← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

المدينة. أخبرني عمرو عن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج وهو محرم، قال أبو عبد الله قلت لعبد الرزاق: روى سفيان الحديثين جميعا عن عمرو، عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، وابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؟ قال: نعم، أما حديث ابن خثيم فحدثنا هاهنا - يعني باليمن - وأما حديث عمرو فحدثنا ثم - يعني بمكة - وأخرجاه في الصحيحين من حديث عمرو بن دينار به (١). وفي صحيح البخاري من طريق الأوزاعي أنبأنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. فقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها إلا بعد ما أحل (٢). وقال يونس عن ابن إسحاق حدثني بقية عن سعيد بن المسيب أنه قال: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم فذكر كلمته، إنما قدم رسول الله ﷺ مكة فكان الحل والنكاح جميعا فشبه ذلك على ابن عباس. وروى مسلم وأهل السنن: من طرق عن يزيد بن الأصم العامري عن خالته ميمونة بنت الحارث قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلال بسرف. لكن قال الترمذي: روى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلا أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة (٣). وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصفهاني الزاهد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، ثنا مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما. وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن حماد بن زيد به، ثم قال الترمذي حسن ولا نعلم أحدا أسنده عن حماد عن مطر ورواه مالك عن ربيعة عن سليمان مرسلا، ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا. قلت: وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين ويقال سنة ستين ﵂. ذكر خروجه ﷺ من مكة بعد قضاء عمرته قد تقدم ما ذكره موسى بن عقبة أن قريشا بعثوا إليه حويطب بن عبد العزى بعد مضي أربعة أيام (٤) ليرحل عنهم كما وقع به الشرط، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عرسه بميمونة عندهم وإنما

стр. 1507

أراد تأليفهم بذلك فأبوا عليه، وقالوا بل أخرج عنا، فخرج وكذلك ذكره ابن إسحاق وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن البراء قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله قال " أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله " ثم قال لعلي بن أبي طالب " أمح رسول الله " قال لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: لا يدخل مكة [السلاح] (١) إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا أراد أن يقيم بها، فلما دخل ومضى الاجل أتوا عليا، فقالوا: قل لصاحبك فليخرج (٢) عنا فقد مضى الاجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي، فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك، فحملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها. وقال " الخالة بمنزلة الام " وقال لعلي " أنت مني وأنا منك " وقال لجعفر " اشبهت خلقي وخلقي " وقال لزيد " أنت أخونا ومولانا " (٣) قال علي ألا تتزوج ابنة حمزة، قال " إنها ابنة أخي من الرضاعة ". تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة فقال: حدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عمارة ابنة حمزة بن عبد المطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدم رسول الله ﷺ كلم علي بن أبي طالب رسول الله ﷺ فقال: علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين، فلم ينه النبي ﷺ عن إخراجها، فخرج بها فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة، وكان النبي ﷺ قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال أنا أحق بها ابنة أخي، فلما سمع بذلك جعفر قال: الخالة والدة، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس وقال علي: ألا أراكم تختصمون هي ابنة عمي وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها سبب (٤) دوني، وأنا أحق بها منكم فقال النبي ﷺ " أنا أحكم بينكم، أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله، [وأما أنت يا علي فأخي

стр. 1508

وصاحبي] (١) وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أولى بها تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها " فقضى بها لجعفر. قال الواقدي: فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله ﷺ ، فقال " ما هذا يا جعفر؟ " فقال يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله، فقال للنبي ﷺ تزوجها فقال " ابنة أخي من الرضاعة " فزوجها رسول الله ﷺ سلمة بن أبي سلمة، فكان النبي ﷺ يقول " هل جزيت سلمة " (٢). قلت: لأنه ذكر الواقدي وغيره أنه هو الذي زوج رسول الله ﷺ بأمه أم سلمة، لأنه كان أكبر من أخيه عمر بن أبي سلمة والله أعلم. قال ابن إسحاق: ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة في ذي الحجة، وتولى المشركون تلك الحجة. قال ابن هشام: وأنزل الله في هذه العمرة فيما حدثني أبو عبيدة قوله تعالى (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) [يعني خيبر] (٣). فصل [سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم] (٤) ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم، ثم ساق بسنده عن الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري: قال: لما رجع رسول الله ﷺ من عمرة القضية رجع في ذي الحجة من سنة سبع، فبعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين فارسا فخرج العين إلى قومه فحذرهم وأخبرهم فجمعوا جمعا كثيرا وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون، فلما أن رأوهم أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا جمعهم دعوهم إلى الاسلام، فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه، فرموهم ساعة وجعلت الامداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل جانب، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من

стр. 1509

شهر صفر سنة ثمان (١). فصل: قال الواقدي في الحجة من هذه السنة - يعني سنة سبع - رد رسول الله ﷺ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع وقد قدمنا الكلام على ذلك، وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين وقد أسلمتا في الطريق، وغلام خصي. قال الواقدي: وفيها اتخذ رسول الله ﷺ منبره درجتين ومقعده، قال والثبت عندنا أنه عمل في سنة ثمان. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن بحولك وقوتك سنة ثمان من الهجرة النبوية إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة قد تقدم طرف من ذلك فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهودي وذلك في سنة خمس من الهجرة، وإنما ذكره الحافظ البيهقي ها هنا بعد عمرة القضاء فروى من طريق الواقدي: أنبأنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه [قال] قال عمرو بن العاص: كنت للاسلام مجانبا معاندا، حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت، قال: فقلت في نفسي كم أوضع (٢)؟ والله ليظهرن محمدا على قريش! فلحقت (٣) بمالي بالرهط وأقللت من الناس - أي من لقائهم - فلما حضر الحديبية وانصرف رسول الله ﷺ في الصلح، ورجعت قريش إلى مكة، جعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل ولا الطائف، ولا شئ خير من الخروج، وأنا بعد نائي عن الاسلام، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي وكانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا ومدرهنا (٤) في يمن نفسه (٥) وبركة أمر، قال: قلت: تعلمون أني والله لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا، قالوا: وما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون معه، فإن يظهر محمد كنا عند

стр. 1510

النجاشي، نكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا: هذا الرأي. قال: قلت: فاجمعوا ما نهديه له - وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الادم - فحملنا أدما كثيرا حتى قدمنا على النجاشي، فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله ﷺ قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان (١)، فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت قد أجزأت عنها حتى قتلت رسول محمد، فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا. ثم قدمته فأعجبه وفرق منه شيئا بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، وأمر أن يكتب ويحتفظ به، فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا، قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله، فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي، فجعلت أتلقى الدم بثيابي فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه، ثم قلت أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك، قال فاستحيا وقال: يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول [رسول الله] (٢) من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى. والذي كان يأتي عيسى لتقتله؟ قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق والعرب والعجم وتخالف أنت؟ ثم قلت: أتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو فأطعني واتبعه، فوالله إنه لعلى الحق، وليظهرن على (٣) من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت أتبايعني له على الاسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعني على الاسلام، ثم دعا بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا - وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم. فألقيتها - ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك، وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود إليه، فقالوا: الرأي ما رأيت. قال: ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن، فأجد سفينة قد شحنت تدفع (٤)، قال فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة (٥) وخرجت من السفينة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران، ثم

стр. 1511

مضيت حتى إذا كنت بالهدة، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين، قال فنظرت فإذا خالد بن الوليد، قال قلت أين تريد؟ قال محمدا، دخل الناس في الاسلام فلم يبق أحد به طعم (١)، والله لو أقمت لاخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت وأنا الله قد أردت محمدا وأردت الاسلام، فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل، ثم اتفقنا (٢) حتى أتينا المدينة فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح يا رباح يا رباح، فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين، وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد وولى مدبرا إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله ﷺ بقدومنا فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا، ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا (٣) عليه، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا باسلامنا. فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه. قال فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر، فقال " إن الاسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها " قال: فوالله ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة وكان عمر على خالد كالعاتب. قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن [أبي] (٤) حبيب فقال: أخبرني راشد مولى حباب بن أبي أوس الثقفي عن مولاه حبيب عن عمرو بن العاص نحو ذلك. قلت: كذلك رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن راشد عن مولاه حبيب قال حدثني عمرو بن العاص من فيه، فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع، وسياق الواقدي أبسط وأحسن. قال الواقدي عن شيخه عبد الحميد: فقلت ليزيد بن أبي حبيب: وقت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال: لا إلا أنه قال قبل الفتح، قلت: فإن أبي أخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان (٥)، وسيأتي عند وفاة عمرو من صحيح مسلم ما يشهد لسياق إسلامه وكيفية حسن صحبته لرسول الله ﷺ مدة حياته، وكيف مات وهو

стр. 1512

يتأسف على ما كان منه في مدة مباشرته الامارة بعده ﵊، وصفة موته ﵁. طريق إسلام خالد بن الوليد قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الاسلام، وحضرني رشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد ﷺ ، فليس في موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شئ، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له فصلى بأصحابه الظهر أمامنا (١) فهممنا أن نغير عليهم، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خيرة - فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا وقلت: الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خيلنا (٢) وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي: أي شئ بقي؟ أين أذهب إلى النجاشي! فقد أتبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم في عجم، فأقيم في داري بمن بقي فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضية، فتغيب ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام، وعقلك عقلك! ومثل الاسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله ﷺ عنك وقال أين خالد؟ فقلت يأتي الله به، فقال: " مثله جهل الاسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين [على المشركين] (٣) كان خيرا له، ولقدمناه على غيره " فاستدرك يا أخي ما قد فاتك [فقد فاتتك] (٤) مواطن صالحة. قال فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الاسلام، وسرني سؤال رسول الله ﷺ عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة فخرجت في بلاد خضراء واسعة، فقلت إن هذه لرؤيا، فلما أن قدمت المدينة قلت لأذكرنها لأبي بكر، فقال: مخرجك الذي هداك الله للاسلام. والضيق الذي كنت فيه من الشرك، قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ قلت من أصاحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن

стр. 1513

كأضراس (١) وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف؟ فأبى أشد الاباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا. فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت فأكتم علي قال: لا أذكره. فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتي فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الامر إليه فقلت إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج، وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي: فأسرع الإجابة، وقال (٢) لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ (٣) مناخة، قال فاتعدت أنا وهو يأجج، إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه، قال: فأدلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة، فنجد عمرو بن العاص بها، قال: مرحبا بالقوم فقلنا: وبك، فقال إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الاسلام واتباع محمد ﷺ ، قال وذاك الذي أقدمني، فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول الله ﷺ فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيني أخي: فقال: أسرع فإن رسول الله ﷺ قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال " تعال " ثم قال رسول الله ﷺ " الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير " قلت يا رسول الله إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق فأدعو الله أن يغفرها لي، فقال رسول الله ﷺ " الاسلام يجب ما كان قبله " قلت يا رسول الله على ذلك، قال " اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله " قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله ﷺ قال وكان قدومنا في صفر سنة ثمان، قال: والله ما كان رسول الله ﷺ يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه. سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى هوازن (٤) قال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمر بن

стр. 1514

الحكم، قال: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن، وأمره أن يغير عليهم، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى جاءهم وهم غارين، وقد أوعز إلى أصحابه أن لا تمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك حتى إذا قدموا المدينة (١) فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا كل رجل (٢) ثم قدم أهلوهم مسلمين فشاور النبي ﷺ أميرهم في ردهن إليهم، فقال نعم فردوهن وخير التي عنده الجارية فاختارت المقام عنده، وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ بعث سرية قبل نجد فكان فيهم عبد الله بن عمر، قال فأصبنا إبلا كثيرا فبلغت سهامنا إثنا عشر بعيرا ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرا بعيرا أخرجاه في الصحيحين (٣) من حديث مالك، ورواه مسلم أيضا من حديث الليث ومن حديث عبد الله كلهم عن نافع عن ابن عمر بنحوه. وقال أبو داود: حدثنا هناد، حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فخرجت فيها فأصبنا نعما كثيرا فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله (٤). سرية كعب بن عمير إلى بني قضاعة قال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله [عن] الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من [أرض] الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الاسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، فارتث منهم رجل جريح في القتلى، فلما أن برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ ، فهم بالبعثة إليه فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر (٥).

стр. 1515

غزوة مؤتة (١) وهي سرية زيد بن حارثة في نحو من ثلاثة آلاف إلى أرض البلقاء من أرض الشام. قال محمد بن إسحاق بعد قصة عمرة القضية. فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم وصفرا وشهري ربيع وبعث في جمادى الأولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة. فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله ﷺ بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال " إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس " فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف. وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن عمر (٢) بن الحكم عن أبيه (٣) قال: جاء النعمان بن فنحص اليهودي فوقف على رسول الله ﷺ مع الناس، فقال رسول الله ﷺ " زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم ". فقال النعمان: أبا القاسم إن كنت نبيا فلو سميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، وإن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم فقالوا إن أصيب فلان ففلان، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل يقول لزيد، أعهد فإنك لا ترجع أبدا إن كان محمد نبيا. فقال زيد: أشهد أنه نبي صادق بار. رواه البيهقي (٤). قال ابن إسحاق: فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى، فقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) [سورة مريم: ٧١] فلست أدري

стр. 1516

حلف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا قال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرع تقذف الزبدا (١) طعنة بيدي حران مجهزة … بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي … أرشده الله من غاز وقد رشدا قال ابن إسحاق: ثم أن القوم تهيئوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودعه ثم قال: يثبت الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلة … الله يعلم أني ثابت البصر (٢) أنت الرسول فمن يحرم نوافله … والوجه منه فقد أزرى به القدر قال ابن إسحاق:: ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف، قال عبد الله بن رواحة: خلف السلام على امرئ ودعته … في النخل خير مشبع وخليل وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث إلى مؤتة فاستعمل زيدا، فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فأبن رواحة، فتخلف ابن رواحة فجمع مع النبي ﷺ فرآه فقال له ما خلفك؟ " فقال أجمع معك " قال: لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها ". وقال أحمد: عن أبو معاوية، ثنا الحجاج عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، قال: فقدم أصحابه وقال: أتخلف لأصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة ثم ألحقهم، قال: فلما صلى رسول الله ﷺ رآه فقال " ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " فقال أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم، فقال رسول الله ﷺ : " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم ". وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أبي معاوية عن الحجاج - وهو ابن أرطاة - ثم علله الترمذي بما حكاه عن شعبة أنه قال لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة أحاديث وليس هذا منها. قلت والحجاج بن أرطاة في روايته نظر والله أعلم، والمقصود من إيراد هذا الحديث أنه

стр. 1517

يقتضي أن خروج الامراء إلى مؤتة كان في يوم جمعة. والله أعلم. قال ابن إسحاق: ثم مضوا حتى نزلوا معانا من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، ثم أحد أراشة يقال له مالك بن رافلة، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق فبلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له، قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، قال فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك: جلبنا الخيل من أجأ وفرع … تعر من الحشيش لها العكوم (١) حذوناها من الصوان سبتا … أزل كأن صفحته أديم (٢) أقامت ليلتين على معان … فأعقب بعد فترتها جموم (٣) فرحنا والجياد مسومات … تنفس في مناخرها سموم فلا وأبي مآب لنأتينها … وإن كانت بها عرب وروم فعبأنا أعنتها فجاءت … عوابس والغبار لها يريم (٤) بذي لجب كأن البيض فيه … إذا برزت قوانسها النجوم فراضية المعيشة طلقتها … أسنتنا (٥) فتنكح أو تئيم قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه: إذا أدنيتني وحملت رحلي … مسيرة أربع بعد الحساء

стр. 1518

فشأنك أنعم وخلاك ذم … ولا أرجع إلى أهلي ورائي (١) وجاء المسلمون وغادروني … بأرض الشام مشتهي الشواء وردك كل ذي نسب قريب … إلى الرحمن منقطع الإخاء هنالك لا أبالي طلع بعل … ولا نخل أسافلها رواء قال: فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل؟ ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز. يا زيد زيد اليعملات الذبل … تطاول الليل هديت فأنزل (٢) قال ابن إسحاق: ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس، عندها فتعبي لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك. وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة فلما دنا منا المشركون رأينا ما لا قبل لاحد به من العدة والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أرقم (٣): يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة؟ قلت نعم! قال إنك لم تشهد بدرا معنا، إنا لم ننصر بالكثرة رواه البيهقي (٤). قال ابن إسحاق ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط (٥) في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول المسلمين عقر في الاسلام. وقال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها (٦) ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها … طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها … كافرة بعيدة أنسابها … علي إن لاقيتها ضرابها

стр. 1519

وهذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث أبي إسحاق ولم يذكر الشعر، وقد استدل من جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو كما يقول أبو حنيفة في الأغنام إذا لم تتبع في السير، ويخشى من لحوق العدو وانتفاعهم بها أنها تذبح وتحرق ليحال بينهم وبين ذلك والله أعلم. قال السهيلي: ولم ينكر أحد على جعفر، فدل على جوازه إلا إذا أمن أخذ العدو له ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثا. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء، ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة، فقطعه بنصفين. قال ابن إسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ويقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه … لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه … مالي أراك تكرهين الجنة قد طال ما قد كنت مطمئنة … هل أنت إلا نطفة في شنة. وقال أيضا: يا نفس إن لا تقتلي تموتي … هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت … إن تفعلي فعلهما هديت يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة. ثم سمع الحطمة (١) في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا، ثم " ألقاه من يده ثم أخذ سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵁. قال: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان. فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى (٢) بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس. قال ابن إسحاق: ولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ فيما بلغني - أخذ الراية زيد ابن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، قال: ثم

стр. 1520

صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلي [في] (١) الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى (٢). هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعا، وقد قال البخاري: ثنا أحمد بن واقد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم (٣). تفرد به البخاري ورواه في موضع آخر وقال فيه وهو على المنبر: وما يسرهم أنهم عندنا. وقال البخاري (٤) ثنا أحمد بن أبي بكير، ثنا مغيرة بن عبد الرحمن المخزومي - وليس بالحرامي - عن عبد الله بن سعيد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ إن قتل زيد فجعفر، وأن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، قال عبد الله كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية تفرد به البخاري أيضا. وقال البخاري أيضا: حدثنا أحمد: ثنا ابن وهب، عن ابن عمرو، عن [ابن] أبي هلال - هو سعيد بن أبي هلال الليثي - قال: وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شئ في دبره، وهذا أيضا من أفراد البخاري. ووجه الجميع بين هذه الرواية والتي قبلها: أن ابن عمر اطلع على هذا العدد، وغيره اطلع على أكثر من ذلك، وان هذه في قبله أصيبها قبل أن يقتل، فلما صرع إلى الأرض ضربوه أيضا ضربات في ظهره، فعد ابن عمر ما كان في قبله وهو في وجوه الأعداء قبل أن يقتل ﵁. ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء ثم شماله ما رواه البخاري: ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عمر بن علي، عن إسماعيل بن أبي خالد (٥) عن عامر قال: كان ابن عمر إذا حي ابن جعفر قال: السلام عليك يا بن ذي الجناحين. ورواه أيضا في المناقب والنسائي: من حديث يزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال البخاري (٦) ثنا أبو نعيم

стр. 1521

ثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفحة يمانية. ثم رواه عن محمد بن المثنى عن يحيى بن إسماعيل حدثني قيس، سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وصبرت في يدي صفحة يمانية انفرد به البخاري. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: ثنا أبو نصر بن قتادة، ثنا أبو عمرو مطر (١) ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير، قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري، وكانت الأنصار تفقهه، فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه فقال [حدثنا] أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الامراء، وقال عليكم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، قال: فوثب جعفر وقال: يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي قال: امض فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله ﷺ المنبر فأمر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس على رسول الله ﷺ فقال: أخبركم عن جيشكم هذا، إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا شهدا له بالشهادة واستغفر له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الامراء، هو أمر نفسه ثم قال رسول الله ﷺ " اللهم إنه سيف من سيوفك أنت تنصره " فمن يومئذ سمي خالد سيف الله (٢). ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك عن الأسود بن شيبان به نحوه، وفيه زيادة حسنة وهو أنه ﵊ لما اجتمع إليه الناس قال: باب خير باب خير وذكر الحديث. وقال الواقدي: حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم. قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله ﷺ على المنبر وكشف الله له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فجاء الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت، وحبب إليه الدنيا فقال: الآن استحكم الايمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا، فمضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله ﷺ وقال استغفروا له، فقد دخل الجنة وهو شهيد. قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ قال لما قتل زيد: أخذ الراية جعفر بن أبي طالب. فجاءه الشيطان فحبب إليه (٣) الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الايمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا، ثم مضى قدما

стр. 1522

حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله ﷺ وقال استغفروا لأخيكم فإنه شهيد، دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء في الجنة، قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضا. فشق ذلك على الأنصار، فقيل: يا رسول الله ما اعترضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل. فعاتب نفسه فتشجع، واستشهد ودخل الجنة فسري عن قومه. قال الواقدي وحدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل (١) عن أبيه قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله ﷺ الآن حمي الوطيس (٢). قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته [وميسرته ميمنته] (٣) قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة ﵀ في مغازيه: فإنه قال: بعد عمرة الحديبية ثم صدر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فمكث بها ستة أشهر ثم إنه بعث جيشا إلى مؤتة، وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم، فانطلقوا حتى إذا لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم بها تنوخ وبهراء فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم التقوا (٤) على زرع أحمر فاقتتلوا قتالا شديدا، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر فقتل، ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله ﷺ على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله العدو وأظهر المسلمين، قال: وبعثهم رسول الله ﷺ في جمادى الأولى يعني سنة ثمان - قال موسى بن عقبة: وزعموا أن رسول الله ﷺ قال مر علي جعفر في الملائكة يطير كما يطيرون وله جناحان. قال وزعموا - والله أعلم - أن يعلى بن أمية (٥) قدم على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ : إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرك، قال أخبرني يا رسول الله قال: فأخبرهم رسول الله ﷺ خبرهم كله ووصفه لهم، فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله

стр. 1523

ﷺ " إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم " فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق من أن خالد إنما حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط. وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه. ورواه البخاري وهذا هو الذي رجحه ومال إليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين لما ذكر من الحديث (١). قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين وهو أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم. وقد قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون معه [قال: ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر. فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه] (٢) فجعلوا يحثون عليهم بالتراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله، فقال: رسول الله ﷺ " ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله " وهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة، وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ للمسلمين وهو على المنبر في قوله ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه، فما كان المسلمون ليسمونهم فرارا بعد ذلك وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما، وإنما كان التأنيب، وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هنالك، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر ﵄. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، ثنا زهير، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة قتلنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم؟ قال قلنا نحن فرارون، فقال لا بل أنتم الكرارون، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين، قال فأتيناه حتى قبلنا يده. ثم رواه غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى عن ابن عمر قال: كنا في سرية ففررنا فأردنا أن نركب البحر، فأتينا رسول الله

стр. 1524

ﷺ فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون، فقال لا بل أنتم العكارون ورواه [أبو داود و] (١) الترمذي وابن ماجة: من حديث يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديثه. وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، وأسود بن عامر قالا: حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا ثم قلنا لو خرجنا إلى رسول الله ﷺ واعتذرنا إليه، فخرجنا إليه فلما لقيناه (٢) قلنا نحن الفرارون يا رسول الله قال " بل أنتم العكارون وأنا فئتكم " قال الأسود " وأنا فئة كل مسلم " وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير: أن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت لامرأة سلمة بن هشام بن [العاص بن] (٣) المغيرة: مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ ومع المسلمين؟ قالت ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس يا فرار، فررتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته ما يخرج. وكان في غزاة مؤتة. قلت: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع (الروم - وكانوا على أكثر من أضعاف الأضعاف فإنهم كانوا ثلاثة آلاف وكان] (٤) العدو على ما ذكروه مائتي ألف، ومثل هذا يسوغ الفرار على ما قد تقرر، فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم وفتح الله عليهم وتخلصوا من أيدي أولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، كما ذكره الواقدي وموسى بن عقبة من قبله، ويؤيد ذلك ويشاكله بالصحة (٥) ما رواه الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مؤتة، [ووافقني مددي] (٦) من اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله [المددي طائفة] (٧) من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقبه فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد يأخذ من السلب، قال عوف

стр. 1525

فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟: بلى ولكني استكثرته، فقلت؟ فقلت لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ ، فأبى أن يرد عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد فقال رسول الله ﷺ " يا خالد رد عليه ما أخذت منه " قال عوف: فقلت دونك يا خالد ألم أف لك؟ فقال رسول الله ﷺ وما ذاك فأخبرته فغضب رسول الله ﷺ وقال " يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره " قال الوليد: سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بنحوه. ورواه مسلم وأبو داود من حديث جبير بن نفير عن عوف بن مالك به نحوه وهذا يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا ﵁ قال اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلا صفحة يمانية، وهذا يقتضى أنهم أثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم. وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي وحكاه ابن هشام عن الزهري. قال البيهقي ﵀: اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، فمنهم من ذهب إلى ذلك ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين وأن المشركين انهزموا. قال وحديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ " ثم أخذها خالد ففتح الله عليه " يدل على ظهورهم عليهم والله أعلم (١). قلت: وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري - وكان رأس ميمنة المسلمين - حمل على مالك بن زافلة ويقال رافلة. وهو أمير أعراب النصارى فقتله وقال يفتخر بذلك: طعنت ابن رافلة بن الأراش … برمح مضى فيه ثم انحطم ضربت على جيده ضربة … فمال كما مال غصن السلم وسقنا نساء بني عمه … غداة رقوقين سوق النعم (٢) وهذا يؤيد ما نحن فيه، لان من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثم إنه صرح في

стр. 1526

شعره بأنهم سبوا من نسائهم وهذا واضح فيما ذكرناه والله أعلم. وأما ابن إسحاق فإنه ذهب إلى أنه لم يكن إلا المخاشاة والتخلص من أيدي الروم وسمى هذا نصرا وفتحا أي باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو بهم وتراكمهم وتكاثرهم وتكاتفهم عليهم، فكان مقتضى العادات أن يصطلحوا (١) بالكلية، فلما تخلصوا منهم وانحازوا عنهم كان هذا غاية المرام في هذا المقام وهذا محتمل لكنه خلاف الظاهر من قوله ﵊ " ففتح الله عليهم " والمقصود أن ابن إسحاق يستدل على ما ذهب إليه فقال: وقد قال فيما كان أمر الناس وأمر خالد بن الوليد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس بن المجسر اليعمري يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس يقول: فوالله لا تنفك نفسي تلومني … على موقفي والخيل قابعة قبل (٢) وقفت بها لا مستحيزا فنافذا … ولا مانعا من كان حم له القتل على أنني آسيت نفسي بخالد … ألا خالد في القوم ليس له مثل وجاشت إلي النفس من نحو جعفر … بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل وضم إلينا حجزتيهم كليهما … مهاجرة لا مشركون ولا عزل قال ابن إسحاق: فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: وأما الزهري فقال - فيما بلغنا عنه - أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة (٣). فصل قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أم عيسى الخزاعية عن أم جعفر بنت محمد ابن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله ﷺ ، وقد دبغت أربعين منا (٤) وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، فقال رسول الله ﷺ " إئتني ببني جعفر " فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شئ؟ قال " نعم أصيبوا هذا اليوم " قالت: فقمت أصيح واجتمع إلي النساء وخرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال " لا تغفلوا عن آل جعفر

стр. 1527

أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم " (١) وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق، ورواه ابن إسحاق من طريق عبد الله بن أبي بكر عن أم عيسى، عن أم عون بنت محمد ابن جعفر، عن أسماء فذكر الامر بعمل الطعام، والصواب أنها أم جعفر وأم عون. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، ثنا جعفر بن خالد، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ " اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم " وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكي، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر وقال الترمذي حسن. ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن. قالت فدخل عليه رجل فقال يا رسول الله إن النساء عييننا وفتننا، قال " أرجع إليهن فأسكتهن " قالت فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك، قالت [يقول] وربما ضر التكلف - يعني أهله - قالت قال: فاذهب فأسكتهن فإن أبين فاحثوا في أفواههن التراب " قالت: وقلت في نفسي أبعدك الله! فوالله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله ﷺ قالت: وعرفت أنه لا يقدر يحثي في أفواههن التراب. إنفرد به ابن إسحاق من هذا الوجه وليس في شئ من الكتب (٢). وقال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا عبد الوهاب: سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الحزن، قالت عائشة: وأنا اطلع من صاير الباب - شق - فأتاه رجل فقال: أي رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن قالت: فذهب الرجل [ثم أتى فقال: قد نهيتهن وذكر أنه لم يطعنه قال فأمر أيضا فذهب] ثم أتى فقال: والله لقد غلبتنا، فزعمت أن رسول الله ﷺ قال " فاحث في أفواههن من التراب " قالت عائشة ﵂: فقلت: أرغم الله أنفك، فوالله ما أنت تفعل ذلك وما تركت رسول الله ﷺ من العناء (٣). وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عنها. وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال " إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة " فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن

стр. 1528

رواحة فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: " إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه " قال ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتهم، ثم أتاهم فقال " لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي " قال فجئ بنا كأننا أفرخ، فقال " ادعوا لي الحلاق " فجئ بالحلاق فحلق رؤوسنا، ثم قال " أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي " ثم أخذ بيدي فأشالها وقال " اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه " قالها ثلاث مرات. قال فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له فقال " العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ " ورواه أبو داود ببعضه، والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير به، وهذا يقتضي أنه ﵊ أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها. ولعله معنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد من حديث الحكم بن عبد الله بن شداد عن أسماء أن رسول الله ﷺ قال لها لما أصيب جعفر " تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت " تفرد به أحمد فيحتمل أنه أذن لها في التسلب وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب وهو المبالغة في الاحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الاحداد المعتاد والله أعلم. ويروى تسلي ثلاثا - أي تصبري ثلاثا - وهذا بخلاف الرواية الأخرى والله أعلم. فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن طلحة، ثنا الحكم بن عيينة عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا. فإنه من أفراد أحمد أيضا. وإسناده لا بأس به ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره لأنه قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " فإن كان ما رواه الإمام أحمد محفوظا فتكون مخصوصة بذلك أو هو أمر بالمبالغة في الاحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم والله أعلم. قلت: ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها: فآليت لا تنفك نفسي حزينة … عليك ولا ينفك جلدي أغبرا فلله عينا من رأى مثله فتى … أكر وأحمي في الهياج وأصبرا ثم لم تنشب أن انقضت عدتها فخطبها أبو بكر الصديق ﵁ فتزوجها فأولم وجاء الناس للوليمة فكان فيهم علي بن أبي طالب، فلما ذهب الناس استأذن علي أبا بكر ﵄

стр. 1529

في أن يكلم أسماء من وراء الستر فأذن له، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها فقال لها علي: على وجه البسط - من القائلة في شعرها: فآليت لا تنفك نفسي حزينة … عليك ولا ينفك جلدي أغبرا؟ قالت دعنا منك يا أبا الحسن فإنك امرؤ فيك دعابة، فولدت للصديق محمد بن أبي بكر، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة ورسول الله ﷺ ذاهب إلى حجة الوداع، فأمرها أن تغتسل وتهل وسيأتي في موضعه، ثم لما توفي الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب وولدت له أولادا ﵁ وعنها وعنهم أجمعين. فصل قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: فلما دنوا من المدينة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، قال: ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال " خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر " فأتي بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه، قال وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله! قال فيقول رسول الله ﷺ : " ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله " وهذا مرسل. وقد قال الإمام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا عاصم، عن مؤرق العجلي، عن عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقى الصبيان من أهل بيته، وأنه قدم من سفر فسبق بي إليه، قال فحملني بين يديه ثم قال " جئ بأحد بني فاطمة " إما حسن وإما حسين، فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة. وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عاصم الأحول عن مؤرق به. وقال الإمام أحمد: ثنا روح، حدثنا ابن جريج، ثنا خالد بن سارة: أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثما وعبيد الله ابن العباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي ﷺ على دابة فقال " ارفعوا هذا إلي، فحملني أمامه وقال لقثم " ارفعوا هذا إلي " فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه قال، ثم مسح على رأسه ثلاثا وقال كلما مسح " اللهم اخلف جعفرا في ولده " قال قلت لعبد الله ما فعل قثم؟ قال استشهد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير؟ قال: أجل. ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج به. [وهذا كان بعد الفتح فإن العباس إنما قدم المدينة بعد الفتح فأما الحديث رواه الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير: أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعم فحملنا وتركك. وبهذا اللفظ أخرجه البخاري ومسلم من حديث حبيب بن الشهيد وهذا يعد من الأجوبة المسكتة، ويروى أن عبد الله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضا، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح كما قدمنا بيانه. والله أعلم].

стр. 1530

في فضل هؤلاء الامراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله ﵃ أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن نور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي مولى رسول الله ﷺ . وذلك أن أمه (١) ذهبت تزور أهلها فأغارت عليهم خيل (٢) فأخذوه فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، وقيل اشتراه رسول الله ﷺ لها فوهبته من رسول الله ﷺ قبل النبوة فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله ﷺ فاعتقه وتبناه، فكان يقال له زيد بن محمد، وكان رسول الله ﷺ يحبه حبا شديدا، وكان أول من أسلم من الموالي، ونزل فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى [وما جعل أدعياءكم أبناءكم] [الأحزاب: ٤] وقوله تعالى [ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله] [الأحزاب: ٥] وقوله تعالى [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم] [الأحزاب: ٤٠] وقوله [وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها] الآية [الأحزاب: ٣٧]. أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعنى أنعم الله عليه أي بالاسلام، وأنعمت عليه أي بالعتق، وقد تكلمنا عليها في التفسير. والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره، وهداه إلى الاسلام وأعتقه رسول الله ﷺ وزوجه مولاته أم أيمن (٣) واسمها بركة فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له الحب بن الحب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب وقدمه في الامرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة كما ذكرناه. وقد قال الإمام أحمد والامام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة - وهذا لفظه - ثنا محمد بن عبيد عن وائل بن داود سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقي بعد لاستخلفه. ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن محمد بن عبيد الطنافسي به. وهذا اسناد جيد قوي على شرط الصحيح. وهو غريب جدا. والله أعلم. وقال الإمام أحمد: ثنا سليمان، ثنا إسماعيل، أخبرني ابن دينار، عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث

стр. 1531

بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في أمرته، فقال رسول الله ﷺ فقال " ان تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وأن هذا لمن أحب الناس إلى بعده " وأخرجاه في الصحيحين عن قتيبة عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني - عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر فذكره ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه. ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر ثم استغربه من هذا الوجه، وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عمر بن إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما أصيب زيد بن حارثة وجئ بأسامة بن زيد وأوقف بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فأخر ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال " ألاقي منك اليوم ما لقيت منك أمس " وهذا الحديث فيه غرابة والله أعلم. وقد تقدم في الصحيحين أنه لما ذكر مصابهم وهو ﵇ فوق المنبر جعل يقول " أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب. ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليه " قال وإن عينيه لتذرفان، وقال وما يسرهم أنهم عندنا. وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة فهم ممن يقطع لهم بالجنة. وقد قال حسان بن ثابت يرثي زيد بن حارثة وابن رواحة: عين جودي بدمعك المنزور … واذكري في الرخاء أهل القبور واذكري مؤتة وما كان فيها … يوم راحوا في وقعة التغوير حين راحوا وغادروا ثم زيدا … نعم مأوى الضريك والمأسور (١) حب خير الأنام طزا جميعا … سيد الناس حبه في الصدور ذاكم أحمد الذي لا سواه … ذاك حزني له معا وسروري إن زيدا قد كان منا بأمر … ليس أمر المكذب المغرور ثم جودي للخزرجي بدمع … سيدا كان ثم غير نزور (٢) قد أتانا من قتلهم ما كفانا … فبحزن نبيت غير سرور وأما جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم فهو ابن عم رسول الله ﷺ وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين، أسلم جعفر قديما وهاجر إلى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة ولله الحمد، وقد قدم على رسول الله ﷺ يوم خيبر فقال عليه

стр. 1532

الصلاة والسلام " ما أدري أنا بأيهما أسر، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر " وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية " أشبهت خلقي وخلقي " فيقال إنه حجل عند ذلك فرحا كما تقدم في موضعه ولله الحمد والمنة. ولما بعثه إلى مؤتة جعل في الامرة مصليا - أي نائبا - لزيد بن حارثة، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين (١) ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للواء فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك. فيقال إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضي الله عن جعفر ولعن قاتله، وقد أخبر عنه رسول الله ﷺ بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة. وجاء بالأحاديث تسميته بذي الجناحين. وروى البخاري عن ابن عمر، أنه كان إذا سلم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه، والصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر. قالوا: لان الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة وقد تقدم بعض ما روى في ذلك. قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن حجر، ثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال ﷺ " رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة " وتقدم في حديث أنه ﵁ قتل وعمره ثلاث وثلاثين سنة. وقال ابن الأثير في الغابة كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين، قال وقيل غير ذلك. قلت: وعلى ما قيل إنه كان أسن من علي بعشر سنين يقتضي أن عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة لان عليا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر وعمره إحدى وعشرين سنة، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة والله أعلم. وقد كان يقال لجعفر بعد قتله الطيار لما ذكرنا، وكان كريما جوادا ممدحا، وكان لكرمه يقال له أبا المساكين لاحسانه إليهم. قال الإمام أحمد: وحدثنا عفان بن وهيب، ثنا خالد، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه،

стр. 1533

وأما أخوه علي ﵄ فالظاهر أنهما متكافئان أو علي أفضل منه، وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم بدليل ما رواه البخاري: ثنا أحمد بن أبي بكر، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار، أبو عبد الله الجهني، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، أن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة وأني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني خبز لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شئ فنشقها فنلعق ما فيها. تفرد به البخاري وقال حسان بن ثابت يرثي جعفرا: ولقد بكيت وعز مهلك جعفر … حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي … من للجلاد لدى العقاب وظلها (١) بالبيض حين تسل من أغمادها … ضربا وإنهال الرماح وعلها بعد ابن فاطمة المبارك جعفر … خير البرية كلها وأجلها (٢) رزءا وأكرمها جميعا محتدا … وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل … كذبا وأنداها يدا وأقلها فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى … فضلا وأنداها يدا وأبلها (٣) بالعرف غير محمد لا مثله … حي من أحياء البرية كلها (٤) وأما ابن رواحة فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد ويقال أبو رواحة، ويقال أبو عمرو الأنصاري الخزرجي وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة أسلم قديما وشهد العقبة وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وكان يبعثه على خرصها كما قدمنا وشهد عمرة القضاء ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله ﷺ وقيل بغرزها - يعني الركاب - وهو يقول • خلوا بني الكفار عن سبيله * الأبيات كما تقدم. وكان أحد الامراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم وقد شجع المسلمين للقاء

стр. 1534

الروم حين اشتوروا في ذلك وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعدما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول الجنة. ويروى أنه لما أنشد النبي ﷺ شعره حين ودعه الذي يقول فيه: فثبت الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا قال له رسول الله ﷺ " وأنت فثبتك الله " قال هشام بن عروة: فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة. وروى حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عبد الله ابن رواحة أتى رسول الله ﷺ وهو يخطب فسمعه يقول " اجلسوا " فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ الناس من خطبته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله " وقال البخاري في صحيحه: وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك. فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، عن عمارة، عن زياد النحوي، عن أنس قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء فقال: يا رسول الله ألا ترى ابن رواحة، يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي ﷺ " رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة " وهذا حديث غريب جدا. وقال البيهقي: ثنا الحاكم ثنا أبو بكر، ثنا محمد بن أيوب، ثنا أحمد بن يونس ثنا شيخ من أهل المدينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار: أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، قال أو لسنا بمؤمنين؟ قال بلى ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا. وقد روى الحافظ أبو القاسم اللالكائي (١) من حديث أبي اليمان عن صفوان بن سليم عن شريح بن عبيد أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر. وهذا مرسل من هذين الوجهين وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة. وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في حر شديد وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة ﵁، وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين، ومما نقله البخاري من شعره في رسول الله ﷺ : وفينا رسول الله نتلوا كتابه … إذا انشق معروف من الفجر ساطع

стр. 1535

يبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع وقال البخاري: حدثنا عمران بن ميسرة، ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عامر، عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي، وا جبلاه وا كذا وا كذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك؟ حدثنا قتيبة، ثنا خيثمة، عن حصين، عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، بهذا. فلما مات لم تبك عليه وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره. وقال شر؟ من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ﵃: كفى حزنا أني رجعت وجعفر … وزيد وعبد الله في رمس أقبر قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم … وخلفت للبلوى مع المتنير؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الامراء الثلاث من شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك ﵄ وأرضاهما. فصل في من استشهد يوم مؤتة فمن المهاجرين جعفر بن أبي طالب، ومولاهم زيد بن حارثة الكلبي، ومسعود بن الأسود ابن حارثة بن نضلة العدوي، ووهب بن سعد بن أبي سرح، فهؤلاء أربعة نفر. ومن الأنصار عبد الله بن رواحة، وعباد بن قيس الخزرجيان، والحارث بن النعمان بن أساف بن نضلة النجاري، وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء المازني، أربعة نفر. فمجموع من قتل من المسلمين يومئذ هؤلاء الثمانية على ما ذكره بن إسحاق. لكن قال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكره ابن شهاب الزهري: أبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيان وهما شقيقان لأب وأم، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى فهؤلاء أربعة من الأنصار أيضا فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلا وهذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف. ومن نصارى العرب مائة الف، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلا وقد قتل من المشركين خلق كثير (١). هذا خالد وحده يقول لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف وما صبرت

стр. 1536

في يدي إلا صفحة يمانية. فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟ دع غيره من الابطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن، في ذلك الزمان وفي كل أوان. وهذا مما يدخل في قوله تعالى (وقد كان لكم في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ترونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار) [آل عمران: ١٣]. حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة ﵃. قال الامام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي نضر الله وجهه في كتابه دلائل النبوة - وهو كتاب جليل - حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، ثنا الوليد، ثنا ابن جابر. وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ثنا الوليد وعمرو - يعني ابن عبد الواحد - قالا: ثنا ابن جابر سمعت سليم بن عامر الخبائري، يقول أخبرني أبو أمامة الباهلي سمعت رسول الله ﷺ يقول " بينا أنا نائم إذا أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا: اصعد، فقلت: لا أطيقه فقالا: إنا سنسهله لك قال فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذا أنا بأصوات شديدة فقلت: ما هؤلاء الأصوات؟ فقالا: عواء أهل النار ثم انطلقا بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما فقلت ما هؤلاء؟ فقالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم فقال خابت اليهود والنصارى " قال سليم سمعه من رسول الله ﷺ أم من رأيه؟ " ثم انطلقا بي فإذا قوم أشد شئ انتفاخا وأنتن شئ ريحا كأن ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء؟ قالا هؤلاء قتلى الكفار ثم انطلقا بي فإذا بقوم أشد انتفاخا وأنتن شئ ريحا كان ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء؟ قال هؤلاء الزانون والزواني ثم انطلقا بي فإذا بنساء ينهش ثديهن الحيات فقلت ما بال هؤلاء؟ قالا: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن ثم انطلقا بي فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء ذراري المؤمنين ثم أشرفا بي شرفا فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت من هؤلاء؟ قالا: هذا جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ثم أشرفا بي شرفا آخر فإذا أنا بنفر ثلاثة فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هذا إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وهم ينتظرونك.

стр. 1537

ما قيل من الاشعار في غزوة مؤتة قال ابن إسحاق: وكان مما بكي به أصحاب مؤتة قول حسان: تأوبني ليل بيثرب أعسر … وهم إذا ما نوم الناس مسهر لذكرى حبيب هيجت لي عبرة … سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان (١) الحبيب بلية … وكم من كريم يبتلى ثم يصبر رأيت خيار المسلمين تواردوا … شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر (٢) فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا (٣) … بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا … جميعا وأسباب المنية تخطر غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم … إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم … أبي إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير مؤسد … بمعترك فيه القنا متكسر (٤) فصار مع المستشهدين ثوابه … جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد … وفاء وأمرا حازما حين يأمر وما زال في الاسلام من آل هاشم … دعائم عز لا يزلن ومفخر هموا جبل الاسلام والناس حولهم … رضام إلى طود يروق ويبهر (٥) بهاليل منهم جعفر وابن أمه … علي ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهموا … عقيل وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللاواء في كل مأزق … عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر (٦) هم أولياء الله أنزل حكمه … عليهم، وفيهم ذا الكتاب المطهر وقال كعب بن مالك ﵁:

стр. 1538

نام العيون ودمع عينك يهمل … سحاكما وكف الطباب المخضل (١) في ليلة وردت علي همومها … طورا أخن وتارة أتمهل (٢) واعتادني حزن فبت كأنني … ببنات نعش والسماك موكل وكأنما بين الجوانح والحشا … مما تأوبني شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا … يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلى الاله عليهم من فتية … وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للاله نفوسهم … حذر الردى ومخافة أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم … فنق عليهن الحديد المرفل (٣) إذ يهتدون بجعفر ولوائه … حيث التقى وعث الصفوف مجدل (٤) فتغير القمر المنير لفقده … والشمس قد كسفت وكادت تأفل قرم علا بنيانه من هاشم … فرعا أشم وسؤددا ما ينقل قوم بهم عصم الاله عباده … وعليهم نزل الكتاب المنزل فضلوا المعاشر عزة وتكرما … وتغمدت أحلامهم من يجهل لا يطلقون إلى السفاه حباهموا … وترى خطيبهم بحق يفصل بيض الوجوه ترى بطون أكفهم … تندى إذا اعتذر الزمان الممحل ويهديهم رضي الاله لخلقه … وبجدهم (٥) نصر النبي المرسل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب بعث رسول الله ﷺ إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم ذكر الواقدي أن ذلك كان في آخر سنة ست في ذي الحجة بعد عمرة الحديبية، وذكر البيهقي هذا الفصل في هذا الموضع بعد غزوة مؤتة والله أعلم. ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبية لقول أبي سفيان لهرقل حين سأله هل يغدر فقال لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. وفي لفظ البخاري وذلك في المدة التي ماد فيها أبو سفيان رسول الله

стр. 1539

ﷺ . وقال محمد بن إسحاق: كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته ﵇. ونحن نذكر ذلك ها هنا وإن كان قول الواقدي محتملا. والله أعلم. وقد روى مسلم عن يوسف بن حماد المعني، عن عبد الا على، عن سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كتب قبل مؤتة إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله وليس بالنجاشي الذي صلى عليه (١) وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس: حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال: كنا قوما تجارا وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبية - بيننا وبين رسول الله ﷺ لا نأمن إن وجدنا أمنا، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملني بضاعة، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين فخرجنا حتى قدمناها وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس فأخرجهم منها ورد عليه صليبه الأعظم وقد كان استلبوه إياه، فلما أن بلغه ذلك وقد كان منزله بحمص من الشام، فخرج منها يمشي متشكرا إلى بيت المقدس ليصلي فيه تبسط له البسط ويطرح عليها الرياحين، حتى انتهى إلى إيلياء فصلى بها فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلب طرفه إلى السماء، فقالت له بطارقته: أيها الملك لقد أصبحت مهموما؟ فقال أجل، فقالوا وما ذاك؟ فقال أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر، فقالوا: والله ما نعلم أمة من الأمم تختتن إلا اليهود وهم تحت يديك وفي سلطانك، فإن كان قد وقع ذلك في نفسك منهم فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودي إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم. فإنهم في ذلك من رأيهم يديرونه بينهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدثك عن حدث كان ببلاده فاسأله عنه، فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله فقال: هو رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبي وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن فخرجت من بلادي وهم على ذلك. فلما أخبره الخبر قال: جردوه فإذا هو مختتن فقال: هذا والله الذي قد أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه. انطلق لشأنك. ثم إنه دعا صاحب شرطته فقال له: قلب لي الشام ظهرا لبطن حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه، قال أبو سفيان: فوالله إني وأصحابي لبغزة إذ هجم علينا فسألنا ممن أنتم؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا فلما انتهينا إليه قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف - يريد هرقل - قال: فلما انتهينا إليه قال: أيكم أمس به رحما؟ فقلت أنا، قال ادنوه مني، قال فأجلسني بين يديه ثم أمر أصحابي فأجلسهم خلفي وقال: إن كذب فردوا عليه، قال أبو سفيان: فلقد عرفت أني لو كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم وأستحي من الكذب وعرفت أن أدنى ما يكون في

стр. 1540

ذلك أن يرووه عني ثم يتحدثونه عني بمكة فلم أكذبه، فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم، فزهدت له شأنه وصغرت له أمره، [فوالله ما التفت إلى ذلك مني وقال: أخبرني عما أسألك من امره] (١) فقلت سلني عما بدا لك؟ قال كيف نسبه فيكم؟ فقلت محضا من أوسطنا نسبا، قال: فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به؟ فقلت: لا قال: فأخبرني هل [كان] (٢) له ملك فأسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه؟ فقلت: لا قال: فأخبرني عن اتباعه من هم؟ فقلت الاحداث والضعفاء والمساكين فأما أشرافهم وذووا الأنساب (٣) منهم فلا، قال: فأخبرني عمن صحبه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه؟ قلت: ما صحبه رجل ففارقه، قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه؟ فقلت: سجال يدال علينا وندال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر فلم أجد شيئا أغره به إلا هي، قلت: لا ونحن منه في مدة ولا نأمن غدره فيها. فوالله ما التفت إليها مني قال: فأعاد علي الحديث، قال: زعمت أنه من أمحضكم نسبا وكذلك يأخذ الله النبي لا يأخذه إلا من أوسط قومه، وسألتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به فقلت لا، وسألتك هل كان له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه فقلت: لا، وسألتك عن اتباعه فزعمت أنهم الاحداث والمساكين والضعفاء وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان، وسألتك عمن يتبعه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه وكذلك حلاوة الايمان لا تدخل قلبا فتخرج منه، وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه فزعمت أنها سجال يدال عليكم وتداولون عليه وكذلك يكون حرب الأنبياء ولهم تكون العاقبة، وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر فلئن كنت صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل عن قدميه، ثم قال: الحق بشأنك، قال: فقمت وأنا أضرب إحدى يدي على الأخرى وأقول: يا عباد الله لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، وأصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم (٤). قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري قال: حدثني أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان قال: قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله ﷺ فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فاسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإن إثم الأكاريين عليك. قال: فلما انتهى إليه كتابه، وقرأه أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته ثم كتب إلى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره عما جاء من رسول الله ﷺ فكتب إليه: إنه النبي

стр. 1541

الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه، فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم أمر بها فأشرحت (١) عليهم واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءني كتاب أحمد وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ومجمل ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته وزمانه، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم فنخروا نخرة رجل واحد وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم، فخافهم، وقال: ردوهم علي فردوهم عليه فقال لهم: يا معشر الروم إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها لأنظر كيف صلابتكم في دينكم؟ فلقد رأيت منكم ما سرني فوقعوا له سجدا ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا (٢). وقد روى البخاري قصة أبي سفيان مع هرقل بزيادات أخر أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من الصحيح ليعلم ما بين السياقين من التباين وما فيهما من الفوائد. قال البخاري قبل الايمان (٣) من صحيحه: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ثنا شعيب (٤) عن الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بايلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا، قال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، [قال] فوالله لولا [الحياء من] (٥) أن يؤثروا عني كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا: قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتمونه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه

стр. 1542

فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه [من ملك] (١) فذكرت أن لا فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الايمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر (٢)، وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان كما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الاسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٣) (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين خرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة (٤) أنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت

стр. 1543

موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الاسلام، قال وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أسقف على نصارى الشام، يحدث: أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك؟ قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمم؟ قالوا ليس يختتن إلا اليهود ولا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان فخبرهم عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال هم يختتنون، فقال هرقل، هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب إلى صاحب له برومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى حمص فلم يرم بحمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وهو نبي، فآذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت. ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم؟ فتتابعوا لهذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الايمان قال: ردوهم علي. وقال: إني إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه. فكان ذلك آخر شأن هرقل. قال البخاري: ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري. وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ يطول استقصاؤها. وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن الزهري. وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية وذكرنا فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ولله الحمد والمنة. وقال ابن لهيعة: عن [أبي] (١) الأسود عن عروة قال: خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش، وبلغ هرقل شأن رسول الله ﷺ فأراد أن يعلم ما يعلم من شأن رسول الله ﷺ فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه، يأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه، فأرسل إليه ثلاثين رجلا منهم أبو سفيان بن حرب، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها، فقال هرقل: أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة ما أمره؟ قالوا ساحر كذاب وليس بنبي، قال: فأخبروني من أعلمكم به وأقربكم منه رحما؟ قالوا: هذا أبو سفيان ابن عمه وقد قاتله، فلما أخبروه ذلك أمر بهم فأخرجوا عنه ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره، قال أخبرني يا أبا سفيان؟ فقال هو ساحر كذاب، فقال هرقل: إني لا أريد شتمه ولكن كيف نسبه فيكم؟ قال هو والله من

стр. 1544

بيت قريش، قال: كيف عقله ورأيه؟ قال لم يغب (١) له رأي قط. قال هرقل: هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره؟ قال: لا والله ما كان كذلك، قال: لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لاحد من أهل بيته قبله؟ قال أبو سفيان: لا، ثم قال من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد؟ قال: لا، قال هرقل: هل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا إلا أن يغدر مدته هذه. فقال هرقل: وما تخاف من مدته هذه؟ قال إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة، قال هرقل: إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر، فغضب أبو سفيان وقال لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب وهو يوم بدر، ثم غزوته مرتين في بيوتهم نبقر البطون ونجذع الآذان والفروج، فقال هرقل: كذابا تراه أم صادقا؟ فقال: بل هو كاذب، فقال: إن كان فيكم نبي فلا تقتلوه فإن أفعل الناس لذلك اليهود، ثم رجع أبو سفيان (٢). ففي هذا السياق غرابة وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق ولا البخاري. وقد أورد موسى بن عقبة في مغازيه قريبا مما ذكره عروة بن الزبير والله أعلم. وقال ابن جرير في تاريخه (٣): حدثنا ابن حميد ثنا سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم قال: إن هرقل قال لدحية بن خليفة الكلبي حين قدم عليه بكتاب رسول الله ﷺ : والله إني لاعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى صغاطر الأسقف فاذكر له أمر صاحبكم فهو والله في الروم أعظم مني وأجود قولا عندهم مني، فانظر ماذا يقول لك؟ قال فجاء دحية فأخبره بما جاء به من رسول الله ﷺ إلى هرقل وبما يدعو إليه، فقال صغاطر والله صاحبك نبي مرسل نعرفه بصفته ونجده في كتابنا باسمه، ثم دخل وألقى ثيابا كانت عليه سودا وليس ثيابا بياضا ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا فيه إلى الله وأني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله. قال فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فضربوه حتى قتلوه. قال: فلما رجع دحية إلى هرقل فأخبره الخبر قال: قد قلت لك إنا نخافهم على أنفسنا، فصغاطر والله كان أعظم عندهم وأجوز قولا مني. وقد روى الطبراني من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، عن عبد الله بن شداد، عن دحية الكلبي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قيصر صاحب الروم بكتاب فقلت استأذنوا لرسول رسول الله ﷺ ، فأتى قيصر فقيل له إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله ففزعوا لذلك وقال: أدخله، فأدخلني عليه وعنده بطارقته فأعطيته الكتاب فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم، فنخر ابن أخ له أحمر أزرق سبط فقال لا تقرأ الكتاب اليوم فإنه بدأ بنفسه وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم، قال فقرئ الكتاب حتى فرغ منه ثم أمرهم فخرجوا من عنده ثم بعث إلي

стр. 1545

فدخلت عليه فسألني فأخبرته، فبعث إلى الأسقف فدخل عليه - وكان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله - فلما قرأ الكتاب قال الأسقف: هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى الذي كنا ننتظر. قال قيصر فما تأمرني؟ قال الأسقف أما أنا فإني مصدقه ومتبعه، فقال قيصر: أعرف أنه كذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم. وبه قال محمد بن إسحاق عن خالد بن يسار عن رجل من قدماء أهل الشام قال: لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية لما بلغه من أمر النبي ﷺ جمع الروم فقال: يا معشر الروم إني عارض عليكم أمورا فانظروا فيما أردت بها؟ قالوا ما هي؟ قال تعلمون والله إن هذا الرجل لنبي مرسل نجده نعرفه بصفته التي وصف لنا فهلم فلنتبعه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا فقالوا: نحن نكون تحت أيدي العرب ونحن أعظم الناس ملكا، وأكثره رجالا. وأقصاه بلدا؟! قال فهلم أعطيه الجزية كل سنة أكسر شوكته وأستريح من خربه بما أعطيه إياه. قالوا: نحن نعطي العرب الذل والصغار يخرج يأخذونه منا ونحن أكثر الناس عددا، وأعظمه ملكا، وأمنعه بلدا، لا والله لا نفعل هذا أبدا، قال فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعني وأرض الشام، قال وكانت أرض سورية، فلسطين والأردن ودمشق وحمص وما دون الدرب [من أرض] (١) سورية، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام، فقالوا نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت أنها سرة (٢) الشام لا نفعل هذا أبدا، فلما أبوا عليه، قال: أما والله لترون (٣) أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم. قال ثم جلس على بغل له فانطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام ثم قال: السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع، ثم ركض حتى دخل قسطنطينية. والله أعلم. إرساله ﷺ إلى ملك العرب من النصارى بالشام قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب أخا بني أسد بن خزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق (٤). قال الواقدي: وكتب معه، سلام على من اتبع الهدى وآمن به، وأدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك. فقدم شجاع بن وهب فقرأه عليه فقال: ومن ينتزع ملكي؟ إني سأسير إليه.
следующие страницы →