ولد عبد الله بن أنيس - أو قال عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس - عن عبد الله بن أنيس فذكر نحوه. وهكذا رواه أبو داود: عن أبي معمر، عن عبد الوارث عن محمد بن إسحاق: عن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن أنيس عن أبيه فذكر نحوه ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس عن أبيه فذكره. وقد ذكر قصة عروة بن الزبير وموسى بن عقبة في مغازيهما مرسلة فالله أعلم. قال ابن هشام وقال عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان:
تركت ابن ثور كالحوار وحوله … نوائح تفري كل جيب معدد (١)
تناولته والظعن خلفي وخلفه … بأبيض من ماء الحديد المهند
عجوم لهام الدارعين كأنه … شهاب غضى من ملهب متوقد
أقول له والسيف يعجم رأسه … أنا ابن أنيس فارس غير قعدد (٢)
انا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره … رحيب فناء الدار غير مزند (٣)
وقلت له: خذها بضربة ماجد … خفيف على دين النبي محمد
وكنت إذا هم النبي بكافر … سبقت إليه باللسان وباليد
قلت: عبد الله بن أنيس (٤) بن حرام: أبو يحيى الجهني صحابي مشهور كبير القدر، كان فيمن شهد العقبة وشهد أحدا والخندق وما بعد ذلك وتأخر موته بالشام إلى سنة ثمانين على المشهور وقيل توفي سنة أربع وخمسين والله أعلم. وقد فرق علي بن الزبير وخليفة بن خياط بينه وبين عبد الله بن أنيس أبي عيسى الأنصاري الذي روى عن النبي ﷺ أنه دعا أحد بأداوة فيها ماء فحل فمها وشرب منها. كما رواه أبو داود والترمذي من طريق عبد الله العمري عن عيسى بن عبد الله بن أنيس عن أبيه ثم قال الترمذي وليس إسناده يصح وعبد الله العمري ضعيف من قبل حفظه.
قصة عمرو بن العاص مع النجاشي
قال محمد بن إسحاق بعد مقتل أبي رافع: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أوس [أبي] (٥) الثقفي، عن حبيب بن [أبي] أوس، حدثني عمرو بن العاص من فيه
стр. 1402
قال: لما انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش، كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، وإني لقد رأيت أمرا فما ترون فيه. قالوا: وما رأيت قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي. فإنا إن نكن تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إن هذا الرأي. قلت: فاجمعوا لنا ما نهدي له، فكان أحب ما يهدي إليه من أرضنا الادم فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر (١) وأصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت رأيت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع. فقال: مرحبا بصديقي هل أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا. قال ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له: أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت الأرض لدخلت فيها فرقا. ثم قلت: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى فتقتله؟ قال: قلت أيها الملك أكذاك هو؟ قال ويحك يا عمرو، أطعني وأتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده، قال: قلت: أفتبايعني له على الاسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعته على الاسلام، ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامي. ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ لأسلم فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين أبا سليمان؟ فقال والله لقد استقام الميسم (٢) وان الرجل لنبي، أذهب والله أسلم، فحتى متى؟ قال: قلت: والله ما جئت إلا لأسلم. قال: فقدمنا المدينة على النبي ﷺ فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر. قال: فقال رسول الله ﷺ : يا عمرو بايع فإن الاسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها. قال: فبايعته ثم انصرفت. قال ابن إسحاق وقد حدثني من لا أتهم:
стр. 1403
أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما، فقال عبد الله بن أبي الزبعري السهمي:
أنشد عثمان بن طلحة خلفنا … وملقى نعال القوم عند المقبل (١)
وما عقد الآباء من كل حلفة … وما خالد من مثلها بمحلل
أمفتاح بيت غير بيتك تبتغي … وما تبتغي من بيت مجد مؤثل
فلا تأمنن خالدا بعد هذه … وعثمان جاءا بالدهيم المعضل
قلت: كان إسلامهم بعد الحديبية (٢)، وذلك أن خالد بن الوليد كان يومئذ في خيل المشركين كما سيأتي بيانه فكان ذكر هذا الفصل في إسلامهم بعد ذلك أنسب. ولكن ذكرنا ذلك تبعا للإمام محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى لان أول ذهاب عمرو بن العاص إلى النجاشي كان بعد وقعة الخندق الظاهر أنه ذهب بقية سنة خمس. والله أعلم.
فصل في تزويج النبي ﷺ بأم حبيبة
ذكر البيهقي بعد وقعة الخندق من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) [الممتحنة: ٧] قال هو تزويج النبي ﷺ بأم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين (٣). ثم قال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ [قال: حدثنا علي بن عيسى، قال] (٤) حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، أنبأنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري عن عروة، عن أم حبيبة (٥) انها كانت عند عبيد الله (٦) بن جحش وكان رحل إلى النجاشي فمات. وأن رسول الله ﷺ تزوج بأم حبيبة وهي بأرض الحبشة وزوجها إياه النجاشي ومهرها أربعة آلاف
стр. 1404
درهم (١) وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهزها من عنده وما بعث رسول الله ﷺ بشئ. قال وكان مهور أزواج النبي ﷺ أربعمائة. قلت: والصحيح أن مهور أزواج النبي ﷺ كانت ثنتي عشرة أوقية ونشأ، والوقية أربعون درهما والنش النصف وذلك يعدل خمسمائة درهم. ثم روى البيهقي: من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة أن عبيد الله بن جحش مات بالحبشة نصرانيا فخلف على زوجته أم حبيبة رسول الله ﷺ زوجها منه عثمان بن عفان ﵁.
قلت أما تنصر عبيد الله بن جحش فقد تقدم بيانه، وذلك على أثر ما هاجر مع المسلمين إلى أرض الحبشة استزله الشيطان، فزين له دين النصارى، فصار إليه حتى مات عليه، لعنة الله، وكان يعير المسلمين فيقول لهم أبصرنا وصأصأتم وقد تقدم شرح ذلك في هجرة الحبشة. وأما قول عروة: إن عثمان زوجها منه فغريب. لان عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية كما تقدم والله أعلم. والصحيح ما ذكره يونس، عن محمد بن إسحاق قال: بلغني أن الذي ولى نكاحها ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص. قلت وكان وكيل رسول الله ﷺ في قبول العقد أصحمة النجاشي ملك الحبشة كما قال يونس عن محمد بن إسحاق حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وساق عنه أربعمائة دينار.
وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الحسن عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن زهير، عن إسماعيل بن عمرو أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي، جارية يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فاستأذنت علي فأذنت لها فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أن أزوجكه، فقلت بشرك الله بالخير وقالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك. قالت: فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته، وأعطيت أبرهة سوارين من فضة وخذمتين من فضة، كانتا علي وخواتيم من فضة، في كل أصابع رجلي سرورا بما بشرتني به. فلما أن كان من العشي، أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب، ومن كان هناك من المسلمين أن يحضروا، وخطب النجاشي وقال: الحمد لله الملك القدوس المؤمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم. أما بعد فإن رسول الله ﷺ طلب أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وقد أصدقها أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم. فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده واستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فبارك الله لرسول الله ﷺ
стр. 1405
ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا، فقال: اجلسوا فإن من سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا (١). قلت: فلعل عمرو بن العاص لما رأى عمرو بن أمية خارجا من عند النجاشي بعد الخندق إنما كان في قضية أم حبيبة فالله أعلم. لكن قال الحافظ البيهقي: ذكر أبو عبد الله بن منده أن تزويجه ﵇ بأم حبيبة كان في سنة ست وان تزويجه بأم سلمة كان في سنة ست وأربع. قلت وكذا قال خليفة وأبو عبيد الله معمر بن المثنى وابن البرقي وأن تزويج أم حبيبة كان في سنة ست وقال بعض الناس سنة سبع. قال البيهقي هو أشبه. قلت قد تقدم تزويجه ﵇ بأم سلمة في أواخر سنة أربع وأما أم حبيبة فيحتمل أن يكون قبل ذلك ويحتمل أن يكون بعده وكونه بعد الخندق أشبه لما تقدم من ذكر عمر بن العاص أنه رأى عمرو بن أمية عند النجاشي فهو في قضيتها والله أعلم. وقد حكى الحافظ ابن الأثير في الغابة: عن قتادة أن أم حبيبة لما هاجرت من الحبشة إلى المدينة خطبها رسول الله ﷺ وتزوجها. وحكى عن بعضهم أنه تزوجها بعد إسلام أبيها بعد الفتح واحتج هذا القائل بما رواه مسلم: من طريق عكرمة بن عمار اليماني، عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن. قال: نعم. قال: تؤمرني على أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: نعم. قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. الحديث بتمامه. قال ابن الأثير وهذا الحديث مما أنكر على مسلم، لان أبا سفيان لما جاء يجدد العقد (٢) قبل الفتح دخل على ابنته أم حبيبة فثنت عنه فراش النبي ﷺ فقال والله ما أدري أرغبت بي عنه أو به عني؟ قالت بل هذا فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك. فقال والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر وقال ابن حزم هذا الحديث وضعه عكرمة بن عمار وهذا القول منه لا يتابع عليه. وقال آخرون أراد أن يجدد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه. وقال بعضهم لأنه اعتقد انفساخ نكاح ابنته باسلامه. وهذه كلها ضعيفة والأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته الأخرى عمرة لما رأى في ذلك من الشرف له واستعان بأختها أم حبيبة كما في الصحيحين وانما وهم الراوي في تسميته أم حبيبة وقد أوردنا لذلك خبرا مفردا. قال أبو عبيد القاسم بن سلام توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين وقال أبو بكر بن أبي خيثمة توفيت قبل معاوية لسنة وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين.
стр. 1406
تزويجه بزينب بنت جحش
ابن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدية أم المؤمنين، وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة ﵁. قال قتادة والواقدي وبعض أهل المدينة تزوجها ﵇ سنة خمس، زاد بعضهم في ذي القعدة. قال الحافظ البيهقي تزوجها بعد بني قريظة وقال خليفة بن خياط وأبو عبيدة معمر بن المثنى وابن مندة تزوجها سنة ثلاث والأول أشهر وهو الذي سلكه ابن جرير وغير واحد من أهل التاريخ وقد ذكره غير واحد من المفسرين والفقهاء وأهل التاريخ في سبب تزويجه إياها ﵇ حديثا ذكره أحمد بن حنبل في مسنده تركنا إيراده قصدا لئلا يضعه من لا يفهم على غير موضعه. وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: (وإذا تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في زواج أدعيائهم إذا قضوا منها وطرا وكان أمر الله مفعولا) [الأحزاب: ٣٧]. (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا) [الأحزاب: ٣٨].
وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية، فالمراد بالذي أنعم الله عليه هاهنا زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ أنعم الله عليه بالاسلام وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق وزوجه بابنة عمه زينب بنت جحش. قال مقاتل بن حبان: وكان صداقه لها عشرة دنانير، وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وخمسين مدا وعشرة أمداد من تمر، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما فجاء زوجها يشكو إلى رسول الله ﷺ فكان ﷺ يقول له: اتق الله وأمسك عليك زوجك. قال الله (وتخفي نفسك ما الله مبديه) قال علي بن الحسين زيد العابدين والسدي: كان [رسول] الله قد علم أنها ستكون من أزواجه، فهو الذي كان في نفسه ﵇. وقد تكلم كثير من السلف هاهنا بآثار غريبة وبعضها فيه نظر تركناها. قال الله تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها)، ذلك أن زيدا طلقها فلما انقضت عدتها بعث إليها رسول الله ﷺ يخطبها إلى نفسها ثم تزوجها وكان الذي زوجها منه رب العالمين ﵎ كما ثبت في صحيح البخاري: عن أنس بن مالك أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات (١). وفي رواية من طريق عيسى بن طهمان عن أنس قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي ﷺ وتقول: أنكحني الله من السماء. وفيها أنزلت آية الحجاب (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين
стр. 1407
إناه) (١) الآية. وروى البيهقي من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: جاء زيد يشكو زينب فجعل رسول الله ﷺ يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: فلو كان رسول الله كاتما شيئا لكتم هذه، فكانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات (٢) ثم قال: رواه البخاري عن أحمد عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن حماد بن زيد، ثم روى البيهقي: من طريق عفان عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: جاء زيد يشكو إلى رسول الله ﷺ من زينب بنت جحش فقال النبي ﷺ : أمسك عليك أهلك فنزلت (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) ثم قال [أخرجه] البخاري: عن محمد بن عبد الرحيم عن يعلى بن منصور عن محمد مختصرا. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبي ﷺ إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد تعنى عبد المطلب فإنه أبو أبي النبي ﷺ وأبو أمها أميمة بنت عبد المطلب، وإني أنكحنيك الله من السماء وإن السفير جبريل ﵇. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم - يعني ابن القاسم - حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال النبي ﷺ لزيد اذهب فاذكرها علي فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها إن رسول الله ﷺ ذكر (٣) فوليتها ظهري ونكصت على عقبي. وقلت يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ بذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي ، ثم قامت إلى مسجدها، ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن قال أنس: ولقد رأيتنا حين دخل عليها رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام فخرج رسول الله ﷺ واتبعته فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته والقوم قد خرجوا أو أخبر. قال فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) الآية، وكذا رواه مسلم والنسائي من طريق سليمان بن المغيرة.
نزول الحجاب صبيحة عرس زينب
فناسب نزول الحجاب في هذا العرس صيانة لها، ولأخواتها من أمهات المؤمنين، وذلك
стр. 1408
وفق الرأي العمري. قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاش، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي حدثنا أبو مجلز، عن أنس بن مالك قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا وجلسوا يتحدثون فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام وقعد ثلاثة نفر وجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي) الآية، وقد رواه البخاري في مواضع اخر ومسلم والنسائي من طرق عن معتمر. ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس نحوه. وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: بني على النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم فأرسلت على الطعام داعيا فيجئ قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجئ قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه. قال: ارفعوا طعامكم، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، قالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ فتقرى حجر نسائه كلهن ويقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ فإذا رهط ثلاثة في البيت يتحدثون وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا فخرج حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب وأخرى خارجه أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب، تفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم رواه منفردا به أيضا: عن إسحاق هو ابن نصر، عن عبد الله بن بكير السهمي، عن حميد بن أنس بنحو ذلك، وقال " رجلان " بدل ثلاثة فالله أعلم.
قال البخاري: وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس فذكر نحوه. وقد قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان اليشكري، عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسا ثم حطته في ثور فقالت: اذهب إلى رسول الله ﷺ وأخبره إن هذا منا له قليل قال أنس والناس يومئذ في جهد فجئت به فقلت يا رسول بعثت بهذا أم سليم إليك وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا منا له قليل فنظر إليه ثم قال ضعه في ناحية البيت، ثم قال: اذهب فادع لي فلانا وفلانا فسمى رجالا كثيرا قال: ومن لقيت من المسلمين فدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين، فجئت والبيت والصفة والحجرة ملاء من الناس. فقلت يا أبا عثمان كم كانوا قال كانوا زهاء ثلاثمائة. قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ جئ فجئت به إليه فوضع يده عليه ودعا وقال ما شاء الله ثم قال ليتحلق عشرة عشرة ويسموا وليأكل كل انسان مما يليه فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم، فقال لي رسول الله ﷺ ارفعه قال: فجئت فأخذت الثور فنظرت فيه فلا أدري
стр. 1409
أهو حين وضعته أكثر أم حين رفعته؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ وزوج رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ وكان أشد الناس حياء ولو علموا كان ذلك عليهم عزيزا، فقام رسول الله ﷺ فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا انهم قد ثقلوا عليه ابتدروا الباب، فخرجوا وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا في الحجرة فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرا وأنزل الله القرآن فخرج وهو يقرأ هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين أناه ولكن إذا دعيتم فأدخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث أن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعد أبدا ان ذلكم كان عند الله عظيما. ان تبدوا شيئا أو تخفوه فان الله كان بكل شئ عليما) [الأحزاب: ٥٣ - ٥٤] قال أنس: فقرأهن علي قبل الناس، وأنا أحدث الناس بهن عهدا. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان به. وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر عن الجعد أبي عثمان به. وقد روى هذا الحديث البخاري والترمذي والنسائي من طرق: عن أبي بشر الأحمسي الكوفي عن أنس بنحوه. ورواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي نضرة العبدي، عن أنس بنحوه ولم يخرجوه. ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهري عن أنس نحو ذلك. قلت: كانت زينب بنت جحش ﵂ من المهاجرات الأول وكانت كثيرة الخير والصدقة وكان اسمها أولا بره فسماها النبي ﷺ زينب وكانت تكنى بأم الحكم. قالت عائشة ﵂: ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة. وثبت في الصحيحين كما سيأتي في حديث الإفك عن عائشة انها قالت: وسأل رسول الله ﷺ عني زينب بنت جحش وهي التي كانت تساميني من نساء النبي ﷺ فعصمها الله بالورع، فقالت: يا رسول الله احمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا. وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، حدثنا طلحة بن يحيى عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا قال: فكنا نتطاول أينا أطول يدا، فكانت زينب أطولنا يدا لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق. انفرد به مسلم. قال الواقدي وغيره من أهل السير والمغازي والتواريخ توفيت سنة عشرين من الهجرة وصلى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ودفنت بالبقيع، وهي أول امرأة صنع لها النعش.
стр. 1410
سنة ست من الهجرة
قال البيهقي (١): كان يقال في المحرم منها، سرية محمد بن مسلمة قبل نجد وأسروا فيها ثمامة بن أثال اليمامي قلت: لكن في سياق ابن إسحاق: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أنه شهد ذلك وهو إنما هاجر بعد خيبر فيؤخر إلى ما بعدها والله أعلم (٢). وهي السنة التي كان في أوائلها غزوة بني لحيان على الصحيح قال ابن إسحاق: وكان فتح بني قريظة في ذي القعدة وصدر من ذي الحجة وولى تلك الحجة المشركون يعني في سنة خمس كما تقدم. قال: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع وخرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم والمقصود أنه ﵇ لما انتهى إلى منازلهم هربوا من بين يديه فتحصنوا في رؤوس الجبال فمال إلى عسفان فلقي بها جمعا من المشركين وصلى بها صلاة الخوف. وقد تقدم ذكر هذه الغزوة في سنة أربع وهنالك ذكرها البيهقي والأشبه ما ذكره ابن إسحاق انها كانت بعد الخندق وقد ثبت أنه صلى بعسفان يوم بني لحيان فلتكتب هاهنا وتحول من هناك اتباعا لامام أصحاب المغازي في زمانه وبعده كما قال الشافعي ﵀: من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق. وقد قال كعب بن مالك في غزوة بني لحيان:
لو أن بني لحيان كانوا تناظروا … لقوا عصبا في دارهم ذات مصدق
لقوا سرعانا يملا السرب روعه … أما طحون كالمجرة فيلق (٣)
ولكنهم كانوا وبارا تتبعت … شعاب حجاز غير ذي متنفق (٤)
غزوة ذي قرد (٥)
قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلم يقم بها إلا ليالي قلائل (٦)، حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري (٧)، في خيل من غطفان على لقاح النبي ﷺ
стр. 1411
بالغابة وفيها رجل (١) من بني غفار ومعه امرأته فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومن لا اتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك - كل قد حدث في غزوة ذي قرد بعض الحديث - أنه كان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، غدا يريد الغابة متوحشا قوسه ونبله، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله، معه فرس له يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ: وا صباحاه! ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع، حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل ويقول:
خذها وأنا ابن الأكوع … اليوم يوم الرضع (٢)
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى، ثم قال: خذها وانا ابن الأكوع … اليوم يوم الرضع
قال فيقول قائلهم: أو يكعنا هو أول النهار. قال: وبلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع، فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيول إلى رسول الله ﷺ ، فكان أول من انتهى إليه من الفرسان: المقداد بن الأسود ثم عباد بن بشر (٣)، وسعد بن زيد، وأسيد بن ظهير - يشك فيه - وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة أخو بني أسد بن خزيمة وأبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة، وأبو عياش عبيد بن زيد بن صامت، أخو بني زريق قال: فلما اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ أمر عليهم سعد بن زيد ثم قال: أخرج في طلب القوم، حتى ألحقك في الناس، وقد قال النبي ﷺ لأبي عياش فيما بلغني عن رجال من بني زريق: يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم قال أبو عياش: فقلت يا رسول الله أنا أفرس الناس، ثم ضربت الفرس فوالله ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت من ذلك، فزعم رجال من زريق أن رسول الله ﷺ أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة، وكان ثامنا قال وبعض الناس يعد سلمة بن الأكوع ثامنا ويطرح أسيد بن ظهير.
стр. 1412
فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ولم يكن سلمة بن الأكوع يومئذ فارسا قد كان أول من لحق بالقوم على رجليه. قال: فخرج الفرسان حتى تلاحقوا فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة وكان يقال له الأخرم، ويقال له قمير (١) وكانت الفرس التي تحته لمحمود بن مسلمة، وكان يقال للفرس ذو اللمة فلما انتهى إلى العدو قال لهم: قفوا معشر بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار قال: فحمل عليه رجل (٢) منهم فقتله، وجال الفرس، فلم يقدر عليه حتى وقف على أريه (٣) من بني عبد الأشهل أي رجع إلى مربطه الذي كان فيه بالمدينة.
قال ابن إسحاق ولم يقتل يومئذ من المسلمين غيره. قال ابن هشام: وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه قد قتل معه أيضا وقاص بن مجزز المدلجي. قال ابن إسحاق وحدثني بعض من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن محرزا كان على فرس لعكاشة بن محصن يقال لها الجناح، فقتل محرز واستلب جناح فالله أعلم. قال ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة وغشاه برده ثم لحق بالناس. وأقبل رسول الله ﷺ في المسلمين. قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم (٤). فإذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة فقال رسول الله ﷺ : ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل لأبي قتادة ووضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه. قال: وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا (٥) وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد، فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح، قال: وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالجبل من ذي قرد، وتلاحق به الناس، فأقام عليه يوما وليلة. وقال له سلمة بن الأكوع: يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح، وأخذت بأعناق القوم فقال رسول الله ﷺ فيما بلغني: إنهم الآن ليغبقون في غطفان. فقسم رسول الله ﷺ في أصحابه في كل مائة (٦) رجل جزورا، وقاموا عليها ثم رجع قافلا حتى قدم المدينة. قال: وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة من إبل النبي ﷺ حتى قدمت عليه المدينة فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله إني قد نذرت الله أن أنحرها أن نجاني الله عليها، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال " بئسما جزيتيها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي فارجعي إلى أهلك على بركة الله ". قال ابن إسحاق: والحديث في ذلك عن أبي الزبير
стр. 1413
المكي عن الحسن البصري. هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة بما ذكر من الاسناد والسياق. وقد قال البخاري ﵀ بعد قصة الحديبية وقبل خيبر غزوة ذي قرد وهي الغزوة التي أغاروا على لقاح النبي ﷺ قبل خيبر بثلاث: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد، سمعت سلمة بن الأكوع يقول: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى (١) وكانت لقاح النبي ﷺ ترعى بذي قرد، قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أخذت لقاح النبي ﷺ فقلت من أخذها؟ قال غطفان قال: فصرخت ثلاث صرخات: وا صباحاه قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء فجعلت أرميهم بنبلي وكنت راميا وأقول: أنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع. وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة. قال: وجاء النبي ﷺ والناس فقالت: يا رسول الله قد حميت القوم الماء (٢) وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. فقال " يا بن الأكوع، ملكت فأسجح " ثم رجعنا وردفني رسول الله ﷺ على ناقته حتى قدمنا المدينة (٣). وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به ورواه البخاري عن أبي عاصم السهلي عن يزيد بن أبي عبيدة عن مولاة سلمة بنحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله ﷺ فخرجت أنا ورباح غلام النبي ﷺ بظهر رسول الله ﷺ وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله أريد أن أنديه (٤) مع الإبل فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله فقتل راعيها، وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت يا رباح اقعد على هذا الفرس فالحقه بطلحة وأخبر رسول ﷺ أنه قد أغير على سرحه. قال: وقمت على تل، فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه! قال: ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة، ثم رميت فلا يقبل إلي فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأنا أقول:
أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع
قال: فألحق برجل منهم فأرميه، وهو على راحلته فيقع سهمي في الرجل حتى أنتظم كتفه، فقلت:
خذها وانا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع
стр. 1414
فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل، فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة، فما زال ذاك شأني وشأنهم اتبعهم وأرتجز، حتى ما خلق الله شيئا من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري (١) فاستنقذته من أيديهم. ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة، يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله ﷺ حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم، وهم في ثنية ضيقة ثم علوت الجبل فأنا فوقهم. فقال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شئ بأيدينا وجعله وراء ظهره. فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم. فقام إلي (٢) نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل، فلما أسمعتهم الصوت قلت أتعرفونني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجل منهم: ان أظن. قال فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي، وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي، فولى المشركون مدبرين وأنزل من الجبل [فأعرض للأخرم] (٣) فأخذ عنان فرسه، فقلت: يا أخرم أئذن القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن من أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق، والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليت عنان فرسه، فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله، فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم. ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم، حتى ما أرى من غبار صحابة النبي ﷺ شيئا ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم، فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي بئر (٤) وغربت الشمس، وألحق رجلا فأرميه فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع. قال: فقال: يا ثكل أم أكوع بكرة (٥). فقلت نعم أي عدو نفسه. وكان الذي رميته بكرة وأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان ويخلفون فرسين، فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي أجليتهم عنه ذو قرد، وإذا بنبي الله ﷺ في خمسمائة وإذا بلال قد
стр. 1415
نحر جزورا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله خلني، فانتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فقال: أكنت فاعلا ذلك يا سلمة؟ قال: قلت: نعم والذي أكرمك. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في ضوء النار. ثم قال: إنهم يقرون الان بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابا، فلما أصبحنا، قال رسول الله ﷺ : خير فرساننا [اليوم] (١) أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة، فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الفارس والراجل جميعا، ثم أردفني وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة فلما كان بيننا وبينها قريب من ضحوة وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادي: هل من مسابق، ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارا وأنا وراء رسول الله ﷺ مردفي فقلت له: أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا إلا رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قلت: أذهب إليك فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة، ثم إني ربطت عليه شرفا أو شرفين يعني استبقيت من نفسي، ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي قلت سبقتك والله أو كلمة نحوها قال فضحك وقال: إن أظن. حتى قدمنا المدينة (٢). وهكذا رواه مسلم من طرق عن عكرمة بن عمار بنحوه وعنده فسبقته إلى المدينة فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر. ولأحمد هذا السياق. ذكر البخاري والبيهقي هذه الغزوة بعد الحديبية وقبل خيبر. وهو أشبه مما ذكره ابن إسحاق والله أعلم. فينبغي تأخيرها إلى أوائل سنة سبع من الهجرة فإن خيبر كانت في صفر منها.
وأما قصة المرأة التي نجت على ناقة النبي ﷺ ونذرت نحرها لنجاتها عليها فقد أوردها ابن إسحاق بروايته عن أبي الزبير عن الحسن البصري مرسلا. وقد جاء متصلا من وجوه أخر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: كانت العضباء لرجل من بني عقيل، وكانت من سوابق الحاج، [فأسر الرجل] (٣) فأخذت العضباء معه، قال فمر به رسول الله ﷺ وهو في وثاق ورسول الله ﷺ على حمار عليه قطيفة فقال: يا محمد علام تأخذوني وتأخذون سابقة الحاج (٤)؟ فقال رسول الله ﷺ نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف، قال: وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من
стр. 1416
أصحاب النبي ﷺ . وقال: فيما قال [إني] (١) مسلم فقال رسول الله ﷺ لو قتلتها وأنت تملك أمرك (٢) أفلحت كل الفلاح، قال: ومضى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إني جائع فأطعمني وإني ظمآن فاسقني فقال رسول الله ﷺ : هذه حاجتك، ثم فدي بالرجلين، وحبس رسول الله ﷺ العضباء لرحله. قال: ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة، فذهبوا به وكانت العضباء فيه وأسروا امرأة من المسلمين. قال: وكانوا إذا نزلوا أراحوا إبله بأفنيتهم قال: فقامت المرأة ذات ليلة بعد ما نوموا فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء، فأتت على ناقة ذلول مجرسة فركبتها، ثم وجهتها قبل المدينة قال: ونذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فقيل ناقة رسول الله ﷺ قال: وأخبر رسول الله ﷺ بنذرها أو أتته فأخبرته فقال بئس ما جزيتيها أو بئس ما جزتها أن أنجاها الله عليها لتنحرنها. قال: ثم قال رسول الله ﷺ : لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم. ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد (٣).
قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الاشعار في غزوة ذي قرد قول حسان بن ثابت ﵁:
لولا الذي لاقت ومس نسورها … بجنوب ساية أمس في التقواد (٤)
للقبنكم يحملن كل مدجج … حامي الحقيقة ماجد الأجداد
ولسر أولاد اللقيطة أننا … سلم غداة فوارس المقداد
كنا ثمانية وكانوا جحفلا … لجبا فشكوا بالرماح بداد
كنا من القوم الذين يلونهم … ويقدمون عنان كل جواد
كلا ورب الراقصات إلى منى … يقطعن عرض مخارم الأطواد (٥)
حتى نبيل الخيل في عرصاتكم … ونئوب بالملكات والأولاد
رهوا بكل مقلص وطمرة … في كل معترك عطفن وواد
أفنى دوابرها ولاح متونها … يوم تقاد به ويوم طراد
فكذاك إن جيادنا ملبونة … والحرب مشعلة بريح غواد
стр. 1417
وسيوفنا بيض الحدائد تجتلى … جنن الحديد وهامة المرتاد (١)
أخذ الاله عليهم لحرامه … ولعزة الرحمن بالاسداد
كانوا بدار ناعمين فبدلوا … أيام ذي قرد وجوه عناد (٢)
قال ابن إسحاق: فغضب سعد بن زيد أمير سرية الفوارس المتقدمين أمام رسول الله ﷺ على حسان وحلف لا يكلمه أبدا وقال: انطلق إلى خيلي وفوارسي فجعلها للمقداد. فاعتذر إليه حسان بأنه وافق الروي اسم المقداد، ثم قال أبياتا يمدح بها سعد بن زيد:
إذا أردتم الأشد الجلدا … أو ذا غناء فعليكم سعدا
سعد بن زيد لا يهد هدا
قال فلم تقع منه بموقع. وقال حسان بن ثابت في يوم ذي قرد:
أظن عيينة إذ زارها … بأن سوف يهدم فيها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقته … وقلتم سنغنم أمرا كبيرا
فعفت المدينة إذ زرتها … وآنست للأسد فيها زئيرا
وولوا سراعا كشد النعام … ولم يكشفوا عن ملط حصيرا (٣)
أمير علينا رسول المليك … أحبب بذاك إلينا أميرا
رسول يصدق ما جاءه … ويتلو كتابا مضيئا منيرا
وقال كعب بن مالك في يوم ذي قرد يمدح الفرسان يومئذ من المسلمين:
أيحسب أولاد اللقيطة أننا … على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس
وإنا أناس لا نرى القتل سبة … ولا ننثني عند الرماح المداعس
وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى … ونضرب رأس الأبلج المتشاوس (٤)
نرد كماة المعلمين إذا انتحوا … بضرب يسلي نخوة المتقاعس
بكل فتى حامي الحقيقة ماجد … كريم كسرحان العضاة مخالس
يذودون عن أحسابهم وبلادهم … ببيض تقد الهام تحت القوانس
فسائل بني بدر إذا ما لقيتهم … بما فعل الاخوان يوم التمارس
إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم … ولا تكتموا أخباركم في المجالس
وقولوا زللنا عن مخالب خادر … به وحر في الصدر ما لم يمارس
стр. 1418
غزوة بني المصطلق من خزاعة
قال البخاري وهي غزوة المريسيع (١). قال محمد بن إسحاق: وذلك سنة ست. وقال موسى بن عقبة سنة أربع. وقال النعمان بن راشد عن الزهري كان حديث الإفك في غزوة المريسيع هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها كانت في سنة أربع. والذي حكاه عنه وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس. وقال الواقدي كانت لليلتين من شعبان سنة خمس في سبعمائة من أصحابه (٢). وقال محمد بن إسحاق بن يسار بعدما أورد قصة ذي قرد: فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجب، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ويقال نميلة بن عبد الله الليثي. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث، التي تزوجها رسول الله ﷺ بعد هذا، فلما سمع بهم خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحم الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونقل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه (٣). وقال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ لليلتين مضتا من شعبان سنة خمس من الهجرة في سبعمائة من أصحابه إلى بني المصطلق وكانوا حلفاء بني مدلج فلما انتهى إليهم دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق ويقال إلى عمار بن ياسر وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب: فنادى في الناس: أن قولوا لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله ﷺ المسلمين فحملوا
стр. 1419
حملة رجل واحد فما أفلت منهم رجل واحد، وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد (١). وثبت في الصحيحين: من حديث عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فقال: قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارون في أنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، فأصاب يومئذ - أحسبه قال - جويرية بنت الحارث. وأخبرني عبد الله بن عمر بذلك، وكان بذلك الجيش (٢). قال ابن إسحاق وقد أصيب رجل من المسلمين يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الأنصار وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ.
وذكر ابن إسحاق: أن أخاه مقيس بن صبابة قدم من مكة مظهرا للاسلام، فطلب دية أخيه هشام من رسول الله ﷺ لأنه قتل خطأ فأعطاه ديته ثم مكث يسيرا ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع مرتدا إلى مكة وقال في ذلك:
شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا … يضرج ثوبيه دماء الأخادع (٣)
وكانت هموم النفس من قبل قتله … تلم فتحميني وطاء المضاجع
حللت به وتري وأدركت ثؤرتي … وكنت إلى الأوثان أول راجع
ثأرت به فهرا وحملت عقله … سراة بني النجار أرباب فارع (٤)
قلت: ولهذا كان مقيس هذا من الأربعة الذين أهدر رسول الله ﷺ يوم الفتح دماءهم وإن وجدوا معلقين بأستار الكعبة. قال ابن إسحاق: فبينا الناس (٥) على ذلك الماء، وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار، يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر (٦) الجهني، حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم: زيد بن أرقم، غلام حدث، فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول " سمن كلبك
стр. 1420
يأكلك " أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله ﷺ : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه! لا ولكن آذن بالرحيل. وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس. وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ حين بلغه أن زيد بن أرقم بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلمت به وكان في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا على ابن أبي ودفعا عنه. فلما استقل رسول الله ﷺ وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، وقال: يا رسول الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها. فقال له رسول الله ﷺ : أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال: أي صاحب يا رسول الله؟ قال عبد الله بن أبي. قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل، قال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال: يا رسول الله ارفق، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا. ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل الناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي. ثم راح رسول الله ﷺ بالناس، وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع، يقال له بقعاء. فلما راح رسول الله ﷺ هبت على الناس ريح شديدة فآذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ : لا تخوفوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار. فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان عظيما من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم (١) وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي. وروى مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين: قال هبت ريح شديدة والنبي ﷺ في بعض أسفاره فقال هذه لموت منافق، فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. قال ابن إسحاق: ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ومن كان على مثل أمره، فأخذ رسول الله ﷺ بإذن زيد بن أرقم وقال هذا الذي أوفى لله باذنه. قلت: وقد تكلمنا على تفسيرها بتمامها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا وسردنا طرق هذا
стр. 1421
الحديث عن زيد بن أرقم ولله الحمد والمنة، فمن أراد الوقوف عليه أو أحب أن يكتبه هاهنا فليطلبه من هناك وبالله التوفيق. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمر لي به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل [رجلا] (١) مؤمنا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا. وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي، لا رعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري. وقد ذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما: أن ابنه عبد الله ﵁ وقف لأبيه عبد الله بن أبي بن سلول، عند مضيق المدينة فقال: قف فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله ﷺ في ذلك فلما جاء رسول الله ﷺ استأذنه في ذلك، فأذن له فأرسله حتى دخل المدينة. قال ابن إسحاق: وأصيب يومئذ من بني المصطلق ناس (٢) وقتل علي بن أبي طالب منهم رجلين مالكا وابنه. قال ابن هشام وكان شعار المسلمين: يا منصور أمت أمت.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ أصاب منهم سبيا كثيرا فقسمهم في المسلمين. وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، أخبرني إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز أنه قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست إليه فسألته عن العزل فقال أبو سعيد خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب فاشتهينا النساء وأشدت علينا العزوبة وأحببنا العزل وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا كائنة. وهكذا رواه (٣). قال ابن إسحاق: وان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار. فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن
стр. 1422
عروة عن عائشة قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ لتستعينه في كتابتها قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله قال: أقضي عنك كتابك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت. قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها (١). ثم ذكر ابن إسحاق قصة الإفك بتمامها في هذه الغزوة وكذلك البخاري وغير واحد من أهل العلم وقد حررت طرق ذلك كله في تفسير سورة النور فليلحق بكماله إلى هاهنا وبالله المستعان.
وقال الواقدي: حدثنا حرام، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت جويرية بنت الحارث رأيت قبل قدوم النبي ﷺ بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر به أحدا من الناس، حتى قدم رسول الله ﷺ فلما سبينا رجوت الرؤيا قالت: فأعتقني رسول الله ﷺ وتزوجني والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر فحمدت الله تعالى. قال الواقدي: ويقال إن رسول الله ﷺ جعل صداقها عتق أربعين من بني المصطلق (٢). وذكر موسى بن عقبة عن بني المصطلق أن أباها طلبها وافتداها ثم خطبها منه رسول الله ﷺ فزوجه إياها (٣).
قصة الإفك
وهذا سياق محمد بن إسحاق حديث الإفك: قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن علقمة بن وقاص وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبد الله بن عبيد الله (٤) بن عتبة قال
стр. 1423
الزهري: وكل قد حدثني بهذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من بعض وقد جمعت كل الذي حدثني القوم. قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة عن نفسها حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا، يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها بما سمع قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كان غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن معه فخرج بي رسول الله ﷺ . قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن العلق (١) لم يهجهن اللحم فيثقلن، وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين كانوا يرحلون لي فيحملونني، ويأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك، وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل، ثم أذن مؤذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي، وفي عنقي عقد لي فيه جزع (٢) ظفار، فلما فرغ انسل من عنقي ولا أدري، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت التمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي، الذين كانوا يرحلون لي البعير وقد كانوا فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه، كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير، ولم يشكوا أني فيه ثم أخذوا برأس البعير، فانطلقوا به فرجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب، قد انطلق الناس. قالت فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أن لو افتقدت لرجع الناس إلي. قالت: فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان (٣) بن المعطل السلمي وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته فلم يبت مع الناس فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ظعينة رسول الله ﷺ ؟ وأنا متلففة في ثيابي. قال ما خلفك يرحمك الله؟ قالت فما كلمته. ثم قرب إلي البعير فقال: اركبي واستأخر عني. قالت فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا وارتج العسكر
стр. 1424
ووالله ما أعلم بشئ من ذلك، ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة لا يبلغني من ذلك شئ. وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبو ي، لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا، إلا أني قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بي، كنت إذا اشتكيت رحمني، ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي في شكواي ذلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وجدت في نفسي، فقلت: يا رسول الله حين رأيت ما رأيت من جفائه لي: لو أذنت لي، فانتقلت إلى أمي فمرضتني؟ قال: لا عليك. قالت: فانقلبت إلى أمي، ولا علم لي بشئ، مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف (١) التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنما كنا نخرج في فسح المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي رهم بن المطلب، قالت: فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح (ومسطح لقب واسمه عوف) قالت: فقلت بئس لعمرو الله ما قلت لرجل من المهاجرين وقد شهد بدرا، قالت: أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت وما الخبر فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك. قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان. قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت، فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي، قالت: وقلت لأمي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به، ولا تذكرين لي من ذلك شيئا. قالت: أي بنية خففي عليك الشأن، فوالله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها. قالت وقد قام رسول الله ﷺ [في الناس] (٢) فخطبهم ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي، قالت: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله ﷺ ولم تكن امرأة من نسائه تناصيني في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لأختها فشقيت بذلك، فلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة، فقال أسيد بن حضير: يا رسول إن يكونوا من الأوس نكفيكهم وإن يكونوا من إخواننا من
стр. 1425
الخزرج فمرنا أمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم، قالت: فقام سعد بن عبادة (١) وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال: كذبت لعمر الله ما تضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت إنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: وتساور (٢) الناس، حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر، ونزل رسول الله ﷺ فدخل علي فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشار هما. فأما أسامة فأثنى خيرا وقاله، ثم قال: يا رسول الله أهلك وما نعلم منهم إلا خيرا وهذا الكذب والباطل. وأما علي، فإنه قال: يا رسول الله إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة يسألها قالت: فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا ويقول: أصدقي رسول الله ﷺ . قالت فتقول والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فأمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله. قالت: ثم دخل علي رسول الله ﷺ وعندي أبو اي وعندي امرأة من الأنصار، وأنا أبكي وهي تبكي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله، وإن كنت قد فارقت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة من عباده. قالت: فوالله إن هو إلا أن قال لي ذلك فقلص دمعي، حتى ما أحس منه شيئا. وانتظرت أبو ي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله فلم يتكلما. قالت: وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي، وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به ويصلى به، ولكني كنت أرجو أن يرى النبي ﷺ في نومه شيئا يكذب الله به عني لما يعلم من براءتي ويخبر خبرا وأما قرآنا ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك. قالت: فلما لم أر أبو ي يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله ﷺ ؟ فقالا: والله ما ندري بما نجيبه. قالت: ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام. قالت: فلما استعجما علي استعبرت فبكيت، ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله إني لاعلم لئن أقررت بما يقول الناس، والله يعلم أني منه بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره. فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف [فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون] قالت فوالله ما برح رسول الله ﷺ مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجي بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت وما باليت قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس. قالت ثم سري عن رسول الله ﷺ فجلس، وأنه ليتحدر من وجهه مثل الجمان في يوم
стр. 1426
شات، فجعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: أبشري يا عائشة قد أنزل الله براءتك. قالت: قلت الحمد لله. ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله من القرآن في ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم.
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (١) عن الزهري. وهذا السياق فيه فوائد جمة. وذكر حد القذف لحسان ومن معه رواه أبو داود في سننه. قال ابن إسحاق وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه:
لقد ذاق حسان الذي كان أهله … وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم … وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا … مخازي تبقى عمموها وفضحوا
وصبت عليهم محصدات كأنها … شآبيب قطر في ذرا المزن تسفح (٢)
وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان بن ثابت قال شعرا يهجو فيه صفوان بن المعطل وجماعة من قريش ممن تخاصم على الماء من أصحاب جهجهاه كما تقدم أوله هي:
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا … وابن الفريعة أمسى بيضة البلد (٣)
قد ثكلت أمه من كنت صاحبه … أو كان منتشبا في برثن الأسد
ما لقتيلي الذي أغدو فآخذه … من دية فيه يعطاها ولا قود
ما البحر حين تهب الريح شامية … فيغطئل ويرمى العبر بالزبد (٤)
يوما بأغلب مني حين تبصرني … ملغيظ أفري كفري العارض البرد
أما قريش فإني لا أسالمها … حتى ينيبوا من الغيات للرشد
ويتركوا اللات والعزى بمعزلة … ويسجدوا كلهم للواحد الصمد
ويشهدوا أن ما قال الرسول لهم … حق فيوفوا بحق الله والوكد (٥)
قال: فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف وهو يقول:
стр. 1427
تلق ذباب السيف عني فإنني … غلام إذا هوجيت لست شاعر
وذكر أن ثابت بن قيس بن شماس، أخذ صفوان حين ضرب حسان فشده وثاقا، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ فقال: ضرب حسان بالسيف. فقال عبد الله هل علم رسول الله ﷺ بشئ من ذلك؟ قال: لا. فأطلقه ثم أتوا كلهم رسول الله ﷺ فقال ابن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله ﷺ : يا حسان أتشوهت (١) على قومي إذ هداهم الله. ثم قال: أحسن يا حسان فيما أصابك. فقال: هي لك يا رسول الله. فعوضه منها بيرحاء التي تصدق بها أبو طلحة وجارية قبطية، يقال لها: سيرين جاءه منها ابنه عبد الرحمن. قال: وكانت عائشة تقول سئل عن ابن المعطل فوجد رجلا حصورا ما يأتي النساء. ثم قتل بعد ذلك شهيدا (٢) ﵁. قال ابن إسحاق: ثم قال حسان بن ثابت يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة:
حصان رزان ما تزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (٣)
عقيلة حي من لؤي بن غالب … كرام المساعي مجدهم غير زائل
وان الذي قد قيل ليس بلائط … بك الدهر بل قيل امرئ بي ماحل (٤)
فان كنت قد قلت الذي قد زعمتم … فلا رفعت سوطي إلي أناملي
فكيف وودى ما حييت ونصرتي … لآل رسول الله زين المحافل
وان لهم عزا ترى الناس دونه … قصارا وطال العز كل التطاول (٥)
ولتكتب هاهنا الآيات من سورة النور وهي من قوله تعالى (ان الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم - إلى - مغفرة ورزق كريم) [النور: ١١ - ٢٦] وما أوردناه هنالك من الأحاديث والطرق والآثار عن السلف والخلف وبالله التوفيق.
стр. 1428
غزوة الحديبية (١)
وقد كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف. وممن نص على ذلك الزهري ونافع مولى ابن عمر، وقتادة وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم. وهو الذي رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة أنها كانت في ذي القعدة سنة ست. وقال يعقوب بن سفيان حدثنا إسماعيل بن الخليل، عن علي بن مسهر أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. وهذا غريب جدا عن عروة. وقد روى البخاري ومسلم جميعا: عن هدبة عن همام عن قتادة أن أنس بن مالك أخبره: أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر [كلهن] في ذي القعدة إلا العمرة التي مع حجته. عمرة من الحديبية في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة ومن الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته. وهذا لفظ البخاري (٢). وقال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة رمضان وشوال وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي (٣). قال ابن إسحاق: واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الاعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الاعراب، وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة. رجل، وكان كل بدنة عن عشرة نفر. وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني، يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. قال الزهري: وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر (٤) بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل (٥) قد لبسوا جنود النمور وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا،
стр. 1429
وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم (١) قال: فقال رسول الله ﷺ يا ويح قريش! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة، ثم قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين فأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ [للناس] (٢): قولوا نستغفر الله ونتوب إليه، فقالوا ذلك! فقال: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها. قال ابن شهاب. فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض، في طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش. وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلات فقال: ما خلات وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطه يسألوني فيها صلة الرحم ألا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا. قيل له يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه. فأخرج سهما من كنانته، فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه. فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم: أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب سائق بدن رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: وقد زعم بعض أهل العلم: أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهم رسول الله ﷺ فالله أعلم أي ذلك كان. ثم استدل ابن إسحاق للأول أن جارية من الأنصار جاءت البئر وناجية أسفله يميح فقالت:
يا أيها المائح دلوي دونكا … إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا
فأجابها فقال:
قد علمت جارية يمانية … أني أنا المائح واسمي ناجية
وطعنة ذات رشاش واهية … طعنتها عند صدور العادية
قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بديل بن ورقاء، في رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا
стр. 1430
للبيت، ومعظما لحرمته. ثم قال لهم نحو ما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرا لهذا البيت. فاتهموهم وجبهوهم، وقالوا: وإن جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها علينا عنوة ولا تحدث بذلك عنا العرب. قال الزهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة. قال: ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا قال: هذا رجل غادر، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه، قال له رسول الله ﷺ نحوا مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إليه قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ ثم بعثوا بحليس بن علقمة أو ابن زبان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه. فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن الحليس غضب عند ذلك وقال يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاهدناكم، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده، لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. قالوا: مه كف عنا نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال: وأبو بكر الصديق ﵁ خلف رسول الله ﷺ امصص بظر اللات، أنحن ننكشف عنه؟ قال من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبي قحافة. قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بهذه قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذ يتناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك، قال: فيقول عروة ويحك، ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: أي غدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس. قال الزهري: فكلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره انه لم يأت يريد
стр. 1431
حربا، فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه. لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وإني والله ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في إصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا فروا رأيكم. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله (١)، فمنعه الأحابيش، فخلوا سبيله، حتى أتى رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا اتهم عن عكرمة عن ابن عباس: أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين أمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ، ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا فأتي بهم رسول الله ﷺ ، فعفا عنهم، وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين بلغ رسالة رسول الله ﷺ ، إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال: ما كنت لافعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ . واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم. ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، وكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر فبايع رسول الله ﷺ الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. وكان جابر بن عبد الله يقول والله لكأني أنظر إليه لاصقا بأبط ناقته قد ضبأ إليها، يستر من الناس. ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل. قال ابن هشام: وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي: أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي (٢). قال ابن هشام: وحدثني من
стр. 1432
أثق بن عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ بايع لعثمان فضرب بإحدى يديه على الأخرى. وهذا الحديث الذي ذكره ابن هشام بهذا الاسناد ضعيف لكنه ثابت في الصحيحين. قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله ﷺ وقالوا: آت محمدا وصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى سهيل إلى رسول الله ﷺ تكلم فأطال الكلام، وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح. فلما التأم الامر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله ﷺ ؟ قال: بلى. قال أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى قال أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله: ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى قال أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني. وكان عمر ﵁ يقول ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا. قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال أكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال: فقال سهيل لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم، قال: فقال رسول الله ﷺ اكتب باسمك اللهم فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. قال فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك. ولكن أكتب أسمك واسم أبيك. قال فقال رسول الله: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة مكفوفة، وإنه لا إسلال ولا إغلال، وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وإنك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في
стр. 1433
القرب لا تدخلها بغيرها. قال: فبينا رسول الله ﷺ يكتب (١) الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله ﷺ ، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله ﷺ في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت فجعل ينتره بتلبيبه ويجره يعني يرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني! فزاد ذلك الناس إلى ما بهم. فقال رسول الله ﷺ " يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين. القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم " قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدني قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه. قال فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية. فلما فرغ رسول الله ﷺ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك وعلي بن أبي طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة (٢).
وكان رسول الله ﷺ مضطربا في الحل (٣) وكان يصلي في الحرم، فلما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وكان الذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي، فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ " يرحم الله المحلقين " قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: " يرحم الله المحلقين " قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: " يرحم الله المحلقين " قالوا والمقصرين يا رسول الله! قال " والمقصرين " قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لم يشكوا. وقال عبد الله بن أبي نجيح: حدثني مجاهد عن ابن عباس أن
стр. 1434
رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين.
هذا سياق محمد بن إسحاق ﵀ لهذه القصة، وفي سياق البخاري كما سيأتي مخالفة في بعض الأماكن لهذا السياق كما ستراها إن شاء الله وبه الثقة. ولنوردها بتمامها ونذكر في الأحاديث الصحاح والحسان ما فيه … إن شاء الله تعالى وعليه التكلان وهو المستعان.
قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله عن زيد بن خالد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. فقال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بي (١). وهكذا رواه في غير موضع من صحيحه، ومسلم من طرق عن الزهري، وقد روي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة.
وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: تعدون الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم أنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. انفرد به البخاري.
وقال ابن إسحاق في قوله تعالى (فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) [الفتح: ٢٧]: صلح الحديبية. قال الزهري: فما فتح في الاسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد في الاسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الاسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على ما قاله الزهري: أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة رجل في قول جابر، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف.
وقال البخاري: حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا ابن فضيل، حدثنا حصين، عن سالم، عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل
стр. 1435
الناس نحوه فقال رسول الله ﷺ : ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا ما نشرب إلا ما في ركوتك. فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال: فشربنا وتوضأنا. فقلنا لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (١). وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر به.
وقال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة. فقال لي سعيد: حدثني جابر: كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي ﷺ يوم الحديبية (٢). تابعه أبو داود حدثنا قرة عن قتادة. تفرد به البخاري.
ثم قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو سمعت جابرا قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية " أنتم خير أهل الأرض " وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة (٣). وقد روى البخاري أيضا ومسلم من طرق عن سفيان بن عيينة به. وهكذا رواه الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال: إن عبد الحاطب جاء يشكوه فقال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ " كذبت لا يدخلها، شهد بدرا والحديبية " رواه مسلم (٤). وعند مسلم أيضا من طرق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر (٥) أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة " لا يدخل أحد النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها " فقالت حفصة: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقال حفصة (وان منكم إلا واردها) [مريم: ٧١] فقال رسول الله ﷺ قد قال تعالى (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) (٦) قال البخاري: وقال عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، حدثني عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين (٧). تابعه محمد بن بشار حدثنا أبو داود حدثنا
стр. 1436
شعبة. هكذا رواه البخاري معلقا عن عبد الله. وقد رواه مسلم عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به. وعن محمد بن المثنى عن أبي داود عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل كلاهما عن شعبة به.
ثم قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعر وأحرم منها (١). تفرد به البخاري وسيأتي هذا السياق بتمامه والمقصود أن هذه الروايات كلها مخالفة لما ذهب إليه ابن إسحاق من أن أصحاب الحديبية كانوا سبع مائة، وهو والله أعلم إنما قال ذلك تفقها من تلقاء نفسه من حيث أن البدن كن سبعين بدنة وكل منها عن عشرة على اختياره، فيكون المهلون سبع مائة، ولا يلزم أن يهدي كلهم، ولا أن يحرم كلهم أيضا، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ بعث طائفة منهم فيهم: أبو قتادة ولم يحرم أبو قتادة حتى قتل ذلك الحمار الوحشي فأكل منه هو وأصحابه وحملوا منه إلى رسول الله ﷺ في أثناء الطريق فقال: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من الحمار. وقد قال البخاري: حدثنا شعبة بن الريع، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال: انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا شبابة بن سوار الفزاري، حدثنا شعبة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا طارق، عن سعيد بن المسيب عن أبيه: أنه كان فيمن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا. وقال البخاري أيضا حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، فقلت ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما كان من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. ثم قال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها، وعلمتموها أنتم! فأنتم أعلم؟ ورواه البخاري ومسلم من حديث الثوري وأبي عوانة وشبابة عن طارق (٢). وقال البخاري: حدثنا سعيد، حدثني أخي عن سليمان عن عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم قال: لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال ابن زيد:: على ما يبايع ابن حنظلة الناس قيل له على الموت، فقال: لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ ،
стр. 1437
وكان شهد معه الحديبية. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن عمرو بن يحيى به. وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شئ بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت (١). ورواه مسلم من حديث يزيد بن أبي عبيد. وفي صحيح مسلم: عن سلمة أنه بايع ثلاث مرات في أوائل الناس ووسطهم وأواخرهم. وفي الصحيح (٢) عن معقل بن يسار أنه كان آخذا بأغصان الشجرة عن وجه رسول الله ﷺ وهو يبايع الناس، وكان أول من بايع رسول الله ﷺ يومئذ أبو سنان وهو وهب بن محصن أخو عكاشة بن محصن وقيل سنان بن أبي سنان.
وقال البخاري: حدثني شجاع بن الوليد، سمع النضر بن محمد، حدثنا صخر بن الربيع، عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، فانطلق فذهب معه، حتى بايع رسول الله ﷺ ، وهي التي تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. وقال هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عمر بن محمد العمري: أخبرني نافع عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجرة، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ فوجدهم يبايعون فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع. تفرد به البخاري من هذين الوجهين.
سياق البخاري لعمرة الحديبية
قال في كتاب المغازي: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه، قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره (٣) وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة (٤)، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس علي أترون
стр. 1438
أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركنا لهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا نريد قتل أحد ولا حرب فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. قال امضوا على اسم الله. هكذا رواه هاهنا ووقف ولم يزد شيئا على هذا.
وقال في كتاب الشهادات (١): حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل (٢)، فألحت. فقالوا: خلات القصواء (٣) خلات القصواء، فقال رسول الله ﷺ : ما خلات القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه [الناس] (٤) تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال بجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة - فقال، إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وان هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (٥) ولينفذن أمر الله. قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال
стр. 1439
سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشئ. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألست بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لستم بالولد؟ قالوا بلى قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فان هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك. أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لأرى أشوابا (١) من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: أمصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ قال من ذا؟ قالوا أبو بكر. قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومع السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الاسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شئ ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم. فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة دعوني آتية. فقالوا ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له. فبعثت له واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعوني آتيه. قالوا ائته. فلما أشرف عليهم قال رسول الله ﷺ هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل ابن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال رسول الله ﷺ :
стр. 1440
لقد سهل لكم من أمركم. قال معمر قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل فقال هات فاكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن أكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله ﷺ والله إني لرسول الله وان كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها؟ فقال له النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. قال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب. فقال سهيل وعلي أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما. فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي ﷺ إنا لم نقض الكتاب بعد. قال فوالله إذا لم أصالحك على شئ أبدا. قال النبي ﷺ : فأجزه لي. قال ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله - فقال عمر ﵁ فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن. قال: إني رسول الله ﷺ ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل. قال: بلى. قال: قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن. قال: إيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصى ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام. فقلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد