← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال لي جبير (١): إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق. قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شئ، فوالله لا تهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال هلم إلي يا بن مقطعة البظور، قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت الحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك إنه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق، قال فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي: أوحشي أنت؟ قلت نعم يا رسول الله. قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة؟ قال فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك، قال فكنت أتنكب برسول الله ﷺ حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله ، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما وبيده السيف وما أعرفه فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، وشد عليه الأنصاري بالسيف فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته، فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ وقتلت شر الناس. قلت: الأنصاري هو أبو دجانة سماك بن خرشة كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة. وقال الواقدي في الردة: هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. وقال سيف بن عمرو: هو عدي بن سهل وهو القائل: ألم تر أني ووحشيهم … قتلت مسيلمة المعتبن ويسألني الناس عن قتله … فقلت ضربت وهذا طعن والمشهور أن وحشيا هو الذي بدره بالضربة وذفف عليه أبو دجانة، لما روى ابن إسحاق عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال: سمعت صارخا يوم اليمامة يقول: قتله

стр. 1262

العبد الأسود. وقد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبد الله بن عدي بن الخيار. فذكر القصة كما تقدم. وذكر أن عبيد الله بن عدي كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشي إلا عينيه ورجليه فذكر من معرفته له ما تقدم (١)، وهذه قيافة عظيمة كما عرف مجزز المدلجي أقدام زيد وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما. وقال في سباقته: فأما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال له: يا سباع يا بن أم أنمار مقطعة البظور اتحاد الله ورسوله؟ ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، قال وكمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال: فكان ذلك آخر العهد به، إلى أن قال: فلما قبض رسول الله ﷺ وخرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من كتفيه، قال ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر البيت: وا أمير المؤمناه قتله العبد الأسود، قال ابن هشام فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت إن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة. قلت: وتوفي وحشي بن حرب أبو دسمة ويقال أبو حرب بحمص (٢) وكان أول من لبس الثياب المدلوكة. قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله ﷺ فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا. قلت: وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن سعيد بن المسيب أن الذي قتل مصعبا هو أبي بن خلف فالله أعلم. قال ابن إسحاق: فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: كان اللواء أولا مع علي بن أبي طالب، فلما رأى رسول الله ﷺ لواء المشركين مع عبد الدار قال نحن أحق بالوفاء منهم أخذ اللواء من علي بن أبي طالب فدفعه إلى مصعب بن عمير، فلما قتل مصعب أعطى اللواء علي بن أبي طالب. قال ابن إسحاق: وقاتل علي بن أبي طالب ورجال من المسلمين. قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار وأرسل علي أن قدم الراية، فقدم علي وهو يقول: أنا أبو القصم فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، وهو صاحب لواء المشركين. هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم فبرزا بين الصفين فاختلفا

стр. 1263

ضربتين فضربه علي فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله. وقد فعل ذلك علي ﵁ يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه. وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع علي أيضا. ففي ذلك يقول الحارث بن النضر: أفي (١) كل يوم فارس غير منته … وعورته وسط العجاجة باديه يكف لها عنه علي سنانه … ويضحك منها في الخلاء معاوية وذكر يونس عن ابن إسحاق: أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء المشركين يومئذ دعا إلى البراز فأحجم عنه الناس فبرز إليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه فأثنى عليه رسول الله ﷺ قال " إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير " (٢) وقال: لو لم يبرز إليه لبرزت أنا إليه لما رأيت من إحجام الناس عنه. وقال ابن إسحاق قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعد بن أبي وقاص (٣) وقاتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتل نافع (٤) بن أبي طلحة وأخاه الجلاس كلاهما يشعره سهما فيأتي أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها، فتقول يا بني من أصابك؟ فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن أبي الأقلح. فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله لا يمس مشركا أبدا ولا يمسه. ولهذا حماه الله منه يوم الرجيع كما سيأتي. قال ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبي عامر، واسمه عمرو، ويقال عبد عمرو بن صيفي، وكان يقال لأبي عامر في الجاهلية الراهب، لكثرة عبادته، فسماه رسول الله ﷺ الفاسق، لما خلف الحق وأهله وهرب من المدينة هربا من الاسلام ومخالفة للرسول ﵇. وحنظلة الذي يعرف بحنظلة الغسيل لأنه غسلته الملائكة كما سيأتي - هو وأبو سفيان صخر بن حرب فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الأوس (٥) وهو الذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله فقال رسول الله ﷺ " إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه " فسئلت صاحبته قال الواقدي: هي جميلة بنت أبي بن

стр. 1264

سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة. فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة فقال رسول الله ﷺ : كذلك غسلته الملائكة. وقد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره وقال ذنبان أصبتهما ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولا للرحم برا بالوالد. قال ابن إسحاق: وقال ابن شعوب في ذلك: لأحمين صاحبي ونفسي … بطعنة مثل شعاع الشمس وقال ابن شعوب: ولولا دفاعي يا بن حرب ومشهدي … لألفيت يوم النعف غير مجيب (١) ولولا مكري المهر بالنعف فرفرت … عليه ضباع أو ضراء كليب (٢). وقال أبو سفيان: ولو شئت نجتني كميت طمرة … ولم أحمل النعماء لابن شعوب وما زال مهري مزجر الكلب منهم … لدن غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وأدعي يالغالب … وأدفعهم عني بركن صليب فبكي ولا ترعى مقالة عاذل … ولا تسأمي من عبرة ونحيب أباك وإخوانا له قد تتابعوا … وحق لهم من عبرة بنصيب وسلي الذي قد كان في النفس أنني … قتلت من النجار كل نجيب ومن هاشم قرما كريما ومصعبا … وكان لدى الهيجاء غير هيوب (٣) فلو أنني لم أشف نفسي منهم … لكانت شجى في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم … بهم خدب من مغبط وكئيب (٤) أصابهم من لم يكن لدمائهم … كفاء ولا في خطة بضريب فأجابه حسان بن ثابت: ذكرت القروم الصيد من آل هاشم … ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم … نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه … وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصي عليا فراعه … بضربة عضب بله بخضيب

стр. 1265

فصل قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها. وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد منهم، [قال ابن إسحاق] (١) فحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صؤاب غلام لبني أبي طلحة حبشي وكان آخر (٢) من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول: اللهم هل أعزرت - يعني اللهم هل أعذرت - فقال حسان بن ثابت في ذلك: فخرتم باللواء وشر فخر … لواء حين رد إلى صواب جعلتم فخركم فيه لعبد … وألام من يطأ عفر التراب ظننتم، والسفيه له ظنون … وما إن ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا … بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين أن عصبت يداه … وما أن تعصبان على خضاب وقال حسان أيضا في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم: إذا عضل سيقت إلينا كأنها … جداية شرك معلمات الحواجب (٣) أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا … وحزناهم بالضرب من كل جانب فلولا لواء الحارثية أصبحوا … يباعون في الأسواق بيع الجلائب

стр. 1266

قال ابن إسحاق: فانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله ﷺ فذب بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كسرت رباعية النبي ﷺ يوم أحد وشج في وجهه، فجعل يمسح الدم ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) [آل عمران: ١٢٨] قال ابن جرير في تاريخه (١): حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط عن السدي قال: أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق طائفة فوق الجبل إلى الصخرة وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس: إلي عباد الله، إلي عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة فرمي بسهم في يده فيبست يده وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي ﷺ فقال بل أنا أقتله. فقال: يا كذاب أين تفر؟ فحمل عليه فطعنه النبي ﷺ في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه وقالوا ليس بك جراحة فما يجزعك؟ قال: أليس قال لأقتلنك لو كانت تجتمع (٢) ربيعة ومضر لقتلهم. فما يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح، وفشا في الناس أن رسول الله ﷺ قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فقال أنس بن النضر يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ﷺ اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، وانطلق رسول الله ﷺ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال: أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله ﷺ وفرح رسول الله ﷺ حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله في الذين قالوا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) الآية. فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه وهمهم أبو سفيان. فقال رسول الله ﷺ " ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض ". ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ: أعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم أحد بيوم بدر. وذكر تمام القصة. وهذا غريب جدا وفيه نكارة. قال

стр. 1267

ابن هشام: وزعم ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله ﷺ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته وان عبد الله بن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الدم من وجه رسول الله ﷺ ثم ازدرده فقال من مس دمه دمي لم تمسسه النار قلت: وذكر قتادة أن رسول الله ﷺ لما وقع لشقه أغمي عليه فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح الدم عن وجهه فأفاق وهو يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله (ليس لك من الامر شئ) الآية. رواه ابن جرير وهو مرسل وسيأتي بسط هذا في فصل وحده. قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكفار كما قال الله تعالى (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بأذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين … إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم) الآية [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣]. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي حدثني سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد قال فأنكر ذلك فقال: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله إن الله يقول في يوم أحد (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) يقول ابن عباس والحس القتل (حتى إذا فشلتم) إلى قوله (ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع. ثم قال أحموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وان رأيتمونا نغنم فلا تشركونا. فلما غنم النبي ﷺ وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فهم هكذا (وشبك بين أصابع يديه) والتبسوا فلما أخل الرماة تلك المحلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي ﷺ فضرب بعضهم بعضا فالتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد! فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بتكفيه إذا مشى. قال: ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا. قال فرقى نحونا، وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله. ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا فمكث ساعة أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل أعل هبل، مرتين (يعني آلهته)، أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر بن

стр. 1268

الخطاب ألا أجيبه؟ قال: بلى. قال: فلما قال اعل هبل قال: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان يا ابن الخطاب قد أنعمت عينها، فعاد عنها - أو فعال عنها - فقال أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر، قال فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر، الأيام دول وأن الحرب سجال قال فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه. وقد رواه ابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل (١) من حديث سليمان بن داود الهاشمي به وهذا حديث غريب وهو من مرسلات ابن عباس. وله شواهد من وجوه كثيرة سنذكر منها ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وهو المستعان. قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهورا علينا فلا تعينونا. فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: عهد إلي النبي ﷺ أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبوا صرفت (٢) وجوههم فأصيب سبعون قتيلا وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال لا تجيبوه. فقال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال لا تجيبوه. فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يحزنك. فقال أبو سفيان: أعل هبل. فقال النبي ﷺ : أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال قولوا: الله أعلى أو جل (وأجل). فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني (٣). وهذا من إفراد البخاري دون مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق: أن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير، قال ووضعهم موضعا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم،

стр. 1269

الغنيمة. ظهر أصحابكم، فما تنظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة! فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين رجلا، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ ثلاثا، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لاحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك. فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز: أعل هبل أعل هبل. فقال رسول الله ﷺ : ألا تجيبونه قالوا يا رسول الله وما نقول؟ قال قولوا: الله أعلى وأجل. قال: إن العزى لنا ولا عزى لكم؟ قال رسول الله ﷺ ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ورواه البخاري من حديث زهير وهو ابن معاوية مختصرا وقد تقدم روايته له مطولة من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وعلي بن زيد عن أنس بن مالك أن المشركين لما رهقوا النبي ﷺ وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش، قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلما رهقوه أيضا قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة، حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ ما أنصفنا أصحابنا. ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به. وقال البيهقي في الدلائل: بإسناده عن عمارة بن غزية عن أبي الزبير عن جابر قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار [فيهم] (٢) طلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا يا رسول الله (٣). فقال: كما أنت يا طلحة، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال: ألا رجل لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله. فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل وأصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له فيقاتل مثل

стр. 1270

من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما، فقال رسول الله ﷺ : من لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال: حس، فقال لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء. ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون (١). وروى البخاري: عن عبد الله بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد (٢). وفي الصحيحين من حديث موسى بن إسماعيل عن معتمر بن سليمان، عن أبيه عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد عن حديثهما (٣). وقال الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن معاوية عن هاشم بن هاشم السعدي (٤) سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد وقال: ارم فداك أبي وأمي. وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد عن مروان به (٥). وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن شداد عن علي بن أبي طالب قال ما سمعت النبي ﷺ جمع أبو يه لاحد إلا لسعد بن مالك فإني سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبي وأمي. قال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد عن سعد بن أبي وقاص: أنه رمى يوم أحد دون رسول الله ﷺ . قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النبل ويقول: أرم فداك أبي وأمي. حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به (٦). وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده. يعني جبريل وميكائيل ﵉. وقال أحمد: حدثنا عفان، أخبرنا ثابت، عن أنس أن أبا طلحة (٧) كان يرمي بين يدي النبي ﷺ يوم أحد والنبي ﷺ خلفه يترس به وكان

стр. 1271

راميا وكان إذا رمى رفع رسول الله ﷺ شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول هكذا بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك. وكان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: اني جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت. وقال البخاري حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي رسول الله ﷺ مجوب عليه بجحفة له وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وانهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقلان (١) القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملأنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم. ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا (٢). قال البخاري وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فأخذه (٣). هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ويشهد له قوله تعالى (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ، قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هاهنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور … إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم) [آل عمران: ١٥٤] قال البخاري: حدثنا عبد ان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء القعود قال هؤلاء قريش قال من الشيخ؟ قالوا ابن عمر فأتاه فقال إني سائلك عن شئ أتحدثني. قال أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد قال: نعم. قال فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولابين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي ﷺ وكانت مريضة فقال له

стр. 1272

رسول الله ﷺ إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، أما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان اذهب بهذا الآن معك. وقد رواه البخاري أيضا في موضع آخر والترمذي من حديث أبي عوانه عن عثمان بن عبد الله بن موهب به. وقال الأموي في مغازيه عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عن جده سمعت رسول الله ﷺ يقول، وقد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم إلى المبقى دون الأعوص، وفر عثمان بن عفان وسعد بن عثمان رجل من الأنصار حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص فأقاموا ثلاثا ثم رجعوا، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال لهم. لقد ذهبتم فيها عريضة. والمقصود أن أحدا وقع فيها أشياء مما وقع في بدر، منها حصول النعاس حال التحام الحرب وهذا دليل على طمأنينة القلوب بنصر الله وتأييده وتمام توكلها على خلقها وبارئها. وقد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدر: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه) الآية وقال هاهنا (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم) يعني المؤمنين الكمل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: النعاس في الحرب من الايمان والنعاس في الصلاة من النفاق. ولهذا قال بعد هذا (طائفة قد أهمتهم أنفسهم) الآية. ومن ذلك أن رسول الله ﷺ استنصر يوم أحد كما استنصر يوم بدر بقوله: " إن تشأ لا تعبد في الأرض " كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان قالا حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد: " اللهم إنك أن تشأ لا تعبد في الأرض " ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد عن حماد بن سلمة به، وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: " أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل ". ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، وهذا شبيه بقصة عمير بن الحمام التي تقدمت في غزوة بدر ﵄ وأرضاهما. فصل فيما لقي النبي ﷺ يومئذ من المشركين قبحهم الله قال البخاري (١): ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أحد … حدثنا إسحاق بن نصر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله "

стр. 1273

ورواه مسلم من طريق عبد الرزاق حدثنا مخلد بن مالك حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: " اشتد غضب الله على من قتله النبي في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله " ﷺ . وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد وهو يسلت (١) الدم عن وجهه وهو يقول: " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعو إلى الله " فأنزل الله (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) [آل عمران: ١٢٨]: ورواه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة به (٢)، ورواه الإمام أحمد: عن هشيم ويزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم " فأنزل الله تعالى (ليس لك من الامر شئ) وقال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح النبي ﷺ فقال: أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها [حتى إذا صارت رمادا] (٣) ألصقتها فاستمسك الدم وكسرت رباعيته يومئذ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله أخبرني عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل في سبيل الله دونه وأراه قال حمية، قال فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت يكون رجلا من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه وهو يخطف المشي خطفا، لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله ﷺ " عليكما صاحبكما " يريد طلحة وقد نزف، فلم نلتفت إلى قوله قال: وذهبت لأنزع ذاك من وجهه، فقال: أقسم عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره تناولها بيده فيؤذي

стр. 1274

رسول الله ﷺ فأزم عليها بفيه. فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني. قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة ﵁ من أحسن الناس هتما (١). فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة [أو أقل أو أكثر] (٢) وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه (٣). وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي الحويرث عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية، ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ما معه أحد، فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية، فقال والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع خرجنا أربعة (٤) فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إليه (٥). قال الواقدي: ثبت عندي أن الذي رمى في وجنتي رسول الله ﷺ ابن قمئة، والذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص، وقد تقدم عن ابن إسحاق نحو هذا وان الرباعية التي كسرت له ﵇ هي اليمنى السفلى. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال: [والله] ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص وان كان ما علمت لسئ الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ " اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله ". وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عثمان الجزري، عن مقسم أن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص حين كسر رباعيته، ودمى وجهه فقال " اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا " فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار (٦). وقال أبو سليمان الجوزجاني: حدثنا محمد بن الحسن، حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني ابن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حرب عن أبيه، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن رسول الله ﷺ داوى وجهه يوم أحد بعظم بال. هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازي للأموي في وقعة أحد. ولما نال

стр. 1275

عبد الله بن قمئة من رسول الله ﷺ ما نال رجع وهو يقول: قتلت محمدا. وصرخ الشيطان أزب العقبة يومئذ بأبعد صوت: ألا إن محمدا قد قتل! فحصل بهتة عظيمة في المسلمين واعتقد كثير من الناس ذلك وصمموا على القتال عن حوزة الاسلام حتى يموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، منهم أنس بن النضر وغيره ممن سيأتي ذكره، وقد أنزل الله تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسنجزي (وسيجزي) (١) الله الشاكرين … وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين … وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين … وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين … فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين … يا أيها الذين آمنوا أن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين … بل الله مولاكم وهو خير الناصرين … سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين) [آل عمران: ١٤٤ - ١٥١]. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير ولله الحمد. وقد خطب الصديق ﵁ في أول مقام قامه بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) الآية. قال: فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحد إلا يتلوها. وروى البيهقي في دلائل النبوة: من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال: مر رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه. فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل. فقال الأنصاري: إن كان محمدا ﷺ قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم، فنزل (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) الآية. ولعل هذا الأنصاري هو أنس بن النضر ﵁ وهو عم أنس بن مالك. قال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر، فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي ﷺ للمشركين، لئن الله اشهدني قتالا للمشركين ليرين ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أعتذر إليك عما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد: أنا معك؟ قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم (٢)، قال: فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت (فمنهم من قضى نحبه

стр. 1276

ومنهم من ينتظر). ورواه الترمذي عن عبد بن حميد والنسائي عن إسحاق بن راهويه كلاهما عن يزيد بن هارون به وقال الترمذي: حسن، قلت: بل على شرط الصحيحين من هذا الوجه (١). وقال أحمد: حدثنا بهز وحدثنا هاشم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قال أنس. عمي (قال هاشم: أنس بن النضر) سميت به ولم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر. قال فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، ولئن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واها لريح الجنة أجده دون أحد. قال فقاتلهم حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية. قال فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا) [الأحزاب: ٢٣] قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد. ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن المبارك وزاد النسائي وأبو داود وحماد بن سلمة أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال: كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ . فلما بلغت رسول الله ﷺ حلفته قال: بل أنا أقتله إن شاء الله. فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد. فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ بنفسه فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله ﷺ ترقوه أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع إلى الأرض عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أجزعك؟ إنما هو خدش. فذكر لهم قول رسول الله ﷺ أنا أقتل أبيا، ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون فمات إلى النار فسحقا لأصحاب السعير (٢). وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيب نحوه. وقال ابن إسحاق: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: [أي محمد] (٣) لا نجوت ان نجوت. فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ : دعوه! فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم - كما ذكر لي - فلما أخذها رسول الله ﷺ انتفض انتفاضة، تطايرنا عنه تطاير الشعر (٤) عن ظهر البعير إذا

стр. 1277

انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. ذكر الواقدي عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك. قال الواقدي وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي (١) من الليل إذا أنا بنار تأججت فهبتها وإذا برجل يخرج منها بسلسلة بجذبها يهيجه العطش فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول الله ﷺ ، هذا أبي بن خلف. وقد ثبت في الصحيحين كما تقدم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله " ورواه البخاري من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس " اشتد غضب الله على من قتله رسول الله بيده في سبيل الله " وقال البخاري: وقال أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر سمعت جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي ﷺ ينهونني والنبي ﷺ لم ينه، وقال النبي ﷺ لا تبكه أو ما تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع. هكذا ذكر هذا الحديث ههنا معلقا وقد أسنده في الجنائز عن بندار عن غندر عن شعبة. ورواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به وقال البخاري: حدثنا عبد ان أخبرنا عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال وقتل حمزة هو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط (أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا) وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا. ثم جعل يبكي حتى برد الطعام (٢). انفرد به البخاري. وقال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأعمش عن شقيق عن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع النبي ﷺ نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه فقال النبي ﷺ غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (٣). وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن الأعمش به. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن سعيد حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ

стр. 1278

إبليس لعنة الله عليه: أي عباد الله أخراكم. فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه. فقال حذيفة يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي الله . قلت: كان سبب ذلك أن اليمان وثابت بن وقش كانا في الآطام مع النساء لكبرهما وضعفهما فقالا: انه لم يبق من آجالنا إلا ظم ء حمار فنزلا ليحضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين فأما ثابت فقتله المشركون وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ. وتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين ولم يعاتب أحدا منهم لظهور العذر في ذلك. فصل قال ابن إسحاق: وأصيب يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى سقطت على وجنته فردها رسول الله ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما. وفي الحديث عن جابر بن عبد الله أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده، فردها رسول الله ﷺ مكانها فكانت أحسن عينيه وأحدهما وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى. وروى الدارقطني بإسناد غريب عن مالك، عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد عن أخيه قتادة بن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي فأتيت بهما رسول الله ﷺ فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان. والمشهور الأول أنه أصيبت عينه الواحدة. ولهذا لما وفد ولده على عمر بن عبد العزيز قال له: من أنت؟ فقال له مرتجلا: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه … فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها … فيا حسنها عينا ويا حسن ما خد فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك: تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبو الا ثم وصله فأحسن جائزته ﵁. فصل قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد، فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة فقلت لها: يا خالة أخبريني خبرك فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت لها: من أصابك بهذا؟ قالت ابن قمئة، أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول دلوني على محمد لا نجوت إن نجا فاعترضت

стр. 1279

له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربني هذه الضربة. ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان. قال ابن إسحاق: وترس أبو دجانة دون رسول الله ﷺ بنفسه، يقبع (يقع) النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رسول الله ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده. قال ابن إسحاق: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم، فقال: فما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ . ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل، وبه سمي أنس بن مالك. فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج. فصل قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله ﷺ كما ذكر لي الزهري - كعب بن مالك قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ . فأشار رسول الله ﷺ [إلي] (١) أن انصت. قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين. فلما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبي بن خلف (فذكر قتله ﵇ أبيا كما تقدم). قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف، كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العود - فرسا - أعلفه كل يوم فرقا (٢) من ذرة، أقتلك عليه. فيقول رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش، وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد. فقالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك بأس قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك. فوالله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف (٣) وهم قافلون به

стр. 1280

إلى مكة. قال ابن إسحاق فقال حسان بن ثابت في ذلك: لقد ورث الضلالة عن أبيه … أبي يوم بارزه الرسول أتيت إليه تحمل رم عظم … وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت بنو النجار منكم … أمية إذ يغوث: يا عقيل وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا … أبا جهل لأمهما الهبول (١) وأفلت حارث لما شغلنا … بأسر القوم، أسرته قليل وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا من مبلغ عني أبيا … فقد ألقيت في سحق السعير (٢) تمني بالضلالة من بعيد … وتقسم إن قدرت مع النذور تمنيك الأماني من بعيد … وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ … كريم البيت ليس بذي فجور له فضل على الاحياء طرا … إذا تابت ملمات الأمور قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب، حتى ملا درقته ماء من المهراس (٣) فجاء بها إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول: " اشتد غضب الله على من دمى نبيه " وقد تقدم شواهد ذلك من الأحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية. قال ابن إسحاق، فبينا رسول الله ﷺ في الشعب معه أولئك النفر من أصحاب إذ علت عالية من قريش الجبل. قال ابن هشام: فيهم خالد بن الوليد. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا. فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل، ونهض النبي ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بدن رسول الله ﷺ وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها، فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول يومئذ " أوجب (٤) طلحة " حين صنع برسول الله ﷺ يومئذ ما صنع. قال ابن هشام: وذكر عمر مولى عفرة: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته وصلى المسلمون خلفه قعودا. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال:

стр. 1281

كان فينا رجل أتي (١) لا يدرى من هو يقال له: قزمان فكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر " إنه لمن أهل النار " قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر. قال بماذا أبشر فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت. قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل له نفسه. وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر كما سيأتي إن شاء الله. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر، عن الزهري، عن المسيب عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر فقال لرجل ممن يدعي الاسلام " هذا من أهل النار " فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الذي قلت إنه من أهل النار قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي ﷺ " إلى النار " فكاد بعض القوم يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل فإنه لم يمت ولكن به جراح شديدة فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: " الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله " ثم أمر بلالا فنادى في الناس " إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به قال ابن إسحاق: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الغيطون فلما كان يوم أحد قال: يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل. فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا " مخيريق خير يهود " قال السهيلي فجعل رسول الله ﷺ أموال مخيريق - وكانت سبع حوائط - أوقافا بالمدينة لله قال محمد بن كعب القرظي وكانت أول وقف بالمدينة. وقال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟ فيقول أصيرم بني عبد الأشهل، عمرو بن ثابت بن وقش. قال الحصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الاسلام على قومه. فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم ثم أخد سيفه، فغدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة قال: فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم ما جاء به لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه فقالوا [ما جاء بك يا عمرو] (٢) أحدب على

стр. 1282

قومك أم رغبة في الاسلام؟ فقال: بل رغبة في الاسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي، وغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابني ما أصابني. فلم يلبث أن مات في أيديهم. فذكروه لرسول الله ﷺ فقال " إنه من أهل الجنة ". قال ابن إسحاق: وحدثني أبي، عن أشياخ من بني سلمة قالوا: كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا: إن الله قد عذرك، فأتى رسول الله ﷺ وقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال رسول الله ﷺ " أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك " وقال لبنيه " ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة " فخرج معه فقتل يوم أحد ﵁ (١). قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة - كما حدثني صالح بن كيسان - والنسوة اللائي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجد عن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما (٢) وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا. وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وذكر موسى بن عقبة: أن الذي بقر عن كبد حمزة وحشي فحملها إلى هند فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فالله أعلم. قال ابن إسحاق ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت: نحن جزيناكم بيوم بدر … والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبر … ولا أخي وعمه وبكر شفيت نفسي وقضيت نذري … شفيت وحشي غليل صدري فشكر وحشي علي عمري … حتى ترم أعظمي في قبري قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت: خزيت في بدر وبعد بدر … يا بنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر … م الهاشميين الطوال الزهر (٣) بكل قطاع حسام يفري … حمزة ليثي وعلي صقري

стр. 1283

إذ رام شيب وأبوك غدري … فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر قال ابن إسحاق: وكان الحليس بن زيان أخو بني الحارث بن عبد مناة - وهو يومئذ سيد الأحابيش - مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول: ذق عقق. فقال الحليس: يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما (١). فقال: ويحك أكتمها عني فإنها كانت زلة. قال ابن إسحاق: ثم إن أبا سفيان، حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت [فعال] (٢)، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل (أي ظهر دينك). فقال رسول الله ﷺ لعمر " قم يا عمر فأجبه فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء (٣)، " قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار " فقال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر. فقال رسول الله ﷺ لعمر: ائته فانظر ما شأنه. فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا؟ فقال عمر: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن. قال: أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر. قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت ولا أمرت. قال: ولما أنصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام المقبل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: قل: نعم هو بيننا وبينك موعد. قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: أخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وان ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة. دعاء النبي ﷺ يوم أحد قال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي، عن ابن رفاعة الزرقي، عن أبيه قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ " استووا حتى أثني على ربي " فصاروا خلفه صفوفا فقال " اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا ومبعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول.

стр. 1284

اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والامن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الايمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق " (١) ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به. فصل قال ابن إسحاق وفرغ الناس لقتلاهم، فحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، أخو بني النجار: أن رسول الله ﷺ قال: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الاحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار (٢): أنا. فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، قال: فقال له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر أفي الاحياء أنت أم في الأموات فقال: أنا في الأموات فأبلغ رسول الله ﷺ سلامي وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته. وأبلغ قومك [الأنصار] (٣) عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. قال ثم لم أبرح حتى مات وجئت النبي ﷺ فأخبرته خبره. قلت: كان الرجل الذي التمس سعدا في القتلى محمد بن سلمة فيما ذكره محمد بن عمر الواقدي وذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه فلما قال: إن رسول الله أمرني أن أنظر خبرك أجابه بصوت ضعيف وذكره (٤). وقال الشيخ أبو عمر في الاستيعاب كان الرجل الذي التمس سعدا أبي [بن] كعب فالله أعلم. وكان سعد بن الربيع من النقباء ليلة العقبة ﵁ وهو الذي آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف. قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير: أن رسول الله ﷺ قال حين رأى ما رأى: " لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم " فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من

стр. 1285

الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب (١). قال ابن إسحاق: فحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب، وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس: أن الله أنزل في ذلك (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) الآية [النحل: ١٢٦]. قال: فعفا رسول الله ﷺ وصبر ونهى عن المثلة. قلت: هذه الآية مكية (٢) وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين فكيف يلتئم هذا. فالله أعلم. قال: وحدثني حميد الطويل عن الحسن عن سمرة [بن جندب] قال: ما قام رسول الله ﷺ في مقام قط ففارقه، حتى يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة. وقال ابن هشام: ولما وقف النبي ﷺ على حمزة قال " لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت قط موقفا أغيظ إلي من هذا " ثم قال " جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في [أهل] السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله " قال ابن هشام: وكان حمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة أرضعتهم ثلاثتهم ثويبة مولاة أبي لهب. الصلاة على حمزة وقتلى أحد وقال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن مقسم، عن ابن عباس قال: " أمر رسول الله ﷺ بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة " وهذا غريب وسنده ضعيف. قال السهيلي: ولم يقل به أحد من علماء الأمصار (٣). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم

стр. 1286

ليبتليكم) فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ وعصوا ما أمروا به أفرد رسول الله ﷺ في تسعة (١) سبعة من الأنصار واثنين من قريش وهو عاشرهم - فلما رهقوه قال: رحم الله رجلا ردهم عنا .. فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا، فجاء أبو سفيان فقال: أعل هبل! فقال رسول الله ﷺ : قولوا الله أعلى وأجل، فقالوا الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة (٢)، وفلان بفلان، فقال رسول الله ﷺ : لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون. قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مثلة وإن كانت لعن غير ملا منا، ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبد فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها فقال رسول الله ﷺ : أأكلت شيئا؟ قالوا: لا، قال ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار، قال: فوضع رسول الله ﷺ حمزة فصلى عليه وجئ برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة وجئ بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة " تفرد به أحمد وهذا إسناد فيه ضعف أيضا من جهة عطاء بن السائب. فالله أعلم. والذي رواه البخاري أثبت حيث قال: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا (٣). تفرد به البخاري دون مسلم. ورواه أهل السنن من حديث الليث بن سعد به. وقال أحمد حدثنا محمد يعني ابن جعفر حدثنا شعبة سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري عن ابن جابر عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أحد: فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم وثبت أنه صلى عليهم بعد ذلك بسنين عديدة قبل وفاته بيسير كما قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا زكريا بن عدي، أخبرنا [ابن] (٤) المبارك، عن حياة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر

стр. 1287

قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للاحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض واني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكان آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ . ورواه البخاري في مواضع أخر ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث يزيد بن أبي حبيب به نحوه. وقال الأموي حدثني أبي، حدثنا الحسن بن عمارة، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قالت عائشة: خرجنا من السحر مخرج رسول الله ﷺ إلى أحد نستطلع الخبر حتى إذا طلع الفجر إذا رجل محتجر يشتد ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل (١) قال: فنظرنا فإذا أسيد بن حضير، ثم مكثنا بعد ذلك، فإذا بعير قد أقبل، عليه امرأة بين وسقين قالت فدنونا منها فإذا هي امرأة عمرو بن الجموح. فقلنا لها ما الخبر قالت: دفع الله عن رسول الله ﷺ واتخذ من المؤمنين شهداء ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا. ثم قالت لبعيرها: حل. ثم نزلت، فقلنا لها: ما هذا؟ قالت: أخي وزوجي. وقال ابن إسحاق: وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه (٢) وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي. قالت ولم؟ وقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا ما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت. قال ابن إسحاق: ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن ودفن معه ابن أخته عبد الله بن جحش وأمه أميمة بنت عبد المطلب وكان قد مثل به غير أنه لم ينقر عن كبده ﵄. قال السهيلي: وكان يقال له المجدع في الله قال وذكر سعد أنه هو وعبد الله بن جحش دعيا بدعوة فاستجيبت لهما فدعا سعد أن يلقى فارسا من المشركين فيقتله ويستلبه فكان ذلك ودعا عبد الله بن جحش أن يلقاه فارس فيقتله ويجدع أنفه في الله فكان ذلك وذكر الزبير بن بكار: أن سيفه يومئذ انقطع فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونا فصار في يد عبد الله بن جحش سيفا يقاتل به ثم بيع في تركة بعض ولده بمائتي دينار وهذا كما تقدم لعكاشة في يوم بدر. وقد تقدم في صحيح البخاري أيضا أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد في الكفن الواحد

стр. 1288

وإنما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا لكل واحد واحد ويقدم في اللحد أكثرهما أخذا للقرآن وكان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللحد الواحد كما جمع بين عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر وبين عمرو بن الجموح لأنهما كانا متصاحبين ولم يغسلوا بل تركهم بجراحهم ودمائهم. كما روى ابن إسحاق: عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن رسول الله ﷺ لما انصرف عن القتلى يوم أحد قال: أنا شهيد على هؤلاء أنه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون دم والريح ريح مسك. قال: وحدثني عمي موسى بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ﷺ : ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى اللون لون الدم والريح ريح المسك وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ يوم أحد بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود وقال ادفنوهم بدمائهم وثيابهم. رواه أبو داود وابن ماجة من حديث علي بن عاصم به. وقال الإمام أبو داود في سننه: حدثنا القعنبي، أن سليمان بن المغيرة حدثهم عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر أنه قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله ﷺ يوم أحد فقالوا قد أصابنا قرح وجهد فكيف تأمر؟ فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد. قيل: يا رسول الله فأيهم يقدم؟ قال: أكثرهم قرآنا. ثم رواه من حديث الثوري عن أيوب عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر فذكره: وزاد واعمقوا (١). قال ابن إسحاق: وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك وقال: ادفنوهم حيث صرعوا (٢). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله وعتاب، حدثنا عبد الله، حدثنا عمر بن سلمة بن أبي يزيد المديني، حدثني أبي سمعت جابر بن عبد الله يقول: استشهد أبي بأحد فأرسلني إخواني إليه بناضح لهن فقلن: اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل فادفنه في مقبرة بني سلمة. فقال فجئته وأعوان لي فبلغ ذلك نبي الله وهو جالس بأحد فدعاني فقال: والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوته فدفن مع أصحابه بأحد. تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح، عن جابر بن عبد الله: أن قتلى أحد حملوا من مكانهم فنادى منادي النبي ﷺ أن ردوا القتلى إلى مضاجعهم (٣). وقد رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري والترمذي من حديث شعبة

стр. 1289

والنسائي أيضا وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلهم عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى المشركين يقاتلهم، وقال لي أبي عبد الله: يا جابر لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما مصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي. قال: فبينا أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادي: ألا أن النبي ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال يا جابر بن عبد الله والله لقد أثار أباك عمال معاوية فبدأ فخرج طائفة منه. فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتيل (١)، ثم ساق الامام قصة وفائه دين أبيه كما هو ثابت في الصحيحين. وروى البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة استصرخناهم إليهم فأتيناهم فأخرجناهم فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث (٢) دما. وفي رواية ابن إسحاق عن جابر قال: فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس. وذكر الواقدي: أن معاوية لما أراد أن يجري العين (٣) نادى مناديه: من كان له قتيل بأحد فليشهد، قال جابر: فحفرنا عنهم فوجدت أبي في قبره كأنما هو نائم على هيئته [وما تغير من حاله قليل ولا كثير] (٤) ووجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح (٥) ويده على جرحه فأزيلت عنه فانبعث جرحه دما، ويقال: إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك ﵃ أجمعين وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنوا. وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا حسين المعلم، عن عطاء، عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال لي ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ واني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله ﷺ وأن علي دينا فاقض واستوص بإخوانك خيرا، فأصبحنا وكان أول قتيل، فدفنت معه آخر في قبره ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو

стр. 1290

كيوم وضعته هيئة (١) غير أذنه. وثبت في الصحيحين: من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أنه لما قتل أبوه جعل يكشف عن الثوب ويبكي فنهاه الناس فقال رسول الله تبكيه أو لا تبكيه، لم تزل الملائكة تظله حتى رفعتموه. وفي رواية أن عمته هي الباكية (٢). وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا فيض بن وثيق البصري حدثنا أبو عبادة الأنصاري، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لجابر " يا جابر ألا أبشرك؟ قال بلى بشرك الله بالخير، فقال: أشعرت أن الله أحيا أباك فقال: تمن علي عبدي ما شئت أعطكه. قال: يا رب عبد تك حق عبادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه سلف مني أنه إليها لا يرجع " (٣). وقال البيهقي: حدثنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الأسفرايني، حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد، حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر، حدثنا علي بن المديني، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير (٤) بن بشير بن الفاكه الأنصاري قال: سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري ثم السلمي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله ﷺ فقال " مالي أراك مهتما؟ قال: قلت يا رسول الله قتل أبي وترك دينا وعيالا، فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا وقال له: يا عبدي سلني أعطك. فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال: إنه قد سبق مني القول: انهم إليها لا يرجعون. قال يا رب: فأبلغ من ورائي. فأنزل الله (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) الآية [آل عمران: ١٦٩]. وقال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن محمد بن عقيل، سمعت جابرا يقول: قال رسول الله ﷺ " ألا أبشرك يا جابر؟ قلت بلى، قال: إن أباك حيث أصيب بأحد، أحياه الله ثم قال له: ما تحب يا عبد الله ما تحب أن أفعل بك؟ قال: أي رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى " (٥) وقد رواه أحمد عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن ابن عقيل عن جابر، وزاد: فقال الله إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون. وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن

стр. 1291

إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر عن عبد الله عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر أصحاب أحد " أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابه بحضن الجبل " يعني سفح الجبل، تفرد به أحمد. وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير، وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه فدعا له ثم قرأ (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية [الأحزاب: ٢٣] قال " أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه " (١) وهذا حديث غريب، وروى عن عبيد بن عمير مرسلا. وروى البيهقي من حديث موسى بن يعقوب عن عباد بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يأتي قبور الشهداء فإذا أتى فرضة الشعب قال " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ثم كان أبو بكر بعد النبي ﷺ يفعله وكان عمر بعد أبي بكر يفعله، وكان عثمان بعد عمر يفعله (٢). قال الواقدي: كان النبي ﷺ يزورهم كل حول فإذا بلغ نقرة الشعب (٣) يقول " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول ثم عمر ثم عثمان، وكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تأتيهم فتبكي عندهم وتدعو لهم، وكان سعد يسلم ثم يقبل على أصحابه فيقول: ألا تسلمون على قوم يردون عليكم. ثم حكى زيارتهم عن أبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وأم سلمة ﵃ (٤). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم (٥)، حدثني الحكم بن نافع، حدثنا العطاف بن خالد، حدثتني خالتي قالت: ركبت يوما إلى قبور الشهداء - وكانت لا تزال تأتيهم - فنزلت عند حمزة فصليت ما شاء الله أن أصلي وما في الوادي داع ولا مجيب إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي، فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي " السلام عليكم " قالت: فسمعت رد السلام علي يخرج من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله خلقني وكما أعرف الليل والنهار فاقشعرت كل شعرة مني (٦). وقال محمد بن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال

стр. 1292

النبي ﷺ " لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخوانا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد. فقال الله : أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله في الكتاب قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (١). وروى مسلم والبيهقي: من حديث أبي معاوية، عن الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون). فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال " أرواحهم في جوف طير خضر (٢) تسرح في أيها شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، قال فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: اسألوني ما شئتم. فقالوا يا ربنا ما نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أن لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك مرة أخرى. قال: فلما رأى (٣) أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا (٤). فصل في عدد الشهداء قال موسى بن عقبة جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والأنصار تسعة وأربعون رجلا وقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا فالله أعلم. وقال قتادة عن أنس قتل من الأنصار يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون. وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه كان يقول قارب السبعين يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة ويوم اليمامة. وقال مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قتل من الأنصار يوم أحد ويوم اليمامة سبعون ويوم جسر أبي عبيد سبعون وهكذا قال عكرمة وعروة

стр. 1293

والزهري ومحمد بن إسحاق في قتلى أحد ويشهد له قوله تعالى (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا) يعني أنهم قتلوا يوم سبعين وأسروا سبعين وعن ابن إسحاق قتل من الأنصار - لعله من المسلمين - يوم أحد خمسة وستون أربعة من المهاجرين حمزة وعبد الله بن جحش ومصعب بن عمير وشماس بن عثمان والباقون من الأنصار، وسرد أسماءهم على قبائلهم وقد استدرك عليه ابن هشام زيادة على ذلك خمسة آخرين فصاروا سبعين على قول ابن هشام وسرد ابن إسحاق أسماء الذين قتلوا من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا. وعن عروة كان الشهداء يوم أحد أربعة أو قال سبعة وأربعين وقال موسى بن عقبة تسعة وأربعون وقتل من المشركين يومئذ ستة عشر رجلا (١) وقال عروة تسعة عشر وقال ابن إسحاق اثنان وعشرون (٢). وقال الربيع عن الشافعي ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي وقد كان من الأسارى يوم بدر فمن عليه رسول الله ﷺ بلا فدية واشترط عليه ألا يقاتله فلما أسر يوم أحد قال: يا محمد امنن علي لبناتي وأعاهد أن لا أقاتلك فقال له رسول الله ﷺ لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول خدعت محمدا مرتين ثم أمر به فضربت عنقه. وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله ﷺ " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " (٣). فصل قال ابن إسحاق ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي فلما لقيت الناس نعى إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت فقال رسول الله ﷺ " إن زوج المرأة منها لبمكان " لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها (٤). وقد قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، حدثنا عبد الله بن عمر، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش، عن أبيه عن حمنة بنت جحش: أنه قيل لها: قتل أخوك. فقالت: ﵀ وإنا لله وإنا إليه راجعون. فقالوا: قتل زوجك قالت: وا حزناه. فقال رسول الله ﷺ : " إن للزوج من المرأة لشعبة ما هي لشئ " قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن إسماعيل بن (٥) محمد بن سعد بن أبي

стр. 1294

وقاص قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبو ها (١) مع رسول الله ﷺ بأحد فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل والكثير وهو ههنا القليل. قال امرؤ القيس: لقتل بني أسد ربهم … ألا كل شئ خلاه جلل (٢) أي صغير وقليل. قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: " اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني في هذا اليوم " وناولها علي بن أبي طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم. فقال رسول الله ﷺ : " لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة ". وقال موسى بن عقبة في موضع آخر: ولما رأى رسول الله ﷺ سيف علي مخضبا بالدماء قال: " لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف " وروى البيهقي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء علي بن أبي طالب بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا فإنها قد شفتني، فقال رسول الله ﷺ : " لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة " (٣) قال ابن هشام: وسيف رسول الله ﷺ هذا هو ذو الفقار (٤)، قال: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم أحد لا سيف إلا ذو الفقار (٥)، قال: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا " قال ابن إسحاق: ومر رسول الله ﷺ بدار بني عبد الأشهل فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله ﷺ ثم قال: " لكن

стр. 1295

حمزة لا بواكي له " فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير إلى دار بني عبد الأشهل أمرا نساءهن أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ . فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن بعض رجال بني عبد الأشهل قال: لما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن في باب المسجد يبكين فقال: " ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن " (١) قال: ونهى رسول الله ﷺ يومئذ عن النوح فيما قال ابن هشام، وهذا الذي ذكره منقطع ومنه مرسل وقد أسنده الإمام أحمد فقال: حدثنا زيد بن الحباب حدثني أسامة بن زيد، حدثني نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ لما رجع من أحد فجعل نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال: فقال رسول الله ﷺ : " ولكن حمزة لا بواكي له " قال: ثم نام فاستنبه وهن يبكين قال: " فهن اليوم إذا يبكين يندبن حمزة " وهذا على شرط مسلم. وقد رواه ابن ماجة: عن هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع عن ابن عمر: ان رسول الله ﷺ مر بنساء بني عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال رسول الله ﷺ : " لكن حمزة لا بواكي له " فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: " ويحهن ما انقلبن بعد مرورهن فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم " وقال موسى بن عقبة: ولما دخل رسول الله ﷺ أزقة المدينة إذا النوح والبكاء في الدور قال: " ما هذا " قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم فقال: " لكن حمزة لا بواكي له " واستغفر له فسمع ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة فمشوا إلى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية كانت بالمدينة فقالوا: والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم النبي ﷺ فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة وزعموا أن الذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة فلما سمع رسول الله ﷺ قال: " ما هذا " فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم فاستغفر لهم وقال لهم خيرا وقال: " ما هذا أردت، وما أحب البكاء " ونهى عنه (٢). وهكذا ذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير سواء. قال موسى بن عقبة: وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله ﷺ وتحزين المسلمين وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق فور المرجل وقالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه ولا أصيب منه ما أصيب ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه، وقال المنافقون مثل قولهم وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم فأنزل الله القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين يعني فيمن قتل منهم فقال: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم " الآيات كلها كما تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة.

стр. 1296

خروج النبي ﷺ بأصحابه على ما بهم من القرح والجراح في أثر أبي سفيان قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد، وذكره رجوعه ﵇ إلى المدينة: وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله ﷺ فسأله عن أبي سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا أصبتم شوكة القوم وحدهم، ثم تركتموهم ولم تبتروهم (١)، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فأمر رسول الله ﷺ وبهم أشد القرح - بطلب العدو ليسمعوا بذلك وقال: لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال. فقال عبد الله بن أبي: أنا راكب معك. فقال لا، فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا. فقال الله في كتابه: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) [آل عمران: ١٧٢] قال وأذن رسول الله ﷺ لجابر حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته (٢)، قال وطلب رسول الله ﷺ العدو حتى بلغ حمراء الأسد (٣). وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير سواء. وقال محمد بن إسحاق في مغازيه: وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو وأذن مؤذنه ألا يخرجن أحد من حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله فأذن له. قال ابن إسحاق: وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال ابن إسحاق ﵀: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بني عبد الأشهل قال: شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة (٤) ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية (٥) أميال فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة. قال ابن هشام: وقد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، [أن]

стр. 1297

معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله ﷺ بتهامة، صفقتهم (١) معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك مر برسول الله ﷺ وهو مقيم بحمراء الأسد فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله ﷺ بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط. قال ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم، قال فإني أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر. قال وما قلت؟ قال قلت: كادت تهد من الأصوات راحلتي … إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل (٢) تردى بأسد كرام لا تنابلة … عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة … لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم … إذا تغطمطت البطحاء بالجيل (٣) إني نذير لأهل البسل ضاحية … لكل ذي أربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله … وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا المدينة، قال: ولم؟ قالوا نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكذا قال الحسن البصري. وقد قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، أراه قال، حدثنا أبو بكر (٤)، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا

стр. 1298

وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل (١). تفرد بروايته البخاري وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر ﵄ لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير (٢). هكذا رواه البخاري وقد رواه مسلم مختصرا من وجه عن هشام وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي جميعا عن سفيان بن عيينة. وأخرجه ابن ماجة من طريقه عن هشام بن عروة به. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق أبي سعيد عن هشام بن عروة به ورواه من حديث السدي عن عروة وقال في كل منهما صحيح ولم يخرجاه. كذا قال. وهذا السياق غريب جدا فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة كما تقدم قتل منهم سبعون وبقي الباقون. وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه فرجع إلى مكة وكانت وقعة أحد في شوال وكانا التجار يقدمون في ذي القعدة المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة وانهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المسلمين القرح واشتكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله ﷺ ندب الناس لينطلقوا بهم، ويتبعوا ما كانوا متعبين، وقال لنا ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام قابل. فجاء الشيطان يخوف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه فقال إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد فانتدب معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود وحذيفة في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان حتى بلغوا الصفراء فأنزل الله (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) وهذا غريب أيضا. وقال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع إلى المدينة، فقال لهم صفوان بن أمية: لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا (٣) وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا فرجعوا. فقال النبي ﷺ وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة " والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب " قال: وأخذ رسول الله ﷺ في وجهه ذلك، قبل رجوعه المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، جد عبد الملك بن مروان

стр. 1299

لامه عائشة بنت معاوية، وأبا عزة الجمحي، وكان رسول الله ﷺ قد أسره ببدر ثم من عليه فقال: يا رسول الله أقلني، فقال: لا والله لا تمسح عارضيك بمكة [بعدها و] تقول خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير، فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ " إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت (١)، فضرب عنقه " وذكر ابن هشام أن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاث فبعث رسول الله ﷺ بعدها زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: ستجدانه في مكان (٢) كذا وكذا فاقتلاه ففعلا ﵄. قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة كان عبد الله بن أبي كما حدثني الزهري، له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر، له شرفا في نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوه. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع. ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون ثيابه من نواحيه، وقالوا اجلس أي عدو الله والله لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا (٣) أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار (٤) بباب المسجد فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قمت أشدد أمره، فوثب إلي رجال من أصحابه (٥) يجبذونني ويعنفونني لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره، قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ . قال: والله ما أبغي أن يستغفر لي. ثم ذكر ابن إسحاق ما نزل من القرآن في قصة أحد من سورة آل عمران عند قوله (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم) قال إلى تمام ستين آية. وتكلم عليها، وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية. ثم شرع ابن إسحاق في ذكر شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم كما جرت عادته فذكر من المهاجرين أربعة حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان ﵃ ومن الأنصار إلى تمام خمسة وستين رجلا واستدرك عليه ابن هشام خمسة أخرى فصاروا سبعين على قول ابن هشام ثم سمى ابن إسحاق من قتل من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا على قبائلهم أيضا.

стр. 1300

قلت: ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي كما ذكره الشافعي وغيره وقتله رسول الله ﷺ صبرا بين يديه أمر الزبير - ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح - فضرب عنقه. فصل فيما تقاول به المؤمنون والكفار في وقعة أحد من الاشعار وإنما نورد شعر الكفار لنذكر جوابها من شعر الاسلام ليكون أبلغ في وقعها من الاسماع والأفهام وأقطع لشبهة الكفرة الطغام. قال الإمام محمد بن إسحاق ﵀ وكان مما قيل من الشعر يوم أحد قول هبيرة بن أبي وهب المخزومي وهو على دين قومه من قريش فقال: ما بال هم عميد بات يطرقني … بالود من هند إذ تعدو عواديها (١) باتت تعاتبني هند وتعذلني … والحرب قد شغلت عني مواليها مهلا فلا تعذليني إن من خلقي … ما قد علمت وما إن لست أخفيها مساعف لبني كعب بما كلفوا … حمال عب ء وأثقال أعانيها (٢) وقد حملت سلاحي فوق مشترف … ساط سبوح إذا يجري يباريها (٣) كأنه إذ جرى عير بفدفدة … مكدم لا حق بالعون يحميها من آل أعوج يرتاح الندي له … كجذع شعراء مستعل مراقيها (٤) أعددته ورقاق الحد منتخلا … ومارنا لخطوب قد ألاقيها (٥) هذا وبيضاء مثل النهي محكمة … لظت علي فما تبدو مساويها (٦) سقنا كنانة من أطراف ذي يمن … عرض البلاد على ما كان يزجيها قالت كنانة أنى تذهبون بنا … قلنا: النخيل فأموها ومن فيها (٧) نحن الفوارس يوم الجر من أحد … هابت معد فقلنا نحن نأتيها هابوا ضرابا وطعنا صادقا خذما … مما يرون وقد ضمت قواصيها ثمت رحنا كأنا عارض برد … وقام هام بني النجار يبكيها
следующие страницы →