نذكر ممن جالوا في علم الفلك محمد بن إبراهيم الفزاري، الذي ترجم كتاب "سندهانتا" "كتاب السندهند" وتعني باللغة الهندية "الدهر الداهر" وصنف على غراره واستخلص منه الخوارزمي زيجا، وقد ذكر ذلك ديفيد بنقري وديفيد بوجين سميث وجورج سارتون وغيرهم.
كان الفرغاني "ت ٢٣٥هـ/ ٨٤٩م" أول من حاول قياس محيط الأرض، وكانت مؤلفاته تدرس في جامعات أوروبا حتى القرن التاسع الهجري "الخامس عشر الميلادي" وقد ترجم المستشرقون كتاب "صور الأقاليم" لجعفر البلخي١ "ت ٣٢٣هـ/ ٩٣٤م" إلى اللاتينية والفرنسية ثم الإنكليزية، وابن الآدمي "عاش قبل سنة ٣٠٨هـ/ ٩٢٠م" وقد درس كتابه "نظم العقد" في الجامعات الأوروبية، والبتاني وقد اكتشف أخطاء بطليموس وخالفه في كثير من آرائه، والمروزي "ت ٣٥٠هـ/ ٨٤٤م" وهو أول من عمل إصطرلابا في الإسلام، وهو موجود في "الزيج الممتحن" وقد أشار إلى هذا الزيج العالم "نللينو"١ والكومي "ت ٣٥٧هـ/ ٩٦٧م" كما ذكره بروكلمان، والأعلم الشريف "ت ٣٧٥هـ /٩٨٥م" وأبو الحسن الصوفي "ت ٣٧٦هـ/ ٩٨٦م" وقد حسب دائرة البروج٣ ومبادرة الاعتدالين، فوجدها درجة لكل "٦٦" سنة، بينما وجدها بطليموس
стр. 37
درجة واحدة لكل مائة سنة، ووجدها علماء العصر الحديث درجة واحدة لكل "٧١" سنة، وقد اهتدى البوزجاني "ت ٣٨٨هـ/ ٩٩٨م" إلى معادلة توضح مواقع القمر سماها "معادلة السرعة" ادعى العالم الفلكي الدانماركي تخوراهي "ت ٣٩٩هـ/ ١٠٠٨م" أنه أول من عرف هذا الخلل في حركة القمر، وقد أطلق علماء الفلك الأمريكيين اسم البوزجاني على فوهة بركان على سطح القمر تخليدا له.
ألف ابن يونس الصدفي "ت ٣٩٩هـ/ ١٠٠٩م" الزيج الحاكمي، وصار متداولا في جميع أنحاء العالم، فقد ترجم العالم الفرنسي "كوسان" بعض فصوله إلى اللغة الفرنسية عام "١٢١٩هـ/ ١٨٠٤م" وطبع قسم منه، أما الكوهي "ت ٤٠٥هـ/ ١٠١٤م" فقد صارت مصنفاته من المراجع المعتمدة في جامعات العالم، وقد استنسخ وانتحل علماء الغرب معظم مؤلفاته، ويعتبر زيج ابن الصفار "ت ٤٢٦هـ/ ١٠٤٣م" أهم مصادر المعلومات في علم الفلك للباحثين، وقد تميز زيجه بحسن العبارة وقرب المأخذ.
وضع البيروني "القانون المسعودي" في الهيئة والنجوم، وهو مبني على البحث والترجمة الشخصية١، وكانت طريقته تقوم على التأمل والمشاهدة والملاحظة والاستنباط، أما جابر بن أفلج "ت في القرن السادس الهجري" إشبيلي المولد فقد كان لكتبه الأثر الملموس في تقدم علم المثلثات في أوروبا، وبقي كتابه "الهيئة في إصلاح المجسطي" متداولا في جميع أنحاء المعمورة، ومعتمدا في التدريس في مدارس وجامعات أوروبا والطوسي "ت ٦٧٣هـ/ ١٢٧٤م" انتقد كتاب المجسطي، وبقي كتابه "شكل القطاعات" مرجعا هاما وضروريا لعلماء الغرب، اعتمد عليه العالم الألماني ريجيو مونتانس "ت ٨٨١هـ/ ١٤٧٦م" في تأليف كتاب "علم حساب المثلثات" والمغربي "ت ٦٧٢هـ/ ١٢٧٣م" وهو أندلسي نال شهرة في كتابه "تاج الأزياج وغنية المحتاج" وابن الشاطر٢ "ت ٧٧٧هـ/ ١٣٧٥م" من مواليد دمشق، قدم نماذج فلكية في "الزيج
стр. 38
الجديد" وقد ادعى العالم البولندي كوبرنيكوس "٩٥٥هـ/ ١٥٤٨م" هذه النماذج لنفسه، وسايره من جاء بعده من علماء الغرب هذا الادعاء حتى القرن "الرابع عشر الهجري" "القرن العشرين الميلادي" وقد عثر في عام "١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م" على مخطوطات عربية في بولندة مسقط رأس كوبرنيكوس اتضح منها انتحال كوبرنيكس لهذه المخطوطات وإثباتها لنفسه، وقد نشر المستشرق الإنكليزي "ديفيد كنج" في مقالة له في "قاموس الشخصيات العلمية، أنه قد ثبت له في سنة "١٣٩٠هـ/ ١٩٧٠م" أن كثيرا من النظريات الفلكية المنسوبة لكوبرنيكوس قد أخذها من العالم المؤقت ابن الشاطر.
صنع ابن الشاطر آلة ضبط وقت الصلاة سماها "البسيط" وضعها في المسجد الأموي في دمشق ووجه اهتمامه الشديد إلى قياس زاوية انحراف دائرة البروج، وانتهى إلى نتيجة مفرطة في الدقة هي: "٢٣ درجة و٣١ دقيقة" وقد توصل علماء العصر الحديث إلى أن القيمة المضبوطة هي: "٢٣ درجة و٣١ دقيقة و١٩.٨ ثانية"، وقد برهن ابن الشاطر على خطأ بطليموس في تفسير النظام الحقيقي لجهاز الشمس، ولم يعرف ذلك إلا في أواسط القرن الرابع عشر الهجري "وسط القرن العشرين"١.
لقد أشار المستشرق ديفيد بوجين بالمكانة العلمية لابن المجدي "ت ٨٥٠هـ/ ١٤٤٦م" كنابغة من نوابغ علماء الرياضيات والفلك، وكذلك سبط المارديني وهو دمشقي الأصل "ت ٩٠٧هـ/ ١٥٠١م" وكان يرى أن البحث والتنقيب متاع العقل، والروداني "ت١٠٩٤هـ/ ١٦٨٢م" وهو مغربي الأصل توفي في دمشق، عالم فلكي وصاحب صنعة يدوية٢.
نشير أيضا إلى أن المسلمين عنوا أيضا بعلم الميقات، وأنشئوا علما كاملا بمنازل
стр. 39
القمر ساعدهم على التكهن بالظاهرات الجوية والأحداث الأرضية، وأطلق على هذا العلم اسم "علم الأنواء" والنوء هو طلوع ضوء القمر في بداية كل منزلة، واتخذ المسلمون التقويم القمري حتى يومنا هذا، وبعض أشكال التقويم الشمسي على مر التاريخ الإسلامي١.
تمتد جذور علم الطب عند العرب إلى ماض سحيق ولسنا هنا بصدد ذكر هذا الماضي وإنما نذكر المجالات التي نبغ فيها أطباء العرب، وكان تطور الطب ونضجه في عصر بني العباس، فقد نقل علماء العرب٢ مؤلفات جالينوس وكانت موسوعة معارف، وكان شيخ المترجمين حنين بن إسحاق العبادي يجيد اللغات السريانية والفارسية واليونانية وكتابه "العشر مقالات في العين"، أقدم مؤلف اصطنع المنهج العلمي في طب العيون، نشره وترجمه إلى الإنكليزية طبيب العيون المستشرق "ماكس مايرهوف" وبانتهاء مدرسة حنين٣ في الترجمة بدأ عصر الإنتاج الخصب في المشرق العربي، منذ أواخر القرن "التاسع" حتى بلغ عصر الإنتاج الخصب في المشرق العربي، منذ أواخر القرن "التاسع" حتى بلغ عصره الذهبي في القرن "الحادي عشر"، وأخذ بالتناقص منذ بدء القرن الثالث عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر، حيث افتقد الإنتاج والأصالة والابتكار إلا ما جاء على أيدي أفراد.
كانت المناهج الاستقرائية أوسع ما تكون في علم الطب، مكنت علماء العرب من العلو فوق الوقائع الجزئية إلى القانون العام، وأول من ألف الرسائل المعروفة بالمجربات
стр. 40
"Experiment" أبو العلاء زهر القرطبي "ت ٤٧٠هـ/ ١٠٧٧م"، والد الطبيب ذائع الصيت ابن زهر "Avan zoor" "ت ٥٥٨هـ/ ١١٦٢م" أعقبه آخرون كالبغدادي وابن المدور وابن الناقد في القرن السادس الهجري وأبو المعالي في القرن "السابع الهجري".
كان الطب عند العرب وقائيا وعلاجيا، لأن المحافظة على الوجود أجل من طلب المفقود كما يقول علي بن عباس المجوسي "ت ٣٨٤هـ/ ٩٩٤م" في كتابه "الكامل في الصناعة الطبية، أو الكناشة١ الملكية" وقد عبر عن هذه النظرية أيضا ابن سينا شعرا في أرجوزة من أراجيزه الطبية"٢.
لقد توصل العرب في العصور الوسطى إلى الكثير من أسس الطب الوقائي ومقوماته، في حين لم تبدأ فتوحات هذا الطب في أوروبا إلا بعد أن وضحت العلاقة بين الفقر والمرض، وكان للعرب لفتة طبية عن أهمية الهواء والغذاء ومكانتهما في حياة البدو وسكان الحضر٣ ونجد في تراث الطب وصايا هدت إليها خبرة الطبيب العربي، مما لا يزال يتبناه الطب الحديث.
أما في مجال الطب العلاجي، فقد كان للعرب الفضل في الكشف عما سموه بالأسباب والعلامات، وقد رتبها الرازي طبقا لأهميتها، وهذا ما يسميه أطباء اليوم "بهيراركية العلامات" وضعوا قواعد للتشخيص والتفريق بين الأمراض المتشابهة،
стр. 41
وبحثوا العلاج الطبيعي، وتشعب الطب العربي الإسلامي في العصور الوسطى فروعا، يقول ابن قيم الجوزية "ت ٧٥١هـ/ ١٣٥٠م":
"الطبيب هو الذي يختص باسم الطبائعي، وبمردوده "وهو الكحال أي طبيب العيون" وبمبضعه "وهو الجرائي أي الجراح" وبموسه وهو "الخاتن" وبمحاجمه ومشرطه وهو "الحجام وبخلعه ووصله ورباطه وهو "لمجبر" وبمكواته وهو "الكواء" وبقربته وهو "الحاقن".
لقد عرف التخصص في طب الأسنان، كما عرف جبر الأجزاء في الجسم، وقد أصبح علما قائما بذاته حتى يومنا هذا، ويرجع وقوفنا على براعة العرب في طب العيون إلى "يوليوس هيرشبرج" "Hirchbirg" أستاذ طب العيون بجامعة برلين سابقا، إذ أفرد سبعة مجلدات عن طب العيون عند العرب، نذكر هذا في حين أن أوروبا حرمت آنذاك صناعة الطب لأن المرض عقاب من الله.
ترجمت الموسوعات الطبية التي وضعها العرب اللاتينية، وألم بها أطباء أوروبا، نهلوا من معينها حتى مطلع العصور الحديثة، وفي مقدمتها كتاب "القانون" لابن سينا وهو جمع لخلاصة الطب عند العرب واليونان والسريان والأقباط وملاحظات جديدة وضعها عن الالتهاب الرئوي وعدوى السل مع وصف لسبعمائة وستين دواء. وقد اعتمد القسم الأول من القانون في المنهاج الرسمي لمن يرشح نفسه لنيل درجة علمية عليا في الطب في جامعة "مونبلييه" في فرنسا في سنة "٧٤١هـ/ ١٤٣٠م" وترجم إلى اللغات اللاتينية والرومانية والتركية والألمانية وطبع ونشر عشرات المرات. وقد ذكر مؤلفات ابن سينا وطباعتها "القانون وغيره" ألبرت فون هيللر "A. V. Haller" في كتابين صدرا في سنتي "١١٨٥هـ/ ١٧٧١م" و"١٩٠هـ/ ١٧٧٦م" وبحسب تصنيف الأب قنوات بلغت آثار ابن سينا الطبية "٤٢" كتابا ورسالة وأرجوزة ومقالة كان آخرها أرجوزة طبية في المجريات، نظمها قبل وفاته بأربعين يوما، وتتألف من "٣٥" بيتا ومن ورقة واحدة١.
стр. 42
تميز ابن سينا باعتماده على الملاحظة والتجربة، كان أول من قال بالعدوي، ووصف التهاب السحايا، وعرف الدودة المستديرة "الأنكلوستوما" وميز بين أنواع اليرقان، ووصف السكتة الدماغية "الموت الفجائي" وأبدع "المرقد" أي المخدر، وأبدع "الزرقة" التي تعطي تحت الجلد ...
ومن تراث العرب الطبي موسوعة طبية "الحاوي" للرازي١ "ت ٣١٤هـ/ ٩٢٦م" وتدل مؤلفاته على الدقة والأمانة العلمية والمنهج العلمي السليم٢، وهو أول من طبق معلومات الكيمياء الحديثة على الطب، وقد طبعت مقالته عن الجدري أربعين طبعة باللغة الإنكليزية ما بين عامي ١٠٨٧-١٨٦٦م واستنار بهذه المقالة جميع الأطباء في مختلف أنحاء العالم.
عالم آخر هو ابن النفيس "ت ٦٨٧هـ/ ١٢٨٨م" كان من عباقرة أطباء التشريح، يقول المؤلف "رام لاندو" أن ابن النفيس يظهر في مؤلفاته الأصالة والتجديد، وقد سبق ميخائيل سرفيتوس الذي عاش في القرن السادس عشر، والذي ادعى أنه مكتشف الدورة الدموية الصغرى "الدورة الرئوية" وبقي علماء الطب يتداولون هذا الادعاء حتى القرن الحالي. وقد كان هذا الاكتشاف منسوبا إلى العالم الإنكليزي المشهور في حقل الطب وليام هارفي الذي ولد في عام "١٥٧٨م"، وذكر الأستاذ حيدر مات في كتابه "إسهام علماء المسلمين في الحضارة" أن اكتشافات ابن النفيس قد سبقت علماء أوروبا بثلاثة قرون، وأن كلا من سرفيتوس وكولومبوس وهارفي الذين وضعوا الدورة الدموية الصغرى قد اطلعوا على نظريات ابن النفيس في كتبه المترجمة، وتتجلى مآثره الطبية في كتابه "شرح القانون" ومن المؤسف أنه لم يطبع٣.
стр. 43
كانت كتب أبي القاسم الزهراوي "ت٣٨٤هـ/ ٩٩٤م" المصدر الهام الذي استقى منه من ظهر من الجراحين، بعد القرن "الرابع عشر"، كما يقول العالم الفيزيولوجي "هالر" وصف سحق الحصاة في المثانة التي أعدت اختراعا عصريا، وهو أول من ربط الشرايين لمنع النزف، على ما ورد في "دائرة المعارف البريطانية" وبهذا سبق "أمبروزا باري" بأجيال، وأول من وضع أصول علم الجراحة، وطبع كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" وهو دائرة معارف طبية وجراحية باللغة اللاتينية عام "٩٠٣هـ/ ١٤٩٧م" وقد قام "لوسيان لوكير" بنشره وهو أحد الكتب السبعة التي قام عليها العلاج والصيدلة في أوروبا.
ومن الجدير بالذكر أحمد بن الأشعث "ت ٣٦٠هـ/ ٩٧١م" وكتابه "الغازي والمغتذي" أقدم مخطوطة عربية طبية، وأحمد الطبري "ت ٣٦٦هـ/ ٩٧٦م" وكناشة أقدم ما كتب في الطب وقد وصف الشقيقة العينية، نشره، د. فؤاد سيزكين بالتصوير، والحسن القمري "ت ٣٩٠هـ/ ٩٩٩م" وقد وضع أقدم معجم طبي كما ذكر الدكتور سيزكين وكناش "غنى ومنى" وقد ترجم إلى اللاتينية كما يقول: "وستنفيلد" وذكره "لوسيان لوكير" "Leacher. L." وأمية أبو الصلت الأندلسي "ت ٥٢٩هـ/ ١١٣٤م" ويعتبره مؤرخو العلوم من عمالقة الطب في العالم، وهبة الله بن ملكا البغدادي "ت ٥٦٠هـ/ ١١٦٤م" معروف بأوحد الزمان، اهتم بالأمراض النفسية وعالجها بطريقة نال إعجاب علماء القرن العشرين حتى صارت نظرياته متواترة في هذا المجال بين أطباء العالم.
أما الفتوحات العلمية فإن الشرح يطول بنا إن توخينا استقصاءها، نذكر منها: استخدام أمعاء الحيوان في التقطيب، وعلاج داء السكتة، واستخراج الماء الأبيض "الكتاركتا" وإدخال الملينات في الصيدلة، والاهتمام بالأمراض النفسية في تشخيص الأمراض الباطنية وعلاجها، والكتابة في أمراض الأطفال، واستخدم الماء البارد في الحميات، وكشف البول السكري١ "الرازي" أما بالنسبة "لابن سينا" فمن فتوحاته العلمية، أنه كان صاحب الفضل في علاج القناة الدمعية، وتحديد أنواع اليرقان وبين شلل الوجه من مصدر في الدماغ، وبينه عن سبب محلي، وكان أول من شخص داء "الأنكلوستوما"، والمرض الناشئ منها المسمى بالرهقان "أو الأنكلوسفونا" وكشف بدقة أعراض حصاة المثانة السريرية و ...
стр. 44
المبحث السابع: العلم الحديث.. إحياء واجتهاد
أشرنا في موضع آخر إلى أن الفترة ما بين أول القرن الرابع عشر وأوائل القرن السابع عشر كانت فترة انتقال خرجت فيها أوروبا من العصور المظلمة لتدخل عصر العلم والتقانة والسيادة، بنتيجة جهود المفكرين وثمرة لأبحاثهم، ومن المؤكد أن الأمثولة الحضارية في العالم الإسلامي خلقت الحافز الأول عند الغربيين لتغيير نمط الحياة، ومن المؤكد أيضا أن هذا الأمر والأحداث التي رافقته تضافرا معا على الخروج بأوروبا من بحر الظلمات.
ظهرت خلال القرنين "الثامن عشر والتاسع عشر" حاجة جماهيرية إلى طلب المعرفة عن كل ما هو تقني وعلمي، وأطلق على طلائع العلم الحديث مصطلح "الثورة العلمية" "The Scientific Revolution" وكان أول من وضعه هو ألكسندر كواريه "Alexsandera Koyre" في عام "١٩٤٣"، إلا أن هذا المصطلح كان ولم يزل منذ وضعه مثار جدل ونقطة اختلاف لوجهات نظر عديدة.
كانت الفترة ما بين "٨٥٤هـ-١١١٢هـ/ ١٤٥٠-١٧٠٠م" فترة انقلابات فكرية
стр. 45
وتحديات للنظريات والأفكار التي كانت سائدة من قبل، ويرى هربرت بترفيلد "Herbert Butterfield" أن العلم طور جديد من المعرفة، أوجد اتجاها جديدا استوجب دراسات جديدة ومناهج مبتكرة لمعالجة ظواهر المجتمع ومشكلاته وأن أكثر ما يشدد بترفيلد في تصوره للعلم هو حدوث ثورة علمية أكيدة، كان لها أثرها في تغيرات جذرية في ميدان العلم نفسه، وفي تشكيل الحياة الاجتماعية ذاتها.
ولقد طرحت مذاهب شتى فيما يتعلق بأسباب حدوث الثورة العلمية أو أسس الثورات العلمية١، هل تتعلق بالتطورات التي حصلت على الصعيد السياسي وعلى ظهور دويلات، أم الصعيد الاقتصادي الذي أدى إلى انتشار المدن الكبرى والمناطق الحضرية "Urban" وبالتالي توسيع العلاقات التجارية الذي ظهر أثره واضحا على حركة الكشوف الجغرافية آنذاك، أو على الصعيد التقني وغير ذلك من مظاهر الحياة التي نقلت أوروبا من عصر إلى عصر، فهل تتعلق الثورة العلمية بهذه التطورات والاختراعات أساسا أم أنها تشكل ظاهرة منفصلة عن هذه الابتكارات؟ وما هي الخيرات التي تميز بها المفكرون والعلماء آنذاك وجعلتهم ينحون منحى جديدا، أدى إلى ظهور الثورة العلمية؟
لما كانت البدايات الأولى للثورة العلمية قد ظهرت في القرن "الخامس عشر"، فإن بعض المؤرخين راحوا يوازنون بين الثورة العلمية وبين ما يعرف "بعصر النهضة" "Renaissance"، ذهب البعض جاكوب بوركهارت "Jacob Burkhart" إلى أن "القرن الخامس عشر" كان بداية عهد لمخترعات جديدة، لكنه لم يشر إلى تطور أصاب العلم، وظهرت بعد ذلك كتابات تؤكد أن الثورة العلمية هي حصيلة اتجاهات جديدة في التفكير طرأت في عصر النهضة، لقد عمل المفكرون في ذلك العصر على نشر مخطوطات الأقدمين وتراثهم.
стр. 46
أما هانز بارون "Hans Baron" فقد أخذ بالأسباب السياسية، وأنها أدت إلى إذكاء روح البحث العلمي ودفع مسيرته، وأن الاتجاهات الاجتماعية والخلقية الجديدة أدت إلى إذكاء روح البحث العلمي وظهور العلم الحديث، ولدى بول أوسكار كريستلر "Paul. O. Kristeller" نجد أن التغيرات الحضارية المختلفة التي حدثت إبان عصر النهضة، كان لها أثرها على تطور العلم، حيث نظر الناس والمفكرون آنذاك إلى الفروض والنظريات العلمية السابقة، على عصرهم نظرة جديدة، أما أرنست كاسيرز "Ernest Cassires" فيرى أن إمكانيات الإنسان واتجاهاته الفكرية المتمثلة بقيامه بمناهج جديدة للملاحظة والاستقصاء إبان ذلك العصر كانت مظهرا من مظاهر النزعة الإنسانية "Humanis" التي امتد أثرها في عصر الثورة العلمية.
أما المنحى الاجتماعي فقد أكد على أهمية العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة آنذاك فكان من أبرزهم كارل ماركس "Karl Marx" وفريدريك إنجلز "F. Engels" وعمل على تطوير أفكارهما ماكس فير "M. weber" وجورج زيمل "G. Simmel" في النصف الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين، وكذلك إدجار زلزل "Edgar Zilsel" الذي أكد على العلاقة الوطيدة القائمة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية من ناحية والنواحي الفكرية التي تشيع في المجتمع من ناحية أخرى.
أما وولتر أونج "W. G. ONG" فقد ذهب إلى أن اختراع الطباعة وما أدى ذلك إلى انتشار واسع للكتب والمؤلفات أجبر الناس والمفكرين على انتهاج منهج جديد في تفكيرهم الأمر الذي أدى إلى الثورة العلمية، بينما يرى كروثر "J. G. Grouther"١" أن الثورة العلمية ترجع بالأساس إلى العلاقة الوطيدة بين الفكر البرجوازي والعلم، نرى أن لين وايت الصغير L. White, JR"٢" كتب حول العلاقة الوطيدة بين التكنولوجيا
стр. 47
والعلم، ومن المحدثين الذين أسهموا في هذه الدراسات كرومبي "G. Grombie A" أما أرنست مودي Ernest Moody"١" فإنه يظهر متحفظا حول فكرة الإسهام المباشر لمفكري العصور الوسطى في الثورة العلمية وتطور العلم الحديث.
وهكذا ذهب مؤرخو العلم مذاهب شتى في تفسير ظاهرة الثورة العلمية، وجملة الظروف التي أحاطت بها وأظهرتها، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل من الممكن أن يكون الاختلاف حول الأفكار التي طرحها المفكرون لتلك الظاهرة اختلافا ظاهريا فقط، أم أن التباين بين آرائهم تباين حقيقي وعميق إلى حد كبير؟ وهل من وسيلة يمكن من خلالها استقطاب الأفكار المختلفة وصهرها في بوتقة توالف فيما بينها؟
نذكر في هذا الشأن نظرية توماس كون "Thomas Kuhn" حول أسس الثورات العلمية ومفهومها، وقد أثارت منذ أوائل الستينات وما تزال ضجة كبرى في أوساط الفكر العلمي وفلسفته، فهو يرى أن النقلة من العلم العادي "Normal Science" وهو العلم الذي كان شائعا بين العلماء في عصر من العصور، إلى منحنى جديد وتصورات جديدة واعتماد أسس مختلفة للعلم يحدث ما يطلق عليه "كون" اصطلاح "الثورة العلمية" وأن هذه الثورة ما تزال في مراحلها الأولى فهي عملية ليست سهلة، إنها ديناميكية وتتسم بعلاقات متشابكة.
ونشير إلى أن أكثر الاكتشافات التي شهدها عصر الثورة العلمية لم تقم على ملاحظات جديدة أو استخلاص معلومات كان السابقون يجهلونها، بل كانت تعتمد على اتجاه خاص في النظر إلى الأمور، أي اتجاه محدد للتفكير، وزوايا جديدة يرصد بها الظاهرات القديمة، أي أن الثورة العلمية هذه نشأت واتصلت حلقات مسيرتها بفضل نظرة خاصة واتجاه محدد في التفكير تجاه الأشياء، دأب الفلاسفة والعلماء على التمسك به والإخلاص له، وليس من المستبعد قيام نظريات علمية جديدة في المستقبل القريب أو البعيد لتحل محل نظريات عصرنا، فيكون هناك فكر جديد يقوم على أكتاف فكر مضى، وهو نفسه فكر هذا العصر الذي نعيش فيه.
стр. 48
لقد ذكر وليام هيويل "william wh" أحد المؤرخين الأولين، في كتابه الذي صدر في عام "١٢٥٣هـ/ ١٨٧٣م" أنه لما كانت مسيرة العلم تجسد حلقات أو أزمنة يحيا فيها العلم وينتعش بعد جمود، فإن العلم يزدهر بطبيعة الحال خلال فترات أطلق عليها اسم الفترات الاستقرائية "inductive Periods"، أما فترات الجمود "Stagnation Periods" فإنها هي التي تفصل بين فترتين استقرائيتين على امتداد الزمن، ويرى هيوبل أن أول فترة استقرائية هامة حدثت في عهد اليونان القدامى، أعقبتها فترة جمود تعرف بالعصور الوسطى، ونحا منحى هيويل الباحث الأمريكي والمؤرخ الشهير الذي عاش في القرن "التاسع عشر"، أندريه ديكنسن وايت "Andrew D. White" وكان التفسير الذي جاء به وايت أقرب إلى الخطأ منه إلى الصواب، وأن مجرى الأحداث في مسيرة العلم واضطرادها يشهد أن عكس ما زعم به وايت كان صحيحا، وهنا نؤكد على أن الكتاب الغربيين يتجاهلون دور العرب في تطور وتطوير العلوم منهجا ومضمونا، فإذا كان هيويل يرى أن فترة الجمود هي العصور الوسيطة، فأين هيويل من النتاج العلمي للعرب الذي يعتبر جذرا أصيلا للثورة العلمية التي حدثت فيما بعد كما ذكرنا آنفا.
لقد ذهب المؤرخون إلى البحث عن العوامل الداخلية والخارجية التي أظهرت أو ساعدت على إظهار النظريات في الماضي، فقد عالجوا في دراساتهم للعوامل الخارجية الأوضاع الاجتماعية والفكرية والاقتصادية التي سادت آنذاك، مما يكون له أثر كبير على اتجاه العلماء في تلك الفترة اتجاها محددا، وظهورهم على الناس بنظريات معينة، فيما أشار المؤرخون الذين نظروا بإمعان في الظروف أو "العوامل الداخلية" التي عملت على إبراز نظريات عصر الثورة العلمية أشاروا إلى العوامل التي تتصل اتصالا وثيقا بطبيعة العلم نفسه وتطوره على مر الزمن، ويبدو أن بدايات القرن "العشرين" شهدت مناصرة وتعاطفا مع أصحاب النظرة الخارجية، وكذلك شهدت النظرة الداخلية مؤيدها، وأصبحت تقف جنبا إلى جنب مع أصحاب النظرة الخارجية.
стр. 49
الفصل الثاني: الباحث والبحث العلمي
المبحث الأول: قراءة تاريخية
يصعب تتبع تاريخ البحث العلمي بالتفصيل، ومن الصعوبة بمكان أن نحدد بوضوح النقطة التي كانت بداية البحث العلمي في التاريخ الإنساني، وما نستطيع ذكره هو بعض معالم التطور والنشاط في هذا المجال، وجدير بالإشارة أن أسس التفكير والبحث العلمي استغرقا عدة قرون، ولا بد للباحث أن يكون على معرفة بالميدان بالنسبة للوضع الراهن وبشيء من الوعي التاريخي بالمسارات التي أدت إلى هذا الوضع.
ونورد هنا ثلاث لمحات خاطفة تتناول أولاها البحث العلمي في العصور القديمة، ونعرض في ثانيتهما البحث العلمي في العصور الوسطى، ونبين في ثالثتهم البحث العلمي في العصور الحديثة.
العصور القديمة: هي الفترات التي عاش فيها المصريون القدماء والبابليون واليونان والرومان، كان اتجاه تفكير المصريين اتجاها عمليا تطبيقيا لتحقيق غايات نفعية، إلا أنه كان متصلا بالآلهة والخلود ويوم الحساب، وقد قادتهم خبرتهم العلمية المتكررة إلى أمور كثيرة، ولا مجال هنا لذكر جميع معارفهم١.
стр. 50
استفاد علماء بابل من التراث المصري القديم، وباعهم طويل في علمي الرياضيات والفلك، انتحل منهم علماء اليونان النظريات الهندسية منها نظرية "فيثاغورث"، ولا مجال لاتساع أكبر في ذكر معارفهم ونكتفي بالقول: إن الحضارتين المصرية والبابلية دامتا حوالي "خمسة وثلاثين قرنا".
أخذ الفكر الإغريقي عن الحضارات القديمة، وكانت حضارتهم امتدادا للحضارتين المصرية والبابلية، وأحرزوا تفوقا عظيما في مبادئ البحث، واعتمدوا اعتمادا كبيرا على التأمل والنظر العقلي المجرد، ولعل هذا ما دعا براتراندرسل إلى القول: إن فلسفة اليونان كانت تعبر عن روح العصر وطبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه١.
اهتم اليونان بالمدارس العلمية، نذكر منهم "طاليس" "٦٢٤-٥٤٦ ق. م" "وفيثاغورث" حوالي ٥٧٢-٤٩٧ ق. م" وتلميذه "هبوقراط"، و"أفلاطون "٤٢٩-٣٤٩ ق. م" الذي أسس الأكاديمية الأفلاطونية التي كانت تهتم بجميع فروع المعرفة، "وأرسطوطاليس" "٣٨٤-٣٢٢ ق. م" الذي وضع المنهج القياسي أو الاستدلالي، وفطن إلى الاستقراء، ودعا إلى الاستعانة بالملاحظة، ولكن الطابع التأملي كان غالبا على تفكيره و"إقليدس" "٣٣٠-٢٧٥ ق. م" و"أخميدس" "٢٨٧-٢١٢ق. م" الذي ابتكر نظرية الوزن النوعي٢ و"أبو لونيس" "٢٦٠-٢٠٠ ق. م" و"استرابون" وعاش حوالي "٢٠ق. م" وقد طور الجغرافية كعلم، و"بطليموس" "٨٧-١٦٥م" وجاء كتابه "دائرة معارف فلكية"٣، وقد وضع أول نظرية ملائمة عن الكواكب، وكانت خطوته هذه خطوة هامة في طريق البحث العلمي، وفي سنة "٢٥٠ بعد الميلاد" ولد ديوفانتس وكان من كبار علماء الرياضيات وقد ورث عن علماء بابل المعادلات الجبرية.
стр. 51
أما بالنسبة للفكر العلمي عند الرومان، فقد كانوا ورثة المعرفة اليونانية، وكان إسهامهم يتركز في الممارسة العملية أكثر من متابعتهم للمعرفة ذاتها، وكان الرومان صناع قوانين ومهندسين أكثر منهم مفكرين متأملين، ويعود إليهم تحديد الأبراج١.
تشمل العصور الوسطى وما يلها حتى العصور الحديثة "ويطلق عليها العصور الوسيطة" الفترة التي ازدهرت فيها الحضارة العربية الإسلامية، بين القرنين "الثامن والحادي عشر الميلاديين"، وفترة عصر النهضة في أوروبا٢، يسمي الأوروبيون العصور الوسطى بالعصور المظلمة، لكنها كانت في الشرق هي العصور الذهبية، عصور الإنتاج الغزير، والقيادة الحكيمة لدفة الحياة، لا في العالم الإسلامي وحده، ولكن في الصين أيضا والهند، وسوف نعود للعصور الوسطى في موضع آخر.
في هذه القرون الأربعة ظهر في العالم الإسلامي عدد كبير من الأئمة والعلماء والفلاسفة والمؤرخين ومن الكتاب والأدباء واللغويين، وتركوا من الآثار ما كان الأساس الذي نقل إلى الغرب فبنى عليه الغرب الفكر الذي أفضى إلى الحضارة المعاصرة والفكر المعاصر.
بلغ الإنتاج الفكري العربي أوج عظمته في القرنين "العاشر والحادي عشر"، بينما كان الغرب سادرا في جهالته، وفي القرنين "الثاني عشر والثالث عشر" انتشرت في أوروبا الرشدية، وكان من جراء ذلك أن وضع توما الأكويني مدرسته، التي فتحت نافذة على العقل، وقام روجر بيكون يدعو إلى بناء العلم على التجربة والخبرة المتزايدة.
стр. 52
كانت الفترة ما بين أول القرن "الرابع عشر وأوائل القرن السابع عشر" بالنسبة لإيطاليا وأوروبا الغربية فترة انتقال خرجت فيها أوروبا من عالم العصور المظلمة، وجمعت قواها علما ووعيا، ومواصفات اجتماعية واقتصادية وسياسية لتدخل بقوة العصر الحديث، "عصر التكنولوجيا".
لقد وقع في هذا العصر أحداث منها ابتكار المطبعة المتحركة، ودعوة صارخة للتجديد في أساليب التعليم، وترجمة الكتاب المقدس ونشره بين الناس لكن اللاتينية بقيت لغة العلم إلى منتصف القرن "السابع عشر"، وكانت النهضة ذات متناقضات كثيرة: فمن الأحداث التي جرت حركة الإصلاح الديني، ووضع كوبرنيكوس نظرية فلكية استوحاها من ابن الشاطر الدمشقي، ورحلات الاستكشاف التي بدأها برتلوميودياز "سنة ٨٩٤هـ/ ١٤٨٨م" وتبعه كريستوف كولومبوس "سنة ٨٩٨هـ/ ١٤٩٢م" وفاسكودي غاما "٩٠٤هـ/ ١٤٩٨م" ثم ماجلان "ت ٩٢٥هـ-٩٢٩هـ/ ١٥١٩-١٥٢٢م".
تبدأ العصور الحديثة: منذ القرن "السابع عشر" حتى وقتنا المعاصر١، وفي هذه الفترة اكتملت دعائم التفكير العلمي في أوروبا، أو كادت، وبدأت هذه الخطوات على يد الكثيرين منهم "فرنسيس بيكون" و"جون ستيورات ميل"، و"كلودبرنارد" وتعود مسيرة البحث العلمي إلى التجارب التي أجراها جاليليو "Galileo" في الفيزياء في أوائل القرن "السابع عشر"، ويرى الغربيون أن هذا العصر قد توج باكتشاف اللوغاريتم والدورة الدموية، وفصل قواعد المنهج التجريبي وخطواته من خلال نظريات فرنسيس بيكون، وظهور بويل كأب للكيمياء الحديثة، وأفكار نيوتن الرياضية في القرن "الثامن عشر"، وأخذ الغرب بالموضوعية في الحقول العلمية على الأقل، وقد بدأ
стр. 53
بحثه العلمي بالرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، ووضع في القرن "الثامن عشر" ما يسمى "بالموسوعة العلمية" في فرنسا.
لقد بدأت طلائع التكنولوجيا ممثلة بما سموه "الثورة الصناعية"، وازدهرت علوم الجيولوجية والبيولوجية كميادين جديدة للدراسة والبحث والعمل، وبدأت دراسة علم الآثار وعلم النفس وعلم دراسة الجمجمة، خلال القرن "التاسع عشر"، كما شهد هذا القرن تداولا واسعا للكتب القيمة، ترافقها حرية في النقد وإبداء الرأي، كما صنع الغرب الآلة البخارية، ونما علم الاقتصاد، وكان رائدة آدم سميث "١١٣٦-١٢٠٥هـ/ ١٧٢٣-١٧٩٠م" ونمت علوم أخرى كثيرة، وفيه صارت أوروبا دولة صناعية، اتسع رخاؤها ونمت ثروتها. وما يهمنا في مجال هذا البحث أن رسخت المنهجية العلمية، لا في البحث العلمي فقط، بل في جميع دروب الحياة، حتى وجدنا أن النمو الملحوظ في التكنولوجيا وفي جميع عناصر الحضارة المعاصرة يمكن أن يعزى إلى حد كبير إلى استخدام البحث العلمي. وفي هذا المجال نشير إلى قول غوستاف جرونيباوم:
إن ابن المعتز أول مسلم فكر في العلم بوصفه واجبا، لا بد من مواصلة التمكن منه باطراد وبوساطة تعاون أجيال متعاقبة من العلماء١، وفي شأن احترام العلماء ننظر إلى السكاكي "ت ٦٢٧هـ/ ١٢٢٩م" وقد جنح أصلا إلى العلم، لما شهده من التشريف الذي كان يحظى به العلماء الكبار٢، ونشير إلى قول الأحنف بن قيس "ت ٧٢هـ/ ٦٩١م": "كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل مصيره".
أما التطورات الخاصة باستخدام الكيمياء الحيوية والبكتريولوجيا في دراسة المشكلات الطبية واستخدام أفكار جديدة في الفيزياء والوصول إلى تحطيم الذرة ...
стр. 54
هذه كلها قد تمت إلى حد ما خلال القرن "العشرين"، وأصبح شيء واحد يقلق الغرب هو هذا السلاح المدمر الذي تفنن التكنولوجي في صنعه وتجديده وتطويره.
يهمنا العودة إلى العصور الوسطى، حيث نجمع في مجال تراثنا المخطوط بين التاريخ والإنجازات والمنهج بهدف توضيح جوانبه، والكشف عن دوره في الحضارة المعاصرة، كان الاهتمام العلمي لدى العرب يشمل كل شيء. وكان هدفه الإحاطة بخلاصة كل ما يستطاع بلوغه من المعرفة، وكان العرب يبدون إرشادا أعظم وتعقلا أمتن في اختيارهم لما يدرسون من أمور١. مما أوضحناه في موضع آخر.
стр. 55
المبحث الثاني: الباحث العلمي وخصائصه
يعرف الباحث العلمي بأنه هو المخطط والمنظم والمنفذ والموجه لمختلف مراحل البحث العلمي، وصولا إلى النتائج العلمية والمنطقية، وبهدف الوقوف على دوره في البحث العلمي نتناول جانبين هامين:
١- الإعداد.
٢ الصفات الشخصية.
١- الإعداد "Formation"١: ويشمل التدريب الفكري والفني واكتساب خبرة العمل، فعلى الباحث المتدرب أن يدرس عددا من العلوم المحددة كي يتمكن من العمل
стр. 56
على النحو المناسب كباحث علمي، ولا يمكن أن يعتبر تدريبه مكتملا حتى يكتسب قدرا من المهارة في عدد من التقنيات، ومن أمثلة ذلك التعبير عن الأشياء بلغة الرموز، والقدرة على معالجة العلاقات القائمة فيما بينها، وصياغة ومعالجة الأفكار بلغة صورية، وتقويم مدى صحة هذه العمليات، ومعالجة البيانات وفهم مدلولها، وتعميم التجارب في صورة تفضي إلى نتائج هامة متميزة، ثم عرض الأعمال التي اضطلع بها الآخرون في الماضي والعمل الذي يضطلع به الباحث نفسه في الحاضر، كجزء من عملية تتحقق على مراحل، وترمي إلى إثراء وتنمية مستقبل المعرفة وتطبيقاتها، وأن يكون الباحث العلمي قادرا على التعبير عن نفسه بطلاقة وبشكل جذاب، بوساطة الكتابة في المقام الأول، ويضاف إلى ذلك أن المعرفة الجديدة، لا يمكن أن توجد على نحو مقالي ما لم تصبح بوساطة النشر جزءا من الذخيرة المعرفية المشتركة والمتاحة للجميع.
٢- الصفات الشخصية:
- الخيال والأصالة: عنصران لا غنى عنهما للإبداع وإن كان هناك عدد مثير للدهشة من العلماء الذين لا يعتقدون أن للأصالة أهمية في البحث، وقد حدد "مداوار" بإيجاز وظيفة الأصالة والخيال والإبداع في العملية العلمية كما يلي: كل اكتشاف وكل توسع في الفهم يبدأ كتصور خيالي قلبي، لما قد تكون عليه الحقيقة، ينشأ كتخمين مهم يصدر من داخل النفس، وهناك صفة أخرى من نوع مختلف تماما، لا يمكن بدونها أن تتحول صفتا الأصالة والخيال إلى الإبداع والإنجاز وهي:
- المثابرة: ومثال مشهور للمثابرة نجده عند كل من ماري وبيير كوري "mary and Piere Curie" في اكتشاف عنصرين هما الراديوم والبولونيوم، ومن تراثنا العربي تتعدد الأمثلة.
- سمة أخرى يجب أن تتوافر هي حب العلم: فهو الزاد الأساسي الذي يعين الباحث على التقدم في بحثه والوصول إلى نتائج سليمة.
стр. 57
- سعة الأفق: وتشمل قدرة الباحث على الاعتراف بأنه من الممكن أن يكون على خطأ، وقد يؤدي الافتقار إلى هذه القدرة إلى الغرور أو الرضا المفرط عن النفس، وترتبط بسعة الأفق ارتباطا وثيقا قدرة الباحث على:
- نقد الفكرة أو العمل، سواء كان له أم لغيره، فقد يتوافر فيه الوعي والعقلانية والتجرد عن الهوى ويتطلب مثل هذا النقد:
- من التواضع ما يحول دون المبالغة في التقدير ما يسلم به مقدما من فروض ذات طابع شخصي كما يتطلب القدرة على طرحها جانبا حتى يمكن اتباع الفروض التي يسلم بها باحثون آخرون، في نفس المجال وحينئذ يعتمد البحث العلمي على:
- الحصافة: والتحلي بصفات متضادة، فعلى الباحث العلمي أن يعبر عن فرديته، ولكن عليه أيضا أن يفعل ذلك في إطار الأوضاع الاجتماعية السائدة، وقد كتب جارفيلد "Garfield" قائلا: إن الاتصال وهو هنا يشمل عملية التدريس والتفاعل هما جوهر التقدم العلمي وعليه فوق ذلك أن يكون:
- ذا جاذبية علمية مؤثرة، تشعر القارئ معه أنه يقوده إلى الحقيقة بالمنطق والعلم والتأثير، وأنه إن جادل بالحق، ونشير إلى خصيصة هامة وهي:
- الأخلاقية: وأهمها الحياد الفكري والأمانة في الاقتباس وعدم القذف والمهاجمة لعلماء آخرين، والاعتراف بفضل السابقين والمعاصرين والمسارعة إلى تصحيح الأخطاء بروح رياضية لا بدافع الشهرة والمجد حتى لا يفقد البحث مغزاه الأساسي من هدف واتجاه.
- الحذر، ونوعية التجرد والنزاهة تعتبر جزءا من هذا الحذر، ومن مصادر الحذر الإغراء أثناء فترة إجراء التجربة لرفض أو عدم تسجيل للقياسات التي لا تتفق مع فكرة مكونة سلفا عما يجب أن تكون عليه تلك المقاييس، ونشير إلى مصدر آخر رئيس للحذر في جميع البيانات يطلق عليها "خطأ اختيار العينة" كاختيار الحصاة مضللة عن المجموعة الكبيرة من أنواع صخور الشاطئ.
стр. 58
- عدم التحيز: فالبحث يتضمن عنصرا لجميع البيانات لتحليلها من أجل صنع القرارات، أو للتنبؤ بأحداث المستقبل، لكن من واقع أمثلة من البحوث أساسا، ظهر مدى أهمية مجموعة واسعة التنوع يمكن أن تؤثر أو تسبب التحيز في كل من البيانات النوعية أو الكمية، كما هو الحال في بحوث السوق، حيث أن السن والجنس والطبقة الاجتماعية أو الوظيفة قد تؤثر على مواقف الفرد السياسية والاجتماعية وأفضليات الشخصية.
ونضيف أن الحقيقة المطلقة بعيدة، مما يدعو الباحث إلى الحوار والنقاش وأن تكون الفكرة التي يطرحها مما يقبله العقل.
ما ذكرناه من صفات ليست نادرة، ولا تقتصر على المشتغلين بالبحث العلمي، لكن استخدامها على نحو فعال، يطلب أكثر ما يطلب في مجال البحوث العلمية، وهو أمر ثابت تاريخيا، كما لاحظ "جارفيلد" أيضا أنه إن ما حدث من تقدم في الطب والعلوم إنما جاء نتيجة لجهود الباحثين الذين جمعوا العقلية العلمية والتي تجمع بين التدريب وحب الاستطلاع، بين الخبرة والحدس بين الموضوعية المجردة من الهوى والاهتمام، بين المنطق الاستنتاجي والتجريب الإحصائي، بين النظرة الديناميكية، المتطورة التي تهدف إلى ما هو أمثل وأصلح وأكمل.
إن سمات العقلية العلمية يفرقها المنهج العلمي، وقد مر الفكر الإنساني بمراحل حتى بلغ هذا المنهج، وقد مر الفكر الإنساني بمراحل حتى بلغ هذا المنهج ومستلزماته، فهو نتاج قرون طويلة من التجربة، ونذكر في هذا الشأن قول نيوتن: "إذا كنت قد رأيت أكثر مما رأى معظم الرجال فذلك لأنني وقفت على أكتاف عمالقة"١، اعترافا منه بفضل من سبقه في مجال البحوث العلمية والآراء والنظريات التي طرحوها والتي أدت إلى النهوض بالفكر الإنساني وبلوغه مستوى لا يزال آخذا بالتطور.
стр. 59
ومن منطلق الاهتمام المتزايد بالبحوث العلمية من قبل الدول وبخاصة المتقدمة وإدراك الدول النامية لأهمية البحث العلمي في دراسة مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وفي التخطيط للتنمية القومية في شتى المجالات، ومن مظاهر هذا الاهتمام زيادة الاهتمام بالإنسان الذي يقوم بتنظيم وتوجيه مراحل البحث العلمي، والعمل على تكامل الصفات التي وردت أعلاه، وتهيئة المناخ المناسب لأسلوب العمل، مما يتطلب الزيادة المطردة فيما يخصص للبحث العلمي من أموال في الميزانيات القومية وميزانيات المؤسسات العلمية والإنتاجية، ومنها أيضا إنشاء وزارات ومعاهد ومراكز ومجالس قومية متخصصة للبحث العلمي١، وتشجيع العلماء والباحثين وتوفير أدوات وأجهزة البحث الحديثة، رغم ذلك فإن البحث العلمي يحتاج إلى أكثر من ذلك كله، يحتاج إلى الكوادر العلمية والفنية الممتازة من الباحثين في المجالات التخصصية المختلفة٢، وتقع على الجامعات وبخاصة في فروع وأقسام الدراسات العليا مسئولية تربية هذه الكوادر، ومن هنا أصبحت دراسة مناهج البحث جزءا لا يتجزأ من تربيتهم وبرامج دراستهم.
стр. 60
المبحث الثالث: خصائص البحث العلمي "Characteristics of Scientefic Research":
تعريف: لعل تعريف البحث أسهل من تعريف العلم، رغم ذلك لم يتفق العلماء والباحثون العلميون على تعريف واحد موحد، فكلمة "بحث"١ غير محددة، متعددة الوجوه، تتسم بالمرونة مثل العقل تستخدم في هذه الأيام لوصف كثير من الأنشطة، التي يبدو للوهلة الأولى أن لها روابط ظاهرية قليلة فيما بينها، أو بينها وبين العلم، ولها أيضا عدد من الروابط الأخرى، مما يثير غضب العلماء من ذوي الخبرة.
والاختلاف واسع الانتشار في استخدام كلمة "بحث" يوحي بتعدد التفسيرات الممكنة، ينحصر إحداها في أولئك الذين يعتقدون أنهم يستخدمون الكلمة بمعنى صحيح وحصري وهم أقلية محدودة، وعلى كل حال فإن تحليل جميع التعاريف والاستخدامات السارية فيما يتعلق بكلمة "بحث"، أمر يتجاوزه الحيز المتاح، ومن خلال استعراضنا لتعاريف متعددة لكلمة "بحث" نستطيع أن نميز بعض الخيوط أو العناصر العامة.
إن الفعل "RESEARCH" "يفيد البحث" يعني ينشد ثانية، أو يفحص الشيء ثانية بعناية، أما الاسم "بحث" فيعرف عادة بأنه التقصي بعناية، وبخاصة الاستقصاء المنهجي في سبيل زيادة مجموع المعرفة، الذي يزداد بإضافة معرفة جديدة.
والبحث في اللغة كما يقول ابن منظور: "البحث طلبك الشيء في التراب والبحث أن تسأل عن شيء وتستخبر"٢ وعند الجرجاني "البحث لغة: هو التفحص والتفتيش، واصطلاحا: هو إثبات النسبة إيجابية أو سلبية بين الشيئين بطريق الاستدلال"٣ ومعنى اصطلاحي آخر يقول: "طلب الحقيقة وتقصيها وإشاعتها بين الناس" وقد ذكر المؤرخ التركي المعروف "حاجي خليفة" في كتابه "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" أن التأليف والبحث لا يخرج عن أن يكون في سبعة أنواع، ونصت عباراته الشهيرة: "التأليف في سبعة أنواع" لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي:
١- إما إلى شيء لم يسبق إليه فيخترعه.
стр. 61
٢- أو شيء ناقص يتمه.
٣- أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه.
٤- أو شيء متفرق فيجمعه.
٥- أو شيء مختلط يربطه.
٦- أو شيء مغلق يشرحه.
٧- أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه١.
أما في المصطلح العلمي، فقد تعددت معاني البحث فهو: "تقرير واف يقدمه باحث عن عمل أتمه وأنجزه، بحيث يشمل هذا التقرير كل مراحل الدراسة منذ كانت فكرة حتى صارت نتائج معروفة، مدعمة بالحجج والأسانيد" وتعريف آخر "البحث هو التنقيب عن حقيقة ابتغاء إعلانها دون التقيد بدوافع الباحث الشخصية أو الذاتية إلا بمقدار ما يفيد في تلوين البحث بطابع الباحث وتفكيره ويعطيه روحه التي تميزه عن غيره"٢ وآخر "محاولة صادقة لاكتشاف الحقيقة بطريقة منهجية وعرضها بعد نقص دقيق ونقد عميق، عرضا ينم عن ذكاء وفهم، حتى يستطيع الباحث أن يقدم لمعرفة لبنة جديدة ويسهم في تقدم الإنسانية٣ وأيضا "البحث العلمي هو البحث النظامي والمضبوط والخبري "Empirical" في المقولات الافتراضية عن العلاقات المتصورة بين الحوادث الطبيعية٤ و"البحث استقصاء منظم يهدف إلى إضافة معارف يمكن
стр. 62
توصيلها والتحقق من صحتها عن طريق الاختبار العلمي، ونستطيع أن نجمع مضمون ما ذكرناه من التعاريف السابقة بما يلي:
"البحث العلمي هو نتاج إجراءات منظمة ومصممة بدقة من أجل الحصول على أنواع المعرفة والتعامل معها بموضوعية وشمولية، وتطويرها بما يتناسب مع مضمون واتجاه المستجدات البيئية الحالية والمستقبلية"١، ولا بد لنا من التأكيد على نقطتين هامتين:
إن البحث العلمي نظامي ومضبوط، وإن البحث العلمي خبري، أي أن ما يحصل عليه الباحث العلمي يكون موضع اختبار، مما لا يسمح للباحث التساهل بالدقة والصحة والموضوعية في كل ما يصل إليه من نتائج.
عن ما يميز البحث العلمي عن الأنشطة الأخرى خصائصه، ورغم أن جميعها تشترك في خاصتي جميع الحقائق والبيانات وتبليغها، إلا أن الاستقصاء العلمي يهتم ويتسم بمجموعة من الخصائص والسمات٢ هي:
١- الموضوعية "Objectivity": الموضوعية في البحث والموضوعية في عرض النتائج، ورغم أنها حديثة على الفكر العالمي، إلا أنها أهم خصائص البحث العلمي، فالبحث العلمي يجب أن يكون منزها عن الهوى الذاتي، وأن تكون غايته الأولى الدخول إلى الحقيقة واكتشافها، سواء اتفقت مع ميول الباحث أم لم تتفق، ونشير بتحفظ إلى أن
стр. 63
البحث رغم أنه لا يستطيع أن يتخلى عن الذاتية التي تتجلى في أثر الباحث، والتي تجدد نوع الإبداع والابتكار، وتعطيه طابع أسلوب الشخصي فإن الصفة الموضوعة تلك التي تتجلى في تطبيق الوسائل العلمية على البحث، واستخدام المادة واستقرائها ومعالجتها بالتنقيب والتحليل والموازنة بذكاء وفهم، لتقود الباحث إلى الحقيقة المنزهة عن الهوى المؤيدة بالحجج والأسانيد، وجميع البحوث على الرغم من تنوع حقولها علمية كانت أم اجتماعية أم فنية أم أدبية، لا بد أن تسير في تحقيق أهدافها على الأسلوب الموضوعي المنهجي، فهي واحدة في جوهرها.
٢- التكرار والتعميم: "Repetition" يهتم الاستقصاء العلمي في المقام الأول بالتعميم وتعريف الخصائص العامة، وأنماط السلوك المشتركة بين الأشياء والأحداث التي تتم ملاحظتها على انفراد بشكل موضوعي، وأن تكون تجربة الملاحظة قابلة للنقل للآخرين، أي أن تكون معرفة متبادلة بين الأشخاص ويعني التكرار إمكانية الحصول على نفس النتائج تقريبا، إذا تم اتباع نفس المنهج العلمي، وخطوات البحث مرة أخرى وفي ظروف وشروط موضوعية وشكلية مشابهة، والتعميم نوعان، أما بالنسبة للخصائص التي تتيح تصنيف الأشياء أو العلاقات القائمة بين الخصائص أو قد يكون التعميم والتكرار مستقلين تماما عن الزمن والمكان والفرد الملاحظ.
٣- الخصائص والتصنيف: نقصد بالخصائص الشيء المركب من الملاحظات السابقة والأسباب تتصل دائما بالخصائص النوعية للأشياء أكثر من صفاتها الكمية، أما التصنيف: فهو إضفاء المنهجية الواعية على نزعة الجدولة والتعميم، والذي توضح فيه الأسباب جمع الأشياء المتشابهة، ويتراوح التصنيف بين العناصر المكونة للأشياء "البللورات" إلى التصنيف العملي "المنهجي" وتصنيف الأمراض، إلى التصنيف المستحيل تقريبا، مثل تصنيف السلوك الإنساني، ويمكن أن يسبب التصنيف النظري عددا من المشكلات وعلى سبيل المثال: نجد أن تصنيف الصخور يقع في ثلاثة أنواع رئيسة:
стр. 64
الصخور النارية والصخور الرسوبية والصخور المتحولة، ولكن ماذا عن تدفقات الحمم النارية، وهي بركانية الأصل، لكنها تتواجد بين طبقات رسوبية أخرى.
٤- بيان الاختلافات والضوابط: القياس الكمي والمعابرة، على الباحث العلمي أن يحاول بيان الاختلافات القائمة بين الأشياء، وقد تكون هذه الاختلافات نوعية أو كمية، ويتطلب قياس الاختلافات أولا وجود آلة القياس والتقدير الكمي الفعلي لهذه الاختلافات، وثانيا توافر معايير مشهود بدقتها، وتوضح المعايرة التفاعل بين التقانة والنظرية والحاجة الاجتماعية، وهو الذي يؤدي إلى مختلف صور التقدم للجمعيات العلمية ولهذه وللأنشطة الحكومية دور هام في هذا المجال، ولقد أصبح من الضروري وجود معايير مقبولة على الصعيد الدولي، وتشترك الهيئات العلمية الموجهة إلى الفروع العلمية المتخصصة بالإضافة إلى منظمات عامة "الإكسو" في مثل هذه الأعمال الأساسية للتوحيد القياسي الخاص بفروع علمية معينة، وربما الباحث العلمي العادي أقل دراية بالكثير من هذا النشاط، ومثال جيد لأحد المجهودات الدولية في مجال التوحيد القياسي هي منظمة "الصحة العالمية" و"الاتحاد الدولي لمكافحة السرطان"، عن معايير تشخيص الأمراض الخبيثة وتصنيفها وتحديد مراحلها.
٥- اليقين: ونقصد به استناد الحقيقة العلمية على مجموعة من الأدلة الموضوعية المقنعة، وهي صفة ترتبط بالتعميم، واليقين العلمي هو اليقين المستند إلى أدلة محسوسة، وهو ليس مطلقا لا يتغير، لأن العلم لا يتسم بالثبات ولا يعترف بالحقائق الثابتة فالحقيقة العلمية هي حقيقة نسبية لا مطلقة تتبدل وتتغير أثناء تطورها، لكنها حقيقة موثوقة.
٦- تراكم المعرفة: ونقصد بذلك أن يستفيد الباحث ممن سبقه من الباحثين، فيكمل الخطوات الصحيحة ويوسع النطاق، من نهاية ما توصل إليه غيره، وبهذا فإن المعرفة العلمية ترتفع عموديا، وكل معرفة علمية جديدة يؤخذ بها وتصبح سابقتها في صف النسيان، لهذا فإن الحقيقة العلمية حقيقة نسبية ترتبط بفترة زمنية معينة، تتطور ولا
стр. 65
تقف عند حد معين، كما لا يرتبط بباحث معين، فهي ليست ذاتية بل موضوعية تفرض نفسها على كل العقول.
٧- البحث عن الأسباب: وهو عامل هام في فهم الظاهرات المدروسة، ولمعرفة الأسباب أهدافه نظرية وأخرى عملية، وهذه هي بذاتها أهداف العلم، ويتم فهم الظاهرات بمعرفة الأسباب وعوامل النشوء والتطور، بهدف الضبط والتأثير والزيادة أو النقصان، وبالتالي التحكم بالظاهرة وإخضاعها للتجربة والتعديل والتطوير.
يبحث العلم عن الأسباب المباشرة، والبحث عن الأسباب يعمل على إرضاء حب الإنسان للاستطلاع والمعرفة والفهم، وزيادة قدرته على السيطرة على الظاهرات بوساطة معرفة أسبابها والتحكم فيها. وهي أسئلة محدودة، وقد يصعب على الباحث رد بعض الظاهرات إلى سبب معين، فالمطر لا ينتج عن التبخر نفسه ولا عن زيادة الرطوبة وحدها، ولا عن انخفاض درجة الحرارة وحدها، بل ينتج عن جملة أسباب تتكامل وتؤدي إلى ظاهرة المطر، لهذا لا بد من توسيع فكرة "السببية"، وهذا ما جعل التفكير العلمي ينظر إلى الظاهرة ويفسرها من خلال تفاعل مجموعة من العوامل والعلاقات المتشابكة في مدخلات هذه الظاهرة١.
٨- التجريد والقياس الكمي أو التكميم ٢ "Quantification": وهي سمة تميز التفكير العلمي عن أنماط التفكير الأخرى، يحدد الباحث مشكلاته وإجراءاته وفروضه، وبهدف الدقة فإنه يستخدم اللغة الرياضية، وهي لغة تقوم على أساس القياس المنظم الدقيق، ويؤدي هذا بالتالي إلى فهم دقيق للظاهرات، لأن الأحكام الكيفية تعطي فهما خاطئا لها، نقول: الجو حار، ولكن نحدد بدقة صفة الحرارة هذه حينما نقول: درجة الحرارة "٤٥ ْم" والجود بارد ونحدد حد البرودة حينما نقول: درجة الحرارة "١٠ ْم"
стр. 66
والفرق بين الحار والبارد كما هو "٣٠ ْم" وبهذا يجرد الباحث الأشياء من صفتها ومادتها حينما يستخدم الأرقام والقياس الكمي.
٩- التنظيم: يستند التفكير العلمي إلى منهج معين في طرح المشكلة، ووضع الفروض والبرهان، ويتم وضع ذلك بشكل دقيق ومنظم، وهو فحوي المنهج العلمي، وهذا بدوره وسيلة العلم، فالعلم معرفة منهجية تبدأ بالملاحظة ووضع الفروض واختيارها، بوساطة التجريب ثم الوصول إلى نتائج.
ونقصد بالتنظيم طريقة التفكير، وتنظيم العالم الخارجي، لأن الباحث العلمي يدرس الظاهرة في علاقاتها مع الظاهرات الأخرى، فيكشف العلاقة بين الأسباب والنتائج ويكشف الصلات بين الظاهرات، والتنظيم ليس سمة للتفكير العلمي فقط، لكن ما يميزه عن أنماط التفكير الأخرى هو أنه يأتي من جهد الإنسان وإرادته، لأن العقل العلمي هو الذي يضع النظام ويقيم العلاقات المنظمة بين الظاهرات، والوصول إلى الظاهرات هو غاية العلم والعالم، بينما يعتبر النظام هو الأساس الذي ينطلق منه الآخرون.
١٠- الدقة: وهي سمة يجب أن تلازم البحث العلمي، وتشمل في جوهرها جميع السمات السابقة ابتداء مع الباحث منذ بدء التفكير بالبحث، وما يميز البحث العلمي عن غيره من أنماط التفكير هي الدقة، إن التحديد مشكلة البحث، والقيام بالإجراءات، وبيان النتائج، واحتمالية الوصول إليها، والتعميم كل ذلك يجب أن يتم بدقة، لهذا نعطي هذه السمة صفة الشمول لكل ما يقوله الباحث أو يدونه أو يتوصل إليه من خلال بحثه.
стр. 67
المبحث الرابع: أنشطة البحوث
أشرنا إلى أن الاسم "بحث" يعرف عادة بأنه يعني التقصي بعناية، وبخاصة استقصاء منهجي في سبيل زيادة مجموع المعرفة، وأن هذه المجموع يزداد نتيجة إضافة معرفة جديدة، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الحال عندما تستعاد معرفة كانت منسية أو مهملة، أو يرد لها اعتبارها؟ وما العلاقات بين المعرفة والمعلومات من ناحية، والمعرفة والفهم من ناحية أخرى؟ ووصف البحث بأنه علمي، هل يضيف شيئا إلى معنى كلمة "بحث" أم ينقص منه؟
يتعلق الجواب على هذه الأسئلة بإدراك الفرد الحسي للعالم من حوله، وقدرته على التأثير، فهي أسئلة فلسفية علمية وفعلية في آن معا، ومناقشتنا التالية من خلال فحص عدد من أنواع نشاطات البحوث المختلفة، توضح لنا ذلك، لأنها جميعا ترد أحيانا ضمن مفهوم البحث.
١- في المجتمعات الحضرية هناك نوعان مألوفان من أنشطة البحوث، التي تقوم على استطلاع الرأي العام، وهما "بحوث السوق" أو "استطلاع الرأي العام" و"البحوث التاريخية" تتمثل الأولى بشكل في الانتخابات السياسية الديموقراطية، وفي ممارسة التجارة، التي تمثل في أخذ رأي عينة من السكان حول صنف جديد من المنتجات في السوق، وكلا الشكلان من النشاط يحتوي على عنصر من عناصر البحث، وهو الجمع والتحليل المنهجي للبيانات، رغم ذلك فإن التحذيرات المعيارية للبحث العلمي تعد وثيقة الصلة بالموضوع في هذه أيضا، ويتعلق أغلبها بمشكلة الانحياز.
أما الحوادث التاريخية "أحداث وسجلات فريدة" فالهدف منها هو إعادة بناء كل شيء بالضبط بقدر الإمكان بالنسبة للحدث الذي يصفه، تقريبا كما لو كان هناك بنفسه، يكتب كل شيء في حينه، وعلى أي حال فإن البحوث التاريخية تشترك
стр. 68
في جانبين هامين وشائعين مع أنشطة البحوث الأخرى، وهما تسجيل المعلومات وإبلاغها، وكثير من المعنيين في شئون البحث العلمي يعتبرون هذين النوعين من البحوث تعطي صورا ساكنة أو على الأقل مجموعة من الأطر الزمنية المتعاقبة، هي مجرد أنشطة تشترك مع البحث العلمي في خاصتين جمع الحقائق والبيانات وتبليغها، وإن ما يميز البحث العلمي عن مثل هذه الأنشطة خصائص منها التكرار والتعميم، الخصائص والتصنيف، القياس الكمي.
٢- إن جميع البحوث، وعلى مختلف مستواها لا بد من أن تسير في تحقيق أهدافها، على الأسلوب المنهجي الموضوعي، فهي على الرغم من تنوع حقولها، تبقى في جوهرها واحدة، إذا كان القصد منها الدراسة العلمية لكل ما تحتويه هذه العبارة من مضمون.
وبناء على الهدف الرئيسي للبحث ومستوى المعلومات المتوافرة نجمل نشاطات البحوث بـ:
١- البحث بمعنى التنقيب عن الحقائق "Fact Finding": وهو التنقيب عن الحقائق معنية، دون محاولة التعميم، أو استخدام هذه الحقائق في حل مشكلة معينة، مثال ذلك القيام ببحث عن تاريخ نشوء الجامعات.
٢- البحث بمعنى التفسير النقدي "Critical Interpretation": وتطبق هذه الطريقة عادة عندما تتعلق المشكلة بالأفكار "ideas"، أكثر من تعلقها بالحقائق، ويستخدم هذا النوع من البحوث، وسائل أساسية مثل حدة النظر والفطنة "Perspicacity" والخبرة، والمنطق من مثال قيام الباحث بدراسة عن الوظائف والمهام التي يجب أن تقوم بها الجامعة على مستوى البحث العلمي، حيث يقوم الباحث بتحليل "Analysis" وتصنيف "Classification" الآراء التي حصل عليها، ثم يقوم بالتفسير النقدي لها مبينا بطريقة منطقية أوجه القوة والضعف، وأوجه الاعتدال والانحراف في هذه الآراء،
стр. 69
وبذلك يكون الباحث قد كون في ذهنه إجابة منطقية ومعقولة ومقبولة عن المشكلة، وهذا النشاط لا يعتبر تقرير بحث "Researchreport" وإنما مقالة قصيرة "Essay" ولكن ما دامت النتائج التي توصل إليها الباحث تعتمد على المنطق وعلى الرأي الراجح، فهو في هذه الحالة يقوم ببحث يتضمن التفسير النقدي، وهو خطوة متقدمة عن مجرد الصول على الحقائق "Factfinding"، ويتبع هذا النوع من البحوث بالنسبة للمشكلات التي لا تحتوي إلا على قدر ضئيل من الحقائق المحددة، وكثير من البحوث التي يقوم بها الدارسون في مجال العلوم الإنسانية "Humanities" ينطبق عليها ما يسمى بالتفسير النقدي على أن:
١- تعتمد المناقشة على الحقائق والمبادئ المعروفة في المجال الذي يقوم الباحث بدراسته.
٢ أن تكون الحجج والمناقشات التي يقدمها الباحث في التفسير النقدي واضحة ومعقولة.
٣ أن يؤدي التفسير النقدي إلى بعض التعميمات والنتائج معتمدة على الحجج والمناقشات المعقولة.
٣ البحث الكامل "Complete Research"، وهو أبعد خطوة من سابقيه، ويستخدم الدليل الحقيقي أكثر ما يتم في التفسير النقدي، يهدف إلى حل المشكلات، ووضع التعميمات بعد التنقيب الدقيق عن جميع الحقائق المتعلقة "Pertimentfact"، بالإضافة إلى تحليل جميع الأدلة التي يتم التوصل إليها، مثال ذلك كيفية التساؤل عن الكواكب وتوابعها "Satellites" هل القمر جزء من الأرض؟ طبيعة الندبة في وسط الأرض عند المحيط "الباسيفيكي"، حلقة الجبال البركانية "حلقة النار" المحيطة بالمحيط "الباسيفيكي"١.
стр. 70
٣- إذا أخذنا بالاعتبار طبيعة البحث والدوافع لإجرائه فإننا نميز بين النشاط البحثي الأساسي أو التحتي "Basic Research" والنشاط البحثي التطبيقي "Applied Research"، وهي من أكثر التقسيمات شيوعا واستخداما، تشير إلى أنواع النشاط العملي الذي يكون الغرض الأساسي منه المباشرة منه هو التوصل إلى حقائق وتعميمات وقوانين علمية محققة، أما الغرض البعيد أو النهائي فهو تكوين نظام معين من الحقائق والقوانين والمفاهيم والعلاقات والنظريات العلمية، ومن الواضح أن هذا النوع من البحوث يهتم باكتشاف حقائق ونظريات علمية جديدة، وهو بذلك يسهم في نمو المعرفة العلمية، وفي تحقيق فهم أشمل وأعمق لها، بصرف النظر عن الاهتمام بالتطبيقات العملية لهذه المعرفة العلمية.
يرتبط البحث النظري بمشكلات آنية، وهدفه المباشر تطوير مضمون المعارف الأساسية المتاحة في مختلف حقول العلم والمعرفة الإنسانية، بصرف النظر عن الاهتمام بالتطبيقات العملية لهذه المعرفة العلمية.
أما البحث التطبيقي فيشير إلى نوع النشاط العلمي الذي يكون الغرض الأساسي والمباشر منه تطبيق المعرفة العلمية المتوافرة، أو التوصل إلى معرفة لها قيمتها وفائدتها العلمية في حل بعض المشكلات الملحة، ولا يقصد من الحلول والمعرفة العلمية من البحث التطبيقي، أن تكون مطلقة، وإنما هي معرفة وحلول تسهم في معالجة مشكلات ملحة خاصة، وهي قابلة للتعديل والتطوير، وهكذا فإن البحث التطبيقي له قيمة في معالجة المشكلات الميدانية وتطوير أساليب العمل وإنتاجيته في المجالات التطبيقية كالتربية والتعليم والصناعة والزراعة والتجارة وإدارة الأعمال من خلال اتباع منهج علمي ذي خطوات متدرجة بهدف الوصول إلى الأسباب الفعلية التي أدت إلى حدوث هذه المشكلات أو الظاهرات، مع تقديم توصيات علمية تعمل على الحد من هذه المشكلات أو الحيلولة دون حدوثها.
стр. 71
نشير أخيرا إلى صعوبة الفصل بين هذين النوعين من البحوث، سواء بأهدافهما ونتائجهما أو بالاستخدامات التالية التي تستعمل فيها هذه النتائج، كل منهما يغذي الآخر ويتغذى عليه، ويقدم أيضا المواد الخام والأدوات التي يمكن للتطور التقني أن يدخل عليها التحسينات باستمرار ويضعها موضع الاستخدام العام، وأن أية محاولة للتمييز بينهما، تصبح غير ذات معنى لدى الباحث نفسه، بخاصة أن كل واحد من أنواع البحوث يعتمد على استخدام نفس المنهج العلمي.
معلوم أن البحث العلمي يحدد الاحتياجات، وبين الحلول ويوفر الوسائل اللازمة لتحقيقها، ومن هذا المنطق فإن أية محاولة للتمييز بين البحوث الأساسية والبحوث التطبيقية تصبح غير ذات معنى لدى الباحث نفسهن بخاصة وأن كل واحد من أنواع البحوث يعتمد على استخدام نفس المنهج العلمي، وعلى الاختبار من نفس مجموعات قواعد الإجراءات، رغم ذلك فإن التمييز بين البحوث الأساسية والتطبيقية شيء ملازم للجوانب الإدارية، من منطلق المقياس الزمني وليس من حيث أي اختلافات هامة في صفة البحث ذاته.
٤- وحسب مناهج البحث والأساليب المستخدمة فيها تقسم البحوث العلمية إلى ثلاثة رئيسة وهي:
١- البحوث الوصفية "Descriptive Research" وتهدف إلى وصف ظواهر أو أحداث أشياء معينة وجمع المعلومات والحقائق والملاحظات عنها، ووصف الظروف الخاصة بها، وتقرير حالتها كما توجد عليه في الواقع، دون تعليل أو تحليل وتفسير، وتشمل البحوث الوصفية أنواعا فرعية متعددة: الدراسات المسحية ودراسة الحالة ودراسات النمو أو الدراسات التطورية، وفي كثير من الحالات لا تقف البحوث الوصفية أنواعا فرعية متعددة: الدراسات المسحية ودراسة الحالة ودراسات النمو أو الدراسات التطورية، وفي كثير من الحالات لا تقف البحوث الوصفية عند حد الوصف أو التشخيص الوصفي بل تهتم أيضا بتقرير ما ينبغي أن تكون عليه الأشياء والظاهرات التي يتناولها البحث، وذلك في ضوء قيم ومعايير معينة، واقتراح الخطوات
стр. 72
والأساليب التي يمكن أن تتبع للوصول إلى الصورة التي ينبغي أن تكون عليه في ضوء هذه المعايير أو القيم، وتسمى هذه البحوث بالبحوث الوصفية المعيارية أو التقويمية "Normative or Evaluative Researfch"، ويستخدم لجمع البيانات والمعلومات في أنواع البحوث الوصفية أساليب ووسائل متعددة مثل الملاحظة والمقابلة، الاختبارات، الاستفتاءات، المقاييس المتدرجة، وقد تطور هذا المنهج إلى المنهج الوصفي الكمي لاستخدام الإحصاء والرياضيات، وهو المنهج المتبع الآن في الولايات المتحدة الأمريكية في إعداد الرسائل العلمية١.
٢- أما البحوث التاريخية "Historical Research" فهي أقدم البحوث وتستخدم في جميع المجالات العلمية بخاصة العلوم الاجتماعية، لها طبيعتها الوصفية، فهي تصف وتسجل الأحداث والوقائع التي جرت وتمت في الماضي، ولكنها لا تقف عند مجرد الوصف والتاريخ لمعرفة الماضي فحسب، وإنما تتضمن تحليلا وتفسيرا للماضي بغية اكتشاف تعميمات تساعدنا على فهم الحاضر، بل والتنبؤ بأشياء وأحداث في المستقبل، ويركز البحث التاريخي عادة على التغير والنمو والتطور في الأفكار والاتجاهات والممارسات سواء لدى الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات الاجتماعية المختلفة ويستخدم الباحث التاريخي نوعين من المصادر للحصول على المادة العلمية وهي المصادر الأولية والمصادر الثانوية، ويبذل أقصى جهده للحصول على هذه المادة من مصادرها الأولية كلما أمكن ذلك٢.
٣- أما البحوث التجريبية "Experimental Research" فتحتاج إلى خلفية علمية واسعة٣، ويشتمل البحث التجريبي عناصر ثلاثة:
стр. 73
١- الظاهرة موضوع الدراسة.
٢- العامل المراد معرفة تأثيره في الظاهرة.
٣- العوامل المتداخلة "أي العوامل الأخرى غير العامل الرئيس" المراد معرفة تأثيره في الظاهرة. مثال: الوضع التعليمي في منطقة ما هي الظاهرة موضوع الدراسة، العامل المراد معرفة تأثيره: التطور الحضاري وتلاؤم ذلك مع المستوى التعليمي، العوامل المتداخلة بقية العوامل المتعلقة بالفرد أو المجتمع: الصحي، انتشار الأوبئة ... والبحوث التجريبية هي التي تبحث المشكلات والظاهرات على أساس من المنهج التجريبي، أو منهج البحث العلمي القائم على الملاحظة وفرض الفروض والتجربة الدقيقة المضبوطة، ولعل أهم ما تتميز به البحوث التجريبية على غيرها من أنواع البحوث الوصفية والتاريخية هو كفاية الضبط للمتغيرات والتحكم فيها عن قصد من جانب الباحث، وتعتبر التجربة العلمية مصدرا رئيسا للوصول إلى النتائج أو الحلول المناسبة للمشكلات التي يدرسها البحث التجريبي، ولكنه في الوقت نفسه يستخدم المصادر الأخرى في الحصول على البيانات والمعلومات التي يحتاج إليها البحث العلمي بعد أن يخضعها للفحص الدقيق والتحقق من دقتها وصحتها وموضوعيتها.
نشير إلى أن هذا المنهج يتبع في كثير من الدراسات الإنسانية وبخاصة التربوية وبعض الدارسات الاجتماعية، حيث نحدد أهداف البحث الاجتماعي بأهداف وظيفية، وصفية أو تشخيصية أو كشفية وبرهانية، وفي مجال تحديد الأهداف من البحوث الاجتماعية نذكر ما قاله المنشئ الأول لعلم المعاشرة بين أبناء الجنس، عبد الرحمن بن خلدون في بداية مقدمته المشهورة التي تحتوي أول بحث اجتماعي علمي من نوعه في العالم، وكان هدفه من بحثه وضع قانون منهجي، يجعل منه معيارا للتاريخ ومنطقا للمؤرخين، يستطيعون بوساطته الحصول على الوقائع التي حدثت فعلا، أو كان لها وجود أصلا، فكان هذا القانون هو العمران البشري والاجتماعي الإنساني، الذي يكون
стр. 74
موضوعه علمه الاجتماعي الجديد، علم لم يسبقه إليه أحد، لقد تخلى عن شواغل الحياة السياسية والاجتماعية، ووضع فروضا كثيرة ونظريات متنوعة، تتعلق بالنظم الاجتماعية، واجتهد في تحري صحتها والبرهنة عليها١.
٥- البحوث الأكاديمية:
نميز بين بحوث الطلبة وبحوث أساتذة الجامعات، تشتمل الأولى:
أ- ١- البحث الصفي "حلقة البحث" ويسميها البعض المقالة أو "الإنشاء المنهجي" سواء كان أدبيا أو علميا، وهي أول ما يبدأ فيه الطالب البحث من المرحلة الثانوية حتى نهاية المرحلة الجامعية الأولى، فهي إذن البادرة الأولى للبحث، وتتكون المقالة٢ في صورتها التقليدية من مقدمة وموضوع وخاتمة، يقول عنها العقاد: المقالة مشروع كتاب٣.
إن الهدف من البحث الصفي "حلقة البحث تعريف الطالب بالمصادر المتعلقة بتخصصه والتعود على الانتفاع بالمكتبة، وبلورة أسلوب خاص به في عرض الأفكار، أسلوب موضوعي منهجي، وترتيبها وتقديمها بلغة سهلة مقبولة وواضحة، فالهدف يتلخص بالتدريب على إعداد بحوث متخصصة موضوعية، تتجلى في تطبيق الوسائل العلمية على البحث، واستخدام المادة واستقرائها ومعالجتها بالتنقيب والتحليل والموازنة بذكاء وفهم تقود الطالب إلى الحقيقة المنزهة عن الهوى، المؤيدة بالحجج والأسانيد،
стр. 75
والطالب الذي ينجح في إعداد بحثه خلال مرحلة الدراسة الجامعية الأولى، هو نفسه الطالب الذي يوفق في إنجاز رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراة في مرحلة الدراسات العليا.
٢- مرحلة الدراسات العليا: ويعد الطالب فيها ما نسميه بالرسالة١ وهي تسمية أكاديمية لنيل الدبلوم ودرجة الماجستير، وبالأطروحة لنيل درجة "دكتوراه" والرسالة أقصر من الأطروحة، تكون مبتكرة في موضوع من الموضوعات، لذلك فهي البحث المتصل، يتعهده الباحث ليكشف عن حقيقة من الحقائق المدعومة بالبراهين، والأسانيد، تمد الطالب بتجارب وافية في البحث وتضيف جديدا للثقافة، أما الأطروحة فتطلب دراسة أصيلة أعمق، كما يجب أن يكون الجديد فيها الذي يضاف للمعرفة الإنسانية أقوى وأكثر نضوجا ووضوحا، لذلك فهي تعتمد على مراجع أوسع، وتحتاج إلى براعة في التحليل والاستنتاج ليغدو ذلك الأثر عملا إبداعيا ممتازا، يستطيع الباحث فيما بعد أن يستقل في إنتاجه.
ب- أما بحوث الأساتذة، فلكل أستاذ منهجه في البحث، رغم وجود خطوط رئيسية يتبعها جميع الباحثين، ويتم نشرها في ثلاثة أشكال:
أ- كتاب يشتمل على البحث الذي أعده الأستاذ.
ب- مقال علمي ينشر في إحدى المجلات العلمية التي تصدر في داخل الجامعة أو خارجها.
جـ- مؤتمر علمي يشترك فيه الأستاذ ببحثه، فيلقي فيه هذا البحث، ويكون عرضة لمناقشة البحث من جانب المشتركين في المؤتمر، وتعقد هذه المؤتمرات الدول أو الجامعات أو الجمعيات.