← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وقال لهم، إذ عاين الامر واضحا … برئت إليكم ما بي اليوم من صبر فاني أرى مالا ترون وإنني … أخاف عقاب الله والله ذو قسر فقدمهم للحين حتى تورطوا … وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا … ثلاث مئين كالمسدمة الزهر وفينا جنود الله حين يمدنا … بهم في مقام ثم مستوضح الذكر فشد بهم جبريل تحت لوائنا … لدى مأزق فيه مناياهم تجري وقد ذكر ابن إسحاق جوابها من الحارث بن هشام تركناها عمدا. وقال علي بن أبي طالب وأنكرها ابن هشام: ألم تر أن الله أبلى رسوله … بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل بما أنزل الكفار دار مذلة … فلاقوا هوانا من أسار ومن قتل فأمسى رسول الله قد عز نصره … وكان رسول الله أرسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل … مبينة آياته لذوي العقل فآمن أقوام بذاك وأيقنوا … فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم … فزادهم ذو العرش خبلا على خبل (١) وأمكن منهم يوم بدر رسوله … وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل بأيديهم بيض خفاف عصوا بها … وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل فكم تركوا من ناشئ ذي حمية … صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل تبيت عيون النائحات عليهم … تجود بإسبال الرشاش وبالوبل نوائح تنعي عتبة الغي وابنه … وشيبة تنعاه وتنعي أبا جهل وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم … مسلبة حرى مبينة الثكل ثوى منهم في بئر بدر عصابة … ذوو نجدات في الحروب وفي المحل دعا الغي منهم من دعا فأجابه … وللغي أسباب مرمقة الوصل فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل … عن الشغب والعدوان في أسفل السفل (٢) وقد ذكر ابن إسحاق نقيضها من الحارث أيضا تركناها قصدا وقال كعب بن مالك: عجبت لأمر الله والله قادر … على ما أراد ليس لله قاهر قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا … بغوا وسبيل البغي بالناس جائر

стр. 1227

وقد حشدوا واستنفروا من يليهم … من الناس حتى جمعهم متكاثر وسارت إلينا لا تحاول غيرنا … بأجمعها كعب جميعا وعامر وفينا رسول الله والأوس حوله … له معقل منهم عزير وناصر وجمع بني النجار تحت لوائه … يمشون في الماذي والنقع ثائر (١) فلما لقيناهم وكل مجاهد … لأصحابه مستبسل النفس صابر شهدنا بأن الله لا رب غيره … وأن رسول الله بالحق ظاهر وقد عريت ريض خفاف كأنها … مقاييس يزهيها لعينيك شاهر بهن أبدنا جمعهم فتبددوا … وان يلاقي الحين من هو فاجر فكب أبو جهل صريعا لوجهه … وعتبة قد غادرته وهو عائر وشيبة والتيمي غادرت في الوغى … وما منهم إلا بذي العرش كافر فأمسوا وقود النار في مستقرها … وكل كفور في جهنم صائر تلظى عليهم وهي قد شب حميها … بزبر الحديد والحجارة ساجر وكان رسول الله قد قال أقبلوا … فولوا وقالوا: إنما أنت ساحر لأمر أراد الله أن يهلكوا به … وليس لأمر حمه الله زاجر وقال كعب في يوم بدر: ألا هل أتى غسان في نأي دارها … وأخبر شئ بالأمور عليمها بأن قد رمتنا عن قسي عداوة … معد معا جهالها وحليمها لأنا عبدنا الله لم نرج غيره … رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها نبي له في قومه إرث عزة … وأعراق صدق هذبتها أرومها فساروا وسرنا فالتقينا كأننا … أسود لقاء لا يرجى كليمها ضربناهم حتى هوى في مكرنا … لمنخر سوء من لؤي عظيمها فولوا ودسناهم ببيض صوارم … سواء علينا حلفها وصميمها وقال كعب أيضا: لعمر أبيكما يا ابني لؤي … على زهو لديكم وانتخاء لما حامت فوارسكم ببدر … ولا صبروا به عند اللقاء وردناه ونور الله يجلو … دجى الظلماء عنا والغطاء رسول الله يقدمنا بأمر … من أمر الله أحكم بالقضاء

стр. 1228

فما ظفرت فوارسكم ببدر … وما رجعوا إليكم بالسواء فلا تعجل أبا سفيان وأرقب … جياد الخيل تطلع من كداء بنصر الله روح القدس فيها … وميكال فيا طيب الملاء وقال حسان بن ثابت: قال ابن هشام: ويقال هي لعبد الله بن الحارث السهمي (١): مستشعري حلق الماذي يقدمهم … جلد النحيزة ماض غير رعديد (٢) أعني رسول إله الخلي فضله … على البرية بالتقوى وبالجود وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم … وماء بدر زعمتم غير مورود (٣) مستعصمين بحبل غير منجذم … مستحكم من حبال الله ممدود فينا الرسول وفينا الحق نتبعه … حتى الممات ونصر غير محدود واف وماض شهاب يستضاء به … بدر أنار على كل الأماجيد وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة … إبادتنا الكفار في ساعة العسر قتلنا سراة القوم عند مجالنا … فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر (٤) قتلنا أبا جهل وعتبة قبله … وشيية (وشيبة) يكبو لليدين وللنحر قتلنا سويدا ثم عتبة بعده … وطعمة أيضا عند ثائرة القتر فكم قد قتلنا من كريم مسود … له حسب في قومه نابه الذكر (٥) تركناهموا للعاويات يتيتهم (يتينهم) … ويصلون نارا بعد حامية القعر (٦) لعمرك ما حامت فوارس مالك … وأشياعهم يوم التقينا على بدر (٧) وقال عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في يوم بدر، في قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعلي

стр. 1229

مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأنكرها ابن هشام: ستبلغ عنا أهل مكة وقعة … يهب لها من كان عن ذاك نائيا بعتبة إذ ولى وشيبة بعده … وما كان فيها بكر عتبة راضيا فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم … أرتجي بها عيشا من الله دانيا مع الحور أمثال التماثيل أخلصت … من الجنة العليا لمن كان عاليا وبعت بها عيشا تعرفت صفوه … وعاجلته حتى فقدت الا دانيا فأكرمني الرحمن من فضل منه … بثوب من الاسلام غطى المساويا وما كان مكروها إلي قتالهم … غداة دعا الأكفاء من كان داعيا ولم يبغ إذ سألوا النبي سواءنا … ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا لقيناهم كالأسد تخطر بالقنا … نقاتل في الرحمن من كان عاصيا فما برحت أقدامنا من مقامنا … ثلاثتنا حتى أزيروا المنائبا (١) وقال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت أيضا يذم الحارث بن هشام على فراره يوم بدر؟ وتركه قومه لا يقاتل دونهم: تبلت فؤادك في المنام خريدة … تشفي الضجيع ببارد بسام (٢) كالمسك تخلطه بماء سحابة … أو عاتق كدم الذبيح مدام (٣) نفج الحقيبة بوصها متنضد … بلهاء غير وشيكة الأقسام (٤) بنيت على قطن أجم كأنه … فضلا إذا قعدت مداك رخام (٥) وتكاد تكسل أن تجئ فراشها … في جسم خرعبة وحسن قوام (٦) أما النهار فلا أفتر أذكرها … والليل توزعني بها أحلامي أقسمت أنساها وأترك ذكرها … حتى تغيب في الضريح عظامي بل من لعاذلة تلوم سفاهة … ولقد عصيت على الهوى لوامي بكرت إلي بسحرة بعد الكرى … وتقارب من حادث الأيام

стр. 1230

زعمت بأن المرء يكرب عمره … عدم لمعتكر من الأصرام (١) إن كنت كاذبة الذي حدثتني … فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم … ونجا برأس طمرة ولجام (٢) يذر العناجيج الجياد بقفرة … مر الذمول بمحصد ورجام (٣) ملأت به الفرجين فارمدت به … وثوى أحبته بشر مقام وبنو أبيه ورهطه في معرك … نصر الاله به ذوي الاسلام طحنتهم والله ينفذ أمره … حرب يشب سعيرها بضرام لولا الاله وجريها لتركنه … جزر السباع ودسنه بحوامي (٤) من بين مأسور يشد وثاقة … صقر إذا لاقى الأسنة حامي (٥) ومجدل لا يستجيب لدعوة … حتى تزول شوامخ الاعلام بالعار والذل المبين إذا رأى … بيض السيوف تسوق كل همام بيدي أغر إذا انتمى لم يخزه … نسب القصار سميدع مقدام (٦) بيض إذا لاقت حديدا صممت … كالبرق تحت ظلال كل غمام قال ابن هشام تركنا في آخرها ثلاث أبيات أقذع فيها (٧). قال ابن هشام فأجابه الحارث بن هشام أخو أبي جهل عمرو بن هشام فقال: القوم أعلم ما تركت قتالهم … حتى رموا فرسي بأشقر مزبد (٨) وعرفت أني إن أقاتل واحدا … أقتل ولا ينكي عدوي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم … طمعا لهم بعقاب يوم مفسد

стр. 1231

وقال حسان أيضا: يا حار قد عولت غير معول … عند الهياج وساعة الأحساب إذ تمتطي سرح اليدين نجيبة … مرطى الجراء طويلة الأقراب (١) والقوم خلفك قد تركت قتالهم … ترجو النجاء وليس حين ذهاب ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى … قعص الأسنة ضائع الأسلاب (٢) عجل المليك له فأهلك جمعه … بشنار مخزية وسوء عذاب وقال حسان أيضا: لقد علمت قريش يوم بدر … غداة الأسر والقتل الشديد بأنا حين تشتجر العوالي … حماة الحرب يوم أبي الوليد قتلنا ابني ربيعة يوم سارا … إلينا في مضاعفة الحديد وفر بها حكيم يوم جالت … بنو النجار تخطر كالأسود وولت عند ذاك جموع فهر … وأسلمها الحويرث من بعيد لقد لاقيتموا ذلا وقتلا … جهيزا نافذا تحت الوريد وكل القوم قد ولوا جميعا … ولم يلووا على الحسب التليد وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثي عبيدة بن الحارث بن المطلب: لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا … وحلما أصيلا وافر اللب والعقل (٣) عبيدة فابكيه لأضياف غربة … وأرملة تهوي لأشعث كالجذل وبكيه للأقوام في كل شتوة … إذا احمر آفاق السماء من المحل وبكيه للأيتام والريح زفزف … وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلي فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها … فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل لطارق ليل أو لملتمس القرى … ومستنبح أضحى لديه على رسل (٤) وقال الأموي في مغازيه حدثني سعيد بن قطن قال قالت عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رأت وتذكر بدرا:

стр. 1232

ألما تكن رؤياي حقا ويأتكم … بتأويلها فل من القوم هارب (١) رأى فأتاكم باليقين الذي رأى … بعينيه ما تفري السيوف القواضب فقلتم ولم أكذب عليكم وإنما … يكذبني بالصدق من هو كاذب (٢) وما جاء إلا رهبة الموت هاربا … حكيم وقد أعيت عليه المذاهب أقامت سيوف الهند دون رءوسكم … وخطية فيها الشبا والتغالب كأن حريق النار لمع ظباتها … إذا ما تعاطتها الليوث المشاغب ألا بأبي يوم اللقاء محمدا … إذا عض من عون الحروب الغوارب مري بالسيوف المرهفات نفوسكم … كفاحا كما تمري السحاب الجنائب (٣) فكم بردت أسيافه من مليكة … وزعزع ورد بعد ذلك صالب فما بال قتلى في القليب ومثلهم … لدى ابن أخي أسرى له ما يضارب فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم … من الله حين ساق والحين حالب فكيف رأى عند اللقاء محمدا … بنو عمه والحرب فيها التجارب ألم يغشكم ضربا يحار لوقعه … الجبان وتبدو بالنهار الكواكب حلفت لئن عادوا لنصطلينهم … بخارا تردى تجر فيها المقانب (٤) كأن ضياء الشمس لمع ظباتها … لها من شعاع النور قرن وحاجب وقالت عاتكة أيضا فيما نقله الأموي: هلا صبرتم للنبي محمد … ببدر ومن يغشى الوغى حق صابر ولم ترجعوا عن مرهفات كأنها … حريق بأيدي المؤمنين بواتر ولم تصبروا للبيض حتى أخذتموا … قليلا بأيدي المؤمنين المشاعر ووليتموا نفرا وما البطل الذي … يقاتل من وقع السلاح بنافر أتاكم بما جاء النبيون قبله … وما ابن أخي البر الصدوق بشاعر سيكفي الذي ضيعتموا من نبيكم … وينصره الحيان: عمرو وعامر وقال طالب بن أبي طالب يمدح رسول الله ﷺ ويرثي أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا

стр. 1233

يومئذ من قومه وهو بعد على دين قومه إذ ذاك: ألا إن عيني أنفذت دمعها سكبا … تبكي على كعب وما إن ترى كعبا ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا … وأرداهموا إذ الدهر واجترحوا ذنبا وعامر تبكي للملمات غدوة … فيا ليت شعري هل أرى لهم قربا (١) فيا أخوينا عبد شمس ونوفل … فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا (٢) ولا تصبحوا من بعد ود وإلفة … أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا ألم تعلموا ما كان في حرب داحس … وحرب أبي يكسوم إذ ملئوا الشعبا (٣) فلولا دفاع الله لا شئ غيره … لأصبحتموا لا تمنعون لكم سربا فما إن جنينا في قريش عظيمة … سوى أن حمينا خير من وطئ التربا أخا ثقة في النائبات مرزءا … كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا يطيف به العافون يغشون بابه … يؤمون نهرا لا نزورا ولا صربا فوالله لا تنفك نفسي حزينة … تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا فصل وقد ذكر ابن إسحاق أشعارا من جهة المشركين قوية الصنعة يرثون بها قتلاهم يوم بدر فمن ذلك قول ضرار بن الخطاب بن مرداس أخي بني محارب بن فهر وقد أسلم بعد ذلك، والسهيلي في روضه يتكلم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك: عجبت لفخر الأوس والحين دائر … عليهم غدا والدهر فيه بصائر (٤) وفخر بني النجار إن كان معشر … أصيبوا ببدر كلهم ثم صائر (٥) فان تك قتلى غودرت من رجالنا … فإنا رجال بعدهم سنغادر (٦) وتردى بنا الجرد العناجيج وسطكم … بني الأوس حتى يشفي النفس ثائر (٧)

стр. 1234

ووسط بني النجار نكرها … لها بالقنا والدارعين زوافر (١) فنترك صرعى تعصب الطير حولهم … وليس لهم إلا الأماني ناصر وتبكيهم من أرض يثرب نسوة … لهن بها ليل عن النوم ساهر وذلك أنا لا تزال سيوفنا … بهن دم ممن يحاربن ماثر فان تظفروا في يوم بدر فإنما … بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر (٢) وبالنفر الأخيار هم أولياؤه … يحامون في اللاواء والموت حاضر يعد أبو بكر وحمزة فيهم … ويدعى علي وسط من أنت ذاكر (٣) أولئك لا من نتجت من ديارها … بنو الأوس والنجار حين تفاخر ولكن أبوهم من لؤي بن غالب … إذا عدت الأنساب كعب وعامر هم الطاعنون الخيل في كل معرك … غداة الهياج الأطيبون الأكابر فأجابه كعب بن مالك بقصيدته التي أسلفناها وهي قوله: عجبت لأمر الله والله قادر … على ما أراد ليس لله قاهر قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر واسمه شداد بن الأسود بن شعوب. قلت: وقد ذكر البخاري أنه خلف على امرأة أبي بكر الصديق حين طلقها الصديق وذلك حرم الله المشركات على المسلمين واسمها أم بكر: تحيي بالسلامة أم بكر … وهل لي بعد قومي من سلام فماذا بالقليب قليب بدر … من القينات والشرب الكرام وماذا بالقليب قليب بدر … من الشيزى تكلل بالسنام (٤) وكم لك بالطوي طوي بدر … من الحومات والنعم المسام وكم لك بالطوى طوى بدر … من الغايات والدسع العظام

стр. 1235

وأصحاب الكريم أبي علي … أخي الكأس الكريمة والندام وانك لو رأيت أبا عقيل … وأصحاب الثنية من نعام إذا لظللت من وجد عليهم … كأم السقب جائلة المرام يخبرنا الرسول لسوف نحيا … وكيف حياة أصداء وهام قلت وقد أورد البخاري بعضها في صحيحه ليعرف به حال قائلها. قال ابن إسحاق وقال أمية بن أبي الصلت يرثي من قتل من قريش يوم بدر: ألا بكيت على الكرا … م بني الكرام أولي الممادح كبكاء الحمام على فروع … الايك في الغصن الجوانح (١) يبكين حرا مستكي … نأت يرحن مع الروائح أمثالهن الباكيات … المعولات من النوائح من يبكيهم يبكي على … حزن ويصدق كل مادح ماذا ببدر والعقنقل … من مرازبة جحاجح (٢) فمدافع البرقين … فالحنان من طرف الأواشح (٣) شمط وشبان بها … ليل مغاوير وحاوح (٤) ألا ترون لما أرى … ولقد أبان لكل لامح أن قد تغير بطن مكة … فهي موحشة الأباطح من كل بطريق لبطريق … نقي الود واضح (٥) دعموص أبواب الملوك … وجائب للخرق فاتح (٦) ومن السراطمة الخلاجمة … الملاوثة المناجح (٧) القائلين الفاعلين … الآمرين بكل صالح المطعمين الشحم فوق … الخبز شحما كالأنافح (٨)

стр. 1236

نقل الجفان مع الجفان … إلى جفان كالمناضح (١) ليست بأصفار لمن … يعفو ولا رح رحارح (٢) للضيف ثم الضيف بعد الضيف والبسط السلاطح (٣) وهب المئين من المئين … إلى المئين من اللواقح سوق المؤبل للمؤبل … صادرات عن بلادح لكرامهم فوق الكرام … مزية وزن الرواجح كمثاقل الأرطال … بالقسطاس بالأيدي الموائح (٤) خذلتهموا فئة وهم … يحمون عورات الفضائح الضاربين التقدمية … بالمهندة الصفائح ولقد عناني صوتهم … من بين مستسق وصائح لله در بني … علي أيم منهم وناكح إن لم يغيروا غارة … شعواء تحجر كل نابح (٥) بالمقربات المبعدات … الطامحات مع الطوامح مردا على جرد إلى … أسد مكالبة كوالح ويلاق قرن قرنه … مشي المصافح للمصافح بزهاء ألف ثم ألف … بين ذي بدن ورامح قال ابن هشام: تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ . قلت: هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس الذي حمله كثرة جهله وقلة عقله على أن مدح المشركين ودم المؤمنين واستوحش بمكة من أبي جهل بن هشام وأضرابه من الكفرة اللئام والجهلة الطغام ولم يستوحش بها من عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله فخر البشر ومن وجهه أنور من القمر ذي العلم الأكمل والعقل الأشمل ومن صاحبه الصديق المبادر إلى التصديق والسابق إلى الخيرات وفعل المكرمات وبذل الألوف والمئات في طاعة رب الأرض والسماوات، وكذلك بقية أصحابه الغر الكرام الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والاسلام رضي الله عن جميعهم ما اختلط الضياء والظلام. وما تعاقبت الليالي والأيام. وقد تركنا أشعارا كثيرة أوردها ابن إسحاق ﵀ خوف الإطالة وخشية الملالة وفيما أوردنا كفاية ولله الحمد والمنة. وقد قال الأموي في

стр. 1237

مغازيه سمعت أبي حدثنا سليمان بن أرقم عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ عفا عن شعر الجاهلية (١). قال سليمان فذكر ذلك الزهري فقال: عفا عنه إلا قصيدتين، كلمة أمية التي ذكر فيها أهل بدر، وكلمة الأعشى التي يذكر فيها الأخوص. وهذا حديث غريب وسليمان بن أرقم هذا متروك والله أعلم. [غزوة بني سليم في سنة ثنتين من الهجرة] (٢) قال ابن إسحاق: وكان فراغ رسول الله ﷺ من بدر في عقب شهر رمضان - أو في شوال (٣) - ولما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري - أو ابن أم مكتوم الأعمى - قال ابن إسحاق: فبلغ ماء من مياههم يقال له الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وأفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش. قال السهيلي: والقرقرة الأرض الملساء، والكدر طير في ألوانها كدرة. فصل [في غزوة السويق] (٤) قال ابن إسحاق: وكان أبو سفيان كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن

стр. 1238

لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار - حين رجع إلى مكة، ورجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة (١) حتى يغزو محمدة، فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: نيب (٢) من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا رجلا (٣) من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما وانصرفوا راجعين، فنذر بهم الناس فخرج رسول الله ﷺ في طلبهم. قال ابن هشام واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر، قال ابن إسحاق: فبلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، ووجد أصحاب رسول الله ﷺ أزوادا كثيرة قد ألقاها المشركون يتخففون منها وعامتها سويق (٤)، فسميت غزوة السويق. قال المسلمون: يا رسول الله أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة؟ قال نعم. قال ابن إسحاق: وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا ويمدح سلام بن مشكم اليهودي: وإني تخيرت المدينة واحدا … لحلف فلم أندم ولم أتلوم (٥) سقاني فرواني كميتا مدامة … على عجل مني سلام بن مشكم ولما تولى الجيش قلت ولم أكن … لأفرحه: أبشر بعز ومغنم تأمل فإن القوم سر وإنهم … صريح لؤي لأشماطيط جرهم وما كان إلا بعض ليلة راكب … أتى ساعيا من غير خلة معدم

стр. 1239

فصل في دخول علي بن أبي طالب ﵁ على زوجته فاطمة بنت رسول الله ﷺ وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر لما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطاني شارفا مما أفاء الله من الخمس يومئذ فلما أردت ابتني فاطمة بنت النبي ﷺ واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر فأردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشار في قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأت المنظر فقلت من فعل هذا؟ قالوا فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت وهو في شرب من الأنصار وعنده قينته وأصحابه، فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما، قال علي فانطلقت حتى أدخل على النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة فعرف النبي ﷺ الذي لقيت فقال مالك؟ فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا في البيت معه شرب فدعا النبي ﷺ بردائه فارتداه ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى النبي ﷺ ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيدا لأبي فعرف النبي ﷺ أنه ثمل فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه. هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي وقد رواه في أماكن أخر من صحيحه بألفاظ كثيرة وفي هذا دليل على ما قدمناه من أن غنائم بدر قد خمست لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال من أن الخمس إنما نزل بعد قسمتها وقد خالفه في ذلك جماعة منهم البخاري وابن جرير وبينا غلطه في ذلك في التفسير وفيما تقدم والله أعلم. وكان هذا الصنع من حمزة وأصحابه ﵃ قبل أن تحرم الخمر بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي وذلك قبل تحريم الخمر والله أعلم. وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن عبادة السكران مسلوبة لا تأثير لها لا في طلاق ولا إقرار ولا غير ذلك كما ذهب إليه من ذهب من العلماء كما هو مقرر في كتاب الأحكام. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجل سمع

стр. 1240

عليا يقول: أردت أن أخطب إلى رسول الله ﷺ ابنته فقلت ما لي من شئ ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبتها إليه فقال: " هل لك من شئ؟ " قلت لا قال: " فأين درعك الخطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ " قال هي عندي قال: فأعطنيها قال فأعطيتها إياه. هكذا رواه أحمد في مسنده وفيه رجل مبهم وقد قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ثنا عبدة ثنا سعيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما تزوج علي فاطمة ﵄ قال له رسول الله ﷺ أعطها شيئا قال: ما عندي شئ. قال أين درعك الحطمية (١)؟ ورواه النسائي عن هارون بن إسحاق عن عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن أيوب السختياني به. وقال أبو داود حدثنا كثير بن عبيد الحمصي ثنا أبو حياة عن شعيب بن أبي حمزة حدثني غيلان بن أنس من أهل حمص حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن عليا لما تزوج فاطمة بنت رسول الله ﷺ أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله ﷺ حتى يعطيها شيئا فقال يا رسول الله ليس لي شئ فقال له النبي ﷺ : " أعطها درعك " فأعطاها درعه ثم دخل بها. وقال البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن علي قال: خطبت فاطمة إلى رسول الله ﷺ فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله ﷺ قلت لا، قالت فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله ﷺ فيزوجك، فقلت وعندي شئ أتزوج به؟ فقالت أنك إن جئت رسول الله ﷺ زوجك، قال: فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت رسول الله ﷺ فلما أن قعدت بين يديه أفحمت فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة فقال رسول الله ﷺ : " ما جاء بك ألك حاجة؟ " فسكت فقال: لعلك جئت تخطب فاطمة، فقلت نعم! فقال: " وهل عندك من شئ تستحلها به " فقلت: لا والله يا رسول الله! فقال: " ما فعلت درع سلحتكها " فوالذي نفس علي بيده أنها لخطمية ما قيمتها أربعة دراهم فقلت عندي. فقال قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها، فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: فولدت فاطمة لعلي حسنا وحسينا ومحسنا - مات صغيرا - وأم كلثوم وزينب ثم روى البيهقي: من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن علي قال:

стр. 1241

جهز رسول الله ﷺ فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها إذخر (١). ونقل البيهقي عن كتاب المعرفة لأبي عبد الله بن منده أن عليا تزوج فاطمة بعد سنة من الهجرة وابتنى بها بعد ذلك لسنة أخرى (٢). قلت: فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة فظاهر سياق حديث الشارفين يقتضي أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية والله أعلم. فصل جمل من الحوادث سنة ثنتين من الهجرة تقدم ما ذكرناه من تزويجه ﵇ بعائشة أم المؤمنين ﵂، وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة وقد تضمن ذلك وفيات أعيان من المشاهير من المؤمنين والمشركين، فكان ممن توفي فيها الشهداء يوم بدر وهم أربعة عشر ما بين مهاجري وأنصار تقدم تسميتهم، والرؤساء من مشركي قريش وقد كانوا سبعين رجلا على المشهور، وتوفي بعد الوقعة بيسير أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب لعنه الله كما تقدم، ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بما أحل الله بالمشركين وبما فتح على المؤمنين وجدوا رقية بنت رسول الله ﷺ قد توفيت وساووا عليها التراب. وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرضها بأمر النبي ﷺ له بذلك. ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة، ثم زوجه بأختها الأخرى أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان ذو النورين ويقال إنه لم يغلق أحد على ابنتي نبي واحدة بعد الأخرى غيره ﵁ وأرضاه. وفيها حولت القبلة كما تقدم وزيد في صلاة الحضر على ما سلف، وفيها فرض الصيام صيام رمضان كما تقدم، وفيها فرضت الزكاة ذات النصب، وفرضت زكاة الفطر وفيها خضع المشركون من أهل المدينة واليهود الذين هم بها من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ويهود بني حارثة وصانعوا المسلمين وأظهر الاسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود وهم في الباطن منافقون منهم من هو على ما كان عليه ومنهم من انحل بالكلية فبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما وصفهم الله في كتابه.

стр. 1242

################

стр. 1243

سنة ثلاث من الهجرة في أولها كانت: غزوة نجد ويقال لها غزوة ذي أمر (١): قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها ثم غزا نجدا، يريد غطفان وهي غزوة ذي أمر. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع ولم يلق كيدا (٢). وقال الواقدي: بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من غطفان من بني ثعلبة بن محارب تجمعوا بذي أمر يريدون حربه، فخرج إليهم من المدينة يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فغاب أحد عشر يوما (٣) وكان معه أربعمائة وخمسون رجلا، وهربت منه الاعراب في رؤوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول الله ﷺ فنزل تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف وذلك بمرأى من المشركين، واشتغل المشركون في شؤونهم، فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث فقالوا: قد أمكنك الله من قتل محمد، فذهب ذلك الرجل ومعه سيف صقيل حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ قال: الله. ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ ، فقال: من يمنعك مني؟ قال لا أحد وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه فلما رجع إلى أصحابه فقالوا: ويلك، مالك؟ فقال: نظرت إلى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك وشهدت أن محمدا رسول الله والله

стр. 1244

لا أكثر عليه جمعا، وجعل يدعو قومه إلى الاسلام. قال: ونزل في ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم) الآية [المائدة: ١١] (١). قال البيهقي: وسيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه فلعلهما قصتان، قلت: إن كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعا لان ذلك الرجل اسمه غورث بن الحارث أيضا لم يسلم بل استمر على دينه ولم يكن عاهد النبي ﷺ أن لا يقاتله. والله أعلم (٢). غزوة الفرع (٣) من بحران قال ابن إسحاق: فأقام بالمدينة ربيعا الأول كله أو إلا قليلا منه ثم غدا يريد قريشا، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران وهو معدن بالحجاز من ناحية الفرع. وقال الواقدي: إنما كانت غيبته ﵇ عن المدينة عشرة أيام. فالله أعلم. خبر يهود بني قينقاع في المدينة (٤) وقد زعم الواقدي انها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة فالله أعلم وهم المرادون بقوله تعالى (كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم) [الحشر: ١١] قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول الله ﷺ أمر بني قينقاع. قال وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ جمعهم في سوقهم ثم قال: يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم اني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. فقالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك لا يغرنك انك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. قال ابن إسحاق: فحدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعن (٥) عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزلت هؤلاء الآيات إلا فيهم (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد … قد كان لكم آية في فئتين التقتا) [آل عمران: ١٢ - ١٣] يعني أصحاب بدر من أصحاب رسول الله ﷺ وقريش (فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد

стр. 1245

بنصره من يشاء أن في ذلك لعبرة لأولي الابصار) [آل عمران: ١٣] قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأحد. قال ابن هشام فذكر عبد الله بن جعفر [بن عبد الرحمن] بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال: كان أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ هناك منهم فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أحسن في موالي، فأعرض عنه قال: فأدخل يده في جيب درع النبي ﷺ قال ابن هشام: وكان يقال لها ذات الفضول. فقال له رسول الله ﷺ ، أرسلني، وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا ثم قال ويحك أرسلني قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة اني والله امرؤ أخشى الدوائر. قال: فقال له رسول الله ﷺ هم لك. قال ابن هشام واستعمل رسول الله ﷺ في محاصرته إياهم أبا لبابة بشير بن عبد المنذر وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة. قال ابن إسحاق: وحدثني أبي عن عبادة بن الوليد بن (١) عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان من بني عوف له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي فخلعهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وقال يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات من المائدة (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) الآيات حتى قوله (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) يعني عبد الله بن أبي إلى قوله (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) يعني عبادة بن الصامت. وقد تكلمنا على ذلك في التفسير. سرية زيد بن حارثة [إلى ذي القردة] (٢) إلى عير قريش صحبة أبي سفيان أيضا وقيل صحبة صفوان … قال يونس بن (٣) بكير عن ابن

стр. 1246

إسحاق: وكانت بعد وقعة بدر بستة أشهر. قال ابن إسحاق: وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان ومعه فضة كثيرة، وهي عظم تجارتهم، واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له: فرات بن حيان يعني العجلي حليف بني سهم ليدلهم على تلك الطريق. قال ابن إسحاق فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلقيهم على ماء يقال له القردة (١) فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله ﷺ فقال في ذلك حسان بن ثابت: دعوا فلجأت الشام قد حال دونها … جلاد كأفواه المخاض الأوارك (٢) بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم … وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج … فقولا: لها ليس الطريق هنالك قال ابن هشام: وهذه القصيدة في أبيات لحسان، وقد أجابه فيها أبو سفيان بن الحارث. وقال الواقدي كان خروج زيد بن حارثة في هذه السرية مستهل جمادى الأولى (٣) على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة وكان رئيس هذه العير صفوان بن أمية وكان سبب بعثه زيد بن حارثة أن نعيم بن مسعود قدم المدينة ومعه خبر هذه العير وهو على دين قومه واجتمع بكنانة بن أبي الحقيق في بني النضير ومعهم سليط بن النعمان من أسلم فشربوا وكان ذلك قبل أن تحرم الخمر فتحدث بقضية العير نعيم بن مسعود وخروج صفوان بن أمية فيها وما معه من الأموال فخرج سليط من ساعته فأعلم رسول الله ﷺ فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم فأخذوا الأموال وأعجزهم الرجال وإنما أسروا رجلا أو رجلين وقدموا بالعير فخمسها رسول الله ﷺ فبلغ خمسها عشرين ألفا وقسم أربعة أخماسها على السرية وكان فيمن أسر الدليل فرات بن حيان فأسلم ﵁. قال ابن جرير: وزعم الواقدي أن في ربيع من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ وأدخلت عليه في جمادى الآخرة منها. مقتل كعب بن الأشرف وكان من بني طئ ثم أحد بني نبهان ولكن أمه من بني النضير. هكذا ذكره ابن إسحاق قبل جلاء بني النضير وذكره البخاري والبيهقي بعد قصة بني النضير والصحيح ما ذكره ابن إسحاق لما سيأتي: فإن بني النضير إنما كان أمرها بعد وقعة أحد وفي محاصرتهم حرمت الخمر كما سنبينه بطريقه إن شاء الله. قال البخاري في صحيحه [باب] (٤) قتل كعب بن الأشرف: حدثنا علي بن

стр. 1247

عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو [بن دينار] سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله (١)؟ قال: نعم. قال فأذن لي أن أقول شيئا قال: قل. فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا واني قد أتيتك استسلفك. قال: وأيضا والله لتملنه. قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شئ يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا قال: نعم ارهنوني. قلت أي شئ تريد قال: ارهنوني نساءكم فقالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكن نرهنك اللامة. قال سفيان يعني السلاح. فواعده أن يأتيه ليلا فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ وقال غير عمرو قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم. قال انما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة. أن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين فقال إذا ما جاء فإني مائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه وقال مرة ثم أشمكم فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب فقال: ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب وقال غير عمرو قال عندي أعطر نساء العرب وأجمل العرب قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال نعم. فشمه ثم أشم أصحابه ثم قال أتأذن لي؟ قال نعم. فلما استمكن منه قال دونكم فقتلوه ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه (٢). وقال محمد بن إسحاق: كان من حديث كعب بن الأشرف وكان رجلا من طئ ثم أحد بني نبهان وأمه من بني النضير أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر حين قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قال والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها. فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج إلى مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي وعنده عاتكة بنت [أسيد بن] (٣) أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على قتال رسول الله ﷺ وينشد الاشعار، ويندب من قتل من المشركين يوم بدر فذكر ابن إسحاق قصيدته التي أولها: طحنت رحى بدر لمهلك أهله … ولمثل بدر تستهل وتدمع وذكر جوابها من حسان بن ثابت ﵁ ومن غيره. ثم عاد إلى المدينة فجعل يشبب

стр. 1248

بنساء المسلمين (١) ويهجو النبي ﷺ وأصحابه. وقال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الأشرف أحد بني النضير أو فيهم قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وركب إلى قريش فاستغواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال. فقال له كعب بن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا. قال فأنزل الله على رسوله ﷺ : (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا … أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) [النساء: ٥١ - ٥٢] وما بعدها (٢). قال موسى ومحمد بن إسحاق: وقدم المدينة يعلن بالعداوة ويحرض الناس على الحرب ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله ﷺ وجعل يشبب بأم الفضل بن الحارث وبغيرها من نساء المسلمين. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ كما حدثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة - من لابن الأشرف؟ فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك، قال: فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفي لك به أم لا. قال: إنما عليك الجهد. قال: يا رسول الله، إنه لا بد لنا أن نقول، قال: فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك. قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة أحد بني عبد الأشهل. وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش أحد بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبد الأشهل أبو عبس بن جبر أخو بني حارثة، قال فقدموا بين أيديهم إلى عدو الله كعب سلكان بن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا شعرا - وكان أبو نائلة يقول الشعر - ثم قال: ويحك يا بن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني، قال أفعل. قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا. فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا بن سلامة أن الامر يصير إلى ما أقول، فقال له سلكان: اني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك، قال ترهنوني أبناءكم؟ قال لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابا لي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء، وأراد

стр. 1249

سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها. فقال: إن في الحلقة لوفاء. قال: فرجع سلكان إلى. أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: " انطلقوا على اسم الله - اللهم أعنهم " ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته وهو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: أنت امرؤ محارب وأن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني. فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر. قال: يقول لها كعب لو دعي الفتى لطعنة أجاب، فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا: هل لك يا بن الأشرف أن تتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال إن شئتم. فخرجوا فمشوا ساعة. ثم إن أبا نائلة شام بده (يده) في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفودي رأسه ثم قال: اضربوا عدوا الله! فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا (١) في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس (٢) بجرح في رجله أو في رأسه أصابه بعض سيوفنا، قال فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد ثم على بني قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله ﷺ آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل رسول الله ﷺ على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه. قال ابن جرير: وزعم الواقدي أنهم جاؤوا برأس كعب بن الأشرف إلى رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: وفي ذلك يقول كعب بن مالك: فغودر منهم كعب صريعا … فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته … بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا … إلى كعب أخا كعب يسير فما كره فأنزله بمكر … ومحمود أخو ثقة جسور قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له في يوم بني النضير ستأتي. قلت: كان قتل

стр. 1250

كعب بن الأشرف على يدي الأوس بعد وقعة بدر، ثم إن الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبي الحقيق بعد وقعة أحد كما سيأتي بيانه إن شاء الله وبه الثقة. وقد أورد ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت: لله در عصابة لاقيتهم … يا بن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم … مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم … فسقوكم حتفا ببيض ذفف (١) مستبصرين لنصر دين نبيهم … مستصغرين لكل أمر مجحف قال محمد بن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه " فوثب عند ذلك محيصة بن مسعود الأوسي على ابن سنينة - رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم - فقتله، وكان أخوه حويصة بن مسعود أسن منه ولم يسلم بعد، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله أقتلته؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، قال فوالله إن كان لأول إسلام حويصة وقال والله لو أمرك محمد بقتلي لتقتلني؟ قال: نعم، والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها. قال: فوالله إن دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة. قال ابن إسحاق: حدثني بهذا الحديث مولى لبني حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها. وقال في ذلك محيصة: يلوم ابن أم لو أمرت بقتله … لطبقت ذفراه بأبيض قارب (٢) حسام كلون الملح أخلص صقله … متى ما أصوبه فليس بكاذب وما سرني أني قتلتك طائعا … وأن لنا ما بين بصرى ومأرب وحكى ابن هشام عن أبي عبيدة عن أبي عمرو المدني: أن هذه القصة كانت بعد مقتل بني قريظة فإن المقتول كان كعب بن يهوذا فلما قتله محيصة عن أمر رسول الله ﷺ يوم بني قريظة قال له أخوه حويصة ما قال فرد عليه محيصة بما نقدم فأسلم حويصة يومئذ. فالله أعلم. تنبيه: ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد والصواب إيرادها بعد ذلك كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالا وإنما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد. والله أعلم. تنبيه آخر: خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم وكذلك قتل كعب بن الأشرف

стр. 1251

اليهودي على يدي الأوس وخبر بني النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي وكذلك مقتل أبي رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدي الخزرج وخبر يهود بني قريظة بعد يوم الأحزاب وقصة الخندق كما سيأتي. غزوة أحد في شوال سنة ثلاث فائدة: ذكرها المؤلف في تسمية أحد قال: سمي أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال وفي الصحيح " أحد جبل يحبنا ونحبه " قيل معناه أهله وقيل لأنه كان يبشره بقرب أهله إذا رجع من سفره كما يفعل المحب وقيل على ظاهره كقوله (وان منها لما يهبط من خشية الله) وفي الحديث عن أبي عبس بن جبر " أحد يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة، وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار " قال السهيلي مقويا لهذا الحديث وقد ثبت أنه ﵇ قال " المرء مع من أحب " وهذا من غريب صنع السهيلي فإن هذا الحديث إنما يراد به الناس ولا يسمى الجبل امرءا. وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق ومالك. قال ابن إسحاق: للنصف من شوال وقال قتادة يوم السبت الحادي عشر منه، قال مالك: وكانت الوقعة في أول النهار (١). وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم … إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون … ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون … إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين … بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) [آل عمران: (١٢١ - ١٢٤] الآيات وما بعدها إلى قوله (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب) [آل عمران: ١٧٩] وقد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. ولنذكر ههنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن إسحاق وغيره من علماء هذا الشأن رح: وكان من حديث أحد كما حدثني محمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمرو بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت. قالوا أو من قال منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة.

стр. 1252

فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرا، ففعلوا. قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون) [الأنفال: ٣٦] قالوا: فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها (١) ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي، قد من عليه رسول الله ﷺ يوم بدر، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة، وكان في الأسارى، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك واخرج معنا فقال: إن محمدا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى، فأعنا بنفسك فلك الله إن رجعت أن أغنيك وإن قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول: أيا بني عبد مناة الرزام … أنتم حماة وأبو كم حام (٢) لا يعدوني نصركم بعد العام … لا تسلموني لا يحل اسلام قال: وخرج نافع (٣) بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويقول: يا مال مال الحسب المقدم … أنشد ذا القربى وذا التذمم من كان ذا رحم ومن لم يرحم … الحلف وسط البلد المحرم عند حطيم الكعبة المعظم قال: ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له: وحشي، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها فقال له: أخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق. قال: فخرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن (٤) التماس الحفيظة وأن لا يفروا، وخرج أبو سفيان صخر بن حرب، وهو قائد الناس، ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة، وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته ابنة عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج عمه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج وهي أم ابنه عبد الله بن

стр. 1253

عمرو وذكر غيرهم ممن خرج بامرأته. قال: وكان وحشي كلما مر بهند بنت عتبة أو مرت به تقول ويها أبا دسمة اشف واشتف. يعني تحرضه على قتل حمزة بن عبد المطلب. قال: فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قال لهم قد رأيت والله خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب (١) سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال " رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب. ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضا بقرا (٢) والله خير (٣) فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا بعد يوم بدر " (٤) وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الأصم، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: تنفل (٥) رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر. قال ابن عباس: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وذلك أن رسول الله ﷺ لما جاءه المشركون يم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: نخرج يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد، ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول الله ﷺ حتى لبس أداته، ثم ندموا وقالوا: يا رسول الله أقم فالرأي رأيك. فقال لهم ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. قال: وكان قال لهم يومئذ قبل أن يلبس الأداة: إني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة، وأني مردف كبشا وأولته كبش الكتيبة، ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم، ورأيت بقرا يذبح فبقر والله خير " (٦) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه به. وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد

стр. 1254

عن أنس مرفوعا قال: رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت. أني أقتل كبش القوم، وأولت كسر ضبة سيفي، قتل رجل من عترتي. فقتل حمزة وقتل رسول الله ﷺ طلحة وكان صاحب اللواء (١). وقال موسى بن عقبة رح ورجعت قريش فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من السنة المقبلة من وقعة بدر، حتى [طلعوا من بئر الحماوين ثم] (٢) نزلوا ببطن الوادي الذي قبلي أحد وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة وتمنوا لقاء العدو ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر، فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم وقالوا: قد ساق الله علينا أمنيتنا، ثم إن رسول الله ﷺ أري ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم " رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح والله خير ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ضبته. أو قال: به فلول فكرهته وهما مصيبتان ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشا ". فلما أخبرهم رسول الله ﷺ برؤياه، قالوا: يا رسول الله، ماذا أولت رؤياك؟ قال: أولت البقر الذي رأيت بقرا فينا وفي القوم وكرهت ما رأيت بسيفي. ويقول رجال: كان الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه فإن العدو أصاب وجهه يومئذ وقصموا رباعته وخرقوا شفته يزعمون أن الذي رماه عتبة بن أبي وقاص، وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ. وقال: أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو ويقتله الله وأولت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا واجعلوا الذراري في الآطام فان دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت وكانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى صارت كالحصن. فقال الذين لم يشهدوا بدرا: كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير. وقال رجل من الأنصار: متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا؟ وقال رجال: ماذا نمنع إذا لم تمنع الحرب بروع (٣)؟ وقال رجال قولا صدقوا به ومضوا عليه منهم: حمزة بن عبد المطلب قال: والذي أنزل عليك الكتاب لنجادلنهم (٤). وقال نعيم (٥) بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بني سالم: يا نبي الله لا تحرمنا الجنة،

стр. 1255

فوالذي نفسي بيده لأدخلنها. فقال له رسول الله ﷺ : بم؟ قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. فقال له رسول الله ﷺ : صدقت. واستشهد يومئذ. وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى قول رسول الله ﷺ ورأيه ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ولكن غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة، فلما صلى رسول الله ﷺ الجمعة وعظ الناس وذكرهم وأمرهم بالجد والجهاد ثم انصرف من خطبته وصلاته فدعا بلامته فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج. فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمكث بالمدينة، وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحي من السماء فقالوا: يا رسول الله أمكث كما أمرتنا فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا. قال: فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون فسلكوا على البدائع وهم ألف رجل والمشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول الله ﷺ حتى نزل بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول الله ﷺ في سبعمائة. قال البيهقي رح هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل قال والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري وقيل عنه بهذا الاسناد سبعمائة فالله أعلم (١). قال موسى بن عقبة وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد وكان معهم مائة فرس وكان لواؤه مع عثمان بن طلحة (٢) قال ولم يكن من المسلمين فرس واحدة (٣) ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق: لما قص رسول الله ﷺ رؤياه على أصحابه قال لهم: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله ﷺ في أن لا يخرج إليهم، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر: يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله لا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول الله ﷺ حتى دخل فلبس لامته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ ولم يكن لنا ذلك. فلما خرج عليهم قالوا: يا رسول الله إن

стр. 1256

شئت فاقعد فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه. قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله فقال: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه ﷺ . قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) [آل عمران: ١٦٧] يعني انهم كاذبون في قولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وذلك لان وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء ولا شك فيه وهم الذين أنزل الله فيهم (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) الآية [النساء: ٨٨] وذلك أن طائفة قالت نقاتلهم وقال آخرون لا نقاتلهم كما ثبت وبين في الصحيح. وذكر الزهري أن الأنصار استأذنوا حينئذ رسول الله ﷺ في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال لا حاجة لنا فيهم. وذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بني سلمة وبني حارثة لما رجع عبد الله بن أبي وأصحابه همتا أن تفشلا فثبتهما الله تعالى، ولهذا قال: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [آل عمران: ١٢٢] قال جابر بن عبد الله: ما أحب أنها لم تنزل والله يقول: (والله وليهما) كما ثبت في الصحيحين عنه (١). قال ابن إسحاق: ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك في حرة بني حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله، فقال رسول الله ﷺ لصاحب السيف شم سيفك أي أغمده فإني أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال النبي ﷺ لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع بن قيظي وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثي في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي. قال ابن إسحاق: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر،

стр. 1257

وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل قبل نهي رسول الله ﷺ فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي وفي الجبل وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين فقال رجل (١) من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال أترعى زروع بني قبلة ولما نضارب؟ وتعبأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة يومئذ عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا فقال انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. وسيأتي شاهد هذا في الصحيحين إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يعني لبس درعا فوق درع ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار. قلت وقد رد رسول الله ﷺ جماعة من الغلمان يوم أحد فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم منهم عبد الله بن عمر كما ثبت في الصحيحين قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس بن قيظي ذكره ابن قتيبة وأورده السهيلي، وهو الذي يقول فيه الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عرابة باليمين (٢) ومنهم ابن سعيد بن خيثمة ذكره السهيلي أيضا وأجازهم كلهم يوم الخندق وكان قد رد يومئذ سمرة بن جندب ورافع بن خديج وهما ابنا خمس عشرة سنة فقيل يا رسول الله أن رافعا رام فأجازه فقيل يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعا فأجازه. قال ابن إسحاق رح: وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل بن هشام وقال رسول الله ﷺ : من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في العدو حتى ينحني. قال أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إياه. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعفان قالا: حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرنا ثابت عن النبي أن رسول الله ﷺ أخذ سيفا يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف فأخذ قوم فجعلوا ينظرون إليه فقال من يأخذه بحقه فأحجم القوم فقال أبو دجانة سماك: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به. قال ابن إسحاق: وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند

стр. 1258

الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل، قال: فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين. قال: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، مولى عمرو بن الخطاب، عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دجانة يتبختر: انها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن. قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم على القتال: يا بني عبد الدار قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع (١). وذلك الذي أراد أبو سفيان. قال: فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضن على القتال فقالت هند فيما تقول: ويها بني عبد الدار … ويها حماة الأديار ضربا بكل بتار وتقول أيضا: أن تقبلوا نعانق … ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق … فراق غير وامق قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي ابن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة، وكان قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله ﷺ معه خمسون غلاما من الأوس وبعض الناس يقول كانوا خمسة عشر، وكان يعد قريشا أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان. فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وكان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله ﷺ الفاسق. فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم أرضخهم بالحجارة. قال ابن إسحاق: فأقبل (٢) الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس. قال ابن هشام: وحدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه

стр. 1259

فقالت الأنصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول إذا تعصب فخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي … ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول … أضرب بسيف الله والرسول (١) وقال الأموي: حدثني أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أن رجلا أتاه وهو يقاتل به فقال: لعلك إن أعطيتك تقاتل في الكيول؟ قال لا. فأعطاه سيفا فجعل يرتجز ويقول: أنا الذي عاهدني خليلي … أن لا أقوم الدهر في الكيول وهذا حديث يروى عن شعبة ورواه إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عن هند بنت خالد أو غيره يرفعه الكيول يعني مؤخر الصفوف سمعته من عدة من أهل العلم ولم أسمع هذا الخرف إلا في هذا الحديث. قال ابن هشام: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وكان في المشركين رجلا لا يدع جريحا إلا ذفف عليه، فجعل كل منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها فقلت: الله ورسوله أعلم. وقد رواه البيهقي في الدلائل من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام بذلك (٢). قال ابن إسحاق: قال أبو دجانة: رأيت انسانا يحمس الناس حمسا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن اضرب به امرأة وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ لما عرضه طلبه منه عمر فأعرض عنه ثم طلبه منه الزبير فأعرض عنه فوجدا في أنفسهما من ذلك ثم عرضه الثالثة فطلبه أبو دجانة فدفعه إليه فأعطى السيف حقه قال: فزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين فما رأيت مثل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاورت فإذا رجل من المشركين جمع اللامة يجوز المسلمين وهو يقول: استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم. قال وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لامته فمضيت حتى كنت من ورائه ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة. قال: فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه وتفرق فوقتين (فرقتين) ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة (٣).

стр. 1260

مقتل حمزة ﵁ قال ابن إسحاق وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، وكذلك قتل عثمان بن أبي طلحة وهو حامل اللواء وهو يقول: إن على أهل اللواء حقا … أن يخضبوا الصعدة أو تندقا فحمل عليه حمزة فقتله، ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني وكان يكنى بأبي نيار، فقال حمزة: هلم إلي يا بن مقطعة البظور، وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشي - غلام جبير بن مطعم - والله إني لأنظر لحمزة يهد (١) الناس بسيفه، ما يليق شيئا يمر به مثل الجمل الأورق إذ قد تقدمني إليه سباع فقال حمزة: هلم يا بن مقطعة البظور، فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي، فغلب فوقع وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لي بشئ حاجة غيره. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن الفضل بن عياش (٢) بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار، أحد بني نوفل بن عبد مناف، في زمان معاوية فأدربنا مع الناس فلما مررنا بحمص وكان وحشي مولى جبير قد سكنها وأقام بها فلما قدمناها قال عبيد الله بن عدي: هل لك في أن نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله؟ قال قلت له: إن شئت. فخرجنا نسأل عنه بحمص، فقال لنا رجل ونحن نسأل عنه إنكما ستجدانه بفناء داره وهو رجل قد غلبت عليه الخمر فإن تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا وتجدا عنده بعض ما تريدان وتصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه وان تجداه وبه بعض ما به فانصرفا عنه ودعاه. قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه فإذا هو بفناء داره على طنفسة له وإذا شيخ كبير مثل البغاث، وإذا هو صاح لا بأس به، فلما انتهينا إليه سلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدي فقال: ابن لعدي بن الخيار أنت؟ قال: نعم. قال أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى فإني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك بعرضيك فلمعت لي قدماك حتى رفعتك إليها فوالله ما هو إلا أن وقفت علي فعرفتهما. قال: فجلسنا إليه فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة كيف قتلته؟ فقال: أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول الله ﷺ حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد

стр. 1261

أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال لي جبير (١): إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق. قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شئ، فوالله لا تهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال هلم إلي يا بن مقطعة البظور، قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت الحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك إنه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق، قال فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي: أوحشي أنت؟ قلت نعم يا رسول الله. قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة؟ قال فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك، قال فكنت أتنكب برسول الله ﷺ حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله ، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما وبيده السيف وما أعرفه فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، وشد عليه الأنصاري بالسيف فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته، فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ وقتلت شر الناس. قلت: الأنصاري هو أبو دجانة سماك بن خرشة كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة. وقال الواقدي في الردة: هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. وقال سيف بن عمرو: هو عدي بن سهل وهو القائل: ألم تر أني ووحشيهم … قتلت مسيلمة المعتبن ويسألني الناس عن قتله … فقلت ضربت وهذا طعن والمشهور أن وحشيا هو الذي بدره بالضربة وذفف عليه أبو دجانة، لما روى ابن إسحاق عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال: سمعت صارخا يوم اليمامة يقول: قتله

стр. 1262

العبد الأسود. وقد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبد الله بن عدي بن الخيار. فذكر القصة كما تقدم. وذكر أن عبيد الله بن عدي كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشي إلا عينيه ورجليه فذكر من معرفته له ما تقدم (١)، وهذه قيافة عظيمة كما عرف مجزز المدلجي أقدام زيد وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما. وقال في سباقته: فأما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال له: يا سباع يا بن أم أنمار مقطعة البظور اتحاد الله ورسوله؟ ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، قال وكمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال: فكان ذلك آخر العهد به، إلى أن قال: فلما قبض رسول الله ﷺ وخرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من كتفيه، قال ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر البيت: وا أمير المؤمناه قتله العبد الأسود، قال ابن هشام فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت إن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة. قلت: وتوفي وحشي بن حرب أبو دسمة ويقال أبو حرب بحمص (٢) وكان أول من لبس الثياب المدلوكة. قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله ﷺ فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا. قلت: وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن سعيد بن المسيب أن الذي قتل مصعبا هو أبي بن خلف فالله أعلم. قال ابن إسحاق: فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: كان اللواء أولا مع علي بن أبي طالب، فلما رأى رسول الله ﷺ لواء المشركين مع عبد الدار قال نحن أحق بالوفاء منهم أخذ اللواء من علي بن أبي طالب فدفعه إلى مصعب بن عمير، فلما قتل مصعب أعطى اللواء علي بن أبي طالب. قال ابن إسحاق: وقاتل علي بن أبي طالب ورجال من المسلمين. قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار وأرسل علي أن قدم الراية، فقدم علي وهو يقول: أنا أبو القصم فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، وهو صاحب لواء المشركين. هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم فبرزا بين الصفين فاختلفا

стр. 1263

ضربتين فضربه علي فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله. وقد فعل ذلك علي ﵁ يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه. وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع علي أيضا. ففي ذلك يقول الحارث بن النضر: أفي (١) كل يوم فارس غير منته … وعورته وسط العجاجة باديه يكف لها عنه علي سنانه … ويضحك منها في الخلاء معاوية وذكر يونس عن ابن إسحاق: أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء المشركين يومئذ دعا إلى البراز فأحجم عنه الناس فبرز إليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه فأثنى عليه رسول الله ﷺ قال " إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير " (٢) وقال: لو لم يبرز إليه لبرزت أنا إليه لما رأيت من إحجام الناس عنه. وقال ابن إسحاق قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعد بن أبي وقاص (٣) وقاتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتل نافع (٤) بن أبي طلحة وأخاه الجلاس كلاهما يشعره سهما فيأتي أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها، فتقول يا بني من أصابك؟ فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن أبي الأقلح. فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله لا يمس مشركا أبدا ولا يمسه. ولهذا حماه الله منه يوم الرجيع كما سيأتي. قال ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبي عامر، واسمه عمرو، ويقال عبد عمرو بن صيفي، وكان يقال لأبي عامر في الجاهلية الراهب، لكثرة عبادته، فسماه رسول الله ﷺ الفاسق، لما خلف الحق وأهله وهرب من المدينة هربا من الاسلام ومخالفة للرسول ﵇. وحنظلة الذي يعرف بحنظلة الغسيل لأنه غسلته الملائكة كما سيأتي - هو وأبو سفيان صخر بن حرب فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الأوس (٥) وهو الذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله فقال رسول الله ﷺ " إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه " فسئلت صاحبته قال الواقدي: هي جميلة بنت أبي بن

стр. 1264

سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة. فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة فقال رسول الله ﷺ : كذلك غسلته الملائكة. وقد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره وقال ذنبان أصبتهما ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولا للرحم برا بالوالد. قال ابن إسحاق: وقال ابن شعوب في ذلك: لأحمين صاحبي ونفسي … بطعنة مثل شعاع الشمس وقال ابن شعوب: ولولا دفاعي يا بن حرب ومشهدي … لألفيت يوم النعف غير مجيب (١) ولولا مكري المهر بالنعف فرفرت … عليه ضباع أو ضراء كليب (٢). وقال أبو سفيان: ولو شئت نجتني كميت طمرة … ولم أحمل النعماء لابن شعوب وما زال مهري مزجر الكلب منهم … لدن غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وأدعي يالغالب … وأدفعهم عني بركن صليب فبكي ولا ترعى مقالة عاذل … ولا تسأمي من عبرة ونحيب أباك وإخوانا له قد تتابعوا … وحق لهم من عبرة بنصيب وسلي الذي قد كان في النفس أنني … قتلت من النجار كل نجيب ومن هاشم قرما كريما ومصعبا … وكان لدى الهيجاء غير هيوب (٣) فلو أنني لم أشف نفسي منهم … لكانت شجى في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم … بهم خدب من مغبط وكئيب (٤) أصابهم من لم يكن لدمائهم … كفاء ولا في خطة بضريب فأجابه حسان بن ثابت: ذكرت القروم الصيد من آل هاشم … ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم … نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه … وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصي عليا فراعه … بضربة عضب بله بخضيب

стр. 1265

فصل قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها. وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد منهم، [قال ابن إسحاق] (١) فحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صؤاب غلام لبني أبي طلحة حبشي وكان آخر (٢) من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول: اللهم هل أعزرت - يعني اللهم هل أعذرت - فقال حسان بن ثابت في ذلك: فخرتم باللواء وشر فخر … لواء حين رد إلى صواب جعلتم فخركم فيه لعبد … وألام من يطأ عفر التراب ظننتم، والسفيه له ظنون … وما إن ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا … بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين أن عصبت يداه … وما أن تعصبان على خضاب وقال حسان أيضا في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم: إذا عضل سيقت إلينا كأنها … جداية شرك معلمات الحواجب (٣) أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا … وحزناهم بالضرب من كل جانب فلولا لواء الحارثية أصبحوا … يباعون في الأسواق بيع الجلائب
следующие страницы →