والتعبير والعمل، والاختيار كاملة لتلاميذهم وطلابهم، ويتعاملون بها مع أقرانهم في مجالس المعلمين، ومجالس الكليات والجامعات وعلى صفحات الكتب والمجلات، وفي المؤتمرات والندوات. أما في مجتمعات العالم الثالث -ومنه المجتمعات العربية والإسلامية. فجميع شرور الإرهاب الفكري وكبت الحريات تنبع -ابتداء- من المؤسسات التربوية. وجميع المربين ذاق ويعرف أساليب القسر البيروقراطي والإلزام السلطوي، والأسلوب الواحد المفروض في التفكير والتلقي، والاستظهار والتعبير والامتحان الذي يمارسه المعلمون إزاء المتعلمين ابتداء من المستوى الابتدائي حتى المستوى الجامعي. والكل خبر -وما زال يخبر- المشاحنات والعداء، والبغضاء والطعن بالتعبير الشفوي، والكتابي الذي يقع به الزملاء والنظراء من المعلمين والدكاترة إزاء ملائهم إذا خالفوا مقولاتهم في مجالس المعلمين، أو مجالس الأقسام والكليات والجامعات، أو مناقشات أطروحات الماجستير والدكتوراه.
وأما عن الأمر الثاني، وهو تتبع تطور حرية الإنسان في كل من البيئتين فيلاحظ أن المؤسسات التربوية، والموروثات الثقافية والقيم الاجتماعية ومؤسسات الإعلام، والأمن والإرادة تتظافر كلها -في العالم الثالث- لسلب الإنسان حرية التفكير وحرية الاختيار سواء. لذلك تظل القدرات العقلية معطلة عن النمو معوقة عن الاستعمال. ففي الشرق العربي وما حوله -مثلًا- تبدأ المؤسسة التربوية الأولى -أي الأسرة- في كبت الحرية وتطويع إرادة الصغير للكبير والضعيف للقوي. منذ الساعات الأولى لولادة الإنسان، حيث تسلب حرية المولود في الحركة من خلال ما يسمى بـ"التقميط والتلفيع" أي لفه بالقماش الذي يكبل يديه ورجليه، ويحيله إلى أشبه بالجثة المكفنة. كذلك يمنع من البكاء الذي يشكل المقدمة الأولى لحرية التعبير، ويمنع من اليقظة ويجبر على الاستسلام والنوم بالتخدير المادي والمعنوي.
وحين يبدأ المولود رحلته في محطات الشهور يمنع من لمس مواد
стр. 72
البيئة المحيطة وإذا حاول التعرف على تفاصيل محتوياتها تعرض للعقاب، والتأنيب ووجهت إليه تهم الشيطنة والتخريب. وحين نقل الشرق ظاهرة لعب الأطفال صارت اللعب تشترى باسم الصغار ليلعب بها الكبار ويستأثرون بها بحجة الحفاظ عليها من تخريب الأطفال وإفسادهم.
وحين يبدأ الطفل رحلته في محطات السنين تبدأ قولبة عقله، ومشاعره وسلوكه بقوالب الآبائية والعصبية، والتقاليد والقيم المتفرعة عنهما بأساليب قسرية ملزمة. وحين ينتقل الطفل إلى الروضة ثم إلى المدرسة يتابع المعلم دوره في كبت حريات الطفل الأربع: حرية الحركة، وحرية الكلام، وحرية التفكير، وحرية الاختيار. ويبدأ في تدريبه على تسمير جسده في المقعد والتلقي دون تفكير أو ممارسة، وينتصب المعلم أمامه آمرا ناهيا معصوما من الخطأ مبرءًا من النقص. وبذلك يعده ليرى كل مسئول يعلوه في المستقبل بنفس الصورة فلا يناقش ولا يشارك بل يتلقى وينفذ. ولا تختلف تقاليد الجامعة في الشرق ومناهجها عن تقاليد، ومناهج المدرسة كثيرًا. ويكمل عمل البيت والمدرسة والجامعة مؤسسات الإعلام، والصحابة والوعظ فجميعها تمارس الإلقاء بدون نقاش، والقولبة بدون تمحيص، والاتباع بدون تفكير.
وهكذا تتظافر المؤسسات التربوية ابتداء من البيت حتى الجامعة، والبيئة المحيطة لخنق القدرات العقلية عند الناشئ، ولتخريج إنسان يحفظ ذهنه ولا يعقل، وتقع عيناه على آيات الله في الآفاق، والأنفس إذا مر بها ولا يبصر، وتطرق أذنيه الأقوال ولا يسمح. وتكون محصلة العمل التربوي قولبة مواطن متدرب على أن يسمع فيطيع، ويتلقى فلا يناقش، ويؤمر فيعمل دون تفكير بالنتائج.
أما في المجتمعات المتقدمة، فإن المولود يترك منذ الساعات الأولى للولادة طليق الحركة وينظر إلى بكائه كظاهرة صحية لازمة لتوسيع أجهزة التنفس، وتمرين أوتار الصوت، وتهيئتها للقيام بحرية التعبير في الحياة المقبلة.
وحين يمضي في محطات الشهور يعتبر لمس الطفل لمواد البيئة
стр. 73
المحيطة شارة لبدء عمل القدرات العقلية ونموها للتعرف على مكونات البيئة وقوانينها. ولذلك نشأت من أجله صناعة ألعاب الأطفال لتسهم في نمو قدراته العقلية، وتشبع استعداداته في دراسة ما حوله.
وحين يمضي الطفل في محطات السنين يعطي الحرية كاملة -في البيت والمدرسة والجامعة- لفحص ما يرى، ومناقشة ما يسمع، والتعبير عما يشعر، وتطبيق ما يفكر، والمشاركة في النشاطات الدائرة والتدرب على أدوار الحياة المقبلة والإسهام في مواجهة تحدياتها، ومعالجة مشكلاتها.
هكذا تتظافر المؤسسات التربوية -ابتداء من البيت حتى الجامعة والبيئة المحيطة- لرعاية القدرات العقلية عند الناشئ، ولتوفر لها فرص النمو وأسبابه وبيئته، وليستمتع بالحرية طفلا في البيت، وتلميذا في المدرسة، وطالبا في الجامعة، وبذلك يتذوق قيمة الحرية مواطنًا في أمة، ويرعاها ربا في أسرة، ويذود عنها ممثلا في البرلمان أو جنديا في الميدان، أو عضوا في المجتمع، ويمنحها للآخرين حاكما في دولة أو وزيرا في وزارة، أو مديرا في دائرة، وهكذا في بقية مواقع المسئولية التي ترعى العلاقات الاجتماعية وتنظمها.
وهنا قد ينهض سؤال وهو: لماذا انتهت الحرية في المجتمعات المتقدمة -خاصة في المجتمعات الغربية- إلى ما نراه من فوضى أخلاقية في علاقات الجنسين، وتناول المسكرات والمخدرات وانهيار الأسر؟
والجواب أنه ليست الحرية هي السبب في هذه الفوضى الأخلاقية، وإنما السبب هو سوء "المثل الأعلى" -أي نموذج الحياة- الذي تعرضه مؤسسات التربية والإعلام، والتوجيه والإدارة أمام القدرات العقلية لإنسان المجتمعات المذكورة. فهذا "المثل السوء" يعرض للحرية مفهومًا يتصف أحيانا بضعف الإرادة وأحيانا بطغيانها مما يفرز إرادة جازمة، ولكن غير نبيلة. فالإنسان الغربي -مثلا- لا يضيره -بل يسره- أن تصحب نساؤه الأصدقاء وتحضرهم إلى غرف النوم. ولكن ثائرته تثور ولا تهدأ، وثائرة
стр. 74
كل ما يسمع أو يرى إذا تعرضت المرأة -أية امرأة- للاغتصاب أو التحرش. فـ"المثل الأعلى" السيئ -هنا- لا يدفع الرجل للثورة من أجل عفة المغتصبة وحريتها سواء، وإنما يبالغ في الدفاع عن حرية الاختيار، ويضعف إلى درجة الصفر عن نصرة العفة. ومثاله ما تطالعنا به الصحف المحلية هناك عن شكاوى بعض الزوجات إلى المحاكم؛ لأن الأزواج دنوا من فرشهن رغمًا عنهن.
فالعامل الأساسي -إذن- في الانحرافات الأخلاقية هو -المثل السوء- المعروض أمام القدرات العقلية وليست الحرية، فهو ينتصر للحرية وحدها دون الفضيلة، تماما كالعربي أو المسلم التقليدي الحاضر الذي ينتصر للفضيلة دون الحرية. والغربي حين يبدل "المثل السوء" بـ"مثل أعلى" عال كأن يبدل "المثل المسيحية واليهودية، وفلسفة عصر النهضة" بـ"المثل الأعلى الإسلامي" وتشاهد قدراته العقلية "المثل الأعلى الإسلامي"، وتتفاعل معه فإنه لا يتضرر أبدا بأجواء الحرية من حوله بل إنها تصبح دعما لإبداعاته الإسلامية، وعاملا مسهلا لنشاطاته.
مسئولية التربية الإسلامية إزاء الحرية:
وفي ضوء ما مر تتجدد مسئولية التربية الإسلامية، ومؤسساتها المنشودة إزاء قضية الحرية فيما يلي:
أولا، مراجعة الموروثات الثقافية، والقيم الاجتماعية لتعود -للحرية- مكانتها في قلب نظام القيم السائدة في المجتمعات الإسلامية، ولترفع المؤسسات التربوية درجة غيرة الإنسان المسلم على حريته إلى درجة غيرته على نسائه، بل أشد، وليتحاشى الاعتداء على حريات الآخرين أو هتكها، أو اغتصابها كما يتحاشى الاعتداء على أعراضهم ونسائهم.
فالتربية الإسلامية في عصر النبوة وضعت الحرية في محور الحياة الاجتماعية، وأنجبت -جبل عمر بن الخطاب- الذي ثارت ثائرته على
стр. 75
عمرو بن العاص حين هتك ولده حرية القبطي في مصر، فانفجرت قداسة الحرية على لسان عمر وقال: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!! في الوقت الذي أعمل سوطه تأديبا لابن عمرو، ودفع السوط إلى القبطي ليجيله على صلعة عمرو، والذي بعزته تطاول ابنه على حرية القبطي.
وحين هجرت مؤسسات التربية الإسلامية رعاية الحرية دخلت الأمة كلها في نفق مظلم، اغتصبت الحريات فيه لقرون دون حس أو شعور.
ثانيًا، دخول ميدان التربية العالمية لطرح نموذج "المثل الأعلى الإسلامي" المتعلق بالحرية الإنسانية طرحًا يرقى إلى مستوى "الجدال الأحسن" أسلوب ومحتوى، خلال التفاعل الحضاري، والتربوي والثقافي الذي تزجيه الحضارة الحديثة إلى جميع "حارات قرية الكرة الأرضية". ولن تستطيع التربية الإسلامية، ومؤسساتها القيام بهذا الواجب العالمي إلا إذا نجحت في بيئاتها الخاصة في رعاية -قيمة الحرية- ورفعها إلى المكان اللائق بها في نظام القيم السائدة. فهذا النجاح سوف يوفر للمتعلم المسلم التفاعل مع نموذج "المثل الأعلى" الإسلامي، ويقدم الأفراد المسلمين والمجتمعات الإسلامية كنماذج حية ملموسة للذين يعانون من غياب المثل الأعلى في الحضارة الحديثة، فيتأسون بأهلها ويتوجهون لمصادرها.
خامسا: تربية القدرات العقلية عند المؤسسات التربوية الإسلامية قديماوحديثا:
في المصادر الإسلامية التاريخية إشارات على أن المشتغلين بالتعليم في القرون الأولى، انتبهوا للقدرات العقلية واشتغلوا بتصنيفها. وأولى الإشارات المباشرة هي تصنيف سفيان الثوري المتوفى عام ١٤٨هـ. وهذا التصنيف كما يلي:
الإنصات، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم العمل، ثم النشر.
وتابعه في التصنيف تليمذه المباشر عبد الله بن المبارك حيث قال:
стр. 76
"أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر".
ويلاحظ على التصنيفين إنهما يمزجان القدرات العقلية، والمهارت الحسية المرافقة.
ولقد جمع أحمد رزوق "المتوفى عام ٨٩٩هـ" مختلف التصنيفات في قاعدة عامة هذا نصها: "لكل شيء وجه. فطالب العلم في بدايته، شرطه الاستماع والقبول، ثم التصور والتفهم، ثم التعليل والاستدلال، ثم العمل والنشر. ومتى قدم رتبة عن محلها حرم الوصول لحقيقة العلم من وجهها. فعالم بغير تحصيل ضحكة، ومحصل دون تصور لا عبرة به، وصورة لا يحصنها الفهم لا يفيدها غيره، وعلم عري عن الحجة لا ينشرح به الصدر، وما لم ينتج فهو عقيم. والمذاكرة حياته لكن بشرط الإنصاف والتواضع. وهو قبول الحق لحسن الخلق. ومتى كثر العدد انتفيا، فاقتصر ولا تنتصر واطلب ولا تقصر وبالله التوفيق"١.
ويمكن أن نمثل لخلاصة هذه التصنيفات بالشكل التالي:
كذلك ظهرت بعض التصنيفات التي حاولت التعريف بالعقل ومظاهره
стр. 77
مثل كتاب "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" -لابن حبان، وكتاب "المسائل في أعمال القلوب والجوارح، والمكاسب والعقل" للمحاسبي. ومما قال فيه:
"العقل له ثلاث معانٍ: الأول، غريزة يعرف بها الإنسان ما ينفعه وما يضره، والثاني: الفهم والبيان. والثالث: البصيرة والمعرفة بقدر الأشياء النافعة والضارة في الدنيا والآخرة"١.
أما -الرازي- فقد قسم القدرات العقلية إلى ثلاثين قدرة عرف كلا منها في كلام طويل مفصل. أما هذه القدرات فهي: الإدراك، الشعور، التصور، الحفظ -التذكر، الذكر، المعرفة، الفهم، الفقه، العقل، الدراسة، الحكمة، اليقين "علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين"، الذهن، الفكر، الحدس، الذكاء، الفطنة، الخاطر، الوهم، الخيال البديهة، والأوليات أو البديهيات، الروية، الكياسة، الخبرة، الرأي، الفراسة وهي نوعان: نوع يحدث بالإلهام، ونوع بالاستدلال٢.
ولقد تفرع الحديث حول العقل، ومظاهره وعلاقته بالوحي عند مدارس الفقه، وعلم الكلام والتصوف والفلسفة. إلا أن هذه الدراسات والمجادلات اتصف بأمرين: الأول، أنها لم تعتمد المنهج العلمي التجريبي -كما هي حال علم النفس المعاصر- وإنما اعتمدت على الاشتقاقات اللغوية، والتأملات الفلسفية.
والأمر الثاني، إن هذه الدراسات والمجادلات لم تصل إلى نتائج حاسمة حول ماهية العقل وآثاره. فقد ظلت الأكثرية تعتبر العقل جوهرا مستقلا. وتعكس كتابات أمثال ابن مسكويه والغزالي، وعلماء المعتزلة، والأشاعرة والفلاسفة وغيرهم هذا التصور.
ولقد انعكست هذه الاختلافات -حول العقل- على طريقة فهم القرآن
стр. 78
وتكوين العقيدة وظهور اتجاهات الزندقة. فكان لذلك آثار سلبية أهمها توقف البحث في القدرات العقلية وتنميتها، ثم انحسار أجواء الحرية العقلية، واضطهاد الخائفين في هذا الميدان.
وأخيرًا انتهت تربية القدرات العقلية، ومهارات التفكير إلى حالتين: الأولى، الوقوف عند العناية بالقدرة على الحفظ كما هو الحال في مؤسسات التربية العاملة في ميدان الفقه والعلوم الدينية. والثانية، تقليل قيمة القدرات العقلية وإهمالها إهمالا كاملا كما هو واضح عند الصوفية وفرق الشيعة المتطرفة، حيث حصرت الأولى منهج المعرفة بما أسمته الإلهام، وحصرته الثانية في شخص الإمام.
ويمكن أن نمثل لما انتهت إليه حالة القدرات العقلية عند الفئات المشار إليها بالشكل التالي:
وهذان الشكلان الأخيران من تربية القدرات العقلية، ورثتهما مؤسسات التربية الإسلامية في العصر الحديث.
стр. 79
ومن الإنصاف أن نقول: أن -مؤسسات التربية الحديثة- التي أقيمت على النمط الأوربي -رغم حديثها عن القدرات العقلية- إلا أنها من الناحية العملية تهمل القدرات العقلية ولا تنمي إلا "القدرة على الحفظ"، وذلك بسبب عاملين: الأول، النشأة الأولى للعاملين بها في محاضن البيئة العربية، والإسلامية التقليدية التي اعتادت على إهمال القدرات العقلية المبدعة، والاقتصار على قدرة الحفظ. والثاني، أزمة الحرية الفكرية التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة في البيئات المذكورة.
فالمؤسسات التربوية التقليدية، والحديثة يتشابهان في إهمال القدرات العقلية المبدعة، ولا يهتمان إلا بالقدرة على الحفظ والاستظهار. ويتضح ذلك من أمرين: الأول، اقتصار العناية على السرد والرواية من المدرس والحفظ من الطالب. وما يسرده المدرس هو من خارج واقع المجتمع الحاضر وبعيدا عن مشكلاته. ففي مؤسسات التربية الحديثة "يقص" المعلم أو الدكتور على الطلبة سير العلماء، والرواد الغربيين ومنجزاتهم في ميادين العلم والتربية والاجتماع. وفي المؤسسات التربوية الإسلامية يقص "الشيخ" أو"الشيخ الدكتور" على الطلبة سير الآباء ومنجزاتهم.
والأمر الثاني، أن الطلبة في كلا النظامين يقومون بدور المستمعين الذين يسلخون من أعمارهم حوالي ربع قرن، أو ثلثه أو نصفه وهم يعيدون ويكررون ما يروى لهم من الأساتذة، ولا يطلب منهم إلا استظهار ما يسمعونه، ولا يتهيأ لهم فرص التطبيق والتحليل أو التفكر والتدبر والفقه. ووقوف مؤسسات التربية المذكورة -في تربية القدرات العقلية- عند القدرة على الحفظ أو الاستظهار وقصورها عن العمليات العقلية العليا يفرز آثارا سلبية أهمها:
١- عجز الإنسان الذي تخرجه هذه المؤسسات عن "التفاعل" مع أبناء مجتمعه، والإسهام في حشد الطاقات لصالح الجميع. ولذلك فهو عاجز عن التفاهم والحوار المتبادل، وتقتصر قدراته التواصلية عند الحديث من
стр. 80
طرف واحد -هو نفسه، فهو يستطيع أن يروي ويخطب، ولكنه لا يستطيع أن يسمع أو يناقش، أو يحلل أو يطبق ويتوصل إلى حال؛ لأن الرواية والخطبة ترتبطان بالقدرة العقلية الأولى -أي القدرة على الحفظ، أما النقاش والتحليل والتطبيق فهو يتطلب قدرات عقلية عليا من الفهم والتحليل، والتأليف والتطبيق، ويتطلب مهارة في الاستماع بحيث يسمع غيره بدقة لا أن يفكر بما سيتحدث حين يبدو أنه يستمع لغيره. وينعكس هذا العجز على علاقات الأفراد ومواقفهم. فالخطيب أو المتحدث يريد في جميع أحواله أناسًا يستمعون له ويصفقون لا أناسا يناقشون ويعارضون. والسامعون يريدون متحدثا يكرر على أسماعهم ما يحفظون، ويعزز ما يعتقدون، لا ناقدًا ينثر محفوظاتهم ويعيد نقدها وترتيبها وتقويمها، ولذلك تنفجر الانفعالات وتثور الخلافات وينفجر التعسف المخرب، ومواقف الرفض وتطبع العلاقات والممارسات السياسية، والاجتماعية بطابع الحقد والتوتر والخلافات المدمرة.
٢- عجز الإنسان الذي تخرجه هذه المؤسسات عن "تحديد هويته" بين بني الإنسان. ولذلك ما زال المتسلط، أو المستعمر الخارجي يحدد له "هوية أو جنسية" إقليمية أو قبلية، أو طائفية أو قومية انطلاقا من أهداف هذا الخارجي في السيطرة والهيمنة والتصرف بالمقدرات. ومع إن الإنسان العربي أو المسلم قد عانى طويلًا -وما زال يعاني- من هذه "الجنسيات" المفروضة عليه من قوى خارجية لا تريد به خيرًا إلا أنه ما زال يواليها، ويدافع عنها ويموت في سبيلها، ولما يظهر بعد أنه قادر على إعادة النظر في هذه "الجنسية" المفروضة عليه واستبدالها بـ"جنسية" مؤصلة لها جذورها في تاريخه ومبرراتها في حاضره.
٣- عجز الإنسان الذي تخرجه هذه المؤسسات عن "تحديد منهاج حياته" في ضوء المتغيرات المعاصرة التي تؤثر في واقعة. فهو ما زال يستورد "مناهج الحياة" كما يستورد أدوات الحياة ووسائلها ومؤنتها. فتارة هو يستورد "الرأسمالية" بتطبيقاتها الإدارية، والتربوية، والاقتصادية، والأمنية،
стр. 81
وتارة يستورد "الاشتراكية" بتطبيقاتها كذلك. وحين تتغير هذه "المستوردات" في مواطنها الأصلية يقع ضحية الحيرة والاضطراب، والتشنج كما حدث حين حدثت التغييرات العقدية، والسياسية في المعسكر الشيوعي على أثر "بروستورايكا" جورباشيف ورفاقه.
٤- عجز الإنسان الذي تخرجه المؤسسات التربوية المذكورة عن "التفاعل مع ماضيه وتراثه" -أي دراسته وهضمه وتطوير ما كان إيجابيا مفيدا في حاضره، واتقاء ما كان سلبيا معوقا لحركته- وإنما يقوم الآخرون بربطه، ووصله بهذا التراث ربطا ووصلًا. ويعتمد نوع "الربط" هذا على -الرابط والمربوط به- أي على الأستاذ الذي يربطه، ونوع الماضي أو التراث الذي يتم ربطه به. فإذا ربطه "الشيخ" أو"الآباء المحافظون" بالجزء الإيجابي من التراث قدس هذا التراث جملة، ونفى عنه كل نقص وصار -إبائيا- مغتربا في ماضيه غافلا عن حاضره. وإذا ربطه "البروفسور" أو"الغرباء المستشرقون" بالجزء السلبي من التراث انقلب على هذا التراث جملة، ونفى عنه كل مزية إيجابية وصار "مغتربا" عن حاضره غافلا عن أصوله.
٥- عجز الإنسان الذي تخرجه المؤسسات التربوية عن "التفاعل مع بيئته الطبيعية"، واستخراج كنوزها وتسخير مواردها لصنع "الوسائل" التي يحتاجها في حاضره والطور الذي يعاصره. وإنما يستقدم "الآخرين" ليقوموا نيابة عنه بالتفاعل مع هذه البيئة، ومقاسمته مصادرها وثرواتها، أو حفر قنوات لها لتصب في خزائن أقوامهم الذين جاءوا من عندهم وهكذا.
٦- قلنا: إن الإرادة السليمة هي ثمرة "وظيفة العقل + المثل الأعلى". أي هي ثمرة القدرات العقلية، ومنهج التفكير السليم + المثل الأعلى. ولكن الذي يحدث في المؤسسات التربوية المعاصرة أن المعادلة تتشكل في الواقع كما يلي:
قدرة على الحفظ + مثل أعلى = إرادة متهورة "تعصب".
стр. 82
ولذلك فالتربية المعاصرة -في أحسن أحوالها- تفرز شعورا دينيا أو شعورا وطنيا ولا تفرز "فقها دينا" أو"فقها وطينا". أي أنها تؤدي إلى -العقم الإرادي- والاغتراب في مثل الماضي والحاضر والإحصاص بالنقص إزاءهما.
٧- قلنا: إن -القدرة التسخيرية- هي ثمرة: "وظيفة العقل + الخبرات". ولكن الذي يحدث في المؤسسات التربوية القائمة في الأقطار العربية، والإسلامية المعاصرة هي أن المعادلة تتشكل كما يلي:
قدرة على الحفاظ + الخبرات = قدرة غير تسخيرية.
أي أنها تؤدي إلى ظاهرة "العقم العقلي"، وعدم الاستفادة من الخبرات العلمية والدينية والاجتماعية.
سادسًا: تقدم البحث في القدرات العقلية في التربية الحديثة:
من الإنصاف أن نقول: إن علم النفس الحديث الذي نشأ على أيدي الغربيين قد خطا خطوات هائلة في ميدان البحث المتعلق بالقدرات العقلية، وطرق تنميتها وتصنيفها وقياسها، حيث برزت مئات الأبحاث، والمؤلفات التي أفرزها البحث في هذا المجال.
وتركز البحوث العلمية الحاضرة على المخ البشري، وفي مجال العلوم البيوكيماوية حيث تمكن العلماء من إدراك آليات الذكاء، وفهم عملية التعلم. ولقد تمخضت هذه الاكتشافات عن نتائج مدهشة منها أن نسبة كبيرة من إمكانيات المخ غير مستعملة، حتى إن بعض العلماء يقدرونها على وجه التقريب بحوالي ٩٠%١.
وتقديرًا للأهمية القصوى التي يعلقها المختصون بعلوم الذكاء، والقوى العقلية فإن المراكز المختصة في الجامعات في كل من أمريكا والاتحاد
стр. 83
السوفياتي قد تخطت عوامل الصراع السياسي -خلال فترة الحرب الباردة- وأقامت علاقات تعاونية في ميدان البحث المتعلق بالذكاء، والقوى العقلية. ويقدر بعض علماء النفس السوفيات أنه لو أتيح للإنسان استعمال ٥٠% "خمسين بالمائة" من قدراته العقلية لاستطاع أن يتعلم "٤٠" أربعين لغة وأن يدرس في فصل واحد مسافات دراسية في عشرات الكليات١.
والهدف الأخير الذي تعمل من أجله هذه الجهود المتكاملة هو رفع مستوى القدرات العقلية عند المتعلم إلى درجة تمكنه من الاستفادة من الإمكانيات العقلية غير المستعملة، وبالتالي رفع درجة التعلم وسرعته، وتطوير أساليب التربية ووسائلها بما يتناسب مع الانفجار المعرفي، والثورة العلمية المتسارعة، وتأهيله في السياسات الدولية الجديدة والعلاقات العالمية المعقدة.
والواقع إن المستوى العالي للقدرات العقلية الناجمة عن العناية التي توليها مؤسسات التربية، والبحث العلمي في الغرب لهذه القدرات، مضافًا لأجواء الحرية التي توفر النمو السليم لهذه القدرات، جعلت الإنسان الغربي -في كثير من التنظيمات الاجتماعية والسياسية- قادرًا على رؤية آيات الله في الآفاق والأنفس وعلى استثمارها في شئون الإدارة، والسياسات الداخلية والخارجية، والذين يتحررون منهم من "الأغلال" الاجتماعية و"الآصار" الثقافية يبصرون "المثل الأعلى" في آيات الوحي حين تعرض عليهم هذه الآيات، فيعتنقون الإسلام، بينما نرى الإنسان في العالم الإسلامي التقليدي يعاني من عمى كامل عن رؤية آيات الله في الوحي، وعن رؤيتها في الآفاق والأنفس بسبب ما يعانيه من آثار البيئة الخانقة للحرية المانعة لنمو القدرات العقلية. والذين أحسوا بهذه الظاهرة -من أمثال الشيخ محمد عبده- عبروا عن إحساسهم هذا بأمثال القول: وجدنا في الغرب مسلمين بلا إسلام، وفي الشرق إسلام بلا مسلمين.
стр. 84
الفصل السابع: تربية الفرد على تعشق المثل الأعلى
أولا: معنى المثل الأعلى:
المثل الأعلى -في التربية الإسلامية- يعني نموذج الحياة المعنوية، والمادية التي يراد للإنسان المسلم أن يحياها، وللأمة المسلمة أن تعيش طبقا لها في ضوء علاقات كل منهما بالخالق، والكون والإنسان والحياة والآخرة١.
ومثل -المثل الأعلى- مثل النموذج أو المخطط الذي يصممه مهندس البناء، أو مهندس الآلات ثم يدفعه لمن يحوله إلى واقع ملموس طبقا لقوانين البناء، أو قوانين الآلات.
ويقرر القرآن الكريم إن الله وحده هو الخبير الحقيقي بتخطيط -المثل الأعلى- أو نموذج الإنسان الصالح -المصلح؛ لأنه هو وحده خالق الإنسان ومصوره ومصممه، ولذلك لا يمكن أن يشاركه تعالى أحد في تحديد -المثل الأعلى-المتعلق بحقائق الوجود وتطبيقاتها العملية:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] .
وحين يتنكر البشر المخلوق للمثل الأعلى الذي جاءت به الرسالة
стр. 85
ويحاولون أن يضعوا للحياة البشرية "مثلا أعلى" للمعرفة والسلوك، فإنهم يضعون نماذج سيئة ضارة أو"مثل سوء":
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] .
والفارق الرئيس بين "المثل الأعلى" الإلهي، وبين "المثل السوء" الذي يطرحه غير المؤمنين هو أن الأول يستند إلى وعي كامل بقوانين الخلق، وسنن الوجود وغاياته العليا بينما يتخبط الثاني في مجالات الظن، والتصورات الجزئية أو الباطلة، ويصطدم مع قوانين الخلق وحقائق الحياة ومقاصدها العليا:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد: ٣] .
стр. 86
ثانيا: أهمية المثل الأعلى:
يمد المثل الأعلى الفرد بالأهداف التي يعيش من أجلها ويعمل لتحقيقها. وهو -أيضًا- يمد الأمة بالرسالة التي تجاهد من أجلها، وتمنح وجودها المبرر والمكانة، وهو يعطي الحياة معناها، وقيمتها ويمدها بأسباب الحركة والنمو والتقدم المستمر.
وتتقرر قيمة "المثل الأعلى" بمقدار ما تشهد له ثمرات التطبيق العملي وحقائق العلم وقوانين الاجتماع، ومقدار انسجامه مع طبيعة الإنسان والإسهام في بقائه ورقيه المادي والمعنوي. وإلى جميع ثمرات التطبيق العملي المذكور يشير القرآن الكريم بمصطلح "العاقبة"، ومشتقاته التي يتكرر ذكرها في "٣٨" موضعًا عند أمثال قوله تعالى:
- ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] .
- ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] .
- ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
- ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] .
стр. 87
ثالثا مستويات المثل الأعلى:
ينقسم المثل الأعلى إلى مستويات ثلاثة هي:
المستوى الأعلى، وهو "مثل أعلى" هدفه الارتقاء بالنوع الإنساني.
والمستوى الأوسط، وهو "مثل أعلى" هدفه استمرار بقاء النوع البشري.
والمستوى الأدنى، وهو "مثل أعلى" هدفه تلبية حاجات الجسد البشري.
ولكل من المستويات الثلاثة دوائر تتسع وتضيق -حسب سعة الفقه البشري الذي يفرزها، فقد تتسع هذه الدوائر حتى تشمل النوع البشري، وقد تضيق حتى تقتصر على جنس معين أو قومية معينة، وقد تضيق أكثر حتى تقتصر على شعب معين أو قبيلة معينة، وقد تنحسر حتى تكتفي بالفرد الواحد نفسه. كذلك قد تضيق -مكانيا- حتى تقتصر على إقليم معين وقد تتسع حتى تشمل الكرة الأرضية كلها. وقد تضيق -زمنيًّا- حتى تقتصر على الحياة الدنيا وحدها، وقد تتسع لتشمل مراحل النشأة والحياة، والمصير.
ويكون "المثل الأعلى" في أحسن مظاهره حين تبلغ دوائره -البشرية والمكانية والزمانية- أقصى سعتها، فتشتمل على المستويات الثلاثة، وتتناسق هذه المستويات فتكمل بعضها بعضا، ويدعم بعضها بعضًا.
ولكن الخلل قد يتسرب إلى "المثل الأعلى" حين يقع التنافر والاضطراب بين المستويات الثلاثة، أو حين يقف عند المستوى الأوسط.
وتسوء حالة "المثل الأعلى" حين يهبط إلى المستوى الأدنى: مستوى تلبية حاجات الجسد البشري ولا يتعدها. وتزيد مضاعفات هذا السوء حسب الضيق الذي يعتري دوائره البشرية والمكانية، والزمنية المشار إليها أعلاه.
والمثل الأعلى الذي تطرحه التربية الإسلامية يشتمل على المستويات الثلاثة، وتتسع دوائره البشرية والمكانية والزمانية حتى تبلغ أقصاها؛ لأن هدف هذا المثل الأعلى الإسلامي هو تحقيق الحفاظ على النوع البشري كله ثم الارتقاء بهذا النوع في الأرض كلها، حتى تصبح سمته المميزة هي الإصلاح وعدم الإفساد في الأرض، واحترام حرمات الإنسان وعدم سفك الدماء وتأهيل النوع البشري كله للخلود في مراحل النشأة والحياة والمصير.
стр. 88
رابعا: أنواع المثل الأعلى:
تقسم نماذج المثل الأعلى إلى أربعة أنواع هي:
أ- مثل أعلى حق وتطبيق حق:
وهذا النموذج يعطي نتائج إيجابية في حياة الإنسان. ومثاله نموذج المثل الأعلى الذي اعتمدته التربية النبوية. إذا استطاع الرسول ﷺ بالمثل الأعلى الذي حمله وبالتطبيق الصائب لهذا المثل أن يرفع إرادة الفرد المسلم إلى درجة بذل النفس، والمال في سبيل خدمة الرسالة التي جاء بها ﷺ . كذلك شهدت ثمار التطبيق العملي، وحقائق العلم لقيمة هذا
المثل الأعلى وانسجامه مع طبيعة الإنسان، وإسهامه في رقي النوع الإنساني.
ب- مثل أعلى حق وجهل في التطبيق:
وهذا يعطي نتائج أقل من سابقه. والنتائج الإيجابية التي يعطيها لا ترجع إلى مهارة تربوية في توليد الإرادة، وإنما ترجع إلى ما في المثل الأعلى من قوة ذاتية وإلى الاستمرارية المتحدرة من فترة التطبيق الحق "أ".
стр. 89
وهذا ما حصل للأمة الإسلامية خلا عصور التحول من -"الخلافة الراشدة"- إلى "الملك الجبري"، ثم إلى عصر "الملك العضوض" حتى انتهت إلى ما هو قائم في واقع المسلمين المعاصرين الذين حفظهم الإسلام، وليسوا هم الذين حفظوه.
وقد يساء فهم هذه الظاهرة -ظاهرة تخلف المسلمين- فلا ينسب هذا التخلف إلى عجز نظم التربية والتوجيه، والإدارة القائمة في العالم الإسلامي عن بلورة "المثل الأعلى" الحق وتطبيقه، ولا ينسب -كذلك- إلى نوع المشتغلين بهذه المسئوليات، بل يظن أن السبب هو الإسلام نفسه. ومثل هذا الظن يوقع في البلبلة الفكرية والتخبط، ويدفع كثيرًا من أبناء المجتمعات الإسلامية إلى البحث عن "مثل أعلى" آخر بين المذاهب الفكرية، والفلسفات الأخرى خاصة إذا كانت هذه المذاهب من النوع الثالث الذي سيتلو شرحه أي: مثل أعلى باطل وتطبيق جيد.
جـ- مثل أعلى باطل وتطبيق جيد:
وهذا يعطي نسبة عالية من النتائج. ومن أمثلته -المثل الأعلى- الذي طرحته بعض الفرق المتطرفة في التاريخ الإسلامي كالباطنية والحشاشين الذين استطاعوا إقامة الفاطمية، وتحديها للخلافة العباسية لقرون.
ومثله خارج إطار الحضارة الإسلامية ما حصل في العصر الحديث في أقطار كاليابان، وألمانيا وروسيا قبل الحرب العالمية الثانية. فقد استطاعت نظم التربية ومؤسسات التوجيه فيها بالتطبيق الجيد أن ترفع إرادة شعوبها إلى درجة بذل النفس، والمال في سبيل خدمة مثلها الأعلى والذي دار محتواه حول رفعة جنس بشري معين، أو طبقة معينة واستعلائها على الأجناس الأخرى. وكما حصل في الصين بعد الحرب العالمية الثانية. وكما هو قائم في الأقطار المعاصرة التي توصف بالتقدم والتفوق في القارتين الأوربية والأمريكية.
стр. 90
د- مثل أعلى باطل وتطبيق باطل:
وهذا النوع من "المثل الأعلى" لا يأتي بنتائج قليلة أو كثيرة. ويمثل هذا النموذج كثير من المفاهيم الخاطئة للإسلام كالمذهبيات الضيقة، والتصوف المنحرف والدروشة، وقيم العصبيات القبلية والإقليمية. ويقابلها كثير من قيم الدكتاتورية المتخلفة في بعض أقطار العالم الثالث.
ولذلك تلجأ الدول الكبرى المستعمرة -بناء على توصية الخبراء في ثكناتها الفكرية المسماة Think Tanks- إلى تصدير نماذج باطلة من "المثل الأعلى" إلى العالم الثالث أو بعث الحياة في نماذج باطلة قديمة من تراث الماضي -كالفرعونية والأشورية والشيوعية- ثم توجيه أبناء هذا العالم إلى تطبيق هذه النماذج تطبيقًا باطلا قائما على الارتجال والحمية، وانتقاص الإنسان، لتكون ثمرة هذا التطبيق أنهم يخربون بيوتهم بأيديهم، وتبرز الانتماءات الطبقية والعصبيات الضيقة والحزبيات، والإقليميات المتصارعة والفتن الداخلية، وشيوع
العجز والكسل المؤديين إلى الفقر، والمرض في الداخل وغلبة الدين وقهر الرجال
في الخارج، وغير ذلك مما يناسب مصالح الدول الكبرى في الهيمنة والاستغلال.
ويمكن أن تنشأ عن كل من الأنواع الأربعة للمثل الأعلى حركات تاريخية مختلفة. فالأول يكتسح العالم بسرعة ويفرز حضارة راقية الغايات والوسائل، وهذه هي حال المثل الأعلى الذي حمله المد الإسلامي الأول. والثاني يبقي ما في المثل الأعلى من صلابة، ولكن دون استفادة حضارية منه، وهذه هي حالة الإسلام في العالم الإسلامي المعاصر. وهذه الحالة الثانية هي التي تقبل المراجعة، والتغيير ثم العودة بإصلاح الإنسان، وهو ما يدور حوله الكفاح والصارع في العالم الإسلامي بين الذين يرون الحاجة إلى تطوير المثل الأعلى، ويختلفون كثيرا في معنى التطوير. ففي حين يود أناس يريدون تغير المثل الأعلى، فإنه يوجد
آخرون يريدون إعادة فهمه، وتطبيقه على وجهه الصحيح، بينما هناك فريق ثالث يريدون الإبقاء على -المثل الأعلى- كما فهمه الآباء دونما حاجة إلى تطوير١. والثالث، ينجح في إفراز حضارة متقدمة الوسائل متخلفة الغايات. وهذه هي حال المثل الأعلى الذي ترفعه الحضارة الغربية المعاصرة.
стр. 91
خامسًا: تجديد المثل الأعلى
يحتاج كل جيل أن يتبين نموذج المثل الأعلى الذي يبني مستقبله طبقا له في ضوء الأصول التي يتضمنها القرآن والسنة، وفي ضوء حاجات العصر والتحديات القائمة. فالمثل الأعلى نتاج فقه بشري، وإن كانت أصوله إلهية؛ لأنه هو فهم القائمين على التربية لنموذج الحياة التي يراد بناؤها للجيل الناشئ. وهذا الفهم قد يكون صحيحًا، وقد يكون صحيحا جزئيا، أو قد يكون خاطئا تمامًا. وهو فهم محدود بحدود الزمان والمكان. وفي نظم التربية غير الإسلامية، يكون محرومًا من الأصول الإلهية، مقتصرا على ما تتوصل إليه القدرات العقلية خلال النظر في الخبرات البشرية وحدها. لذلك لا بد -عند تطوير نموذج المثل الأعلى الإسلامي- من مراعاة الأمور التالية:
أولا، بلورة المحتوى الفكري للمثل الأعلى، ثم ترجمة هذا المحتوى إلى تطبيقات عملية. وخلال هذه العملية تجري الاستنارة بالنصوص الإلهية، والاتصال بها اتصالًا اجتهاديًّا مباشرًا.
ثانيا، عرض المحتوى المذكور على الناس الذين سوف يعيشونه عرضا "مبينًا"، مع تهيئة المواقف، والوسائل اللازمة للممارسة التطبيقات الممثلة له.
ثالثا، عدم إسباغ العصمة أو القداسة على فهم الأسلاف لنماذج المثل الأعلى التي طوروها، وإنما دراسة ثمرات ذلك الفهم دراسة تحليلية ناقدة في ضوء "العاقبة" أو العواقب التي خلفتها تلك النماذج لتساعد على الإحاطة بحاجات الأجيال الحاضرة.
رابعا، الوقوف على تجارب البشرية الأخرى في ميدان تطوير نماذج المثل الأعلى، مهما كان نوع هذه النماذج للاستفادة من خبراتها سلبًا وإيجابًا.
стр. 92
سادسًا: مستوى المثل الأعلى، وقيم المعلمين والمتعلمين
تتوازى قيم المعلمين والمتعلمين مع المستوى الذي ينتهي عنده المثل الأعلى. فإذا كان -المثل الأعلى- المطروح أو المعروض من النوع الشامل الذي ينتهي عند المستوى الأعلى: مستوى رقي النوع البشري، فإن المعلمين والمتعلمين يتصفون بالعمل الجاد، والنمو المستمر والتوسع في الدراسة ومتابعة البحث في كل ما يتعلق بجوانب المعرفة، ولا تكون مقررات الدراسة إلا دليلا من خلاله أبواب التعلم المستمر، والمعرفة الراسخة المحيطة.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن المجتمع الذي يهيمن عليه مثل أعلى ينتهي عند مستواه الثالث -أي المستوى الأعلى- فإنه تسود فيه روح التكافل الاجتماعي الواسع، والاهتمام بإشاعة المثل الأعلى بين الآخرين والاستعداد للقيام بتكاليف هذا كله. كذلك تسوده روح البحث العلمي والنظر الكوني لابتكار الوسائل، والأدوات التي تهيئ لانتشار المثل الأعلى ونجاحه في واقع الحياة. ويكون انتماء الأفراد لعالم الأفكار، ويدور محور الولاءات حولها وعليها تقوم صلاتهم، وتبني معاملاتهم.
وإذا كان المثل الأعلى ينتهي عند المستوى الأوسط الذي يستهدف المحافظة على النوع البشري، وبقائه فإن محور الاهتمامات يتركز حول الوسائل دون الغايات، أي يجري التركيز على الميادين العلمية، والصناعية دون البحث في غايات الحياة ومقاصدها العليا، فتحتل العلوم الطبيعية
стр. 93
والصناعية المكانة الأولى، وتتراجع علوم الإنسان إلى المكانة الأدنى، ويكون انتماء المعلمين والمتعلمين للمهنة أكثر من انتمائهم للفكرة والقيم.
أما على المستوى الاجتماعي، فيكون محور الولاء عندهم للمصالح الطبقية والعصبيات القومية، وعليها تدور اهتماماتهم وتقام علاقاتهم.
أما إذا وقف المثل الأعلى عند المستوى الأدنى، الذي يقتصر على تلبية حاجات الجسد البشري، فإن قيم المعلمين والمتعلمين تتركز حول حاجات الحسية الآنية، فتكون لدى المعلم الحصول على دخل مادي مناسب، ووظيفة مناسبة يوفران الرفاهية أدواتها. وعند المتعلمين تقف فيمهم التربوية عند الحصول على العلامة العالية، والدرجة العلمية الموصلة لأهداف الرفاهية المادية، والمكانة الاجتماعية،
ويكتفون بالكتب المقررة، ويحاورون في حذف الفصول عند الامتحانات،
ويلقون بالكتب بعيدًا بعد النجاح والتخرج، ويتوقفون عن البحث والدرس.
أما على المستوى الاجتماعي فتدور محاور الولاء حول المصالح الأنانية، وتتقر انتماءات الأفراد، وعلاقاتهم حسب مواطن شهواتهم، فيرحلون إلى حيث ترحل وينزلون حيث تنزل.
стр. 94
الفصل الثامن: تنمية الخبرات الدينية والاجتماعية، والكونية عند الفرد
أولًا: معنى الخبرة وأهميتها
الخبرة عمل وأثر. ويمكن أن نفهم معنى الخبرة إذا لاحظنا أنها تتألف من عنصرين اثنين.
الأول، هو العمل الذي يقوم به الإنسان.
والثاني، هو الأثر الذي يتركه العمل في نفس الإنسان وحياته.
ولا بد من تكامل العنصرين وحصولهما، فإذا حصل الأول ولم يحصل الثاني لا تسمى خبرة. ولذلك فجميع الأعمال التي نمارسها، والأحداث التي تمر بنا ولا تترك أثرا في أنفسنا وفي حياتنا الاجتماعية، وفي مستقبل الأجيال بعدنا لا تسمى خبرات. ومثل ذلك الآثار -المؤلمة أو السارة- التي تصيبنا دون عمل مسبق، ومخطط له هي أيضًا ليست خبرات؛ لأننا لا نفهم مقدماتها ولا نستطيع التعرف على ما يتلوها.
والعمل- له مكونان: عنصر عقلي، وعنصر مادي. والفصل بين العنصرين يشوه معنى العمل ويعطل فاعليته وأثره. ولذلك كانت الخبرة الحقيقية هي التي يشتمل العمل فيها على العلم والممارسة سواء. وهذا يعني أن نظم التربية التي تقتصر على تقديم المعلومات النظرية دون أن تصحبها تطبيقات، وممارسات يشترك فيها العقل والجسد سواء. أو دون أن تعمل على الإعداد العقلي والجسدي، فإن مثل هذه النظم لا تقدم خبرات مربية نافعة. ومثلها كذلك الطرق والأساليب التربوية، التي تعتمد على تلقين المعلومات والتعليمات الصارمة التي تمنع الحركة، وتعيق النشاط وتكرس
стр. 95
الانضباط والسكون، وتعاقب الطالب إذا قام بأية حركة تحت ستار الزعم أن هذه فوضى، ولهو يفسدان الخبرات العقلية. ولعلنا نلاحظ الثمرات الشاذة لهذه الصرامة، وما يصحبها من تواترات نفسية وعصبية عند المعلم والطالب سواء١.
والطالب حين يتعلم درسا فإنه يستعمل عقله، ويوظف حواسه -خاصة العين والأذن- كبوابات للمعرفة التي يتلقاها ولأخذ ما في الكتاب، أو ما على الخارطة والسبورة وشرح المعلم. وكما أنه يستعمل فاه ويديه وأعضاء الصوت فيه للكتابة والكلام. واستعمال هذه الأدوات بشكل جيد يتطلب تدريبا خاصا وهو جزء من "عمل" الخبرة المربية؛ لأنه يسهل التعلم ويعمقه. أما حين لا يحسن المتعلم استعمال قدراته العقلية، ولا يجيد توظيف حواسه -خاصة العين والأذن- فإن العمل لا يولد أثرًا، وبالتالي لا يكون الخبرة مربية نافعة. ولعلنا -هنا- ندرك الحكمة من وصف الله تعالى للذين لا ينتج لتفكيرهم ونظرهم، وسمعهم آثار مستقبلية تؤثر في حياة صاحبها، وفيمن حوله بالبلاهة والعمى، والصمم، والضلال، والغفلة:
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
أما العنصر الثاني من عناصر الخبرة، وهو -الأثر- فله مستويان: مستوى مادي:
وهو ما يحدث في حياة الإنسان من تقدم حضاري في أدوات الحياة ومعارفها،
ومستوى معنوي: وهو ما يتكون لدى الإنسان من وعي بمقاصد الحياة وغاياتها.
وفي القرآن يندرج المستوى الأول من الأثر تحت اسم -النعمة - وذلك عن أمثال قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] .
стр. 96
ويندرج المستوى الثاني من الأثر تحت اسم "اليقين" المفضي إلى شكر الله وعبادته: أي طاعة أوامره واجتناب نواهيه. ولكن المتعلم لا يصل إلى هذا المستوى الثاني من -الأثر- إلا إذا تفاعل الجزء الأول من الخبرة -وهو العمل- مع توجيه الوحي الإلهي، الذي يرشد إلى الغايات والمقاصد النهائية. ويطلق القرآن على هذا التوجيه اسم -الذكر- لأنه يذكر بالغايات النهائية للخبرات الإنسانية. وتتكرر صفة "الذكر" هذه في مواضع عديدة من القرآن الكريم عند أمثال قوله تعالى:
- ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] .
- ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القرم: ١٧] .
وهذا يعني أن الخبرة المربية النافعة مهما كانت متواضعة هي التي تسهم في توليد أفكار، وتطبيقات جديدة تشارك في تقدم الحضارة المادية وحل المشكلات الاجتماعية، ورقي السلوك المؤدي إلى حفظ النوع البشري، ورقيه وخلوده. أما الخبرات التي لا تسهم في جلاء الحقائق ولا كشف القوانين ورقي السلوك الإنساني، فتتحول إلى مجرد كلام منمق يجعل التفكير معه مستحيلا وغير ضروري.
والسؤال الذي يطرح هنا: ما هي السمات التي تجعل الخبرة مربية نافعة؟
التفكير هو -أول- سمات الخبرة المربية؛ لأنه إدراك العلاقات بين العمل الذي نقوم به -أي العنصر الأول للخبرة- وبين الأثر الناتج عن هذا العمل -أي العنصر الثاني للخبرة. وسمة التفكير الصحيح أن يكون تكفيرًا مستمرا لا يتوقف ولا يكمل، وإنما هو في تساؤل دائم عما يجب القيام به من أعمال، وما سينتج عن هذه الأعمال من آثار جديدة. أما أن نملأ رؤوسنا بالأفكار وكأنها أشرطة تسجيل أو ملف قصاصات، ورقية مما تم عمله وإنجازه فهذا ليس بتفكير ولا بخبرة. فالتفكير إذن هو استمرارية الاهتمام بمصائرنا الحاضرة والمستقبلية خلال مجرى الأحداث، والمواقف المبهمة
стр. 97
والمعقدة في نهر التطور الكبير للحياة، ويكون دور التفكير خلال ذلك هو المساعدة في الوصول إلى حل المشكلات القائمة، أو تقديم مشروع للانتفاع بالأحداث الجارية، وتجنب السلبيات المرافقة على أساس الخبرات التي تقدمت قبله١. فالتفكير إذن عملية تعرف وبحث في الأشياء، وتنقيب في مكونات الحياة الجارية بغية الوقوف على القوانين التي تحكم أحداثها، والاستفادة منها في التطبيقات والمواقف المختلفة. وهو كما قلنا -عملية ربط مستمر بين العمل الذي نحاول القيام به، وبين الأثر الذي سيترتب على هذا العمل. وإلى هذا النمط من التفكير يشير قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١] .
والسمة الثانية للخبرة المربية أنها تظل حية في الخبرات التي تتلوها، فيكون لها تأثير مستقبلي على الخبرات التابعة، وهو ما نسميه -استمرارية الخبرة. وهذا التأثير المستقبلي نوعان: تأثير مادي مثل خبرة نيوتن حين جلوسه تحت شجرة التفاح -إن صحت الرواية. فحين سقطت عليه تفاحة راح يتفكر في أسباب سقوطها، ولماذا سقطت إلى الأسفل ولم تنطلق إلى الأعلى أوالجوانب، ثم انتهى به التفكير إلى اكتشاف قوانين الجاذبية. فهذه خبرة ما زالت تفرز خبرات
أخرى، وما زالت تتفاعل مع التقدم العلمي فتؤثر به وتتأثر. والنوع الثاني تأثير اجتماعي مثل خبرات الرسل ﵈، التي ما زالت تتفاعل مع مسيرة
الاجتماع الإنساني، وتسهم في إرشاده وحل مشكلاته. ترى كم أولئك الذين
سقطت عليهم ثمرة ما فلم يزد واحدهم عن مسحها، والتهامها دون أن يسهم بشيء في ميدان العلم، وكم
стр. 98
من مدع للتقوى والتدين التهم، ولم ير فيها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] .
إن الخبرات المربية التي ظلت تؤثر في المستقبل هي خبرات كثيرة أسهم بها علماء ومفكرون وفلاسفة فقهاء كثيرون. ولكن يوجد إلى جانب هذه الخبرات أكداس من الخبرات الفكرية، والاجتماعية التي لا تزيد عن كونها أحمال تثقل كاهل الإنسان، وتشكل بعض الأغلال والآصار التي تكبل تفكيره وترهقه، وتعطل نشاطاته وتقوم سدودا منيعة بين يديه، ومن خلفه وتحول بينه وبين إبصار مظاهر الخلق الجديد والخبرات المتجددة المستمرة.
ومثل هذه الخبرات المكبلة للتفكير المرهقة للقدرات العقلية، وإن صنفت في قوائم التراث العلمي، والاجتماعي هي خبرات غير مربية، وهي معيقة لنمو خبرات أخرى؛ لأنها تنتج نقصا بالحساسية والاستجابة، أو تكون مخدرة غير حافظة للنظر، والبحث في العلاقات القائمة بين العمل والنتائج، أو تكون خبرات غير مترابطة ومجزأة١. أو تكون خبرات لأطوار مضت ولا علاقة لها بالحاضر أو المستقبل. ولعلنا -هنا- ندرك الحكمة من تنزل الوحي على الرسول ﷺ ليقصص عليه بعض الخبرات التي مر بها الرسل السابقون، وإن الوحي لم يقصص خبرات رسل آخرين مضوا:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] .
والذين تحشى رءوسهم بهذه الخبرات المكبلة المعيقة لا يستفيدون من الأحداث والظواهر، والوقائع والأفكار والرسالات التي يمرون بها. وإلى أمثالهم يشير القرآن الكريم عند قوله تعالى:
стр. 99
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
والتربية التقليدية أو المقلدة يكرسان الخبرات غير المربية؛ لأنهما يحلان الحفظ والاستظهار محل التفكر ويصنعان من رءوس المتعلمين مستودعان لقصاصات الماضي أو حاضر مجتمع غريب غير المجتمع القائم، فلا يسهمان في تنمية خبرات جديدة لها أثرها في الواقع القائم، ولها استمرارها في الخبرات التالية:
стр. 100
ثانيا: الخبرات الكونية، والاجتماعية، والدينية
لعله من المناسب أن نقسم الخبرة من حيث ميادينها إلى أقسام ثلاثة: خبرات كونية، وخبرات اجتماعية، وخبرات دينية، وإن كانت الاجتماعية والدينية تمتزجان إلى درجة تجعل منهما قسما واحدا. وفيما يلي تفصيل لكل قسم من الأقسام الثلاثة:
١- الخبرات الكونية:
العلاقة الجارية بين الإنسان والكون علاقة متبادلة وفاعلة ومستمرة. والذين يتفاعلون مع الكون بوعي وكفاءة، يفرزون خبرات هائلة تترك آثارها العميقة في مسيرة الحياة. أما الذين يمرون على آيات الكون دون أن يحسنوا استعمال طاقاتهم السمعية والبصرية، والعقلية فإنهم يبقون ضحايا الغفلة، والجهل كأن لم يسمعوا أو يبصروا.
والخبرات الكونية المربية هي التي مكنت الإنسان من اكتشاف قوانين الكون، وتسخير خبراته وكنوزه الهائلة الكاشفة عن قدرات الله ونعمه. ومن هنا كانت التوجيهات القرآنية المتكررة التي تأمر بالتوجه إلى الكون، والتفاعل مع مكوناته، من ذلك قوله تعالى:
- ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٢] .
стр. 101
- ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] .
- ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] .
- ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] .
والتفاعل مع عناصر الكون طبقا لمواصفات الخبرة المربية ثمرته الرئيسية تحرير الإنسان من الخرافة التي يصنعها الجهل بهذا الكون، ونشأته وتكوينه، والقوانين التي تحكمه. كذلك يمد هذا التفاعل الإنسان بالوسائل الفعالة لتسخير عناصر الكون، والاستفادة من خزائنه وثرواته. ويتفرع عن هذه الخبرات الكونية علوم طبيعة متجددة بتجدد المعرفة وتراكم المكتشفات الكونية.
ولكن التفاعل مع الكون يحتاج إلى كمال أدوات المعرفة وتكاملها. أي هو يحتاج إلى اشتراك كل من -الوحي والعقل والحواس- وتكاملها. وكل نقص في هذه الأدوات، أو خلل في تكاملها يؤدي إلى نتائج خطيرة مدمرة. فنقص -الوحي- يقود إلى أخطاء في تفسير المقاصد الكبرى للوجود الكوني، كما هي حال العلوم الحديثة التي أفرزت مسلمات خاطئة مثل مسلمات: الصراع مع الطبيعة، ونظرية النشوء والارتقاء، ونظرية البقاء للأقوى، وبعض نظرياتس التحليل النفسي الفرويدي.
ونقص -العقل- يقود إلى الجمود والتفكير الخوارقي، وإلى اختفاء التفكير السنني -القانوني، وإلى إلغاء دور الإنسان في عملية التغيير التي يقسمها القرآن إلى قسمين: تغيير يقوم به "القوم" من الناس أولًا، وتغيير يقوم به "الله" ثانيًا.
ونقص -الحواس- يقود إلى العجز والكسل، وإلى عدم اكتساب المهارات العملية اللازمة لتيسير حياة الإنسان، وحسن الانتفاع بالتطبيقات
стр. 102
التكنولوجية الناتجة عن الخبرات الكونية، ثم تكون ثمرة هذا النقص مضاعفات الفقر والمرض، والهزيمة التي تعوذ منها رسول الله ﷺ .
والنقص -في الوحي والعقل- والاقتصار على الحواس يرتد بالإنسان إلى الوقوع في أسر الخراقة، والوهم والردة إلى الصنمية والوثنية، والنكوص على عصور الكهوف والأدوات الحجرية.
ب- الخبرات الاجتماعية:
الاجتماع الإنساني هو تؤأم الكون في مسيرة الوجود المتجدد الخلق، المنظمة التفاعل. وأحداث هذا الاجتماع هي السلسلة الموازية لتجدد خلق الكون١. وحلقات هذه السلسلة حلقات فاعلة، ومنفعلة يتأثر كلها منها بما سبقه ويؤثر فميا يتلوه.
والإنسان هو محور المسيرة الإنسانية وقلبها. وهو حين يتفاعل مع الوجود المشار إليه على أساس من الخبرات المربية، فإنه يقف على قواني هذه المسيرة وآثارها، ويستفيد من ذلك كله في النمو النضج المادي والرشد الحضاري. أما حين يتفاعل مع مسيرة الوجود على أساس من الجهل، والخبرات غير المربية فإنه يصاب بالجمود والوهن الثقافي، والمادي ويؤول إلى الضلال الاجتماعي والحضاري. ولذلك تتكرر التوجيهات القرآنية للخبرات المربية القائمة على النظر في وقائع الاجتماع البشري، وفي قيام المجتمعات وموتها ونشأة الحضارات وانهيارها، ثم الاستفادة من القوانين والسنن التي تؤثر في ذلك كله، والنتائج التي تنتج عن عمل هذه القوانين إيجابا وسلبا. ومن أمثلة هذه التوجيهات ما يلي:
стр. 103
- ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] .
- ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم: ٩] .
- ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ [غافر: ٨٢] .
- ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [محمد: ١٠] .
لذلك كان من مهمات التربية الإسلامية أن توجه -إنسانها- إلى النظر في وقائع الاجتماع البشري في الماضي، والحاضر، والمستقبل، وإلى أن يجوب الأرض بحثا عن المواقع التي جرت فيها الوقائع الماضية، فينقب في آثارها لدراستها، وتحليلها واستخلاص الخبرات المربية التي تؤثر في الخبرات التي تتلوها. وعلى التربية الإسلامية، ومؤسساتها أن توجه المتعلم، وتدربه على تحليل وقائع الحاضر لشهود أثر السنن الاجتماعية، وقوانينها وتجنب الاصطدام بها، والتوافق معها لعبور المستقبل واستشرافه.
وتجاهل هذه الوقائع والخبرات كلها له نتائجه المدمرة. فالذين يتجاهلون خبرات الماضي يرتدون إلى كهوف العصر الحجري، والذين يقفون عبد خبرات
الماضي يتوقفون عن التعايش مع الخلق الجديد -المتجدد، والزمن ويعرضون أنفسهم للفناء والدفن في الماضي. والذين يعبثون بخبرات الحاضر- من مداحي
أرباب القوة أرباب القوة، وسحرة أرباب الجاه والثراء١. ويقدمونهم كقوى تحرك التاريخ والاجتماع يصرفون العقول عن
стр. 104
قوانين الاجتماع البشري ويفسدون أثر الخبرات الاجتماعية المربية، ويحولونها إلى خبرات غير مربية، وينكصون بالإنسان إلى عهد الصنمية والوثنية، وما ينجم عن ذلك من مضاعفات الضعف والتخلف؛ لأن بعض ما تعنيه -الصنمية والوثنية- أن تصرف العقول والأذهان عن فاعلية قوانين الله في الخلق -التي يسميها القرآن السنن- وإسناد هذه الفاعلية إلى مخلوقات من الأشخاص والأشياء.
أما التفاعل الصحيح مع خبرات الماضي والحاضر، والمستقبل فثمرته اهتداء الإنسان إلى قوانين الاجتماع البشري، والاستفادة منها في تسخير القدرات والطاقات الإنسانية لتقويم المسيرة البشرية، ولبناء الحضارات التي ترتقي بالنوع الإنساني، وتجنيبه العثرات والسقوط.
جـ- الخبرات الدينية:
مع أن الخبرات الدينية هي بعض نماذج الخبرات الاجتماعية، إلا أن إفرادها في هذا البحث سببه المكانة العالية، التي تحتلها الخبرات الدينية في سلم الخبرات الاجتماعية. فالخبرات الدينية تحتل مكانة التوجيه، والإرشاد لمسيرة الاجتماع البشري، والتفاعل الإيجابي مع هذه الخبرات يؤدي إلى تكامل الوحي، والعقل والحواس، وإلى رقي الإنسان ونشأة الحضارة، كما أن التفاعل السلبي يؤدي إلى الانشقاق بين الوحي والعقل، والحواس وإلى انحطاط الإنسان، وانهيار الحضارة كما مر في الجزء الأول من هذه السلسلة.
ولعل أهيمة هذا الدور الذي تقوم به الخبرات الدينية هي التي جعلت
стр. 105
-ماسوا- يصنف الخبرات الدينية في خبرات القمة، أو ما أسماه -Peak Experience- ثم مضى ينتقد مناهج العلم، والمعرفة المعاصرة لتجاهلها هذه الخبرات١.
والقرآن فيه دعوة متكررة للتفاعل مع حركة الرسالات الإلهية، والخبرات الدينية بما يشبه دراسة تاريخ الأديان، ومقارنة الأديان، والسير في الأرض لتأسيس علم الآثار الديني لتكون ثمرة ذلك كله الوقوف على حركة التطور الديني التي رافقت تطور الاجتماع البشري، ثم انتهت وبلغت كمالها في الرسالة الإسلامية.
وثمرة هذا المنهج هو تحرير الإنسان من هيمنة -الكهانة والكهان- واكتشاف المسار الحقيقي للخبرة الإنسانية في هذا المجال الحساس، ثم الاستفادة من ذلك كله في استنباط التوجيهات، والإرشادات الدينية اللازمة لعبور المستقبل.
ولذلك فإن الخبرات الدينية التي لا تفيد في هذه الثمرات لا تكون خبرات مربية، وإنما هي من جنس حشو الرءوس بالقصاصات التي تتضمن أخبار الماضين في ميدان الخبرات الدينية.
والخبرات الدينية نوعان:
خبرة دينية أصيلة صادرة عن خالق الكون الواحد الأحد، وأبرز خصائصها أن محور القيم فيها هو "الشريعة فوق القوة"، وبالتالي يكون العلماء، والمفكرون هم -أولو الأمر- في المجتمعات التي توجهها الخبرات الدينية الأصيلة.
وخبرة دينية مقلدة أو -ساحرة- أو غير أصيلة أساسها التأويلات الخاطئة لنصوص الدين الأصيلة أو ابتداع نصوص، أو إخفاء نصوص.
стр. 106
وأبرز صفاتها أن محور القيم فيها هو "القوة فوق الشريعة"، وبالتالي يكون أصحاب القوة هم -أولو الأمر- في المجتمعات التي توجهها الخبرات الدينية الساحرة. وإنما أطلقنا على هذه الخبرات صفة -الساحرة- لأن سدنتها أو حملتها يقومون بسحر عقول الناس بالأساليب البيانية، والبلاغة اللغوية وتلبيس الحق بالباطل ليبرروا هيمنة -أصحاب القوة- ويسبغوا على ممارساتهم لباس الشرعية الدينية. والقرآن الكريم قد بين في استعراضه لتاريخ الأديان السابقة دور السحرة في محاولة تلبيس معجزات الرسل الأصلية بألاعيب سحرية لتضاهي المعجزات الحقيقية. والرسول ﷺ قد بين أن من البيان اللغوي ما فيه قوة السحر وتأثيره.
وفي جميع الخبرات الكونية والاجتماعية، والدينية تعتمد التربية الإسلامية في تفاعل الفرد مع هذه الخبرات كلها على أمور منها: الأول، تحديد ميادين هذا التفاعل في الكون وأحداث التاريخ، ووقائع المجتمع البشري القائم وتطوره نحو المستقبل. والثاني، اعتبار ما يجري في الواقع القائم والوجود المحسوس هو المحك الحقيقي لصوابية هذه الخبرات وصدقها. والثالث، هو المراجعة المستمرة للخبرات الموروثة بغية تنقيتها من آثار طاغوت العصر وصنمية العصر، وما أفرزاه من الخرافة والأساطير وألوان السحر البياني.
стр. 107
ثالثا: حدود الخبرة ودوائرها
قلنا: إن الخبرة المربية تقسم إلى أنواع ثلاثة: الخبرات الكونية، والخبرات الاجتماعية، ثم الخبرات الدينية. ونضيف هنا إن كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة يضم في داخله دوائر بعضها أوسع من بعض. فمثلا تبدأ -الخبرة الكونية- بدائرة الحي ثم تتلوها دائرة القرية، ثم دائرة المدينة ثم دائرة الإقليم ثم دائرة القطر، ثم دائرة القارة ثم دائرة الكرة الأرضية، ثم تخرج خارج الكرة الأرضية في دوائر آفاق الكون المتتالية.
ومثلها -الخبرة الاجتماعية- التي تبدأ بدائرة الأسرة ثم دائرة الجماعة
стр. 108
المحلية كالعشيرة أو الطائفة، ثم دائرة مجتمع القرية ثم دائرة مجتمع المدنية، ثم خبرات الاجتماع في القطر أو الأمة، ثم دائرة خبرات الأمم الأخرى.
ومثلها -الخبرة الدينية- التي تبدأ بدائرة التدين الفردي، ثم دائرة تدين الجماعة ثم دائرة القطر أو الأمة، ثم خبرات الأديان الأخرى.
ولكل من -الخبرات الثلاث- الرئيسة بعدان اثنان: بعد أفقي ميدانه الحاضر وبعد رأسي ميدانه تاريخ الخبرة ابتداء من نشأتها، ومرورا بتطوراتها حتى حاضر مستقبلها المنظور.
ولا بد أن يكتمل في كل دائرة جميع شروط الخبرة المربية، أي أن تكون عملا وأثرا. ويتفاوت الأفراد في خبراتهم في الدوائر المذكورة، فبعضهم يقف في الدوائر الأولى، وبعضهم يخطو في الدوائر ذات السعة الأوسع طبقا للأونظمة والمؤسسات التربوية، والبيئات الاجتماعية التي تتولى تنشئتهم وتوجيههم في هذا المجال، وطبقا لاستعداداتهم الشخصية. وكلما اتسعت دائرة خبرة الفرد، كلما استنار، وأحاط بالظواهر الكونية والاجتماعية والدينية، وصار قادرا على رؤية البدائل المختلفة. وكلما ضاقت دائرة الخبرة المربية أصبح الفرد ضيق الأفق، محدود التفكير عاجزًا عن رؤية البدائل السلوكية. ومما يساعد على نمو الخبرة واتساع دوائرها أمور ثلاثة:
الأول، الممارسة، فممارسة الخبرة تساعد على وضوحها وبلورتها، وتمييز الخبرات الصحيحة من الخاطئة.
والثاني، السير في الأرض والرحلات الهادفة؛ لأنهما يساعدان على التحقيق من تنوع الخبرات مكانا وزمانا، ويساعدان على شهود آثارها المتنوعة.
والثالث، شهود الخبرة وذلك بالتنقيب عنها وتمحيصها إن كانت من الخبرات الماضية، أو تحليليها ودراستها، والوقوف على تفاصيلها إن كانت من الخبرات الحاضرة.
стр. 109
رابعًا: الخبرات الكونية، والاجتماعية في المؤسسات التربوية القائمة في الأقطار العربية، والإسلامية المعاصرة
أدرك المسلمون في عصور الازدهار، والفتوحات العلمية أهمية الخبرات الكونية والاجتماعية في تفاعلها مع العقل، وإفراز القدرات التسخيرية. ولذلك قاموا بـ"العمل" الذي يشكل العنصر الأول من الخبرة، فابتكروا مناهج البحث العلمي وأدواته، وميادينه في العلوم الطبيعية والفلكية، والاجتماعية وقاموا بالرحلات، ونقبوا في التراث الإنساني كله وفي تاريخ الملل والنحل، وقاموا بترجمة الخبرات الماضية، وخططوا للتفاعل مع الحاضر، وتحديد معالم المستقبل.
وحين دخلت التربية الإسلامية عصور التقليد والجمود توقف القسم الأول من الخبرة -وهو العمل- أو البحث العلمي، واقتصرت الخبرات التربوية على التلقين النظري، وانتهت مؤسسات التربية إلى الاقتصار على مدرس "يروي" آيات "الذكر" وآخر "يقص" نصوص "الأثر" المحتدر من علوم الآباء، وطلبة "يستمعون" و"يحفظون" دون أن يصاحب ذلك شيء من "الممارسة" في الخبرات الكونية والاجتماعية، ولذلك لم يولد في أجيال الخلف "اليقين" الذي امتاز به السلف. وهذا المنهج المتخلف هو الذي ورثته مؤسسات التربية الإسلامية التقليدية حتى مطلع العصر الحديث، وما زالت عليه في مناهجها ومؤسساتها، وكأن وظيفتها الأساسية هي ملء الرءوس بالأفكار، وكأن الرءوس أشرطة تسجيل، أو ملفات قصاصات ورقية يحفظ فيها أشعار "الآباء" ومأثوراتهم ومقولاتهم، أو نظريات "الغرباء" المعاصرين وتقريراتهم. لذلك فهي خالية من -التفكير العلمي والمنهج العلمي- اللذين هما سمة الخبرات المربية النافعة، وهي لا تسهم في تقديم مشروع أو حلول مشكلات، ولا ينتج عنها تطبيقات، وليس لها تأثير مستقبلي على الخبرات التالية:
والصفة الغالبة على هذه المؤسسات أنها لا تتطور وتسقط عوامل
стр. 110
الزمن والبيئة وتجدد الخلق من جميع الخبرات التي ترويها أو نقصها. فهي ما زالت مناهجها تنافح عن العقيدة الإسلامية بمنازلة أشباح المعتزلة، والمرجئة وأحيانا الأشاعرة علما بأن القضايا التي أثارها أولئك الموتى لم يعد لها أثر في الحاضر. هذا في الوقت الذي تتجاهل المتغيرات الجديدة الكاسحة في العالم من حولها، وتتعامى عن الردة المذهلة في مجتمعات المسلمين إلى "ثقافة" العصبيات القبلية والإقليمية. فهذه المؤسسات تخاف من التطور، بل تجفل من ذكره وتحسبه خطرا على العقيدة والأخلاق، مع أنه من صلب المبادئ الإسلامية وميزة من مزايا الدين الإسلامي. فالتطور في القرآن معناه استمرارية الخلق. أي أن الله سبحانه ما زال يخلق هذا الكون: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] . وفي سورة أخرى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . وهذا هو واقع مؤسسات التربية التقليدية، فهي في لبس من خلق جديد، وخلال حالة اللبس والذهول، والتخبط تخاف وتخشى أن تتحرك، ولو خطوة واحدة من واقع الحيرة الذي تتيه فيه.
ولقد أحسن الأستاذ جودت سعيد، وهو يصف عجز المؤسسات التربوية الإسلامية التقليدية في ميدان الخبرات الكونية، والاجتماعية حين قال:
"إن الثقافة التي نتثقف بها والدراسات التي نعيش معها إلا تثبت فينا اكتساب ملكة البحث والدرس، وكشف السنن والقوانين. ولا يشعرنا الذي نقرأ له أن بحثه ليس كافيًا، وأن على الباحثين بعده أن يوضحوا الموضوع أكثر منه. كما لا يوحي إلينا أن العلم قابل للزيادة، فلا يحثنا على طلب المزيد منه، ولا يعتذر عن ضآلة ما يقدمه، ليس بالكلمات وإنما بالأسلوب نفسه الذي يستطيع به أن يدل على بث روح الدأب لكشف السنن وتوضيح القوانين. ثقافتنا توحي بأن العلم خلق كاملا فلا يمكن المزيد عليه، وكأن البحوث انتهت مع الأولين
الذين لم يتركوا شاردة، ولا واردة إلا بحثوها، وفهموها وحصلوا الذروة
والنهائية، وليس عليه هو إلا أن يتملق بحوثهم ... ".