وله أيضا:
إني نظرت إلى الشعوب فلم أجد ... كالجهل داءً للشعوب مبيدا
الجهل لا يلد الحياة مواته ... إلا كما تلد الرمام الدودا
أما جرد ابن عمرو فهو يقول:
رأيت العز في أدب وعلم ... وفي الجهل المذلة والهوان (١)
الجهل أنكى عدو, وأخبث صديق, والجهل داء قاتل, وشقاء حاصل, فإذا خيم على أمة فسدت, أو على أسرة مسخت, قال الشاعر:
إذا ما الجهل خيم في بلاد ... رأيت أسودها مسخت قرودا (٢)
وقال الإمام ابن القيم:
والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقانِ
نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني (٣)
منازعة العلماء تنفي العقل وتثبت الجهل, وأجهل الناس من قل صوابه وكثر اعجابه, قال الشاعر:
أليس من البلوى بانك جاهل ... وأنك لا تدري بأنك لا تدري
إذا كنت لا تدري ولست كمن درا ... فكيف إذاً تدري بأنك لا تدري (٤)
أما ابن دريد (٥) فإنه يقول:
стр. 37
جهلت فعاديت العلوم وأهلها ... كذاك يعادي العلم من هو جاهله
وقال آخر:
جهلت أمراً فأبديت النكير له ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقديما قيل: "أربعة يقضى بها على أربعة: السعاية على الدناءة, والإساءة على الرداءة, والحلف على البخل, والسخف على الجهل, وأربعة لا تنفك عن أربعة: الجهول عن السقط, والغفول عن الغلط, والعجول عن الزلل, والملول عن العمل, وأربعة تدل على الجهل: صحبة الجهول, وكثرة الفضول, وإذاعة السر, وإثارة الشر". (١)
وقيل أيضاً: "ليس للمرء أن يفرح بحالة جليلة نالها بغير عقل, أو منزلة رفيعة حلها بغير فضل, فإن الجهل ينزله منها, ويزيله عنها, ويحطه إلى رتبته, ويرده إلى قيمته, بعد أن تظهر عيوبه, وتكثر ذنوبه, ويصير مادحه هاجياً, ويصبح وليه معادياً", وربما أقبلت الدنيا على الجاهل بالاتفاق, وأدبرت عن العاقل العالم مع الاستحقاق, فإذا أتتك منها سهمة مع جهل أو فاتتك فيها بغية مع عقل فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل, والزهد في العقل والعلم, فدولة الجاهل من الممكنات, ودولة العاقل من الواجبات, وليس ما أمكنه شيء من ذاته كمن استوجبه بآلته وأداته, فعداوة العاقل خير من صادقة الجاهل. (٢)
стр. 38
والجهل أضر الأصحاب, والذم أقبح الأثواب, والجاهل من جهله في إغواء, ومن هواه في إغراء, فقوله سقيم, وفعله ذميم, ودولة الجاهل عبرة للعاقل, وقديماً قيل: "عالم معاند خير من جاهل مساعد", و"الجهل بالفضائل من أقبح الرذائل".
والجهل يضع والعلم يرفع, قال الشاعر:
العلم يرفع بيت لا عماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف (١)
ولله در القائل:
فيا عجباً لمن ربيت طفلاً ... ألقمه بأطراف البنان
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
أعلمه الفتوة كل وقت ... فلما طر شاربه جفاني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافيةً هجاني (٢)
الفتيا بغير علم إثم
جاء في محكم الذكر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) , وجاء في السنة النبوية: (مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ) (٤) , ولصفي الدين الحلي (٥) :
стр. 39
إِذا لَم تَكُن عالِماً بِالسُؤالِ ... فَتَركُ الجَوابِ لَهُ أَسلَمُ
فَإِن أَنتَ شَكَّكتَ فيما سُئِلـ ... ـتَ فَخيرُ جَوابِكَ لا أَعلَمُ
وقال آخر:
وَمَن كانَ يَهوى أَن يُرى مُتَصَدِّراً ... وَيَكرَهُ لا أَدري أَصيبَت مَقاتِلُه (١)
فمن عاش وعَقَل وعلم وعمل وترك آثاراً طيبة فقد أدركته السعادة قال الشاعر:
فمن عاش حتى ينفع الناس علمه ... فلا زال ممتداً له العيش والعمر
وما الخلد إلا للذين إذا انتهت ... حياتهم بالخير دام بها الذكر (٢)
العليم الخبير في أسماء الله الحسنى
إن الله جل وعلا عليم محيط علمه بكل شيء، فهو الذي تفرد سبحانه بعلم الغيب والشهادة، وهو الذي يعلم غيب السماوات والأرض، وهو
стр. 40
الذي يعلم الظواهر والبواطن، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا اكبر، فهو لا يغفل ولا ينسى.
فما علوم الخلائق بالنسبة إلى علم الخالق بشيء، ولا يمكن مقارنتها بعلمه بوجه من الوجوه فهو الذي علّمهم شيئاً يسيراً من العلم لم يكونوا يعلمونه، تفضل الله به عليهم، وفي محكم التنزيل: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (١) , فسبحانك ربنا لا نقول إلا كما قالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) ، فهو الذي خلق الخلائق من العدم، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وخلق له ما لم يكن يعلم، فتبارك الذي علم بالقلم، وأمره بالقراءة باسم ربه الأكرم، فقال جل شأنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٣) ، وفي سورة البقرة يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) ، فعلمه سبحانه محيط بجميع العالم العلوي والسفلي وما فيه من المخلوقات ذواتها، وأوصافها وأفعالها، وجميع أمورها، فهو يعلم ما كان وما يكون في المستقبلات التي لا نهاية لها وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم أحوال المكلفين منذ إنشائهم، وبعد ما يميتهم، وبعد ما
стр. 41
يحييهم، فأحاط بأعمالهم كلها خيرها وشرها، وجزاء تلك الأعمال وتفاصيل ذلك في دار القرار (١) ، سبحانه فهو يحيي الأرض بعد موتها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) .
وقال الحليمي في معنى العليم: انه المدرك لما يدركه المخلوقون بعقولهم وحواسهم ما لا يستطيعون إدراكه من غير أن يكون موصوفاً بعقل أو حس، وذلك راجع إلى انه لا يعزب ولا يغيب عنه شيء، ولا يعجزه إدراك شيء كما يعجز عن ذلك من لا عقل له أو حس له من المخلوقين، ومعنى ذلك انه لا يشبهم ولا يشبهونه.
وقال أبو سليمان الخطابي: العليم هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركه علم الخلق، وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم (٣) ، والنصوص في ذكر إحاطة علم الله وتفصيل دقائق معلوماته كثيرة جدا لا داعي لنقلها كونها معلومة في كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، وانه لا يعزب عنه مثقال ذره في الأرض ولا في السماء، وانه الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والسرائر والخفيات والأمور المتقدمة
أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ) (١) ، فقد ثبت تسمية الحق ، ووصفه انه جل شأنه علام الغيوب بالقران، وفي السنة النبوية ورود اسم (العالم) كما هو مصرح به في الحديثين السالف بيانهما.
قال الحليمي في معنى العالم: إنه مدرك الأشياء على ما هي به، وإنما وجب أن يوصف عز اسمه بالعالم؛ لأنه قد ثبت أن ما عداه من الموجودات فعل له، وأنه لا يمكن أن يكون فعل إلا باختيار وإرادة والفعل على هذا الوجه لا يظهر إلا من عالم كما لا يظهر إلا من حي. (٢)
وفي معنى العلام قال الحليمي: هو العالم بأصناف المعلومات على تفاوتها، فهو يعلم الموجود وعلم ما هو كائن، وانه إذا كان كيف يكون، ويعلم ما ليس بكائن. (٣)
أما اسمه تعالى الخبير: فهو الذي أنتها علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظاهرها، وقد تكرر هذا الاسم في القران الحكيم قال القرطبي وقد أجمعت عليه ألامه: ولا خلاف في إجرائه على العبد (٤) ، وفي التنزيل حكاية عن لقمان ﵇: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن
стр. 44
فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (١) ، وفي سورة فاطر يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٢) ، ولا يخفى على اللطيف الخبير ما تحويه الضمائر وتخفيه الصدور.
علم الله جل وعلا علم تفرده به
أإن علم الحق ليس كعلم المخلوقين لأنه يشمل جميع المعلومات، ويحيط بجميع المخلوقات فلا يخلو عن علمه مكان ولازمان بخلاف علم العبد.
ب علم الله جل وعلا لا يتغير بتغير المعلومات، ولا يتأثر بتعاقب الأزمنة والأوقات.
ج علم الله غير مستفاد من الحواس ولا من الفكر بخلاف العبد.
د علم الله جل وعلا ضروري الثبوت ممتنع الزوال، لأنه جل وعلا كما اخبر عن نفسه: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ﴾ (٣) ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ (٤) ، وعلم العبد جائز الزوال.
هـ
و
стр. 45
ي الحق لا يشغله علم عن علم بخلاف العبد.
أأ إن معلومات الحق غير متناهية بخلاف معلومات العبد.
ز إن الله جل وعلا لا تخفى عليه خافيه، ولا يعزب عن علمه قاصيه ولا دانيه (١) .
ثمرة معرفة اسم الله تعالى العليم الخبير
من عرف أن الله جل وعلا علام عالم عليم خبير بحاله وبشئون الحياة وما تؤل إليه وجب عليه الإيمان به وبصفاته وأسمائه، وبما اوجب الإيمان به وخشيته ومراقبته، وتوحيده والإيمان به، والخضوع له وطاعته، والشكر له على آلائه، والصبر على بلائه، والاعتذار إليه من قبيح الخطايا، وإفراده بالدعاء والتقرب إليه بالإعمال الصالحة، وان يكون العبد شديد البحث والفحص عن محاسن الأخلاق ومفاتيحها، وعدم اغترار الإنسان بعلمه وتدليس إبليس، والخوف من الله والحياء منه في جميع الأقوال والأعمال، لأنه يعلم السر وأخفى ويعلم ما تخفي الصدور، ووجب عليه الإيمان بما علم من صفات الله وأسمائه والعمل بأحكامه وحلاله وحرامه، والعلم بما افترضه الله وندب إليه رسوله، والسعي الحثيث إلى تعلم ما اوجب الله تعلمه، ومن ذلك ما ارشد إليه في محكم التنزيل من نحو قول سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٢) ،
стр. 46
وقوله جل شانه: ﴿اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) ، وقوله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تحث على التعلم والعلم والعمل والطاعة والإذعان، والتوجه في كل الأحوال إلى الله الملك الديان، ولله در القائل:
قَد كَفاني عِلمُ رَبّي ... مِن سُؤالي وَاِختِياري
فَدُعائي وَاِبتِهالي ... شاهِدٌ لي بِاِفتِقاري
فَلِهَذا السِرُّ أَدعو ... في يَساري وَعِساري
أَنا عَبدٌ صارَ فَخري ... ضِمنَ فَقري وَاِضطِراري
قَد كَفاني عِلمُ رَبّي ... مِن سُؤالي وَاِختِياري
يا إِلَهي وَمَليكي ... أَنتَ تَعلَمُ كَيفَ حالي
وَبِما قَد حَلَّ قَلبي ... مِن هُمومٍ وَاِشتِغالي
فَتَدارَكَني بِلُطفٍ ... مِنكَ يا مَولى المَوالي
يا كَريمَ الوَجهِ غِثني ... قَبلَ اَن يَفنى اِصطِباري
قَد كَفاني عِلمُ رَبّي ... مِن سُؤالي وَاِختِيارِ
يا سريعَ الغَوثِ غَوثاً ... مِنكَ يُدرُكُني سَريعا
يَهزِمُ العُسرَ وَيَأتي ... بِالَّذي أَرجو جَميعا
يا قَريباً يا مُجيباً ... يا عَليماً يا سَميعا
قَد تَحَقَّقَت بِعَجزي ... وَخُضوعي وَاِنكِساري
стр. 47
قَد كَفاني عِلمُ رَبّي.....مِن سُؤالي وَاِختِياري
لَم أَزَل بِالبابِ واقِفْ ... فَأَدِم رَبّي وُقوفي
وَبِوادي الفَضلِ عاكِفْ ... فَأَدِم رَبّي عُكوفي
وَلِحُسنِ الظَنِّ لازِمْ ... وَهوَ خِلّي وَحَليفي
وَأَنيسي وَجَليسي ... طولَ لَيلي وَنَهاري
قَد كَفاني عِلمُ رَبّي ... مِن سُؤالي وَاِختِباري
حاجَةً في النَفسِ رَبّي ... فَاِقضِها يا خَيرَ قاضي
وَأَرِح سِرّي وَقَلبي ... مِن لَظاها وَالشَواظِ
في سُرورٍ وَحُبورِ ... وَإِذا ما كُنتُ راضي
فَالهَنا وَالبَسطُ حالي ... وَشِعاري وَدِثاري
قَد كَفاني عِلمُ رَبّي ... مِن سُؤالي وَاِختِياري (١)
والعاقل يعرف بان الله يعلم ويرى فهو يراقب الله في كل حركاته وسكناته وفي جميع أقواله وأفعاله، وهو يستشعر عظمة الله فيرجوه ويخافه ويفرده بالدعاء والاستغاثة ويطلب منه العون ويسأله من خير الدنيا والآخرة، فهو سبحانه بيده العطاء والمن، وفيه الرغبة ومنه الرهبة.
стр. 48
دعاء الله باسمه العالم العليم
دعاء الحق بصفة العلم مما صرحت به السنة النبوية كما في الأحاديث السالف بيانها ومن ذلك (اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) ، وقد سار على ذلك العلماء والشعراء في أشعارهم وأذكارهم ودعائهم، وقد جاء في شعر السيد عبد الله الحداد:
يا رب يا عالم الحال ... إليك وجهت لآمال
فامنن علينا بالاقبال ... وكن لنا واصلح الحال
يا رب يا رب الارباب ... عبدك فقيرك على الباب
أتى وقد بت الاسباب ... مستدركاً بعد ما مال
يا واسع الجود جودك ... الخير خيرك وعندك
فوق الذي رام عبدك ... فادرك برحمتك الحال
يا موجد الخلق طرا ... وموسع الكل برا
أسألك اسبال سترا ... على القبائح والاخطال
يا من يرى سر قلبي ... حسبي اطلاعك حسبي
فامح بعفوك ذنبي ... واصلح قصودي والأعمال
رب عليك اعتمادي ... كما إليك استنادي
صدقا وأقصى مرادي ... رضاؤك الدائم الحال
رب يا رب إني ... أسألك العفو عني
ولم يخب فيك ظني ... يا مالك الملك يا وال
أشكو إليك وأبكي ... من شؤم ظلمي وإفكي
стр. 49
وسوء فعلي وتركي.......وشهوة القيل والقال
وحب دنيا ذميمه ... من كل خير عقيمه
فيها البلايا مقيمه ... وحشوها آفات واشغال
يا ويح نفسي الغويه ... من السبيل السويه
أضحت تروح عليه ... وقصدها الجاه والمال
يا رب قد غلبتني ... وبالاماني سبتني
وفي الحظوظ كبتني ... وقيدتني بالاكبال
قد استعنتك ربي ... على مداواة قلبي
وحل عقدة كربي ... فانظر إلى الغم ينجال
يا رب يا خير كافي ... احلل علينا العوافي
فليس شيء ثم خافي ... عليك تفصيل وإجمال
يا رب عبدك ببابك ... يخشي أليم عذابك
ويرتجي لثوابك ... وغيث رحمتك هطال
وقد أتاك بعذره ... وانكساره وفقره
فاهزم بيسرك عسره ... بمحض جودك والافضال
وامنن عليك بتوبه ... تغسله من كل حوبه
واعصمه من شر أو به ... لكل ما عنه قد حال
فأنت مولى الموالي ... المنفرد بالكمال
وبالعلى والتعالي ... علوت عن ضرب الامثال
стр. 50
جودك وفضلك يرجى......وبطشك وقهرك يخشى
وذكرك وشكرك لازم ... وحمدك والاجلال
يا رب أنت نصيري ... فلقني كل خير
واجعل جنانك مصيري ... واختم بالايمان الآجال
وصل في كل حالهْ ... علي مزيل الضلالهْ
من كلمته الغزاله ... محمد الهادي الدال
والحمد لله شكراً ... على نعم منه تترى
نحمده سراً وجهراً ... وبالغدو والآصال
فنسألك اللهم يا عالم الغيب والشهادة يا عليم يا خبير أن تصلى على محمد البشير النذير واسئلك ان ترزقني علمه واتباعه يالطيف ياخبير وان تعلمني والمؤمنين من العلم النافع ما لم نكن نعلم، وان تفهمنا من العلوم ما لم نكن نفهم، وان تتفضل علينا بتوفيقك للعمل بما نعلم، وان تشرفنا بمعرفة اسمك الأعظم انك على كل شيء قدير، وان ترزقنا ذكرك وشكرك ما أحييتنا، وان تصلحنا وتصلح بنا، وتنفعنا وتنفع بنا، انك أنت الله العليم الخبير العالم الأكرم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد قريب مجيب.
стр. 51
الفصل الثاني
العَقْل
стр. 52
العقل
العقل مناط التكليف؛ فهو هبة الله الخبير اللطيف, فأشرف ما في الإنسان عقله, وأفضل ما وهبه الله لعبده العقل, فبالعقل تحيى النفوس, وتنور القلوب, وتمضى الأمور, وتعمر الدنيا, ولو أن العقل كان شجرةً في هذه الحياة لطاب ثمارها, وفاح بالعبير أزهارها, يرحم الله المتنبي حيث يقول:
لَولا العُقولُ لَكانَ أَدنى ضَيغَمٍ ... أَدنى إِلى شَرَفٍ مِنَ الإِنسانِ (١)
وقال آخر:
يعد عظيم القدر من كان عاقلاً ... وإن لم يكن في عقله بحسيب
وإن حل أرضاً عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدةٍ بغريب (٢)
أما العلامة علي بن احمد خريصة اليمني فهو يقول:
إذا لم يكن عقل الفتى أكثر الفتى ... فأكثر ما فيه ولا شك قاتله
стр. 53
هل العقل إلا حجة مستنيرة......ونور هدى ما أن تضل دلائله
بحسبك أن العقل زين لأهله ... وإن ليس في الخيرات شيء يعادله (١)
وقد نسب إلى كسرى: من لم يكن العقل أكثر ما فيه قتله أكثر ما فيه, وكأن العلامة علي بن احمد خريصة ﵀ عرف ذلك فنظمه كما هو ظاهر الأبيات السالف بيانها.
أما أبو العلاء المعري فهو يرى أن العقل قطبٌ وأمور الناس كافه كلها رحى تدور حوله, فبه تدبر كل الأمور, وقد أوجز ذلك بقوله:
اللب قطبٌ والأمور له رحىً ... فبه تدبر كلها وتدار (٢)
فإذا كان العقل حجة فاسلك به المحجة, قال أبو حاتم: العقل دواء القلوب, ومطية المجتهدين, وبذر حراثة الآخرة, وتاج المؤمن في الدنيا, وعدته في وقوع النوائب, ومن عدم العقل لم يزده السلطان عزاً, ولا المال يرفعه قدراً, ولا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة دنياه, فكما أن أشد الزمانة الجهل كذلك أشد الفاقة عدم العقل, فالواجب على المرء: أن يكون لرأيه مسعفاً, ولهواه مسوفاً, فإذا اشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه, لأن في مجانبة الهوى إصلاح السرائر, وبالعقل تصلح الضمائر.
стр. 54
قال معاوية بن أبي سفيان لرجل من العرب عُمّر دهراً: أخبرني بأحسن شيءٍ رأيته, قال: عقل طلب به مروءة مع تقوى الله وطلب الآخرة, وأنشد عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
إذا تم عقل المرء تمت أموره ... وتمت أياديه وتم بناؤه
فإن لم يكن عقل تبين نقصه ... ولو كان ذا مالٍ كثير عطاؤه (١)
أما الإمام علي ﵁ فهو يرى أن العقل أفضل ما قسم الله به للمرء حيث يقول:
وَأَفضَلُ قَسمِ اللَهِ لِلمَرءِ عَقلُهُ ... فَلَيسَ مِن الخَيراتِ شِيءٌ يُقارِبُه
يَعيشُ الفَتى في الناسِ بِالعَقلِ إِنَّهُ ... عَلى العَقلِ يِجري عَلمُهُ وَتَجارِبُه
يَزينُ الفَتى في الناسِ صِحَّةُ عَقلِهِ ... وَإِن كانَ مَحظوراً عَلَيهِ مَكاسِبُه
يَشينُ الفَتى في الناسِ قِلَّةُ عَقلِهِ ... وَإِن كَرُمَت أَعراقُهُ وَمَناسِبُه
وَمَن كانَ غَلّاباً بِعَقلٍ وَنَجدَةٍ ... فَذو الجَدِّ في أَمرِ المَعيشَةِ غالِبُه (٢)
وقال أخر:
إن المكارم أبواب مصنفة ... فالعقل أولها والصمت ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والصدق ساديها
والصبر سابعها والشكر ثامنها ... واللين تاسعها والصدق عاشيها (٣)
стр. 55
العقل والهوى متعاديان
إذا كان الهوى عدو العقل وآفته وجب على الإنسان أن يتجرد من الهوى, فالإنسان إذا اتبع الهوى نسي الله, وضل عن سبيل الرشاد, ولهذا قيل: "الهوى شريك العمى", و"كم من عقل أسير في يدي هوى أمير", ولهذا نهى الله عن الهوى فقال جل شأنه: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) , وفي الحديث: (ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ) (٢) , قال الشاعر:
مَن أَجابَ الهَوى إِلى كُلِّ ما يَد ... عوهُ مِمّا يُضِلُّ ضَلَّ وَتاها
وقال آخر:
ضلال العقول في إتباع الهوى ... ولا حيلة في ضلال العقول
ومما نسب إلى الإمام احمد حميد الدين في جموح الهوى:
إن الهوى غير مدفوع ولو جمعت ... له القوى أو عليه شن غارات
وعارضه في ذلك العلامة يحيى بن محمد الهادي ﵀ فقال:
إذا استعمر النفس جيش الهوى ... فعنها إلى الحشر لا ينسحب
وصارا معاً ضد جهد الحجى ... ومن غالب اثنين يوماً غلب
قلتُ: الظاهر أن من قدم هواه على عقله لم يصب رشداً في حياته, ولا أمناً بعد وفاته, وقد جاء في محكم التنزيل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣) .
стр. 56
جاء في كلام بعض الشعراء:
إذا أنت لم تعصي الهواء قادك الهـ ... ـوى إلى كل ما فيه عليك مقال
أما الإمام الشافعي ﵀ فانه يرى الرشد في مخالفة الهوى وذلك حيث يقول:
إذا جال أمرك في معنيين ... ولم تدر حيث الخطأ والصواب
فجانب هواك فان الهوى ... يقود النفوس إلى ما يعاب
وإذا كان لكل نفس هوى وشهوه، فان العاقل يحترس من الهوى، وقد روي أن لقمان ﵇ قال لابنه: (يا بني أول ما أحذرك من نفسك فان لكل نفس هوى وشهوه فان أعطيتها شهوتها تمادت وطلبت سواها فان الشهوة كامنة في القلب كمون النار في الحجر إن قدح أورى وإن ترك توارى) قال الشاعر:
إذا ما أجبت النفس في كل دعوة ... دعتك إلى الأمر القبيح المحرم (١)
ومما لا يغيب عن أذهان العقلاء أن من اتبع هواه افسد دينه ودنياه، فلا تدوم له سيادة ولا يستحق الريادة قال الشاعر:
واعلم بأنك لن تسود ولن ترى ... طرق الرشاد إذا اتبعت هواك
وقال آخر:
إذا شئت إتيان المحامد كلها ... ونيل الذي ترجوه من رحمة الرب
فخالف هوى النفس المسيئة انه ... لأعدى وادعى للردى من هوى الحب
هما سببا حتف الهوى غير ان في ... هوى الحب مهما عف بعداً عن الذنب
стр. 57
ولله در القائل:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
فلا تغتر أخي بترفع بعض مطيعي الهوى في هذه الحياة فان الهوى يردي اللبيب، وقد نسب إلى الفضل بن العباس انه قال:
لقد ترفع الأيام من كان جاهلاً ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب
وقد تحمد الناس الفتى وهو مخطئ ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب (١)
قال القرطبي: وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوانٌ سرقت نونه فأخذه شاعر فنظمه وقال:
نون الهوان من الهوى مسروقة ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا (٢)
أما كثير عزة (٣) فيقول:
وَفي الحِلمِ وَالإِسلامِ لِلمَرءِ وازِعٌ ... وَفي تَركِ طاعاتِ الفُؤادِ المُتَيَّمِ
بَصائِرُ رُشدٍ لِلفَتى مُستَبينَةٌ ... وَأَخلاقُ صِدقٍ عِلمُها بِالتَعَلُّمِ
стр. 58
أما أبو العتاهية (١) فهو يقول:
خالِف هَواكَ إِذا دَعاكَ لِرَيبَةٍ ... فَلَرُبَّ خَيرٍ في مُخالَفَةِ الهَوى
ولله در ابن دريد حيث يقول:
آفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا (٢)
فمن اتبع هواه ضل ومن نسي هفواته استعظم هفوات وسقطات غيره، ومن استغنى بعقله عن استشارة غيره زل، فلا تصاحب إلا عاقلاً تقيا، ولا تخالط إلا علماً ذكيا، ولا تودع سرك إلا مؤمناً وفيا، واسأل من الله الهداية يهدك، والعافية يعافك، ولا تبع الضلالة بالهدى، والبصر بالعمى تكن من أهل الشقى، وتخسر الدنيا والآخرة. ويرحم الله القائل:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... ومن يشتري دنياه بالدين أعجب
وما أعجب من هذا من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أعجب
قال ابن المقفع: من قل كلامه حمد عقله, ومن حرم رزئ في دنياه وآخرته, ويقول أيضاً: الهم مرض العقل وآفة العقل العجب. (٣)
وفي الأمثال السائرة: "العاقل من يرى مقر سهمه من رميته, وعقول الرجال تحت أسنة أقلامها".
стр. 59
عداوة العاقل خير من صداقة الأحمق
من الأمور المسلم بها أن العاقل لا يقاتل بدون عدة, ولا يخاصم بغير حجة, ولا يصارع بغير قوة, ولا يتكل على الجاه أو المال ولو كان في تمام الحال, لأن المال يحل ويرتحل والعقل يقيم ولا يبرح.
قال شعبة: إني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلاً فأمقته. (١)
ولا يكاد الإنسان يرى عاقلاً إلا موقراً للعلماء, ناصحاً للأقران, مواتياً للإخوان, متحرزاً من الأعداء غير حاسد للأصحاب, ولا مخادع لأولي الألباب, لا يتحرش بالأشرار, ولا ينقاد للهوى, ولا يجنح للغضب, ولا يرمح في الولاية, ولا يدل الصاحب على مسالك الغواية, فعداوة العاقل خير من صداقة الأحمق الغافل, ورحم الله دعبل الخزاعي حيث يقول:
عداوة العاقل خير إذا ... حصلتها من خلة الأحمق
لأن ذا العقل إذا لم يزع ... عن حلمه استحيى فلم يخرقِ
ولن ترى الأحمق يبقي على ... دين ولا ود ولا يتقي (٢)
العقل مناط التدبر وطريق الهدى والرشاد
بالعقل تعمر القلوب, وتتحقق السعادة, وبه يكون الحظ, وتنتفي الفاقة, فهو مناط التكليف, ومحل تعقل آيات الله الخبير اللطيف وتدبر أحكامه قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ
стр. 60
بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١) , وقال جل شأنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) , إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على عظيم شرف العقل, الذي يقرب الإنسان من الخير ويحجزه عن الشر قال الشاعر:
لا ترى العاقل إلا خائفاً ... حذراً من يومه دون غده
وفي الأمثال السائرة: "العقل أحسن معقل, وشهادة العقول أصح من شهادة العدول, والعقل أحصن معقل, والعقل وزير الناصح".
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل: أن يكون بما أحيا عقله من الحِكمة أكلف منه بما أحيا جسده من القوت, وقوت العقل الحِكم (٣) , وهذا صحيح, فالذي لا يتدبر في العواقب, ولا يتعظ عند وقوع النوائب, ولا يؤدي حق الخالق؛ فقد أضاع حظه, وعرض للهلكة نفسه, أما إذا أعمل الإنسان عقله؛ فإنه لا يضل إذا كان مؤمناً, ولا يغتم إذا كان معدماً, لأن العاقل إذا تدبر أبصر, وإن كان معدما؛ فإنه يرجى له الغنى, ولا يوثق للمغرور ولا للجاهل المكثر بقاء ماله أو عزه, فإنه يعرض ذلك كله للذهاب والفساد.
стр. 61
وجاء في الأمثال السائرة: "ليس للأمور بصاحب من لم ينظر في العواقب", وقيل: "العاقل من يرى مقر سهمه من رميته يضرب في النظر في العواقب", وقيل: "النظر في العواقب تلقيح للعقول". (١)
فالعاقل من ينظر بعقله, ويتدبر في أمره, ولا يفتتن بنظره, قال الشاعر:
لا تغْتَررْ بعيونٍ ينظرونَ بها ... فإنما هيَ أحداقٌ وأجفانٌ
كمْ مُقْلَةٍ ذهبتْ في الغيِّ مذهبها ... بنظرةٍ هي شانٌ أو لها شان
فانظرْ بعقلكَ إن العينَ كاذبةٌ ... واسمعْ بِحسّكَ إن السمعَ خوَّان
ولا تقُلْ: كل ذي عينٍ له نَظرٌ ... إن الرعاةَ تَرَى ما لا يرى الضان (٢)
ويرحم الله القائل:
إِنَّ الشَجاعَةَ في القُلوبِ كَثيرَةٌ ... وَوَجَدتُ شُجعانَ العُقولِ قَليلا (٣)
أما أبو الطيب المتنبي فهو يرى: أن الإنسان العاقل يعاني ويتعب فيقول:
ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِه ... وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ
ولكننا نرى المتنبي يهجو من يصف العجز بأنه عقل فيقول:
يَرى الجُبَناءُ أَنَّ العَجزَ عَقلٌ ... وَتِلكَ خَديعَةُ الطَبعِ اللَئيمِ (٤)
أما ابن الوردي فهو يقول في قبح تضييع العقل والاستسلام للرغبة والشهوة:
стр. 62
واهجر الخمرةَ إنْ كنتَ فتىً ... كيفَ يسعى في جنونٍ مَنْ عقلْ
العقل نوعان: مطبوع ومسموع
يرى بعض العلماء أن العقل: اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب والعلم باجتناب الخطأ, فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديباً ثم أريباً ثم لبيباً ثم عاقلاً.
وقال أبو حاتم: العقل نوعان: مطبوع ومسموع, فالمطبوع منهما كالأرض, والمسموع كالبذر والماء. (١)
وإلى مثل ذلك ذهب الراغب في كتاب الذريعة في مكارم الشريعة.
وفي مفردات القرآن: العقل يقال للقوى المتهيئة لقبول العلم, ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة. (٢)
وفي المختار: العقل: الحجر والنهى (٣) , وسمي به لأنه ينهى عن القبيح.
أما الجرجاني: فهو يرى أن العقل: جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله, وهي النفس الناطقة التي يسار إليها كل أحد بقول: أنا, والعقل: ما يعقل به حقائق الأشياء, قيل محله الرأس, وقيل محله القلب. (٤)
ولبعض الشعراء:
رأيت العقل نوعين ... فمطبوع ومسموع
стр. 63
ولا ينفع مسموع.........إذا لم يكُ مطبوع
كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع
الإنكار على من لم يُعمِل عقله
مما لا شك فيه أن من تدبر عقل, ومن أعمل عقله أبصر, فالله قد وهب الناس عقولاً ليعملوها ولتكون أكثر خصال الخير فيهم لا أن يهملوها, ولهذا نرى الناس يلومون من لم يعمل عقله, وينكرون عليه, وجاء في محكم الذكر الإنكار على من يأمر الناس بالبر ولا يأتيه قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (١) , وحكا الله عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢) , وجاء في كلام بعض الشعراء:
وإذا ضلَّتِ العُقول على عِلْـ ... ـمٍ فماذا تقوله الفُّصَحاءُ (٣)
أما أبو يعقوب الخريمي (٤) فهو يرى: أن تفرق الشمل بسبب عدم العقول أي أنه ينزل من لا يُعمِل عقله بمنزلة معدوم العقل فهو يقول:
كانوا بَني امّ ففرّق شملَهم ... عدمُ العُقول وَخفّة الأَحلامِ
стр. 64
ولبعض الحكماء: "من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه". (١)
إغفال العقل
إن طالب الفضل بغير عقل ولا بصر تائه, قال ابن المقفع: إغفال المرء لمسألة العقل "أشد الفاقة" فهو مقدم على المال والغنى, لأن العقل هو الحارس للمال, ولذا فهو يفضله, "لأنه يحرز الحظ, ويؤنس الغربة, وينفي الفاقة, ويعرف الفكرة, ويثمر المكسبة, ويطيّب الثمرة, ويوجه السوقة عند السلطان.. ويكسب الصديق, ويكفي العدو". (٢)
قال الكميت بن زيد (٣) :
وما غُبن الأقوام مثلَ عقولهم ... ولا مثلها كسباً أفاد كسوبُها
التجارب تزيد في العقل
إن تقلب أحوال الناس وخوض التجارب معهم مما يزيد في عقل الإنسان ويرشده إلى حسن التعامل معهم, قال الشاعر:
ألم ترى أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب (٤)
أما الحارث بن كلدّة فهو يرى: أن من يتعظ بغيره سعيد, وأن في التجارب تحكيماً ومعتبراً, ولذلك فهو يقول:
стр. 65
إِنَّ السَعيدَ لَهُ في غَيرِهِ عِظَةٌ ... وَفي التَجارِبِ تَحكيمٌ وَمُعتَبَرُ
وفي أدب الدنيا والدين للماوردي:
إذا طال عمر المرء من غير آفة ... أفادت له الأيام في كرها عقلاً
ومن العقل التثبت في كل عمل قبل الدخول فيه, والعاقل لا يطول أمله لأن من قوي أمله ضعف عمله, ومن أتاه أجله لم ينفعه أمله, والعاقل بطبعه يتقرب من العقلاء, فقرب العاقل غنم لأشكاله, وعبرة لأضداده على الأحوال كلها.
الأدب النفسي ودوره في تنمية العقل
إن للأدب النفسي دور في تنمية العقل وإحلاله المرتبة التي يتفق له معها تبعات الوجود, فالعقل عنده طاقة كامنة مليئة بالاستعدادات قادرة على المنطق الصالح إذا أحياها الأدب, وأمدها بأسباب النماء والعطاء, وعن ذلك يقول ابن المقفع: فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها وتظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها فيذهب عنها أذى اليبس والموت, ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة فذلك سليقة العقل مكنونة في مغرزها من القلب: لا قوة لها ولا حياة بها ولا منفعة عندها حتى يعملها الأدب الذي هو ثمارها وحياتها ولقاحها. (١)
стр. 66
كمال العقل
إن العاقل من الناس من لا يفرح بحصول لذة ولا يكترث بفواتها أو بعدم نيلها والوصول إليها, لأنه يعلم أن كل ذلك مصيره إلى الزوال, وفي محكم التنزيل: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١) .
وقد جاء في كلام بعض الشعراء:
ومن كملت فيه النهى (٢) لا يسره ... نعيمٌ ولا يرتاع للحدثان
وللإمام علي ﵁:
إِذا أَكمَلَ الرَحمَنُ لِلمَرءِ عَقلَهُ ... فَقَد كُمُلَت أَخلاقُهُ وَمآرِبُه
ويرحم الله القائل:
أولست تأمر بالعفاف وبالتقى ... وإليه آل الأمر حين يؤلُ؟
فإن استطعت فخذ بعقلك فضلة ... إن العقول يرى لها تفضيلُ
فما أحوج العقلاء إلى التدبر في جميع الأشياء لأخذ العظة والاعتبار والعمل على هدى منهج الله العزيز الجبار, وما أروع قول الشاعر:
ولي في فناء الخلق أكبر عبرة ... لمن كان في بحر الحقيقة راقي
شخوص وأشكال تمر وتنقضي ... فتفنى جميعاً والمهيمن باقي
стр. 67
القصة
روي أن عمر بن عبد العزيز ﵀ استعمل رجلاً فقيل له: إنه حديث السن, ولا نراه يضبط عملك, فأخذ العهد منه وقال: ما أراك تضبط عملك لحداثتك, فقال الفتى:
وليس يزيد المرء جهلاً ولا عمى ... إذا كان ذا عقل حداثة سنه
فقال عمر ﵀: صدق ورد عليه العهد.
وسئل عبد الله بن المبارك ﵀: ما خير ما أعطي الرجل؟ فقال: غريزة عقل, قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدب حسن؟ قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح يستشيره, قيل فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل, قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل. (١)
وفي الحديث النبوي: (الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) (٢) .
العقل يرشد الى توحيد الله
كل انسان يدرك بعقله ان كل شيء له صانع يصنعه او علة توجده والعاقل يدرك ان في اختلاف النبات في الطعم واللون والغذاء رغم اتحاد التربة والماء اله خلق واحسن التقدير والتدبير والى ذلك يرشد الحكيم الخبير
стр. 68
﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١) .
والانسان بفطرته اذا نظر الى الكون واستعرض مافيه من الكائنات, حصل له علم ضروري بان هذه الكائنات لم توجد صدفة بل لابد من موجد اوجدها. حتى وان كان اميا او اعرابيا فانه ييدرك ذلك بعقله وفطرته وفي نفح الطيب: قيل لأعرابي بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير والروث يدل على الحمير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج أما يدل ذلك على العليم القدير (٢) فالعاقل يدرك ان في الكون دليل وبرهان على وجود الله وان في اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر ايات تدل على وجود الله الحكيم الخبير السميع البصير, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣) . وقد ذهب كثير من العلماء الى القول بان فكرة الله او الدين على العموم انما هي فكرة فطرية وجدت في عقل الإنسان ولكن اوجدها فينا موجد وهو
стр. 69
الله (١) ومن الايات التي تبهر الالباب ان القرآن يقرر بان الدين فطرة في الإنسان فطر الله الناس عليها وان اساسه الاعتقاد بخالق الكون, وانه واحد لاشريك له فاذا انفرد الإنسان بنفسه حكم بانه مخلوق لإله قادر حكيم خلقه وانعم عليه يدرك ذلك بعقله وفطرته قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) فتعرف على اسم الله الذي خلق لك عقلا تفكر به ولسان تتكلم به وعينا تبصر بها واذنا تسمع بها, واعلم ان لا اله الا الله ولا معبود بحق الا الله, ولا رازق الا الله, فاذا قلت لا اله الا الله اي لامعطي ولا مانع ولا رافع ولا خافض ولا معز ولا مذل ولا وهاب ولا مغني ولا مبد ولا معيد الا الله فكل الاسماء الحسنى اذا جمعت هي الله اي هو المعبود الحق, فتعرف عليه يغنيك ويهديك ويعافيك.
اسم الله دال على جميع الاسماء الحسنى
الله اسم دال على جميع اسمائه الحسنى وصفاته العليا التي هي صفات الكمال المنزهة عن الشبيه والمثال ورد في القرآن اسم الله الجامع لاسمائه الحسنى ووصف الله اسماءه بالحسنى قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
стр. 70
وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٢) وورد في السنه النبوية: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (٣)
وقد علم من هذه النصوص ان الاسماء الحسنى تضاف الى اسم الله ﷻ فهو الاسم الجامع فيقال: الرحمن الرحيم العزيز الغفار من اسماء الله ولا يقال: الله من اسماء الرحمن فعلم انه اسم الله مستلزم لجميع معاني الاسماء الحسنى, دال عليها بالاجماع, والاسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الالهية, التي اشتق (٤) منها اسم الله واسم الله دال على كونه مألوها معبودا, تألهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا, وفزعا اليه في الحوائج والنوائب (٥) وقال الغزالي: اعلم أن هذا الإسم أعظم أسماء الله التسعة والتسعين لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء وسائر الأسماء لا يدل آحادها إلا على آحاد المعاني من علم أو قدرة أو فعل أو غيره ولأنه أخص الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره لا حقيقة ولا مجازا وسائر الأسماء قد يسمى به غيره كالقادر والعليم والرحيم وغيره فلهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم هذه الأسماء (٦) .
ثمرة معرفة اسم الله الجامع للاسماء الحسنى
اذا علم المكلف ان لا اله الا الله ولا معبود بحق الا الله ولا خالق ولا معطي الا الله فهو المانع الخافض الرافع, المعز المذل, العزيز الجبار, القهار المتكبر, وان (الله) علم على الذات الكاملة علم على الخالق, علم على البارئ, المصور, المسير, العزيز, الجبار, الكبير المتعال, وان اسماء الله الحسنى كلها جمعت في (الله) المتصف بصفات الوجود, وصفات الكمال, وصفات الوحدانية وجب عليه ان يؤمن به وحده لاشريك له وان يطيعه ويحبه فمن اطاع ولم يحب لم يعبد الله, فالعبادة هي الحب مع غاية الطاعة وان يردد كلمة التوحيد فهي افضل الذكر فهي كلمة التوحيد وشعار الإسلام فالاسلام كله والايمان كله والاحسان كله, جمع في هذه الكلمة فهي حصن الله ومن دخل حصنه امن من عذابه وقد جاء في الحديث القدسي: (لا إله إلا الله حصني فمن دخله أمن عذابي) (٧) فهي افضل
стр. 71
كلمة تسعد بها وتفوز وهي افضل الدعاء وفي الحديث النبوي: (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) (١) وهي افضل الذكر فقد ورد في الحديث النبوي أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٢) وفي الذكر الحكيم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٣) فاذا علم الإنسان انه لااله الا الله استغفر لذنبه ووحد الله ووحد وجهته الى الله فاستقام في اخلاقه وسلوكه وعبادته فهي كلمة التوحيد ونهاية العلم التوحيد, ونهاية العمل التقوى, وفي القرآن الحكيم وردت قصص للانبياء والمرسلين, وكلهم يقول لقومه ان اعبدوا الله مالكم من اله غيره فمن قالها موقنا من قلبه ظفر بمراده وسعد في حياته ومماته فانت حين تقولها عقب صلاة الفجر عشر مرات كانما اعتقت رقابا واحييت انفسا وكانت لك حرزا وحصنا وهي من احب الكلام الى الله ففي صحيح مسلم أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ) (٤) .
стр. 72
دعاء الله باسمه الجامع للاسماء الحسنى
ياالله يارحمن يارحيم ياسميع ياعليم يامن عُرف بالادله الداله من فطرة الارض والسماء وبالصفات الالهية والاسماء وبكتبه المنزلة ببديع الحكمة والوحدانية العظما يامن له الاسماء الحسنى والصفات العليا وقفت العقول بباب عظمتك فلم تحيط بك علما الا بماعلمتها من الصفات والاسماء فلك الحمد والمجد والثناء وقد قلت في محكم كتابك الله لااله الا هو له الاسماء الحسنى وقلتَ ولك العظمة والكبرياء قل ادعو الله او ادعو الرحمن اياما تدعدو فله الاسماء الحسنى وقلت وانت أهل المجد والثناء ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وقلت ولك الاخرة والاولى هو الله الخالق البارء المصور له الاسماء الحسنى فاسالك باسمائك الحسنى وصفاتك العليا بجلالك وعظمتك يامن هو الله الذي لااله الا هو عالم الغيب والشهادة ان تصلى على محمد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد وعلى اصحابه واتباعه ومن تحب من الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين وصالح خلقك اجمعين واسألك يا الله يارحمن يارحيم باسمائك الحسنى ان تؤانسني بجلالك وتملأ قلبي من معرفتك واسمائك وان تصلح لي امور ديني ودنياي واخرتي وان تغفرلي ولوالدي وللمؤمنين واسألك الدرجات العلى من الجنة اللهم رحمتك ارجو فلاتكلني الى نفسي طرفة عين ياالله ياحي ياقيوم ياذى الجلال والاكرام استجب دعائي وحقق لي املي ورجائي ياكريم يارحيم وصلى اللهم على محمد النبي الامين وعلى اله وصحبه والتابعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 73
الفصل الثالث
الإنسانية أصلها واحد
стр. 74
الإنسانية أصلها واحد
الأمر الذي لا مرية فيه أن أصل بني الإنسان واحد, وأن الإنسانية كلها وحدة واحدة, وإن تباينت مظاهرها في ألوانها وأجسادها وأشكالها, واختلفت ألسنتها وآراؤها ومذاهبها ومواطنها؛ فتلك نتيجة طبيعية لاختلاف البيئات, أو هي اعتبارات ومصطلحات لاتفاقات تعرض لجوهر الإنسان عند تكوينه واستكمال خلقه, وآية دالة على إحكام الله لخلقه, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (١) , فالآية دالة على عظيم صنع الله وتصويره وتقديره وكبير إحسانه وإكرامه للإنسان بما ليس له مثيل, فتدبر قول الحق ﵎ مخاطباً ملائكته: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٢) , فالإنسان العاقل يجب ألا يقابل هذا التكريم بالجحود؛ فيتعالى على غيره من بني الإنسان, فلا يجوز لصاحب وطن من الأوطان أو بلد من البلدان أو إقليم من الأقاليم أن يتعالى على غيره من بني الإنسان, إذ لو جاز ذلك لجاز للابن أن يتنكر لوالده, والأب لابنه, والأخ لأخيه, وأنى له ذلك وقد خلق الله الناس جميعاً من نفس واحدة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
стр. 75
وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١) , في هذه الآية خاطب الله جل وعلا الناس كافة بقوله يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي أنشأكم ورباكم بنعمه فاتقوه في أنفسكم، ولا تتعدوا حدوده فيما شرعه من الحقوق والآداب، مما فيه صلاح شأنكم، فإنه خلقكم من نفس واحدة، فكنتم جنساً واحداً تقوم مصلحته بتعاون أفراده وإتحادهم وحفظ بعضهم حقوق بعض، فتقوى الله فيها الشكر لربوبيته، وفيها ترقية لوحدتكم الإنسانية، فاتقوا الله في أمره ونهيه في حقوق الرحم التي هي أخص من حقوق الإنسانية، بأن تصلوا الرحم التي أمركم الله بوصلها، واحذروا ما نهاكم عنه من قطعها، لما في تقواه من الخير لكم الذي يذكركم به تساؤلكم فيما بينكم باسمه الكريم وحقه على عباده, وسلطانه الأعلى على قلوبهم وبحقوق الرحم، وفي هذا التساؤل من الاستعطاف والإيلاف ما يكفي للتعاطف والتراحم، فلا تفرطوا في هاتين الرابطتين بينكم رابطة الإيمان بالله وتعظيمه، ورابطة وشيجة الرحم، فإنكم إذا فرَّطتم في ذلك أفسدتم فطرتكم، فتفسد حينئذ البيوت والعشائر والقبائل، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: مشرفاً على أعمالكم حفيظاً مطلعاً على جميع أحوالكم.
وللإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه:
الناسُ مِن جِهَةِ الأبَاءِ اَكفاءُ ... أَبوهُمُ آدَمُ وَالأُمُ حَوّاءُ
نَفسٌ كَنَفسٍ وَأَرواحٌ مُشاكَلَةٌ ... وَأَعظُمٍ خُلِقَت فيها وَأَعضاءُ