← Адаб

Адаб · id 8372

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (1 043 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (١) والحج ركن الإسلام ومجتمع الاخوان وفيه تعظيم لشعائر الرحمن, وفي الحديث النبوي الشريف: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (٢) , والحج خير وبركة فمن حج البيت زكاة نفسه وغفر ذنبه وظفر بخير وفير واجر كبير, قال الشاعر: هنيئاً لمن حج بيت الهدى ... وحطَّ عن النفس أوزارها (٣) وقال اخر: حبذا الحج وأيامُ مِنَى ... ومُصلّانا وتقبيلُ الحجر (٤) اما صالح الكواز الحلي فهو يقول: أرى الحج شاهد عدل لكم ... بتأدية الفرض مهما وجب في الحج اجتماع الناس وتآلفهم لقد اهتم الشارع الحكيم باجتماع الناس وتآلفهم, وتبادلهم الاخوة الدينية, والمحبة الخالصة, فشرع صلاة الجماعة: ليختلط ابناء أهل الحي الواحد, وشرع الجمعة: ليجتمع أهل البلدة, وشرع الحج: ليجتمع أهل الاقطار والامصار؛ ليتعارفوا, ويتاحابوا, ويتبادلوا الاراء العامة؛ التي تعود بالنفع على الأمة الإسلامية في سائر اقطار المجموعة, قال الشاعر: هذه مكة العزيزة بيت الله ... يسعى لحجها الثقلان فالكعبة هي اول بيت وضع للناس لعبادة الله وحده وفي القرآن الحكيم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ *فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) جعل الله الكعبة البيت الحرام مثابة للناس وامنا لقد جعل الله للبشر في زحمة الصراع منطقة امان انها الكعبة المشرفة. والكعبة: البيت الحرام, سمي بذلك كما يقول أهل اللغة لتربيعه (٦) , وقال ابن الجوزي: وفي تسميتها بالكعبة قولان: احدهما لانها مربعة, والثاني لعلوها. وقال ابن خلدون: وتسمى الكعبة لعلوها من اسم الكعب (٧) . انها منطقة الامان التي جعلها الله للبشرية منذ بناء هذا البيت على يد ابراهيم واسماعيل ﵉ حينما اسساه على التوحيد, قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٨) فما

стр. 982

احوج البشرية المفزعة الوجلة, المتطاحنة المتصارعة الى منطقة الامان التي جعلها الله للناس في هذا الدين, وبينها للناس في القرآن الحكيم ليعلموا ان الله يعلم مافي السماوات والارض وان الله بكل شيء عليم ليعلموا انه الله يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكونات نفوسهم وهتاف ارواحهم وانه يقرر شرائعه لتلبية الطبائع والحاجات, والاستجابة للاشواق والمكونات فالبشرية كلها بحاجة الى عبادة الله بحاجة الى عونه وتوفيقه وتسديده بحاجة الى امان والى منطقة آمنه تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتصارعين والمتزاحمين على الحياة بين الاحياء من جميع الانواع والاجناس.. بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات لتحل الطمأنينة محل الخوف ويحل السلام محل الخصام, وترفرف اجنحة من الحب والإخاء والامن والسلام وتدرب النفس البشرية في واقعها العملي - لا في عالم المثل والنظريات- على هذه المشاعر وهذه المعاني قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) لقد جمع الله في هذا النص بيان حرمة المكان وحرمة الزمان لانه اراد ان يجعل الكعبة بيت الله الحرام والمسجد الحرام مثابة امن وسلام. تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع, كذلك جعل الله الاشهر الحرم لتكون منطقة امن في الزمان كالكعبة منطقة امن في المكان ثم مد الامن الى خارج منطقة الزمان والمكان, فجعله حقا

стр. 983

للهدي الذي يساق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة؛ فلايمسه احد في الطريق بسوء, ان ذلك الامن والامان يشمل الإنسان والطير والحيوان والحشرات بالامن في البيت الحرام, وفي فترة الاحرام بالنسبة للمحرم حتى وهو لم يبلغ الحرم, انها بحق منطقة السلام والسماحة التي يثوب اليها الناس ويقصدونها بالحج, وقد ذكر بعض العلماء انه ماعلى وجه الارض بلدة يستجاب فيها الدعاء في خمسة عشر موضعا الا مكة؛ اولها جوف الكعبة الدعاء فيها مستجاب, والدعاء عند الحِجْر الاسود مستجاب, والدعاء عند الركن اليماني مستجاب, والدعاء عند الحجر مستجاب, والدعاء خلف المقام مستجاب, والدعاء في الملتزم مستجاب, والدعاء على الصفا والمروة مستجاب, والدعاء بين الصفا والمروة مستجاب, والدعاء بين الركن والمقام مستجاب, والدعاء بمنى مستجاب, والدعاء بعرفة مستجاب, والدعاء في المشعر الحرام مستجاب (١) , قلت ليس ذلك فحسب فالصلاة في مكة بمائة الف صلاة وفيها بركة البيت وفضيلة التجميع والامن النفسي في المنطقة الامنة وفي الزمن الامن وهناك تصفو النفس البشرية وترق فتتصل بالملا الأعلى وتتهيأ للتعامل مع البشرية بلطف وامن, فهناك تحس قلوب الناس برحمة الله في شريعته وتتذوق جمال هذا التطابق بينها وبين فطرتهم, ان الحاج يشعر حينما يتطوف بالبيت العتيق بالمنافع العظيمة التي شهدها, انها الوحدة الحقيقية بلا ريب والوحدة النفسية والفكرية والاحساس بالجامعة

стр. 984

العامة التي تجمع الأمة على تعظيم شعائر الله وتوحيده وقد جعلهم الله شعوبا وقبائل ليتعارفوا فاكرمهم عند الله هم أهل التقوى الذين يدينون بدين الوحدانية ودين الاجتماع, وهم امة واحدة يجتمعون باسم الإسلام ويحجون البيت الحرام وهو اجتماع على الهدى والرشد والخير, لايقوم على المغالبة بل على الاخوة العامة والمودة الراحمة التي يحث عليها هذا الدين القويم, ان هذا الحج وهذا الاجتماع وهذا المؤتمر العظيم اذا اخلص الإنسان فيه لله وكان حجه مبرورا خرج الإنسان من ذنوبه وكسَب الاجر الكبير, والحج المبرور كما روي ذلك في الحديث النبوي (ليس له جزاء الا الجنة) (١) والحج المبرور هو الذي لايخالطه اثم ولا ذنب ولا انحراف. ان اجتماعا على توحيد الله وتعظيم شعائره واداء فريضة الحج ومناسكه في منطقة الأمان التي جعلها الله مثابة للناس وامنا نعمة عظيمة ومنة كبيره, انه الاجتماع على محبة الله والحب في الله الذي اساسه الالتزام بمنهج الله, وهو مقياس الايمان وعنوان التوفيق في الدنيا ورضوان الله في الاخرة, وليس تجمعا لاضدهاد امة ونهب ثروة واخافة امن كما نطق بذلك شاعر فقال: تجمعتم من كل جنس وأمة ... ولون لحفظ السلم, هل حُفِظ السِّلْمُ وهل رفع الحق الذليل جبينه ... وهل نحن بتنا لا يروعنا الظلم سمعنا كلاما لذ في السمع وقعه ... ورُبَّ لذيذ شاب لذته السم أرى الدول الكبرى لها الغنم وحدها ... وقد عادت الصغرى على رأسها الغرم

стр. 985

الا كل شعب ضائع حقه سدى...........اذا لم يؤيد حقه المدفع الضخم متى عفَّت الذئبان عن اكل صيدها ... وقد امكنتها من مقاتلها البهم الاحرام وحكمته اذا وصل الحاج او المعتمر الى المواقيت التي عينها الرسول ﵌ لمن يريد ان يدخل الى الحرم لاداء الحج او العمرة واراد ان يدخل في الاحرام تجرد من ثيابه ولبس ازارا ورداء ابيضين هي ثياب الاحرام ويقول عند الاحرام في الميقات ان كان يريد العمرة (لبيك بعمرة, او لبيك بعمرة متمتعا بها الى الحج, ان كان قد قصد التمتع الى الحج) او يقول: (لبيك اللهم بحج وعمرة) ان كان قد قصد الجمع بينهما وكان حجه قرانا, وان كان قد قصد الحج مفردا فيقول (لبيك اللهم بحج) ولا يكتفي بمجرد مافي قلبه من قصد الحج ونيته, فان القصد مازال في القلب منذ خروجه من بلده, بل لابد من قول او عمل يصير به محرما في الميقات وذلك كان يقول: لبيك اللهم بحج, او لبيك اللهم بعمرة متمتعا بها الى الحج, او لبيك اللهم بحج وعمرة, فاذا لبى قاصدا للاحرام انعقد احرامه اتفاقا. واذا دخل المسلم في الاحرام حرم عليه ان يتخذ اي وسيلة من وسائل الرفاهية والزينة, فلا يتطيب ولا يلبس من الثياب مافصل على الجسم وخيط من حلّة أوقميص او بنطلون ولاينتعل حذاءً ساترا للرجل الا نعلا ساذجة, ولا يتزين بالخواتم

стр. 986

وما اشبه ذلك ولايحلق ولا يقصر اظفاره, ولا يقرب النساء. والحكمة من ذلك كله ان الحج عبادة الغرض منه التقرب الى الله والوصول الى مااعده سبحانه للنفس المحسنة من حسن الجزاء, ولا يكون ذلك الا باشعار النفس بضرورة الاقتصار على ماهو ضروري فقط. والتجرد لله في جميع الحركات والسكنات من الأمور التي تشغل النفس من زخارف الحياة التي تصرفها في لحظات الاحرام واداء المناسك عن الاخلاص لله في العبادة مما يسمو ويرتفع بالنفس فوق المادة وفوق مااعتادت من الخضوع له من الشهوات والزينة, وفي ذلك رياضة ترجع بالنفس الى طبيعتها الاولى, فالانسان بفطرته وطبيعته يشعر عندما يرجع الى فطرته وطبيعته انه ازكى روحا واطهر قلبا, وفي رياضة النفس على المشقة واحتمال المكروه عند القيام باداء المناسك وهو في حالة احرام مايربي النفس ويدربها على قوة الاحتمال, فهذا نظام الكشافة الرياضي الذي اخترعه البشر له اثر على تربية النشء على قوة الاحتمال؛ فكيف لاتكون رياضة الاحرام واداء المناسك ابلغ اثرا واكثر نفعا وهو الذي يحمل النفس ويدربها على المشقة وعلى الإيثار وعلى المسارعة في فعل الخير وعلى الاجتماع وعلى الخضوع لله الواحد القهار, وعلى العبادة والالتزام بمافرضه الله وكتبه, وعلى الاحسان, وهي تشهد مايظهر عليه الحجاج في لباسهم الموحد غنيهم وفقيرهم وقويهم وضعيفهم مُوحَّدينَ وموحِّدين لله وذلك مايحمل معنى المساواة والاخوة الشاملة التي يحرص الإسلام على غرسها في نفوس اتباعه, ان الإنسان ليشعر ان الإسلام دين

стр. 987

محبة وسلام, فالمحرم عندما يرى البيت الحرام يقول في امن وسلام (اللهم انت السلام ومنك السلام فحيّنا ربنا بالسلام, اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما ومهابة, وزد من حجه اواعتمره تكريما وتشريفا) ان هذا الدعاء يدل على ان من اهداف الحج غرس حب السلام في النفوس, واستئصال روح الكراهية والبغضاء وتوجيه الناس الى ان يعيشوا اخوة متحابين. (١) ويؤيد هذا المعنى ماجاء في القرآن ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (٢) . وقال الشاعر: حبذا الحج وأيامُ مِنَى ... ومُصلّانا وتقبيلُ الحجر (٣) الحج المبرور الحج المبرور لارفث ولافسوق فيه, والحج المبرور لابد ان يكون الحاج ماله حلالا وملبسه حلالا والحج المبرور يكفر الذنوب ويعوّد الإنسان على الطاعة والاستقامة, والحج المبرور لابد ان يؤديه الإنسان خاليا عن الرياء والسمعة, فيتوجه الإنسان الى ربه بقلب خالص وزاد طيب وان يكون الإنسان قد عزم على التوبة والرجوع الى الله ورد المظالم الى اهلها وهجر المعاصي واصحابها, وان يسبح الله ويشكره كلما صعد شرفا

стр. 988

اوركب مركبا او دخل مكانا فهو يلاحظ عند مفارقة وطنه امتثال امر ربه واتباع نهج نبيه وان يحمد الله عند دخوله مكة محرما وان يتذكر عظمة الله وعظمة بيته, والا يتهاون بحرمة البيت بل يخشع ويتضرع ويسجد ويركع, ويطلب الرضوان من الرحيم المنان, وان يكون عند طوافه بالبيت موقنا انه بحضره الرب جوار بيته متفكرا في عظيم جلاله وكبير هيبته وان يبايع الله على التزام طاعته, وان يسأله العون على ذلك, وان التزم الملتزم قصد التقرب من ربه واشتاق الى لقائه واستعاذ بالله من عذابه واليم عقابه والا يترك الذكر والدعاء والتضرع والرجاء لرب الارض والسماء, ولايغرنك حال من حج بمال حرام وتطاول على الناس في المسجد الحرام وانغمس في اللهو والاثام فحظه عمل البهتان والزور قال الشاعر: إِذا حَجَجتَ بِمالٍ أَصلُهُ دَنِسٌ ... فَما حَجَجتَ وَلَكِن حَجَّتِ العيرُ لا يَقبَلُ اللَهُ الا كُلَّ طَيبَةٍ ... ما كُلّ مَن حَجَّ بَيتَ اللَهِ مَبرورُ (١) وقال اخر: يحجون بالمال الذي يجمعونه ... حراما إلى البيت العتيق المحرم ويزعم كل منهمو أن وزره ... يحط ولكن فوقه في جهنم وقال اخر: يحج لكيما يغفر الله ذنبه ... ويرجع قد حطت عليه ذنوب اما احمد شوقي فهو يقول:

стр. 989

وَيا رَبِّ هَل تُغني عَنِ العَبدِ حَجَّةٌ ... وَفي العُمرِ ما فيهِ مِنَ الهَفَواتِ وَتَشهَدُ ما آذَيتُ نَفساً وَلَم أَضِر ... وَلَم أَبغِ في جَهري وَلا خَطَراتي وَلا غلَبَتني شِقوَةٌ أَو سَعادَةٌ ... عَلى حِكمَةٍ آتَيتَني وَأَناةِ وَلا جالَ إِلّا الخَيرُ بَينَ سَرائِري ... لَدى سُدَّةٍ خَيرِيَّةِ الرَغَباتِ وَلا بِتُّ إِلّا كَاِبنِ مَريَمَ مُشفِقاً ... عَلى حَسَدي مُستَغفِراً لِعِداتي وَلا حُمِّلَت نَفسٌ هَوىً لِبِلادِها ... كَنَفسِيَ في فِعلي وَفي نَفَثاتي وَإِنّي وَلا مَنٌّ عَلَيكَ بِطاعَةٍ ... أُجِلُّ وَأُغلي في الفُروضِ زَكاتي أُبالَغُ فيها وَهيَ عَدلٌ وَرَحمَةٌ ... وَيَترُكُها النُسّاكُ في الخَلَواتِ وَأَنتَ وَلِيُّ العَفوِ فَاِمحُ بِناصِعٍ ... مِنَ الصَفحِ ما سَوَّدتُ مِن صَفَحاتي وَمَن تَضحَكِ الدُنيا إِلَيهِ فَيَغتَرِر ... يَمُت كَقَتيلِ الغيدِ بِالبَسَماتِ وقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ ... أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها ... كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ بِأَيمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ ... فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ وَذَلِكَ ماضي مَجدِهِم وَفَخارِهِم ... فَما ضَرَّهُم لَو يَعمَلونَ لِآتي وَهَذا زَمانٌ أَرضُهُ وَسَماؤُهُ ... مَجالٌ لِمِقدامٍ كَبيرِ حَياةِ مَشى فيهِ قَومٌ في السَماءِ وَأَنشَئوا ... بَوارِجَ في الأَبراجِ مُمتَنِعاتِ فَقُل رَبِّ وَفِّق لِلعَظائِمِ أُمَّتي ... وَزَيِّن لَها الأَفعالَ وَالعَزَماتِ الحكمة من الطواف

стр. 990

قد جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ومثابة يرجعون اليه ليذكروا الله ويعظموه فالحاج والمعتمر يطوف سبعة اشواط حول الكعبة جاعلا الحجر الاسود نقطة الابتداء. فالبيت رمز لعبادة الله وتوحيده وهو اول بيت وضع للناس فكان الطواف حوله بمثابة تحية لذلك البيت العتيق الذي وضع لعبادة الله وحده, ففي الطواف تشبه بالملائكة الحافِّين حول عرش الله الطائفين حوله, المسبحين له وفي ذلك مايدعو الى سمو الروح واخلاص العبادة لله والشعور بان هذا البيت وضع لذكر الله, فانت تصلي في اليوم خمس مرات او اكثر وتتوجه بصلاتك شطر هذه الكعبة المشرفة, وانت حينما تحج او تعتمر تحيي هذا المكان الذي بناه ابراهيم عبادة لله وحده ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١) قال الشاعر: فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا ... منّي السلام أهيلَ ذاك الوادي وتذكّروا عند الطواف متيماً ... صبّاً فني بالشوق والإبعادِ لي من ربا أطلال مكّة مرغبٌ ... فعسى الإلهُ يجودُ لي بمرادي ويلوحُ لي ما بين زمزم والصفا ... عند المقام سمعت صوت منادي وقد قيل إن حكمة الطواف حول الكعبة تتمثل في تكريمها عن يقين، وتحيتها عن عقيدة صافية، تثق في أن تكريم أول بيت وضع لعبادة الله في أرضه هو أهم أسباب استجلاب الرحمة، فالمزور كريم، وبيته عظيم،

стр. 991

والحكمة الخاصة بالطواف: أنه إقامة لذكر الله تعالى وهذه الحكمة قد نصت عليها السنة المطهرة فقد روى أبو داود في سننه قال: "حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد عن القاسم عن عائشة ﵂. قال: قال رسول الله ﵌: "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله (١) حكمة السعي بين الصفا والمروة السعي بين الصفا والمروة يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة, والمسلم اذا صعد الصفا استقبل القبلة وكبر ثلاثا وقال لااله الا الله وحده لاشريك له صدق وعده, ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ثم يدعو الله بما شاء, ثم ينزل من الصفا وهو يمشي متجها الى المروة ويسعى بين الميلين _العلم الاحضر_ بسرعة تزيد عن المشي وتقل عن الركض ثم يمشي حتى ياتي المروة فيرتقي عليها ويصنع عليها مثلما صنع في الصفا من استقبال القبلة والتوحيد والدعاء فاذا انتهى من الشوط السابع على المروة فان كان متمتعا فانه يقصر شعر رأسه كله وكذلك اذا كان معتمرا في رمضان او غيره فبالشوط السابع تنتهى العمرة, وللمعتمر ان يقصر شعر رأسه او يحلق من السعي وما السعي بين الصفا والمروة الا اداء لنسك وتعظيما لشعيرة الله,

стр. 992

وفي السعي بين الصفا والمروة لجوء الى الله في كشف الضر واصلاح النفس فقد كشف الله الضر عن هاجر وولدها اسماعيل وفجر لهما نبع ماء زمزم بعد ان كاد العطش يودي بهما, والسعي بين الصفا والمروة وان كان فيه تمارين رياضية تشبة التمارين العسكرية فان من الخضوع والعبادة لله وحده والطاعة والتحلي بالصبر والذكر لله والتعظيم له مايشكره الله ويغفر به الذنب ويضاعف به الاجر فمع الاجتهاد ينال الثواب, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وقال الشاعر: وسدد السعي واجعله لخالقنا ... محضاً تجد ذاك يوم الحشر والنشر واذكر الاهك في الساعات مجتهداً ... ولا تفوه بغير الذكر والسور وراقب الله فيما أنت طالبه ... كيما تفوز بخير الورد والصدر (٢) الحكمة من الوقوف بعرفة الوقوف بعرفة هو ركن من اركان الحج لايتم الحج الا به, وفيه اشعار للمسلمين بالوحدة, والالفة, واتفاق المصالح, والاستواء امام ربوبية الله جل وعلا دون تفرقة بين صغير وكبير, ولابين غني وفقير, ولا بين صعلوك وامير, وذلك مايدعو الى توحيد الله واتحاد القلوب والمشاعر, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) وفي الحديث النبوي ان النبي ﵌ خطب الناس وقال (الا ان ربكم واحد وان اباكم واحد) (٤) فهو يدعو الى توحيد الله الى وحدة المعبود ويبين وحدة الاصل, ووحده الأمة, ووحدة الفكر. ووحدة الاهداف وان المسلم ليشعر في يوم عرفة بتحمل مسؤلية حقيقية, تشمل الفرد, بوصفه فردا في الأمة التي تلتقي على صعيد واحد, فافرادها جميعا متضامنون في تحمل هذه المسؤلية, واحتمال تبعاتها, وان اولياء الأمر في هذه الأمة وعلماءها وقادة الفكر فيها اول من تقع عليهم المسؤلية, فهم جميعا محاسبون امام الله, وان الجميع على مختلف الوانهم واشكالهم يسألون الها واحدا يرجون مغفرته ويخشون عذابه وعقابه. ويوم عرفة هو يوم تغفر فيه الذنوب وتستجاب فيه الدعوات وينتصر الإنسان على شهواته وانانيته وعلى الشيطان الرجيم , ان من حكم الوقوف بعرفة: تجديد الشخصية والانخلاع من الماضي المشوب بالاثم والباطل وتجديد العهد مع الله على استئناف حياة نظيفة مستقيمة, ففي الحديث النبوي (من حج لله وفلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امه) (٥) ان في يوم عرفة يحس المؤمن باللقاء الروحي مع اخيه المؤمن وذلك مايشعره بحقيقة ماورد في الحديث النبوي (المسلم اخو المسلم لايظلمه

стр. 993

ولا يسلمه) (١) فعلى المسلم ان يذهب الى عرفة بدلا من ان يذهب الى اقصى الارض في رحلة سياحية ربما اقترف فيه الاثم, فليذهب ليتلاقى مع أهل الحق واهل التقوى ليتصل بالذين يلتمسون النور من السماء من رب العزة والجلال الذي جعل الحج سبيل رحمة ومنزل تعارف على مائدة الرحمن وليتخذ منه سبيلا للتعارف والدراسات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية اقتداء بهدي النبي الكريم وما كان عليه سلف هذه الأمة, وما خطبة حجة الوداع عن المسلمين ببعيد, قال الشاعر: إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ ... عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ ... تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم ... لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ ... رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ ... بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما ... أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً ... مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي ... وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ يُحَيّيكَ طَهَ في مَضاجِعِ طُهرِهِ ... وَيَعلَمُ ما عالَجتَ مِن عَقَباتِ وَيُثني عَلَيكَ الراشِدونَ بِصالِحٍ ... وَرُبَّ ثَناءٍ مِن لِسانِ رُفاتِ لَكَ الدينُ يا رَبَّ الحَجيجِ جَمَعتَهُم ... لِبَيتٍ طَهورِ الساحِ وَالعَرَصاتِ

стр. 994

أَرى الناسَ أَصنافاً وَمِن كُلِّ بُقعَةٍ ... إِلَيكَ اِنتَهَوا مِن غُربَةٍ وَشَتاتِ تَساوَوا فَلا الأَنسابُ فيها تَفاوُتٌ ... لَدَيكَ وَلا الأَقدارُ مُختَلِفاتِ (١) انك اخي في عرفات تعبد الله العظيم وتؤمن بالله العظيم فاذا علمت ان الله عظيم فعليك ان تعظم شعائر الله, ان تعظم كتابه, ان تعظم امره, ولا يغرك من يعظمون الاقوياء والاغنياء من الناس فانهم لايدركون عظمة الله, فانك اذا لم تؤمن بالله العظيم لن تطيع الله , فانت لو سالت هؤلاء الذين يعصون الله ليلا ونهارا, في كسب اموالهم, وفي تعاملهم مع الناس, وفي عدوانهم على الاخرين, وفي استعلائهم بالجاه اوالسلطان, وفي انحيازهم لمصالحهم الا تؤمنون بالله لاجابوا عليك نحن نؤمن بالله ولكنهم لم يدركوا عظمة الله وكرم الله وفضل الله وقوة الله وقدرة الله وقهر الله ولو عرفوا عظمة الله لحملهم ذلك على تحقيق ايمانهم, والتعرف على ربهم, والرجوع الى خالقهم, ولوجدوا في الحج فرصة للعودة الى الله فالايمان الذي لايحملك على طاعة الله لاينجيك من عذاب الله فانك ان رايت عظمة الله تلاشت عظمة نفسك وعظمة الخلق وابتعدت عن ظلم نفسك وظلم الاخرين, فتعرف على الله العظيم في وجوده, والعظيم في علمه, والعظيم في قدرته, والعظيم في قهره, والعظيم في سلطانه, والعظيم في نفاذ حكمه, وتعرف على اسمه العظيم ينجك من عذاب الجحيم. العظيم من اسماء الله الحسنى اسم الله العظيم ورد في القرآن الحكيم تسع مرات منها قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ومنها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٣) وورد في السنة النبوي في حديث ابي هريرة عند الترمذي (ان لله تسعة وتسعين اسما) وعد منها (العظيم) وورد في دعاء الكرب عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄ قال كان النبي ﵌ يقول عند الكرب (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (٤) ومعنى العظيم في حقه تعالى العظيم في وجوده, والعظيم في قدرته, والعظيم في سلطانه وقهره, والعظيم في امره ونهيه, والعظيم في احكامه وشريعته لاحدود لعظمته ليس لعظمته بداية ولالجلاله نهاية ليس كمثله شيء, وقال القرطبي اسم الله العظيم ﷻ وتقدست اسماؤه جاء في الكتاب والسنة واجمعت عليه الأمة, قال ولاخلاف في اجرائه على العبد وغيره يقال عَظُم الشيُء عِظَما: كبر فهو عظيم. والعظام بالضم مثله, والعظيم فينا ضد الحقير. واعظم الأمر: اي فخمه. والتعظيم: التبجيل. واستعظمه: عده عظيما. واستعظم وتعظم:

стр. 995

تكبر. (١) وقال الحليمي في معنى العظيم: إنه الذي لا يمكن الامتناع عليه بالإطلاق، ولأن عظيم القوم إنما يكون مالك أمورهم الذي لا يقدرون على مقاومته ومخالفة أمره، إلا أنه وإن كان كذلك ماهيته فقد يلحقه العجز بآفات تدخل عليه فيما بيده فيوهنه ويضعفه حتى تستطاع مقاومته، بل قهره وإبطاله، والله تعالى جل ثناؤه قادر لا يعجزه شيء (٢) , وقال ابن القيم ﵀: وَهُوَ العَظِيمُ بِكُلِّ مَعنَآ يُوجِبُ التَّ ... عظِيمَ لاَ يُحصِيهِ مِن إنسَانِ فهو العظيم في ذاته وفي صفاته وفي اسمائه كلها, فهو ذو العظمة والجلال في ملكه وسلطانه وقدرته وقوته فهو سبحانه العظيم المطلق ليس كمثله شيء وهو السميع العليم. ثمرة معرفه اسم الله العظيم اذا علم المكلف ان الله ذو العظمة والجلال وانه اعظم من كل عظيم وانه ذو السؤدد والشرف العظيم وانه لاعظيم على الاطلاق الا الله وجب عليه ان يؤمن به, فلله وحده العظمة والكبرياء فلايستحق احد من الخلق ان يُعظَّم كما يُعظَّم الله تعالى, فهو المستحق ﷻ من عباده ان يعظموه من قلوبهم والسنتهم وجوارحهم وذلك ببذل الجهد في معرفته, ومحبته والذل له, والانكسار له, والخضوع لعظمته, ومن

стр. 996

تعظيمه الإكثار من ذكره وشكره, ومن تعظيمه ان يتقى حق تقاته, ومن تعظيمه تعظيم حرماته, وتعظيم شعائره من صوم وصلاة وحج, ومن تعظيمه تعظيم كتابه والعمل بامره وتعظيمه في الركوع, ومن تعظيمه عدم الوقوع في حدوده, ومن تعظيمه تعظيم مناسك الحج والتطوع في نافلته, فعظِّمه في كل احوالك, فعظِّم قدره جلّ ذكره وعظِّم اسماءه وصفاته وانبياءه ورسله وماامرك بتعظيمه من مناسكه ومشاعره وشعائره وكل ماعظمه قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ﴾ (٢) فاذا شرعت اخي في الدخول في المشاعر العظام فتذكر عظمة الله واعمل بما يرضي الله العظيم, وكن ذاكرا له ذكر تعظيم, وقَدِّم من قدم الله العظيم واخِّر من اخَّر الله العظيم وحقِّر ماحقَّر الله العظيم ولاتتطاول على احد من المؤمنين كي لاتُغضِب الله العظيم واحسن الى عباد الله المتقين وكن عظيما في خلقك عظيما في سلوكك عظيما في تواضعك عظيما في احسانك مستشعرا عظمة الله في كل احوالك, ولا يليق بانسان ان يكون عبدا لغير الله العظيم, وما اكثر الناس الذين يعبدون عبادا امثالهم, فاما ان تكون عبدا لله العظيم فعبد الله حر, واما ان تكون عبدا لعبد لئيم؟ فاذا كنت تؤمن بالله العظيم فعليك تعظمه, تعظم امره تعظم نهيه, تعظم كتابه, تعظم نبيه, تعظم المؤمنين, تعظم

стр. 997

من يعمل بعلمه ولاتستخف به, فالعظيم عند الله هو من يعظم الله, اذا فالعظماء من عباده هم الانبياء, هم الاولياء, هم المؤمنون, وليس السفهاء والظالمون والمتكبرون والمنافقون والكافرون عظماء, فلايغرنك اطلاق بعض الناس على البعض بانهم عظماء لانهم ملكووا مالا او سلطانا اوجاها, فلاتعظم الا من عظم الله ولاتعبد الا الله العظيم ولاتشكر الا الله العظيم ولاترجو الا الله العظيم الذي بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير. دعاء الله باسمه العظيم ياالله ياعلي ياعظيم يارب العرش العظيم تعاليت عن الشبه والنظير ياسميع يابصير اجعلني خاضعا لعظمتك والجلال وتغمد ديني وجهلي الكثير وهب لي من رحمتك في كل مااتيت من صغير وكبير ياجليل ياكبير ياالله ياحليلم ياعظيم اجعلني معظما لك في اسمائك وصفاتك معظما لشعائرك وحرماتك متبعا لنهج نبيك معظما لما تحب تعظيمه واسألك الدرجات العلى في الجنة ياعلي ياعظيم اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين واسألك من خيرك العظيم في الدنيا والاخرة انك انت الله العلي العظيم الحليم الكريم رب العرش العظيم وصلى اللهم على محمد وآله وصحبه والتابعين. وقد كان من دعائه ﵌ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

стр. 998

رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (١) .

стр. 999

الفصل الرابع والخمسون الدعاء والصلاة على النبي الدعاء والصلاة على النبي الدعاء: جمع دعوة, يقال دعوت فلانا: سألته , والدعاء الى شيء الحث على فعله, ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه العناية واستمداده اياه المعونة. وحقيقته: اظهار الافتقار اليه والاعتراف بالبراءة من الحول والقوة الا له, وهو سمة العبودية واظهار الذلة البشربة, وفيه معنى الثناء على الله واضافة الجود والكرم اليه. واما الصلاة على النبي صلي الله عليه وآله وسلم فنأتي على ذكرها في هذا الفصل لان الصلاة في اللغة معناها الدعاء. والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة, وبينهما اشتراك في المعنى, فالعابد داع كما ان السائل داع, فالدعاء يعم النوعين, وعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة, وهو الدعاء ونقل أهل اللغة والعرف بعض مسماها على بعض موضوعه لايوجب الخروج عن موضعه الاصلي, وصلاة المؤمن على محمد ﵌ تتضمن الدعاء بطلب اكرامه ومباركته واظهار دينه وابقاء شريعته في الدنيا, وفي الاخرة اجزال مثوبته وتشفيعه في امته, وابداء فضيلته بالمقام المحمود, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ (١) وصلاة الله نوعان: عامة, وخاصة اما العامة: فصلاته على عباده المؤمنين, قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٢) ومنه دعاء النبي بالصلاة على

стр. 1000

آحاد المؤمنين كقوله اللهم صل على آل أبي أوفى, النوع الثاني صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد ﵌ قال الامام ابن القيم: اختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال أحدها أنها رحمته, وقال المبرد أصل الصلاة الرحمة فهي من الله رحمة ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين والقول الثاني أن صلاة الله مغفرته, قال ابن القيم ﵀ وهذا القول من جنس الذي قبله وهما ضعيفان لوجوه أحدها أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون البقرة ١٥٧ فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى ذلك تغايرهما, هذا أصل العطف وأما قولهم وألفى قولها كذبا ومينا فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام مع أن المين أخص من الكذب. الوجه الثاني أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين وأما رحمته فوسعت كل شيء فليست الصلاة مرادفة للرحمة لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمرتها ومقصودها وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن, والرسول يفسر

стр. 1001

اللفظة بلازمها وجزء معناها كتفسير الريب بالشك والشك جزء مسمى الريب, وتفسير المغفرة بالستر وهو جزء مسمى المغفرة وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان وهو لازم الرحمة ونظائر ذلك كثير (١) , وكلام ابن القيم فيه تحقيق فارجع اليه ان شئت الاستزادة ففيه زيادة. فصلاة الله على نبيه ثناؤه عليه ومباركته له وارادته لرفع ذكره وتقريبه, وصلاتنا نحن عليه سؤال الله تعالى ان يفعل ذلك به, وصلاة الملائكة دعاءهم واستغفارهم له, وقد سئل النبي ﵌ قد علمنا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ, فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ قولوا (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (٢) وقال الشاعر: صلوا على هادٍ أرانا هديه ... نهجاً من الدين الحنيف قويما

стр. 1002

صلوا على هذا النبي فإنه........من لم يزل بالمؤمنين رحيما صلوا على الزاكي الكريم محمدٍ ... ما مثله في المرسلينَ كريما (١) أنواع الدعاء في القرآن الكريم ورد الدعاء في القرآن الكريم في انواع عده: ١- العبادة قال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) اي لاتعبد الا الله وحده فان غيره لايضر ولاينفع فلا تسل ولاتَدْعُ غير الله فان غير الله لاينفع ولا يضر, ومما يدل على ذلك ان الحق قد امر عباده بدعائه, ففي الحديث النبوي ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) (٣) وَقَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ دَاخِرِينَ﴾ وفي لفظ (الدعاء مخ العبادة) وقوله الدعاء هو العبادة هذه الصفة المقتضية للحصر من جهة تعريف المسند إليه ومن جهة تعريف المسند ومن جهة ضمير الفصل تقتضي أن الدعاء هو أعلى أنواع العبادة وأرفعها وأشرفها وإلى هذا أشار بقوله صلى الله عليه واله وسلم الدعاء مخ العبادة, والآية الكريمة قد دلت على أن الدعاء من العبادة فإنه أمر عباده أن يدعوه ثم قال ٢-

стр. 1003

٣- إن الذين يستكبرون عن عبادتي فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار, ولا اقبح من هذا الاستكبار, وكيف يستكبر العبد عن دعاء من هو خالق له ورازقه وموجده من العدم وخالق العالم كله ورازقه ومحييه ومميتة ومثيبة ومعاقبة فلا شك أن هذا الاستكبار طرف من الجنون وشعبة من كفران النعم (١) , وقال الشاعر: وَاللَهُ أَنجَحُ ما طَلَبتُ بِهِ ... وَالبِرُّ خَيرُ حَقيبَةِ الرَحلِ (٢) وقال اخر: يا خالق الخلق يارب العباد ومن ... قد قال في محكم التنزيل أدعوني إني دعوتك مضطرا فخذ بيدي ... يا جاعل الأمر بين الكاف والنون نجيت أيوب من بلواه حين دعا ... بصبر أيوب يا ذا اللطف نجيني واطلق سراحي وامنن بالخلاص كما ... نجيت من ظلمات البحر ذا النون اما الامام الشافعي فهو ينكر على من يستهزء بالدعاء فيقول: أَتَهزَأُ بِالدُعاءِ وَتَزدَريهِ ... وَما تَدري بِما صَنَعَ الدُّعاءُ سِهامُ اللَيلِ لا تُخطِي وَلَكِن ... لَها أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ اِنقِضاءُ وللامام الشافعي ايضا: وَرُبَّ ظَلومٍ قَد كُفيتَ بِحَربِهِ ... فَأَوقَعَهُ المَقدورُ أَيَّ وُقوعِ

стр. 1004

فَما كانَ لي الإِسلامُ إِلّا تَعَبُّداً.......وَأَدعِيَةً لا تُتَّقى بِدُروعِ وَحَسبُكَ أَن يَنجو الظَلومُ وَخَلفَهُ ... سِهامُ دُعاءٍ مِن قَسِيّ رُكوعِ مُرَيَّشَةً بِالهُدبِ مِن كُلِّ ساهِرِ ... مُنهَلَّةً أَطرافُها بِدُموعِ ٤- الاستعانة وانما يستعين الإنسان بالله وحده, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) أي وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن, غير الله سبحانه, والمراد استعينوا بمن شئتم غيره تعالى. قال البيضاوي: المعنى ادعوا للمعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله , فإنه لا يقدر أن يأتى بمثله إلا الله (٢) وفي الدعاء يستمد المؤمن من ربه المعونة, والمؤمن انما يعبد الله وحده ويستعين به وفي الذكر الحكيم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) اي نخصك وحدك بالعبادة وطلب العون الذي نتقوى به على عبادتك وعلى امور الدنيا والاخرة ولا نستعين بغيرك ولله در الشاعر حيث يقول: إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَهِ للِفَتى ... فَأَكثَرُ ما يَجني عَلَيهِ اِجتِهادُهُ (٤) وقال اخر:

стр. 1005

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فكلُّ معينٍ ما عدا الله خاذل (١) ٥- النداء قال تعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٢) . ٦- الثناء قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٣) ودعاء أهل الجنة ثناء على الله وتسبيح قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) . الدعاء سلاح المؤمن الدعاء حصن المؤمن وسلاحه وعدته وفلاحه, والدعاء وقاية من البلاء, وحصن منيع يقي من نزول المصائب, ومدافع قوي يصد وطأة الكوارث, فمن اراد النجاح في اعماله والفلاح في اقباله وادباره, والنصر على اعدائة والفوز برضا ربه والنجاة من عقابه فعليه بالدعاء, وفي الحديث النبوي ان رسول الله ﵌ قال (الدعاء سلاح المؤمن وعماد

стр. 1006

الدين ونور السماوات والأرض) (١) قوله الدعاء سلاح المؤمن, فيه تشبيه الدعاء بالسلاح الذي يقاتل به صاحبه العدو, فإن هذا الداعي كأنه بالدعاء يقاتل ما يعتوره من المصائب وما يخشاه من سوء العواقب, وما أفخم الحكم على الدعاء بأنه عماد الدين وبأنه نور السموات والأرض فإن ذلك قد اشتمل على تعظيم لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه والعاجز من عجز عن لبس هذا السلاح وترك الاعتماد على هذا العماد ولم ينتفع بهذا النور الذي أنارت به السموات والأرض (٢) , وقال الامام المهدي العباس (٣) بن الحسين ﵀: الدهر يزعم انه سيروعني ... بجيوشه ويزيد في اتراعي لم يدر دهر انني متجلد ... لخطوبه فليخش هول كفاحي فالصبر درعي والقناعة جنتي ... والذكر حصني والدعاء سلاحي وقال اخر:

стр. 1007

ومتى ما دعوتُ ربي على الدهـ ... رِ وظلمِ الخُطُوب لبّى الدعاءَ اما ابن زريق فهو يقول: واذا العبدُ للسَّما رَفعَ الكَف ... فَ لضرٍّ فَلا يخيبُ الدعاءُ الدعاء ومزاياه الروحية لقد شرع الإسلام الدعاء لما فيه من السمو الروحي والعلاج النفسي, فمن مستلزمات العبادة الدعاء فهو مخ العبادة كما ورد في الحديث النبوي, وهو الصلة التي تربط بين الإنسان وخالقه, والدعاء فطري في الإنسان فهو يشعر بحنين الى الله الذي خلقه يفزع اليه عند الشدائد, ويتضرع اليه عند حصول المصائب ويدعوه ليكشف عنه السوء, فهو ضعيف امام احداث الحياة لايجد سندا لضعفه الا الدعاء, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١) فهذا القوي القادر, القهار, الذي لا يعجزه شيء, ولايفتقر الى شيء, يقول لعبيده الضعفاء الاذلا, العاجزين المفتقرين: انا معكم, انا قريب منكم. انا مجيب لكل من دعاني وناداني, فهذا الكريم الاكرم, والعظيم الاعظم, المالك لكل شيء, والقادر على كل شيء, يناديك: يا عبدي انا قريب منك, اجيب دعوتك اذا دعوتني, وادفع ضرك, وآسو جرحك, واوسع رزقك! فهل آن داعيه؟ وفي الحديث النبوي: (مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ) (٢) وفي رواية: (مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنَ الدُّعَاءِ مِنْكُمْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الإِجَابَةِ) (٣) . الدعاء علاج نفسي الدعاء علاج نفسي لكثير من امراض النفس, فالانسان بطبيعته محتاج في حل مشكلاته لأن يفضي بذخيرة نفسه الى من يخفف عنه بعض مايشعر به من الهم والحزن, فاذا افضى الإنسان الى ربه بما يعانيه, وطلب منه مايبتغيه فانه يشعر بطمانينه ونفحة روحيه تنتشله مما هو فيه من الهم والضير, وذلك لان الايمان يقتضي الاعتقاد التام بان الله مجيب الدعاء فهو اقرب اليه من حبل الوريد, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٤) وقد ذكر بعض العلماء اجماع الاطباء النفسانيين على ان علاج التوتر العصبي والألآم النفسيه انما يتوقف الى حد كبير على الافضاء - بسبب التوتر ومنشء القلق- الى صديق مخلص, لأن كتمانه مما يزيد في المرض (٥) . فكيف به اذا التجأ الى مالك ملك السماوات والارض من بيده الضر والنفع وسأل الكريم المنان القريب المجيب ان يعطيه وان يعافيه وان يصرف عنه السوء والفحشاء وهو يقول وقوله

стр. 1008

الحق ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١) , ان الإنسان الذي يلجأ الى ربه يكون قد ضفر بخير الدنيا والاخرة, ولكن يجب على الإنسان ان يكون على الدوام متذكرا لربه مستجيبا لاوامره محققا لمعنى العبودية لخالقه في السراء والضراء والشدة والرخاء وليحذر ان يقع في الجحود والنكران لربه, حتى لايكون من الناسين او المسرفين, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ويقول وهو العزيز الحكيم: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ﴾ (٣) . الدعاء يرد القضا من اراد السلامة في الدنيا والاخرة فعليه بالدعاء, ومن اراد العزة والنصر فعليه بالدعاء, ومن احب العفو والعافية فعليه بالدعاء, فمن فتح له باب الاقبال بخشوع وخضوع وتضرع فقد فتحت له ابواب الاجابة وابواب الرحمة وابواب الجنة, فاذا وجد الإنسان من نفسه النشاط الى الدعاء والاقبال عليه فليستكثر منه فانه مجاب, وان الدعاء لينفع مما نزل من البلاء, ولايرد القدر الا الدعاء, ولايزيد في العمر الا البر فقد ورد في

стр. 1009

الحديث النبوي: (لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ) (١) قوله لا يرد القضاء إلا الدعاء فيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد, وقد وردت بهذا أحاديث كثيرة, ويؤيد ذلك قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) قوله ولا يزيد في العمر إلا البر فيه دليل أن ما يصدق عليه البر على العموم يزيد في العمر, وقد ثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر, والمراد الزيادة الحقيقية, وقيل المراد البركة في العمر والظاهر الأول, ومنه قوله سبحانه (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره) الآية وقوله (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) , والحاصل أن الدعاء من قدر الله , فقد يقضي بشيء على عبده قضاء مقيدا بأن لا يدعوه فإن دعاه إندفع عنه (٢) . قال الشاعر: رَبَّنَا رَبَّنَا إليك التجَأْنا ... ما لنا ربَّنا سواك الْتِجَاءُ بافْتقارٍ منّا وذُلٍّ أَتَيْنَا ... ما لنا عِزَّةٌ ولا استغناء وقال ابن الأمير الصنعاني: أسِوَاه إن حلت بنا اللوّآء ... يُدْعَى لها إنا إذاً جهلاء ندعوه في غسق الدجى ولم يكن ... عن علمه فيما نقول خفاء لكن تَعَبَّدَ بالدعاء عبادَه ... فأحبهم فيما أتى الدَّعآء يبكي الموفق حين يدعو ربه ... شوقاً له ومن السرور بكاء وَسعت عطاياك الخلائق كلها ... فالناس فيما في يديك سواء أوجدتهم فضلاً وجُدْتَ عليهمُ ... وأنلتهم ما شئت مما شاءوا أدآب الدعاء من أدآب الدعاء ان يترصد الإنسان لدعائه الأوقات الشريفة المحبوبة كيوم عرفة وايام رمضان ويوم الجمعة ووقت السحر وليلة القدر وان يغتنم الأحوال الشريفة والاوقات الذي ورد فيها انها مواطن اجابة كزحف الصفوف في الجهاد او في اقامة الصلاة او بين الاذان والاقامة او في السجود او خلف الصلوات, وان يكون الداعي مستقبلا للقبلة رافعا يديه خافضا لصوته متضرعا لربه ممتثلا لأمره ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) وان يثني على الله ويدعوه بخشوع ورغبة ورهبة, فقد اثنى الله على من كان ذلك حاله فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٤) وان يجزم الدعاء ويوقن بالاجابة ويلح في الدعاء ويكرره ثلاثا. قال ابن مسعود: كان ﵊ (اذا دعا دعا ثلاثا واذا سال سأل ثلاثا) (٥) وان يفتتح الدعاء بذكر الله ويصلى على النبي صلى الله عليه واله وسلم ثم يسأل الله حاجته بأسمآء الله الحسنى وصفاته العلا ثم يختم بحمد الله

стр. 1010

والصلاة على حبيبه ﵌ فان الله يقبل الصلاتين وهو اكرم ان يدع ما بينهما. ومن اداب الدعاء ان يكون الداعي تائبا متطهرا متذللا مكثرا من الطاعات والإحسان مبتعدا عن المال الحرام غير متعجل, وان يسأل بعزم ورغبة وجد واجتهاد, ففي الدعاء الفرج وفي الدعاء السعادة وفي الدعاء الظفر وكل ماتتمناه وترجوه من امور الدنيا والاخرة, قال الشاعر: تعالى ذو اللطائف عز شانا ... ودودٌ في خلائقه حبيبُ يلبي كل مضطر دعاه ... وقد غاب المناصر والقريب ويكشف كل اسواء وكرب ... بفضل ليس تحجبه الذنوب وينعم قبل ما يدعوه داع ... وراجي الخير منه لايخيب ويضمن حاجة الداعي دوما ... يعجل او يؤخر او يثيب واما من تعجل في دعاه ... فذاك بخيبة المضنى يئوب ومن يدعوه في ضر يقينا ... يجيب نداءه الله المجيب (١) من اقوال السلف في الدعاء قال الامام علي بن ابي طالب ﵁: "ارفعوا أفواج البلاء بالدعاء", وقال انس بن مالك ﵁: "لا تعجزوا عن الدعاء فانه لن يهلك مع الدعاء احد", وقال ابو ذر ﵁: "يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام مع الملح", وقال يحيى بن معاذ ﵀: "من اخلص لله في دعوته مَنَّ الله عليه بإجابته" (٢) . وقال عمر بن الخطاب ﵁: "بلغني ان الدعاء يحبس بين السماء والارض لايصعد منه شيء حتى يصلى على النبي ﵌" فضل الصلاة على النبي ﵌ ان الصلاة على خاتم النبيين واشرف المرسلين معين النجاح, وراية الفلاح وعنوان الاخلاص لله ولباب العمل الصالح, وهي سبب اجابة الدعاء فما من دعاء يصعد الى الله حتى يتبعه الصلاة على حبيبه ومصطفاه, ففي الحديث النبوي الذي رواه الطبراني عن علي ﵁: (كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي صلى الله عليه واله وسلم) (٣) وهذا دليل على فضل الصلاة عليه ﵌, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٤) وفي الصلاة على النبي ﵌ اعتراف برسالته وتصديق لنبوته وطاعة لامر خالقه, وفي الحديث النبوي: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا) (٥) وفي رواية (البخيل من ذكرت

стр. 1011

عنده ولم يصل علي) (١) وجاء في رواية لابي داود (ان من افضل ايامكم يوم الجمعة فاكثروا علي من الصلاة فيه فان صلاتكم معروضة علي) (٢) قال الشاعر: صلوا عَلى المختار فهو شفيعكم ... في يوم يبعث كل طفل أَشيَبا صلوا عَلى من ظللته غمامة ... وَالجذع حن له وأَفصحَت الظبا صلوا عَلى مَن تدخلون بهديه ... دار السَلام وَتبلغون المطلبا صلوا عليه وَسَلموا وَتَرحموا ... تردوا بها حوض الكَرامة مشربا فوائد وثمرات الصلاة على النبي لقد ذكر الامام ابن القيم: في الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه ﵌ مايتضاعف به الاجر ويدل على عظيم المنفعة, منها: امتثال امر الله , وموافقته سبحانه بالصلاة عليه وان اختلفت الصلاتان فصلاتنا عليه دعاء وسؤال وصلاة الله عليه ثناء وتشريف. وفي الصلاة على النبي موافقة الملائكة وحصول عشر صلوات على المصلي مرة, وانه يرفع له عشر درجات ويكتب له عشر حسنات, ويمحى عنه عشر سيئات, وانه يرجى اجابة دعاء من يصلى على النبي, وتكون سببا لشفاعة النبي, وسببا لغفران الذنب ولكفاية الله العبد ما أهمله وسببا لقرب العبد منه ﵌ يوم القيامة, وانها تقوم مقام الصدقة لذي العسرة, وانها سبب لقضاء الحوائج, ولصلاة الله على المصلي,

стр. 1012

وزكاة وطهارة, وانها سبب للنجاة من اهوال يوم القيامة, ولتبشير العبد بالجنة, ولرد النبي ﵌ على المصلى ولتذكر العبد مانسيه, ولطيب المجلس , ولنفي الفقر, وتنفي عن العبد اسم البخل اذا صلى على النبي عند ذكره, ونجاة من الدعاء عليه برغم الانف اذاتركها عند ذكره ﵌, وانها تنجي من نتن المجلس, وانها سبب لتمام الكلام الذي ابتدئ بحمد الله, وانها سبب لوفور نور العبد على الصراط, وانها سبب لابقاء الله سبحانه الثناء الحسن للمصلى على النبي بين أهل السماء والارض, وانها سبب للبركة في ذات المصلي وعمله وعمره واسباب مصالحه, وانها سبب لنيل رحمة الله, وانها سبب لدوام محبته للرسول ﵌ وزيادتها وتضاعفها. وذلك عقد من عقود الايمان الذي لا يتم إلا به, لان العبد كلما اكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه وتزايد شوقه اليه واستولى على جميع قلبه, وإذا اعرض عن ذكره واحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه؛ ولا شيء اقر لعين المحب من رؤية محبوبه ولا اقر لقلبه من ذكره واحضار محاسنه, فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه, وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه والحس شاهد بذلك حتى قال بعض الشعراء في ذلك عجبت لمن يقول ذكرت حبي ... وهل أنسى فأذكر من نسيت فتعجب هذا المحب ممن يقول ذكرت محبوبي لان الذكر يكون بعد النسيان ولو كمل حب هذا لما نسي محبوبه وقال آخر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل فهذا اخبر عن نفسه أن محبته لها مانع له من نسيانها وقال آخر: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل فأخبر أن حبهم وذكرهم قد صار طبعا له فمن اراد منه خلاف ذلك ابت عليه طباعه أن تنتقل عنه, والمثل المشهور من احب شيئا اكثر من ذكره, وفي هذا الجناب الاشرف احق ما انشد لو شق قلبي ففي وسطه ... ذكرك والتوحيد في سطر فهذا قلب المؤمن توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه لا يتطرق اليهما محو ولا ازالة (١) , ومما لاريب فيه ان الصلاة على النبي ﵌ سبب لهداية الإنسان وحياة قلبه وقربه من ربه ودليل على حبه لربه ولنبيه فالصلاة على النبي ﵌ هي دعاء آثر به محبوبه وسأل من ربه ان يثني على محبوبه عبد الله ورسوله ﵌ المبعوث رحمة للعالمين ويزيد في تشريفه وتكريمه ورفعه, ولاريب ان الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحبه, فالمصلي عليه صلى الله عليه واله وسلم

стр. 1013

قد صرف سؤاله ورغبته الى محاب الله ورسوله وذلك مايجعله قريبا من ربه السميع القريب المجيب, فاكثر مايحتاج اليه الإنسان هو ان يدعو ربه ويعلم انه سميع مجيب, ويعلم انه قوي قدير, فبالدعاء يتوجه الداعي الى معان كثيرة فهو يسأل سميعا قريبا مجيبا غنيا رحيما كريما, فزوال الكون اهون على الله من ان تدعوه فلا يستجيب لك فهو اما ان يطمئنك, وإما ان يعطيك, وإما ان يلقي في روعك ان هذه الحاجة لاتناسبك, فالله حيي كريم يستحيي اذا رفع الرجل اليه يديه ان يردهما صفرا خائبتين كما ورد ذلك في الحديث النبوي, فتقرب الى الله بمحابه, وصلِّ على نبيه وثق باجابته, فان الله معك يسمع ويرى, فهو قريب منك فتعرف على اسمه القريب المجيب, واجعل بربك كل عزك, يستقر ويُثب, وتدبر قول المجيب القريب ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١) . القريب المجيب من اسماء الله الحسنى اسم الله القريب المجيب ذكر في القرآن الكريم, ففي سورة هود يقول سبحانه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣) , وورد في السنة النبوية في حديث ابي هريرة عند الترمذي ان لله تسعة وتسعين اسما عد منها (المجيب) , وفي حديث ابي موسى الاشعري ﵁ عند البخاري ومسلم قال كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ) (٤) وفي رواية (إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ) (٥) ومعنى القريب في حق الله انه قريب بعلمه من خلقه قريب ممن يدعوه بالاجابة, وقال القحطاني: وقربه نوعان: قرب عام وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد وهو بمعنى المعية العامة وقرب خاص بالداعين والعابدين المحبين، وهو قرب يقتضي المحبة والنصرة والتأييد في الحركات والسكنات والإجابة للداعين والقبول والإثابة للعابدين (٦) , فسبحان من هو علي في دنوه, قريب في علوه, اما اسمه المجيب فيعني ان الله يعطي السائل مطلوبه ويقابل مسألة السائلين بالاجابة, قيل اجابته نوعان: إجابة عامة لكل من دعاه دعاء عبادة أو دعاء مسألة، قال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) فدعاء المسألة أن يقول العبد اللهم أعطني كذا أو اللهم ادفع عني كذا، فهذا يقع من البر والفاجر، ويستجيب الله فيه لكل من

стр. 1014

دعاه بحسب الحال المقتضية وبحسب ما تقتضيه حكمته. وأما الإجابة الخاصة فلها أسباب عديدة، منها دعوة المضطر الذي وقع في شدة وكربة عظيمة، فإنَّ الله يجيب دعوته، قال تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) وسبب ذلك شدَّة الافتقار إلى الله وقوة الانكسار وانقطاع تعلقه بالمخلوقين، ولسعة ﵀ التي يشمل بها الخلق بحسب حاجتهم إليها، فكيف بمن اضطر إليها، ومن أسباب الإجابة طول السفر والتوسل إلى الله بأحب الوسائل إليه من أسمائه وصفاته، وكذلك دعوة المريض، والمظلوم، والصائم والوالد على ولده أو له، وفي الأوقات والأحوال الشريفةمثل أدبار الصلوات، وأوقات السحر، وبين الأذان والإقامة، وعند النداء، ونزول المطر واشتداد البأس، ونحو ذلك (إن ربي قريب مجيب) (١) . ثمرة معرفة اسم الله القريب المجيب اذا عرف المكلف ان الله جل وعلى قريب مجيب وجب عليه ان يؤمن به ويخلص له في العباده ويرغب اليه بالتوبة, فهو الذي ينيل السائل مايريد ولايقدر على ذلك غيره, فمن عرف ذلك فليتوجه الى الله بالدعاء والتضرع واظهار الافتقار الى الله والاعتماد عليه, والعلم بانه سميع الدعاء عالم بالبلاء, خابر للسراء والضراء, قادرعلى اجابه كل داع واعطائه سؤاله, وان يكون مستجيبا لله مطيعا له فهو يعلم سر الإنسان وجهره, والله يحب ان تدعوه, وان تلجا اليه , وان تتصل به, وان تناجيه,

стр. 1015

وان تمرغ وجهك في اعتابه, فهو الذي يحب ان يسعدك بالاتصال به, فيجعل حاجتك وسيلة لهدف هو الاتصال والتعبد, فانت بالاتصال به وبدعائه تسعد, فالله خلقك ليسعدك, وهو يعلم سبحانه حاجة المحتاجين قبل سؤالهم, الا ترى انه خلق لك مافي الارض جميعا قبل ان يخلقك, وخلق لك الاشجار والنبات والانهار والفواكه بانواعها وخلق لك الشمس والقمر والليل والنهار ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١) انه القريب المجيب الذي يقابل الدعاء بالقبول, والسؤال بالعطاء تدعوه فيقبلك, وتسأله فيعطيك, وتستغفره فيغفر لك, فسبحان من لاتخيب لديه امال الطالبين, فهو الذي يجيب دعاء الداعين, ويكشف ضرورة السائلين, فانت حينما تدعوه تنادي قريبا يسمعك وتدعو عظيما يجيبك وتسأل كريما يعطيك: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) . دعاء الله باسمه القريب المجيب اللهم ياقريب يامجيب يامن هو على كل شيء شهيد ويامن هو اقرب الي من حبل الوريد اسألك ان تغفر لي ولوالدي وللمؤمنين واسألك الدرجات العلى في الجنة واسألك العافيه واسألك دوام العافية, واسألك خير الدنيا والاخرة, واسألك حسن الخاتمة والنجاة من النار, واسألك علما نافعا

стр. 1016

ورزقا واسعا, وذكرا حسنا وعملا متقبلا ومحبة في قلوب خلقك واتباعا لنهج نبيك ياقريب يامجيب ياسميع ياعليم ياالله اسألك ان ترزقني حبك وحب من يحبك وحب نبيك وشريعتك: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١) . ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) . وصل اللهم وسلِّم على محمد وعلى آل محمد كماصليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد. والى هنا تم بحمد الله وعونه وتوفيقه

стр. 1017

أهم المراجع ١. القرآن الكريم. ٢. صحيح البخاري: للإمام المحدث شيخ الحفاظ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه المولود يوم الجمعة ١٣ شوال سنة (١٩٤هـ-٨١٠م) ، المتوفى سنة (٢٥٦هـ-٨٧٠م) , طبعة مكتبة الايمان المنصورة مصر ١٤٢٣هـ٢٠٠٣م. ٣. صحيح مسلم: للإمام الحافظ المحدث أبي الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري, (٢٠٤ ٢٦١هـ) , الناشر: دار ابن رجب ١٤٢٢هـ. ٤. السنن الكبرى للبيهقي: للإمام الحافظ المحدث أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨هـ, مراجعة: محمد عبد القادر عطا, مكتبة الباز مكة المكرمة ١٤١٤هـ١٩٩٤م. ٥. السنن الكبرى للنسائي: الإمام الحافظ المحدث أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة ٣٠٣هـ, الطبعة الثانية, مطبوع مع شرح السيوطي، وحاشية السندي, بيروت ١٤١٢هـ,١٩٩٢م. ٦. سنن ابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني (٢٠٧- ٢٧٥هـ) , تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١٣٩٥هـ-١٩٧٥م, الناشر: دار احياء التراث العربي. ٧. سنن الترمذي للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ الترمذي، المولود سنة ٢٠٩هـ والمتوفى سنة ٢٧٩هـ, الناشر المكتبة الإسلامية. ٨. ٩.

стр. 1018

١٠. سنن الدارمي للإمام الكبير أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي (ت: ٢٥٥هـ) , الناشر: دار أخبار السنة النبوية. ١١. سنن أبي داود سليمان الاشعث السجستاني الأزدي, (٢٠٢ـ٢٧٥هـ) , الناشر: دار ابن حزم, الطبعة الاولى ١٤١٩هـ, ١٩٩٨م. ١٢. الآثار الكاملة لعبد الله بن المقفع حققها وشرحها وقدم لها الدكتور عمر الطباع, الناشر: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان, الطبعة الأولى ١٤١٨هـ١٩٩٧م. ١٣. الآثار الكاملة, تأليف عبد الله بن المقفع, شرحها وقدم لها الدكتور عمر الطباع, الناشر: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم بيروت لبنان, الطبعة الأولى ١٤١٨هـ١٩٩٧م. ١٤. الآحاد والمثاني للإمام محمد بن عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيباني المتوفى سنة (٢٨٧هـ) , الناشر دار راية الرياض الطبعة الأولى ١٤١١هـ١٩٩١م. ١٥. الآسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى للإمام شمس الدين أبي عبد الله القرطبي, راجعه وأشرف على تحقيقه أبو عبد الله مصطفى بن العدوي تحقيق الشحات الطحان, الناشر مكتبة فياض للتجارة والتوزيع, المنصورة مصر, الطبعة الأولى ١٤٢٧هـ٢٠٠٦م. ١٦. الأحكام للهادي: وهو الإمام العلامة المجتهد الهادي إلى الحق: يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم, الطبعة الأولى ١٤١٠هـ. ١٧. الأدب المفرد الجامع للآداب النبوية للإمام محمد بن إسماعيل البخاري, طبعة دار المعرفة بيروت ١٤٢٤هـ٢٠٠٣م. ١٨. ١٩.

стр. 1019

٢٠. الأسماء والصفات تأليف العلامة أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى الخسروجردي البيهقي (٣٨٤-٤٥٨هـ) , منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت ١٤٢٢هـ٢٠٠١م. ٢١. الأغاني للإمام أبي الفرج الأصفهاني: علي بن الحسين بن محمد بن احمد ابن هيثم المرواني الأموي القرشي, المتوفى سنة ٣٥٦هـ, منشورات دار الفكر بيروت, الطبعة الثانية. ٢٢. الأمالي لأبي علي القالي: اسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان القالي, المتوفى سنة ٣٥٦هـ, منشورات دار الآفاق الحديثة بيروت. ٢٣. الأمالي للزجاجي: عبد الرحمن بن اسحاق النهوندي, تحقيق: عبد السلام هارون, الناشر: دار الجيب بيروت, الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ, ٢٤. الأمانة في الاسلام وأثرها في المجتمع تأليف الدكتور عبد اللطيف بن ابراهيم بن عبد اللطيف بن حسين عضو هيئة التدريس والدراسات الإسلامية في الأحساء جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, الناشر: دار ابن الجوزي الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ. ٢٥. الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ أحمد بن علي العسقلاني وبهامشه الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر النميري القرطبي, الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت, الطبعة الأولى ١٣٢٨هـ. ٢٦. البصائر والذخائر لابي حيان محمد بن العباس التوحيدي المتوفى سنة ٤٠٠هـ, تحقيق الدكتورة وداد القاضي. ٢٧. البيان والتبين للجاحظ: أبي عثمان عمرو بن بحر, تحقيق عبد السلام هارون, الناشر: دار الخانجي بمصر ١٣٦٧هـ. ٢٨. ٢٩.

стр. 1020

٣٠. الترغيب والترهيب من الحديث الشريف تأليف العلامة عبد العظيم بن عبد القوي المنذري أبو محمد, تحقيق: إبراهيم شمس الدين, الناشر: دار الكتب العلمية بيروت, الطبعة الأولى ١٤١٧هـ. ٣١. التعريفات للعلامة علي محمد الشريف الجرجاني المتوفى ٨١٦هـ, طبعة دار النفائس بيروت ٢٠٠٣م. ٣٢. التمثيل والمحاضرة لأبي منصور الثعالبي, تحقيق: عبد الفتاح الحلو, الناشر: دار احياء الكتب العربية القاهرة مصر ١٣٨١هـ. ٣٣. التوضيح والبيان لشجرة الإيمان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي. ٣٤. الجامع الصغير للإمام جلال الدين بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة ٧١١هـ, منشورات محمد علي بيضون بيروت, الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ٢٠٠٢م. ٣٥. الجامع لأحكام القران للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، مطبعة دار الكتب المصرية, الطبعة الثانية ١٣٧٣هـ١٩٥٤م. ٣٦. الجامع لأسماء الله الحسنى, دراسة اعداد حامد احمد الطاهر, الناشر: دار الفجر للتراث القاهرة, الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ. ٣٧. الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي. ٣٨. الحماسة للبُحتُرِيّ: الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي البحتري, المتوفى سنة ٢٨٤هـ, طبعة الرحمانية. ٣٩. الذريعة إلى مكارم الشريعة لأبي القاسم الحسن بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني, الناشر: دار الكتب العلمية بيروت, الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ١٩٨٠م. ٤٠. ٤١.
следующие страницы →