قصة وردت في الحديث النبوي
روي عن ابن مسعود ﵁: (أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ قَالَ فَنَزَلَتْ ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي) (١)
السعادة وصفا الذهن في الصلاة
ان من يحافظ على صلاته يحافظ على نضارته وصحته, فهو يستنشق النسيم العليل, ويتطهر ويتلذذ بمناجاة العزيز الرحيم وذلك مايدعو الى البهجة, ويساعد على طول العمر وبركته وزيادة الرزق, والاستظلال برحمة الله ورعايته, فملائكة الله تورد اخبار صلاته كاملة تامة, وبالصلاة ضمان نجاة الإنسان من النار, وفي الصلاة صفاء افكاره, وتطهير باطنه, والاتصال بالله, وكلما توغلت في شيء وتوغلت فيه فانك ستجد الله الاول اظهر من كل شيء, وهو الاول ابطن من اي شيء, فاجعل من طاقتك وتوجهك الوصول الى ربك الاول الاخر الظاهر الباطن لتسعد في دنياك واخرتك, واجعل الله الذي يعلم ظاهرك وباطنك ويطلع على جميع احوالك ومقصودك, فاذا اردت ألا تشيخ ولاتهرم في افكارك وخلقك وسلوكك وان تكون في شباب دائم فاتجه الى الله واجعله مقصودك, ورضاه مطلوبك, اجعل هدفك الاخرة فانت في شباب دائم ومتجدد. حتى الناجحون في
стр. 947
حياتهم والاعلام المتألقون في الصناعة والتجارة في العلوم في مراكز القوى اي انسان متألق مادام حيا فاهدافه المادية اصغر من طاقته الكبرى, فالانسان الذي يسعد طول حياته هو انسان اتجه الى الله الاول الاخر الظاهر الباطن الذي بيده ملكوت كل شيء الظاهر العليم بمابطن والظاهر الذي ظهر فوق كل شيء الغالب الذي لايغلب, فلو انتهت الدنيا فماذا بعد الحياة؟ الله هو الاول والاخر, ولو تحركت نحو الماضي لوجدت الله هو الاول, ولو اتجهت نحو المستقبل فستجد ان الله هو الاخر وهو الباقي وهو المتصرف في جميع الاشياء, وقد كان من دعاء بعضهم.. إلهي لك البقاء, وانت الدائم والجموع هباء, فاجعل لنا قسطا من نور اسمك الاخر, فيحيي به الظواهر والسرائر فلا نشهد إلا الباقي بالباقي, ولانصل إلا الى مقام العالي الراقي (١) . واذا كانت الحياة متقلبة فاخلص في صلاتك لربك تصل الى جميع مرادك, ولله در القائل:
لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ ... فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ ... مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ
وَهَذِهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ ... وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ (٢)
من اسماء الله الحسنى الاول والاخر والظاهر والباطن
ورد في القرآن العظيم: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) ووردت هذه الاسماء الاربعة في السنة النبوية كما في حديث ابي هريرة عند الترمذي ووردت ايضا في دعاء الرسول ﵌ كما في صحيح مسلم, والأمة مجمعة على تسمية الله بهذه الاسماء الاربعة, فهو الاول بلا ابتداء والاخر بلا انتها وهو الاول قبل كل شيء والاخر بعد كل شيء, والباقي بعد فناء الاشياء, وهو الظاهر على كل شيء, والعالي فوق كل شيء, والظاهر بنعمه, والظاهر بقدرته وقوته وعظيم مخلوقاته, والظاهر بحججه وبراهينه, والظاهر بافعاله وقدرته واحكام صنعته, والباطن الذي لاتدركه الابصار, فهو سبحانه الباطن العليم ببواطن الأمور وظواهرها, والقريب الى كل شيء ومن كل شيء بعلمه وقدرته, وقال الحليمي ﵀: فَالأَوَّلُ هُوَ الَّذِي لا قَبْلَ لَهُ، وَالآخِرُ هُوَ الَّذِي لا بَعْدَ لَهُ، وَهَذَا لأَنَّ قَبْلَ وَبَعْدَ نِهَايَتَانِ، فَقَبْلُ نِهَايَةُ الْمَوْجُودِ مِنْ قَبْلِ ابْتِدَائِهِ، وَبَعْدُ غَايَتُهُ مِنْ قَبْلِ انْتِهَائِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْتِدَاءٌ وَلا انْتِهَاءٌ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْجُودِ قَبْلُ وَلا بَعْدُ، فَكَانَ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ (٤) .
стр. 948
وقال الامام ابن القيم: الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة, فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه (١) . قلت واحسن مايفسر به هذه الاسماء الاربعة هو تفسير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو اعلم الخلق بالله فقد روي عن ابي هريرة انه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى مُنَزِّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ) زَادَ وَهْبٌ فِي حَدِيثِهِ (اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنْ الْفَقْرِ) (٢) فقد فسر صلوات الله وسلامه عليه كل اسم بمعناه العظيم, ونفى عنه مايضاده وينافيه, فسبحان من تفرد بالاحاطة المطلقة والمعرفة التامة والكمال المطلق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقد احسن ابن قيم الجوزية حيث يقول:
هُوَ أولٌ هو آخِرٌ هُو ظَاهِرٌ ... هُو بَاطِنٌ هِي أربعٌ بوِزَانِ
مَا قَبلَهُ شَيءٌ كَذَا مَا بَعدَه ... شَيءٌ تَعَالَى الله ذُو السُّلطَانِ
مَا فَوقَهُ شَيءٌ كَذَا مَا دُونَه ... شَيءٌ وَذَا تَفسِيرُ ذِي البُرهَانِ
فَانظُر إلَى تَفسِيرِهِ بِتَدَبُّرٍ ... وَتَبَصُّرٍ وَتَعَقُّلٍ لِمَعَانِ
стр. 949
وَانظُر إلَى مَا فِيهِ مِن أنوَاعِ مَع........رِفَةٍ لخَالِقِنَا العَظِيمِ الشَّانِ (١)
اما عبد الرحيم البرعي فهو يقول:
هُوَ أوّل هُوَ آخر هو ظاهر ... هُوَ باطِن لَيسَ العيون تَراه
حجبته أَسرار الجَلال فَدونه ... تَقِف الظنون وَتخرس الافواه
صمد بِلا كفء وَلا كَيفية ... أَبد فَما النظراء والاشباه
شهدت غَرائب صنعه بوجوده ... لَولاه ما شهدت به لَولاه
واليه أذعنت العُقول فآمنت ... با لغيب تؤثر حبها اياه
سُبحان من عنت الوجوه لوجهه ... وَله سجود أَوجه وَجباه
وقال اخر:
هوَ أَوَّلُ آخِرٌ في فَضلِهِ ... هوَ باطِنٌ هوَ ظاهِرُ الإِنعامِ
هوَ مفرَدٌ في بَذلِهِ وَنواله ... هوَ معتِقُ الأَسرى من الإِعدامِ (٢)
ثمرة معرفه اسمائه الاول والاخر والظاهر والباطن
اذا علم المكلف ان الله هو الاول والاخر والظاهر والباطن وجب عليه ان يؤمن به وان يفرده بالعبادة, وان يجعل عبادته وصلاته وصيامه وزكاته ودعاءه وحياته ومماته لله وحده, وان يجرد النظر الى سبق فضل الله ورحمته المبتدي بالإحسان الى الإنسان من غير وسيلة منه إذ لاوسيلة في العدم قبل وجوده فقد اتى على الإنسان حين من الدهر لم
стр. 950
يكن شيئا مذكورا, فمنه الاعداد والامداد فكيف يتعلق المرء بالوسائل التي اوجدها الحق ولايتعلق بالاول الآخر الباقي الدائم بعد فناء الاشياء, فالعاقل لايجعل تعلقه الكامل وركونه ووثوقه باي شيء ينقضي, وانما يتلق في عبادته وصلاته ودعائه وخوفه ورجائه بالاول الاخر الذي يبقى ولا يفنى, فهو الاول الاخر الذي لايموت ولا يزول, فالمتعلق به حقيق الا يخيب ولا يزول ولاينقطع ماتعلق به, بخلاف التعلق بغيره مما له اخر يفنى به, فهو سبحانه الاول الذي ابتدأت منه المخلوقات, والاخر الذي انتهت اليه عبوديتها وارادتها ومحبتها, فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله, كما انه سبحانه ليس قبله شيء يخلق, فكما كان واحدا في ايجادك فاجعله واحدا في تاليهك له لتصح عبادتك وصلاتك, وكما ابتدأ وجودك وخلقك والاحسان اليك واسباغ نعمه عليك ظاهرة وباطنة, فاجعله نهاية حبك وارادتك وتأليهك له لتصح لك عبوديتك له باسمه الاول والاخر والظاهر والباطن, فهو الظاهر على كل شيء وفوق كل شيء والغالب على كل الأمور والظاهر بقوته وقدرته وعلمه وهو الباطن القريب من كل شيئ فهو اقرب اليك من حبل الوريد فاخلص اليه في الدعاء, وفي الذكر الحكيم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١) وفي الحديث النبوي الشريف: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا
стр. 951
تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ) (١) اذا عرف المرء كل ذلك فخليق به ان يكون اول الناس سبقا بالخير, وأول الناس سبقا الى معرفة الله, واولهم سبقا الى طاعته, واولهم سبقا الى عبادته, وان يكون مظهرا لعمل البر حريصا عليه ظاهرا على الهدى ناطقا بوحدانية الله لانه يعلم ان كل الخير من الله, كل الكمال لله, كل الاعمال الصالحة بتوفيق الله, بإلهام الله مصدر الكمال في الكون, هو الظاهر الذي لايخفى على كل متامل المحتجب عن عيون خلقه الذي لاتدركه الابصار, الظاهر بنعمته الباطن برحمته الظاهر بكل شيء, الظاهر بالدلائل اليقينية, الباطن عن مظاهر الجسمية ليس كمثله شيء وهو السميع العليم, فادع الله باسمه الاول الاخر الظاهر الباطن يمدك بقوته الظاهرة والباطنة, وأعلن افتقارك اليه ظاهرا وباطنا, وناده ساجدا واذكره قائما وقاعدا وكن لله شاكرا وحامدا, وكن لله في كل الأحوال عابدا, وفي الحديث النبوي الشريف: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) (٢)
دعاء الله باسمه الاول الآخر الظاهر الباطن
ياالله يااول يااخر ياظاهر ياباطن يامن لاأول لأوليتك ابدا, ولا اخر لآخريتك ابدا, انت الاول قبل كل شيء والاخر بعد كل شيء, ابتدأتني بالنعم العامرة أولا, فاتممها علي غدا, واجعلني ممن تدخله الجنة أولا,
стр. 952
وجملني بجميل سترك في الدنيا والآخرة, وامني من الشيطان وكافة العدا, واجعلني من المتقين الاولياء, ياالله يااول يااخر اخرني عن كل شيء يورث ندما, وعن كل امر يورث سوا وماثما, فانه لا اخر لآخريتك يارب الارض والسماء فاحي قلبي بحبك وذكرك واكفه عن الاشتغال بالدنيا ياالله يااول يااخر ياظاهر ياباطن ظهرت على جميع الاشياء فانت الظاهر الذي لاتخفى, فاظهرني بشرف خدمتك على الملا, واظهرلي من اسمائك الحسنى ما احضى به واكفني فانت الله الظاهر الباطن الذي ظهرت على العالمين وبطنت عن اعين الناظرين, واظهرت قوتك وقدرتك للعالمين, فطهر باطني وظاهري ياالله ياظاهر ياباطن ياقوي يامتين, واغفرلي ولوالدي وللمؤمنين واصلح لي ولهم امور الدنيا والدين ياارحم الراحمين, وصلى الله وسلم على محمد النبي الامين وعلى آله الطاهرين واصحابه الراشدين والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
стр. 953
الفصل الواحد والخمسون
الزكاة
الزكاة
الزكاة صدقة, والصدقة زكاة, يفترق الاسم ويتفق المسمى (١)
والزكاة لغة: الطهارة والنماء والبركة. واصطلاحاً: الجزء المقدر بالمال الذي فرضه الله للمستحقين ليسد به حاجتهم ويجبر به كسرهم, ويشد به ازرهم, ويصلح به حالهم, وسمى الله الصدقة زكاة لانها تطهر النفس وتزكيها, قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٢) وما ذكره الله تعالى من تطهير الصدقة للمؤمنين يشمل افرادهم وجماعتهم, فهي تطهر نفوس الافراد من الذنوب, ومن ارجاس البخل والدناءه والقسوة والاثرة وغير ذلك من الرذائل الاجتماعية التي هي مثارة التحاسد والتعادي والعدوان والفتن والحروب, وتزكي انفسهم اي تنميها وترفعها بالخيرات والبركات الخلقية والعملية حتى تكون بها اهلا للسعادة الدنيوية والاخروية, فكان ايجابها مؤاساة للفقراء ومعونة لذوي الحاجات, تكفهم عن البغضاء وتمنعهم عن التقاطع وتبعثهم على التواصل, وهي ركن من اركان الإسلام, فمن تركها ناكرا لها كان مرتدا يقاتل عليها, ولمكانتها العظيمة, فان الحق قرنها بالصلاة في كثير من ايات الذكر الحكيم فقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
стр. 954
لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) وفي الحديث النبوي الشريف: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (٢) والزكاة طهارة وبركة تنفع الفقراء وتطهر الاغنياء وتزكيهم, قال الشاعر:
وَاللَهُ أَنزَلَ في الكِتابِ فَريضَةً ... لِاِبنِ السَبيلِ وَلِلفَقيرِ العائِلِ (٣)
وقال اخر:
وَأَحسَبُ الناسَ لَو أَعطَوا زَكاتَهُمُ ... لَما رَأَيتُ ذوي الإِعدامِ شاكينا (٤)
الحكمة من فريضة الزكاة
ان المال كالفاكهة الجميلة اللون, الشهية المذاق, وقد اراد الله ان ينعم جميع البشر بهذه الفاكهة وطعمها ويستمتع الجميع بلونها فاقتضت حكمته ان يفترض على المال الذي في يد الاغنياء زكاة يؤدونها للفقراء فيعم الخير جميع الناس ويستمتع بالمال الفقير والغني, فهي تطهر الاغنياء وتزكيهم وتنفع الفقراء وتواسيهم وتحد من الاثرة والشره والحرص, فميل الطباع الى اقتناء المال معروف, بيد ان من الناس من يضل يطعم من هذا المال حتى تقتله التخمة. ومنهم من يدخره ويجوع ومنهم من يختطف مافي ايدي
стр. 955
الاخرين الى جانب نصيبه المفروض. ومنهم من يشغله القلق خشية الحرمان, ومنهم من يشغله القلق في طلب المزيد, فافترض الله الزكاة رحمة وفضلا وبركة وعدلا لتزكي النفوس وتطهرها ولتكون دعامة يقوم عليها اصلاح شؤن الفقراء والمساكين, ويلم بها شعثهم, ويجتمع بها شملهم مع الاغنياء فيكون الجميع كالاسرة الواحدة, ومن هنا يتبين لنا ان الزكاة ليست احسانا فرديا, وان اعتبارها كذلك يخرج بها عن معانيها بل هي ضريبة تؤخذ من اموال الاغنياء وتصرف في الطبقة الفقيرة المحتاجة من غير سؤال ولامنة في العطاء, فليس فيه اذلال بل معونة كريمة وسد حاجة, فهي تؤخذ من اموال الاغنياء اجبارا, فالاسلام لم يجعل فريضة الزكاة ترجع لهذا الشخص ان شاء اعطى وان شاء منع بل جعلها اجبارية لانها حق للفقير في مال الله الذي اعطاه للغني, فكان حقا على من يلي السلطة العامة ان يجمع الزكاة ويوزعها بالعدل, وقد خاطب الله رسوله بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (١) وفي سورة المعارج يقول العزيز الحكيم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ (٢) . وفي الحديث النبوي الشريف (إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه) (٣)
стр. 956
الاخوة الدينية لاتحصل دون اداء الزكاة
ان المسلم لاتحصل اخوته الدينية للمسلمين الا باداء الزكاة, واقام الصلاة فافضل الناس من اعطى زكاته بسماحة وشرف, وأدّى زكاة ماله برغبة ومحبة, ولم يشيع اخراجه بحسرة او يرسل وراءه العبرات, لان بناءه النفسي يقوم وحده بعيدا عن الشراهة والحرص, فهو يعلم ان الله يزكيه بهذا المال ويطهره ويحفظ ماله ويورثه العزة والشرف, بل يشعر بالسعادة حينما يكون قد أدى من جزءاً من ماله للفقراء والمساكين. وفي الذكر الحكيم: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١) فالحرص والعشق للمال الى درجة عدم اخراج ماافترض الله فيه يورث ضراوة تفتك بالضمائر والابدان, وتورث المذلة والهوان, وانظر الى ما يعقبه الحرص الشديد من قلق بالغ, فمن الحقائق المعروفة انه عندما تهبط قيمة الاسهم في البورصة ترتفع عند البعض نسبة السكر في البول والدم بين المضاربين؟ ويرحم الله احمد شوقي حيث يقول:
عَجِبتُ لِمَعشَرٍ صَلّوا وَصاموا ... ظواهر خِشيَةً وَتُقى كِذابا
وَتُلفيهُمُ حِيالَ المالِ صُمّاً ... إِذا داعي الزَكاةِ بِهِم أَهابا
لَقَد كَتَموا نَصيبَ اللَهِ مِنهُ ... كَأَنَّ اللَهَ لَم يُحصِ النِصابا
يُريدُ الخالِقُ الرِزقَ اِشتِراكاً ... وَإِن يَكُ خَصَّ أَقواماً وَحابى
فَما حَرَمَ المُجِدَّ جَنى يَدَيهِ ... وَلا نَسِيَ الشَقِيَّ وَلا المُصابا
وَلَولا البُخلُ لَم يَهلِك فَريقٌ ... عَلى الأَقدارِ تَلقاهُمُ غِضابا
وفي الذكر الحكيم: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
الزكاة فيها حفظ المال والسلامة من شروره
الزكاة فيها الثواب الجزيل, والعز المقيم, والخير الكثير, وفي ادائها حفظ المال وتحصينه, وتخليصه من الشرور, وفي الحديث النبوي الشريف: (إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ) (٣) وفي رواية: (فقد ذهب عنك شره) (٤) وجاء في حديث اخر: (مَا تَلَفَ مَالٌ فِي بَرٍّ، وَلاَ بَحْرٍ إِلاَّ بِحَبْسِ الزَّكَاةِ) (٥) . فاذا اردت ان تجعل مالك في حصن منيع وان تحفظه من الضياع والسرقة فادّ زكاته, فقد ورد في السنة النبوية ان الرسول ﵌ قال (حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة) (٦) وقد انذر الله الذين يبخلون ويمتنعون عن اداء الزكاة بقوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٧) وانذر النبي صلى الله
стр. 957
عليه وآله وسلم مانع الزكاة بالجدب وضيق العيش فقال: (وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلاَّ مَنَعَهُمُ اللَّهُ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ) (١) وقد كان النبي ﵌ يجمع الزكاة ويامر امراءه بجمعها من الاغنياء ليردها على الفقراء, فلما كان زمن الخليفة الراشد ابي بكر الصديق اعلن بعض العرب منع الزكاة فجمع الصحابة وتشاورهم واعلن الخليفة الراشد ومعه سراة الصحباة ورجال الحل والعقد الحرب على مانعي الزكاة وقال: (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا) (٢) فمنع الزكاة يزيل النعم, ويخرب الديار ويكون سببا في دخول النار.
ويغفر الله للقائل:
وَعَلِمنا أَنَّ الزَكاةَ سَبيلُ اللَهِ ... قَبلَ الصَلاةِ قَبلَ الصِيامِ
خَصَّها اللَهُ في الكِتابِ بِذِكرٍ ... فَهيَ رُكنُ الأَركانِ في الإِسلامِ
بَدَأَت مَبدَأَ اليَقينِ وَظَلَّت ... لِحَياةِ الشُعوبِ خَيرَ قِوامِ
لَو وَفى بِالزَكاةِ مَن جَمَعَ الدُن ... يا وَأَهوى عَلى اِقتِناءِ الحُطامِ
ما شَكا الجوعَ مُعدَمٌ أَو تَصَدّى ... لِرُكوبِ الشُرورِ وَالآثامِ (٣)
стр. 958
الزكاة سبب في دخول الجنة
الزكاة عبادة ماليه من اداها طيبة بها نفسه دخل الجنة, فبالزكاة تعمر ديار الفقراء فهي سهم الإسلام, وفضل الرحمن, وبها نصل الضعفاء والايتام, وقد خسر من لانصيب له ولاسهم, فهي نعمة انعم الله بها, وافلح من انتفع بالمال وادى حقه, واحسن الى الفقراء والمساكين وازال المهم ووضرر امراضهم وظلم جهالتهم, وفي الحديث النبوي: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ الْقَوْمُ مَا لَهُ مَا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَرَبٌ مَا لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ) (١) وفي رواية للنسائي: (مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَصُومُ رَمَضَانَ وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ إِلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَقِيلَ لَهُ ادْخُلْ بِسَلَامٍ) (٢) وفي الذكر الحكيم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣) .
قصة وردت عن حال مانع زكاة ماله
ذكر البيضاوي ان ثعلبة بن حاطب أتى النبي ﵌ فقال: ادع الله أن يرزقني مالاً فقال ﵊ «يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق
стр. 959
لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له فاتخذ غنماً، فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه رسول الله ﷺ فقيل كثر ماله حتى لا يسعه واد فقال: يا ويح ثعلبة، فبعث رسول الله ﵌ مصدقَين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه الكتاب الذي فيه الفرائض فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية فارجعا حتى أرى رأيي فنزلت قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١) فجاء ثعلبة بالصدقة فقال النبي ﷺ : إن الله منعني أن أقبل منك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني، فقبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فلم يقبلها، ثم جاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في زمان عثمان رضي الله تعالى عنه (٢) .
стр. 960
الزكاة نظام تكافل جاء به الإسلام
المجتمع الزكي يقوم على رجال يعرفون حق الله وحق الجماعة عليهم, وينشغل هذا وذاك باداء ماعليه من واجب, فان الثمرة الدانية في هذا المجتمع ان يصل كل امرئ الى حقه الطبيعي دون ضجر او جدال, وعند ذلك سنجد من يقوم ببناء المستشفيات والملاجئ ومعاهد العلم لتعليم ابناء الأمة الفقراء وايواء العجزة الضعفاء ومعالجة المرضى حتى لاتضطرهم الحاجة الى السرقة, او المؤامرة على قتل الاغنياء, او الاقدام على ارتكاب الجرائم لدفع عيلة الفقر المدقع, وحينئذ يعيش المجتمع كله في سلام وامن, ويتجه الجميع الى عبادة ربهم وبناء اوطانهم, وستكون طاقة الفقير وجلده أداة تزيد في انتاج الأمة, وتسهم في نهضتها العامة, فيصل نشاطه حينئذ بنشاط انداده من الاغنياء فيعاونون جميعا على البر والتقوى لاعلى الاثم والعدوان, وستسد الزكاة عوز المحتاجين وتعين الفقراء والمساكين, وتعوض المضرورين والغارمين, وفي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١)
والمراد هنا في الآية: الصدقات الواجبة التي صرحت الآية بوجوب قصرها على من ذكرهم الله في الآية، والصدقات الواجبة هي زكاة النقود عيناً أو تجارة والأنعام والزرع والركاز والمعدن، فيجب صرف ذلك على الأصناف المنصوص عليها في الآية بـ (إنما) فهي من صيغ القصر، وتعريف الصدقات للجنس أي جنس هذه الصدقات مقصور على هذه
стр. 961
الأصناف المذكورة لا يتجاوزها بل هي لهم لا لغيرهم، فللصدقات أهداف وفوائد كثيرة روحية وأخلاقية واجتماعية واقتصادية وسياسية بعضها فردية وبعضها جماعية, وهي مع ذلك ركن من أركان الاسلام كما سبق بيان ذلك, ويتبين من النص القرآني قصر الصدقة على هذه الأصناف لغاية وأهداف يظهر تكاملها على مستوى المجتمع كله سواء فيما يتعلق بالمعطِي أو المعطَى له أو بالكيان الاجتماعي الذي تصرف فيه الزكاة, وسيجد المتدبر لكتاب الله وما يتبين أثره في الصرف في الأصناف الخمسة من الاصناف الثمانية الذين هم: الفقراء والمساكين والرقاب والغارمين وابن السبيل. ان القرآن الكريم قد كان سابقا للنظم القانونية في تقرير نظام التكافل, فالانفاق على الضعفاء والزمنة والمحتاجين والمرضى والعجزة والمكفوفين والمسنين وذوي العاهات البدنية أو العقلية يعني ايجاد مجتمع متكافل متضامن متكامل, ويدخل في مصارف الزكاة ذوي الدخل القاصر عن كفايتهم لقلة الاجر أو كثرة العيال أو ارتفاع الاسعار باعتبار ان كل هؤلاء من الفقراء والمساكين, ويدخل في مصرف ابن السبيل المهاجرون في سبيل الله والمهجَّرون والمشرَّدون بفعل الكوارث الطبيعية من المسلمين إذا لجئوا إلى إقليم آخر من أقاليم الدولة الاسلامية فانقطعوا عن بلادهم, واللاجئون السياسيون الذين فروا من أجل دينهم من ديار الكفر والطغيان فانقطعوا عن بلادهم، وطلبة العلم في ديار الغربة الذين لا يجدون كفايتهم فينقطعون عن أوطانهم, لأن هؤلاء هم في سفر فيه طاعة أو سفر مباح
стр. 962
وليس في ذلك سفر معصية, فيندرجون في عموم النص ويعطون بقدر حاجتهم إلى أن يتيسر لهم العودة إلى أوطانهم أو يعتزموا الإقامة الدائمة في محل انقطاعهم (١) . وفي هذا الانفاق شرف الانسان وسعادته وفي الذكر الحكيم: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) فالله حكيم في تقديره وتدبيره وقد احكم التدبير والتقدير حينما افترض هذه الزكاة وحدد مصارفها, فاذا اراد الإنسان ان يعيش سعيدا فعليه ان يعمل بامر الله وبحكمه وبتقدير الله المدبر الحكيم الرحيم العليم الذي كل مافي الكون ينطق باسم الله العزيز الحكيم خلقا وتصرفا ومصيرا, نباتا وحيوانا وانسانا وشمسا وقمرا, ليلا ونهارا, ورزقا وهداية وتوفيقا, فالانسان اذا لم يتصل بالله فلن تزكو نفسه ولن يتطهر قلبه وربما ظل, فاذا اعتمد على ماله وخبرته وقدرته وجماعته وسلطانه ووجاهته ونسي الله تخلى الله عنه, وضل طريقه, وربما ترتب على منعه الزكاة هلاكه, فاذا اعتمد على نفسه وعلى ماله, وعلى قوته اوسلطانه ونسي الله فانه يكون قد اشرك وهو لايدري, وربما ذهب سلطانه وذهب ماله وذهب جاهه وكانت عاقبة امره خسرا, ولايغرك امهال الله لمن هذا حاله ردحا من الزمن فلعل ذلك فتنة له وبلاء ووبالا عليه, فقد يسلبه الله التوفيق او يقع في خطيئة يعاقبه الله عليها, وقد يكون
стр. 963
المال والجاه اذا لم يؤادي الإنسان حقهما استدراجا وفتنة وعذاباً ومحنة, وربما حمل المال صاحبه على الكبر فياخذه الله على حين غرة من امره: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (١) فالمقدم المؤخر الميسر المسخر المدبر انما هو الله, فكن معه تفز بنعيم الدنيا والاخرة, فالذي يقدم العمل الصالح يقدم الصدقة واخراج الزكاة يقدم الاحسان الى الناس ويكرمهم طاعة لله يكون مقدما عند الله, والذي يقدم هواه وشهواته على اعماله الصالحة يكون مؤخرا عند الله, فالله يقدم ويؤخر, فثق به وتوكل عليه تكن سعيدا رشيدا مستقيما, ومسارك في الحياة واضحا جليا فكثيرة هي المقاييس المادية, فاذا تقدم انسان بماله, او بمرتبته, او بنسبه, او بقوته, او بذكائه, تقدما مبدئيا او تقدما مؤقتا فان لم يكن مطيعا لله اخره الله, فهذا التقديم تقديم امتحان, او تقديم استدراج, فانك لاتدري لعل الله يؤخره بفضيحة ما, او بكف يد, او باهمال وازراء, او بخطأ فادح يرتكبه, او بغير ذلك, اما المؤمن المطيع لله فان خطه البياني يكون دائما في صعود مستمر, بخلاف الكافر والمصر على المعصية فانه وان رايت خطه البياني في صعود حاد فان سقوطه سيكون مريعا الا ان يثوب الى رشده ويعود الى الله, فالله جل وعلى يقدم من اطاعة ورجع اليه ويؤخر من قدم هواه وشهواته وعصى مولاه وخالقه فهو المقدم المؤخر الضار النافع السميع البصير القوي القدير فتعرف اخي على اسم الله المقدم المؤخر, وكن طائعا لله يقدمك الله فهو الذي يقدم المؤمنين الطائعين ويؤخر العصاة الفاسقين.
المقدم المؤخر من اسماء الله الحسنى
اسم الله المقدم والمؤخر لم يردا في القرآن, ووردا في القرآن فعل المؤخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ (٢) , وورد الاسمان في السنة النبوية كما في حديث ابي هريرة عندالترمذي ان لله تسعة وتسعين اسما وعد منها (الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ) (٣) , وجاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄: (كان رسول الله ﵌ اذا قام من الليل يتهجد وفيه: (انت المقدم وانت المؤخر) (٤) , والامة متفقة على تسميته المقدم المؤخر, ويرى بعض العلماء انه لايجوز الدعاء باحدهما دون الآخر, والمقدم هو الذي يقدم الاشياء ويضعها في مواضعها, فمن استحق التقديم قدمه, ومن استحق التاخير اخره, ويوجد مع التقديم حكمة, ومع التاخير عدالة وحكمة, فهو يقدم من يشاء بحكمته, ويؤخر من يشاء بعدله وقدرته, فهو سبحانه يرفع من يشاء, ويخفض من يشاء, ويذل من يشاء, ويعز من يشاء, ويقرب من يشاء,
стр. 964
ويبعد من يشاء, فلله القدرة الكاملة والمشيئة النافذة, والحكمة الشاملة التامة, وقَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْمُقَدِّمُ: هُوَ الْمُعْطِي لِعَوَالِي الرُّتَبِ، وَالْمُؤَخِّرُ: هُوَ الدَّافِعُ عَنْ عَوَالِي الرُّتَبِ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: هُوَ الْمُنْزِلُ لِلأَشْيَاءِ مَنَازِلَهَا، يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا وَيُؤَخِّرُ مَا شَاءَ، قَدَّمَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، وَقَدَّمَ مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ عَبِيدِهِ، وَرَفَعَ الْخَلْقَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ، وَقَدَّمَ مَنْ شَاءِ بِالتَّوْفِيقِ إِلَى مَقَامَاتِ السَّابِقِينَ، وَأَخَّرَ مَنْ شَاءَ عَنْ مَرَاتِبِهِمْ وَثَبَّطَهُمْ عَنْهَا، وَأَخَّرَ الشَّيْءَ عَنْ حِينِ تَوَقُّعِهِ لِعِلْمِهِ بِمَا فِي عَوَاقِبِهِ مِنَ الْحِكْمَةِ، لا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ، وَلا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ، قَالَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الاسْمَيْنِ أَحْسَنُ مِنَ التَّفْرِقَةِ (١) , ومن هذا العرض يتبين ان الله المقدم المؤخر ليس كمثله شيء, فهو سبحانه المقدم لبعض الاشياء على بعض, اما تقديما كونيا, كتقديم بعض المخلوقات في الوجود على بعض, وكتقديم الاسباب على مسبباتها, والشروط على مشروطاتها, واما تقديما شرعيا معنويا, كتفضيل الانبياء ﵈ وتقديمهم على سائر البشر, وتفضيل العباد بعضهم على بعض لحكمة, وهو سبحانه المؤخر لبعض الاشياء عن بعض, اما بالزمان او بالشرع, وفق مشيئته , وقال ابن القيم:
وَهُوَ المَقَدِّمُ وَالمؤخِّرُ ذَانِكَ الصِّ ... فَتَانِ لِلأفعَالِ تَابِعَتَانِ
стр. 965
وَهُما صِفَاتُ الذَّاتِ أيضاً إذ هُمَا.........بِالذَّاتِ لاَ بِالغَيرِ قَائِمَتَانِ
وَالوَصفُ بِالتَّقدِيمِ وَالتأخِيرِ كَو ... نِيٌّ وَدِينِيٌّ هُمَا نَوعَانِ
وَكِلاَهُمَا أمرٌ حَقِيقيٌّ وَنِسبِيٌّ ... وَلاَ يَخفَى المثَال عَلَى الأذهَانِ
واللهِ قَدَّرَ ذَاكَ أجمَعَهُ بِإحكَامٍ ... وإتقَانٍ مِنَ الرَّحمَنِ
ثمرة معرفة اسم الله المقدم المؤخر
اذا عرف المكلف ان الله المقدم المؤخر النافع الضار الخافض الرافع, وانه يقدم ماشاء من خلقة بعلم وحكمة, ويؤخر من يشاء بعدل وحكمة وجب عليه ان يؤمن به, وان يقدم ماقدمه الله, ويؤخر ما اخره, يقدم الاعمال الصالحة, ويقدم زكاة ماله, ويقدم الخير والاحسان, قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) فمن عرف ان المقدم والمؤخر هو الله لم يكن له امان, بسبب كثرة الطاعات, ولايأس بسبب كثرة المعاصي, فهو يخاف الله فيما ياتي ويذر, ويثابر في عبادته, ويجتهد في طاعته, لانه يعلم بان الله يقدم من احبه وادى فرائضه وقدم ماله, فهو القادر على ان يقدم رتبته ومكانته ويؤخره عن كل امر فيه اثم وقطيعة رحم, وهو القادر على ان يلقي محبته في قلوب عباده ويجعل له ذكرا حسنا
стр. 966
بعد مماته ويقدمه الى الدرجات العلى في الجنة, ويؤخره اذا اشرك بالله في عبادته, فهو يعمل وهو على يقين ان الله لايظلم ولايبخس ولا يضيع ولايؤخر من اخلص لله في عمله, فبعملك واستقامتك واخلاصك لله يقدمك الله ويرفع مرتبتك, فانت اذا لم تطلب العلو في الدنيا بل تبتغي الرفعة عند الله وتخلص لله وترجو الله وتخاف الله وتؤدي زكاة مالك خالصة لله, وتقدم الاعمال الصالحة يقدمك الله ويرفعك الله في الدنيا والاخرة, فالله جل وعلى يقدم الصالح ويؤخر الطالح, يقدم العالم العامل بعلمه, ويؤخر الجاهل المتمادي في غيه, يقدم المحب ويؤخر المبغض, يقدم الطائع ويؤخر العاصي, يقدم المقبل على ربه, ويؤخر المعرض عنه, وهذا عدل منه , فاذا ادركت انك عبد الله حقا وان الله المقدم المؤخر احبك الله ورفعك ونفعك وقدمك, وحينئذ يجب عليك ان تقدم ماكان الله يحب تقديمه وان تؤخر ماكان الله يحب تاخيره, فلا تيأس ان رأيت تاخيرا لمكافأة, فاحيانا يقدم الله المكافأة لانسان فيرتاح ويقعد ويتوانى ويتكاسل, واحيانا يؤخر الله لانسان المكافأة فييأس, فلاتكن غافلا فلحكمة ما قد يقدم الله المكافأة أو يؤخرها, ولحكمة ما قد يقدم الله العقاب أو يؤخره, فمن اسمائة المقدم المؤخر, فمتى اشرق في قلبك نور اسمه المقدم المؤخر صرت في كل الامور متدبرا, فتقدم كل ما قدمه الله, وتؤخر كل ما اخره الله, وحينئذ تكون صادقا مع الله, تقدم طاعة ربك على شهوات نفسك, وتقدم فرائض الله على مصالحك الشخصية, وتقدم زكاة مالك على كسب مال غير
стр. 967
مشروع, وتؤخر هوى نفسك, فانت تعلم ان المقدم المؤخر سينبؤك بما تقدم وبما تؤخر, فكل انسان يوم القيامة ينبؤ بما قدم واخر, فمن قدم مايرضي الله كان من اسعد الناس في الدنيا والاخرة, وفي الذكر الحكيم: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (١) .
دعاء الله باسمه المقدم المؤخر
يا الله يامقدم يامؤخر قدمني الى كل عمل تحبه وترضاه, واخرني عن كل شيء يورث ندما, وعن كل من يريد بي سواء وماثما, وقدمني باسمائك يارب الارض والسماء, واجعلني مقدما برضاك على كل رضا من النفس والخلق فيما بقى ومضى, مقدما لطاعتك, وقدمني الى جنتك والى الفردوس الاعلى باسمائك وصفاتك العلى, وقدمني ووالدي والمؤمنين الى ماتحب وترضى انك سميع قريب مجيب الدعاء, انت المقدم وانت المؤخر لااله الا انت سبحانك قدمني والمؤمنين ياارحم الراحمين, وصلى الله على محمد النبي الامين, وعلى آله وصحابته الراشدين وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين, وقد كان من دعاء النبي ﵌: للَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا
الصيام
الصيام في اللغة: الامساك والكف عن الشيء, وفي اصطلاح علماء الشرع: الامساك بالنية عن الاكل والشرب والاتصال الجنسي, من الفجر الى غروب الشمس ابتغاء مرضاة الله. وهو الركن الرابع من اركان الإسلام, وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة. وينقسم الصوم الى نوعين: فرض: كصيام شهر رمضان, ونفل: كصوم يوم عرفة لغير الحاج. والاصل في فرضيته قول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) فرض الله الصيام بهذه الايات الكريمة وابان احكامه وهو ركن من اركان الإسلام, وقد جاء في الحديث النبوي: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (٢)
стр. 971
وقال ابن الرومي:
شهرُ الصَّيام مباركٌ لكنّما ... جُعلتْ لنا بركاتُه في طولهِ
منْ كان يألفهُ فكيف خروجُهُ ... عني بجدع الأنف قبلَ دخولهِ
إني ليعجبني تمامُ هلالهِ ... وأسرُّ بعد تمامِه بنحولهِ
شهرٌ يصدُّ المرءَ عن مشروبهِ ... مما يحلُّ له ومِنْ مأكولهِ
لا أستثيبُ على قبولِ صيامِهِ ... حسبي تصرُّمه ثوابَ قبولهِ
اما ابن الصباغ الجذامي فهو يقول:
هذا هلال الصوم من رمضان ... بالأفق بان فلا تكن بالواني
وافاك ضيفا فالتزم تعظيمه ... واجعل قراه قراءة القرآنِ
صمه وصنه واغتنم أيامه ... واجبر ذما الضعفاء بالإحسان
واغسل به خطّ الخطايا جاهدا ... بهمول وابل دمعك الهتّان
لا غرو أن الدمع يمحو جريه ... بالخدّ سكبا ما جناه الجاني
للَه قوم أخلصوا فخلّصوا ... من آفة الخسران والخذلان
بالصيام تكتسب ملكة التقوى
الصيام يبعث على الايمان الصادق, ويرقق القلب, ويصفي النفس, ويعين على خشية الله تعالى؛ ولذا استعان به الانبياء في تحقيق مآربهم, والاولياء في تهذيب نفوسهم, والخاصة في شفاء قلوبهم, والعامة في شفاء جسومهم, وفي قوله تعالى (لعلكم تتقون) اشعار بان حكمة الصيام: التمرن على تقوى الله تعالى؛ لانه جل شأنه لم يقل: لعلكم تألمون, او لعلكم تصحون. فالصيام اذا: اختبار روحي, وتجربة خلقية لاكتساب ملكة التقوى, والتقوى: هي الهدف الاسمئ؛ الذي ان أصبته جاءتك كل الثمرات راغمة, وان اخطأته فقد اضعت عملك كله سدى, وخرجت من دنياك بغير نصيب في الاخرة والعياذ بالله. فاذا وصل العبد الى مرتبة التقوى دانت له الدنيا والاخرة, وصار على جوارحه سيدا مطاعا, واصبح جديرا في الاستخلاف في الارض والتمكين له فيها! وقديما قيل: " التقوى هي العدة الوافية والجنة الواقية" قال الشاعر:
وما لبس الإنسان ابهى من التقى ... وان هو غالى في حسان الملابس (١)
وقال اخر:
لاشيء اعلى من التقوى وصحبتها ... ان التقي عزيز حيث ما كان
وقد يقول قائل: ولم كانت التقوى نتيجة من نتائج الصيام دون سائر العبادات؟ والجواب على ذلك: هو ان الصيام ليس كشائر العبادات؛ لأن العبادات لها جوانب شتى تحببها ففي الصلاة مثلا: حلاوة المناجاة, وسعادة القرب من حضرة الرب! وفي الزكاة: اطاعة لاريحية الكرم والجود, وفي الجهاد: عزة الحمية, واباء الضيم, اما الصيام: فليس فيه معاونة من الطبع على ادائه؛ بل فيه على العكس: مقاومة ومعاندته, لذا كان اقرب الاعمال الى خلوص النية من الشوائب؛ ومن اجل ذلك قال المولى سبحانه في
стр. 972
الحديث القدسي: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ الا الصيام فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) (١)
الصوم فيه تدريب على القيادة والسيادة
الصوم وان كان من مظاهره الجوع والعطش والحرمان, فانه تدريب على السيادة والقيادة: السيادةعلى النفس؛ والتحكم في اهوائها ونزواتها, وقيادتها الى مايصلحها في دنياها, ويعزها في اخراها! وسيادة النفس ارقى انواع السيادة, واقسى انواع المجاهدة, فاذا ماساد الإنسان نفسه دامت له الدنيا بما فيهاومن فيها, ولم يحل بينه وبين الجنة سوى الموت, يلقى ربه فيفيه بما وعده (٢) (إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) قال الشاعر:
بُشرَى بإسفارِ صَباحِ النّجاح ... عَن صَفْحَةِ الصّفحِ وَخَفضِ الجَناح
هَذا افتِتاحُ الصَومِ مُسْتَقبَلاً ... عَن اختِتام بِالرّضى وافتِتاح (٣)
والصيام يدرب نفوس الصائمين على الشرف والعفة, ويؤهلها لعمل الخير, ويبعدها عن الشر, فالصائم الخائف من ربه لايخدع ولا يغش, ولايظلم, ولا يهضم حقا, ولا يسعى للفساد بين الناس, والصيام يخفف الشهوة التي هي ام المعاصي, ولهذا يقول الرسول ﵌: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (٤) .
فوائد الصوم
ان للصوم منافع جمة وفوائد عظيمة من الناحيتين الاجتماعية والفردية, منها: العطف على المساكين واكرامهم, لان الصائم عندما يجوع يتذكر من هذا حاله في عموم الاوقات فيحمله هذا التذكر على رحمة المساكين ومحبتهم والعطف عليهم, فالرحمة تنشؤ في الغالب الأعم عن التذكر والألم, والصيام طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس, وتنمية المحبة والؤلفة والتعاطف, ومتى تحققت رحمة الغني للفقير الجائع وعطفه عليه واكرامه نشأت المحبة وحدثت الؤلفة, واصبحت للكلمة الانسانية الداخليه سلطانها النافذ, فبتوحد الاحاسيس والمشاعر تتوحد الانسانية, وتتجه الى الفضيلة, والصوم يبعث في النفس الإيثار والكرم ومحبة اطعام الطعام واكرام الفقراء والاحسان الى الاخوان, وقد روي ان رسول الله ﵌: (كان أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) (٥) ومن فوائد الصوم: المساواة بين الاغنياء والفقراء, فهو نظام عملي من اقوى وابدع الانظمة والمبادئ التي جعلها الحق فريضة اجبارية ليتساوى
стр. 973
الجميع في بواطنهم, فهي بمثابة فقر اجباري يراد به اشعار النفس الانسانيه بتساوي الجميع في عبادة الصوم لله وحده, فالجميع يمتنع عن الاكل والشرب والجماع ولغو الحديث, والوحدة الحقيقية هي تلك التي تتم حين يتساوى الناس بالشعور, لا حين يختلفون, وحين يتعاطفون باحساس الألم الواحد لاحين يتنازعون بالرغبات المتعددة, ان هذا المظهر السامي في الصوم ينير طريق المسلم ويجعل الأمة اكثر تماسكا واكثر اشراقا واعظم نورا ان ادركت القلوب معنى تلك العبادة العظيمة. ومن هنا ندرك ان الإسلام بفرضه هذه العبادة يؤسس لاجتماع المسلمين ولقيام وحدتهم التي تقوم على رابطة وحدة الدين والعقيدة ووحدة المبادئ الخلقية والعبادات التي تشعر بوحدة المسلمين واتحاد الموحدين, فقيام المجتمع الاسلامي على مبادئ الفضيلة والاخلاق هو امثل الطرق لتكوين الجماعات الدولية, ولا يعد الاجتماع العنصري او الاقتصادي امثل المجتمعات لتكوين الامم, وذلك لأن الجماعة الواحدة لاتتكون منها امة الا اذا اتحدت المشاعر والاهواء والمنازع النفسية, ولاتتكون هذه المشاعر تحت سلطان تبادل المنافع فقط, وذلك لأن تبادل المنافع يكون عند قيامها, ويزول عند زوالها ولاتتحد النفوس في هذا الظل العارض الذي يتغير بتغير الأحوال والازمان, ولم يعرف ان امة تكونت من مجرد التبادل الاقتصادي او الاشتراك في المنفعة المادية واستمرت وحدتها قائمة وان وجد مايشعر بمثل ذلك في فترات وجيزة, فهو غير قائم على عرى وثيقة بل انه يزول وان استمر الى حين. وبالموازنة بين تكوين
стр. 974
الامم واتحادها على اساس عنصري وتكوينها وتوحدها بالدين يتبين ان السير بالانسانية في مدارج الرقي, وقيام العلائق البشرية على اساس من المودة والفضيلة انما يكون تحت ظل الدين لاتحت ظل العنصرية, لان العنصرية تفرض دائما تفضيل عنصر على عنصر, وهي شكل من اشكال التجمع الحيواني, اذ تجتمع فصيلة من الفصائل لتقاتل أخرى, وتصيطر على مكان تقيم فيه لتغالب الاخرين وتنهب ثرواتهم , فليس التجمع الانساني على اساس العنصرية الا بقية من بقايا الحيوانية المتناحرة في الإنسان. اما الاجتماع باسم الإسلام فهو اجتماع لايقوم على المغالبة, بل على الاخوة العامة والمودة الراحمة التي يحث عليها الدين القويم فتتحد فيها المشاعر نحو الفضيلة والمثل العليا التي تنزع بالروح الانساني نحو الملكوت الأعلى, ويخضع فيها الإنسان لخالق الاكوان وحده. ومن فوائد الصوم ايضا: اضعاف سلطان العادة, فقد بلغ ببعض الافراد الى حد الاستعباد, فاذا تاخر عنهم الطعام عن موعده فاصابهم الجوع ساءت اخلاقهم, وقد يكون سلطان المكيفات من القهوة والشاي والتدخين اشد من سلطان الطعام على اهله, ففرض الله الصيام ليكون فيه تلطيفا وتخفيفا لهذا السلطان الجامح, ومن فوائد الصوم: اضعاف سلطان الاسترسال في الملذات وتخفيف الشره والثبات على المكاره وتعويد النفس الصبر والقرب من الله واخلاص العبادة له, ومن فوائد الصوم: انه يقي الشخص ان يكون حيوانا يعمل بشريعة الغاب, ويقي المجتمع بتهيئة الفرد الصالح العامل على خيره
стр. 975
فيكون انسانا مع انسان لاحيوانا ضاريا مع انسان , ولهذا يقول الرسول ﵌: (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) (١) .
من اسرار الصوم
من اسرار الصوم انه يتعود فيه الإنسان الابتعاد عن كل مايغضب الله, فالصائم من اجتنب الكذب والضلال, والغيبة والنميمة, والحسد والشقاق, والالفاظ الباعثة على النفور الموصلة الى الفساد والفجور, وفي الحديث: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (٢) وقد ذكر الغزالي في احياء علوم الدين من اسرار الصوم
اولا: غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله .
ثانيا: حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن
стр. 976
ثالثا: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه, ولذلك سوى الله بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى " سماعون للكذب أكالون للسحت " وقال " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ".
رابعا: كف بقية الجوارح من اليد والرجل عن الآثام والمكاره، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار.
خامسا: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه.
سادسا: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين؟ (١) قال الشاعر:
اذا لم يكن في السمع مني تصامم ... وفي مقلتي غض وفي منطقي صمت
فحظي اذا من صومي الجوع والظما ... وان قلت اني صمت يوما فما صمت
السحور بركة
لقد حث رسول الله ﵌ على السحور لما فيه من قيام الليل ووجود فرصة لذكر الله وتسبحيه وتمجيده, والتهجد له وقراءة القرآن والاستعداد لصلاة الفجر وغير ذلك من اعمال رمضان الخيرية, وما اوقات رمضان الا سوق نافقة تشرى فيه المحامد, وتكتسب فيها المكارم وتشاد فيها الصالحات, وفي الحديث النبوي: نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ) (٢) وقد اجمع اساطين الحكماء وفطاحل العلماء ومهرة الاطباء على نفع التمر وغذائة, فقد اودع فيه الخالق من الخفة والسهولة في الهضم ما يعين الصائم على صيامه وقيامه, فلا تترك سنة تعجيل الافطار وتاخير السحور فذالك من سنة المصطفى محمد ﵌ ولاتنس الذكر والاستغفار والدعاء في الأسحار ففي ذلك خير الدنيا والاخرة, قال الشاعر:
والذِّكرُ فيه حَيَاةٌ لِلقُلُوبِ كما ... يُحيِي البِلادَ إذا ما ماتَت المَطَرُ (٣)
بالصوم تغفر الذنوب
في الصوم ثواب كبير واجر جزيل فمن صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ذنبه, فالصائم تتنزل عليه رحمات الله, والصائم له عند فطره دعوة مستجابة, فرمضان كله خير وموسم عبادة, وفيه ليلة خير من الف شهر, فليلة القدر فيه وهي هبة من الله لهذه الأمة, فاحرص على قيامها وتمتع بلذة المناجاة فيها, وفي الحديث النبوي: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (٤) وفي حديث اخر: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (٥) فاحرص على الطاعات في شهر الصيام قبل
стр. 977
ان يرحل فهو موسم لحصاد الحسنات فاغتنم فيه من الاعمال الصالحات, قال الشاعر:
ألا إنَّ شهر الصَّوم عنكم قد انقضى ... فهل مُرجع منكم لوشك انصرامهِ
وهل فيكمُ مستوحش لفراقه ... وما فاته من صومه وقيامهِ
فلا تغفلوا يا قوم إخراج حقّه ... وأدُّوا زكاة الفطر عند تمامهِ
وما شرعت إلاَّ لتكفير لَغْوهِ ... ولم تُفرض إلاَّ طُهرةً لصيامهِ
فقد فازَ مَن زكَّى امتثالاً لربِّه ... وحاز بشهر الصَّوم تكفير عامهِ (١)
فربما كان الصيام لك دواء ولروحك غذاء, فاذا هيمنت الفطرة الايمانية على قلبك في شهر الصيام وغذي قلبك بعوامل حب الله تزودت بالتقوى وفرحت بفضل الله ورحمته واخلصت لله في عبادته وقصدت الله في كل شيء وعرفت انه المقصود في الرغائب المستغاث به عند المصائب, وانه الصمد الكامل في كل الصفات, وانه سبحانه الصمد الذي يصمد اليه في الحوائج وهو الصمد الذي لايزول ابدا, وقد قال بعض العلماء: من اراد ان يتحلى بكمالات الصمد فليقلل من الاكل والشرب وليترك فضول الكلام, اي الهذر, فمن كثر كلامه كثر خطؤه (٢) , فالمؤمن الصائم الصادق في ايمانه لايقصد بحوائجه غير الله ولايعول الا على الله ولايضع الامال الا بالله الصمد الواحد الاحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد, فتعرف على اسمه الصمد تفلح وتسعد.
الصمد من اسماء الله الحسنى
الصمد ورد في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣) وورد في حديث ابي هريرة عند الترمذي ان لله تسعة وتسعين اسما وعد منها (الصمد) وجاء عند البخاري في فضائل القرآن من حديث ابي سعيد الخدري ان النبي ﵌ قال لاصحابه: (أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ, فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) (٤) وروى البيهقي بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى (الصمد) , قال: السيد الذي كمل في سؤدده والشريف الذي كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفو (٥) وليس كمثله شيء، فسبحان الله الواحد القهار (٦) , والصمد هو الذي تصمد اليه جميع المخلوقات اي تقصده بالذل والحاجة والافتقار وهو الذي كمل في علمه, وحكمته وحلمه وقدرته وعظمته ورحمته وسائر اوصافه
стр. 978
فهو كامل الصفات, وقال الدكتور النابلسي: معنى الصمد: القصد. وفي حديث معاذ ابن الجموح في قتل ابي جهل قال: فصمدت له اي قصدته حتى امكنتني منه غرة. هذا المعنى الاول في اللغة. الصمد: القصد. والصمد كذلك: السيد المطاع الذي لايقضى دون امره, واصمد اليه الأمر: اسنده اليه (١) . فاالله جل وعلى هو الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد وهو الذي اسندت الأمور اليه, فلم يقض فيها غيره وهو الذي يصمد اليه في الحوائج اي يقصده الخلق في كل الحاجات, وهو الذائم الباقي بعد فناء خلقه, وهو الذي خلق كل شيء ولا يستغني عنه شيء, وهو مستغن عن كل احد, وهو الذي تقدست ذاته عن ادراك الابصار والعِيان فالابصار والحواس لاتدركه. قال الشاعر:
صمد بِلا كفء وَلا كَيفية ... أَبدا فَما النظراء والاشباه
شهدت غَرائب صنعه بوجوده ... لَولاه ما شهدت به لَولاه
واليه أذعنت العُقول فآمنت ... با لغيب تؤثر حبها اياه
سُبحان من عنت الوجوه لوجهه ... وَله سجود أَوجه وَحباه
طوعا وَكرها خاضعين لعزه ... فَله عليها الطوع والاكراه
سل عنه ذرات الوجود فانها ... تدعوه معبودا لها رباه
ما كانَ يعبد من الاه غيره ... وَالكل تحت القهر وَهواله (٢)
стр. 979
ثمرة معرفة اسم الله الصمد
اذا علم المكلف ان الله ﵎ الأحد الصمد وجب عليه ان يؤمن به, وان يوحده مخلصا فقد علم الا صمدانية ولاوحدانية الا لله وحده, فلا يقصد غيره ولا يلجأ في الحوائج الا اليه, فمن اراد ان يتحلى بكمالات الصمد فليقلل من الاكل والشرب وليترك فضول الكلام, وان يتخلق بهذا الاسم العظيم فيجعل نفسه مقصودا من قبل الناس للخير, معينا لهم على حوائجهم, ومن تخلق بكمالات الصمد اكثر من ذكر الصمد, فمن احب السور الى النبي ﵌ سورة الاخلاص التي ورد فيها اسم الله الصمد وقد ورد في بعض الاحاديث انها تعدل ثلث القرآن, وتلاحظ في شهر رمضان ان الإنسان لتركه الطعام والشراب تصفو نفسه, وفي الامثال السائرة: "البطنة تذهب الفطنة" والانسان الذي يعلم ان الله الصمد وحده هو الذي يُطعِم ولا يُطعَم, ويقصد في كل الأمور والحاجات يتوجه اليه ويتوكل عليه ويرغب لما عنده ويحتكم الى شريعته ويرجع الى الله الصمد الذي كملت قدرته وعظم سلطانه, رب كل شيء ومليكه المحكم تدبيره والعدل تقديره, في كل اموره يدعوه ويرجوه فهو الذي لايعجزه شيء ولايفوته مطلوب.
دعاء الله باسمه الصمد
يا الله ياصمد يا واحد ليس لنا سواك ياالله مقصد, فانلني والمؤمنين من طاعتك ماتحب به ان تعبد واطعمنا من طيبات رزقك في اليوم وغد, وارفعنا
الى الدرجات العلى من الجنة ياصمد ياواحد يااحد, واسألك يا الله ياصمد ان تنفحني بنفحة خير منك في الدنيا والاخرة وان تجعلني موحدا لك ياواحد ياصمد واغفر لي ولوالدي والمؤمنين ياقدوس ياصمد, وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله واصحابه والتابعين واستجب دعائي ياصمد ياكريم.
стр. 980
الفصل الثالث والخمسون
الحج
الحج
الحج لغة: القصد الى معظَّم. وفي الشرع: قصد البيت الحرام بمكة للعبادة باداء اعمال مخصصة في زمن مخصوص لمن استطاع اليه سبيلا, وهو الركن الخامس من اركان الإسلام فرضه الله على كل بالغ مستطيع. والحج في الاسلام يختلف عن الحج في سائر الاديان, اذ ان الحج عندها عبارة عن التبرك بقبور القديسين وما تركوه من اثار ومبان, وهذا ماكرهه الإسلام ونفر منه. فالاسلام يعتبر الحج وسيلة لتحقيق الفوائد الروحية والادبية والاجتماعية والاقتصادية, والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١) وقد فسر العلماء المنافع يانها دينية ودنيوية معا, والدين والدنيا في نظر القرآن مترابطان ترابط الروح بالجسد, فاذا كان الدين يمد الروح بالايمان الصحيح والاداب, فان امور الدينا تمده باسباب البقاء ودواعي الارتقاء, والحج مؤتمر عام لتوحيد غايات المسلمين وتوجيههم الى مصادر الحياة الصحيحة بما يقتبسه بعض شعوبهم من ثقافات البعض الاخر, وفيه تعويد للنفس على مكارم الاخلاق والبعد عن الرفث والفسوق والشقاق, وفي الذكر الحكيم: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ
стр. 981
اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (١) والحج ركن الإسلام ومجتمع الاخوان وفيه تعظيم لشعائر الرحمن, وفي الحديث النبوي الشريف: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (٢) , والحج خير وبركة فمن حج البيت زكاة نفسه وغفر ذنبه وظفر بخير وفير واجر كبير, قال الشاعر:
هنيئاً لمن حج بيت الهدى ... وحطَّ عن النفس أوزارها (٣)
وقال اخر:
حبذا الحج وأيامُ مِنَى ... ومُصلّانا وتقبيلُ الحجر (٤)
اما صالح الكواز الحلي فهو يقول:
أرى الحج شاهد عدل لكم ... بتأدية الفرض مهما وجب
في الحج اجتماع الناس وتآلفهم
لقد اهتم الشارع الحكيم باجتماع الناس وتآلفهم, وتبادلهم الاخوة الدينية, والمحبة الخالصة, فشرع صلاة الجماعة: ليختلط ابناء أهل الحي الواحد, وشرع الجمعة: ليجتمع أهل البلدة, وشرع الحج: ليجتمع أهل الاقطار والامصار؛ ليتعارفوا, ويتاحابوا, ويتبادلوا الاراء العامة؛ التي تعود بالنفع على الأمة الإسلامية في سائر اقطار المجموعة, قال الشاعر:
هذه مكة العزيزة بيت الله ... يسعى لحجها الثقلان
فالكعبة هي اول بيت وضع للناس لعبادة الله وحده وفي القرآن الحكيم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ *فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)
جعل الله الكعبة البيت الحرام مثابة للناس وامنا
لقد جعل الله للبشر في زحمة الصراع منطقة امان انها الكعبة المشرفة.
والكعبة: البيت الحرام, سمي بذلك كما يقول أهل اللغة لتربيعه (٦) , وقال ابن الجوزي: وفي تسميتها بالكعبة قولان: احدهما لانها مربعة, والثاني لعلوها. وقال ابن خلدون: وتسمى الكعبة لعلوها من اسم الكعب (٧) . انها منطقة الامان التي جعلها الله للبشرية منذ بناء هذا البيت على يد ابراهيم واسماعيل ﵉ حينما اسساه على التوحيد, قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٨) فما
стр. 982
احوج البشرية المفزعة الوجلة, المتطاحنة المتصارعة الى منطقة الامان التي جعلها الله للناس في هذا الدين, وبينها للناس في القرآن الحكيم ليعلموا ان الله يعلم مافي السماوات والارض وان الله بكل شيء عليم ليعلموا انه الله يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكونات نفوسهم وهتاف ارواحهم وانه يقرر شرائعه لتلبية الطبائع والحاجات, والاستجابة للاشواق والمكونات فالبشرية كلها بحاجة الى عبادة الله بحاجة الى عونه وتوفيقه وتسديده بحاجة الى امان والى منطقة آمنه تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتصارعين والمتزاحمين على الحياة بين الاحياء من جميع الانواع والاجناس.. بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات لتحل الطمأنينة محل الخوف ويحل السلام محل الخصام, وترفرف اجنحة من الحب والإخاء والامن والسلام وتدرب النفس البشرية في واقعها العملي - لا في عالم المثل والنظريات- على هذه المشاعر وهذه المعاني قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) لقد جمع الله في هذا النص بيان حرمة المكان وحرمة الزمان لانه اراد ان يجعل الكعبة بيت الله الحرام والمسجد الحرام مثابة امن وسلام. تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع, كذلك جعل الله الاشهر الحرم لتكون منطقة امن في الزمان كالكعبة منطقة امن في المكان ثم مد الامن الى خارج منطقة الزمان والمكان, فجعله حقا
стр. 983
للهدي الذي يساق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة؛ فلايمسه احد في الطريق بسوء, ان ذلك الامن والامان يشمل الإنسان والطير والحيوان والحشرات بالامن في البيت الحرام, وفي فترة الاحرام بالنسبة للمحرم حتى وهو لم يبلغ الحرم, انها بحق منطقة السلام والسماحة التي يثوب اليها الناس ويقصدونها بالحج, وقد ذكر بعض العلماء انه ماعلى وجه الارض بلدة يستجاب فيها الدعاء في خمسة عشر موضعا الا مكة؛ اولها جوف الكعبة الدعاء فيها مستجاب, والدعاء عند الحِجْر الاسود مستجاب, والدعاء عند الركن اليماني مستجاب, والدعاء عند الحجر مستجاب, والدعاء خلف المقام مستجاب, والدعاء في الملتزم مستجاب, والدعاء على الصفا والمروة مستجاب, والدعاء بين الصفا والمروة مستجاب, والدعاء بين الركن والمقام مستجاب, والدعاء بمنى مستجاب, والدعاء بعرفة مستجاب, والدعاء في المشعر الحرام مستجاب (١) , قلت ليس ذلك فحسب فالصلاة في مكة بمائة الف صلاة وفيها بركة البيت وفضيلة التجميع والامن النفسي في المنطقة الامنة وفي الزمن الامن وهناك تصفو النفس البشرية وترق فتتصل بالملا الأعلى وتتهيأ للتعامل مع البشرية بلطف وامن, فهناك تحس قلوب الناس برحمة الله في شريعته وتتذوق جمال هذا التطابق بينها وبين فطرتهم, ان الحاج يشعر حينما يتطوف بالبيت العتيق بالمنافع العظيمة التي شهدها, انها الوحدة الحقيقية بلا ريب والوحدة النفسية والفكرية والاحساس بالجامعة
стр. 984
العامة التي تجمع الأمة على تعظيم شعائر الله وتوحيده وقد جعلهم الله شعوبا وقبائل ليتعارفوا فاكرمهم عند الله هم أهل التقوى الذين يدينون بدين الوحدانية ودين الاجتماع, وهم امة واحدة يجتمعون باسم الإسلام ويحجون البيت الحرام وهو اجتماع على الهدى والرشد والخير, لايقوم على المغالبة بل على الاخوة العامة والمودة الراحمة التي يحث عليها هذا الدين القويم, ان هذا الحج وهذا الاجتماع وهذا المؤتمر العظيم اذا اخلص الإنسان فيه لله وكان حجه مبرورا خرج الإنسان من ذنوبه وكسَب الاجر الكبير, والحج المبرور كما روي ذلك في الحديث النبوي (ليس له جزاء الا الجنة) (١) والحج المبرور هو الذي لايخالطه اثم ولا ذنب ولا انحراف. ان اجتماعا على توحيد الله وتعظيم شعائره واداء فريضة الحج ومناسكه في منطقة الأمان التي جعلها الله مثابة للناس وامنا نعمة عظيمة ومنة كبيره, انه الاجتماع على محبة الله والحب في الله الذي اساسه الالتزام بمنهج الله, وهو مقياس الايمان وعنوان التوفيق في الدنيا ورضوان الله في الاخرة, وليس تجمعا لاضدهاد امة ونهب ثروة واخافة امن كما نطق بذلك شاعر فقال:
تجمعتم من كل جنس وأمة ... ولون لحفظ السلم, هل حُفِظ السِّلْمُ
وهل رفع الحق الذليل جبينه ... وهل نحن بتنا لا يروعنا الظلم
سمعنا كلاما لذ في السمع وقعه ... ورُبَّ لذيذ شاب لذته السم
أرى الدول الكبرى لها الغنم وحدها ... وقد عادت الصغرى على رأسها الغرم
стр. 985
الا كل شعب ضائع حقه سدى...........اذا لم يؤيد حقه المدفع الضخم
متى عفَّت الذئبان عن اكل صيدها ... وقد امكنتها من مقاتلها البهم
الاحرام وحكمته
اذا وصل الحاج او المعتمر الى المواقيت التي عينها الرسول ﵌ لمن يريد ان يدخل الى الحرم لاداء الحج او العمرة واراد ان يدخل في الاحرام تجرد من ثيابه ولبس ازارا ورداء ابيضين هي ثياب الاحرام ويقول عند الاحرام في الميقات ان كان يريد العمرة (لبيك بعمرة, او لبيك بعمرة متمتعا بها الى الحج, ان كان قد قصد التمتع الى الحج) او يقول: (لبيك اللهم بحج وعمرة) ان كان قد قصد الجمع بينهما وكان حجه قرانا, وان كان قد قصد الحج مفردا فيقول (لبيك اللهم بحج) ولا يكتفي بمجرد مافي قلبه من قصد الحج ونيته, فان القصد مازال في القلب منذ خروجه من بلده, بل لابد من قول او عمل يصير به محرما في الميقات وذلك كان يقول: لبيك اللهم بحج, او لبيك اللهم بعمرة متمتعا بها الى الحج, او لبيك اللهم بحج وعمرة, فاذا لبى قاصدا للاحرام انعقد احرامه اتفاقا. واذا دخل المسلم في الاحرام حرم عليه ان يتخذ اي وسيلة من وسائل الرفاهية والزينة, فلا يتطيب ولا يلبس من الثياب مافصل على الجسم وخيط من حلّة أوقميص او بنطلون ولاينتعل حذاءً ساترا للرجل الا نعلا ساذجة, ولا يتزين بالخواتم