← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأبرز صفاتها أن محور القيم فيها هو "القوة فوق الشريعة"، وبالتالي يكون أصحاب القوة هم -أولو الأمر- في المجتمعات التي توجهها الخبرات الدينية الساحرة. وإنما أطلقنا على هذه الخبرات صفة -الساحرة- لأن سدنتها أو حملتها يقومون بسحر عقول الناس بالأساليب البيانية، والبلاغة اللغوية وتلبيس الحق بالباطل ليبرروا هيمنة -أصحاب القوة- ويسبغوا على ممارساتهم لباس الشرعية الدينية. والقرآن الكريم قد بين في استعراضه لتاريخ الأديان السابقة دور السحرة في محاولة تلبيس معجزات الرسل الأصلية بألاعيب سحرية لتضاهي المعجزات الحقيقية. والرسول ﷺ قد بين أن من البيان اللغوي ما فيه قوة السحر وتأثيره. وفي جميع الخبرات الكونية والاجتماعية، والدينية تعتمد التربية الإسلامية في تفاعل الفرد مع هذه الخبرات كلها على أمور منها: الأول، تحديد ميادين هذا التفاعل في الكون وأحداث التاريخ، ووقائع المجتمع البشري القائم وتطوره نحو المستقبل. والثاني، اعتبار ما يجري في الواقع القائم والوجود المحسوس هو المحك الحقيقي لصوابية هذه الخبرات وصدقها. والثالث، هو المراجعة المستمرة للخبرات الموروثة بغية تنقيتها من آثار طاغوت العصر وصنمية العصر، وما أفرزاه من الخرافة والأساطير وألوان السحر البياني.

стр. 107

ثالثا: حدود الخبرة ودوائرها قلنا: إن الخبرة المربية تقسم إلى أنواع ثلاثة: الخبرات الكونية، والخبرات الاجتماعية، ثم الخبرات الدينية. ونضيف هنا إن كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة يضم في داخله دوائر بعضها أوسع من بعض. فمثلا تبدأ -الخبرة الكونية- بدائرة الحي ثم تتلوها دائرة القرية، ثم دائرة المدينة ثم دائرة الإقليم ثم دائرة القطر، ثم دائرة القارة ثم دائرة الكرة الأرضية، ثم تخرج خارج الكرة الأرضية في دوائر آفاق الكون المتتالية. ومثلها -الخبرة الاجتماعية- التي تبدأ بدائرة الأسرة ثم دائرة الجماعة

стр. 108

المحلية كالعشيرة أو الطائفة، ثم دائرة مجتمع القرية ثم دائرة مجتمع المدنية، ثم خبرات الاجتماع في القطر أو الأمة، ثم دائرة خبرات الأمم الأخرى. ومثلها -الخبرة الدينية- التي تبدأ بدائرة التدين الفردي، ثم دائرة تدين الجماعة ثم دائرة القطر أو الأمة، ثم خبرات الأديان الأخرى. ولكل من -الخبرات الثلاث- الرئيسة بعدان اثنان: بعد أفقي ميدانه الحاضر وبعد رأسي ميدانه تاريخ الخبرة ابتداء من نشأتها، ومرورا بتطوراتها حتى حاضر مستقبلها المنظور. ولا بد أن يكتمل في كل دائرة جميع شروط الخبرة المربية، أي أن تكون عملا وأثرا. ويتفاوت الأفراد في خبراتهم في الدوائر المذكورة، فبعضهم يقف في الدوائر الأولى، وبعضهم يخطو في الدوائر ذات السعة الأوسع طبقا للأونظمة والمؤسسات التربوية، والبيئات الاجتماعية التي تتولى تنشئتهم وتوجيههم في هذا المجال، وطبقا لاستعداداتهم الشخصية. وكلما اتسعت دائرة خبرة الفرد، كلما استنار، وأحاط بالظواهر الكونية والاجتماعية والدينية، وصار قادرا على رؤية البدائل المختلفة. وكلما ضاقت دائرة الخبرة المربية أصبح الفرد ضيق الأفق، محدود التفكير عاجزًا عن رؤية البدائل السلوكية. ومما يساعد على نمو الخبرة واتساع دوائرها أمور ثلاثة: الأول، الممارسة، فممارسة الخبرة تساعد على وضوحها وبلورتها، وتمييز الخبرات الصحيحة من الخاطئة. والثاني، السير في الأرض والرحلات الهادفة؛ لأنهما يساعدان على التحقيق من تنوع الخبرات مكانا وزمانا، ويساعدان على شهود آثارها المتنوعة. والثالث، شهود الخبرة وذلك بالتنقيب عنها وتمحيصها إن كانت من الخبرات الماضية، أو تحليليها ودراستها، والوقوف على تفاصيلها إن كانت من الخبرات الحاضرة.

стр. 109

رابعًا: الخبرات الكونية، والاجتماعية في المؤسسات التربوية القائمة في الأقطار العربية، والإسلامية المعاصرة أدرك المسلمون في عصور الازدهار، والفتوحات العلمية أهمية الخبرات الكونية والاجتماعية في تفاعلها مع العقل، وإفراز القدرات التسخيرية. ولذلك قاموا بـ"العمل" الذي يشكل العنصر الأول من الخبرة، فابتكروا مناهج البحث العلمي وأدواته، وميادينه في العلوم الطبيعية والفلكية، والاجتماعية وقاموا بالرحلات، ونقبوا في التراث الإنساني كله وفي تاريخ الملل والنحل، وقاموا بترجمة الخبرات الماضية، وخططوا للتفاعل مع الحاضر، وتحديد معالم المستقبل. وحين دخلت التربية الإسلامية عصور التقليد والجمود توقف القسم الأول من الخبرة -وهو العمل- أو البحث العلمي، واقتصرت الخبرات التربوية على التلقين النظري، وانتهت مؤسسات التربية إلى الاقتصار على مدرس "يروي" آيات "الذكر" وآخر "يقص" نصوص "الأثر" المحتدر من علوم الآباء، وطلبة "يستمعون" و"يحفظون" دون أن يصاحب ذلك شيء من "الممارسة" في الخبرات الكونية والاجتماعية، ولذلك لم يولد في أجيال الخلف "اليقين" الذي امتاز به السلف. وهذا المنهج المتخلف هو الذي ورثته مؤسسات التربية الإسلامية التقليدية حتى مطلع العصر الحديث، وما زالت عليه في مناهجها ومؤسساتها، وكأن وظيفتها الأساسية هي ملء الرءوس بالأفكار، وكأن الرءوس أشرطة تسجيل، أو ملفات قصاصات ورقية يحفظ فيها أشعار "الآباء" ومأثوراتهم ومقولاتهم، أو نظريات "الغرباء" المعاصرين وتقريراتهم. لذلك فهي خالية من -التفكير العلمي والمنهج العلمي- اللذين هما سمة الخبرات المربية النافعة، وهي لا تسهم في تقديم مشروع أو حلول مشكلات، ولا ينتج عنها تطبيقات، وليس لها تأثير مستقبلي على الخبرات التالية: والصفة الغالبة على هذه المؤسسات أنها لا تتطور وتسقط عوامل

стр. 110

الزمن والبيئة وتجدد الخلق من جميع الخبرات التي ترويها أو نقصها. فهي ما زالت مناهجها تنافح عن العقيدة الإسلامية بمنازلة أشباح المعتزلة، والمرجئة وأحيانا الأشاعرة علما بأن القضايا التي أثارها أولئك الموتى لم يعد لها أثر في الحاضر. هذا في الوقت الذي تتجاهل المتغيرات الجديدة الكاسحة في العالم من حولها، وتتعامى عن الردة المذهلة في مجتمعات المسلمين إلى "ثقافة" العصبيات القبلية والإقليمية. فهذه المؤسسات تخاف من التطور، بل تجفل من ذكره وتحسبه خطرا على العقيدة والأخلاق، مع أنه من صلب المبادئ الإسلامية وميزة من مزايا الدين الإسلامي. فالتطور في القرآن معناه استمرارية الخلق. أي أن الله سبحانه ما زال يخلق هذا الكون: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] . وفي سورة أخرى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . وهذا هو واقع مؤسسات التربية التقليدية، فهي في لبس من خلق جديد، وخلال حالة اللبس والذهول، والتخبط تخاف وتخشى أن تتحرك، ولو خطوة واحدة من واقع الحيرة الذي تتيه فيه. ولقد أحسن الأستاذ جودت سعيد، وهو يصف عجز المؤسسات التربوية الإسلامية التقليدية في ميدان الخبرات الكونية، والاجتماعية حين قال: "إن الثقافة التي نتثقف بها والدراسات التي نعيش معها إلا تثبت فينا اكتساب ملكة البحث والدرس، وكشف السنن والقوانين. ولا يشعرنا الذي نقرأ له أن بحثه ليس كافيًا، وأن على الباحثين بعده أن يوضحوا الموضوع أكثر منه. كما لا يوحي إلينا أن العلم قابل للزيادة، فلا يحثنا على طلب المزيد منه، ولا يعتذر عن ضآلة ما يقدمه، ليس بالكلمات وإنما بالأسلوب نفسه الذي يستطيع به أن يدل على بث روح الدأب لكشف السنن وتوضيح القوانين. ثقافتنا توحي بأن العلم خلق كاملا فلا يمكن المزيد عليه، وكأن البحوث انتهت مع الأولين الذين لم يتركوا شاردة، ولا واردة إلا بحثوها، وفهموها وحصلوا الذروة والنهائية، وليس عليه هو إلا أن يتملق بحوثهم ... ".

стр. 111

ثم يضيف: "كذلك العلاقة بين التلميذ والمعلم، حيث يوحي المعلم بأنه يعلم كل شيء، ويأخذ الأطفال الصغار هذا إلى أن يكشفوا جهل المعلم في بعض الأمور. إلا أن هذا الكشف لا يأتي بشكل إيجابي لا من المعلم ولا من التلميذ. وإنما بشكل سلبي من كليهما. فالمعلم لا يقابل ما يجهل بسوية، بل كثيرًا ما يكون بمواربة وخداع ... والتلميذ المسكين يتقمص هذا الموقف الذي ينتج سوء العلاقة المشبعة بالاحتكار"١.

стр. 112

خامسًا: الخبرات في التربية الحديثة المعاصرة من الموضوعية أن نقول أن التربية الغربية المعاصرة هي تربية غنية بالخبرات الكونية، والاجتماعية، وإن القائمين على هذه التربية يعون إلى درجة عالية أثر الخبرة المربية في تكوين شخصية المتعلم، كما يعون أثر عوامل التطور في الخبرة المشار إليها. ولذلك يراعون مبدأ الاستمرارية تمام المراعاة. وليس أدل على ذلك من الجهود التي تدور حاليا لتطوير نظم التربية استعدادا لإيجاد مواطن القرن الواحد والعشرين، الذي سيكون مواطنا عالميا يعيش في "قرية الكرة الأرضية". والإنسان الغربي -بشكل عام- يبدأ منذ الطفولة في التدريب على التفاعل مع الكون المحيط، وعلى تحليل الخبرات الكونية والاجتماعية وتطويرها. كذلك يتم التركيز على الخبرة، وإعطاؤها حقها في المناهج التعليمية بما يتناسب والدور الذي تعلبه في حياة الفرد، ونمو قدراته ومهاراته. ويكفي أن نشير إلى ما أعطاه مرب واحد هو -جون ديوي- من عناية للخبرة في مجال البحث النظري والتطبيق العملي. والغربي ما زال منذ أيام النهضة الأولى يعطي الخبرة ما تستحقه من

стр. 113

الجهد والتكاليف التي تتمثل في الرحلات والاكتشافات الجغرافية في البر والبحر ثم أخيرا في الرحلات والاكتشافات الفضائية، ومثلها الخبرات الاجتماعية وما يصاحبها من بحث في الثقافات المختلفة، والآثار العمرانية والمخطوطات والمواد الأثرية المختلفة. والمدرسة الغربية -ابتداء من المرحلة الابتدائية، ورياض الأطفال حتى الدراسات الجامعية- ما زالت تعطي الخبرة المربية أهمية خاصة في برامجها وأنشطتها، وتوفر لها شروطها وبيئتها التي تساعد على نضوجها. ولكن مشكلة التربية الغربية تقع في ميدانين: الأول، في العنصر الثاني من الخبرة -أي عنصر الأثر- حيث يقتصر على المستوى الأول: مستوى الأثر المادي الذي يسهم في تقدم -الحضارة المادية، أو وسائل الحياة وأدواتها، ومعارفها، ولا يرتقي إلى المستوى الثاني: مستوى "اليقين" المفضي إلى شكر الله وعبادته. والسبب هو افتقار الخبرة في التربية الحديثة إلى "الذكر" الإلهي الصحيح الذي يرشد المسيرة التربوية إلى مقاصد الحياة وغاياتها. ويتجسد هذا النقص في الأزمة الروحية التي يعاني منها الإنسان الغربي بشكل عام، وفي شبكة العلاقات الاجتماعية التي تنظم علاقات الإنسان بالإنسان داخل المجتمعات الغربية وخارجها. صحيح إن دراسات مقارنة الأديان قد أخذت تتطور هناك بشكل يرقى عن مثيلاتها في الأقطار الأخرى، ولكن المشكلة في هذه الدراسات تتمثل في أمرين: الأول، في أشخاص القائمين عليها وفي الباحثين الذين ينتمون في الغالب للكنيسة والمؤسسات، والكليات المسيحية واليهودية. وهؤلاء يحملون وجهة نظر مسبقة عن غير ديانتهم -خاصة الإسلام- ويتصفون بالتحزب المسبق، لذلك تقوم مناهجهم في البحث على انتقاء حسنات ما عندهم والتركيز على سلبيات ما عند غيرهم، الأمر الذي يحول دون البحث الموضوعي، والرؤيا الصحيحة ويجعل الخبرات المتكونة خبرات غير مربية، ولا نافعة. صحيح أن هناك نفر قليل حاول التزام العدل والموضوعية، ولكنه

стр. 114

يظل نفرًا نادرًا لا يسمح له أن ينتشر ويشيع. هناك بحث موضوعي ظهر في دائرة المعارف البريطانية Encyclopedea Britanica طبعة عام ١٩١٠/ ١٩١١ تحت عنوان -الكتاب المقدس The Bible. ولقد كان كاتبه عميقًا في بحثه واضح الأدلة في تنقيبه، ومقارناته التاريخية بحيث انتهى إلى نتائج تفيد الإنسان الغربي في مراجعة معتقداته وقيمه بشكل جذري. ولكن البحث حذف من الطبعات التي تلت حتى الوقت الحاضر. والمشكلة الثانية في الدراسات الغربية المقارنة هي أن منهج البحث الذي يتناول الموضوعات الدينية، لا يعالجها باعتبارها خبرات رفيعة مهمتها الإسهام في رقي الإنسان، وتصويب مسيرته عبر الحياة نحو المصير، وإنما باعتبارها معرفة من أجل القوة والسيطرة. فالدراسات الإسلامية -مثلًا- تعالج على أساس أنها دراسات استراتيجية رافدة للسياسات الخارجية من أجل السيطرة، والهيمنة على "مزق" الأمة الإسلامية المعاصرة. ومن هنا تأتي الأهمية القصوى لاقتراح -أبراهام ماسلو- وهو نقل الدراسات الدينية إلى ميدان العلم بدل بقائها حبيسة في دوائر الكهانة، ليتعيش بها الكهان أو في دوائر السياسة ليستغلها الساسة. وهذا الدور يحتاج إلى مفكر من نوع جديد: نوع يرقى إلى المستوى العالمي في تفكيره وانتمائه. وطرحه للموضوعات والخبرات الدينية دون حساسية سلبية مما تركته خبرات قرون النهضة أيام الصراع، الذي دار بين ممثلي الفهم الديني الخاطئ، وبين ممثلي العلم المنشق عن الدين، ودون حساسية مما تركته خبرات الحروب الصليبية التي ما زالت تلون النظر الغربي في كل بحث في أصول الإسلام، ومصادره.

стр. 115

الفصل التاسع: تربية الإرادة عند الفرد أولا: معنى الإرادة ووظيفتها ... الفصل التاسع: تربية الإرادة عند الفرد مر -فيما مضى- إن الإرادة هي المركب الأول للعمل، وأنها ثمرة تفاعل القدرات العقلية مع -المثل الأعلى. وليتضح دور الإرادة في تربية الفرد المسلم لا بد من التعرف على معنى الإرادة ووظيفتها ومستوياتها، ثم كيف تنمو الإرادة وتنضج، وكيف تضعف وتفقد وغير ذلك مما يرد تفصيله فيما يلي: أولًا: معنى الإرادة ووظيفتها الإرادة هي قوة الرغبة والاختيار التي توجه الإنسان نحو قصد معين. وهي قوة باعثة يتولد منها الميل إلى الشيء أو النفور منه. والإرادة هي الوظيفة الثانية من وظائف القلب. فحين يفرغ القلب من الوظيفة الأولى -أي عقل الأفكار والأشخاص والأشياء، والمواقف والظواهر التي تجسد المثل الأعلى ثم تحليلها وتقييمها -يأتي دور الوظيفة الثانية، وهي تقبل هذه الأفكار والظواهر، أو رفضها كليا أو جزئيا. وتتجسد -الإرادة- في السلوك الظاهري من خلال قوتين اثنتين: قوة الغضب، وقوة الشهوة. وتتخذ هاتان القوتان حالات ثلاث: الحالة الأولى، غضب يتحرك إلى المدى الذي يدفع العدوان عن النوع البشري، وشهوة تتحرك إلى المدى الذي يحافظ على استمرار بقاء النوع البشري. والحالة الثانية، غضب ضعيف لا ينمو إلى الحد الذي يدفع العدوان عن النوع البشري، وشهوة ضعيفة لا تتحرك إلى المدى الذي يحقق الاستمرار للأفراد والجماعات. والحالة الثالثة، غضب مفرط طاغي يتحرك إلى درجة العدوان على الأفراد والجماعات، وشهوة مفرطة طاغية تتحرك إلى الدرجة التي تهدد بقاء الأفراد والجماعات. والذي تهدف إليه التربية الإسلامية هو تنمية الحالة الأولى إلى درجة النضج، وتزكية الأفراد والجماعات من الحالتين الثانية والثالثة.

стр. 116

ثانيا: مستويات الإرادة والإرادة مستويات تتطابق مع مستويات المثل الأعلى. وهذه المستويات قسمان: بعضها أساسية وبعضها فرعية. أما المستويات الأساسية فهي: إرادة الإنسان للغذاء لبقاء الجسم البشري. وإرادة الإنسان للنكاح لاستمرار النوع الإنساني. وإرادة العقيدة والقيم ليرتقي الإنسان بنوعه. والذي تهدف إليه التربية الإسلامية أن تنمو هذه المستويات الثلاثة، وأن تتخذ مواقعها حسب نسق معين تحتل فيه -إرادة العقيد والقيم- منزلة التوجيه والإرشاد بينما تتوجه الإرادتان الأخريتان نحو مقاصدها في ضوء التوجيهات، والإرشادات المشار إليها توجها واعيا قائما على الاقتناع والقبول. وبذلك تعطي الإنسان منزلته العليا، وتخرجه عن إرادات الحيوان الذي يتوقف عند إرادة الغذاء والنكاح. ولا يعني ذلك الحط من قيمة الاقتصاد، والتمتع بنعم الله، وإنما معناه أن الاقتصاد يكتسب قيمته من أثره الأخلاقي، ومدى إسهامه في رفع قيمة النوع البشري لا مجرد الوقوف عند بقاء النوع البشري. فإرادة العقيدة والقيم هي الهدف بينما يكون دور كل من الإرادتين الأخريتين هو دور الوسيلة المساعدة للوصول إلى هذا الهدف. فالمسلم يريد الطعام والنكاح، ولو ترك الطعام فمات لكان منتحرا، ولو ترك النكاح

стр. 117

لكان خارجًا عن المنهج المستقيم. ولو حرم غيره من الطعام لكان قاتلا، ولو حرم غيره من النكاح لكان مفسدًا. ولكن لا يجوز أن يجعل الطعام والنكاح مثله الأعلى بل يطلبهما طلب الوسيلة الموصلة إلى المثل الأعلى. والإنسان فيه ميل طبيعي إلى تعشق المثل الأعلى، الذي يرتقي بنوعه ولا يقف عند الإسهام في بقائه الجسدي. وحين تثبت التربية إرادته عند إرادة الطعام، والنكاح ينتابه القلق وعدم الاستقرار والإحساس بالغربة حتى يبلغ مستوى العقيدة والقيم، أو ما يقابل تحقيق الذات التي هي حاجة تعلو على الحاجات الفسيولوجية كما يقرر -ماسلو- في سلم حاجته الشهير. وحين تنمو الإرادات الأساسية التي مر ذكرها، وتتكامل حسب النسق الذي عرضناه، فإن عددا من الإرادات الفرعية ذات الأثر الإيجابي يتفرع عنها إطارًا عامًّا. ويرسم القرآن إطارًا عاما لهذه الإرادات الفرعية منها: إرادة الإحسان: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] . وإرادة الإصلاح: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] . وإرادة الهدى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨١] . وإرادة النصح: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] . وإرادة التيسير: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] . وإرادة التواضع والصلاح: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] . وإرادة الآخرة: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] . ومثلها إرادة التعلم، وإرادة الفضائل والأخلاق، وإرادة الحلال في

стр. 118

المأكل والملبس والجنس والنفور من الإرادات السيئة، والمحرمة التي تقابل الإرادات الفاضلة والمباحة. ومحور هذه الإرادات كلها الذي تتوحد فيه، وتتفرع عنه هو -إرادة الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] . ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] . وإرادة الله يكون من ثمراتها تفجر جميع الإرادات النبيلة، التي تتوجه للارتقاء الحياة وطهرها وشيوع الحق، والعدل فيها وسهولتها، ويسرها: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] . ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] . أما إذا انحسرت إرادة العقيدة والقيم، وهيمنت إرادة الطعام، وإرادة النكاح فصارتا هما الهدف، وما يقابلهما في سلم "مثل السوء" هو المثل الأعلى، فإن التربية تكون قد خرجت عن مسارها السليم. ولذلك فإن نظم التربية التي تجعل الرفاهية المادية، وزيادة الدخل وثقافة الاستهلاك أسمى درجات المثل الأعلى الذي تتحرك نحوه إرادة المتعلم لا تعتبر -في الواقع- هي النموذج لنظم التربية؛ لأنها تهمل إنسانية الإنسان. إن التربية التي تجعل مثلها الأعلى هو الرفاهية المادية، وثقافة الاستهلاك تفرز عددا كبيرا من الإرادات الفرعية الفاسدة ذات الآثار السلبية مثل:

стр. 119

إرادة الدنيا: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٥٢] . ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] . وإرادة الفحشاء: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] . وإرادة العدوان: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] . وإرادة طمس الحق: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] . وإراد الإفساد: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] . وإراد الخيانة: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ [الأنفال: ٧١] . وإرادة النفاق والمداهنة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩١] . وإرادة الجبن: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] . وإرادة التزييف: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] . وإرادة الكيد والمكر: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] . وإرادة الجاه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] . ومثلها إرادات العصبية للقبيلة أو القوم، أو الجنس أو الوطن، وإرادة الحرام من المال والمطعم والجنس، وإرادة السلطان والتجبر، وإرادة اللهو، وإرادة المتعة والترف، وإرادة الرذيلة وغيرها من الإرادات السيئة والمحرمة.

стр. 120

فهذه كلها إرادات يريدها الإنسان الذي تقف إرادته الرئيسية عند إرادة الطعام وإرادة النكاح، وهي كلها تؤدي إلى هبوط النوع الإنساني. ولذلك جعلها الإسلام إرادات فاسدة كالروائح النتنة. ولهذا لما رأى رسول الله ﷺ بعض أتباعه "يريدون" الولاء للعصبية ويصيحون: يا لآل فلاون! قال لهم: "دعوها فإنها منتنة" ١. وإيراد هذه الأمثلة والنماذج القرآنية للإرادات لا يعني أن نقف عند ما ورد في القرآن والحديث، وإنما معناه أن نسترشد بهذا الإطار العام لمفهوم الإرادة، ثم نمضي قدما في تصنيف تفاصيل الإرادات الفرعية في ضوء الخبرات، والحالجات القائمة. أي أن المطلوب أن يبرز "فقه تربوي" في كل زمان ومكان، تكون مهمته بلورة نماذج الإرادات التي يراد من التربية والمؤسسات التربوية أن تنميها في ضوء التوجيهات الإلهية في آيات الكتاب، وفي ضوء التطور الجاري والحاجات المتجددة، والتحديات القائمة في ميادين الآفاق والأنفس. ونجاح التربية في هذه المهمة يحقق صفة "الإخلاص" في العمل التي هي أحد الشرطين الرئيسين لبروز العمل الصالح. ومن الطبيعي أن بلورة مثل هذه النماذج من الإرادات يجب أن يسبقها بلورة نماذج مطابقة من المثل الأعلى، الذي يمثل حاجات المرحلة والمكان كذلك. وحين تنجح التربية في ذلك كله وتشيعه، وترسخه تكون قد عملت على إيجاد ما يسمى بـ"روح الأمة"!!

стр. 121

ثالثًا: مستوى الإرادة ونضجها تنمو -الإرادة- عند الفرد حين يعرض عليه -المثل الأعلى- الذي يجد فيه الأدلة، والشواهد التي تقنعه بصحة هذا المثل الأعلى وتمثيله لتطلعاته وآماله. وتبلغ الإرادة درجة النضج حين يصبح الفرد مستعدا لبذل النفس، والمال في سبيل المثل الأعلى. ويشير القرآن إلى هذه الحالة من

стр. 122

الاستعداد في مواضع كثيرة جدا، كذلك تدل وقائع التربية النبوية على أن الرسول ﷺ كان يشترطها ويجعلها شارة الإيمان وصدقه. والإنسان عنده ميل فطري إلى أن يضحي بنفسه، وماله في سبيل المثل الأعلى، بل إن هذه التضحية هي أمر راسخ في فطرة الإنسان وجزء من وجوده، وما تعظيم الشجاعة عند البشر إلا تقدير لقيمة التضحية في سبيل المثل الأعلى، ولذلك جعل الجهاد أفضل الأعمال. والتربية الإسلامية لا تجيز هذه التضحية في سبيل -مثل سوء- يحط بالنوع الإنساني ويثقل ميزان الشر. ومن هنا كان التنديد بالقتال في سبيل مثل الجاهلية، وميتات العصبية والانتحار. ومثله التنديد بالذين يفقدون إرادة التضحية في سبيل المثل الأعلى، ويحرصون على أية حياة ولو كانت حياة الهوان والاستضعاف. ولكن نمو الإرادة ونضجها يحتاجان إلى شروط معينة. وأي خلل في هذه الشروط ينعكس آثاره سلبيا على الإرادة التي يراد تنميتها. أما هذه الشروط فهي: أولا: أن تنمو لدى الفرد القدرات العقلية، وتزكو أساليب التفكير وخطواته التي عرضت في تربية وظيفة والعقل. ثانيا: توفير البيئة التي تسهل للفرد أن يعيش تطبيقات المثل الأعلى ويمارسها. ثالثا: الاستمرار في عرض المثل الأعلى على الفرد حتى درجة الرسوخ، والإحاطة بالكليات والجزئيات. رابعًا: اقتناع الفرد بحاجته إلى المثل الأعلى المعروف، وبأضرار "مثل السوء" الذي يعارضه ويتنافى معه. خامسا: تحرير الفرد من الموروثات الاجتماعية والثقافية التي تخالف المثل الأعلى المعروض.

стр. 123

رابعا: مستوى الإرادة ومستوى المثل الأعلى يتحدد مستوى الإرادة طبقا لمستوى المثل الأعلى المعروض على القدرات العقلية. ويختلف مستوى الإرادة عن نموها في أن مستوى الإرادة، هو انتقال طولي من مستوى إرادة بقاء الجسد -مثلا- إلى مستوى إرادة بقاء النوع، أو من هذا الثاني إلى مستوى إرادة الارتقاء بالنوع البشري. أما نمو الإرادة فهو امتداد أفقي باتجاه نموذج المثل الأعلى، الذي يقابل مفردات الإرادة، كأن تنمو إرادة الإحسان وتتوجه نحوه بعد عرض المثل الأعلى لقيمة الإحسان، وأن تنمو إرادة العمل، وتتوجه نحوه بعد عرض المثل الأعلى لقيمة العمل. وأن تنمو إرادة التنظيم، وتتوجه نحوه بعد عرض المثل الأعلى لقيمة التنظيم وهكذا. إذن فالمستوى الذي يعرض من المثل الأعلى هو الذي يقرر مستوى الإرادة الحاصل، فيرفعها -إن شاء- حتى تبلغ إرادة الارتقاء بالنوع الإنساني، ويحبسها إن شاء عند مستويات إرادات الطعام، والنكاح. أي إن العلاقة بين المثل الأعلى، وبين الإرادة علاقة طردية. فالإرادة ترتفع بارتفاع مستوى المثل الأعلى المعروض، وتهبط بهبوط مستوى المثل الأعلى المعروض. وهذا قانون له آثاره الخطيرة في مجال التطبيق ومواقف الحياة. فالخطباء والشعراء والمغنون لا يستطيعون إثارة إرادة التضحية عند الشعب، إلا إذا كانت المؤسسات التربوية قد نمت مفردات هذه الإرادة، ورفعت مستواها قبل ذلك، ولذلك تحددت عمليات التربية الإرادية في التربية الإسلامية طبقا لهذا المبدأ، فالفقهاء والمربون ينمون الإرادات، ويرفعون مستواها بالإعداد النظري والتطبيق العملي الذي يمتد لسنين طويلة، والوعاظ والخطباء يستثيرون الإرادات الكامنة خلال دقائق فقط، ولكنهم لا يستطيعون عمل شيء في هذا الشأن، إذا كانت الإرادات ضعيفة أو ميتة. وهذا المبدأ من الأسباب الرئيسية التي تدفع السياسات الاستعمارية

стр. 124

والأنظمة السياسية التي تمثل الفئات المستغلة إلى الهيمنة على المؤسسات، والنظم التربوية والإعلامية، واستغلالها لعرض مثل سوء أو تشويه المثل الأعلى إذا كان موجودا في الأصل، أو حجبه بغية توليد إرادات ضعيفة أو فاسدة، بينما تترك الحرية للخطباء والوعاظ لينفخوا في إرادات ميتة أو غائبة. وهو نفس السبب الذي يجعل الدين الإسلامي هدفا لعداوات المستعمرين، والمترفين والمتسلطين في كل زمان ومكان. ويمكن أن نمثل للعلاقة بين مستوى المثل الأعلى، ومستوى الإرادة ونموها بالشكل التالي:

стр. 125

خامسًا: فقدان الإرادة وضعفها كما إن الإرادة تنمو وتنضج، فإنها تضعف وتموت. لذلك لا تقف التوجيهات الواردة في القرآن والسنة عند الإشارة إلى أهمية الإرادة، ووظائفها وإنما أيضا إلى النظر في أساب ضعفها وموتها للحذر من هذه الأسباب، وتجنب آثارها وتحديد أساليب معالجتها. ويتم فقدان الإرادة الجازمة النبيلة في ثلاث حالات هي: الحالة الأولى، عند فقدان القدرات العقلية. وفي حالة هذا الفقدان لا يتفاعل الفرد مع المثل الأعلى إذا عرض عليه، ويكون مثله مثل الذي فقد حاسة الشم، فإذا وجدت الرائحة لا يحدث الإحساس بها رغم وجودها. وهذه الحالة ليست مدار بحثنا؛ لأنها حالة مرضية ميدانها الصحة الجسدية والعلاج البدني. والحالة الثانية، أن توجد القدرات العقلية ويوجد المثل الأعلى، ولكن تكون القدرات العقلية مكبلة بـ"مثل سوء" تسرب إليها خلال الموروثات الاجتماعية، والثقافية التي يرثها الفرد من بيئته الأسرية والاجتماعية. ولأهمية هذه الموروثات نتناولها بشيء من التفصيل فتقول: كما إن الطفل يولد على الفطرة في سمعه وبصره وشمه وذوقه، كذلك هو في إرادته للخير ونفوره من الشر. فإذا عرضت الأفكار، والأعمال على الإنسان الفطري -خالي الذهن من الخبرات الاجتماعية والثقافية- فإن له القدرة على اختيار أفضلها وأن تتوجه إرادته إلى محبتها، حتى تصل إلى درجة التضحية بالمال والنفس. ولكن الطفل يرث مثله الأعلى -في العادة- من المجتمع الذي ينشأ فيه كما أشار إلى ذلك ﷺ حينما قال: "ما من مولد إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه ويمجسانه وينصرانه" ١. ولذلك كان واجبا على التربية أن

стр. 126

تقوم بمراجعة وتقويم ما ورثه الطفل من بيئة "الآباء" الخاصة، والعامة في ضوء نماذج المثل الأعلى التي تود التربية أن تنشئ الطفل على إرادتها. ولنتحقق من أثر الموروثات الاجتماعية في موقف الإنسان من المثل الأعلى، يمكن أن نلاحظ أن الإنسان يبصر ويسمع، ويفهم بخلفيته الثقافية وبمواريثه الاجتماعية. فالناس الذين يمشون يلاحظ أحدهم الأماكن التي تباع فيها التحف القديمة، ويلاحظ آخر المكتبات التي تبيع الكتب والصحف، ويلاحظ ثالث الملاهي، ويلاحظ رابع المساجد، ويلاحظ خامس سمك الفسيح، ويلاحظ سادس مطاعم الهامبرجر. وهكذا كل يلاحظ بحسب الإرادات التي نمتها فيه الموروثات الاجتماعية -خاصة في عهد الطفولة. إن عيونهم التي في وجوههم تلتقط مثل آلات التصوير كل المشاهد، ولكن الذي يحضر الأفلام في الداخل ينتقي مشاهد معينة فقط١. وهذا يعني إن وراء عيوننا الحسية عيونا أخرى اجتماعية تقوم بعملية الانتقاء. وهذه العيون هي التي يتحدث عنها الله تعالى حين يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . والناس الذين تطرق آذانهم أصوات متعددة تنقل إليهم موضوعات، وأفكارًا عبر أجهزة الأعلام، وفي الندوات والمحاضرات. ولكن بعضهم يسمع ويعي الأشعار -أو أشعارًا معينة بالذات، وبعضهم يعي الفقرات الدينية، وبعضهم يعي وينجذب للأغاني، وبعضهم يعي وينجذب للنكات المسرحية، وبعضهم يعي وينجذب للتعليقات السياسية، وبعضهم يعي وينجذب للأحاديث الاقتصادية، وبعضهم يعي وينجذب لأخبار العلم والتكنولوجيا. إن آذانهم التي في رءوسهم تتلقى جميع الأصوات، ولكن أجهزة التسجيل والوعي التي في الداخل تسجل وتذيع مقطوعات معينة، أو موضوعات معينة فقط.

стр. 127

والناس يقرأون كتابا واحدا ينقل إليهم عبر مقاعد الدرس أو التدريس أو النشر، ولكن بعضهم يفهمه بما هو في خير الإنسان ولنصرة الحق والفضيلة، وبعضهم يفهمه بما هو ضد الإنسان وضد الحق والخير والفضيلة. إن عيونهم التي في رءوسهم تنقل نفس الكلمات وتصور نفس الحروف، ولكن المترجم أو الشارح الذي في داخلهم يبتنى شروحات وتأويلات متباينة. والذي يحدد جميع هذه الأشكال من السمع والبصر، والفهم هو المواريث الثقافية والاجتماعية التي تلقاها الفرد خلال التنشئة من بيئته الخاصة والعامة. فإذا كانت هذه الموروثات تناقض المثل الأعلى الذي تحمله هذه المرئيات والمسموعات، والمقروءات، فإن هذه الموروثات تقيم سدودا حاجزة وتغلق الأبواب أمام المثل الأعلى المرئي أو المسموع، أو المقروء. ولقد أطلق القرآن الكريم على هذه الحواجز أسماء "الغشاوة" و"الوقر" و"الران"، وأطلق على الموروثات الاجتماعية والثقافية التي أقامت هذه الحواجز اسم "الأغلال" واسم "الآصار". وأكثر ما تقوم هذه الحواجز في أوساط البيئات التي تحمل أكداسا وركاما تاريخيا من الفلسفات والعقائد، والثقافات المختلطة والقيم والعادات والتقاليد المتباينة. ومن هنا يمكن أن نفهم قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١. فاختيار الرسول ﷺ كفرد، والعرب المعاصرين له كمجتمع، يحمل الرسالة مبني على أن فطرتهم كانت أكثر تحررًا من الموروثات الاجتماعية، والثقافية حيث كانت المعلقات الشعرية أسمى إنتاجهم في هذا المجال، وهي ذات موضوعات بسيطة تدور حول أشياء العربي البسيطة آنذاك ولا تحتوي على فلسفة أو عقائد. ولذلك كانت فطرتهم أسلم من المجتمعات المعاصرة لهم من الفرس، والروم الذين كانوا يعانون من أخلاط

стр. 128

مضطربة من العقائد والفلسفات والمذاهب والثقافات. فكانوا في ذلك الوقت الأنموذج الذي وصفه الله بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣] . ومن هنا كذلك يمكن أن نفهم مواقف المجتمعات الإسلامية فيما بعد، من دعوات التجديد والإصلاح بعد أن تجمعت عندهم أخلاط من المذهبيات والفرق المتباينة والتأويلات المختلفة التي انحدرت إليهم من الآباء خلال القرون. وبسبب هذه الآثار السلبية للموروثات الثقافية، والاجتماعية الفاسدة، كانت شكوى نوح ﵇ من المجتمع الذي عاصره عندما قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦-٢٧] . فهو لم يعن إن الأطفال يولدون مزودين بإرادات الكفر والفجور، فهذا يتعارض مع المبدأ الذي يقرر أن الإنسان يولد مفطورًا على تعشق المثل الأعلى وإرادة الهدى، والفضيلة. وإنما أراد تصوير هيمنة الموروثات الثقافية والاجتماعية التي كانت -منذ وقت مبكر- تفسد بذرة -الإرادة النبيلة- في نفوس الناشئة، بحيث يستحيل أن تنمو هذه البذرة فيما بعد، وإن استمرار مثل هذه الموروثات سوف يؤدي إلى إفساد الإرادات عند العباد كلهم، ودفعهم في طرق الضلال. والخلاصة إن مثل الأفراد الذين يعانون من هيمنة الموروثات الثقافية، والاجتماعية المناقضة للمثل الأعلى مثل الذي تعرض عليه الروائح الزكية، ولكن حاسة الشم عنده مصابة بمرض الزكام. وهؤلاء يطلب إليهم العلاج فإذا رفضوه وظلوا يتعللون بعدم القدرة على الشم لم يعذروا، واحتاجوا إلى الحجر الصحي والحمية -بكسر الحاء وسكون الميم-

стр. 129

والعلاج القسري حتى لا تنتقل عدوى أمراضهم إلى الأصحاء كلهم. وهذا هو -منهج التربية الإسلامية- في معالجة البيئات التي تنتشر فيها مثل هذه الحالات، ثم تستعصي على الشفاء من الإرادات الفاسدة. فقد كان الجهاد عمليات جراحية لاستئصال الأعضاء البشرية الفاسدة، حتى لا ينتشر فساد إرادتها إلى بقية البشر، وحتى تكسر الحواجز أمام المثل الأعلى الذي تريد هذه التربية أن تعرضه على عقول الأفراد الذين لم يروه. والحالة الثالثة، أن توجد القدرات العقلية، ولا يوجد المثل الأعلى فيكون مثل هذه الحالة مثل الذي لديه حاسة الشم، ولكن لا توجد الرائحة الزكية. لذلك لا يحدث الإحساس بها. وهذه حال المجتمعات التي افتقرت المؤسسات التربوية فيها منذ زمن طويل إلى "المثل الأعلى". ومثلها نظم التربية الحديثة التي فصلت بين العلوم الإنسانية، وعلوم الدين وبين العلوم الطبيعية، ثم أهملت الأولى أو قللت من شأنها بينهما سجعت الثانية، ورعتها ورفعت من مكانة المتخصصين فيها. ومثلها أيضا النظم التربوية التي قامت -وتقوم- في ظل الاحتلال والاستعمار أو تلك التي تقوم في ظل التسلط، وكبت الحريات والطبقية والتمييز العنصري. فجميع هذه النظم تلجأ في العادة إلى بناء نظم تربوية تستبعد المثل الأعلى الذي ينمي إرادات العقيدة، والقيم العليا والأخلاق الرفيعة وتستبد له بـ"مثل سوء" يدور حول إرادات الطعام، والنكاح وما يتفرع عنها من إرادات المتعة واللهو، ويصاحب ذلك كبت الحريات الذي يحول دون نمو القدرات العقلية ونضجها. ثم تكون نتيجة ذلك كله إخراج إنسان ضعيف الإرادة، أو فاقدها فيسهل التحكم به، وتسخيره دون أن تتحرك فيه إرادة التحرر أو المساواة، والعدالة الاجتماعية. ومثل هؤلاء الأفراد يعذرون ويعرض عليهم المثل الأعلى، والذين يرفضونه بعد العرض لا يعذرون، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .

стр. 130

الفصل العاشر: إحكام تنمية القدرة التسخيرية أولا: معنى القدرة التسخيرية القدرة التسخيرية هي المركب الثاني لـ"العمل الصالح" الذي هو صفة الفرد الذي تستهدف التربية الإسلامية إخراجه. وهي تعني القدرة على اكتشاف قوانين الخلق في الكون، والنفس واستثمارها في تطبيقات نافعة لبقاء النوع البشري ورقيه. وهذه القدرة هي ثمرة: تفاعل القدرات العقلية مع الخبرات الكونية، والنفسية اللتين استعرضناهما فيما مضى. والقدرة التسخيرية التي توجه إليها مصادر التربية الإسلامية -خاصة القرآن الكريم- نوعان: قدرة تسخيرية في ميادين الكون، وهي القدرة على اكتشاف قوانين عناصر الكون، ثم تحويل هذه القوانين إلى تطبيقات وممارسات صائبة. وقدرة تسخيرية في ميدان النفس، وهي القدرة على اكتشاف قوانين السلوك الإنساني، وتفاعلاته في حياة الفرد أو ممارسات الجماعة، عبر الرحلة البشرية على الأرض، ثم الاستفادة من هذه القوانين في تعبئة طاقات الأفراد والجماعات لتحسين حياة الإنسان، والرقي بالنوع البشري وتأمين سلامته، حسب المنطلقات والمبادئ التي تتفق مع قوانين الخلق، وتوجيهات الوحي. والقرآن يطلق على هذه القوانين اسم -السنن- ويحث الإنسان إلى البحث عنها، واكتشافها والتفكر بعملها، وتتبع آثارها في الوجود الكبير كله. ولقد استطاع الإنسان -حتى الوقت الحاضر- أن يقطع أشواطًا كبيرة في

стр. 131

تحقيق القدرة التسخيرية في ميادين الأشياء الكونية. إذ بواسطة هذا الإنجاز كشف الكثير من قوانين الكون، وطور التكنولوجيا وسخر الكثير من مخلوقات الأرض، وكنوزها وخاض عباب المحيطات، وجاب الفضاء، ونزل على سطح القمر، وتقدم في فهم الصحة والمرض وغير ذلك. كذلك استطاع الإنسان الوقوف على جانب غير قليل من قوانين النفس والسلوك، فاستطاع من خلال ذلك تسخير إمكانات النفس البشرية، وطاقاتها للتأثير في الأداء الإداري، والتنظيمي والعسكري، وتوجيه الرأي العام والتأثير في المعتقدات والاتجاهات. ويشير القرآن الكريم إلى أن القدرات التسخيرية في ميدان النفس، والاجتماع، سوف تتطور وتتقدم حتى تستخرج قدرات الإنسان الأخلاقية، والإيمانية، ثم تنيمها وتمكنها من توجيه السلوك البشري، والمنجزات والممارسات بالشكل الذي يبرز علم الله في الإنسان إلى عالم الواقع، فلا يعود يسفك الدماء، أو يفسد في الأرض. وفي التاريخ شواهد محسوسة على أن الرسل، والأنبياء الذين أحكموا القدرات الأخلاقية في ميدان النفس، استطاعوا الارتقاء بنماذج من البشر إلى الدرجة التي يتطلع إليها الإنسان في الكمال والمثالية. والتوسع في ذلك يحتاج إلى مزيد من القدرات التسخيرية في ميدان النفس، والاجتماع، ويحتاج إلى تطوير مفاهيم جديدة للعلم والتربية، وهو الأمر الذي توجه إليه أصول التربية الإسلامية. لقد استطاع الإنسان من خلال اكتشاف قوانين المحسوس، وتسخير هذه القوانين أن يعرف كيف يتعامل مع مكونات هذا الكون، وتسخيرها لتحسين حياته والارتقاء بوجوده المادي، والتغلب على كثير من الأخطاء والمصاعب التي تواجهه. فالإنسان حين سخر قوانين الهواء والفضاء -كالجاذبية مثلا- صار يعرف كيف يصنع المركبات، ويجوب الفضاء ويدور حول الأرض في ساعات. ولكنه إلى جانب ذلك صار يعرف بالبداهة أن القفز من مراكب

стр. 132

الفضاء والطائرات دون مراعاة للقوانين، التي تسيرها لا بد وأن يؤدي به إلى الحتف المؤكد. ولذلك هو لا يأتيه أبدًا إلا بما يتفق وهذه القوانين كاستعمال مظلات القفز المعروفة باسم -الباراشوت- وأمثالها. ولكن جهل الإنسان -أو عدم إحاطته- بالقدرات الأخلاقية، وبقوانين النفس والسلوك، ما زال يضعه في موضع العاجز عن توجيه عربة السلوك الأخلاقي والاجتماعي. بل إنه في كثير من الأحيان ليقفز من هذه العربة قفزة الجاهل البدائي، فيتحطم وتتناصر أشلاؤه، ولا يعتبر بالنتائج المدمرة التي تعقب هذا القفز.

стр. 133

ثانيا: درجة القدرة التسخيرية، وحدود الخبرة المربية قلنا: إن -القدرة التسخيرية- هي ثمرة تزاوج القدرات العقلية مع الخبرات الكونية والاجتماعية، وإن هذه الخبرات دوائر بعضها أوسع من بعض. ونضيف هنا أن درجة القدرة تتناسب مع سعة الخبرة المربية. فالفرد يكون لديه قدرة تسخيرية في ميادين الكون، والاجتماع والنفس التي بلغت خبرته فيها مستوى الخبرة المربية، فإذا خرج خارج دائرة خبراته المربية فقد القدرة على تسخير الظواهر التي يواجهها في الدوائر الجديدة. ولذلك تتحدد الخبرات المربية عند ابن الريف داخل حدود الريف، فيكون مستقل التفكير والسلوك قادرا على اتخاذ القرارات، ولكنه حين يخرج إلى المدينة تتعطل قدراته التسخيرية، ويفقد القدرة على اتخاذ القرار المستقل، حتى إنه إذا أراد شراء قطعة من القماش، فإنه يلجأ إلى بعض معارفه أو أصدقائه من أبناء المدينة لشراء القماش الذي يراه ملائما، ولو أنه كذلك دخل مطعما لم يجرؤ على اختيار ما يأكله، ويشربه ويفوض الآخرين ليختاروا له، أو يقلدهم فيما يأكلون ويشربون١، ولو أنه أيضًا أراد الزواج من المدينة فإنه يقع على

стр. 134

أول فتاة تصادفه ولو كانت من سقط المتاع، وتظل هذه حالته حتى تتعمق خبراته، وتبلغ درجة الخبرات المربية. ومثل ابن الريف، الزعيم السياسي أو القائد العسكري أو المدير الإداري الذي ينتمي إلى قطر من الأقطار، التي لم تدخل عصر التكنولوجيا المتقدمة بعد، أي أنها ما زالت تستوردها ولا تنتجها. فمثل هؤلاء الأنماط الثلاثة من الزعماء والقادة والمديرين يتخذون قرارتهم، ويقومون بممارساتهم داخل بلادهم باستقلال وتفكير، ولكنهم حين يخرجون خارج دائرة خبراتهم المربية التي اكتسبوها من بيئاتهم، فإنهم يفقدون القدرة على اتخاذ القرار المستقل، والمعالجات المستقلة، ويلجئون إلى الأصدقاء والحلفاء من أبناء الدول المتقدمة المنتجة للتكنولوجيا، ليمدوهم بالخبراء الذين يتخذون لهم القرار، ويضعوا خطط التنفيذ، وكثيرا ما يستغل الخبراء مكانتهم هذه ليتخذوا قرارات وليمارسوا تطبيقات تخدم مصالح أقطارهم، وتضر بالمسئولين المحللين وبلادهم. ومثل النوعين معا المثقف، أو المربي الذي ينتمي إلى بلد من البلدان، التي لم تدخل عصر تفجر المعرفة والذي لم يتدرب على التفاعل مع الكون المحيط والوجود القائم. فمثل هذا المثقف أو المربي يكون مستقل النظر، والقرار داخل حدود خبراته المربية التي كونها داخل بيته وثقافته. ولكنه حين يخرج خارج دوائر خبراته الثقافية والتربوية، فإنه يتبنى ما يتلى عليه أو ما يقرأه دون تحليل أو تقويم، ويتلقاه تلقي الوحي المعصوم، ويظل يكرره ويجتره حتى يغيره أهله الذين أنتجوه ثم يمدونه بأفكار غيرها، وهكذا. لذلك كان واجب التربية أن تتوسع في تكوين الخبرات المربية عند المتعلمين حتى تدخلهم دائرة خبرات العصر والمستقبل المنظور. وبذلك يتكون عند الناشئة القدرات التسخيرية، التي تمكنهم من تلبية حاجاتهم القائمة والمستقبلية، ومواجهة المشكلات الموجودة والمحتملة.

стр. 135

ثالثا: مستويات القدرة التسخيرية تتفاوت مستويات القدرة التسخيرية عند الأفراد. وطبقا لتفاوت هذه المستويات يجري تصنيف المتعلمين إلى: أولي ألباب محسنين، ومؤمنين متبعين، ومسلمين مقلدين. وتتكامل هذه المستويات طبقات لعلاقة المسئولية، والدرجية التي تم استعراضها في الكتاب الأول من هذه السلسلة -كتاب فلسفة التربية الإسلامية. أما عن تفاصيل مستويات القدرة التسخيرية، فهي كما يلي: المستوى الأول، وهو القدرة على التفاعل العلمي مع الكون المحيط كله، بحيث يصبح عقل الفرد دائر التفكر في خلق السماوات والأرض، وما فيهما من كائنات دون أن يتوقف عن التساؤل: كيف؟ ولماذا؟ لحظة واحدة. وأصحاب هذه القدرة يديمون النظر، والبحث عن الإجابات الصحيحة للتساؤلات المتكررة في أذهانهم، وهم دائموا الاكتشاف لقوانين الموجودات وقوانين الاجتماع، والنفس ثم يبلورون هذه القوانين، ويثرون بها المعرفة وتطبيقاتها. والمستوى الثاني، هو القدرة على فهم القوانين والسنن المكتشفة من قبل أصحاب المستوى الأول ثم تحويلها إلى تطبيقات عملية تساهم في سعادة الإنسان، وتنظيم حياته ورقيها. وأما المستوى الثالث، فهو القدرة على فهم التطبيقات العلمية، وكيفية عملها وتركيبها ثم استعمالها والإفادة منها.

стр. 136

رابعا: أهمية تنمية القدرات التسخيرية ... رابعا: أهمية تنمية القدرات التسخرية لم يعد باستطاعة الإنسان العيش في طور التكنولوجيا العلمية إلا إذا احتل -على الأقل- المستوى الثالث من مستويات القدرة التسخيرية التي مر ذكرها. إذ لم تعد قيمة للقدرات العضلية، والطاقات الجسدية إذا لم تتوثق معرفة الفرد بالقدرات التسخيرية، والتفكير العلمي.

стр. 137

وتضيف التربية الإسلامية عاملا آخر لأهمية تنمية القدرات التسخيرية، وإخراج الإنسان العلمي والمجتمع العلمي والبشرية العلمية. وهذه الأهمية هدفها أن يصبح العلم زادا شعبيا يتزود به العامة، والخاصة لبلوغ درجة اليقين الإيماني. فالعلم والتفكير العلمي هما دعامتا الإيمان وبرهانه الساطع. وحين يشيع العلم وينتشر تتكشف المعجزات الإيمانية في الآفاق، والأنفس كما وعد الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . بل إن الإشارة واضحة إلى أن المقصود بالعلماء، الذين يخشون الله هم العلماء المختصون بالعلوم الطبيعية كعلم النبات والجيولوجيا والطب، وعلم الإحياء والسلالات والعلوم الاجتماعية، الذين يديمون البحث والنظر في عناصر الكون وظواهر الاجتماع وحركة التاريخ. فالآية التي أثبتت صفة الخشية للعلماء جاءت بعد تقديم لمظاهر الكون، وعناصر الوجود الحي القائم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] . فالرسالة الإسلامية جاءت لتطور معجزات الرسالات بما يناسب الطور الجديد الذي دخلته البشرية. فلم تعد معجزة الرسالة الإلهية ناقة تولد من صخرة، أو عصا تنقلب إلى حية تسعى، أو أكمه تبرئه مسحة يد، وما يشبه ذلك من المعجزات الصغيرة المفردة، المحدودة بحياة الرسول الذي يجيء بها، المحسوسة التي توافق الطفولة والمراهقة الفكرية للإنسانية، وإنما صارت المعجزة رسوخا في العلم بنشأة عوالم الكون، والحياة وتكوينها وتطورها، وصار حجمها يملأ الكون القائم، وتخطت حدود الزمان

стр. 138

والمكان، وتجاوزت مرحلة الطفولة والمراهقة الفكرية إلى النضج الفكري الذي وقف الإنسان على أعتابه، وصارت تبرز من خلال العقل البشري دون أن تنحصر في نبي أو رسول. إن آيات الآفاق والأنفس هي هذه المعجزة المستمرة التي لا تتوقف لحظة واحدة، عن لفت العقول والأبصار، والأسماع إلى العلاقة المتبادلة المستمرة، وإلى التطابق الكامل بين آيات الكتاب التي جاء بها الوحي، وآيات الآفاق، والأنفس التي يكتشفها العلم في كل يوم. والقرآن لا تخلو صفحة من صفحاته من الحث على تتبع مظاهر هذه المعجزة العلمية في السموات، وفي الأرض، وفي النفس الإنسانية، وفي مفردات الخلق كلها. والقرآن لا يوجه العقل إلى تأمل غيب لا يقع تحت أسماعنا، وأبصارنا وعقولنا، ولكن الغيب الذي يوجه الإسلام إليه هو كائن موجود لم يأتنا تأويله بعد، وحين يأتي تأويله -أي بروزه إلى عالم الحس- فسوف نراه ونعايشه، وما الكهرباء والجاذبية، والطاقة الذرية والطاقة الهيدروجينية وتطبيقات البث التلفزيوني والاتصالات عبر القارات، والتلكس والكمبيوتر، وأمثالها إلا محسوسات كانت في عالم الغيب، وسوف يتوالى انتقال المغيبات إلى عالم الحس حتى يرى الإنسان كل ما وعد به الرسول، وجاءت به الرسالة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] . لقد شرعت التربية الإسلامية في عصور الازدهار في تنمية القدرات التسخيرية اللازمة للنظر في آيات الكتاب أولًا، ثم النظر في آيات الآفاق والأنفس ثانيا. وكان من ثمار هذا الشروع أن ارتقى المفكرون إلى المستوى الأعلى من مستوى القدرات العقلية -مستوى تبني المواقف العلمية من الكون المحيط. وبسبب هذه المواقف ارتقوا إلى رتبة الاجتهاد المطلق، وأطلقوا العنان لعقولهم للنظر في آيات الكتاب والسنة، فسبروا أغوارها في ضوء الواقع الذي يعيشونه. وكان من ثمار إخراج تلك الثروة الفقهية

стр. 139

والعقائدية التي قامت عليها مدارس الأصول والفقه والتربية، وكن من ثماره أيضا تلك التطبيقات الاجتماعية التي ارتقت بالمجتمع الإسلامي إلى تسلم القيادة الحضارية في الأرض كلها. كذلك ارتقى الناظرون في آيات الآفاق إلى مستوى التفاعل، والحوار المستمر مع الكون المحيط باحثين عن شواهد صدق آيات الكتاب في آيات الكون. وبسبب هذا الموقف العلمي انفتحوا على تراث الحضارات السابقة، وأخضعوه للمراجعة والبحث. وكان من ثمار ذلك تلك الثروة العلمية التي كانت أساسا هاما في أسس النهضة الإنسانية كلها، وكان من ثماره أيضًا تلك التطبيقات التي جعلت العالم الإسلامي آنذاك مصدر التكنولوجيا إلى غيره من الأقطار. ولكن المسيرة لم تستمر لتصل مداها، فمنذ القرن الرابع الهجري، أخذت مؤسسات التربية الإسلامية تهمل المستوى الأعلى من تنمية القدرات العقلية، واكتفت بتنمية المستوى الأوسط، ونتيجة لذلك جاء جيل من المفكرين انحدر في قدراته العقلية عن مستوى -المواقف العلمية- التي تؤهل للكشف، والابتكار إلى مستوى الوقوف عند فهم القوانين والمبادئ والنظريات دون قدرة على ابتكار جديد مثلها، وهو ما أسموه بـ"الاتباع". فكان من ثمار ذلك تلك التطبيقات الفقهية، والعلمية التي مثلتها مؤلفات المذاهب، والمدارس التربوية المختلفة. ومع النزول إلى هذا المستوى من القدرات التسخيرية بذرت بذور تقديس الآباء وتقليدهم؛ لأن الوقوف عند الأصول، والنظريات التي ابتكرها الآباء هو افتراض الكمال، والاستمرارية في علومهم وقصر الابتكار عليهم. ثم تلا هذا الجيل جيل ثالث بدأ منذ القرن الثامن الهجري، واستمر حتى مطلع العصور الحديثة، وهو جيل نزل في تفكيره إلى منزلة النظر في مؤلفات المذاهب والمدارس العلمية، والوقوف عندها. أو ما عرف بـ"التقليد" وأهمل جانب النظر في آيات الآفاق والأنفس -أي الجانب العلمي- إهمالًا

стр. 140

كاملا، بل راح يستعدي عليه الحكام ويقلل من شأنه، ويصنفه في قائمة العلم الذي لا ينفع. وكان من ثمار ذلك ظهور الشروح والحواشي والتقارير وتوقف الفقه عن الابتكار، والتطبيق في ميدان العلوم الدينية ثم إغلاق مختبرات البحث، وأكاديميات العلوم وانحسارها إلى مرتبة الاهتمامات الفردية دون النشاطات الاجتماعية. وهذا المستوى الأخير هو الواقع الذي ورثته المؤسسات التربوية الإسلامية القائمة في العالم الإسلامي المعاصر. وهو واقع ما زال قائمًا تقريبًا وإن أجريت عليه ما سمي -بالإصلاحات التعليمية- فهذه إصلاحات وقفت عند تبديل ألقاب المدرسين، وأسماء الشهادات وأشكال الإدارة والأبنية والأدوات، ولكن جوهر المشكلة ظل قائمًا، وهو أن هذه المؤسسات ما زالت تخرج فردا فاقدا للقدرات التسخيرية الإبداعية -أي عاجزًا عن النظر في آيات الآفاق والأنفس، وعاجزا عن النظر في الكتاب والسنة نظرا اجتهاديا. أي هو عاجز عن إبراز معجزة الرسالة. وتزداد خطورة المشكلة التي تعانيها هذه المؤسسات حين نرى أن جمهرة العاملين فيها، والخريجين منها لا يتوقفون عن مهاجمة العلم القائم، والحضارة القائمة كوسيلة لنصرة الرسالة، أي أنهم يدافعون عن رسالة الإسلام بمهاجمة معجزة هذه الرسالة، ويرددون ما أفرزه العقل الأوربي حول التناقض التاريخي الذي قام بين العلم والدين في أوربا وامتدادها. إن العلم لا يكون -أبدًا- ضد الرسالة الإسلامية؛ لأنه معجزتها كما أسلفنا في السطور التي مضت، وينبغي أن لا يميل بنا الهوى لإدانة من يخاصموننا باسم العلم إلى إدانة العلم نفسه. فالعلم لا يكون سببا للضلال، وإنما سبب الضلال هو نقص العلم، وإدراج الظنون في قائمة العلم. ولذلك بدل أن نهاجم العلم يجب أن نسعى إن كشف العلم الناقص، والظن المدرج تحت اسم العلم ونظهرهما على حقيقتهما. والقيام بهذا الواجب يحتاج إلى تخريد علماء راسخين، يحاورون الفكر العالمي بأحسن مما

стр. 141

عنده. ويحتاج كذلك أن نعيد النظر في مفهوم العلم، وتصنيف المتعلمين فلا نسمح بالدخول في حرم العلم، إلا لأولي الألباب من الأذكياء الموهوبين؛ لأنهم وحدهم القادرون على التسخير، وإبراز معجزة الرسالة في ميدان العلم. كذلك الحضارة لا تكون -أبدًا- ضد الرسالة، وإن من أهداف الرسالة أن تنقل الإنسان من التخلف إلى الحضارة. بل إن الحضارة مقدمة ممهدة لمجيء المثل الأعلى -أي المبدأ الديني- وذلك ما يراه المؤرخ البريطاني توينبي Toynbee حين ذكر أن الحضارة الرومانية بأمنها، وطرق مواصلاتها ورقي مؤسساتها كانت مقدمة سارت عليها الفكرة المسيحية التي حملها المبشرون على الطرق الرومانية الآمنة، حتى جعلوا روما نفسها مركز الكنيسة. فإذا كان العلم معجزة الرسالة في الآفاق، والأنفس فإن الحضارة تقدم وسائل الاتصال والتبليغ الملائمة للوصول إلى المجتمع البشري المعاصر للرسالة. وإن العلاقة بين القدرات العلمية التي تفرز الحضارة، وبين إرادة المثل الأعلى سببية طردية. فالقدرات العلمية هي التي ترفع درجة إرادة المثل الأعلى عند الإنسان، ثم تعود الإرادة إلى طلب مزيد من القدرة العلمية، ثم تحدث القدرة مزيدا من الإرادة. وهكذا يستمر التأثير المتبادل بين الاثنين، ويكون من ذلك تقدم العلم الذي هو العامل الرئيسي في تقدم الإرادات والمجتمعات. وإن التقهقر في الحضارات لا يحدث حين ينتشر العلم، ويتمتع الناس بثماره -كما يشاع بين بعض المؤرخين الذين ينظرون في المضاعفات، ويغفلون عن الأسباب الحقيقية. بل يحدث التقهقر حين تفشل نظم التربية في تنشئة أجيال لا يكون واضحا لديها أمر العلاقة بين القدرات التسخيرية، وبين إرادة المثل الأعلى -أو المبدأ الديني- فيزهدون في العلم ويعبثون بثماره أو يقتصرون على جانب منه، فتبقى الإرادة عزلى عن قدرتها وتبدأ في

стр. 142

الضمور. وهكذا يقل العلم فتقل إرادة المثل الأعلى، كما قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد. ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" ١. إن أساس الخطأ الذي يقع فيه بعض مؤرخي الحضارات حين يربطون بين التقدم العلمي وبين تقهقر الحضارات والمجتمعات أمران: الأول، أنهم يخلطون بين العلم والأدب العلمي، وبين الظن وأدب الأهواء والشهوات، والإرادات الهابطة. ومثال ذلك ما يقوم به بعض المؤرخين حين يربطون بين عصر الإمارات الضعيفة في الأندلس، وبين ما يسمونه بازدهار الآداب والثقافة التي لم ترتفع عن مستوى الإرادات الضعيفة، والأهواء والشهوات السائدة، وكأن التعبير عنها أو تشجيع هذا التعبير بأشكاله المختلفة هو ازدهار في حد ذاته. والأمر الثاني، هو الخلط بين العلوم وبين التطبيقات المادية، أو الصناعية للعلوم. فحين يتوقف التقدم العلمي تستمر تطبيقاته المادية زمنا بعده، بل إنها تشيع وتنتشر بسبب الإقبال على حياة الترف والشهوات. إن ما تحتاجه الرسالة الإسلامية هو قيام مؤسسات تربوية تفرز نماذج جديدة من العلماء، الذين يحسنون إبراز معجزة الرسالة في ميدان العلم، وتكون لهم الكفاءة العلمية، والتفكير العلمي اللذان يؤهلانهم لاعتلاء المنابر الجديدة، التي أفرزها العلم في مسجد "قرية الكرة الأرضية" الطهور الذي خص الله به رسوله٢ -منابر التلفزة ومحطات الإرسال الفضائية، والطباعة

стр. 143

العالمية، ويخاطبون الإنسانية بأحسن مما عندها علما وفكرا وأدبا. تحتاج الرسالة الإسلامية إلى مؤسسات تربوية ومفاهيم، وتطبيقات تربوية جديدة تتعايش مع المفاهيم الجديدة للعلم التي تحكم على الأشياء بنتائجها المحسوسة وثمراتها العلمية. ومفهوم العلم هذا هو المناسب للإسلام، بل نحن نجد أدلة محسوسة لما يعطيه الإيمان للناس المؤمنين من الطمأنينة، والتخفيف من الشقاء، والعذاب الذي يعاني منه من لا يؤمن بالله واليوم الآخر. بل إن العلم بالآخرة صار في قوة العلم التجريبي -كما يقول الأستاذ جودت سعيد- وصار مجاله أوسع، فبدل أن يكون هذا المجال هو غرفة المختبر الذي تستخدم فيه الأنابيب، والقناني تحول إلى مختبر الكون الفسيح، وأحداثه التاريخية والاجتماعية. وهذا ما يلائم المنهج الإسلامي الذي يطلب إلى العالم أن يسير في الأرض، ويتبع التطور الذي يعتري الكائنات والظواهر والأحداث ابتداء من خلقها، وتكوينها حتى واقعها، واحتمالات تطورها الأخرى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] . فالذي تهدف إليه التربية الإسلامية -إذن- هو أن يقدم الإيمان إلى الناس بالصورة التي يقدم بها علم الجغرافيا، أو الفلك أو الكيمياء أو الفيزياء، وبذلك يصير الإيمان علما. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] . ولكن التعليم الذي تقدمه المؤسسات التربوية في العالم الإسلامي لا يبث في الفرد اكتساب ملكة البحث، وكشف القوانين. وهي لا توحي للدارس أن العلم قابل للزيادة، ولا تحثه على طلب المزيد منه. بل إنها توحي أنها ورثت العلم كاملا فلا يمكن المزيد عليه، وأن البحث انتهى مع "الآباء" الذين لم يتركوا شيئًا إلا بحثوه وفهموه، وليس على الدارس إلا أن يتملق علمهم ويتغنى بإطرائهم. وبذلك تعكس هذه المؤسسات معنى قوله تعالى:

стр. 144

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . وتعكس معنى قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . وقوله أيضا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] .

стр. 145

الفصل الحادي عشر: إحكام توازن الإرادة العازمة، والقدرة التسخيرية في تربية الفرد من الضروري أن تتوازن الإرادات النبيلة العازمة مع القدرات التسخيرية في تربية الفرد، ومن خلال هذا التوازن يتولد "العمل الصالح" بالصورة التي مر عرضها في هذا البحث. ومعنى هذا أن تعمل التربية على تنمية الإرادات العازمة حتى درجة التضحية بالمال، والنفس ثم تعمل بنفس القدر من الجهد، والكفاءة لتنمية القدرات التسخيرية حتى درجة التسخير الكامل للإمكانات المادية، والبشرية المتوفرة. ومن الخطورة البالغة أن تقصر تنمية إحدى الاثنتين عن الأخرى، فتركز التربية -مثلا- على تنمية الإرادات دون القدرات أو العكس، فلذلك آثاره المدمرة في حياة الأفراد والأمم، ولتوضيح ذلك نستعرض آثار القصور في تنمية القدرات التسخيرية، وآثار القصور في تنمية الإرادات النبيلة الجازمة كما هو حاصل في تطبيقات التربية المعاصرة في الشرق والغرب. حين تغفل التربية -أو تجهل تنمية القدرات التسخيرية عند المتعلمين إلى المستوى اللازم، الذي تستدعيه حاجات العصر وخبراته في الوقت الذي تجد وتنجح في تنمية الإرادات العازمة النبيلة إلى درجة التضحية بالمال والنفس، فإن الأفراد في كل عمل يمارسونه ينتهون إلى الفشل والإحباط. وهذه هي حالة الأفراد الذين تخرجهم مؤسسات التربية القائمة في الأقطار العربية، والإسلامية ومثلها المؤسسات التربوية الموازية كالأحزاب، والجماعات والمساجد وبرامج الإعلام الديني والوطني. فجميع هذه المؤسسات تفصل تفصيلا كافيا في عرض محتويات المثل الأعلى -الديني والوطني، وتنمي
следующие страницы →