمية الإسلامية والتطبيقات الإقليمية الجارية في العالم الإسلامي
التناقض الأول عالمية الإسلام في مواجهة الجنسيات الإقليمية والعصبيات المحلية التي يقوم عليها المجتمعات الحديثة في العالم الإسلامي
...
الفصل الثالث والثلاثون: التناقضات القائمة بين "مفاهيم التربية العالمية الإسلامية"، والتطبيقات الإقليمية الجارية في العالم الإسلامي
تعاني المجتمعات الإسلامية المعاصرة من تناقضات أساسية تحد من فاعلية الحديث عن التربية الإسلامية على المستوى الإسلامي، وتشكل عائقا وفتنة أمام انتشارها على المستوى العالمي. وتتضح هذه التناقضات من أشكال المعاناة التي يعيشها الأفراد، والجماعات في العالم الإسلامي كله ويتردد صداها في الشكاوي، والممارسات الجارية في ميادين الثقافة والاجتماع، والتربية والسياسة
والأمن والرعاية الاجتماعية. ويمكن القول أن أهم التناقضات الجارية تتمثل
فيما يلي:
التناقض الأول: عالمية الإسلام في مواجهة الجنسيات الإقليمية، والعصبيات المحلية التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة في العالم الإسلامي
وتفرز آثارا مدمرة في ميادين الحياة السياسية، والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها.
ومما زاد في حدة هذا التناقض إنه لم يعد في مقدور الإنسان المعاصر أن يقيم علاقاته الاجتماعية على أساس الولاء لجماعة معينة تربطه بها روابط الدم والأرض. فالتطور الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات، واختلاط الأجناس البشرية في كل بقعة من بقاع الأرض -قضى على نقاء القوميات والوطنيات. كما إن العلاقات البشرية تخطت حدود الجنسيات الوطنية والقومية، وصار الإنسان بحاجة إلى علاقات جديدة تنطلق من منطلقات المبادئ، والموضوعية والإنصاف، والأخوة بين بني البشر جميعا.
стр. 522
والأقطار التي بلغ إحساسها بهذا الوضع الجديد إلى درجة الوعي المربي نهضت إلى مواجته بشجاعة وصدق مع النفس، فظهرت -مثلا- السوق الأوربية المشتركة، وأزيلت كثير من العراقيل التي كانت تفرضها قوانين السفر، والإقامة والعمل بين قارتي أوربا وأمريكا.
ولكن العالم الإسلامي الذي ارتد إلى مفاهيم العصبية، وروابطها ما زال ضحية مضاعفات هذه الردة، وما زالت نظم التربية ومؤسساتها تفتقر إلى الخبرة، والشجاعة اللازمتين لمواجهة هذا التناقض وآثاره السلبية. فهي لم تع -بعد- أهمية -جنسية الإيمان- وثقافته التي تتضمنها الأصول الإسلامية للتربية وعاشتها -الأمة المسلمة- في الماضي قبل أن ترتد إلى جنسية القومية، والوطنية وروابط العصبيات المختلفة. وما لم تطرح المؤسسات التربوية رباط الإيمان، وما لم تضع المؤسسات الإدارية، والحكومية هذا الرباط موضع التنفيذ الكامل، فسوف يظل العالم الإسلامي يعاني من آثار التناقض المذكور -وقد يتضاعف مرضه، وينتهي بمجتمعاته القائمة إلى الانحسار والتمزق والاستبدال.
стр. 523
التناقض الثاني: الهجرة والسير في الأرض في مواجهة قيود السفر والتنقل
تعيش المجتمعات الإسلامية المعاصرة هذا التناقض بشكل مستمر. ففي حين ترعى الأصول الإسلامية حق المسلم في التنقل، والهجرة أنى شاء في ديار الإسلام وتجعل رعايته فرضا، وتخصص له من أموال الزكاة قسطا تحت عنوان -ابن السبيل، فإن قوانين السفر والإقامة، وحواجز التأشيرة ونظم الإدارة المستوردة من عند غير المسلمين تفرض على الفرد المسلم أن يدفع الضريبة من ماله، وحريته وكرامته عند كل مركز من مراكز الحدود التي أقامتها الأقطار الإسلامية الحديثة طبقا للعصبيات الإقليمية. كما إن المرور بهذه المراكز، والمطارات خبرات مؤلمة لا تمحى آثارها من النفس، وهي أدوات ضارة بعلاقات المسلمين بعضهم ببعض، بل كثيرا ما يكون التعرض
стр. 524
لها سببا في الاغتراب النفسي، وغسل الدماغ من روابط الإيمان والأخوة، وسببا في اليأس من مستقبل الإسلام والمسلمين.
ولقد زاد في حدة هذا التناقض ما يراه الإنسان المسلم من استجابة -مجتمعات غير المسلمين- للتطورات الهائلة في وسائل المواصلات، والنقل الجوري والبري والبحري التي أحالت البشر إلى ما يصفهم علماء الاجتماع المعاصرون بـ"البدو الجدد New Nomads" الذين يركبون الطائرات، والسيارات بدل الجمال، ويسكنون الفنادق بدل مضارب الخيام. ولقد أصبحت ظواهر السياحة والسفر والتبادل العلمي والتجاري، والثقافي وتيسير فرص العمل ظواهر يتخصص بها الأفراد والجماعات وتقام لتشجيعها وإداراتها المؤسسات. وتحمل نظم التربية -في مجتمعات غير المسلمين- مسئولية رئيسية في هذا المجال في الوقت الذي تشغل نظائرها في العالم الإسلامي المتعلم في استظهار الصور الفنية، التي تقدمها أشعار بدوي ما قبل الإسلام، وهو يصف بعر الجمال وأثافي المواقد، ومضارب الخيام.
وليس هناك من حل لهذا التناقض إلا أن تتصدى نظم التربية الإسلامية -أولًا- ثم تتبعها نظم الإدارة -ثانيًا- لترسيخ المفاهيم التي يشتمل عليها -رباط الهجرة- الذي تم استعراضه في عناصر الأمة المسلمة مستهدفة تحويل الناس إلى مهاجرين قادمين، وأنصار مقيمين. فهذا هو نموذج العلاقات الذي يتلاءم مع المبادئ والموضوعية، والإنصاف التي مرت الإشارة إليها كضرورة من ضرورات التطور العالمي الذي خطت البشرية أولى درجات عتباته بمجيء الرسالة الإسلامية.
وترسيخ مفاهيم هذا العنصر يتطلب من مفاهيم التربية الإسلامية المعاصرة أن تصنيف الخبرات، والأنشطة التي تبرز أهمية -السير في الأرض- والسفر في أنحاء المعمورة ومنافعه ومقاصده. فلا يكون اللهو والعبث، والبحث عن المتع الرخيصة والشهوات الدنسة، كما لا يجوز أن يتقوقع الإنسان في زاوية من زوايا الأرض أو حجرة من حجرات القائمة فيها
стр. 525
ويظن أنه يستطيع أن يفقه آيات الله في الكتاب دون أن يسير في الأرض لينظر آيات الله في الآفاق والأنفس. وعلى المناهج التربوية أن تعي كذلك أهمية السفر في تنمية الخبرات الاجتماعية والكونية، ومن ثم تنمية القدرات التسخيرية إلى الحد الذي يستطيع الإنسان أن يسخر عناصر الكون، وثروات الأرض لصالحه، ومتطلبات العيش في عصره.
وعلى نظم التربية الإسلامية، ومؤسساتها كذلك أن تعمل على توعية أهل المناطق المستقبلة ليتصفوا بأخلاق -الأنصار- وبكيفية استقبال من هاجر إليهم، وأن يحبوه ويتعاونوا معه ويوالوه، ويعطوه صورة عالية مشرقة عن ثقافاتهم، وأخلاقهم وقيمهم وطرق الحياة التي يحيونها، وأن يسهموا في إثراء خبراته وتنمية قدراته وتعميق ثقته بالإنسان، لا أن يكونوا مجرد سماسرة يقدمون المتع الرخيصة والشهوات المبتذلة، ويقفون بأوانيهم كالحلابين المنتظرين للبقرات القادمة من مناطق الرعي.
والواقع أن النموذج الإسلامي في مفهوم السفر -أو السير في الأرض كما يسميه القرآن- هو النموذج الملائم لما تحتاج أن تكون عليه علاقات المسافرين، والمستقبلين إلى طور العالمية الذي يعيشه. فهذا النموذج الذي أفرز علاقات -الهجرة والنصرة- وصنف المسافرين والمستقبلين إلى مهاجرين وأنصار، وفرض للمسافر -أو ابن السبيل- قسطا من زكاة أهل البلد الذي يدخله، هو النموذج الملائم لصبغ العادات والإدارات، والقوانين التي تنظم السفر والانتقال وعناوين اليافطات في معابر القادمين والمسافرين. أما نموذج -ثقافة الاستهلاك والربح- الذي اقتبسه المسلمون المعاصرون من "حضارة الاستهلاك"، والذي يقسم الصنفين المذكورين إلى سائحين ومستثمرين، ويضع الضرائب على -ابن السبيل- المسافر ويستغله، ويرفع الأسعار عليه فهو نموذج لا يتفق مع مكانة الإنسان، ويصطدم اصطداما كاملا مع التصور الإسلامي حول مقاصد السير في الأرض التي أرادها الله مختبرا لآياته في الآفاق والأنفس.
стр. 526
التناقض الثالث، الأمن الإسلامي في مواجهة الصراعات الإقليمية
لا ينقطع رجال التربية والفكر فوق المنابر، وفي المحافل لحظة واحدة عن الحديث عن السلام في الإسلام، والتعاون الإسلامي لحل المشكلات. ولكن رجال السياسة والحرب لا يتوقفون لحظة واحدة أيضا عن التآخر والفتنة والكيد، والإعداد لهزيمة بعضهم بعضا، وإذلال بعضهم بعضا، واقتراف ما يترتب على ذلك من تشريد، وقتل وتبديد للمقدرات البشرية والمادية. ويكاد العالم العربي، ومن ورائه العالم الإسلامي يموجان بالصراعات والفتن، وهما يمتلآن بضحايا هذه الصراعات من المشردين واللاجئين، والمنفيين والمبعدين السياسيين١.
واستمرار هذا التناقض من شأنه أن ينتهي بالإنسان المسلم عامة إلى الكفر بالسلام والتعاون والأخوة، ثم الانقضاض على جميع هذه المفاهيم، والشعارات بكل ما يجلبه هذا الانقضاض من آثار مدمرة للعالم الإسلامي كله.
إن الصراع غريزة في الإنسان لا سبيل إلى تجاهلها. ولكن الخطأ في التوجيه الذي يوجه هذا الصراع، والمقاصد التي تحدد ميادينه. فالغضب والانفعال -أو الانتصار حسب لغة القرآن- غريزة وضعها الله في الإنسان لدفع الظلم ومقارعة الشر الذي يمتحن به الإنسان من آن لآخر، وتترك له خيارات ثلاثة: فإما أن يستسلم للظلم والشر، وإما أن يناصر الظلم والشر، وإما أن يتناول الخير ليقارع به الشر. هذه هي -فلسفة الصراع- التي تناولناها بالتفصيل في كتاب -فلسفة التربية الإسلامية.
стр. 527
غير أن نظم التربية ومؤسساتها في العالم الإسلامي المعاصر لم ترتق بعد إلى مستوى تدريب الناشئة، والمتعلمين على تناول الخير لمقارعة الشر، ورفض الاستسلام له والترفع عنه الإذعان له. ولذلك فإن ما يجري في العالم الإسلامي من فتن وصراعات هو ثمرة هذا التخلف التربوي الذي تعاني منه نظم التربية القائمة فيه.
إن البديل للوضع الخاطئ القائم هو أن تتبنى مؤسسات التربية، ونظمها ما توجه إليه أصول التربية الإسلامية، وهو توجيه الإنسان المسلم للصراع ضد الظلم والشر، وحشد الطاقات كلها في هذا الاتجاه. وهو ما تقدمه مفاهيم -عنصر الرسالة والجهاد- التي مر استعراضها في عناصر الأمة المسلمة.
стр. 528
التناقض الرابع، الحاجة لتكافل المسلمين في مواجهة قوانين الإقامة والعمل
لم يعد باستطاعة بلد من بلدان الأرض أن يكتفي بخبرات الناس الذين يعيشون فيه على أرضه. بل إن الدول -التي توصف بالتقدم نفسها- تجد نفسها في فترات كثيرة بحاجة إلى استقدام الأعداد الغفيرة من الأدمغة المفكرة، والخبرات المنتجة والأيدي العاملة الماهرة، فتسن التشريعات وتضع المغريات، والتسهيلات التي تجذب الأعداد المطلوبة.
ولكن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تمارس سياساتها -في هذا المجال- على أسس غير عادلة ولا آمنة، ولا مغرية. فهي تريد -في كثير من الأحيان-الاستفادة من الخبرات والتخلي عن التسهيلات. فحين يمتد الزمن بالخبرات والطاقات المستقدمة، وتنقطع جذور المستقدمين بأماكنهم الأولى ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا تطل قوانين الإقامة، والعمل لتهز استقرار هؤلاء المستقدمين القدامى هزا يتهدد حياتهم، ومستقبل أبنائهم وتفرز مضاعفات ذلك في العصبيات الإقليمية، والاضطرابات الأمنية، وتفسد علاقات الأقطار والدول، وتبرز الأيدولوجيات المتطرفة.
ولم تجرؤ نظم التربية ومؤسساتها في العالم الإسلامي المعاصر -حتى الآن- أن تنظم لهذه المشكلات مكانا في مناهجها وبرامجها. ويبدو أنه لا حل لهذا التناقض إلا أن ترسخ نظم التربية المفهوم الإسلامي لـ -عنصر الإيواء- بتفاصيله التي مرت خلال الحديث عن عناصر الأمة المسلمة.
стр. 529
التناقض الخامس، مكانة الإنسان واحترامه في مواجهة الاعتداء على حرماته، والاستهانة بكرامته
في الوقت الذي لا ينقطع الحديث وتفيض الكتابات في المساجد، والمحافل والكتب والصحافة، والإعلام عن منزلة الإنسان في الإسلام وقدسيته وصيانة حرماته، فإن التطبيقات الجارية في ميادين الإدارة الرسمية، والتعامل الشعبي ما زالت تمتهن هذه الحرمات، وتعبث بهذه القدسية.
ولا يقتصر هذا التناقض على ما يجري في ميدان الصراعات السياسية، وما تفرزه من مضاعفات الاعتقال والسجن، والنفي والتجريد من الحقوق، وإنما يمتد إلى ميادين التعامل اليومي الجاري بين الأفراد والجماعات، وما يتخللها من مظاهر الانتقاص والعصبية والإقليمية، والعائلية في ميادين الحياة المختلفة.
وتتحمل نظم التربية، ومؤسساتها في العالم الإسلامي المعاصر المسئولية الأولى في هذا التخلف البشري في ميدان -كرامة الإنسان وقدسيته. فما زالت هذه النظم التربوية تشيع القيم القديمة -قيم عصور ما قبل الإسلام- التي تقسم الناس إلى أقارب وأغراب، ومواطنين وأجانب، إلى غير ذلك من التقسيمات القائمة على روابط العصبية الإقليمية والعرقية والقبلية. وينتج عن ذلك كله مضاعفات خطيرة في التطبيق السلبي لما تنهى عنه الآية الكريمة:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١-٣] .
стр. 530
ومضاعفات أخطر في امتهان كرامة الإنسان وحرماته، كالاستغلال في البيع والشراء، والإيجار والتنقل، والاستضعاف، وأكل الحقوق، ووضع المقيمين في الموضع الأسمى، والقادمين "الأجانب" في الموضع الأدنى إلى غير ذلك من مضاعفات ومشكلات.
ولكن النظر الدقيق في طبيعة التحديات التي يواجهها المسلمون المعاصرون، يكشف عن أنه لم يعد في صالح أحد التغاضي عن هذا التناقض السلبي المتخلف. فالمجتمعات الحديثة أصبحت تحتاج بعضها بعضًا. والعدو الطامع لا يخلق التناقضات خلقًا، وإنما يستغل ما هو قائم وموجود. والإنسان -كما قلنا: أصبح بدويا جديدا- لا يكاد يمر عليه يوم أو أيام قليلة إلا ويجد نفسه راحلا
أو مقيما. وهو حين يرحل يدخل في مواقف الضعف والحاجة إلى الإيواء
والنصرة، ومواقف العدل والإنصاف والموضوعية. وهو حين يقيم يدخل في مواقف القوة والدعم، والتمكن من مقدرات الآخرين. فهو دائم التردد -بشكل ليس له سابقة في التاريخ- بين حالتين اثنتين: حالة المقيم العزيز، وحالة ابن السبيل القابل للاستضعاف. وهو في كلا الحالتين يتلقى آثار الخبرات
الحسنة، والمعاملة الحسنة، وما يتفرع عنها من مضاعفات الترحيب، ويسر التعامل الرسمي والشعبي، أو يتلقى آثار الخبرات السيئة، والمعاملة السيئة وما يتفرع عنهما من مضاعفات الإهانة وعسر التعامل الرسمي والشعبي، والديان لا ينسى وكما تدين تدان.
وليس هناك من حل لهذا التناقض الذي يعرض كرامة الإنسان للامتهان، وينغص عليه سعادته ويفسد معيشته إلا بتصدي نظم التربية -أولًا- لمعالجة هذه السلبيات ثم التركيز على إخراج ناشئة، ومتعلمين يؤمنون بـ -عنصر الإيواء، وعنصر النصرة -بالمفهوم والمحتويات التي تطرحها أصول التربية الإسلامية في القرآن والسنة.
والخلاصة، إن آيات الله في الآفاق، والأنفس التي أسهم العلم الحديث والتكنولوجيا الحديثة في إظهارها وتسهيل شهودها، تكشف بوضوح