المقدمات
المحتوى
...
المحتوى
الصفحة الموضوع
٥ المحتوى
١١ مقدمة الكتاب
١٥ محتوى تنظيم الكتاب
١٩ الباب الأول: العلم والتفكير العلمي
٢١ الفصل الأول: العلم والبحث العلمي
٢١ المبحث الأول: العلم ... ما هو؟
٢٤ المبحث الثاني: بين العلم والمعرفة
٢٨ المبحث الثالث: أهداف العلم
٣٠ المبحث الرابع: التفكير العلمي وخصائصه
٣٦ المحبث الخامس: تصنيف العلوم عند العرب
٣٩ المبحث السادس: قبسات علمية من التراث العربي
٥٢ المبحث السابع: العلم الحديث إحياء واجتهاد
٥٧ الفصل الثاني: الباحث والبحث العلمي
٥٧ المبحث الأول: قراءة تاريخية
٦٢ المبحث الثاني: الباحث العلمي وخصائصه
٦٦ المبحث الثالث: خصائص البحث العلمي
٧٤ المبحث الرابع: أنشطة البحوث
٨٣ المبحث الخامس: دور التراث العربي في إحياء البحث العلمي
٩٤ المبحث السادس: المنظور المعاصر للبحث العلمي
١٠٣ الفصل الثالث: المفاهيم والمصطلحات في البحث العلمي
١٠٣ المبحث الأول: المفهوم
١٠٧ المبحث الثاني: مفاهيم في البحث العلمي: المشكلة والفرضية
١١٤ المبحث الثالث: الملاحظة والحقيقة والنظرية
١١٩ المبحث الرابع: البناءات والمتحولات
١٢٥ الباب الثاني: مناهج البحث العلمي
١٢٧ الفصل الرابع: المناهج
١٢٧ المبحث الأول: تعريف بالمصطلحات
стр. 2
الصفحة الموضوع
١٣١ المبحث الثاني: الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي
١٣٧ المبحث الثالث: قبسات منهجية من التراث العربي الإسلامي
١٤٦ المبحث الرابع: تصنيفات مناهج البحث العلمي
١٥١ الفصل الخامس: منهج البحث التاريخي
١٥١ تمهيد
١٥٣ المبحث الأول: منهج البحث التاريخي عند العرب
١٥٧ المبحث الثاني: مراحل البحث التاريخي
١٦٢ المبحث الثالث: نقد الوقائع والحقائق
١٦٦ المبحث الرابع: التركيب التاريخي
١٧٤ المبحث الخامس: إنشاء البحث التاريخي
١٧٧ المبحث السادس: تقويم منهج البحث التاريخي
١٨٣ الفصل السادس: منهج البحث الوصفي
١٨٣ تمهيد
١٨٤ المبحث الأول: منهج البحث الوصفي عند العرب
١٩١ المبحث الثاني: مراحل المنهج الوصفي
١٩٣ المبحث الثالث: أنماط البحوث الوصفية: الدراسة المسحية
٢٠٠ المبحث الرابع: دراسة العلاقات المتبادلة
٢١١ المبحث الخامس: الدراسات النمائية
٢١٥ المبحث السادس: تحليل المضمون
٢١٨ المبحث السابع: تقويم منهج البحث الوصفي
٢٢١ الفصل السابع: منهج البحث التجريبي
٢١١ تمهيد
٢٢٢ المبحث الأول: المنهج التجريبي عند العرب
المبحث الثاني: تعريف بالمصطلحات
٢٢٧ المبحث الثالث: المناهج التجريبية: المنهج التجريبي، المنهج التجربي التجريبي، المنهج التجريبي
٢٣٠ المبحث الرابع: البحث التجريبي وسماته العلمية
٢٣٣ المبحث الخامس: أسلوب البحث التجريبي
٢٣٦ المبحث السادس: التصميم التجريبي وقواعده
стр. 3
الصفحة الموضوع
٢٤٠ المبحث السابع: مراحل التصميم التجريبي
٢٤٢ المبحث الثامن: صياغة الفرضية من أجل التجريب
٢٤٤ المبحث التاسع: مشكلة التصميم والتفصيلات الإجرائية للتجربة
٢٤٩ المبحث العاشر: مرحلة النظرية
٢٥٢ المبحث الحادي عشر: تقويم منهج البحث التجريبي
٢٥٥ الباب الثالث: الطرائق الرياضية في البحوث العلمية
٢٥٧ الفصل الثامن: التحليل الإحصائي
٢٥٧ تمهيد
٢٥٩ المبحث الأول: جانب من علم الإحصاء: نظرية الاحتمالات
٢٦٢ المبحث الثاني: الأساليب الإحصائية: الأساليب الإحصائية الوصفية
٢٦٦ المبحث الثالث: الأساليب الإحصائية الارتباطية
٢٦٩ الفصل التاسع: الأساليب الرياضية الحديثة في البحث العلمي: "الأنظمة"
٢٦٩ تمهيد
٢٧٠ المبحث الأول: تعريف النظام
٢٧٢ المبحث الثاني: عناصر النظام والروابط بينها
٢٧٥ المبحث الثالث: المدخلات والمخرجات
٢٧٨ المبحث الرابع: منهاج تحليل النظم
٢٨٠ المبحث الخامس: أنواع الأنظمة
٢٨٢ المبحث السادس: استخدام الأنظمة
٢٨٧ الفصل العاشر: الأساليب الرياضية الحديثة في البحث العلمي: "النماذج"
٢٨٧ تمهيد
٢٨٨ المبحث الأول: تعريف النموذج
٢٩٠ المبحث الثاني: بناء النموذج
٢٩٢ المبحث الثالث: أنواع النماذج واستخدامها
٢٩٥ المبحث الرابع: النماذج الرياضية والتجريبية والطبيعية
٢٩٩ المبحث الخامس: أهمية النماذج
٣٠٣ الباب الرابع: أدوات البحث العلمي
٣٠٥ الفصل الحادي عشر: العينة
стр. 4
الصفحة الموضوع
٣٠٥ تمهيد
٣٠٦ المبحث الأول: اختيار العينة
٣١٠ المبحث الثاني: أنواع العينات
٣١٥ المبحث الثالث: مزايا العينة وعيوبها
٣١٧ الفصل الثاني عشر: الملاحظة
٣١٧ تمهيد
٣١٨ المبحث الأول: الملاحظة الدقيقة
٣٢٠ المبحث الثاني: أنواع الملاحظ وإجراءتها
٣٢٢ المبحث الثالث: مزايا الملاحظة وعيوبها
٣٢٣ الفصل الثالث عشر: المقابلة
٣٣٣ تمهيد
٣٢٤ المبحث الأول: أسس المقابلة العلمية وطرقها
٣٣٠ المبحث الثاني: محتويات الاستبيان وخطواته
٣٣٢ المبحث الثاني: محتويات الاستبيان وأشكاله
٣٣٥ المبحث الثالث: مزايا وعيوب الاستبيان
٣٣٩ الفصل الخامس عشر: وسائل القياس
٣٣٩ تمهيد
٣٤٠ المبحث الأول: كيفية اختيار المقياس
٣٤١ المبحث الثاني: طرق القياس
٣٤٤ المبحث الثالث: الاختبارات
٣٤٨ المبحث الرابع: الأساليب الإسقاطية
٣٥٠ المبحث الخامس: أساليب أخرى
٣٥٥ الباب الخامس: مصادر البحث العلمي
٣٥٧ الفصل السادس عشر: إعداد المصادر والمراجع وتقويمها
стр. 5
الصفحة الموضوع
٣٥٧ تمهيد
٣٥٨ المبحث الأول: المصدر والمراجع
٣٦٠ المبحث الثاني: إعداد المراجع وتقويمها
٣٦٢ المبحث الثالث: مصادر ومراجعها المعرفة العلمية
٣٦٤ المبحث الرابع: الإنترنيت
٣٦٧ الفصل السابع عشر: الباحث والمكتبة
٣٦٧ تمهيد
٣٦٨ المبحث الأول: التصنيف العشري
٣٧٢ المبحث الثاني: تصنيف مكتبة الكونغرس
٣٧٥ الفصل الثامن عشر: أساليب التوثيق الحديثة
٣٧٥ المبحث الأول: التوثيق والتكشيف
٣٧٧ المبحث الثاني: التقنيات الحديثة لتخزين المعلومات وتكشيفها
٣٨١ الفصل التاسع عشر: نسل المعلومات "الاقتباس" وتهميشها
٣٨١ المبحث الأول: نسل المعلومات
٣٨٤ المبحث الثاني: التهميش "تدوين المصادر والمراجع"
٣٩٧ الباب السادس: خطوات البحث العلمي
٣٩٩ الفصل العشرون: مرحلة الإعداد للبحث العلمي
٣٩٩ تمهيد
٤٠٠ المبحث الأول: اختيار موضوع البحث
٤٠٦ المبحث الثاني: وضع عنوان البحث
٤٠٧ المبحث الثالث: وضع خطة البحث
٤٠٨ المبحث الرابع: إعداد أولي للمصادر والمراجع
٤١١ الفصل الحادي والعشرون: مرحلة إعداد البحث العلمي
٤١١ تمهيد
٤١١ المبحث الأول: تحديد مشكلة البحث وبيان أبعادها
٤١٢ المبحث الثاني: وضع الفروض
٤١٧ المبحث الثالث: تحديد المادة العلمية اللازمة وجمعها
٤١٩ المبحث الرابع: إعداد المادة العلمية وخزنها
стр. 6
الصفحة الموضوع
٤٢٢ المبحث الخامس: تحليل المادة العلمية
٤٢٥ الفصل الثاني والعشرون: كتابة تقرير البحث العلمي
تمهيد
٤٢٦ المبحث الأول: التمييز بين المقالة وتقرير البحث العلمي
٤٢٩ المبحث الثاني: كتابة تقرير البحث العلمي
٤٣٨ المبحث الثالث: نتائج البحث، عرضها ومناقشتها
٤٣٩ المبحث الرابع: التوصيات
٤٤١ المبحث الخامس: مستخلص البحث
٤٤٣ الفصل الثالث والعشرون: الشكل، المنهاج، المحتوى
٤٤٣ تمهيد
٤٤٣ المبحث الأول: أسلوب الكتابة
٤٤٥ المبحث الثاني: الجانب الشكلي
٤٥١ المبحث الثالث: الهوامش
٤٥٤ المبحث الرابع: الجداول والأشكال والصور الفوتوغرافية
٤٥٧ المبحث الخامس: المنهاج
٤٦١ المبحث السادس: المحتوى الفكري
٤٦٣ الفصل الرابع والعشرون: مراجعة تقرير البحث العلمي وإخراجه وتقويمه
٤٦٣ المبحث الأول: مراجعة تقرير البحث
٤٦٥ المبحث الثاني: إخراج البحث
٤٦٧ المبحث الثالث: تقويم تقرير البحث العلمي
٤٧١ الفصل الخامس والعشرون: ملحقات
٤٧١ المبحث الأول: ثبت محتويات تقرير البحث العلمي
٤٧٣ المبحث الثاني: ثبت المصادر والمراجع "البيبلوغرافيا"
٤٧٤ المبحث الثالث: الملاحق
٤٧٥ المبحث الرابع: جدول الخطأ والصواب
٤٧٧ ثبت مصادر ومراجع الحواشي "باللغة العربية والأجنبية"
٤٨٥ ثبت المصدر والمراجع للاطلاع "باللغة العربية والأجنبية"
٤٩١ المصطلحات والمفاهيم العلمية
стр. 7
مقدمة الكتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جرى الزمن وأشرق العلم الحديث منذ قرون ثلاث، وبدأت بذوره تؤتي أكلها في النصف الثاني من القرن العشرين، وحظي البحث العلمي بالعناية، وتزايد اهتمام المؤسسات العلمية بوسائله بهدف الاستطلاع الفكري وتحقيق المنفعة العالمية من العلم والبحث العلمي.
لقد استثمر الباحثون العلميون المعارف الأولية، وتعاملوا معها بعقلية العلماء الذين يريدون الارتقاء من العلم النظري إلى التطبيق العملي، ومع تزايد الإقبال على العلم توضحت حاجة كل مشتغل بالبحث العلمي إلى الأصول والقواعد المتعارف عليها في إجرائه، والتي أضحت موضوع البحث العلمي اليوم، إذ إن كل فرع ناتج عن أصل مقبول، وكل فرع لا ينتمي إلى أصل فهو مردود، هذا هو مبدأ العلم وأصل العمل.
стр. 8
لكن بعض الباحثين ما يزالون يعانون من فراغ في الأصول السليمة للبحث العلمي، بسبب ندرة نسبية في المادة المكتوبة حوله وعدم شمولها الفكر والممارسة والمنهجية العلمية والتي هي اليوم أهم ما يلزم للبحث العلمي، حيث يختزل كثير من الجوانب، وتنقل تعليقات عابرة غير شاملة في كتاب يقدم للقراء.
لذا جاء هذا الكتاب ليلقي الضوء ويوضح كل غموض، فهو رسول إيضاح ودليل علمي شامل لكل مشتغل بالبحث العلمي، فقد أحاط بالدقائق بحيث يجد فيه الباحث الإجابات عن الأسئلة التي يَسأل أو يُسأل عنها، يسير وفقها بخطة ثابتة وركائز تمثل الوضوح في البحث، وتؤدي بدقة وصحة كاملتين في نتائجها وفقا للمبادئ الأساسية والقواعد التطبيقية التي تتطلبها البحوث العلمية.
ومما هو جدير بالذكر أن عماد هذا الكتاب هو الفكر والمنهج، وهو عون على إجراء البحوث العلمية وركيزة أساسية لكل مشتغل بها، مهما كان المجال العلمي الذي يعمل فيه الباحث؛ إذ إنه لا يخص علما دون آخر، لأن العلوم رغم اختلاف صنوفها تلتقي جميعا في المناهج، ويقتصر الاختلاف على التطبيق العملي للأصول والقواعد المشتركة، كما إن فائدته لا تخص مستوى علميا واحدا، بل تعم جميع المشتغلين بالبحث العلمي، مهما كان المستوى العلمي الذي ينتمي إليه الباحث، جامعيا كان أو متخصصا.
ولقد حرصنا في كل بحوث الكتاب على الأخذ بالموضوعية والدقة والتوثيق والوضوح، ووضعنا فيه ما يفيد بانسجام كامل، مع مراعاة التوازن بين الإيجاز في الشرح لمن له باع في البحث العلمي، والإسهاب لمن هو مبتدئ، كما حرصنا على تزويده بالمراجع التي عدنا إليها، والتي فيها ما يلبي حاجات الباحث وتطلعاته في مجال البحث العلمي.
يقع كتابنا هذا في ستة أبواب: تناول الباب الأول العلم والتفكير العلمي، وبحث
стр. 9
الباث الثاني مناهج البحث العلمي، وتحدث الباب الثالث عن الطرائق الرياضية في البحوث العلمية، وعرض الباب الرابع أدوات البحث العلمي، وقدم الباب الخامس دراسة عن مصادر البحث العلمي بما يفيد الباحث والبحث، واهتم الباب السادس بخطوات البحث العلمي وكتابته.
إن ما قدمناه في هذا الكتاب مفعم بالفائدة، لأنه شامل لروح البحث العلمي وبنيانه معا، مما جعل الجهد المبذول في تأليفه كبيرا، وهو ما سيلمسه القارئ لدى مطالعته للكتاب.
هذا وأدين بالفضل العظيم في كل ما قدمته في هذا الكتاب إلى الله ، الذي قدرني على إنجازه، ثم إلى طبيعة المادة العلمية التي تناولها الكتاب بدقة وأمانة علمية، وإلى الأساتذة الفضلاء الذين جمعوا الحقائق فاستفدت منها وأفدت، فكل الشكر والتقدير للجهود المبذولة من كل الباحثين العلميين في شتى صنوف العلم ومناهجه، وإن كل ما أرجوه أن يسد هذا الكتاب فراغا في مجال البحث العلمي، كما أتمنى أن يكون حافزا لكافة المهتمين، كيما يزيدوا من بذلهم وإسهامهم في هذا الحقل الهام من الدراسة والبحث، والله ولي التوفيق.
دمشق ٣/ ١٢/ ١٤٢٠هـ
الموافق لـ ٩/ ٣/ ٢٠٠٠م
أ. د. رجاء وحيد دويدري
стр. 10
محتوى تنظيم الكتاب:
تناول الكتاب الأساسيات النظرية والممارسة العلمية للبحث العلمي في أبواب ستة، بحيث تناول الباب الأول في فصوله الثلاثة العلم والبحث العلمي، فقد أوضح الفصل الأول ماهية العلم وميز بين العلم والمعرفة، وبين أهداف العلم، وأشار إلى التفكير العلمي وخصائصه، وذكر تصنيف العلوم عند العرب وأشار إلى قبسات علمية من التراث العربي، وأوضح أن العلم الحديث إحياء واجتهاد. وقدم الفصل الثاني الباحث والبحث العلمي، وأشار إلى الخلفية التاريخية، والباحث العلمي وخصائصه، وخصائص البحث العلمي وأنشطة البحوث ودور التراث في إحياء البحث العلمي، وذكر المنظور المعاصر للبحث العلمي، وفي الفصل الثالث تناول توضيح بعض المفاهيم والمصطلحات في البحث العلمي، بحيث أوضح معنى المفهوم وشرح مفاهيم في البحث العلمي: المشكلة والفرضية والملاحظة والحقيقة والنظرية والبناءات والمتحولات.
انتقل الكتاب في الباب الثاني، وقد وقع في أربعة فصول، درست مناهج البحث العلمي، عرف في الفصل الرابع والمصطلحات، وبين الخلفية التاريخية لمناهج البحث العلمي، وذكر قبسات منهجية من التراث العربي الإسلامي، وانتهى الفصل بذكر
стр. 11
تصنيفات مناهج البحث العلمي، ثم شرح الفصل الخامس منهج البحث التاريخي، مراحله، خطواته، والفصل السادس منهج البحث الوصفي، واحتوى هذا الفصل أنماط البحوث الوصفية: الدراسات المسحية، ودراسة العلاقات المتبادلة، والدراسات النمائية وتحليل المضمون، وانتهى الباب الثاني بالفصل السابع بحيث درس منهج البحث التجريبي، عرف مصطلحاته، وبين سماته العلمية، وأسلوب البحث التجريبي، والتصميم التجريبي، وبعض قواعد تصميم التجارب، ومراحل التصمم التجريبي، وقد تناول هذا الباب تقويم كل منهج من مناهج البحوث العلمية المذكورة أعلاه.
أما الباب الثالث فقد جاء في ثلاثة فصول: أوضح الطرائق الرياضية في البحوث العلمية بحيث تناول في الفصل الثامن التحليل الإحصائي، ذكر نظرية الاحتمالات، ودرس الأساليب الإحصائية الوصفية والارتباطية، وتناول في الفصل التاسع الأساليب الرياضية الحديثة في البحث العلمي، حيث درس: الأنظمة، عرف بها وبين عناصر النظام وأشار إلى المدخلات والمخرجات، وشرح منهاج تحليل النظم وعدد أنواع الأنظمة، وأوضح طريقة استخدامها، وتناول في الفصل العاشر النماذج، عرف بالنموذج وبين بناءه وأنواعه، وشرح النماذج الرياضية والتجريبية والطبيعية، وأوضح أهمية النماذج.
احتوى الباب الرابع أربعة فصول تناولت أدوات البحث العلمي، بحيث شرح الفصل الحادي عشر العينة وبين كيفية اختيارها، أنواعها، مزاياها وعيوبها، وأوضح في الفصل الثاني عشر الملاحظة وأشار إلى الدقيقة منها، وبين أنواع الملاحظة ومزايا الملاحظة وعيوبها، وبحث في الفصل الثالث عشر المقابلة، أسس العلمية منها وطرائقها، طريقة إجراء المقابلة وأنواعها، مزايا المقابلة وعيوبها، أما الفصل الرابع عشر فقد قدم الاستبيان أداة للبحث، بين قواعد تصميمه وخطوات ذلك، ومحتويات الاستبيان وأشكاله، ومزايا وعيوب الاستبيان، أخيرا درس الفصل الخامس عشر وسائل القياس:
стр. 12
كيفية اختيارها، وذكر طرق القياس ووسائله: الاختبارات والأساليب الإسقاطية وأساليب أخرى.
تناول الباب الخامس بفصوله الأربعة مصادر البحث العلمي، بحيث بين في الفصل السادس عشر المصادر والمراجع وتقويمها، ميز بين المصدر والمرجع، وأشار إلى إعداد المراجع وتقويمها، وذكر مصادر ومراجع المعرفة العلمية، وخص بالذكر الإنترنيت.
تناول الفصل السابع عشر الباحث والمكتبة، وذكر أشهر التصنيفات، وخص بالذكر التصنيف العشري وتصنيف مكتبة الكونغرس، ثم انتقل في الفصل الثامن عشر إلى دراسة أساليب التوثيق الحديثة، شرح التوثيق والتكشيف والتقنيات الحديثة لتخزين المعلومات وتكشيفها، واهتم الفصل التاسع عشر بنسل المعلومات وتكشيفها، واهتم الفصل التاسع عشر بنسل المعلومات وتهميشها، وبشكل مفصل ذكر تهميش مصادر المعرفة: الكتب والمعاجم والموسوعات ودوائر المعارف والدوريات والمخطوطات والمسلسلات الثقافية والوثائق الرسمية والأشرطة المصورة والمصادر القانونية والمقابلات الشخصية والأحاديث الإذاعية والتلفزيونية والبرامج التلفزيونية.
أخيرا تناولت الفصول الثلاثة للباب السادس باهتمام جاد خطوات البحث العلمي، فقد حددها بخطوات ثلاث، بحيث تناول الفصل العشرون، مرحلة الإعداد للبحث: اختيار موضوع البحث، وضع عنوان البحث، ووضع خطة البحث، والإعداد الأولي للمصادر والمراجع، والفصل الحادي والعشرون مرحلة إعداد البحث: من حيث تحديد مشكلة البحث وبيان أبعادها ووضع الفروض بهدف اختبارها، وتحديد المادة العلمية اللازمة وجمعها وإعداد المادة العلمية وخزنها وتحليلها، وفي الفصل الثاني والعشرين تناول الكتاب كتابة تقرير البحث العلمي، وبدأ الفصل بالتمييز بين المقابلة وتقرير البحث العلمي، ثم كتابة محتوى تقرير البحث، وفي الفصل الثالث والعشرين بين الالتزامات التي يجب أن يأخذ بها الباحث لدى كتابته لهذا التقرير من حيث الأسلوب
стр. 13
والشكل والمضمون والمنهاج، وأخيرا ذكر نتائج البحث والتوصيات ومستخلص البحث، مبينا مضمونها وأهدافها، ثم أوضح الفصل الرابع والعشرون ضرورة مراجعة تقرير البحث وإخراجه وكيفية تقويمه، وأتى الكتاب بالفصل الخامس والعشرين على ذكر ملحقات البحث العلمي، وتشمل ثبت محتويات تقرير البحث العلمي ومصادره ومراجعه وملاحقه، وجداول الخطأ والصواب. وانتهى محتوى الكتاب بوضع قائمة شاملة لمصطلحات ومفاهيم خاصة بالبحث العلمي، وثبت المصادر والمراجع المعتمدة في إعداد هذا الكتاب وأخرى للاطلاع لمن يريد المزيد.
стр. 14
الباب الأول: العلم والتفكير العلمي
الفصل الأول: العلم والبحث العلمي
المبحث الأول: العلم ... ما هو
...
الفصل الأول: العلم والبحث العلمي:
المبحث الأول: العلم ... ما هو؟
مفهوم العلم: العلم لغة مصدر لكلمة علم، وعلم الشيء عرفه، علم الشيء علما عرفه، ورجل علامة أي عالم جدا، وقد تعددت مفاهيمه واختلفت، ويعود هذا إلى اختلاف وجهات النظر الموضوع العلم وطبيعته، فمن المفكرين من يرى أن كلمة علم بمعنى "Science"، يقصد بها مجال كليات العلوم، فيما يميل البعض الآخر إلى توسيع مدلوله، بحث يضم مجال كليات العلوم والبحوث الجادة الموضوعية في التاريخ والآداب والفنون، وآخرون يحددون العلم من خلال منهاجه الذي يرتكز على دعائم أساسية كفرض الفروض "Hypotheses" والملاحظة "Observation"وإجراء التجارب "Experiments" ما أمكن، ثم مرحلة قبول الفرض وصياغته في نظرية، أو ربما رفضه، والمنطق في كل ذلك استقراء "Induction"، واستنتاج "Deduction".
ومما يزيد الأمر تعقيدا، الفهم غير الدقيق لكلمة عالم، بحيث يعتقد أن العالم هو شخص من نوع خاص، يعالج الحقائق في المختبرات، ومفهوم آخر يتلخص بأن العالم إنسان يحسن التفكير ويضع النظريات المعقدة، وثالثها بأن أهداف العالم زيادة
стр. 15
المخترعات والمكتشفات، هذه المفاهيم تعيق فهم العلم وتفهم فاعليات العالم وتفكيره، بل وتفهم البحث العلمي بصورة عامة، وتجعل مهمة القيام به مهمة صعبة.
لقد عرف العلم بأنه مجموعة من الحقائق، يأتي بها بحث موضوعي مجرد، وتعريف أكاديمي يقول: إن العلم مجموعة الخبرات الإنسانية التي تجعل الإنسان قادرا على التقدير، أو إن العلم هو فهم ظاهرات الكون، أسبابها وآثارها، والمفهومان لهما مضمون مشترك هو المقدرة على ربط الأسباب بالمسببات.
ومن التعريفات أن العلم مجموعة من المعارف الإنسانية، التي من شأنها أن تساعد على زيادة رفاهية الإنسان، أو أن تساعد على صراعه في معركة تنازع البقاء، وبقاء الأصلح، ويرى هاركوت براون "Harcourt Brown" أن كلمة العلم "Scince" تركيبة فكرية وليست مجموعة من العبارات التي ينطق بها الإنسان ليثبت ما يراه من خلال تطورات، يظن أنها تؤيد وجهة نظر ما، أي أنه يقصد بالعلم معنى محددا يتمثل في ثورة فكرية١ "Intellectual Revolution".
أما كارل بيرسون "Karlpearson" فيرى أن ميدان العلم غير محدد ... كل مجموعة من الظاهرات الطبيعية، كل طور من أطوار الحياة الاجتماعية، كل مرحلة من مراحل التطور القديم أو الحديث ... كل ذلك يعتبر مادة للعلم٢.
ويرى المؤرخ هربرت بترفيلد "Harbert Butterfield" أن العلم طور جديد من المعرفة واتجاه فكري جديد، استوجب البحث في أسسه، فضلا عن أنه استوجب دراسات جديدة، ومناهج مبتكرة لمعالجة ظاهرات المجتمع ومشكلاته، ولعل أكثر ما يشدده بترفيلد في تصوره العلم هو حدوث ثورة علمية أكيدة، وتغيرات جذرية في ميدان العلم نفسه، وفي تشكيل وإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية ذاتها.
стр. 16
أما قاموس "ويستر"١ الجديد فقد عرف العلم: بأنه المعرفة المنسقة "Systematized Knowledge" التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة والتجريب، والتي تتم بغرض تجديد طبيعة أو أسس أو أصول ما تتم دراسته، إنه فرع من فروع المعرفة أو الدراسة، خصوصا ذلك الفرع المتعلق بتنسيق وترسيخ الحقائق والمبادئ والمناهج بوساطة التجارب والفروض.
ويعرف قاموس "أكسفورد" المختصر العلم بأنه: هو ذلك الفرع من الدراسة الذي يتعلق بجسد مترابط من الحقائق الثابتة المصنفة، والتي تحكمها قوانين عامة، وتحتوي على طرق ومناهج موثوق بها، لاكتشاف الحقائق الجديدة في نطاق هذه الدراسة.
ولعل أكثر التعاريف شمولا أن نقول: "إن العلم يضم كل بحث عن الحقيقة، يجري منزها عن الأهواء والأغراض، يعرض الحقيقة صادقة، بمنهج يرتكز على دعائم أساسية" ويجدد هذا التعريف المعنى الذي نقصده.
وبهدف الدقة والتوضيح لا بد من التمييز بين نظرتين واسعتين للعلم في العالم العلمي: النظرة السكونية "Static"، والنظرة الديناميكية "Dynamic" ترى الأولى أن العلم فاعلية تسهم في المعرفة النظامية للعالم، وأن عمل العالم هو اكتشاف حقائق جديدة وإضافتها إلى الحقائق المعروفة سابقا، بل إن العلم هو مجموعة من الحقائق وهو طريقة لتفسير الحوادث الملحوظة، ففي هذه الحالة يكون التشديد على الحالة الحاضرة للمعرفة وإضافتها إليها.
أما الثانية: فهي تنظر إلى ما يفعله العالم، وأن الحالة الحاضرة هي منطلق إلى المزيد من النظريات والبحوث، أي أنها تتشدد في أهمية النظريات والمخططات التي تساعد على الاكتشاف والمزيد من البحوث بهدف الاكتشاف، ويكون الاهتمام الأشد بالعمل الإبداعي وليس الروتيني أي أن العالم ينطلق من المعارف الراهنة إلى مزيد من النظريات والاكتشافات والبحوث.
стр. 17
وكما ميزنا بين نظرتين للعلم، فإننا نميز بين نظرتين لوظائف العلم: ترى الأولى أن الإنسان العملي وغير العالم ينظر إلى العلم بأنه فاعلية تهدف إلى تحسين الأمور وتقدم الإنسان، فوظيفة العلم وفق هذه النظرية هي الاكتشاف والتوصل إلى الحقائق ودفع المعرفة إلى الأمام من أجل تحقيق التقدم، والفروع العلمية التي تحقق ذلك، تلقى تشجيعا وتأييدا واسعين.
أما النظرية الثانية فترى أن وظيفة العلم هي التوصل إلى القوانين العامة التي تتحكم في سلوك الكائنات التي يهتم العلم بها، ثم الربط بين هذه القوانين، وتنظيم المعرفة بحيث تتمكن من التنبؤ بالوقائع وبالتالي من ضبطها، ولا بد من الإشارة إلى أن هذه النظرة تعير القوانين العامة والنظريات الشاملة، وإمكانية التنبؤ والقدرة على الضبط والتوجيه أهمية ملموسة، ولا شك أن العلوم الإنسانية بحاجة ماسة لتبني مثل هذه النظرية.
هذا وإن كثيرا من باحثي القرن التاسع عشر، الذين درسوا ظاهرة العلم، يرون أن مسيرة العلم وإن تذبذبت وأصابها ركود بين فترة وأخرى، إلا أنها ظاهرة طبيعية وحتمية، نظرا لما يعترض سبيلها من عوائق وتيارات معارضة، وكان أندرو ديكسن وايت Andrew Dickson Wite" "١٨٣٢-١٩١٨" من أشهر الذين أخذوا بهذا الرأي١.
стр. 18
المبحث الثاني: بين العلم والمعرفة
العلم هو الاستدلال الفكري، أما المعرفة فهي العلم التلقائي "Intuitive"، وهي أوسع وأشمل من العلم، تتضمن معارف علمية وأخرى غير علمية، والتمييز بينهما يبنى على أساس قواعد المنهج وأساليب التفكير التي تتبع في تحصيل المعارف، فإذا اتبع الباحث قواعد المنهج العلمي وخطواته في التعرف على الظاهرات والكشف عن الحقائق الموضوعية، فإنه يصل إلى المعرفة العلمية، ولن يستطاع بلوغ الكفاية في العلم حتى تقدر المعرفة حق قدرها.
يقول غسوتاف جرونيباوم "Gustave E. Von Grunebaum": "ثمة مجموعة أخرى من الاتجاهات الأساسية دخلت في طور الإنسان المثالي، وإن يك ذلك على مستوى أقل أهمية شيئا ما، أعظمها نفوذا ذلك التقدير العظيم والتوفير العميق للمعرفة من حيث هي، وبغض النظر عن واقع محتوياتها، فإنها آية لا غنى عنها في الدلالة على الإنسانية الحقة، كما أن الجهالة أشد العيوب المشوهة لها"١.
كما أوضح زيمان "Ziman" عندما صاغ اصطلاحه المعروف وهو "المعرفة العامة" بأنه لكي تصبح المعرفة حقيقية أو اكتشافا، ينبغي أن تدخل في نطاق الملكية العامة للبشر، وأن تصبح جزءا من تراثها العام، وقد أكد زيمان أيضا خاصية المعرفة العلمية بوصفها المعرفة التي ينعقد بشأنها اتفاق عام في الرأي من حيث صيغتها ومنفعتها٢.
وفي القرن "السادس عشر"، ظهر فرنسيس بيكون "Francis Bacon" في مقولته المشهورة، التي كثيرا ما يستشهد بها وهي "المعرفة هي القوة ووعي بالطاقة الكامنة في المفاهيم الجديدة للعلم"٣.
لقد تم الحصول على المعرفة على مراحل وهي:
стр. 19
المرحلة الأولى: مرحلة المعرفة الحسية والخبرة الذاتية، وما تزال قائمة بيننا حينما يعجز الإنسان عن تفسير مواقف أو مواجهتها، وتنطبق هذه المرحلة على مرحلة طفولة العلم، حينما كان الإنسان يحاول أن يجد حلا دون أن يستطيع التحرك بطريقة منظمة، وبهذا نقول: إن المحاولة والخطأ تعتبر أول مراحل تطوير العلم.
والمرحلة الثانية: هي مرحلة الاعتماد على مصادر الثقة والتقاليد السائدة، كالاعتماد على الحكماء القدامى في تعليل بعض الظاهرات، كاعتماد الحضارة الغربية في القرون الوسطى على تعاليم أفلاطون وأرسطو وغيرهم، لقد كان الاعتماد أهم من التقصي والتحقيق، وما تزال هذه الطريقة متبعة حتى عصرنا الحالي.
أما المرحلة الثالثة: هي مرحلة التأمل والحوار، وهي مرحلة التدليل العقلي والمنطقي، فقد توصل أرسطو بوساطة التفسير العقلي من المعروف إلى غير المعروف باتباعه لعملية استدلالية أو استنتاجية "Deductive Process" تعتمد في أساسها على القياس المنطقي "Syllogism" لكن طريقة الاستنتاج أو الاستدلال "Deductive" تخدع الباحث أحيانا، لأنها لا تركز اهتمام الباحث على البحث عن الحقيقة ذاتها بل تشغل عقله بالعمليات العقلية والحوار الماهر.
والمرحلة الرابعة: هي مرحلة المعرفة العلمية والتحقيق العلمي "Scientific inquiries" أي مرحلة وضع الفروض وإجراء التجارب ثم استخلاص النتائج وتعتبر هذه الطريقة أكثر دقة إذا أمكن تحويل المعلومات المتعلقة إلى تعبير كمي "Quantitative Expression".
وكما يقول "أوغست كونت": إن المعرفة العلمية جاءت في مرحلة متأخرة من تطور العقل الإنساني، حينما استطاع أن يفسر الظاهرات تفسيرا علميا، يربط تلك الظاهرات ربطا موضوعيا، هذا النوع من المعرفة هو المعرفة العلمية التجريبية، تقوم على أساس الملاحظة المنظمة للظاهرات أو وضع الفروض والتحقق منها بالتجربة.
стр. 20
وتجميع البيانات وتحليلها، ولا تقف المعرفة العلمية عند المفردات الجزئية التي يقوم الإنسان ببحثها، بل تتجاوز ذلك حتى يصل إلى قوانين ونظريات عامة، تربط هذه المفردات بعضها ببعض، وتمكنه من التنبؤ بما يحدث للظاهرات المختلفة تحت ظروف معينة.
إن ما أشرنا إليه من مراحل يتفق مع ما يشير إليه الفيلسوف الأمريكي بيرس حول طرائق الحصول على المعرفة.
يشير بيرس "Pierse" إلى أن طرائق المعرفة أربع:
أولاها طريقة التشبث: "Method of Tenacity"، وفيها يتشبث الإنسان بالحقيقة بقوة، والإعادة المتكررة للحقائق تزيد من الاعتقاد بصحتها، أما الطريقة الثانية للمعرفة فهي طريقة السلطة، والسلطة العلمية هي إحدى السلطات الهامة، ونقصد بها دعم أقوال عالم مشهور وقبولها على أنها حقيقة واقعية، أما الطريقة الثالثة للمعرفة فهي طريقة المعرفة البسيطة المسبقة "Apriori Method" أو الحدس، وتقوم هذه الطريقة على أساس أن الحقائق المقبولة حقائق تثبت نفسها بنفسها "Self-Evident"، تتفق هذه الحقائق مع العقل، وليس من الضروري أن تتفق مع التجريب، والطريقة الرابعة هي الطريقة العلمية، فللمعرفة العلمية ضوابط ومعايير تضبط عمل العالم وتوجه نشاطاته وتراقب استنتاجاته بقصد التوصل إلى حقائق يمكن الاعتماد عليها١ هذا وقد يتم الحصول على المعرفة بالمصادفة مثل اكتشاف أرخميس لقانون الكثافة، واكتشاف جالفاني "للكهرباء" في جسد الحيوان، واكتشاف باستير تحويل الجراثيم إلى عوامل للمناعة وغيرها.
стр. 21
المبحث الثالث: أهداف العلم
إن الهدف الأساسي للعلم هو التوصل إلى النظرية، والنظرية: هي بنيان من المفاهيم المترابطة والتعريفات والمقولات، التي تقدم نظرة نظامية إلى الحوادث بوساطة تحديد العلاقات بين المتحولات بهدف تفسير الحوادث والتنبؤ عنها، مثال ذلك: قد يكون الباحث نظرية عن أسباب الفشل في مهنة ما، وقد تكون متحولاته هي مقدار الذكاء، العمر، الخبرة، القلق و ... إن الحادث المطلوب تفسيره هو الفشل في مهنة ما، والفشل في هذه الحالة يفسر بعلاقات محدودة بين كل من المتحولات المذكورة والفشل في هذه المهنة وبين مجموعة المتحولات والإخفاق في العمل، والعالم الذي يستخدم هذه المفاهيم بنجاح، يدرك سبب الإخفاق، ويصبح قادرا على تفسير هذا الإخفاق أو إلى حد ما قادرا على التنبؤ به١.
يتضح من ذلك أن التفسير والتنبؤ من جملة مضامين النظرية، وبالفعل فإن النظرية تفترض القدرة على تفسير الحوادث الملحوظة، وإذا قبلنا بأن النظرية هي الهدف الأساسي للعلم لأصبح: التفسير والفهم فرعان من هذا الهدف الأصلي، ويعني الفهم والتفسير الربط بين ما لم يكن معلوما لنا ثم كشفناه، وبين ما هو معلوم لنا ومختزن في ذهننا من قبل، أي كشف العلاقات التي تقوم بين الظاهرات المختلفة وإدراك الارتباط بين الظاهرات المراد تفسيرها، وبين الأحداث التي تلازمها أو تسبقها، ففهم الهجرة من الريف إلى المدن وتفسيرها، لا يتحقق ما لم تربط بينها وبين متغيرات وظروف أخرى خارجة عنها، ويعد وجودها سببا في حدوثها، كعوامل الطرد الموجودة في بعض القرى التي تصدر عمالها الزراعيين، وعوامل الجذب في المدن الصناعية التي تستقطبهم.
أما التنبؤ القائم على أساس الفهم، فهو من أهداف العلم الرئيسة، لأنه بعد فهم ظاهرة الهجرة من القرية إلى المدينة، وتصور وجود علاقة وظيفية بين فاعليات كل
стр. 22
منهما وبين الهجرة الحادثة بينهما، لا يكتفي بهذ القدر من الفهم، إذ المتوقع الإفادة من النتائج التي أمكن الوصول إليها، وذلك بمحاولة الاسنتاج من العلاقة الوظيفية التي كشف نتائج أخرى يمكن أن تنسق معها، وبعبارة أوضح، إن المبادئ المتعلقة بالهجرة الريفية، التي أمكن استقراؤها بالبحث العلمي، يمكن تعميمها على جوانب جزئية أخرى غير تلك التي بحثناها، لكي نفيد من ذلك في أوسع مجال ممكن، فالتنبؤ إذن معناه تيقن انطباق المبادئ أو القواعد العامة التي يوصل إليها البحث العلمي، على حالات أخرى في أوضاع مختلفة عن تلك التي سبق استقراؤها منها، والتنبؤ على هذه الصورة يساعد على تحقيق المزيد من الفهم والقدر الأكبر من التفسير وتحصيل الجديد من العلم، لأنه خطوة هامة في إكمال عملية البحث العلمي، وهي محاولة التحقيق من صحة المعلومات التي أمكن الحصول عليها، فإذا ثبت صحة التنبؤات، فعندئذ يجب إعادة النظر بالبيانات أو إعادة البحث في ضوء المزيد منها، أو باستخدام غيرها أو تغيير طرائق البحث.
ومن الأهداف الرئيسة للعلم، التحكم الذي يعني معالجة الأوضاع والظروف التي ظهر يقينا أنها تحدث الظاهرة، بشكل يتيح تحقيق هدف معين، والقدرة على التحكم تزداد كلما زاد الفهم وازدادت بالتالي القدرة على التنبؤ، يضاف إلى ذلك أن نجاح التحكم في الظاهرة وتكرره، هو في الوقت ذاته اختبار لمدى سلامة الفهم والتفسير، ومقدار صحة التنبؤات بخصوص الظاهرة المبحوثة، ففهم ظاهرة الهجرة الريفية وآثارها في المدينة الصناعية وتفسيرها وما يترتب على هذا الفهم والتفسير من قدرة على التنبؤ بما يحدث في أوضاع وظروف أخرى مماثلة، يساعد في تعديل هذه الأوضاع وتلك الظروف بالشكل الذي يمنع حدوث الظاهرة، أو يخفف من حدتها أو يغير مسارها١.
стр. 23
المبحث الرابع: التفكير العلمي وخصائصه
التفكير العلمي هو كل دراسة تعتمد منهج الملاحظة الحسية والتجربة العملية إن كانت ممكنة، وتتناول الظاهرات الجزئية في عالم الحس، وتستهدف وضع قوانين لتفسيرها بالكشف عن العلاقات التي تربط بينها وبين غيرها من الظاهرات، وصياغة هذه القوانين في رموز رياضية، وذلك للسيطرة على الطبيعة والإفادة من مواردها وتسخير ظاهراتها لخدمة الإنسان في حياته الدنيا، وأهم خصائص التفكير العلمي:
١- التخلي عن المعلومات السابقة: أي أن يقف الباحث من موضوع بحثه موقف الجاهل، أو أن يتجاهل كل ما يعرفه عنه، حتى لا يتأثر أثناء بحثه بمعلومات سابقة، يحتمل أن تكون خاطئة، فتقوده إلى الضلال، وقد حرص على التنبيه إلى هذا واضعو مناهج البحث العلمي من الغربيين منذ مطلع العصور الحديثة، ومن هؤلاء فرنسيس بيكون "ت ١٠٣٦هـ/ ١٦٢٦م"، واضع أصول المنهج العلمي١، وقد مهد لمنهجه التجريبي في كتابه "الأدلة الجديدة" "Novum organum" بجانب سلبي أوصى فيه الباحث بتظهير عقله قبل أن يبدأ بحثه من كل ما يقود إلى الخطأ، ويعوق قدرته على التوصل إلى الحقائق، وإلى مثل ذلك ذهب ديكارت "١٠٦٠-١٠٦١هـ/ ١٦٥٠م" في كتابه "التأملات في الفلسفة" الأولى "moditations Metaphiseques" ومبادئ الفلسفة "Les principes de la Philosophie" فكان يوجب على الباحث أن يطهر عقله من المعلومات السابقة عن طريق الشك المنهجي إمعانا في النزاهة وزاد في كتابه "مقال عن المنهج" "Discoures de la Methode" فأوجب على الباحث في القاعدة الأولى من منهجه أن يتحرر من كل سلطة إلا سلطة عقله.
стр. 24
ولا يعني هذا كله أن الباحث لا يستطيع أن يبدأ بحثه دون أن تكون لديه خطة للبحث، وقد قال كلود برنار "ت ١٢٩٥هـ/ ١٨٧٨م" في كتابه "مدخل لدراسة الطب التجريبي": إن التجربة يسبقها تدبير لظروفها ولإيجادها، لأن تصميم التجربة ليس إلا توجيه سؤال، يراد الإجابة عليه، ولا يكون السؤال إلا بعد وجود فكرة تتطلب الجواب. هذا وسبق العرب إلى ما فطن إليه الغربيون بعد مئات السنين، ونذكر في هذا الشأن إبراهيم النظام "ت ٢٢١هـ/ ٨٣٥م"، والجاحظ "ت ٢٥٥هـ/ ٨٦٨م" والحسن بن الهيثم "ت قرابة ٤٣١هـ/ ١٠٣٩م".
٢- الملاحظة الحسية كمصدر وحيد للحقائق: يراد بالملاحظة توجيه الذهن والحواس إلى ظاهرة حسية ابتغاء الكشف عن خصائصها، توصلا إلى كسب المعرفة الجديدة، أما التجربة فهي ملاحظة مستثارة، يتدخل الباحث في سيرها حتى يلاحظها في ظروف هيأها وأعدها بإرادته تحقيقا لأغراضه، وقد لا تتيسر التجربة في بعض العلوم الطبيعية كالفلك وعلم طبقات الأرض، كما أن الحواس قد تقصر على إدراك بعض الظاهرات إدراكا مباشرا، فعوضوا ذلك باختراع آلات وأجهزة، ساعدت على أن تحول نتائج البحث إلى كميات عددية دقيقة، اعتقادا منهم بأن من أهم خصائص البحث العلمي تحويل الكيفيات إلى كميات عددية والتعبير عن نتائج الدراسات العلمية "القوانين برموز رياضية.
لقد اتجه العرب في عصورهم الوسطى إلى المنهج التجريبي، الذي يستند إلى الملاحظة الحسية في دراسة الظاهرات الجزئية، ابتغاء الكشف عن قوانينها، وشاعت الدعوة إلى الملاحظة في كتبهم طريقا إلى كسب الحقائق، ونذكر منهم البغدادي والرازي وجابر بن حيان والبيروني.
٣- نزوح التفكير العلمي الحديث إلى التكميم "Quantipication" "القياس الكمي": فقد نقل التقدم العلمي الحديث مركز الاهتمام من الملاحظة الحسية إلى تحويل
стр. 25
الكيفيات إلى كميات، والتعبير عن وقائع الحس بأرقام عددية، وأصبحت الظاهرات المشاهدة تترجم إلى رسوم بيانية وجداول إحصائية، وتمشيا مع هذه النزعة اخترعت آلات وأجهزة، وأمكن تحويل الكيفيات إلى كميات عددية تتميز بالدقة والضبط. ولما كانت العلوم الإنسانية الحديثة، قد نزعت بدورها إلى اصطناع المنهج التجريبي ما أمكن ذلك، فقد اتجهت بدورها إلى تكميم دراستها، وتحولت قوانين العلم إلى دلالات رياضية، وبهذا احتلت مكان الصدارة في البحث العلمي الذي لا يزال يعتمد على الملاحظة الحسية والتجربة العلمية، ومن العرب نذكر في هذا الشأن، ابن الهيثم والإدريسي والزهراوي، إضافة إلى ذلك أن علماء العرب نزعوا إلى اختراع آلات تستخدم في تحويل الكيفيات إلى كميات عددية توفيرا للدقة في نتائج البحوث العلمية.
٤- نزاهة الباحث: "Disinterestedness" يراد بها إقصاء الذات "Self-elemination"، أي تجرد الباحث عن الأهواء والميول والرغبات، وإبعاد المصالح الذاتية والاختبارات الشخصية، وبالتالي فهي تقضي إنكار الذات وتنمية كل ما يعوق تقصي الحقائق من طلب شهرة أو مجد أو استغلال للثراء، مع اعتصام بالصبر والأناة، وحرص على توخي الدقة، حتى يتسنى للباحث أن يفحص موضوعه في أمانة ومن غير تحيز، ويستلزم ذلك طاقة أخلاقية وروحا نقدية. وتحررا من أية سلطة يمكن أن تملي عليه رأيا، بهذا يتوخى الحق ويخلص في طلبه، ويستبعد التعصب، ويتفانى في تحري الحقائق وتمحيصها وفاء بحق الأمانة العلمية.
٥- الموضوعية: أوجب الباحثون المحدثون من الغربيين أن يتوخى العالم الموضوعية "Objectivity" في كل بحث يتصدى له بمعنى أن يحرص على معرفة الوقائع كما هي في الواقع، وليس كما تبدو في تمنياته، ويقتضي هذا إقصاء الخبرة الذاتية "Subjectivity" لأن العلم قوامه وصف الأشياء، وتقرير حالتها، ومحك الصواب في البحث العلمي هو التجربة التي تحسم أي خلاف يمكن أن ينشأ بين الباحثين، ومن هنا
стр. 26
كان الخلاف بين العلم حيث ينتهي العلماء في دراساتهم لأية ظاهرة إلى نتائج واحدة، وإلا كان الالتجاء إلى التجربة لمعرفة الصواب في أمرها، وبين الفن والأدب الذي يقوم على الخبرة الذاتية.
لقد فطن علماء العرب إلى أن مفهومي النزاهة والموضوعية من خصائص التفكير العلمي ومن مقوماته الأساسية، ودليل ذلك ما يرد في مقدمات كتبهم عندما يحددون منهج بحثهم وخطته وهدفه، فمن ذلك ما أورده "الحسن بن الهيثم" في مقدمته "الشكوك على بطليموس"١ وكذلك الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"٢ وابن رشد في كتابه "فضل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" وكلها تشهد على تجرد علماء العرب من الأهواء والنزوات واستبعاد الميول الشخصية والاعتبارات الذاتية والعصبية القومية والدينية، وتوخي الحق والإخلاص في طلبه.
٦- الاعتقاد بمبدأ الحتمية: "Determinism" أو السببية العامة "Universal Causality" أي القول بأن لكل ظاهرة علة توجب وقوها، ولكل علة معلول ينشأ عنها، فالظاهرات يتحتم وقوعها متى توافرت أسبابها، ويستحيل أن تقع مع غياب هذه الأسباب، هذه الاستحالة هي ما سمي بالضرورة ومشكلة العلية قديمة قال بها أرسطو، وقد اهتم المحدثون بالعلل الفاعلة، وجعلوا العلة حادثة سابقة على الظاهرات سبقا مطردا، وكان هذا تفسيرا جديدا للعلية، وأول من قال به بين الغربيين ديفيد هيوم "D. Hume". عام "١١٩٠هـ/ ١٧٧٦م".
وضع جون ستيوارت ميل "John stewart Mill" "ت. ١٢٩٠هـ/ ١٨٧٣م" في القرن التاسع عشر قواعد التثبت من صحة القروض أو خطئها، وكان مؤدى قواعده الثلاث الأولى أن وجود العلة يستتبع وجود معلولها، وفطن في القاعدة الرابعة إلى أن
стр. 27
البحث العلمي يقتضي تحديد العلاقة بين ظاهرتين تحديدا كميا، وفي هذا النطاق الضيق فطن إلى التكميم، وقد تطورت هذه الطريقة بعد "مل" بفضل الطرق الإحصائية التي ساعدت على التعبير عن الارتباط بين ظاهرتين برموز رياضية. وقد اعتقد علماء القرن التاسع عشر من أمثال لابلاس "ت ١٢٤٣هـ/ ١٧٢٧م" وكلود برنار "ت ١٢٩٥هـ/ ١٨٧٨م" بأن العلية قضية مسلمة، إلا أن التقدم العلمي في القرن "العشرين" زعزع ثقة العلماء في هذه الحتمية فتعرضت للنقد على يد أمثال آرثر ادنجتون "Arthur Eddington" وبرنارد رسل "Bertrand Russell" لحملة من النقد انتهت بأن تخلت العلية عن مكانها ليحتله "القانون الطبيعي"، الذي يتميز في أيامنا الحاضرة بأنه يصاغ في كم عددي. ونذكر في هذا المجال الغزالي "ت ٥٠٥هـ/ ١١١١م" في كتابه "تهافت الفلاسفة" وقد سبق رأس التجريبيين "ديفيد هيوم" بستة قرون ومن قبله جابر بن حيان "ت ١٩٨هـ/ ٨١٣م" في رفض تفسير العقليين للعلاقة العلية "السببية" وفي تفسيرها الجديد الذي قدمه لها١، وهكذا قدر لمفكري العرب أن يفطنوا إلى تفسير العلة قبل أن يتوصل إليه الغربيون بمئات السنين.
٧- توافر الثقافة الواسعة للعلماء: ولع الغربيون في العصور الحديثة بالتخصص الضيق، حتى استخف أهله بسائر فروع المعرفة البشرية، وقد شهد القرن العشرين تحولا فجائيا أفضى إلى نوع من التقارب بين العلم التجريبي وغيره من فروع المعرفة البشرية، وكان هذا بعد أن غلبت النزعة المادية على ذلك العلم، وأيد هذا التحول واضعوا المناهج العلمية، حيث طالبوا الباحثين بالوقوف على كل ما من شأنه أن يساعدهم على دراسة موضوعاتهم وفهمها على أحسن الوجوه ومن ذلك أنهم أوصوا الطبيب بأن يلم بعلوم الأحياء والكيمياء والصيدلة والنفس وغيرها، بل إن "كلود برنارد" كان يوصي العالم الطبيعي بأن يتزود بثقافة واسعة في الفلسفة والفن معا.
стр. 28
أما عن التراث العربي، فقد اقتضت روح العصر الذي نتناول علماءه في هذا البحث، أن تتهيأ للمفكر ثقافة واسعة، لأن فروع المعرفة ومنها العلم الطبيعي، كانت مذابة في الفلسفة، بل إن العلوم الطبيعية حتى في أوروبا، لم تعرف طريقها إلى الاستقلال إلا بعد أن وضعت مناهج البحث العلمي المختلفة، فكان تراث أرسطو وابن سينا١ في العصور الوسطى دائرة معارف، وإن كان هذا لم يمنع من أن يغلب على تفكير المفكر العربي وبحوثه اتجاه يجعله أقرب إلى الفلكيين أو الكيميائيين أو الفلاسفة. واقتضى هذا الوضع أن يكون العالم العربي على إلمام واسع بثقافة العصر على أحسن الوجوه، وهكذا تحققت في المفكر العربي خاصية الثقافة الواسعة التي أوجبت المحدثون من الغربيين توافرها في المحدثين من العلماء٢.
стр. 29
المبحث الخامس: تصنيف العلوم عند العرب ١
стр. 30
تصنيف العلوم حسب "إحصاء العلوم" للفارابي ١:
стр. 31
المبحث السادس: قبسات علمية من التراث العربي
لقد وجه العرب نشاطهم الفكري إلى ميادين العلوم منذ ظهور الإسلام، فقد فرض العلم على كل مسلم ومسلمة، وظهر علماء أفذاذ ولكن ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ١ [يوسف: ١٢/ ٧٦] وواجه المسلمون ثقافات استطاعوا أن يفيدوا منها على نطاق واسع، وأن يستوعبوها ضمن إطار ثقافتهم الجديدة، وقد أثمر كل ذلك مركبا ثقافيا جديدا، هو الثقافة العربية الإسلامية.
لقد أكدت البحوث الحديثة المدى الكبير الذي يدين به العالم للعلماء العرب والمسلمين، الذين حثوا على نمو المعارف، في حين كانت أوروبا تعيش في ظلام دامس، كما كان للحضارة العربية دور بارز في إمداد أوروبا بالعلوم والمعارف التي قامت عليها الحضارة الغربية.
لقد أضاف العرب إلى ما أخذوه، وجددوا وابتكروا، لقد أخذ الفكر العربي الإسلامي، لكنه أعطى، وترجم ودرس، ناقش ونقد، وقد قال رام لاندو في كتابه "مآثر العرب في الحضارة": إن المسلمين قدموا الكثير من الفتوحات في العلوم، فاجتذب ذلك العلماء والحكماء وأهل البحث والنظر ورجال الفن والأدب من جميع الأصقاع، وأنشئوا مؤسسات لنقل علوم الشعوب "بيت الحكمة، دار الحكمة، دار العلم، والجامع الكبير" كما أنشئوا المكتبات.
نخص بالذكر فترة الحكم العباسي الذي بدأ عام "١٣٣هـ/ ٧٥٠م" لأنها من فترات التاريخ اللامعة الزاهرة، "إننا نجد أن الأسلوب العلمي لم يكن مطبقا في بلدان العالم
стр. 32
القديم مثل مصر والصين والهند، ونجد القليل منه في اليونان، ولا نجده في روما، ولكن العرب امتازوا بالروح العلمية الاستطلاعية، مما يجعلهم يدعون بجدارة آباء العلم الحديث، لقد بنى العرب على الأساس العلمي الذي استقوه من غيرهم أبحاثا عظيمة، وتوصلوا إلى اكتشافات عظيمة، لقد صنعوا أول مكبر، وصنعوا أول بوصلة، وطبقت شهرة أطبائهم وجراحيهم آفاق أوروبا، وكانت بغداد مركز إشعاع فكري وقرطبة عاصمة إسبانيا العربية مثيلة بغداد في دنيا الغرب، وكانت في العالم العربي ومراكز علمية أخرى ازدهرت فيها العلوم"١.
رغم ذلك لم يحظ إسهام العرب والمسلمين في العلوم باهتمام لائق وعناية مرجوة من الباحثين في البلاد العربية، ويدعي علماء الغرب أن إنجازات العرب، اقتصرت على العلوم الدينية والأدبية، ومن هنا بدأت انطلاقة هدفها إحياء التراث العربي علوم وأعلام، لأن إحياء القديم وربطه بالحاضر من أقوى الدعائم التي بنت الأمم عليها كيانها، ونورد فيما يلي ترجمة مختصرة لتراثنا المخطوط، نأمل أن تكون انطلاقة خير للمستقبل.
تظهر معالم الأصالة للحضارة العربية في العلوم أسلوبهم الدقيق الذي نهجوه، لا شك أن لليونان أثر علمي، لكنهم اعتمدوا على العقل والاستدلال المنطقي وأهملوا المنهج العلمي الذي يعتبر في العصر الحديث محور الارتكاز، ونعرف فيما يلي عرضا محايدا لبعض ما يتضمنه تراثنا المخطوط:
في مجال الرياضيات عصب الحضارة الإنسانية، جاء علماء العرب وأفادوا في فروعه المختلفة، ينسب علماء الغرب فكرة "الكسر العشري" إلى العالم الغربي سيمون ستيفن
стр. 33
"٩٩٣هـ/ ١٥٨٥م" في حين أن غياث الدين بن مسعود المعروف بالكاشي "ت ٨٢٩هـ/ ١٤٣٦م" قد سبقه إلى ذلك بـ "١٦٤سنة"، وفي علم الجبر١ يقول مؤرخ العلوم المشهور "فلورين كيوجوري": "إن العقل ليندهش عندما يرى ما عمله العرب المسلمون في علم الجبر، ويحق القول إن الخوارزمي "ت ٢٣٥هـ/ ٨٥٠م" هو واضع علم الجبر على أسسه الصحيحة وينسب علماء الغرب بحث الحالة المستحيلة التي بحثها الخوارزمي إلى العالم السويسري ليونارد أويلر "ت ١١٩٨هـ/ ١٧٨٣م"، الذي جاء متأخرا عن الخورازمي "٩٦٣" سنة، وفي حين أن الكرخي٢ "ت ٤٢١هـ/ ١٠٣٠م" هو الذي طور نظرية ذات الحدين والغرب يعتقد أن العالم الإنكليزي إسحاق نيوتن "ت ١١٤٠هـ/ ١٧٢٧م" هو الذي ابتكرها، كما إن عمر الخيام "ت ٥١٧هـ/ ١١٢٣م" عممها والكاشي "ت ٨٢٩هـ/ ١٤٢٥م" دعمها وقد توصل الكاشي إلى مدقق التقريب للنسبة في الدائرة، وهي الطريقة التي أدت إلى اختراع الآلة الحاسبة.
ونذكر في مجال علم الهندسة السيجزي٣، عاش في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري "القرن العاشر الميلادي" وعمر الخيام اللذين دفعا عجلة تطور علم الهندسة المستوية وسبقهم أيضا في المجال الخوارزمي والحجاج بن يوسف بن مطر "٢٢٠هـ/ ٨٣٥م" وثابت بن قرة "ت ٢٨٨هـ/ ٩٠٠م" وقد خطيا خطوة عظيمة نحو الهندسة التحليلة التي بلورها عمر الخيام وأرسي قواعدها رينيه ديكارت. ونذكر أيضا الحسن بن الهثيم، ونصير الدين الطوسي.
стр. 34
أما علم المثلثات المستوية والمجسمة فهو من اختراع المسلمين نذكر منهم البتاني "ت ٣١٨هـ/ ٩٢٩م" ونشير إلى أن الدول العربية تستعمل مصطلحات التوابع المثلثية باللغتين الفرنسية والإنكليزية، رغم أنها من أصل عربي وقد ذكر مؤرخ العلوم جورج سارتون وديفيد بوجين أن جميع مؤلفات "ريجيو مونتانوس" ألماني الأصل "ت ٨٨١هـ/ ١٤٧٦م" اعتمدت على كتب علماء العرب والمسلمين، ونقل عنهم الكثير من البحوث.
لقد بلور فكرة اللوغارتيمات ابن حمزة المغربي من علماء "القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي" ويدعى جوهان نابيير الأسكتلندي "ت ١٠٢٣هـ/ ١٦١٤م" ومن بعده هنري برجز "ت ١٠٤٠هـ/ ١٦٣٠م" اكتشاف علم اللوغرتيمات في حين أن دورهما يقتصر على تطوير فكرة المغربي.
وفي مجال العلوم الطبيعية فقد ثبت أن كبلر أخذ معلوماته في الضوء ولا سيما ما يتعلق بانكساره في الجو من كتب ابن الهيثم، وقد اعترف بذلك العالم الفرنسي الشهير "فياردو " وقد نهل من كتبه كبلر وروجر بيكون وغيرهما، لقد سبق بيكون في طريقته الاستقرائية، وسما عليه، وكان أوسع أفقا وأعمق فكرا.
درس العرب علم الفيزياء، ويذكر رونالد هيل المهندس الإنكليزي أن من يدرس نتاج الرزاز الجزري في علم الميكانيكا يتأكد من تذوق العرب لأفكار هذا العلم، وقد جرت العادة في نسبة قوانين الحركة إلى إسحاق نيوتن "ت ١٤٠هـ / ١٧٢٧م" في حين أن الشيخ الرئيس ابن سينا "ت ٤٢٨هـ / ١٠٣٦م" هو مكتشف القانون الأول وهبة الله بن ملكا البغدادي "ت ٥٦٠هـ / ١١٦٤م" اكتشف القانون الثاني والثالث، أما إسحاق نيوتن فقد طور قوانين الحركة خلال استعمالها حتى صارت عصب علم الميكانيكا الحديث.
إن أول من اهتم بعلم الجاذبية أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني المشهور
стр. 35
بابن الحايك "ت ٣٣٤هـ/ ٩٤٥م" ونذكر في هذا الشأن أبا الريحان البيروني "٤٣٣هـ/ ١٠٤١م" ومحمد بن أحمد الإدريسي "ت ٥٦٠هـ/ ١١٦٤م" وهبة الله بن ملكا البغدادي، وقد أشار كل من نيكولا كوبرنيكوس "ت ٩٥٠هـ/ ١٥٤٣م" ويوهان كبلر "١٠٤٠هـ/ ١٦٣٠م" إلى أنهما تلقيا علمهما في هذا المجال من علماء العرب والمسلمين، كما استخدم كل من جاليليو "ت ١٠٥٢هـ/ ١٦٤٢م" وإسحاق نيوتن نظريات كل من الهمداني والبيروني والخازني والإدريسي وهبة الله بن ملكا البغدادي في التجارب العلمية في حقل الجاذبية الأرضية١.
أما في فرع البصريات فقد لقب ابن الهيثم بأبي البصريات، بعد أن وضع كتاب "المناظر" وفي هذا الشأن يقول غوستاف جرونيباوم: " ... بز العرب بالبصريات أساتذتهم الإغريق بأوضح صورة" ويذكر جهود ليوناردو فيوباكي "النصف الأول من القرن الثالث عشر" بأنه رجل أسعفه الحظ بأن أخذ من المعلمين المسلمين في شمالي إفريقيا٢.
كان علم الفلك "علم الهيئة" أو "علم النجوم" أو "علم الفلك" لدى العرب والمسلمين علما استقرائيا، حولوه من الحيز النظري إلى مجال التجريب العلمي العملي، قدموا أدلة ناطقة على كرية الأرض٣، واكتشفوا حركتها حول الشمس قبل كوبرنيكوس "ت ٩٥٥هـ/ ١٥٤٨م" بعدة قرون، ووصلوا إلى قياس محيط الأرض بما يقرب من الرقم الحقيقي، الذي حسب بوساطة الحاسب الآلي والأقمار الصناعية، وما تزال معادلة البيروني في حساب محيط الأرض مستعملة حتى الآن، في الشرق والغرب، كما أن كثيرا من النجوم ما تزال تحمل أسماء عربية: سهيل، الجوزاء، النسر، مما يشير إلى تأثير الحضارة العربية في الحضارة الغربية المعاصرة في مجال الفلك.
стр. 36
نذكر ممن جالوا في علم الفلك محمد بن إبراهيم الفزاري، الذي ترجم كتاب "سندهانتا" "كتاب السندهند" وتعني باللغة الهندية "الدهر الداهر" وصنف على غراره واستخلص منه الخوارزمي زيجا، وقد ذكر ذلك ديفيد بنقري وديفيد بوجين سميث وجورج سارتون وغيرهم.
كان الفرغاني "ت ٢٣٥هـ/ ٨٤٩م" أول من حاول قياس محيط الأرض، وكانت مؤلفاته تدرس في جامعات أوروبا حتى القرن التاسع الهجري "الخامس عشر الميلادي" وقد ترجم المستشرقون كتاب "صور الأقاليم" لجعفر البلخي١ "ت ٣٢٣هـ/ ٩٣٤م" إلى اللاتينية والفرنسية ثم الإنكليزية، وابن الآدمي "عاش قبل سنة ٣٠٨هـ/ ٩٢٠م" وقد درس كتابه "نظم العقد" في الجامعات الأوروبية، والبتاني وقد اكتشف أخطاء بطليموس وخالفه في كثير من آرائه، والمروزي "ت ٣٥٠هـ/ ٨٤٤م" وهو أول من عمل إصطرلابا في الإسلام، وهو موجود في "الزيج الممتحن" وقد أشار إلى هذا الزيج العالم "نللينو"١ والكومي "ت ٣٥٧هـ/ ٩٦٧م" كما ذكره بروكلمان، والأعلم الشريف "ت ٣٧٥هـ /٩٨٥م" وأبو الحسن الصوفي "ت ٣٧٦هـ/ ٩٨٦م" وقد حسب دائرة البروج٣ ومبادرة الاعتدالين، فوجدها درجة لكل "٦٦" سنة، بينما وجدها بطليموس
стр. 37
درجة واحدة لكل مائة سنة، ووجدها علماء العصر الحديث درجة واحدة لكل "٧١" سنة، وقد اهتدى البوزجاني "ت ٣٨٨هـ/ ٩٩٨م" إلى معادلة توضح مواقع القمر سماها "معادلة السرعة" ادعى العالم الفلكي الدانماركي تخوراهي "ت ٣٩٩هـ/ ١٠٠٨م" أنه أول من عرف هذا الخلل في حركة القمر، وقد أطلق علماء الفلك الأمريكيين اسم البوزجاني على فوهة بركان على سطح القمر تخليدا له.
ألف ابن يونس الصدفي "ت ٣٩٩هـ/ ١٠٠٩م" الزيج الحاكمي، وصار متداولا في جميع أنحاء العالم، فقد ترجم العالم الفرنسي "كوسان" بعض فصوله إلى اللغة الفرنسية عام "١٢١٩هـ/ ١٨٠٤م" وطبع قسم منه، أما الكوهي "ت ٤٠٥هـ/ ١٠١٤م" فقد صارت مصنفاته من المراجع المعتمدة في جامعات العالم، وقد استنسخ وانتحل علماء الغرب معظم مؤلفاته، ويعتبر زيج ابن الصفار "ت ٤٢٦هـ/ ١٠٤٣م" أهم مصادر المعلومات في علم الفلك للباحثين، وقد تميز زيجه بحسن العبارة وقرب المأخذ.
وضع البيروني "القانون المسعودي" في الهيئة والنجوم، وهو مبني على البحث والترجمة الشخصية١، وكانت طريقته تقوم على التأمل والمشاهدة والملاحظة والاستنباط، أما جابر بن أفلج "ت في القرن السادس الهجري" إشبيلي المولد فقد كان لكتبه الأثر الملموس في تقدم علم المثلثات في أوروبا، وبقي كتابه "الهيئة في إصلاح المجسطي" متداولا في جميع أنحاء المعمورة، ومعتمدا في التدريس في مدارس وجامعات أوروبا والطوسي "ت ٦٧٣هـ/ ١٢٧٤م" انتقد كتاب المجسطي، وبقي كتابه "شكل القطاعات" مرجعا هاما وضروريا لعلماء الغرب، اعتمد عليه العالم الألماني ريجيو مونتانس "ت ٨٨١هـ/ ١٤٧٦م" في تأليف كتاب "علم حساب المثلثات" والمغربي "ت ٦٧٢هـ/ ١٢٧٣م" وهو أندلسي نال شهرة في كتابه "تاج الأزياج وغنية المحتاج" وابن الشاطر٢ "ت ٧٧٧هـ/ ١٣٧٥م" من مواليد دمشق، قدم نماذج فلكية في "الزيج
стр. 38
الجديد" وقد ادعى العالم البولندي كوبرنيكوس "٩٥٥هـ/ ١٥٤٨م" هذه النماذج لنفسه، وسايره من جاء بعده من علماء الغرب هذا الادعاء حتى القرن "الرابع عشر الهجري" "القرن العشرين الميلادي" وقد عثر في عام "١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م" على مخطوطات عربية في بولندة مسقط رأس كوبرنيكوس اتضح منها انتحال كوبرنيكس لهذه المخطوطات وإثباتها لنفسه، وقد نشر المستشرق الإنكليزي "ديفيد كنج" في مقالة له في "قاموس الشخصيات العلمية، أنه قد ثبت له في سنة "١٣٩٠هـ/ ١٩٧٠م" أن كثيرا من النظريات الفلكية المنسوبة لكوبرنيكوس قد أخذها من العالم المؤقت ابن الشاطر.
صنع ابن الشاطر آلة ضبط وقت الصلاة سماها "البسيط" وضعها في المسجد الأموي في دمشق ووجه اهتمامه الشديد إلى قياس زاوية انحراف دائرة البروج، وانتهى إلى نتيجة مفرطة في الدقة هي: "٢٣ درجة و٣١ دقيقة" وقد توصل علماء العصر الحديث إلى أن القيمة المضبوطة هي: "٢٣ درجة و٣١ دقيقة و١٩.٨ ثانية"، وقد برهن ابن الشاطر على خطأ بطليموس في تفسير النظام الحقيقي لجهاز الشمس، ولم يعرف ذلك إلا في أواسط القرن الرابع عشر الهجري "وسط القرن العشرين"١.
لقد أشار المستشرق ديفيد بوجين بالمكانة العلمية لابن المجدي "ت ٨٥٠هـ/ ١٤٤٦م" كنابغة من نوابغ علماء الرياضيات والفلك، وكذلك سبط المارديني وهو دمشقي الأصل "ت ٩٠٧هـ/ ١٥٠١م" وكان يرى أن البحث والتنقيب متاع العقل، والروداني "ت١٠٩٤هـ/ ١٦٨٢م" وهو مغربي الأصل توفي في دمشق، عالم فلكي وصاحب صنعة يدوية٢.
نشير أيضا إلى أن المسلمين عنوا أيضا بعلم الميقات، وأنشئوا علما كاملا بمنازل
стр. 39
القمر ساعدهم على التكهن بالظاهرات الجوية والأحداث الأرضية، وأطلق على هذا العلم اسم "علم الأنواء" والنوء هو طلوع ضوء القمر في بداية كل منزلة، واتخذ المسلمون التقويم القمري حتى يومنا هذا، وبعض أشكال التقويم الشمسي على مر التاريخ الإسلامي١.
تمتد جذور علم الطب عند العرب إلى ماض سحيق ولسنا هنا بصدد ذكر هذا الماضي وإنما نذكر المجالات التي نبغ فيها أطباء العرب، وكان تطور الطب ونضجه في عصر بني العباس، فقد نقل علماء العرب٢ مؤلفات جالينوس وكانت موسوعة معارف، وكان شيخ المترجمين حنين بن إسحاق العبادي يجيد اللغات السريانية والفارسية واليونانية وكتابه "العشر مقالات في العين"، أقدم مؤلف اصطنع المنهج العلمي في طب العيون، نشره وترجمه إلى الإنكليزية طبيب العيون المستشرق "ماكس مايرهوف" وبانتهاء مدرسة حنين٣ في الترجمة بدأ عصر الإنتاج الخصب في المشرق العربي، منذ أواخر القرن "التاسع" حتى بلغ عصر الإنتاج الخصب في المشرق العربي، منذ أواخر القرن "التاسع" حتى بلغ عصره الذهبي في القرن "الحادي عشر"، وأخذ بالتناقص منذ بدء القرن الثالث عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر، حيث افتقد الإنتاج والأصالة والابتكار إلا ما جاء على أيدي أفراد.
كانت المناهج الاستقرائية أوسع ما تكون في علم الطب، مكنت علماء العرب من العلو فوق الوقائع الجزئية إلى القانون العام، وأول من ألف الرسائل المعروفة بالمجربات
стр. 40
"Experiment" أبو العلاء زهر القرطبي "ت ٤٧٠هـ/ ١٠٧٧م"، والد الطبيب ذائع الصيت ابن زهر "Avan zoor" "ت ٥٥٨هـ/ ١١٦٢م" أعقبه آخرون كالبغدادي وابن المدور وابن الناقد في القرن السادس الهجري وأبو المعالي في القرن "السابع الهجري".
كان الطب عند العرب وقائيا وعلاجيا، لأن المحافظة على الوجود أجل من طلب المفقود كما يقول علي بن عباس المجوسي "ت ٣٨٤هـ/ ٩٩٤م" في كتابه "الكامل في الصناعة الطبية، أو الكناشة١ الملكية" وقد عبر عن هذه النظرية أيضا ابن سينا شعرا في أرجوزة من أراجيزه الطبية"٢.
لقد توصل العرب في العصور الوسطى إلى الكثير من أسس الطب الوقائي ومقوماته، في حين لم تبدأ فتوحات هذا الطب في أوروبا إلا بعد أن وضحت العلاقة بين الفقر والمرض، وكان للعرب لفتة طبية عن أهمية الهواء والغذاء ومكانتهما في حياة البدو وسكان الحضر٣ ونجد في تراث الطب وصايا هدت إليها خبرة الطبيب العربي، مما لا يزال يتبناه الطب الحديث.
أما في مجال الطب العلاجي، فقد كان للعرب الفضل في الكشف عما سموه بالأسباب والعلامات، وقد رتبها الرازي طبقا لأهميتها، وهذا ما يسميه أطباء اليوم "بهيراركية العلامات" وضعوا قواعد للتشخيص والتفريق بين الأمراض المتشابهة،