← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

طرق عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت، حدثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قاتل النبي ﷺ عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال " اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم نارا واملا قبورهم نارا " ونحو ذلك تفرد به أحمد وهو من رواية هلال بن خباب العبدي الكوفي وهو ثقة يصحح له الترمذي وغيره. وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث وقد حررنا ذلك نقلا واستدلالا عند قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) [البقرة: ٢٣٨]. وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله ﷺ يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة - كما سيأتي - " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف واحدا من الفريقين واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن. وقال آخرون من العلماء، وهم الجمهور، منهم الشافعي: هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك فلهذا أخروها يومئذ وهو مشكل قال ابن إسحاق وجماعة ذهبوا إلى أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بعسفان وقد ذكرها ابن إسحاق وهو إمام في المغازي قبل الخندق وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق فالله أعلم. وأما الذين قالوا: إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانا كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس فهو مشكل إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير مع شدة حرصهم على محافظة الصلاة، كيف وقد روى أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء من رواية أبي هريرة وأبي سعيد. قال الامام [أحمد]: حدثنا يزيد وحجاج قالا: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قوله (وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) [الأحزاب: ٢٥] قال فدعا رسول الله ﷺ بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل. قال حجاج في صلاة الخوف (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) [البقرة: ٢٣٩] وقد رواه النسائي عن الفلاس عن يحيى القطان عن ابن أبي ذئب به. قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة

стр. 1367

الظهر حتى غربت الشمس فذكره (١). وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله. قال: فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا مؤمل، يعني ابن إسماعيل، حدثنا حماد، يعني ابن سلمة، عن عبد الكريم يعني ابن أبي المخارق عن مجاهد عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى الظهر ثم أمره، فأذن وأقام فصلى العصر، ثم أمره فأذن، وأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام، فصلى العشاء ثم قال " ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم " تفرد به البزار وقال لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم عن مجاهد عن أبي عبيدة عن عبد الله. فصل في دعائه ﵇ على الأحزاب قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر حدثنا الزبير - يعني ابن عبد الله - حدثنا ربيح بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شئ نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر، قال " نعم، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا " قال فضرب الله وجوه أعدائه بالريح (٢). وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن أبي عامر - وهو العقدي (٣) - عن الزبير بن عبد الله مولى عثمان بن عفان عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد فذكره وهذا هو الصواب. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، عن ابن أبي ذئب، عن رجل من بني سلمة عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ أتى مسجد الأحزاب فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدا يدعو عليهم ولم يصل قال ثم جاء ودعا عليهم وصلى. وثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال " اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم (٤). وفي رواية اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم. وروى البخاري عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه

стр. 1368

عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقول " لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده فلا شئ بعده " (١) وقال ابن إسحاق وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم. قال: ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوه بن أشجع بن ريث بن غطفان، أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا باسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة " (٢) فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم. فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديهم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. قالوا: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني. قالوا: نفعل، قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم،

стр. 1369

قال: فاكتموا عني قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنيع الله تعالى لرسوله ﷺ أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقال لهم: إنا لسنا بدار مقام، هلك الخف والحافر (١) فأعدوا (٢) للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابهم ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة: قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، وبعث الله الريح في ليلة (٣) شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم (٤). وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة. وقد أورده عنه البيهقي في الدلائل فإنه ذكر ما حاصله: أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مر برسول الله ﷺ ذات يوم عشاء، فأشار إليه أن تعال، فجاء فقال: ما وراءك؟ فقال (٥): إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فيناجزوك، فقالت قريظة نعم فأرسلوا إلينا بالرهن. وقد ذكر فيما تقدم: أنهم إنما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة، قال فقال له رسول الله ﷺ : إني مسر إليك شيئا فلا تذكره، قال: إنهم قد أرسلوا إلي يدعونني إلى الصلح وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم، فخرج نعيم بن مسعود عامدا إلى غطفان. وقال

стр. 1370

رسول الله ﷺ " الحرب خدعة وعسى أن يصنع الله لنا " فأتى نعيم غطفان وقريشا فأعلمهم، فبادر القوم وأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة وجماعة معه واتفق ذلك ليلة السبت، يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلت اليهود بالسبت، ثم أيضا طلبوا الرهن توثقة فأوقع الله بينهم واختلفوا. قلت: وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا إلى رسول الله ﷺ يريدون منه الصلح على أن يرد بني النضير إلى المدينة. والله أعلم. قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جمهم، دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجتهد، قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق وصلى رسول الله ﷺ هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - فشرط له رسول الله ﷺ الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا، قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال فلان ابن فلان (١)، ثم قال [أبو سفيان]: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ إلي: لا تحدث شيئا حتى تأتيني لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل (٢) فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر. وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم، وهذا منقطع من هذا الوجه. وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في صحيحه:

стр. 1371

من حديث الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت، فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ ألا رجل يأتيني بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة؟ [فسكتنا] (١) فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله. ثم قال: يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال [اذهب] ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي. قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام (٢) حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد قوسي، وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ : لا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله ﷺ فأصابني البرد حين رجعت وقررت، فأخبرت رسول الله ﷺ وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أبرح نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت، قال رسول الله ﷺ : قم يا نومان (٣)! وقد روى الحاكم والحافظ البيهقي في الدلائل هذا الحديث مبسوطا من حديث عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي (٤) عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود: وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة، ما يرى أحدنا أصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسللون ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك، إذا استقبلنا رسول الله ﷺ . رجلا، رجلا حتى أتى علي وما علي جنة من العدو، ولا من البرد، إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي قال: فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، فقال حذيفة! فتقاصرت للأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم، فقمت، فقال: إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم. قال: وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا. قال: فخرجت، فقال رسول الله ﷺ " اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته " قال: فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرأ في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئا. قال: فلما وليت، قال:

стр. 1372

يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني. قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت [في] (١) ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم، يقول بيديه على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل، الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كناتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي، لأرميه به في ضوء النار، فذكرت، قول رسول الله ﷺ لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني، فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت للعسكر (٢) فإذا أدنى الناس مني بنو عامر، يقولون: يا آل عامر الرحيل، الرحيل، لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم، ما تجاوز عسكرهم شبرا، فوالله إني لاسمع صوت الحجارة في رحالهم، وفرشهم (٣) الريح تضرب بها، ثم إني خرجت نحو رسول الله ﷺ فلما انتصفت بي الطريق، أو نحو من ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارسا، أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك، أن الله قد كفاه. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر، وجعلت أقرقف، فأومأ إلي رسول الله ﷺ بيده وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل علي شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى. فأخبرته خبر القوم، أخبرته أني تركتهم يرحلون قال: وأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا) [الأحزاب: ٩] يعني الآيات كلها إلى قوله (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) (٤) أي صرف الله عنهم عدوهم بالريح التي أرسلها عليهم والجنود من الملائكة وغيرهم التي بعثها الله إليهم وكفى الله المؤمنين القتال أي لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم بل صرفهم القوي العزيز بحوله وقوته. لهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: لا إله ألا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شئ بعده (٥). وفي قوله: (وكفى الله المؤمنين القتال) إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبينهم وهكذا وقع ولم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين كما قال محمد بن إسحاق ﵀، فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: لن تغزوكم قريش بعد عامكم ولكنكم تغزونهم. قال: فلم تغز قريش بعد ذلك وكان يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله عليه مكة وهذا بلاغ من ابن إسحاق (٦). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا

стр. 1373

يحيى، عن سفيان، حدثني أبو إسحاق، سمعت سليمان بن صرد ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : الآن نغزوهم ولا يغزوننا. وهكذا رواه البخاري (١) من حديث إسرائيل وسفيان الثوري كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي عن سليمان بن صرد به. قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بني عبد الأشهل وهم سعد بن معاذ - وستأتي وفاته مبسوطة - وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان وثعلبة بن غنمة الجشميان السلميان، وكعب بن زيد النجاري أصابه سهم غرب (٢) فقتله قال: وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك وطلبوا جسده بثمن كبير كما تقدم وعمرو بن عبد ود العامري قتله علي بن أبي طالب. قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال: قتل علي يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو وقال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد ود ويقال عمرو بن عبد. فصل في غزوة بني قريظة وما أحل الله تعالى بهم من البأس الشديد مع ما أعد الله لهم في الآخرة من العذاب الأليم وذلك لكفرهم ونقضهم العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ وممالاتهم الأحزاب عليه فما أجدى ذلك عنهم شيئا وباؤا بغضب من الله ورسوله والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة وقد قال الله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا … وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها وكان الله على كل شئ قديرا) [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧]. قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا عبد الله، حدثنا موسى بن عقبة عن سالم ونافع عن عبد الله: أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو والحج والعمرة يبدأ فيكبر ثم يقول " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ". قال محمد بن إسحاق ﵀: ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة (٣) والمسلمون ووضعوا السلاح، فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله ﷺ كما حدثني

стр. 1374

الزهري، معتجرا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فأني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله ﷺ مؤذنا فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. وقال البخاري: حدثني عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا ابن نمير، عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لما رجع النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعناه! فأخرج إليهم، قال: فإلى أين؟ قال هاهنا، وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي ﷺ (١). وقال أحمد: وحدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل وجاء جبريل فرأيته من خلل البيت قد عصب رأسه الغبار، فقال: يا محمد أوضعتم أسلحتكم؟ فقال: وضعنا أسلحتنا فقال: إنا لم نضع أسلحتنا بعد انهد إلى بني قريظة. ثم قال البخاري: حدثنا موسى [بن إسماعيل] حدثنا جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة (٢). ثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي العصر حتى تأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم (٣). وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به. وقال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن خالد بن خلي (٤) حدثنا بشر بن حرب (٥) عن أبيه، حدثنا الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عمه عبيد الله أخبره أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب

стр. 1375

وضع عنه اللامة واغتسل واستحم، فتبدى له جبريل ﵇ فقال: عذيرك من محارب ألا أراك قد وضعت اللامة وما وضعناها بعد، قال فوثب النبي ﷺ فزعا فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر إلا في بني قريظة. قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، فاختصم الناس عند غروب الشمس، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ فليس علينا إثم، وصلى طائفة من الناس احتسابا وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوها حين جاؤوا بني قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدا من الفريقين (١). ثم روى البيهقي من طريق عبد الله العمري، عن أخيه عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان عندها فسلم علينا رجل ونحن في البيت، فقام رسول الله ﷺ فزعا وقمت في أثره فإذا بدحية الكلبي، فقال: هذا جبريل أمرني أن أذهب إلى بني قريظة، وقال: قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد، وذلك حين رجع رسول الله ﷺ من الخندق، فقام رسول الله ﷺ فزعا وقال لأصحابه: عزمت عليكم أن لا تصلوا صلاة العصر، حتى تأتوا بني قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إن رسول الله ﷺ لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلوا، وقالت طائفة: والله إنا لفي عزيمة رسول الله ﷺ وما علينا من إثم، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ولم يعنف (٢) رسول الله ﷺ واحدا من الفريقين. وخرج رسول الله ﷺ فمر بمجالس بينه وبين بني قريظة، فقال: هل مر بكم أحد؟ فقالوا مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج، فقال: ذلك جبريل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، ويقذف في قلوبهم الرعب فحاصرهم النبي ﷺ وأمر أصحابه أن يستروه بالجحف حتى يسمع كلامهم، فناداهم يا اخوة القردة والخنازير. فقالوا: يا أبا القاسم لم تكن فحاشا، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم (٣). ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها. وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الاجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف. فقالت طائفة من العلماء: الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بني قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الامر بها في وقتها المقدر لها شرعا. قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: وعلم الله أنا

стр. 1376

لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بني قريظة ولو بعد أيام. وهذا القول منه ماش على قاعدته الأصلية في الاخذ بالظاهر. وقالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم المصيبون لأنهم فهموا أن المراد إنما هو تعجيل السير إلى بني قريظة لا تأخير الصلاة فعملوا بمقتضى الأدلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، ولهذا لم يعنفهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التي حولت إليه يومئذ كما يدعيه أولئك، وأما أولئك الذين أخروا فعذروا بحسب ما فهموا، وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه. وأما على قول من يجوز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البخاري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا فلا إشكال على من أخر ولا على من قدم أيضا. والله أعلم. ثم قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، ومعه رايته وابتدرها الناس. وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: فبينما رسول الله ﷺ في مغتسله كما يزعمون قد رجل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لامته، حتى وقف بباب المسجد، عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل: غفر الله لك، أو قد وضعت السلاح؟ قال: نعم. فقال جبريل: لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدو، وما زلت في طلبهم حتى هزمهم الله - ويقولون إن على وجه جبريل لاثر الغبار - فقال له جبريل: إن الله قد أمرك بقتال بني قريظة فأنا عامد إليهم بمن معي من الملائكة نزلزل بهم الحصون فأخرج بالناس، فخرج رسول الله ﷺ في أثر جبريل، فمر على مجلس بني غنم وهم ينتظرون رسول الله ﷺ فسألهم فقال: مر عليكم فارس آنفا؟ قالوا: مر علينا دحية الكلبي على فرس أبيض، تحته نمط أو قطيفة ديباج عليه اللامة، فذكروا أن رسول الله ﷺ قال: ذاك جبريل. وكان رسول الله ﷺ يشبه دحية الكلبي بجبريل، فقال: الحقوني ببني قريظة فصلوا فيهم العصر، فقاموا وما شاء الله من المسلمين فانطلقوا إلى بني قريظة فحانت صلاة العصر، وهم بالطريق، فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة. وقال آخرون: هي الصلاة، فصلى منهم قوم وأخرت طائفة الصلاة حتى صلوها في بني قريظة، بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجل منهم الصلاة، ومن أخرها، فذكروا أن رسول الله ﷺ لم يعنف واحدا من الفريقين. قال فلما رأى علي بن أبي طالب رسول الله ﷺ مقبلا تلقاه وقال: ارجع يا رسول الله فإن الله كافيك اليهود، وكان علي قد سمع منهم قولا سيئا لرسول الله ﷺ وأزواجه ﵅ فكره أن يسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : لم تأمرني بالرجوع، فكتمه ما سمع منهم فقال: أظنك سمعت في منهم أذى، فامض فإن أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت، فلما نزل رسول الله ﷺ بحصنهم وكانوا في أعلاه، نادى بأعلى صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: أجيبوا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي الله ، فحاصرهم رسول الله ﷺ بكتائب المسلمين بضع

стр. 1377

عشرة ليلة (١) ورد الله حيي بن أخطب، حتى دخل حصن بني قريظة، وقذف الله في قلوبهم الرعب واشتد عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر (٢) - وكانوا حلفاء الأنصار - فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : قد أذنت لك، فأتاهم أبو لبابة، فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة ماذا ترى، وماذا تأمرنا فإنه لا طاقة لنا بالقتال، فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، وأمر عليه أصابعه، يريهم إنما يراد بهم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة. فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله ﷺ حتى أحدث لله ثوبة نصوحا يعلمها الله من نفسي، فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد. وزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة، فقال رسول الله ﷺ حين غاب عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه، فذكر له ما فعل؟ فقال: لقد أصابته بعدي فتنة ولو جاءني لاستغفرت له وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما يشاء (٣). وهكذا رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، وكذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري ومثل رواية أبي الأسود عن عروة. قال ابن إسحاق ونزل رسول الله ﷺ على بئر من آبار بني قريظة من ناحية أموالهم يقال لها: بئر أنى (٤). فحاصرهم خمسا وعشرين (٥) ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف [الله] في قلوبهم الرعب. وقد كان حيي بن أخطب دخل معهم حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا بما شئتم منها. قالوا وما هن؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم علي هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علي هذه فالليلة ليلة السبت، وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة.

стр. 1378

قالوا أنفسد سبتنا، ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما يخف عنك من المسخ، فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما. ثم إنها بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفا الأوس نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم وقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد (١)؟ قال نعم. وأشار بيده إلى حلقه، أنه الذبح قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت. وعاهد الله أن لا أطأ بني قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. قال ابن هشام: وأنزل الله فيما قال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي قتادة (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) [الأنفال: ٢٧]. قال ابن هشام: أقام مرتبطا ست ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة، فتحله حتى يتوضأ ويصلي ثم يرتبط حتى نزلت توبته في قوله تعالى (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) [التوبة: ١٠٢]. وقول موسى بن عقبة: انه مكث عشرين ليلة مرتبطا به. والله أعلم. وذكر ابن إسحاق: أن الله أنزل توبته على رسوله من آخر الليل وهو في بيت أم سلمة، فجعل يبتسم، فسألته أم سلمة فأخبرها بتوبة الله على أبي لبابة فاستأذنته أن تبشره، فأذن لها، فخرجت فبشرته، فثار الناس إليه يبشرونه وأرادوا أن يحلوه من رباطه فقال والله لا يحلني منه إلا رسول الله ﷺ فلما خرج رسول الله ﷺ إلى صلاة الفجر حله من رباطه ﵁ وأرضاه. قال ابن إسحاق: ثم أن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من بني هدل ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك، هم بنو عم القوم أسلموا في تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله ﷺ وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي، فمر بحرس رسول الله ﷺ وعليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال من هذا؟ قال أنا عمرو بن سعدى - وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله ﷺ وقال: لا أغدر بمحمد أبدا - فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب لم يدر أين توجه من

стр. 1379

الأرض إلى يومه هذا، فذكر شأنه لرسول الله ﷺ فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه. قال: وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق بني قريظة فأصبحت رمته ملقاة ولم يدر أين ذهب فقال رسول الله ﷺ فيه تلك المقالة والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق: فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله: إنهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت، يعنون عفوه عن بني قينقاع، حين سأله فيهم عبد الله بن أبي كما تقدم. قال ابن إسحاق: فلما كلمته الأوس قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال فذلك إلى سعد بن معاذ وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة (١) في مسجده وكانت تداوي الجرحى فلما حكمه في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حماره قد وطئوا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض (٢) من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد عن كلمته التي سمع منه فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين قال رسول الله ﷺ : قوموا إلى سيدكم فأما المهاجرون من قريش، فيقولون إنما أراد الأنصار، وأما الأنصار فيقولون قد عم رسول الله ﷺ المسلمين فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك، لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم قال: وعلي من هاهنا في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له، فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي قال: قال رسول الله ﷺ لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة (٣). وقال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل العلم: أن علي بن أبي طالب صاح وهم محاصرو بني قريظة: يا كتيبة الايمان وتقدم هو والزبير بن العوام وقال: والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو اقتحم حصنهم، فقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سعيد بن إبراهيم، سمعت أبا أمامة بن سهل، سمعت أبا سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ. قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فأتاه على حمار فلما دنا قريبا من المسجد، قال رسول الله ﷺ : قوموا

стр. 1380

لسيدكم أو خيركم. ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: نقتل مقاتلتهم ونسبي ذريتهم، قال: فقال رسول الله ﷺ : قضيت بحكم الله. وربما قال: قضيت بحكم الملك، وفي رواية الملك (١). أخرجاه في الصحيحين من طرق عن شعبة. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجين، ويونس قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: رمى يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله فحسمه رسول الله ﷺ بالنار فانتفخت يده فنزفه فحسمه أخرى فانتفخت يده، فنزفه فلما رأى ذلك قال اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد فأرسل إليه فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، يستعين بهم المسلمون فقال رسول الله ﷺ أصبت حكم الله فيهم وكانوا أربعمائة. فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات (٢) وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث به وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، عن هشام، أخبرني أبي عن عائشة قالت: لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق ووضع السلاح، واغتسل فأتاه جبريل وعلى رأسه الغبار فقال: قد وضعت السلاح فوالله ما وضعتها، أخرج إليهم. قال رسول الله ﷺ : فأين؟ قال: هاهنا وأشار إلى بني قريظة فخرج رسول الله ﷺ إليهم. قال هشام: فأخبرني أبي أنهم نزلوا على حكم النبي ﷺ فرد الحكم فيهم إلى سعد قال فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية وتقسم أموالهم. قال هشام: قال أبي: فأخبرت أن رسول الله ﷺ قال: لقد حكمت فيهم بحكم الله (٣). وقال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج إليهم. قال النبي ﷺ فأين فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه فرد الحكم إلى سعد قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم. قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة: أن سعدا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شئ، فأبقني له حتى أجاهدهم فيك. وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبته فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار

стр. 1381

إلا الدم يسيل إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة. ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها (١). وهذا رواه مسلم من حديث عبد الله بن نمير به. قلت كان دعا أولا بهذا الدعاء قبل أن يحكم في بني قريظة ولهذا قال فيه ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فاستجاب الله له، فلما حكم فيهم وأقر الله عينه أي قرار دعا ثانيا بهذا الدعاء فجعلها الله له شهادة ﵁ وأرضاه. وسيأتي ذكر وفاته قريبا إن شاء الله. وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر عن عائشة مطولا جدا وفيه فوائد فقال: حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو الناس فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه، قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطواهم فمر وهو يرتجز ويقول: لبث قليلا يدرك الهيجا جمل … ما أحسن الموت إذا حان الاجل قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا نفر من المسلمين، فإذا فيها عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه سبغة له - تعني المغفر - فقال عمر: ما جاء بك والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز، فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض فتحت ساعتئذ فدخلت فيها، فرفع الرجل السبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله . قالت: ويرمي سعدا رجل من قريش يقال له ابن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله سعد فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة قالت وكانوا حلفاءه، ومواليه في الجاهلية قالت: فرقأ كلمة وبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا. فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد قالت: فجاء جبريل وإن على ثناياه لنقع الغبار فقال: أقد وضعت السلاح لا والله ما وضعت الملائكة السلاح بعد، أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله ﷺ لامته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فمر على بني غنم، وهم جيران المسجد حوله فقال: من مر بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبي - وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵇ فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله ﷺ انزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأتي به على حمار عليه أكاف من

стр. 1382

ليف قد حمل عليه وحف به قومه فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، قالت: ولا يرجع إليهم شيئا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قالت: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله ﷺ قوموا إلى سيدكم فأنزلوه قال عمر: سيدنا الله، قال: أنزلوه، فأنزلوه. قال رسول الله ﷺ : أحكم فيهم، فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله ثم دعا سعد فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا، فأبقني لها وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قالت: فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى منه إلا مثل الخرص ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لا عرف بكاء عمر، من بكاء أبي بكر، وأنا في حجرتي وكانوا كما قال الله (رحماء بينهم) قال علقمة: فقلت يا أمة فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته. وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة، وفيه التصريح بدعاء سعد مرتين مرة قبل حكمه في بني قريظة ومرة بعد ذلك كما قلناه أولا ولله الحمد والمنة وسنذكر كيفية وفاته ودفنه وفضله في ذلك ﵁ وأرضاه بعد فراغنا من القصة. قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ بالمدينة في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار قلت: هي نسيبة (١) ابنة الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس وكانت تحت مسيلمة الكذاب ثم خلف عليها عبد الله بن عامر بن كريز، ثم خرج ﷺ إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، فخرج بهم إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد، رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة. والمكثر لهم يقول: كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة. قلت: وقد تقدم فيما رواه الليث عن أبي الزبير عن جابر: أنهم كانوا أربعمائة فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وقد قالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع، ومن ذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم وأتي بحيي بن أخطب وعليه حلة له فقاحية (٢) قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إلى

стр. 1383

رسول الله ﷺ قال: أما والله ما لمت نفسي في عدواتك ولكنه من يخذل الله يخذل (١). ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوال الثعلبي (٢): لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه … ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها … وقلقل يبغي العز كل مقلقل (٣) وذكر ابن إسحاق قصة الزبير بن باطا، وكان شيخا كبيرا قد عمي وكان قد من يوم بعاث على ثابت بن قيس بن شماس وجز ناصيته فلما كان هذا اليوم أراد أن يكافئه فجاءه فقال: هل تعرفني يا أبا عبد الرحمن؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ فقال له ثابت: أريد أن أكافئك فقال: إن الكريم يجزي الكريم، فذهب ثابت إلى رسول الله ﷺ فاستطلقه فأطلقه له ثم جاءه فأخبره فقال شيخ كبير لا أهل [له] (٤) ولا ولد فما يصنع بالحياة فذهب إلى رسول الله ﷺ فاستطلق له امرأته وولده فأطلقهم له ثم جاءه فقال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت إلى رسول الله ﷺ فاستطلق مال الزبير بن باطا فأطلقه له ثم جاءه فأخبره فقال له يا ثابت ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى حي كعب بن أسد؟ قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا: عزال بن شموال (٥)؟ قال: قتل. قال فما فعل المجلسان؟ - يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة - قال: ذهبوا قتلوا، قال فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله فيلة (٦) دلو ناضح حتى ألقى الأحبة. فقدمه ثابت فضربت عنقه، فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله " ألقى الأحبة " قال " يلقاهم والله في نار جهنم فيها مخلدا " قال ابن إسحاق " فيلة " بالفاء والياء المثناة من أسفل، وقال ابن هشام: بالقاف والباء الموحدة. وقال ابن هشام: الناضح البعير الذي يستقى عليه الماء لسقي النخل،

стр. 1384

وقال أبو عبيدة: معناه إفراغه دلو. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. فحدثني شعبة بن الحجاج عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: كان رسول الله ﷺ قد أمر أن يقتل من بني قريظة كل من أنبت منهم، وكنت غلاما فوجدوني لم أنبت فخلوا سبيلي. ورواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي نحوه. وقد استدل به من ذهب من العلماء إلى أن إنبات الشعر الخشن حول الفرج دليل على البلوغ، بل هو بلوغ في أصح قولي الشافعي. ومن العلماء من يفرن بين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم دون غيرهم، لان المسلم قد يتأذى بذلك لمقصد. وقد روى [ابن] (١) إسحاق: عن أيوب بن عبد الرحمن أن سلمى بنت قيس، أم المنذر استطلقت من رسول الله ﷺ رفاعة بن شموال (٢)، وكان قد بلغ، فلاذ بها، وكان يعرفهم قبل ذلك فأطلقه لها، وكانت قالت: يا رسول الله إن رفاعة يزعم أنه سيصلي ويأكل لحم الجمل. فأجابها إلى ذلك فأطلقه. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة (٣)، قالت والله انها لعندي تحدث معي، تضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله ﷺ قتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله، قالت: قلت لها: ويلك مالك؟ قالت أقتل! قلت ولم؟ قالت: لحدث أحدثته، قالت: فانطلق بها فضربت عنقها، وكانت عائشة تقول فوالله ما أنسى عجبا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل. هكذا رواه الإمام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به. قال ابن إسحاق (٤): هي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته، يعني فقتلها رسول الله ﷺ به. قال ابن إسحاق: في موضع آخر وسماها نباتة امرأة الحكم القرظي. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، بعد ما أخرج الخمس، وقسم للفارس ثلاثة أسهم سهمين للفرس وسهما لراكبه وسهما للراجل، وكانت الخيل يومئذ ستا وثلاثين. قال: وكان أول فئ وقعت فيه السهمان وخمس. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ سعيد بن زيد بسبايا من بني قريظة إلى نجد فابتاع بها خيلا وسلاحا. وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة (٥) وكان عليها حتى توفي عنها وهي

стр. 1385

في ملكه، وقد كان رسول الله ﷺ عرض عليها الاسلام فامتنعت، ثم أسلمت بعد ذلك فسر رسول الله ﷺ باسلامها وقد عرض عليها أن يعتقها ويتزوجها فاختارت أن تستمر على الرق ليكون أسهل عليها فلم تزل عنده حتى توفي ﵊، ثم تكلم ابن إسحاق على ما نزل من الآيات في قصة الخندق من أول سورة الأحزاب، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسيرها ولله الحمد والمنة. وقد قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم بني قريظة: خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الخزرجي طرحت عليه رحا فشدخته شدخا شديدا، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: " إن له لاجر شهيدين. قلت: كان الذي ألقى عليه الرحى تلك المرأة التي لم يقتل من بني قريظة امرأة غيرها كما تقدم والله أعلم. قال ابن إسحاق: ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان، من بني أسد بن خزيمة ورسول الله ﷺ محاصر بني قريظة فدفن في مقبرتهم اليوم. وفاة سعد بن معاذ ﵁ قد تقدم: أن حبان بن العرقة لعنه الله رماه بسهم فأصاب أكحله فحسمه رسول الله ﷺ كيا بالنار فاستمسك الجرح، وكان سعد دعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة، وذلك حين نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهود والمواثيق والذمام ومالوا عليه مع الأحزاب، فلما ذهب الأحزاب وانقشعوا عن المدينة وباءت بنو قريظة بسواد الوجه والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة وسار إليهم رسول الله ﷺ ليحاصرهم كما تقدم فلما ضيق عليهم وأخذهم من كل جانب أنابوا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فيحكم فيهم بما أراه الله فرد الحكم فيهم إلى رئيس الأوس، وكانوا حلفاءهم في الجاهلية وهو سعد بن معاذ فرضوا بذلك ويقال بل نزلوا ابتداء على حكم سعد، لما يرجون من حنوه عليهم وإحسانه وميله إليهم ولم يعلموا بأنهم أبغض إليه من أعدادهم من القردة والخنازير، لشدة إيمانه وصديقيته ﵁ وأرضاه، فبعث إليه رسول الله ﷺ وكان في خيمة في المسجد النبوي فجئ به على حمار تحته إكاف قد وطئ تحته لمرضه ولما قارب خيمة الرسول ﷺ أمر ﵇ من هناك، بالقيام له قيل: لينزل من شدة مرضه، وقيل توقيرا له بحضرة المحكوم عليهم ليكون أبلغ في نفوذ حكمه والله أعلم، فلما حكم فيهم بالقتل والسبي وأقر الله عينه وشفى صدره منهم وعاد إلى خيمته من المسجد النبوي صحبة رسول الله ﷺ دعا الله أن تكون له شهادة واختار الله له ما عنده فانفجر جرحه من الليل فلم يزل يخرج منه الدم حتى مات ﵁. قال ابن إسحاق: فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات منه شهيدا. [قال ابن إسحاق] (١) حدثني معاذ بن رفاعة

стр. 1386

الزرقي قال: حدثني من شئت من رجال قومي: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ حين قبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء، واهتز له العرش؟ قال فقام رسول الله ﷺ سريعا يجر ثوبه إلى سعد فوجده قد مات ﵁، هكذا ذكره ابن إسحاق ﵀، وقد قال الحافظ البيهقي في الدلائل: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبي وشعيب بن الليث، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر بن عبد الله قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش؟ قال: فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد بن معاذ، قال: فجلس رسول الله ﷺ على قبره وهو يدفن، فبينما هو جالس إذ قال " سبحان الله " مرتين، فسبح القوم، ثم قال " الله أكبر الله أكبر " فكبر القوم، ثم قال رسول الله ﷺ " عجبت لهذا العبد الصالح شدد عليه في قبره حتى كان هذا حين فرج له " (١). وروى الإمام أحمد والنسائي: من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، ويحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ لسعد يوم مات وهو يدفن: سبحان الله لهذا الصالح الذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء شدد عليه ثم فرج الله عنه. وقال محمد بن إسحاق: حدثني معاذ بن رفاعة عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح عن جابر بن عبد الله قال: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله ﷺ سبح رسول الله ﷺ فسبح الناس معه ثم كبر فكبر الناس معه فقالوا يا رسول الله بم سبحت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه (٢). وهكذا رواه الإمام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق به قال ابن هشام ومجاز هذا الحديث قول عائشة قال رسول الله ﷺ إن للقبر ضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ. قلت: وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع عن عائشة عن النبي ﷺ قال: إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها لنجا سعد بن معاذ. وهذا الحديث سنده على شرط الصحيحين إلا أن الإمام أحمد رواه عن غندر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن انسان عن عائشة به. ورواه الحافظ البزار عن نافع عن ابن عمر قال: حدثنا عبد الا علي بن حماد حدثنا داود عن عبد الرحمن حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ سبعون ألف ملك إلى الأرض لم يهبطوا قبل ذلك ولقد ضمه القبر

стр. 1387

ضمة (١). ثم بكى نافع. وهذا إسناد جيد لكن قال البزار رواه غيره عن عبيد الله عن نافع مرسلا ثم رواه البزار عن سليمان بن سيف عن أبي عتاب عن سكين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ما وطئوا الأرض قبلها، وقال حين دفن: سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد. وقال البزار: حدثنا إسماعيل بن حفص، عن محمد بن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: اهتز العرش لحب لقاء الله سعد بن معاذ فقيل: إنما يعني السرير ورفع أبو يه على العرش قال تفتحت أعواده قال: ودخل رسول الله ﷺ قبره فاحتبس فلما خرج قيل له يا رسول الله ما حبسك قال: ضم سعد في القبر ضمة فدعوت الله فكشف عنه. قال البزار، تفرد به عطاء بن السائب. قلت: وهو متكلم فيه. وقد ذكر البيهقي ﵀ بعد روايته ضمة سعد ﵁ في القبر أثرا غريبا فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن ابن إسحاق: حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم من قول رسول الله ﷺ في هذا؟ فقالوا: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول (٢). وقال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الفضل بن مساور، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. وعن الأعمش حدثنا أبو صالح عن جابر عن النبي ﷺ مثله فقال رجل لجابر فإن البراء بن عازب يقول: اهتز السرير [فقال]: إنه كان بين هذين الحيين ضغائن سمعت النبي ﷺ يقول: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. ورواه مسلم عن عمرو الناقد عن عبد الله بن إدريس وابن ماجة عن علي بن محمد عن أبي معاوية كلاهما عن الأعمش به وليس عندهما زيادة قول الأعمش عن أبي صالح عن جابر: وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم اهتز لها عرش الرحمن ورواه مسلم عن عبد بن حميد والترمذي عن محمود بن غيلان كلاهما عن عبد الرزاق به. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا أبو نضرة، سمعت أبا سعيد عن النبي ﷺ : اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى به. وقال أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، قال قتادة: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال وجنازته موضوعة اهتز لها عرش الرحمن. ورواه مسلم: عن محمد بن عبد الله الأزدي، عن عبد الوهاب به وقد روى البيهقي: من حديث المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن

стр. 1388

الحسن البصري قال: اهتز عرش الرحمن فرحا بروحه (١). وقال الحافظ البزار: حدثنا زهير بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: لما حملت جنازة سعد قال المنافقون ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في بني قريظة، فسئل رسول الله ﷺ فقال: لا ولكن الملائكة تحملته. إسناد جيد. وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت البراء بن عازب يقول: أهديت للنبي ﷺ حلة حرير فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها فقال: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين ثم قال: رواه قتادة والزهري: سمعنا أنسا عن النبي ﷺ وقال أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، هو ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن أكيدر دومة: أهدى إلى رسول الله ﷺ جبة وذلك قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها فعجب الناس منها فقال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه. وهذا إسناد على شرط الشيخين ولم يخرجوه. وإنما ذكره البخاري تعليقا. وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، حدثني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال محمد: وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم. قال: دخلت على أنس بن مالك فقال لي: من أنت؟ قلت أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ فقال إنك بسعد لشبيه، ثم بكى وأكثر البكاء، وقال رحمة الله على سعد كان من أعظم الناس وأطولهم ثم قال: بعث رسول الله ﷺ جيشا إلى أكيدر دومة فأرسل إلى رسول الله ﷺ بجبة من ديباج منسوج فيها الذهب فلبسها رسول الله ﷺ فقام على المنبر وجلس فلم يتكلم، ثم نزل فجعل الناس يلمسون الجبة، وينظرون إليها فقال رسول الله ﷺ : أتعجبون منها لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون. وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عمرو به. وقال الترمذي حسن صحيح. قال ابن إسحاق بعد ذكر اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ وفي ذلك يقول رجل من الأنصار: وما اهتز عرش الله من موت هالك … سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو قال: وقالت أمه يعني كبيشسة (٢) بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة الخدرية الخزرجية حين احتمل سعد على نعشه تندبه: ويل أم سعد سعدا … صرامة وحدا وسؤددا ومجدا … وفارسا معدا سد به مسدا … يقدها ما قدا قال: يقول رسول الله ﷺ " كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاد " قلت: كانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة، إذ كان قدوم الأحزاب في شوال سنة خمس

стр. 1389

كما تقدم فأقاموا قريبا من شهر ثم خرج رسول الله ﷺ لحصار بني قريظة فأقام عليهم خمسا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد فمات بعد حكمه عليهم بقليل فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة من سنة خمس والله أعلم. وهكذا قال محمد بن إسحاق: ان فتح بني قريظة كان في ذي القعدة وصدر ذي الحجة قال: وولى تلك الحجة المشركون. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يرثي سعد بن معاذ ﵁: لقد سجمت من دمع عيني عبرة … وحق لعيني أن تفيض على سعد قتيل ثوى في معرك فجعت به … عيون ذواري الدمع دائمة الوجد (١) على ملة الرحمن وارث جنة … مع الشهداء وفدها أكرم الوفد فإن تك قد وعدتنا وتركتنا … وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد فأنت الذي يا سعد أبت بمشهد … كريم وأثواب المكارم والمجد (٢) بحكمك في حيي قريظة بالذي … قضى الله فيهم ما قضيت على عمد فوافق حكم الله حكمك فيهم … ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد فإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى … شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد فنعم مصير الصادقين إذا دعوا … إلى الله يوما للوجاهة والقصد فصل الاشعار في الخندق وبني قريظة قال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة، حدثنا عدي بن ثابت أنه سمع البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ لحسان: اهجهم أو هاجهم وجبريل معك. قال البخاري: وزاد إبراهيم بن طهمان عن الشيباني عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ يوم قريظة لحسان بن ثابت: أهج المشركين فإن جبريل معك. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة بدون الزيادة التي ذكرها البخاري يوم بني قريظة. قال ابن إسحاق ﵀: وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بني محارب بن فهر في يوم الخندق (قلت: وذلك قبل إسلامه): ومشفقة تظن بنا الظنونا … وقد قدنا عرندسة طحونا (٣) كأن زهاءها أحد إذا ما … بدت أركانه للناظرينا ترى الأبدان فيها مسبغات … على الابطال واليلب الحصينا (٤)

стр. 1390

وجردا كالقداح مسومات … نؤم بها الغواة الخاطئينا كأنهم إذا صالوا وصلنا … بباب الخندقين مصافحونا أناس لا نرى فيهم رشيدا … وقد قالوا ألسنا راشدينا فأحجرناهم شهرا كريتا … وكنا فوقهم كالقاهرينا (١) نراوحهم ونغدو كل يوم … عليهم في السلاح مدججينا بأيدينا صوارم مرهفات … نقد بها المفارق والشؤونا (٢) كأن وميضهن معريات … إذا لاحت بأيدي مصلتينا وميض عقيقة لمعت بليل … ترى فيها العقائق مستبينا فلولا خندق كانوا لديه … لدمرنا عليهم أجمعينا ولكن حال دونهم وكانوا … به من خوفنا متعوذينا فإن نرحل فإنا قد تركنا … لدى أبياتكم سعدا رهينا إذا جن الظلام سمعت نوحا … على سعد يرجعن الحنينا وسوف نزوركم عما قريب … كما زرناكم متوازرينا بجمع من كنانة غير عزل … كأسد الغاب إذ حمت العرينا قال: فأجابه كعب بن مالك أخو بني سلمة ﵁ فقال: وسائلة تسائل ما لقينا … ولو شهدت رأتنا صابرينا صبرنا لا نرى لله عدلا … على ما نابنا متوكلينا وكان لنا النبي وزير صدق … به نعلو البرية أجمعينا نقاتل معشرا ظلموا وعقوا … وكانوا بالعداوة مرصدينا نعالجهم إذا نهضوا إلينا … بضرب يعجل المتسرعينا ترانا في فضافض سابغات … كغدران الملا متسربلينا (٣) وفي ايماننا بيض خفاف … بها نشفي مراح الشاغبينا بباب الخندقين كأن أسدا … شوابكهن يحمين العرينا فوارسنا إذا بكروا وراحوا … على الأعداء شوسا معلمينا (٤) لننصر أحمدا والله حتى … نكون عباد صدق مخلصينا

стр. 1391

ويعلم أهل مكة حين ساروا … وأحزاب أتوا متحزبينا بأن الله ليس له شريك … وأن الله مولى المؤمنينا فإما تقتلوا سعدا سفاها … فان الله خير القادرينا سيدخله جناتا طيبات … تكون مقامة للصالحينا كما قد ردكم فلا شريدا … بغيظكم خزايا خائبينا خزايا لم تنالوا ثم خيرا … وكدتم أن تكونوا دامرينا بريح عاصف هبت عليكم … فكنتم تحتها متكمهينا (١) قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعري السهمي في يوم الخندق (قلت وذلك قبل أن يسلم) حي الديار محا معارف رسمها … طول البلى وتراوح الأحقاب فكأنما كتب اليهود رسومها … ألا الكنيف ومعقد الاطناب (٢) قفرا كأنك لم تكن تلهو بها … في نعمة بأوانس أتراب فاترك تذكر ما مضى من عيشة … ومحلة خلق المقام يباب واذكر بلاء معاشر واشكرهم … ساروا بأجمعهم من الأنصاب أنصاب مكة عامدين ليثرب … في ذي غياطل جحفل جبجاب (٣) يدع الحرون مناهجا معلومة … في كل نشز ظاهر وشعاب فيها الجياد شوازب مجنوبة … قب البطون وأحق الاقراب (٤) من كل سلهبة وأجرد سلهب … كالسيد بادر غفلة الرقاب جيش عيينة قاصد بلوائه … فيه وصخر قائد الأحزاب قرمان كالبدرين أصبح فيهما … غيث الفقير ومعقل الهراب حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا … للموت كل مجرب قضاب شهرا وعشرا قاهرين محمدا … وصحابه في الحرب خير صحاب نادوا برحلتهم صبيحة قلتم … كدنا نكون بها مع الخياب لولا الخنادق غادروا من جمعهم … قتلى لطير سغب وذئاب قال فأجابه حسان بن ثابت ﵁ فقال: هل رسم دارسة المقام يباب … متكلم لمحاور بجواب

стр. 1392

قفر عفا رهم السحاب رسومه … وهبوب كل مطلة مرباب (١) ولقد رأيت بها الحلول يزينهم … بيض الوجوه ثواقب الأحساب فدع الديار وذكر كل خريدة … بيضاء آنسة الحديث كعاب واشك الهموم إلى الاله وما ترى … من معشر ظلموا الرسول غضاب ساروا بأجمعهم إليه وألبوا … أهل القرى وبوادي الاعراب جيش عيينة وابن حرب فيهم … متخمطون بحلبة الأحزاب (٢) حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا … قتل الرسول ومغنم الأسلاب وغدوا علينا قادرين بأيدهم … ردوا بغيظهم على الأعقاب بهبوب معصفة تفرق جمعهم … وجنود ربك سيد الأرباب فكفى الاله المؤمنين قتالهم … وأثابهم في الاجر خير ثواب من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم … تنزيل نصر مليكنا الوهاب وأقر عين محمد وصحابه … وأذل كل مكذب مرتاب عاتي الفؤاد موقع ذي ريبة … في الكفر ليس بطاهر الأثواب علق الشقاء بقلبه ففؤاده … في الكفر آخر هذه الأحقاب قال وأجابه كعب بن مالك ﵁ أيضا فقال: أبقى لنا حدث الحروب بقية … من خير نحلة ربنا الوهاب بيضاء مشرفة الذرى ومعاطنا … حم الجذوع غزيرة الأحلاب (٣) كاللوب يبذل جمها وحفيلها … للجار وابن العم والمنتاب (٤) ونزائعا مثل السراج نمى بها … علف الشعير وجزة المقضاب (٥) عرى الشوى منها وأردف نحضها … جرد المتون وسائر الآراب (٦) قودا تراح إلى الصباح إذا غدت … فعل الضراء تراح للكلاب (٧)

стр. 1393

وتحوط سائمة الديار وتارة … تردي العدى وتئوب بالأسلاب حوش الوحوش مطارة عند الوغى … عبس اللقاء مبينة الأنجاب (١) علفت على دعة فصارت بدنا … دخس البضيع خفيفة الأقصاب (٢) يغدون بالزغف المضاعف شكة … وبمترصات في الثقاف صياب (٣) وصوارم نزع الصياقل علبها … وبكل أروع ماجد الأنساب يصل اليمين بمارن متقارب … وكلت وقيعته إلى خباب (٤) وأغر أزرق في القناة كأنه … في طخية الظلماء ضوء شهاب وكتيبة ينفى القران قتيرها … وترد حد قواحز النشاب (٥) جأوى ململمة كأن رماحها … في كل مجمعة صريمة غاب (٦) تأوي إلى ظل اللواء كأنه … في صعدة الخطي فئ عقاب أعيت أبا كرب وأعيت تبعا … وأبت بسالتها على الاعراب ومواعظ من ربنا نهدى بها … بلسان أزهر طيب الأثواب عرضت علينا فاشتهينا ذكرها … من بعد ما عرضت على الأحزاب خكما يراها المجرمون بزعمهم … حرجا ويفهمها ذوو الألباب جاءت سخينة كي تغالب ربها … فليغلبن مغالب الغلاب (٧) قال ابن هشام: حدثني من أثق به، حدثني عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير: أن رسول الله ﷺ قال له لما سمع منه هذا البيت: لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا. قلت ومراده بسخينة قريش وإنما كانت العرب تسميهم بذلك لكثرة أكلهم الطعام السخن الذي لا يتهيأ لغيرهم غالبا من أهل البوادي (٨) فالله أعلم. قال ابن إسحاق وقال كعب بن مالك أيضا: من سره ضرب يمعمع بعضه … بعضا كمعمعة الاباء المحرق (٩)

стр. 1394

فيأت مأسدة تس سيوفها … بين المذاد وبين جذع الخندق (١) دربوا بضرب المعلمين وأسلموا … مهجات أنفسهم لرب المشرق في عصبة نصر الاله نبيه … بهم وكان بعبده ذا مرفق في كل سابغة تخط فضولها … كالنهي هبت ريحه المترقرق (٢) بيضاء محكمة كأن قتيرها … حدق الجنادب ذا سك (نسك) موثق جدلاء يحفزها نجاد مهند … صافي الحديدة صارم ذي رونق (٣) تلكم مع التقوى تكون لباسنا … يوم الهياج وكل ساعة مصدق نصل السيوف إذا قصرن بخطونا … قدما ونلحقها إذا لم تلحق. فترق الجماجم ضاحيا هاماتها … بله الأكف كأنها لم تخلق (٤) نلقى العدو بفخمة ملمومة … تنفي الجموع كقصد رأس المشرق (٥) ونعد للأعداء كل مقلص … ورد ومحجول القوائم أبلق تردى بفرسان كأن كماتهم … عند الهياج أسود طل ملثق (٦) صدق يعاطون الكماة حتوفهم … تحت العماية بالوشيح المزهق أمر الاله بربطها لعدوه … في الحرب إن الله خير موفق لتكون غيظا للعدو وحيطا … للدار إن دلفت خيول النزق ويعيننا الله العزيز بقوة … منه وصدق الصبر ساعة نلتقي ونطيع أمر نبينا ونجيبه … وإذا دعا لكريهة لم نسبق ومتى ينادى للشدائد نأتها … ومتى نرى الحومات فيها نعنق من يتبع قول النبي فإنه … فينا مطاع الامر حق مصدق فبذاك ينصرنا ويظهر عزنا … ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق إن الذين يكذبون محمدا … كفروا وضلوا عن سبيل المتقي قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك أيضا: لقد علم الأحزاب حين تألبوا … علينا وراموا ديننا ما نوادع

стр. 1395

أضاميم من قيس بن غيلان أصفقت … وخندق لم يدروا بما هو واقع (١) يذودوننا عن ديننا ونذودهم … عن الكفر والرحمن راد وسامع إذا غايظونا في مقام أعاننا … على غيظهم نصر من الله واسع وذلك حفظ الله فينا وفضله … علينا ومن لم يحفظ الله ضائع هدانا لدين الحق واختاره لنا … ولله فوق الصانعين صانع (٢) قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له - يعني طويلة - قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في مقتل بني قريظة: لقد لقيت قريظة ما ساءها … وما وجدت لذل من نصير أصابهم بلاء كان فيه … سوى ما قد أصاب بني النضير غداة أتاهم يهوى إليهم … رسول الله كالقمر المنير له خيل مجنبة تغادى … بفرسان عليها كالصقور (٣) تركناهم وما ظفروا بشئ … دماؤهم عليها كالعبير فهم صرعي تحوم الطير فيهم … كذاك يدان ذو العند الفجور فأنذر مثلها نصحا قريشا … من الرحمن إن قبلت نذيري قال: وقال حسان بن ثابت أيضا في بني قريظة: تعاقد معشر نصروا قريشا … وليس لهم ببلدتهم نصير هم أوتوا الكتاب فضيعوه … وهم غمي من التوراة بور كفرتم بالقرآن وقد أتيتم … بتصديق الذي قال النذير فهان على سراة بني لؤي … حريق بالبويرة مستطير (٤) فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال: أدام الله ذلك من صنيع … وحرق في طوائفها السعير ستعلم أينا منها بنزه … وتعلم أي أرضينا تضير فلو كان النخيل بها ركابا … لقالوا لا مقام لكم فسيروا قلت: وهذا ما قاله أبو سفيان بن الحارث قبل أن يسلم، وقد تقدم في صحيح البخاري بعض هذه الأبيات. وذكر ابن إسحاق جواب حسان في ذلك لجبل بن جوال الثعلبي تركناه قصدا.

стр. 1396

قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا يبكي سعدا وجماعة ممن استشهد يوم بني قريظة: ألا يا لقومي هل لما حم دافع … وهل ما مضى من صالح العيش راجع تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت … بنات الحشا وانهل مني المدامع صبابة وجد ذكرتني إخوة … وقتلى مضى فيها طفيل ورافع (١) وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت … منازلهم فالأرض منهم بلاقع وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم … ظلال المنايا والسيوف اللوامع دعا فأجابوه بحق وكلهم … مطيع له في كل أمر وسامع فما نكلوا حتى توالوا جماعة … ولا يقطع الآجال إلا المصارع لأنهم يرجون منه شفاعة … إذا لم يكن إلا النبيون شافع فذلك يا خير العباد بلاؤنا … إجابتنا لله والموت ناقع لنا القدم الأولى إليك وخلفنا … لأولنا في ملة الله تابع (٢) ونعلم أن الملك لله وحده … وأن قضاء الله لابد واقع مقتل أبي رافع اليهودي قال ابن إسحاق: ولما انقضى شأن الخندق، وأمر بني قريظة، وكان سلام بن أبي الحقيق وهو أبو رافع - فيمن حزب الأحزاب على رسول الله ﷺ وكانت الأوس، قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف، فاستأذن الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر فأذن لهم. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: وكان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا فيه غناء عن رسول الله ﷺ إلا وقالت الخزرج والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله ﷺ فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك. قال: ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا. قال: فتذكروا من رجل لرسول الله ﷺ في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر، فاستأذنوا الرسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم فخرج من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود

стр. 1397

حليف لهم من أسلم. فخرجوا وأمر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار حتى أغلقوه على أهله. قال: وكان في علية له إليها عجلة (١) قال: فأسندوا إليها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته، فقالت: من أنتم؟ قالوا: أناس من العرب نلتمس الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فأدخلوا عليه. فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته فنوهت بنا، فابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية (٢) ملقاة. قال: فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكر نهى رسول الله ﷺ فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني أي حسبي حسبي. قال: وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك سئ البصر قال: فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا (٣) وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم، فندخل فيه فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبونا، حتى إذا يئسوا رجعوا إليه فاكتنفوه وهو يقضي. قال فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات؟ قال: فقال رجل منا: أنا أذهب فانظر لكم. فانطلق حتى دخل في الناس قال: فوجدتها - يعني امرأته - ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله قد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي وقلت: أني ابن عتيك بهذه البلاد. ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه فقالت: فاظ واله يهود، فما سمعت كلمة كانت ألذ على نفسي منها. قال: ثم جاءنا فأخبرنا، فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه. قال: فقال: هاتوا أسيافكم، فجئنا بها فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله أرى، فيه أثر الطعام. قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك: لله در عصابة لاقيتهم … يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم … مرحا كأسد في عرين مغرف (٤) حتى أتوكم في محل بلادكم … فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم … مستصغرين لكل أمر مجحف

стр. 1398

هكذا أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق (١) ﵀. وقد قال الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: بعث النبي ﷺ رهطا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله (٢). قال البخاري: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبيد الله (٣) بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالا (٤) من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه. وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس. وراح الناس بسرحهم قال عبد الله [لأصحابه]: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق متلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب. فدخلت فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على ود قال: فقمت إلى الأقاليد (٥) وأخذتها وفتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له فلما ذهب عنه أهل سمرة صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل فقلت إن القوم سدروا (٦) لي لم يخلصوا ألي حتى أفتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت قلت أبا رافع. قال من هذا. فأهويت نحو الصوت، فأضربه بالسيف ضربة وأنا دهش فما أغنيت شيئا، وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت ما هذا الصوت يا أبا رافع فقال: لأمك الويل إن رجلا في البيت [ضربني] قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ثم وضعت صبيب (٧) السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة حتى انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته فلما صاح الديك، قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع ناصر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء. فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى

стр. 1399

النبي ﷺ فحدثته فقال ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط (١). قال البخاري: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، حدثنا شريح، حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق: سمعت البراء قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فانظر قال: فتلطفت حتى أدخل الحصن، ففقدوا حمارا لهم فخرجوا بقيس يطلبونه، قال: فخشيت أن أعرف قال: فغطيت رأسي وجلست كأني أقضي حاجة [ثم نادى صاحب الباب] (٢) فقال: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه. فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهب ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركة خرجت، قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته، ففتحت به باب الحصن. قال: قلت: إن نذر بي القوم، انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم، فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم، فإذا البيت مظلم، قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل، فقلت: يا أبا رافع قال: من هذا؟ فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئا. قال: ثم جئته كأني أغيثه، فقلت: ما لك يا أبا رافع؟ وغيرت صوتي، قال: لا أعجبك لأمك الويل دخل علي رجل فضربني بالسيف، قال: فعمدت إليه أيضا فأضربه أخرى، فلم تغن شيئا فصاح وقام أهله ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم انكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم ثم خرجت دهشا، حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعي أبا رافع قال: فقمت أمشي ما بي قلبة (٣) فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول الله ﷺ فبشرته (٤). تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة ثم قال: قال الزهري: قال أبي بن كعب: فقدموا على رسول الله ﷺ وهو على المنبر فقال أفلحت الوجوه قال أفلح وجهك يا رسول الله قال أفتكتموه قالوا: نعم قال: ناولني السيف فسله فقال أجل هذا طعامه في ذباب السيف (٥). قلت يحتمل أن عبد الله بن عتيك لما سقط من تلك الدرجة انفكت قدمه وانكسرت

стр. 1400

ساقه ووثبت رجله فلما عصبها استكن ما به لما هو فيه من الامر الباهر ولما أراد المشي أعين على ذلك لما هو فيه من الجهاد النافع، ثم لما وصل إلى رسول الله ﷺ واستقرت نفسه ثاوره الوجع في رجله فلما بسط رجله ومسح رسول الله ﷺ ذهب ما كان بها من بأس في الماضي ولم يبق بها وجع يتوقع حصوله في المستقبل جمعا بين هذه الرواية والتي تقدمت والله أعلم. هذا وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه مثل سياق محمد بن إسحاق وسمى الجماعة الذين ذهبوا إليه كما ذكره ابن إسحاق وإبراهيم وأبو عبيد. مقتل خالد بن سفيان الهذلي ذكره الحافظ البيهقي في الدلائل تلو مقتل أبي رافع (١). قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة (٢) فائته فاقتله. قال: قلت: يا رسول الله انعته لي، حتى أعرفه. قال: إذا رأيته وجدت له قشعريرة. قال: فخرجت متوشحا سيفي، حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ من القشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه، أومئ برأسي للركوع والسجود فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لذلك. قال: أجل أنا في ذلك قال فمشيت معه شيئا، حتى إذا أمكنني، حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله ﷺ فرآني قال: أفلح الوجه قال: قلت: قتلته يا رسول الله. قال: صدقت. قال: ثم قام معي رسول الله ﷺ فدخل في بيته فأعطاني عصا فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس. قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكها. قالوا: أو لا ترجع إلى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة إن أقل الناس المتخصرون (٣) يومئذ. قال فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه، حتى إذا مات أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعا (٤). ثم رواه الإمام أحمد: عن يحيى بن آدم، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير عن بعض

стр. 1401

ولد عبد الله بن أنيس - أو قال عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس - عن عبد الله بن أنيس فذكر نحوه. وهكذا رواه أبو داود: عن أبي معمر، عن عبد الوارث عن محمد بن إسحاق: عن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن أنيس عن أبيه فذكر نحوه ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس عن أبيه فذكره. وقد ذكر قصة عروة بن الزبير وموسى بن عقبة في مغازيهما مرسلة فالله أعلم. قال ابن هشام وقال عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان: تركت ابن ثور كالحوار وحوله … نوائح تفري كل جيب معدد (١) تناولته والظعن خلفي وخلفه … بأبيض من ماء الحديد المهند عجوم لهام الدارعين كأنه … شهاب غضى من ملهب متوقد أقول له والسيف يعجم رأسه … أنا ابن أنيس فارس غير قعدد (٢) انا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره … رحيب فناء الدار غير مزند (٣) وقلت له: خذها بضربة ماجد … خفيف على دين النبي محمد وكنت إذا هم النبي بكافر … سبقت إليه باللسان وباليد قلت: عبد الله بن أنيس (٤) بن حرام: أبو يحيى الجهني صحابي مشهور كبير القدر، كان فيمن شهد العقبة وشهد أحدا والخندق وما بعد ذلك وتأخر موته بالشام إلى سنة ثمانين على المشهور وقيل توفي سنة أربع وخمسين والله أعلم. وقد فرق علي بن الزبير وخليفة بن خياط بينه وبين عبد الله بن أنيس أبي عيسى الأنصاري الذي روى عن النبي ﷺ أنه دعا أحد بأداوة فيها ماء فحل فمها وشرب منها. كما رواه أبو داود والترمذي من طريق عبد الله العمري عن عيسى بن عبد الله بن أنيس عن أبيه ثم قال الترمذي وليس إسناده يصح وعبد الله العمري ضعيف من قبل حفظه. قصة عمرو بن العاص مع النجاشي قال محمد بن إسحاق بعد مقتل أبي رافع: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أوس [أبي] (٥) الثقفي، عن حبيب بن [أبي] أوس، حدثني عمرو بن العاص من فيه

стр. 1402

قال: لما انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش، كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، وإني لقد رأيت أمرا فما ترون فيه. قالوا: وما رأيت قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي. فإنا إن نكن تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إن هذا الرأي. قلت: فاجمعوا لنا ما نهدي له، فكان أحب ما يهدي إليه من أرضنا الادم فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر (١) وأصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت رأيت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع. فقال: مرحبا بصديقي هل أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا. قال ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له: أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت الأرض لدخلت فيها فرقا. ثم قلت: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى فتقتله؟ قال: قلت أيها الملك أكذاك هو؟ قال ويحك يا عمرو، أطعني وأتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده، قال: قلت: أفتبايعني له على الاسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعته على الاسلام، ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامي. ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ لأسلم فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين أبا سليمان؟ فقال والله لقد استقام الميسم (٢) وان الرجل لنبي، أذهب والله أسلم، فحتى متى؟ قال: قلت: والله ما جئت إلا لأسلم. قال: فقدمنا المدينة على النبي ﷺ فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر. قال: فقال رسول الله ﷺ : يا عمرو بايع فإن الاسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها. قال: فبايعته ثم انصرفت. قال ابن إسحاق وقد حدثني من لا أتهم:

стр. 1403

أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما، فقال عبد الله بن أبي الزبعري السهمي: أنشد عثمان بن طلحة خلفنا … وملقى نعال القوم عند المقبل (١) وما عقد الآباء من كل حلفة … وما خالد من مثلها بمحلل أمفتاح بيت غير بيتك تبتغي … وما تبتغي من بيت مجد مؤثل فلا تأمنن خالدا بعد هذه … وعثمان جاءا بالدهيم المعضل قلت: كان إسلامهم بعد الحديبية (٢)، وذلك أن خالد بن الوليد كان يومئذ في خيل المشركين كما سيأتي بيانه فكان ذكر هذا الفصل في إسلامهم بعد ذلك أنسب. ولكن ذكرنا ذلك تبعا للإمام محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى لان أول ذهاب عمرو بن العاص إلى النجاشي كان بعد وقعة الخندق الظاهر أنه ذهب بقية سنة خمس. والله أعلم. فصل في تزويج النبي ﷺ بأم حبيبة ذكر البيهقي بعد وقعة الخندق من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) [الممتحنة: ٧] قال هو تزويج النبي ﷺ بأم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين (٣). ثم قال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ [قال: حدثنا علي بن عيسى، قال] (٤) حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، أنبأنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري عن عروة، عن أم حبيبة (٥) انها كانت عند عبيد الله (٦) بن جحش وكان رحل إلى النجاشي فمات. وأن رسول الله ﷺ تزوج بأم حبيبة وهي بأرض الحبشة وزوجها إياه النجاشي ومهرها أربعة آلاف

стр. 1404

درهم (١) وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهزها من عنده وما بعث رسول الله ﷺ بشئ. قال وكان مهور أزواج النبي ﷺ أربعمائة. قلت: والصحيح أن مهور أزواج النبي ﷺ كانت ثنتي عشرة أوقية ونشأ، والوقية أربعون درهما والنش النصف وذلك يعدل خمسمائة درهم. ثم روى البيهقي: من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة أن عبيد الله بن جحش مات بالحبشة نصرانيا فخلف على زوجته أم حبيبة رسول الله ﷺ زوجها منه عثمان بن عفان ﵁. قلت أما تنصر عبيد الله بن جحش فقد تقدم بيانه، وذلك على أثر ما هاجر مع المسلمين إلى أرض الحبشة استزله الشيطان، فزين له دين النصارى، فصار إليه حتى مات عليه، لعنة الله، وكان يعير المسلمين فيقول لهم أبصرنا وصأصأتم وقد تقدم شرح ذلك في هجرة الحبشة. وأما قول عروة: إن عثمان زوجها منه فغريب. لان عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية كما تقدم والله أعلم. والصحيح ما ذكره يونس، عن محمد بن إسحاق قال: بلغني أن الذي ولى نكاحها ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص. قلت وكان وكيل رسول الله ﷺ في قبول العقد أصحمة النجاشي ملك الحبشة كما قال يونس عن محمد بن إسحاق حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وساق عنه أربعمائة دينار. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الحسن عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن زهير، عن إسماعيل بن عمرو أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي، جارية يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فاستأذنت علي فأذنت لها فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أن أزوجكه، فقلت بشرك الله بالخير وقالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك. قالت: فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته، وأعطيت أبرهة سوارين من فضة وخذمتين من فضة، كانتا علي وخواتيم من فضة، في كل أصابع رجلي سرورا بما بشرتني به. فلما أن كان من العشي، أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب، ومن كان هناك من المسلمين أن يحضروا، وخطب النجاشي وقال: الحمد لله الملك القدوس المؤمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم. أما بعد فإن رسول الله ﷺ طلب أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وقد أصدقها أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم. فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده واستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فبارك الله لرسول الله ﷺ

стр. 1405

ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا، فقال: اجلسوا فإن من سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا (١). قلت: فلعل عمرو بن العاص لما رأى عمرو بن أمية خارجا من عند النجاشي بعد الخندق إنما كان في قضية أم حبيبة فالله أعلم. لكن قال الحافظ البيهقي: ذكر أبو عبد الله بن منده أن تزويجه ﵇ بأم حبيبة كان في سنة ست وان تزويجه بأم سلمة كان في سنة ست وأربع. قلت وكذا قال خليفة وأبو عبيد الله معمر بن المثنى وابن البرقي وأن تزويج أم حبيبة كان في سنة ست وقال بعض الناس سنة سبع. قال البيهقي هو أشبه. قلت قد تقدم تزويجه ﵇ بأم سلمة في أواخر سنة أربع وأما أم حبيبة فيحتمل أن يكون قبل ذلك ويحتمل أن يكون بعده وكونه بعد الخندق أشبه لما تقدم من ذكر عمر بن العاص أنه رأى عمرو بن أمية عند النجاشي فهو في قضيتها والله أعلم. وقد حكى الحافظ ابن الأثير في الغابة: عن قتادة أن أم حبيبة لما هاجرت من الحبشة إلى المدينة خطبها رسول الله ﷺ وتزوجها. وحكى عن بعضهم أنه تزوجها بعد إسلام أبيها بعد الفتح واحتج هذا القائل بما رواه مسلم: من طريق عكرمة بن عمار اليماني، عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن. قال: نعم. قال: تؤمرني على أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: نعم. قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. الحديث بتمامه. قال ابن الأثير وهذا الحديث مما أنكر على مسلم، لان أبا سفيان لما جاء يجدد العقد (٢) قبل الفتح دخل على ابنته أم حبيبة فثنت عنه فراش النبي ﷺ فقال والله ما أدري أرغبت بي عنه أو به عني؟ قالت بل هذا فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك. فقال والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر وقال ابن حزم هذا الحديث وضعه عكرمة بن عمار وهذا القول منه لا يتابع عليه. وقال آخرون أراد أن يجدد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه. وقال بعضهم لأنه اعتقد انفساخ نكاح ابنته باسلامه. وهذه كلها ضعيفة والأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته الأخرى عمرة لما رأى في ذلك من الشرف له واستعان بأختها أم حبيبة كما في الصحيحين وانما وهم الراوي في تسميته أم حبيبة وقد أوردنا لذلك خبرا مفردا. قال أبو عبيد القاسم بن سلام توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين وقال أبو بكر بن أبي خيثمة توفيت قبل معاوية لسنة وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين.
следующие страницы →