صيد الأفكار
في
الأدب والأخلاق والحِكم والأمثَال
تأليف:
القاضي حسين بن محمد المهدي
عضو المحكمة العليا للجمهورية اليمنية
راجعه
الأستاذ العلامة عبد الحميد محمد المهدي
стр. 2
صيد الأفكار
في
الأدب والأخلاق والحِكم والأمثَال
الجزء الأول
تأليف:
القاضي حسين بن محمد المهدي
عضو المحكمة العليا للجمهورية اليمنية
راجعه
الأستاذ العلامة عبد الحميد محمد المهدي
стр. 3
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
سجل هذا الكتاب بوزارة الثقافة
بدار الكتاب برقم إيداع (٤٤٩) لسنة٢٠٠٩م
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن أفصح الكلام, وأجمل ما نطق به اللسان, وأفضل ما انتظمته عقود البلاغة من البيان, وأنفس ما جرت به الأقلام حمد الله الواحد المنان, وإفراده بالتوحيد والتقديس على الدوام, والثناء عليه في كل آن, تنزه عن الشبه والنظير, لا إله إلا هو وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيءٍ قدير, ثم الصلاة والسلام على محمد عبد الله ورسوله المجتبى من ولد عدنان وعلى آله وصحبه الكرام الذين حملوا القرآن ونشروا الإسلام في سائر البلدان, وبعد:
فإن من محاسن العرب, وتمام الأدب حسن اختيار الكلمات الفصيحة, والمفردات البينة الصحيحة, والجمل الواضحات البليغة لغرض التعبير بها في الدلالة على المقصود الذي يسعى إليه, أو يراد الوقوف عليه, خاصةً فيما انتظم العرب في خطبهم وأشعارهم, وابتكروه في قصصهم وأمثالهم, فإنهم يغترفون من مفردات اللغة العربية أعذبها, ومن الجمل أروعها وأنسبها, ليصلوا بذلك إلى قلوب الناس وعقولهم, وليحركوا أحاسيسهم ومشاعرهم, وأطيب ذلك يبهج القلب, ويفرح النفس, ويمتع الضمير, ويسر الخاطر, لأنه يظهر العلم, ويحث على العمل, ويصف الجمال, ويرشد إلى الصواب, ويحذر من القبيح, ويبعد عن الكسل, ويدفع الهم والحزن, ويرشد إلى تزكية
стр. 5
النفس, وإرضاء الخالق, وإسعاد المخلوق, ويبصّر على حسن التعامل مع الناس, وكم دفع الشوق محباً لإسداء من يحب نصائح يعز نظيرها, فيسعد بها صغير القوم وكبيرها, وينتفع بها أميرها ووزيرها, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فإن قلتَ: أين أنت من ذلك, ولست من فرسان هذا الميدان وليس لك إن أردت سباحة هذا البحر يدان؟
قُلنا: نحن من أقل الناس بضاعة, وأضعفهم صناعة, غير أن ذلك لا يمنع العاقل من محاولة اكتساب الفضائل, والتشبه بالكرام, وأهل الفضائل من الأنام, وقديماً قيل:
فَتَشَبَّهوا إِن لَم تَكونوا مِثلَهُم ... إِنَّ التَشَبُّهَ بِالكِرامِ فلاحُ (١)
ولعله من خير الأعمال السعي إلى مناصحة الإخوان, والعمل على نفعهم, وإدخال السرور عليهم, ومن هذا القبيل ما جمعناه واخترناه في هذا الكتاب مما لذَ وطاب, وإن لم يكن لنا فيه أكثر من اختيار وجمع ما افترق مما تناسب واتسق من عيون شعر العرب وأمثالهم, وقصصهم وأخبارهم, ووصاياهم ومواعظهم وأذكارهم, وبيان ما يناسب ذلك, ويتفق معه من كلام الله العزيز الحكيم, أو حديث رسوله محمد عليه وآله أفضل الصلاة والتسليم, أو كلام الصحابة والآل الميامين, أو العلماء الأعلام والباحثين, وتحقيق ذلك, وابتكار بعض الأمثال, والسير على نفس المنوال الذي سلكوه,
стр. 6
مع الإشارة إلى كيفية الاستفادة من ذلك كله, فإن ذلك يكفي, فاختيار المرء كما قيل "قطعة من عقله تدل على تخلقه وفضله", فربَ علوم تنفع حاملها ودارسها ومعلمها, وأعمال ترفع من شأن صاحبها إذا أخلص لله في ذلك النية, فإن الله مولى كل خيرٍ وموليه, وخافض كل شيءٍ ومعليه, وهيهات أن يخفض المرء يتمه أو عدمه إذا رفعه الحق بإيمانه وعلمه, وفي الذكر الحكيم على ذلك دليل وبينات ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١) , وفي الأمثال التي أوضحناها في كتابنا هذا مزيد بيّنة وبرهان, وفي أشعار العرب التي أوردناها حكمة وبيان, وما تحيى القلوب إلا بالإيمان, ولا تستيقظ إلا بنور الحكمة التي أرشد إليها القرآن, وإنما يسعد من الناس فلا يشقى من يطلب اكتساب ما لا ينفد ويبقى, وإذا كان الله جل وعلا قد أعلمنا بقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ، فإنه قد علمنا بأن الباقيات الصالحات خير وأبقى فقال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (٢) , والعاقل إنما يملؤُ قلبه, ويمتع طرفه فيما يبقى أجره وذكره, ولم ينسَ نصيبه وحظه من الدنيا, ولعل من يعد عدّته ابتغاء تحصيل متعته يحتاج إلى جليس يواسيه ويسليه, واختيار سلاح ينفعه ولا يؤذيه, وسيجد المتتبع من فنون العلم التي أرشد إليها القرآن, وانتضته من العرب الفرسان خير سلاحٍ, فهو خير له من سلاح راج في الملا, وملئ به الفضاء, وشغل الناس به أوقاتهم, وأضاعوا فيه أعمارهم مما يجرح ويدمي, ويشوه النفس ويعمي,
стр. 7
وقديماً قيل: "رب سلاح يقول لحامله: ضعني, وكلمة تقول لصاحبها: دعني", وربما أدرك عقلاء الناس وأصحاب الرأي فيهم أنما المرء معتبر بأكبر ما ينسب إليه عمله وإيمانه, فإن حسنا كان من المتقين الأخيار, وإن فسدا كان من الفسدة الأشرار, ولهذا كان من الإحسان أن يحسن الإنسان اختيار جليسه, وأن يصطفي أنيسه, وربما يجد المتتبع لفنون الأدب في أشعار العرب وأمثالهم من الأخبار النافعة ما تستظرفه العقول, وتستملحه النفوس, وفيه من محاسن الإنشاء, ودقة المعنى ما يوافق الشرع, وينفع الخلق, ويهدي إلى قيد الشوارد, وحفظ الشواهد, والعمل بالمواعظ, والاستفادة من المناسبات, والحرص على الانتفاع بالأوقات, والتفكر في المخلوقات مما يشرق به الأمل ويحث على العمل, وينتفي به الملل, ويقرب من الله , فالكيس من جعل دنياه سعادة, وأخرته فلاحاً وشهادة, وحَرِصَ وفيه بقية, أن تكون له نفس صالحة أبيّة تقية, ولله در القائل:
إِذا المَرءُ لَم يَحتَل وَقَد جَدَّ جَدُّهُ ... أَضاعَ وَقاسى أَمرُهُ وَهوَ مُدبِرُ
وَلكِن أَخو الحَزمِ الَّذي لَيسَ نازِلاً ... بِهِ الأَمرُ إِلا وَهوَ لِلأَمرِ مُبصِرُ (١)
ولن يضيع أوقات زمانه, ويتعالى بالزعامة, ويتدثر بما يورث الأسى والندامة, إلا من كان أشد حمقاً (٢) من النعامة, وحسب الرجل اللبيب أن يشغل أوقاته فيما ينفع ويفيد, أو يبصّر أخاه بالرأي السديد, ويدله على واضح الطريق, أو يرشده إلى اكتساب بضاعة يجيد فيها الصناعة.
стр. 8
ولم يزل الأدب من بين علوم العرب في المقام الأعلى, والمحل الأسمى ثماره بالخير يانعة مادته وصياغته في جميع الصور التي تمثل نتاجه, وتزخر بها أمواجه, وتجوب بها مفاوزه وفجاجه, سواءً كان ذلك مما يتمثل في تصوير إحساسات وخلجات نفس تجاه عظمة الله جل وعلا, وما أودعه الكون بما فيه من جمال وأسرار هي آية لأولي العقول والأبصار, أم حيال آلام الإنسانية في هذه الحياة وآمالها الخيرة في هذا الاتجاه, أم أن ذلك كان تعبيراً عن أفكار ترشد الفرد أو المجتمع أو الإنسانية بأسرها إلى مفاوز الخير والصلاح والنجاح والفلاح, أو تبعدها عن طرق الشر بأشكاله المختلفة, ويستوي أن يكون ذلك الإنتاج الأدبي قد جاء في شكل شعرٍ منظوم, أو مثل سائرٍ مفهوم, أو قصةٍ أو فلسفةٍ تكشف عن واقع, أو توصل إلى حقيقة, حتى وإن كان ذلك تصويراً لنماذج من حالات الإنسان ومواقفه المختلفة, أو غير ذلك, فإننا قد حاولنا أن نودع شيئاً من ذلك فيما ضمّنَّاه في فصول كتابنا هذا, كل فصل حوى لوناً مما تقر به عين الناظر, ويسلو به خاطره, وتطيب حاله في سفره وحضره مما سجعت به بلابل أقلام العرب, وتداوله الثقات الأعلام من الباحثين الكرام, فأضاءت به الأيام من غير استقصاءٍ لكلامهم أو تطويلٍ في نقل أبحاثهم أو إيجاز يخل بكلامهم, وإن لم نشأ التوسع في ذلك فلكي لا يدرك القارئ الملل, إذ لو أردنا التوسع والاستقصاء لكان كل فصل في مادته التي يحوي مما يحتاج إلى كتاب, بل إلى كتب, وليس من المرغوب والمحبب للنفس أن يتعمق الإنسان فيما لا طائل تحته,
стр. 9
حتى لا يضلل القارئ في متاهات الفلسفة, ومعمعات الأفكار المجردة, ولا أن يستقصي بالتتبع والتحليل لكل ما يجد لما في ذلك من الإرهاق, والإضاعة للوقت, لأنه إذا أدرك الإنسان ما ينفع ويفيد فقد أفاد, ولذلك اكتفينا بما رأينا فيه البلاغ والوصول إلى ما نريده من المناصحة للإخوان بالشكل الذي يجذب القارئ ولا ينفره, وعلى نحو يرسم في ذهنه, ويسجل في وعيه وإدراكه فائدةً تكسبه خيراً أو تدفع عنه شراً في دنياه أو أخرته, ولنا أمل أن يجد كل ذلك طريقه إلى قلوب القراء لامتلاكه من البيان عنصره وأساسه, فعنصر المادة والصياغة في الأدب مقومان من مقوماته, وهما له كالروح والجسد للإنسان, وفي تلازمهما شرف الحياة, ولعل القارئ سيجدهما في كتابنا هذا برهاناً على ما قصدناه, وعوناً على ما أردناه, والله نسأل أن ينفع بذلك فهو ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 10
الفصل الأول
العِلْم
стр. 11
العلم هو إدراك الشيء بحقيقته (١)
العلم نور يدرك به الإنسان حقيقة الأشياء ويخرج به من ظلمات الجهل والعمى, ويصل به إلى الدرجات العلا, امتنَّ الله به على آدم ﵇ حين علمه الأسماء, وأسجد له جميع الملائكة في الأرض والسماء, فما أعظمه من تكريم نكص عنه إبليس اللعين؛ فصار عدواً للناس أجمعين, لا يتقي شره, ولا يسلم ضره؛ إلا من لجأ إلى خالقه وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, وأخذ من العلم ما ينفعه ويرفعه, ويمنع عنه شرور الشيطان ووسواسه, ويقيه مصرعه, وشكر لله نعمة السمع والبصر؛ فهما وسيلة إدراك العلم وتعلمه؛ قال جل وعلا: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) . وقديماً قيل: العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع سواءً كان ذلك الشيء من المحسوسات أو المغيبات, وهو حياة القلوب, وغذاء النفوس, ونور العقول والأبصار, وهو مقدمٌ على العمل, فمن استجلب الخير في جميع أحواله بالعلم وجمله بالعمل فقد ظفر بمراده, وأخذ من كل شيء بأسبابه, واستعد للسفر بعدته وزاده.
стр. 12
ويرحم الله القائل:
العلم مجلبة للخير أجمعه ... ودافع عن بنيه الشرَّ والوصبا (١)
فالإنسان يشبه الحيوان المفترس فإذا تعلم عمل ونفع وعقل وأفاد واستفاد, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (٢) . ورحم الله احمد شوقي (٣) حيث يقول:
فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ ... سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا
وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً ... وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا
فَعَلِّم ما اِستَطَعتَ لَعَلَّ جيلاً ... سَيَأتي يُحدِثُ العَجَبَ العُجابا (٤)
ويكفي في شرف العلم وفضله ما خاطب الله به محمداً عبد الله ورسوله وخاتم أنبيائه ورسله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٥) فرتب على العلم معرفته وتوحيده والعلم به, والمراد بالخطاب محمداً ﵌ وأمته.
стр. 13
ومما يزيد العلم رفعة قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١) , وقوله ﵌: (إن العلماء ورثة الأنبياء) (٢) , وفي حديث ابن مسعود: (أن من قرأ قول الحق ﵎: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) ، فإنه يجاء به يوم القيامة فيقول الله تعالى: عبدي عهد إليَّ عهداً وأنا أحق من وفَّى ادخلوا عبدي الجنة) (٤) .
ومن أطرف ما قيل في المحاورة بين العلم والعقل قول بعض الشعراء:
علم العليم وعقل العاقل إختلفا ... من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا
فالعقل قال: أنا أحرزت غايته ... والعلم قال: أنا الرحمن بي عرفا
فأفصح العلم إفصاحاً وقال له: ... بأينا الله في فرقانه اتصفا
فبان للعقل أن العلم سيِّده ... فقبَّل العقل رأس العلم وانصرفا
стр. 14
والعلم زينٌ بين الأخلاء, وسلاح على الأعداء, وقد روى أبو طالب في أماليه (١) (حكاية) قال: حكى لنا أبو الحسن علي بن مهدي الطبراني أن الأصمعي روى عنه قال: رآني أعرابي فقال: يا أخ الحضر عليك بلزوم ما أنت فيه فإن العلم زين في المجالس, وحلية بين الاخوان, وصاحب في الغربة, ودليل على المروءة, ثم أنشأ يقول:
تَعَلَّم فَلَيسَ المَرءُ يولَدُ عالِماً ... وَلَيسَ أَخو عِلمٍ كَمَن هُوَ جاهِلُ
فَرُبَ كَبيرَ القَومِ لا عِلمَ عِندَهُ ... صَغيرٌ إِذا اِلتَفَّت عَلَيهِ الجَحافِلُ
وقديماً قيل:
العلم زين يا فتى ... والخط طوق من ذهب
بقاء العلم
إذا كان المال ينفد ويفنى؛ فإن العلم ينفع ويبقى, ولهذا فإن العقلاء من الناس يسعون لاكتسابه, ويعملون على احتساب ذخره وثوابه, قال الشاعر:
العِلمُ كَنزٌ وَذُخرٌ لا نَفادَ لَهُ ... نِعمَ القَرينُ إِذا ما صاحَبَ صُحبا
قَد يَجمَعُ المَرءُ مالاً ثُمَّ يُسلَبُهُ ... عَمّا قَليلٍ فَيَلقى الذُلَّ وَالحَرَبا
وَجامِعُ العِلمِ مَغبوطٌ بِهِ أَبَداً ... وَلا يُحاذِر مِنهُ الفَوتَ وَالسَلبا
يا جامِعَ العِلمِ نِعمَ الذخرُ َجمَعُهُ ... لا تَعدِلَنَّ بِهِ دُرّاً وَلا ذَهَبا (٢)
стр. 15
وقال بعض الفصحاء: "العلم كنز عظيم لا يفنى, والعقل ثوب جديد لا يبلى" (١) .
وفي الأمثال السائرة: "العلم خير ما وعيت, والشر أخبث ما أوعيت, وعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر".
وقديماً قيل: "منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا". (٢)
وروي أن الإمام علي بن أبي طالب (٣) كرم الله وجهه ورضي عنه قال: "بالعلم حياة القلوب من الخطايا, ونور الأبصار من العمى, وقوة الأبدان على البنيان, وبالعلم يطاع الله, وبالعلم يعرف الله ويوحّد, وبالعلم تفهم الأحكام, ويفصل به بين الحلال والحرام, يمنحه الله السعداء, ويحرم منه الأشقياء". (٤)
стр. 16
وقد جاء في الحديث أن النبي ﵌ قال: (إِذَا مَاتَ العَبدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ) (١) وفي لفظ: (يَسْتَغفِرُ لَهُ) (٢) .
العلم عون الدين
العلم عون الفتى على أمور دينه ودنياه, وقد جاء في شعر أحمد زكي أبو شادي:
العلم عون الدين في نور الحجى ... أهلوه أطهار به أبرار (٣)
أما شبلي الملاط فهو يرى أن الدين مصباح الهدى وأن العلم ريحان الوجود حيث يقول:
الدين مصباح الهدى ومناره ... والعلم ريحان الوجود وغاره (٤)
стр. 17
ومعلوم أن الدين لا يؤتى إلا بالعلم, ولهذا أخبر الله تعالى عن صحابة محمد ﵌ بأنهم الذين أوتوا العلم فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
العلم يرفع الله به الوضيع
إن صلاح الإنسان وفلاحه, وفوزه ونجاحه واجتنابه للشبهات, وابتعاده عن المحرمات, وارتفاعه إلى أعلى الدرجات إنما يكون بالعلم, وإنما وصل من وصل إلى الفضاء وصنع الدبابات والطائرات والصواريخ العابرة للقارات بالعلم قال الشاعر:
العِلمُ يَنهَضُ بِالخَسيسِ إِلى العُلا ... وَالجَهلُ يَقعُدُ بِالفَتى المَنسوبِ
وَإِذا الفَتى نالَ العُلومِ بِفَهمِهِ ... وَأُعيَنَ بِالتَشذيبِ وَالتَهذيبِ
جَرَتِ الأُمورُ لَهُ فَبَرَّزَ سابِقاً ... في كُلِّ مَحضَرِ مَشهَدٍ وَمَغيبِ (٢)
فالعلم عنوان المكارم والأخلاق, المرشد إلى كمال قدرة البديع الخلاق: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ
стр. 18
وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١) .
العلم عنوان العز
العلم عنوان العز, ومعين البر, وباب العلا, ونور الحق, والخل الوافي, والصاحب الصديق الموصل إلى الجنة, ورحم الله الإمام الشافعي حيث يقول:
عِلمي مَعي حَيثُما يَمَّمتُ يَنفَعُني ... قَلبي وِعاءٌ لَهُ لا بَطنُ صُندوقِ
إِن كُنتُ في البَيتِ كانَ العِلمُ فيهِ مَعي ... أَو كُنتُ في السوقِ كانَ العِلمُ في السوقِ (٢)
وقال آخر:
العِلْم يُحْي قُلوبَ الميِّتِين كما ... تَحْيا البلادُ إذا ما مَسَّها المَطَرُ
والعِلم يَجْلو العَمَى عن قَلْب صاحِبه ... كما يُجَلِّي سوادَ الظُّلْمة القمَر (٣)
стр. 19
وإنما يخشى الله ويبتعد عن الكبرياء والرياء وظلم الأبرياء من عباد الله العلماء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ والمراد بالعلماء هنا علماء الشريعة والطبيعة وغير ذلك؛ لأنه جل شأنه ذكر العلماء بعد ذكر إنزال الماء من السماء, وإخراج الثمرات من الأرض, واختلاف ألوان الجبال والأحجار والناس والدواب والأنعام؛ فتأمل قول الحق ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (١) , فهؤلاء العلماء هم الذين ينبغي أن ينتظموا في سلك الإيمان والإيقان, فهم الذين يعلمون الخالق العظيم وقدرته, وشدة بطشه ونقمته, وقهره وعذابه وحلمه, وأنه على كل شيءٍ قدير, فهم يخشونه حق خشيته, ويعرفونه حق معرفته.
والعلم في ذاته غاية الغايات, ألا ترى أنه يرشدك إلى بارئك, ويدلك على ما ينجيك, ويطلق عقلك من عقال الأوهام, ويبعدك عن مشابهة الضالة من الأنعام, ويقاوم التعصب والتقليد والتقزم وحب الانتقام, ويجنبك الوقوع في المعاصي والآثام, ويوصلك إلى المعرفة الخالصة, والحق المجرد, فهو وسيلة سامية لغاية بالغة السمو.
стр. 20
فبغير العلم لا تستطيع أن تعالج مشاكل الحياة علاجاً سليماً محكماً, وبغير العلم لا تستطيع أن تحمي نفسك, أو تنقذها من التعالي على الناس والإساءة إليهم, أو تدفع عنها إيذاء المؤذين وعدوان المعتدين, فالعلم إذاً يجمع بين الحق والقوة, والسعادة والسيادة, والعظمة والسلطان.
فبالعلم استطاع الإنسان -في دفاعه عن نفسه- أن يستعمل اللسان والسنان, وبالعلم استطاع أن يسخر الماء والهواء والبحار والكهرباء حتى صار الإنسان بعلمه: كمن يضع في إصبعه خاتم سليمان, ولهذا أوجب الله على الناس سؤال العلماء فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) , فمن كمل دينه وتم عقله فقد تحلى بالمكارم, واتصف بالمحامد, وكان في صدره على ذلك أكبر شاهد, قال جل شأنه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢) .
أشرف العلوم
إن أشرف العلوم هي العلوم الشرعية المتعلقة بمعرفة الحق بأسمائه وصفاته وأفعاله وعظيم حقه, وكذلك ما تعلق من العلوم بمعرفة الحلال والحرام والأوامر والنواهي, وما أتى من العلم لبيان شئون المعاد في يوم الحساب, يوم البعث والجزاء والجنة والنار, ثم يأتي بعد ذلك ما يتعلق بعلم الأبدان كالصحة والرياضة وبشئون الحياة وعمارتها وإدارتها. وقد جعل الإمام ابن القيم مبادئ العلم الشرعي وأقسامه ثلاثة, وذلك حيث يقول:
стр. 21
والعلم أقسام ثلاثٌ ما لها ... من رابع والحق ذو تبيانِ
علم بأوصاف الإله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمنِ
والأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاءه يوم المعاد الثاني
والكل في القرآن والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالقرآنِ
والله ما قال أمرء متحذلق ... بسواهما إلا من الهذيانِ (١)
وقال أبو حاتم ﵀: يجب على العاقل أن لا يطلب من العلم إلا أفضله لأن الازدياد من العلم آثر عند العاقل من الذكر بالعلم, والعلم زين في الرخاء, ومنجاة في الشدة, ومن تعلم ازداد. (٢)
مبادئ العلوم
إن الطالب لأي علم ينبغي له معرفة حدّه -أي أصله- أو الوصف المحيط الكاشف عن حقيقته وماهيته, ومعرفة موضوعه, وثمرته -أي الفائدة المرجو الحصول عليها منه-, ونسبته إلى أي العلوم ومعرفة واضعه, وهل هو فرض عين أو فرض كفاية؟ وقد جاء في كلام بعض الشعراء الإشارة إلى ذلك:
إن مبادئ كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة
وفضله ونسبه والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا
стр. 22
الجد في طلب العلم
من جد في طلب العلم ظفر به, ومن سعى للعمل به انتفع به, قال الشاعر:
بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلاً ... يغوص البحر من طلب اللآلي
ورحم الله شوقي حيث يقول:
أَيُّها الطالِبُ لِلعِلمِ اِستَمِع ... خَيرَ ما في طَلَبِ العِلمِ جُمِع
هُوَ إِن أوتيتَهُ أَسنى النِعَم ... هَل تَرى الجُهّالَ إِلاّ كَالنَعَم
اُطلُبِ العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا ... لِظُهورٍ باطِلٍ بَينَ المَلا
عِندَ أَهلِ العِلمِ لِلعِلمِ مَذاق ... فَإِذا فاتَكَ هَذا فَاِفتِراق
طَلَبُ المَحرومِ لِلعِلمِ سُدى ... لَيسَ لِلأَعمى عَلى الضَوءِ هُدى
فَإِذا فاتَكَ تَوفيقُ العَليم ... فَاِمتَنِع عَن كُلِّ تَحصيلٍ عَقيم
وَاِطلُبِ الرِزقَ هُنا أَو هَهُنا ... كَم مَعَ الجَهلِ يَسارٌ وَغِنى (١)
وله أيضاً:
ترك النفوس بلا علم ولا أدب ... ترك المريض بلا طب ولا آسي
وللشافعي ﵁:
أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبيك عن تفصيلها ببيانِ
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وصحبة أستاذ وطول زمانِ
стр. 23
وقد أغفل الشافعي ﵀ الصحة, وهي من آكد الأسباب المعينة على التحصيل والطلب وهذا مما لا يختلف فيه عالمان, ولا ينتطح فيه عنزان, والنصوص في هذا المعنى كثيرة معلومة, فليس الصحيح كالسقيم, وليس الأقطع والأشل كالذي يذهب ويجيء, فالموانع كثيرة, وعظم الجزاء مع عظم البلاء, ولبعض الشعراء:
بتسع ينال العلم: قوت وصحة ... وحرص وفكر ثاقب في التعلم
ودرس وحفظ للعلوم وهمة ... وشرخ شباب واجتهاد معلم (١)
وقال سفيان: أول العلم الإنصات, ثم الاستماع, ثم الحفظ, ثم العمل به, ثم النشر. وقال أبو الدرداء ﵁: "لا تكون عالماً حتى تكون متعلماً, ولا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً". (٢)
وقال الإمام الشافعي ﵀:
اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ ... فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ في نَفَراتِهِ
فَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً ... تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ
وَمَن فاتَهُ التَعليمُ وَقتَ شَبابِهِ ... فَكَبِّر عَلَيهِ أَربَعاً لِوَفاتِهِ (٣)
فمن تواضع لمن يعلم الناس الخير ظفر بمراده, ومن تعالى وتكبّر هلك وعنه الخير أدبر, قال الشاعر:
اطلبِ العلمَ ولا تكسلْ فما ... أبعدَ الخيرَ على أهلِ الكسلْ
واحتفلْ للفقهِ في الدينِ ولا ... تشتغلْ عنهُ بمالٍ أوْ خَوَلْ
стр. 24
واهجرِ النومَ وحصِّلْهُ فَمَنْ.....يعرفِ المطلوبَ يحقرْ ما بذلْ
لا تقلْ قدْ ذهبَتْ أربابُهُ ... كلُّ مَنْ سارَ على الدربِ وصلْ (١)
أما الإمام علي ﵁ فهو يرشد إلى تعلم أحسن العلوم فيقول:
ما حوى العلم جميعاً رجلٌ ... لا ولو مارسه ألف سنة
إنما العلم بعيدٌ غوره ... فخذوا من كل شيء أحسنه
أما ابن عباس فهو يقول:
ما أكثر العلم وما أوسعه ... من ذا الذي يقدر أن يجمعه
إن كنت لا بد له طالباً ... محاولاً فالتمس أنفعه (٢)
ينال العلم بالتعلم في الصبا, وبالهمم العالية, فهو أرفع رتبة, وأجل مكتسب, وأسمى مفخر, فمن يشمر للبحث ينله, ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل, فارحل لطلبه, وتغرب لنيله, ولا تكتفِ بمراجعة الكتاب, فإن ذلك لا يغني عن أخذ العلم مشافهةً من أولي الألباب, قال أبو حاتم:
يظن الغمر أن الكُتْب تكفي ... أخا فهم لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها ... غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصرط المستقيم
وتلتبس الأمور عليك حتى ... تصير أضل من توما الحكيمِ (٣)
стр. 25
محبة العلم
حبّبْ إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه, ويكون لهوك ولذتك, وسلوتك وبلغتك, وقد قال ابن المقفع: أن العلم علمان: علم للمنافع وعلم لتزكية (١) العقول, وأفشى العلمين وأجداهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحرّض عليه علم المنافع, وللعلم الذي هو ذكاء العقول وصقالها (٢) وجلاؤها فضيلة منزلةٍ عند أهل الفضل في الألباب. (٣) وإنما يبلغ المرء مبلغ الفضل بالعلم والعمل, فالعلم زين لصاحبه في الرخاء ومنجاة له في الشدة.
تعظيم العلم
من عظم العلم عمل, ومن أهانه أهين وابتذل, وقد جاء في شعر القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني:
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت ولكن لأخدما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما (٤)
стр. 26
تكريم المعلم
إن إكرام المعلم, والإحسان إليه دليل على سمو النفس, وكرم الطبع, وإنما مثل المعلم مثل الطبيب يحتاج إلى إكرام ليتقن عمله, فالمعلم كالزارع الذي يبذر زرعاً ويتعهده بالماء لينمو ويحيى, إكرامه آية تدل على الفطنة والذكاء, قال الشاعر:
إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلما
فالمعلم خير الآباء لأن حياة الروح بالعلم كما أن حياة الجسد بالروح, فالعلم مادة الروح الإنساني, كما أن النطفة مادة الجسد والروح الحيواني, والروح الإنساني أفضل الأرواح, قال الشاعر:
من علَّم الناس كان خير أبٍ ... ذاك أبو الروح لا أبو النطف (١)
وقد قيل للاسكندر: إنكَ تعظم معلمك أكثر من تعظيمك لأبيك, فقال: لأن أبي سبب حياتي الفانية, ومؤدبي ومعلمي سبب الحياة الباقية (٢) .
وقد أشارت السنة النبوية إلى وجوب احترام من يعلم الناس الخير وأبانت حقه, من ذلك أن النبي ﵌ قال: (لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ) (٣) , ويرحم الله شوقي حيث يقول:
أَوَكُلُّ مَن حامى عَنِ الحَقِّ اِقتَنى......عِندَ السَوادِ ضَغائِناً وَذُحولا (١)
ويقال للعالم الفطن: العالم النحرير, قالوا: أنه لنقاب -وهو الفطن الذكي-, وقالوا: أنه لعض -وهو العالم النحرير-. (٢)
المعلم الذي لا يؤدي واجبه
إنما مثل المعلم غير المتأدب كمثل شجرة عارية لا تورق ولا تثمر قد انتصبت للناس في ملتقى الطرق تعترض الرائح وتصد سبيل الغادي, فلا الناس بظلها يستظلون ولا هم من شرها ناجون, فيجب على المعلم أن يعدَّ نفسه لتعليم الحكمة, والتحلي بالصبر والرحمة, حتى يؤدي واجبه, ويستطيع أداء رسالته:
فَهوَ الَّذي يَبني الطِباعَ قَويمَةً ... وَهوَ الَّذي يَبني النُفوسَ عُدولا
وَيُقيمُ مَنطِقَ كُلِّ أَعوَجِ مَنطِقٍ ... وَيُريهِ رَأياً في الأُمورِ أَصيلا
وَإِذا المُعَلِّمُ لَم يَكُن عَدلاً مَشى ... روحُ العَدالَةِ في الشَبابِ ضَئيلا
وَإِذا المُعَلِّمُ ساءَ لَحظَ بَصيرَةٍ ... جاءَت عَلى يَدِهِ البَصائِرُ حولا
وَإِذا أَتى الإِرشادُ مِن سَبَبِ الهَوى ... وَمِنَ الغُرورِ فَسَمِّهِ التَضليلا
وَإِذا أُصيبَ القَومُ في أَخلاقِهِم ... فَأَقِم عَلَيهِم مَأتَماً وَعَويلا
إِنّي لأَعذُرُكُم وَأَحسَبُ عِبئَكُم ... مِن بَينِ أَعباءِ الرِجالِ ثَقيلا
وَجَدَ المُساعِدَ غَيرُكُم وَحُرِمتُمُ ... في مِصرَ عَونَ الأُمَّهاتِ جَليلا
وَإِذا النِساءُ نَشَأنَ في أُمِّيَّةً ... رَضَعَ الرِجالُ جَهالَةً وَخُمولا (٣)
стр. 29
المعلم الذي يخالف علمه عمله
إن من يعلم الناس يجب أن يكون قدوة فيه, وأن لا ينهى الناس عن شيء ويأتيه, قال الشاعر:
يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ ... هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا ... كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ
وَتَراكَ تُصلِحُ بالرشادِ عُقولَنا ... أَبَداً وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَديمُ
فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها ... فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيَهتَدي ... بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ ... عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ (١)
وقال آخر:
العلم للرجل اللبيب زيادة ... ونقيصة للأحمق الطياشِ
مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نوراً ويعمي أعين الخفاشِ (٢)
حق التعليم مكفول للصغير والكبير
طلب العلم وتعليمه مذهب الفاضل ودينه, فخذ الحكمة ممن تسمعها منه, فرب رمية من غير رامٍ, وحكمة من غير حكيم, وفي الحديث: (الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُمَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) (٣) .
стр. 30
قال البخاري في باب الاغتباط بالعلم والحكمة: وقد تعلَّم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كبر سنهم, وروى بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) (١) , وقد تعلم الصحابة وهم شيوخ وكهول واشتغلوا بالعلم فكانوا بحوراً, بل إنهم كانوا يسلمون شيوخاً وكهولاً وأحداثاً, ويتعلمون العلم والقران والسنن فصاروا أطواد الحكمة والفكر؛ وإن كان العلم في الصغر ارسخ أصولاً وأبسق فروعاً, وفي الأثر: "العلم في الصغر كالنقش في الحجر", وقد أخرجه الحافظ ابن حجر في تخريجه لمسند الفردوس بلفظ: (حفظ الغلام كالرسم في الحجر) وأسنده الديلمي عن ابن عباس، وإن كان بعض العلماء قد ضعفه، وقد قال ابن الجوزي ﵀: (أقوم التقويم ما كان في الصغر) ، فأما إذا ترك الولد وطبعه ومشى عليه ومرن كان رده صعباً، قال الشاعر:
إنَّ الغُصُونَ إذا قوَّمتها اعتَدَلَت ... ولا يَلِينَ إذا قَوَّمتَهُ الخُشُبُ
قد ينفعُ الأدَبُ الأحداثَ في مَهَلٍ ... وليس يَنفَعُ عند الكَبرَة الأدَبُ (٢)
وقال آخر:
والطفل يحفظ ما يلقى إليه ولا ... ينساه إذ قلبه كالجوهر الصافي
فانقش على قلبه ما شئت من خبر ... فسوف يأتي به من حفظه وافي
стр. 31
اما العلامة محمد بن محمد المنصور (١) فهو يقول:
رسم على الماء درس العلم في الكبر ... والنقش في حجر إن كان في الصغر
فاحذر ضياع الصبافي تافه وسفا ... هـ أو تكاسل فاخذر غاية الحذر
وإنما أرشد الشاعر إلى حفظ الصغير لأن مرحلة الصغر مرحلة تلقين لا فهم, فالطفل في غالب الأحوال يستطيع أن يحفظ الشيء الكثير وإن كان تفهمه لحقائق تلك المعارف والعلوم لا يزال محدوداً نظراً لصغر سنه, ولكنه لا ينسى ما حفظ, لصفاء ذهنه, ولكون ما يتلقنه أول ما يطرق ويثبت في صحائف فكره, فهو كالجوهر الصافي كما قال الشاعر, فالعاقل يحرص على تلقين الأطفال ما ينفعهم من أمور الدين والدنيا, ويبعدهم عن كل شيء يضرهم, وفي المثل السائر: "العلم في الصغر كالنقش على الحجر" وقد تقدم, ومن الخطورة بمكان أن يضلل الأطفال والصبيان في صغرهم, فالعقل يعجب للشروع, ولله در أبي العلاء المعري (٢) حيث يقول:
وَالعَقلُ يَعجَبُ لِلشُروعِ تَمَجُّسٍ ... وَتَحَنُّفٍ وَتَهَوُّدٍ وَتَنَصُّرِ
فَاِحذَر وَلا تَدَعِ الأُمورَ مُضاعَةً ... وَاِنظُر بِقَلبِ مُفَكِّرٍ مُتَبَصِّرِ
стр. 32
وفي الحديث: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) (١) , وقديماً قيل: "من لم يتعلم في صغره غالباً ما يتقدم في كبره".
أما مرحلة الكبر فقد دل التتبع والاستقراء من قبل العلماء والباحثين أنها مرحلة تفهم لحقائق الأشياء أكثر منها مرحلة تلقين, والعاقل يحرص على تعلم العلم وتفهمه والعمل به كبيراً وصغيراً, فالعلم أفضل خلف, والعمل به أكمل شرف, وفي المثل: "لا سمير كالعلم ولا ظهير كالحلم".
فتعلم أخي العلم فإنه يصلح فاسدك, ويرغم حاسدك, ويقيم ميلك, ويصلح أملك, ويقرب عليك ما بعد, وعلِّمه الصغير ليكون في الكبر أميراً, وقد قال بعض الحكماء: "تعلم العلم فإنه يقومك ويسددك صغيرا, ويقدمك ويسودك كبيرا" وقيل: "تعلم العلم فإنه عز لا يبلى جديده, وكنز لا يفنى مديده, فمن لمن يعلم لم يسلم, فالفضل بالعقل والعلم والأدب لا بالأصل والحسب". (٢)
ومما يرغب فيه جني ثمار العلم ممن تحب وممن لا يعجب, وقد قيل: لا يمنعك ضعة القائل عن الاستماع إليه, فرب فمٍ كريهٍ مج علماً ذكيا, وتبرٍ صافٍ في صخرٍ جاس, والجوهرة النفيسة لا يشينها سخافة غائصها, ولا دناءة بائعها, فاستكثر أخي العلم فإنه خفيف حمله, قال أبو نواس: ما رأيت شيئاً إلا قليله أخف من كثيره إلا العلم فإنه كلما كان أكثر كان أخف محمل,
стр. 33
وقيل: كل إناء يفرغ فيه شيء يضيق إلا القلب, فإنه كلما أفرغ فيه علم اتسع (١) , وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٢) .
ترك المعاصي سبب في حفظ العلوم وجمعها
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل مجانبة ما يدنس علمه من أسباب هذه الدنيا, مع القسط في لزوم العمل بما قدر عليه, فمن عجز عن العمل بما جمع من العلم؛ فلا يجب أن يعجز عن حفظه, وفي أمثال العرب: "عقرة العلم النسيان", وفي الذكر الحكيم: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلاَ تَنسَى﴾ (٣) , وجاء في شعر محمد بن بشير الخزاعي:
أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل هو العالم المقنع (٤)
ولكن نفسي إلى كل شيء ... من العلم تسمعه تنزع
وأحضر بالجهل في مجلسي ... وعلمي في الكتب مستودع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع
ومن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع
إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للعلم لا ينفع (٥)
стр. 34
أما الإمام الشافعي فهو يقول:
شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي ... فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي
وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ ... وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعاصي (١)
إنفاق العلم وعدم جواز كتمه
في إنفاق العلم ونشره بقاؤه ونماؤه, وذخره وأجره, قال الشاعر:
العلم كنزٌ كلما أنفقته ينمو ... وإنما لم ترجُ انفاقاً فني
وفي الحديث: (مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ النَّارِ) (٢) .
ولبعض الشعراء:
إذا العلم لم تعمل به كان حجة ... عليك ولم تعذر بما أنت جاهله
فإن كنت قد أوتيت علماً فإنما ... يصدق قول المرء ما هو فاعله (٣)
وقال آخر:
وعالم بعلمه لم يعملن ... معذبٌ من قبل عباد الوثن
أما عبد الملك بن ادريس الجزيلي فهو يرى أن العلم لا ينفع صاحبه ما لم يفد عملاً وحسن تبصر وذلك حيث يقول:
والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد عملاً وحسن تبصرِ
سيان عندي علم من لم يستفد ... عملاً به وصلاة من لم يطهرِ
стр. 35
فاعمل بعلمك توف نفسك وزنها.......لا ترض بالتضييع وزن المخسرِ
ويقول ابراهيم التنوخي:
وإذا الفتى قد نال علماً ثم لم ... يعمل به فكأنما لم يعلم
أما ابن عماد الاقفهسي فهو يرى أن من لم يعمل بعلمه خائب وذلك حيث يقول:
وإن علمت ولم تعمل على وجل ... فما ربحت فقل يا خيبة الأمل
ولله در القائل:
اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ... ينفعك علمي ولا يضرك تقصيري
القصة في الحديث النبوي
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ وَالأُخْرَى يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: (كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ هَؤُلاءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ وَهَؤُلاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا, فَجَلَسَ مَعَهُمْ) (١) .
الجهل يضاد العلم
العلم حياة الأمة, والجهل حرمانها, فمن تعلم شفي ومن جهل عمي, وقديما قيل: " الجهل مطية من ركبها ذل, ومن صحبها ضل, وشر المصائب الجهل", ويرحم الله احمد شوقي حيث يقول:
هل علمتم أمةً في جهلها ... ظهرت في المجد حسناء الرداء
стр. 36
وله أيضا:
إني نظرت إلى الشعوب فلم أجد ... كالجهل داءً للشعوب مبيدا
الجهل لا يلد الحياة مواته ... إلا كما تلد الرمام الدودا
أما جرد ابن عمرو فهو يقول:
رأيت العز في أدب وعلم ... وفي الجهل المذلة والهوان (١)
الجهل أنكى عدو, وأخبث صديق, والجهل داء قاتل, وشقاء حاصل, فإذا خيم على أمة فسدت, أو على أسرة مسخت, قال الشاعر:
إذا ما الجهل خيم في بلاد ... رأيت أسودها مسخت قرودا (٢)
وقال الإمام ابن القيم:
والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقانِ
نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني (٣)
منازعة العلماء تنفي العقل وتثبت الجهل, وأجهل الناس من قل صوابه وكثر اعجابه, قال الشاعر:
أليس من البلوى بانك جاهل ... وأنك لا تدري بأنك لا تدري
إذا كنت لا تدري ولست كمن درا ... فكيف إذاً تدري بأنك لا تدري (٤)
أما ابن دريد (٥) فإنه يقول:
стр. 37
جهلت فعاديت العلوم وأهلها ... كذاك يعادي العلم من هو جاهله
وقال آخر:
جهلت أمراً فأبديت النكير له ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقديما قيل: "أربعة يقضى بها على أربعة: السعاية على الدناءة, والإساءة على الرداءة, والحلف على البخل, والسخف على الجهل, وأربعة لا تنفك عن أربعة: الجهول عن السقط, والغفول عن الغلط, والعجول عن الزلل, والملول عن العمل, وأربعة تدل على الجهل: صحبة الجهول, وكثرة الفضول, وإذاعة السر, وإثارة الشر". (١)
وقيل أيضاً: "ليس للمرء أن يفرح بحالة جليلة نالها بغير عقل, أو منزلة رفيعة حلها بغير فضل, فإن الجهل ينزله منها, ويزيله عنها, ويحطه إلى رتبته, ويرده إلى قيمته, بعد أن تظهر عيوبه, وتكثر ذنوبه, ويصير مادحه هاجياً, ويصبح وليه معادياً", وربما أقبلت الدنيا على الجاهل بالاتفاق, وأدبرت عن العاقل العالم مع الاستحقاق, فإذا أتتك منها سهمة مع جهل أو فاتتك فيها بغية مع عقل فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل, والزهد في العقل والعلم, فدولة الجاهل من الممكنات, ودولة العاقل من الواجبات, وليس ما أمكنه شيء من ذاته كمن استوجبه بآلته وأداته, فعداوة العاقل خير من صادقة الجاهل. (٢)
стр. 38
والجهل أضر الأصحاب, والذم أقبح الأثواب, والجاهل من جهله في إغواء, ومن هواه في إغراء, فقوله سقيم, وفعله ذميم, ودولة الجاهل عبرة للعاقل, وقديماً قيل: "عالم معاند خير من جاهل مساعد", و"الجهل بالفضائل من أقبح الرذائل".
والجهل يضع والعلم يرفع, قال الشاعر:
العلم يرفع بيت لا عماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف (١)
ولله در القائل:
فيا عجباً لمن ربيت طفلاً ... ألقمه بأطراف البنان
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
أعلمه الفتوة كل وقت ... فلما طر شاربه جفاني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافيةً هجاني (٢)
الفتيا بغير علم إثم
جاء في محكم الذكر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) , وجاء في السنة النبوية: (مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ) (٤) , ولصفي الدين الحلي (٥) :
стр. 39
إِذا لَم تَكُن عالِماً بِالسُؤالِ ... فَتَركُ الجَوابِ لَهُ أَسلَمُ
فَإِن أَنتَ شَكَّكتَ فيما سُئِلـ ... ـتَ فَخيرُ جَوابِكَ لا أَعلَمُ
وقال آخر:
وَمَن كانَ يَهوى أَن يُرى مُتَصَدِّراً ... وَيَكرَهُ لا أَدري أَصيبَت مَقاتِلُه (١)
فمن عاش وعَقَل وعلم وعمل وترك آثاراً طيبة فقد أدركته السعادة قال الشاعر:
فمن عاش حتى ينفع الناس علمه ... فلا زال ممتداً له العيش والعمر
وما الخلد إلا للذين إذا انتهت ... حياتهم بالخير دام بها الذكر (٢)
العليم الخبير في أسماء الله الحسنى
إن الله جل وعلا عليم محيط علمه بكل شيء، فهو الذي تفرد سبحانه بعلم الغيب والشهادة، وهو الذي يعلم غيب السماوات والأرض، وهو
стр. 40
الذي يعلم الظواهر والبواطن، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا اكبر، فهو لا يغفل ولا ينسى.
فما علوم الخلائق بالنسبة إلى علم الخالق بشيء، ولا يمكن مقارنتها بعلمه بوجه من الوجوه فهو الذي علّمهم شيئاً يسيراً من العلم لم يكونوا يعلمونه، تفضل الله به عليهم، وفي محكم التنزيل: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (١) , فسبحانك ربنا لا نقول إلا كما قالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) ، فهو الذي خلق الخلائق من العدم، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وخلق له ما لم يكن يعلم، فتبارك الذي علم بالقلم، وأمره بالقراءة باسم ربه الأكرم، فقال جل شأنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٣) ، وفي سورة البقرة يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) ، فعلمه سبحانه محيط بجميع العالم العلوي والسفلي وما فيه من المخلوقات ذواتها، وأوصافها وأفعالها، وجميع أمورها، فهو يعلم ما كان وما يكون في المستقبلات التي لا نهاية لها وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم أحوال المكلفين منذ إنشائهم، وبعد ما يميتهم، وبعد ما