بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال " لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا ". قال البخاري: وقال الدراوردي عن عبد المجيد عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه: أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر وأمره عليها، وعن عبد المجيد عن أبي صالح السمان عن أبي سعيد وأبي هريرة مثله.
قلت: كان سهم النبي ﷺ الذي أصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر وفدك بكمالها وهي طائفة كبيرة من أرض خيبر نزلوا من شدة رعبهم منه صلوات الله وسلامه عليه فصالحوه. وأموال بني النضير المتقدم ذكرها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت هذه الأموال لرسول الله ﷺ خاصة وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، فلما مات صلوات الله وسلامه عليه اعتقدت فاطمة وأزواج النبي ﷺ أو أكثرهن - أن هذه الأراضي تكون موروثة عنه ولم يبلغهن ما ثبت عنه من قوله ﷺ " نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة " ولما طلبت فاطمة وأزواج النبي ﷺ والعباس نصيبهم من ذلك وسألوا الصديق أن يسلمه إليهم، وذكر لهم قول رسول الله ﷺ " لا نورث ما تركنا صدقة " وقال: أنا أعول من كان يعول رسول الله ﷺ والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي، وصدق ﵁ وأرضاه فإنه البار الراشد في ذلك التابع للحق، وطلب العباس وعلي على لسان فاطمة إذ قد فاتهم الميراث أن ينظرا في هذه الصدقة وأن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النبي ﷺ يصرفها فيها، فأبى عليهم الصديق ذلك ورأى أن حقا عليه أن يقوم فيما كان يقوم فيه رسول الله ﷺ وأن لا يخرج من مسلكه ولا عن سننه. فتغضبت فاطمة ﵂ عليه في ذلك ووجدت في نفسها بعض الموجدة ولم يكن لها ذلك. والصديق من قد عرفت هي والمسلمون محله ومنزلته من رسول الله ﷺ وقيامه في نصرة النبي ﷺ في حياته وبعد وفاته فجزاه الله عن نبيه وعن الاسلام وأهله خيرا، وتوفيت فاطمة ﵂ بعد ستة أشهر ثم جدد على البيعة بعد ذلك، فلما كان أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة إلى علي والعباس وثقلوا عليه بجماعة من سادات الصحابة ففعل عمر ﵁ ذلك، وذلك لكثرة اشغاله واتساع مملكته وامتداد رعيته، فتغلب على علي عمه العباس فيها ثم تساوقا يختصمان إلى عمر، وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة وسألا منه أن يقسمها بينهما فينظر كل منهما فيما لا ينظر فيه الآخر فامتنع عمر من ذلك أشد الامتناع وخشي أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث، وقال: انظرا فيها وأنتما جميع فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، والذي تقوم السماء والأرض بأمره لا أقضي فيها قضاء غير هذا. فاستمرا فيها ومن بعدهما إلى ولدهما إلى أيام بني العباس تصرف في المصارف التي كان رسول الله ﷺ ، يصرفها فيها، أموال بني النضير وفدك وسهم رسول الله ﷺ من خيبر.
стр. 1472
فصل
وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء فرضخ (١) لهم رسول الله ﷺ شيئا من الغنيمة ولم يسهم لهم. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا بشر بن الفضل، عن محمد بن زيد حدثني عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله ﷺ فأمر بي فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك فأمر لي بشئ من طريق (٢) المتاع. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن بشر بن المفضل به وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه ابن ماجة عن علي بن محمد عن وكيع عن هشام بن سعد عن محمد بن زيد بن المهاجر عن منقذ عن عمير به.
وقال محمد بن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء فرضخ لهن [من الفئ] (٣) ولم يضرب لهن بسهم. حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي، قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال " على بركة الله " قالت فخرجنا معه، قالت وكنت جارية حدثة السن، فأردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، [قالت فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله، قالت] (٣) وإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحيت. فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم قال " مالك؟ لعلك نفست " قالت: قلت: نعم، قال " فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك " قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفئ، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها، وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا. وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها، قالت: وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت. وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث محمد بن إسحاق به. قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه ورواه الواقدي عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن أم
стр. 1473
علي بنت أبي الحكم عن أمية بنت [قيس بن] (١) أبي الصلت عن النبي ﷺ به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، ثنا رافع بن سلمة الأشجعي حدثني حشرج بن زياد، عن جدته أم أبيه قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت: فبلغ النبي ﷺ أن معه نساء، قالت فأرسل إلينا فدعانا. قالت: فرأينا في وجهه الغضب فقال " ما أخرجكن وبأمر من خرجتن؟ " قلنا خرجنا نناول السهام ونسقي السويق، ومعنا دواء للجرحى، ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله. قال فمرن فانصرفن، قالت: فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال، فقلت لها يا جدة وما الذي أخرج لكن؟ قالت تمرا.
قلت: إنما أعطاهن من الحاصل، فأما أنه أسهم لهن في الأرض كسهام الرجال فلا! والله أعلم. وقال الحافظ البيهقي وفي كتابي عن أبي عبد الله الحافظ بأن عبد الله الأصبهاني أخبره حدثنا الحسن (٢) بن الجهم، ثنا الحسين بن الفرج، ثنا الواقدي: حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير، عن أبيه عن جده عن عبد الله بن أنيس قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ومعي زوجتي وهي حبلى فنفست في الطريق، فأخبرت رسول الله ﷺ فقال لي " انقع لها تمرا فإذا انغمر فأمر به لتشربه " ففعلت فما رأت شيئا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ولم يسهم لهن، فأجدى (٣) زوجتي وولدي الذي ولد، قال عبد السلام: لست أدري غلام أو جارية (٤).
ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب ومسلمو الحبشة المهاجرون
قال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو أسامة، ثنا يزيد بن عبد الله (٥) " عن أبي بردة عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين (٦) أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى
стр. 1474
النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء ابنة عميس، قال عمر الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء نعم! قال سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله ﷺ ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنبي ﷺ وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا قالت قال " فما قلت له؟ " قالت: قلت: كذا وكذا، قال " ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان " قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأهل السفينة يأتوني ارسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به افرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وأنه ليستعيد هذا الحديث مني. وقال أبو بردة: عن أبي موسى قال النبي ﷺ " إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم بن حزام إذا لقي العدو أو قال الخيل - قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم " (١). وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وعبد الله بن براد عن أبي أسامة به. ثم قال البخاري: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا حفص بن غياث ثنا [بريد بن عبد الله عن] (٢) أبي بردة عن أبي موسى قال: قدمنا على النبي ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لاحد لم يشهد الفتح غيرنا. تفرد به البخاري دون مسلم. ورواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث يزيد به. وقد ذكر محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يطلب منه من بقي من أصحابه بالحبشة، فقدموا صحبة جعفر وقد فتح النبي ﷺ خيبر. قال: وقد ذكر سفيان بن عيينة عن الأجلح عن الشعبي أن جعفر بن أبي طالب قدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه وقال " ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر " (٣). وهكذا رواه سفيان الثوري عن الأجلح عن الشعبي مرسلا. وأسند البيهقي من طريق حسن بن حسين العرزمي عن الأجلح عن الشعبي عن جابر قال: لما قدم رسول الله ﷺ من خيبر قدم جعفر من الحبشة، فتلقاه وقبل جبهته وقال " والله ما أدري بأيهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر " ثم قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا الحسين بن أبي إسماعيل العلوي، ثنا أحمد
стр. 1475
ابن محمد البيروتي، ثنا محمد بن أحمد بن أبي طيبة، حدثني مكي بن إبراهيم الرعيني، ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله ﷺ ، فلما نظر جعفر إليه حجل - قال مكي: يعني مشى على رجل واحدة - إعظاما لرسول الله ﷺ ، فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه. ثم قال البيهقي: في إسناده من لا يعرف إلى الثوري (١).
قال ابن إسحاق: وكان الذين تأخروا مع جعفر من أهل مكة إلى أن قدموا معه خيبر: ستة عشر رجلا، وسرد أسماءهم وأسماء نسائهم وهم، جعفر بن أبي طالب الهاشمي، وامرأته أسماء بنت عميس، وابنه عبد الله ولد بالحبشة، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وامرأته أمينة (٢) بنت خلف بن أسعد، وولداه سعيد، وأمة بنت خالد ولدا بأرض الحبشة، وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص (٣) ومعيقيب بن أبي فاطمة وكان إلى آل سعيد بن العاص، قال وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة، وأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد الأسدي، وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل العبدري، وقد ماتت امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بأرض الحبشة، وابنه عمرو، وابنته خزيمة ماتا بها (٤) ﵏، وعامر بن أبي وقاص الزهري، وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وقد هلكت بها امرأته ريطة بنت الحارث رحمها الله، وعثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحي، ومحمية بن جزء الزبيدي حليف بني سهم، ومعمر بن عبد الله بن نضلة العدوي، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس العامريان، ومع مالك هذا امرأته عمرة بنت السعدي، والحارث بن عبد شمس (٥) بن لقيط الفهري.
قلت: ولم يذكر ابن إسحاق أسماء الأشعريين الذين كانوا مع أبي موسى الأشعري وأخويه أبا بردة وأبا رهم وعمه أبا عامر، بل لم يذكر من الأشعريين غير أبي موسى ولم يتعرض لذكر أخويه وهما أسن منه كما تقدم في صحيح البخاري. وكأن ابن إسحاق ﵀ لم يطلع على حديث أبي موسى في ذلك والله أعلم. قال: وقد كان معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك من المسلمين هنالك. وقد حرر هاهنا شيئا كثيرا حسنا. قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان سمعت الزهري وسأله إسماعيل بن أمية قال أخبرني عنبسة بن سعيد: أن أبا هريرة أتى رسول الله ﷺ
стр. 1476
وسأله - يعني أن يقسم له - فقال بعض بني سعيد بن العاص لا تعطه، فقال أبو هريرة هذا قاتل ابن قوقل فقال: واعجبا لو بر تدلى من قدوم الضأل (١). تفرد به دون مسلم. قال البخاري ويذكر عن الزبيدي عن الزهري أخبرني عنبسة بن سعيد أنه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال: بعث رسول الله ﷺ أبانا على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعد ما افتتحها، وأن حزم خيلهم لليف. قال أبو هريرة فقلت يا رسول الله لا تقسم لهم، فقال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأل. وقال النبي ﷺ " يا أبان اجلس " ولم يقسم لهم، وقد أسند أبو داود هذا الحديث: عن سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي به نحوه (٢). ثم قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، أخبرني جدي وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أن أبان بن سعيد أقبل إلى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال أبو هريرة يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل، فقال أبان لأبي هريرة: واعجبا لك يا وبر تردي من قدوم ضأل تنعي على امرءا أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده؟ هكذا رواه منفردا به ها هنا. وقال في الجهاد بعد حديث الحميدي عن سفيان عن الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بخيبر بعد ما افتتحها، فقلت يا رسول الله أسهم لي، فقال بعض آل سعيد بن العاص: لا تقسم له، فقلت يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل الحديث. قال سفيان حدثنيه السعيدي - يعني عمرو بن يحيى بن سعيد - عن جده عن أبي هريرة بهذا. ففي هذا الحديث التصريح من أبي هريرة بأنه لم يشهد خيبر وتقدم في أول هذه الغزوة. رواه الإمام أحمد: من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة وأنه قدم على رسول الله ﷺ بعدما افتتح خيبر فكلم المسلمين فأشركونا في أسهامهم وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار قال: ما شهدت مع رسول الله ﷺ مغنما قط إلا قسم لي، إلا خيبر فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة.
قلت: وكان أبو هريرة وأبو موسى جاءا بين الحديبية وخيبر. وقد قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق عن مالك بن أنس، حدثني ثور حدثني سالم مولى [عبد الله] بن مطيع أنه سمع أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة، إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له بعض بني الضبيب فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله ﷺ " كلا والذي نفسي
стр. 1477
بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا " فجاء رجل حين سمع ذلك من رسول الله ﷺ بشراك أو شراكين فقال: هذا شئ كنت أصبته، فقال رسول الله ﷺ " شراك أو شراكين من نار ".
قصة الشاة المسمومة والبرهان الذي ظهر
قال البخاري: رواه عروة عن عائشة عن النبي ﷺ . ثم قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث حدثني سعيد عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، هكذا أورده ها هنا مختصرا (١). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ " اجمعوا لي من كان ها هنا من يهود " فجمعوا له فقال النبي ﷺ " إني سائلكم عن شئ فهل أنتم صادقي عنه؟ " قالوا نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ " من أبو كم؟ " قالوا أبو نا فلان، فقال رسول الله ﷺ " كذبتم بل أبو كم فلان " قالوا صدقت وبررت فقال " هل أنتم صادقي عن شئ إذا سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله ﷺ " " من أهل النار؟ " فقالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ " والله لا نخلفكم فيها أبدا " ثم قال لهم " هل أنتم صادقي عن شئ إذا سألتكم؟ " فقالوا نعم يا أبا القاسم، فقال " هل جعلتم في هذه الشاة سما " فقالوا: نعم! قال " ما حملكم على ذلك؟ " قالوا أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك (٢). وقد رواه البخاري في الجزية عن عبد الله بن يوسف، وفي المغازي أيضا عن قتيبة كلاهما عن الليث به. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم [قال: حدثنا العباس بن محمد، قال] (٣) حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن امرأة من يهود أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة، فقال لأصحابه " أمسكوا فإنها مسمومة " وقال لها: " ما حملك على ما صنعت؟ " قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك. قال: فما عرض لها رسول الله ﷺ (٤) رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله عن سعيد بن سليمان به. ثم روى البيهقي عن طريق عبد الملك بن
стр. 1478
أبي نضرة عن أبيه عن جابر بن عبد الله نحو ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا شريح ثنا عباد عن هلال هو ابن خباب - عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة، فأرسل إليها فقال " ما حملك على ما صنعت؟ " قالت أحببت - أو أردت - إن كنت نبيا فإن الله سيطلعك عليه، وإن لم تكن نبيا أريح الناس منك. قال فكان رسول الله ﷺ إذا وجد من ذلك شيئا احتجم، قال فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم. تفرد به أحمد وإسناده حسن. وفي الصحيحين من حديث شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك: أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجئ بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك؟ قالت أردت لأقتلك، فقال " ما كان الله ليسلطك علي " أو قال " على ذلك " قالوا: ألا تقتلها قال " لا " قال أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية (١) ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذ رسول الله ﷺ الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﷺ " ارفعوا أيديكم " وأرسل رسول الله ﷺ إلى المرأة فدعاها فقال لها " أسممت هذه الشاة؟ " قالت اليهودية من أخبرك؟ قال " أخبرتني هذه التي في يدي " وهي الذراع، قالت نعم قال " فما أردت بذلك؟ " قالت: قلت إن كنت نبيا فلن تضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك. فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة واحتجم النبي ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار. ثم قال أبو داود حدثنا وهب بن بقية، ثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية نحو حديث جابر، قال: فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية فقال " ما حملك على الذي صنعت؟ " فذكر نحو حديث جابر، فأمر رسول الله ﷺ فقتلت ولم يذكر أمر الحجامة. قال البيهقي: ورويناه من حديث حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها (٢). وروى البيهقي: من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مصلية بخيبر فقال: " ما هذه؟ " قالت هدية، وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل، قال: فأكل وأصحابه ثم قال " أمسكوا " ثم قال للمرأة " هل سممت؟ " قالت من أخبرك هذا؟ قال " هذا العظم " لساقها وهو في يده، قالت: نعم قال
стр. 1479
" لم؟ " قالت: أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك. قال فاحتجم رسول الله ﷺ على الكاهل وأمر أصحابه فاحتجموا. ومات بعضهم. قال الزهري فأسلمت (١) فتركها النبي ﷺ . قال البيهقي: هذا مرسل ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد الله ﵁. وذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة وكذلك موسى بن عقبة عن الزهري قالوا: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر وقتل منهم من قتل، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاة مصلية وسمتها، وأكثرت في الكتف والذراع لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله ﷺ ، فدخل رسول الله ﷺ على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور وهو أحد بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله ﷺ الكتف وانتهش منها، وتناول بشر عظما فانتهش منه، فلما استرط رسول الله ﷺ لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله ﷺ " ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت (٢) فيها " فقال بشر بن البراء والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمتك أن أبغضك (٣) طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي (٤)، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول حتى يحول (٥). قال الزهري: قال جابر: واحتجم رسول الله ﷺ يومئذ حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة وبقي رسول الله ﷺ بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال " ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري " فتوفي رسول الله ﷺ شهيدا.
стр. 1480
وقال محمد بن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها الذراع فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ ، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله ﷺ فلفظها ثم قال " إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم " ثم دعا بها فاعترفت، فقال " ما حملك على ذلك؟ " قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان كذابا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر. قال فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ، ومات بشر من أكلته التي أكل.
قال ابن إسحاق وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال: كان رسول الله ﷺ قد قال في مرضه الذي توفي فيه - ودخلت عليه أخت (١) بشر بن البراء بن معرور - " يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت [فيه] انقطاع أبهري من الاكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر ". قال ابن هشام: الأبهر العرق المعلق بالقلب. قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من النبوة (٢). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هلال بن بشر وسليمان بن يوسف الحراني قالا: ثنا أبو غياث سهل بن حماد، ثنا عبد الملك بن أبي نضرة عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أن يهودية أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة سميطا، فلما بسط القوم أيديهم، قال رسول الله ﷺ : " أمسكوا فإن عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة " فأرسل إلى صاحبتها " أسممت طعامك؟ " قالت: نعم، قال: " ما حملك على ذلك؟ " قالت إن كنت كاذبا أن أريح الناس منك، وإن كنت صادقا علمت أن الله سيطلعك عليه. فبسط يده وقال " كلوا بسم الله " قال: فأكلنا وذكرنا اسم الله فلم يضر أحدا منا. ثم قال لا يروى عن عبد الملك بن أبي نضرة إلا من هذا الوجه.
قلت: وفيه نكارة وغرابة شديدة والله أعلم. وذكر الواقدي: أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا رسول الله ﷺ محاصر خيبر، فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله ﷺ فيظفر به، فلما قدم على رسول الله ﷺ خيبر وجده قد افتتحها، فقال: يا محمد أعطني ما غنمت من حلفائي - يعني أهل خيبر - فقال له رسول الله ﷺ " كذبت رؤياك " وأخبره بما رأى (٣)، فرجع عيينة فلقيه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل إنك توضع في غير شئ،
стр. 1481
والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب، وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، إنه لمرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا. ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر. قال الحارث: قلت لسلام يملك الأرض؟ قال نعم والتوراة التي أنزلت على موسى وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه.
فصل
قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادي القرى، فحاصر أهلها ليال ثم انصرف راجعا إلى المدينة. ثم ذكر من قصة مدعم وكيف جاءه سهم غارب فقتله، وقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله ﷺ " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ". وقد تقدم في صحيح البخاري نحو ما ذكره ابن إسحاق والله أعلم. وسيأتي ذكر قتاله ﵇ بوادي القرى. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا من أشجع من أصحاب رسول الله ﷺ توفي يوم خيبر، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال " صلوا على صاحبكم " فتغير وجوه الناس من ذلك، فقال " إن صاحبكم غل في سبيل الله " ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود ما يساوي درهمين (١). وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى ابن سعيد القطان. ورواه أبو داود وبشر بن المفضل وابن ماجة من حديث الليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري به. وقد ذكر البيهقي: أن بني فزارة أرادوا أن يقاتلوا رسول الله ﷺ مرجعه من خيبر وتجمعوا لذلك فبعث إليهم يواعدهم موضعا (٢) معينا فلما تحققوا ذلك هربوا كل مهرب، وذهبوا من طريقه كل مذهب وتقدم أن رسول الله ﷺ لما حلت صفية من استبرائها دخل بها بمكان يقال له سد الصهباء في أثناء طريقه إلى المدينة، وأولم عليها بحيس، وأقام ثلاثة أيام يبنى عليه بها، وأسملت فأعتقها وتزوجها وجعل عناقها صداقها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين كما فهمه الصحابة لما مد عليها الحجاب وهو مردفها وراءه ﵂. وذكر محمد بن إسحاق في السيرة قال: لما أعرس رسول الله ﷺ بصفية بخيبر - أو ببعض الطريق - وكانت التي جملتها إلى رسول الله ﷺ ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم
стр. 1482
أنس بن مالك، وبات بها رسول الله ﷺ في قبة له وبات أبو أيوب متوشحا بسيفه يحرس رسول الله ﷺ ويطيف بالقبة، حتى أصبح، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانه قال " مالك يا أبا أيوب؟ " قال خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال " اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني " ثم قال: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب فذكر نومهم عن صلاة الصبح مرجعهم من خيبر وأن رسول الله ﷺ كان أولهم استيقاظا فقال " ماذا صنعت بنا يا بلال؟ " قال يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال " صدقت " ثم اقتاد ناقته غير كثير ثم نزل فتوضأ وصلى كما كان يصليها قبل ذلك. وهكذا رواه مالك عن الزهري عن سعيد مرسلا وهذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرس (١) وقال لبلال " اكلا لنا الليل " (٢) قال فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا ففزع رسول الله ﷺ وقال " يا بلال " قال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ رسول الله ﷺ فأمر بلالا فأقام الصلاة وصلى لهم الصبح، فلما أن قضى الصلاة قال " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول (وأقم الصلاة لذكري) (٣) قال يونس وكان ابن شهاب يقرأها كذلك. وهكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب به وفيه أن ذلك كان مرجعهم من خيبر. وفي حديث شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من الحديبية، ففي رواية عنه أن بلالا هو الذي كان يكلؤهم، وفي رواية عنه أنه هو الذي كان يكلؤهم (٤). قال الحافظ البيهقي: فيحتمل أن ذلك كان مرتين. قال: وفي حديث عمران بن حصين وأبي قتادة نومهم عن الصلاة وفيه حديث الميضاة فيحتمل أن ذلك إحدى هاتين المرتين أو مرة ثالثة. قال وذكر الواقدي في حديث أبي قتادة أن ذلك كان مرجعهم من غزوة تبوك. قال وروى زافر بن سليمان عن شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من تبوك فالله أعلم (٥). ثم أورد البيهقي ما رواه
стр. 1483
صاحب الصحيح من قصة عوف الأعرابي عن أبي رجاء عن عمران بن حصين في قصة نومهم عن الصلاة وقصة المرأة صاحبة السطيحتين وكيف أخذوا منهما ماء روى الجيش بكماله ولم ينقص ذلك منهما شيئا. ثم ذكر ما رواه مسلم من حديث ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة وهو حديث طويل وفيه نومهم عن الصلاة وتكثير الماء من تلك الميضاة (١). وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي عثمان عن أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبرا، وقال لما توجه رسول الله ﷺ إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ " أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم " وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ فسمعني وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال " يا عبد الله بن قيس " قلت لبيك يا رسول الله قال " ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة " قلت بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي قال " لا حول ولا قوة إلا بالله ". وقد رواه بقية الجماعة من طرق عن عبد الرحمن بن مل أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري، والصواب أنه كان مرجعهم من خيبر فإن أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر كما تقدم.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ فيما بلغني - قد أعطى ابن لقيم العبسي حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة أو داجن، وكان فتح خيبر في صفر، فقال ابن لقيم في فتح خيبر:
رميت نطاة من الرسول بفيلق … شهباء ذات مناكب وفقار (٢)
واستيقنت بالذل لما شيعت … ورجال أسلم وسطها وغفار
صبحت بني عمرو بن زرعة غدوة … والشق أظلم أهله بنهار
جرت بأبطحها الذيول فلم تدع … إلا الدجاج تصيح بالاسحار
ولكل حصن شاغل من خيلهم … من عبد الأشهل أو بني النجار
ومهاجرين قد اعلموا سيماهم … فوق المغافر لم ينوا لفرار
ولقد علمت ليغلبن محمد … وليثوين بها إلى أصفار (٣)
فرت يهود عند ذلك في الوغى … تحت العجاج غمائم الابصار (٤)
стр. 1484
فصل من استشهد بخيبر من الصحابة
على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار ﵀ وغيره من أصحاب المغازي.
فمن خير المهاجرين ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي مولى بني أمية، وثقيف بن عمرو (١) ورفاعة بن سروح حلفاء بني أمية، وعبد الله بن الهبيب (٢) بن أهيب بن سحيم بن غيرة من بني سعد بن ليث حليف بني أسد وابن أختهم، ومن الأنصار بشر بن البراء بن معرور من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله ﷺ كما تقدم، وفضيل بن النعمان السلميان، ومسعود بن سعد بن قيس بن خالد (٣) بن عامر بن زريق الزرقي، ومحمود بن مسلمة الأشهلي، وأبو ضياح (٤) حارثة بن ثابت بن النعمان العمري، والحارث بن حاطب، وعروة (٥) بن مرة بن سراقة، وأوس [بن] الفائد (٦) وأنيف بن حبيب (٧)، وثابت بن أثلة وطلحة (٨)، وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله، وعامر بن الأكوع ثم سلمة بن عمرو بن الأكوع أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله ﵀ كما تقدم، والأسود الراعي. وقد أفرد ابن إسحاق ها هنا قصته وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق: وممن استشهد بخيبر فيما ذكره ابن شهاب من بني زهرة مسعود بن ربيعة حليف لهم من القارة، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف أوس بن قتادة ﵃ أجمعين.
خبر الحجاج بن علاط البهزي
قال ابن إسحاق: ولما فتحت خيبر كلم رسول الله ﷺ الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال: يا رسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده،
стр. 1485
له منها معوض بن الحجاج - ومالا متفرقا في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله فأذن له، فقال إنه لابد لي يا رسول الله من أن أقول، قال: قل، قال الحجاج، فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء (١) رجالا من قريش يستمعون الاخبار ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا، وهم يتجسسون الاخبار من الركبان، فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط - قال ولم يكونوا علموا باسلامي - عنده والله الخبر. أخبرنا يا أبا محمد فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود وريف الحجاز؟ قال: قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم، قال فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج؟ قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط. وقد قتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسرا وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة [فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم قال: فقاموا وصاحوا بمكة] (٢) وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم، قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي، فاني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك. قال فقاموا فجمعوا لي ما كان لي كأحث جمع سمعت به، قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي، وكان [لي] (٢) عندها مال موضوع، فلعلي الحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار، قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وما جاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيم التجار، فقال: يا حجاج ما هذا الذي جئت به؟ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم! قال: قلت: فاستأخر حتى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى فانصرف حتى أفرغ. قال: حتى إذا فرغت من جمع كل شئ كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى الطلب ثلاثا ثم قل: ما شئت، قال: أفعل. قلت: فإني والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعني صفية بنت حيي - وقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه، قال: ما تقول يا حجاج؟! قال قلت أي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا عليه من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له، وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة! قال كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر ونزل عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها وأصبحت له ولأصحابه قالوا من جاءك بهذا الخبر؟ قال الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ أمواله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، فقالوا يا لعباد الله انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا
стр. 1486
وله شأن، قال ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك. هكذا ذكر ابن إسحاق هذه القصة منقطعة، وقد أسند ذلك الإمام أحمد بن حنبل فقال: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، سمعت ثابتا يحدث عن أنس قال: لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر قال الحجاج بن علاط يا رسول الله إن لي بمكة مالا وإن لي بها أهلا وإني أريد أن آتيهم أفأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا؟ فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء. فأتى امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندك فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم. قال وفشى ذلك بمكة فانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحا وسرورا، قال وبلغ الخبر العباس فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم. قال معمر: فأخبرني عثمان الخزرجي (١) عن مقسم قال: فأخذ ابنا يقال له قثم واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول.
حبي قثم … شبه ذي الانف الأشم … بني ذي النعم … بزعم من زعم
قال ثابت عن أنس: ثم أرسل غلاما له إلى حجاج بن علاط فقال: ويلك ما جئت به وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به، فقال حجاج بن علاط: أقرأ على أبي الفضل السلام وقل له: فليخل لي في بعض بيوته لآتيه فإن الخبر على ما يسره، فجاء غلامه فلما بلغ الدار، قال: أبشر يا أبا الفضل، قال فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه، فأخبره ما قال حجاج فأعتقه، قال ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي واتخذها لنفسه، وخيرها أن يعتقها وتكون زوجه أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، قال ولكني جئت لمال كان ها هنا أردت أن أجمعه فاذهب به فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لي أن أقول ما شئت، فاخف علي ثلاثا ثم أذكر ما بدا لك. قال فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي أو متاع فجمعته ودفعته إليه ثم انشمر به، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل لا يحزنني الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله، وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقا؟ قال: فإني صادق والامر على ما أخبرتك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، قال لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثا، وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شئ هاهنا ثم يذهب، قال فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من
стр. 1487
كان دخل بيته مكتئبا حتى أتى العباس فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون ورد ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين (١). وهذا الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق به نحوه. ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق. ورواه أيضا من طريق يعقوب بن سفيان عن زيد بن المبارك عن محمد بن ثور عن معمر به نحوه. وكذلك ذكر موسى بن عقبة في مغازيه: أن قريشا كان بينهم تراهن عظيم وتبايع، منهم من يقول يظهر محمد وأصحابه، ومنهم من يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر، وكان الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي قد أسلم وشهد مع رسول الله ﷺ فتح خيبر، وكان تحته أم شيبة (٢) أخت عبد الدار بن قصي، وكان الحجاج مكثرا من المال، وكانت له معادن أرض بني سليم، فلما ظهر رسول الله ﷺ على خيبر استأذن الحجاج رسول الله ﷺ في الذهاب إلى مكة يجمع أمواله فأذن له نحو ما نقدم والله أعلم (٣).
قال ابن إسحاق: ومما قيل من الشعر في غزوة خيبر قول حسان:
بئس ما قاتلت خيابر عما … جمعوا من مزارع ونخيل
كرهوا الموت فاستبيح حماهم … وأقروا فعل الذميم الذليل
أمن الموت يهربون فإن الموت … موت الهزال غير جميل
وقال كعب بن مالك فيما ذكره ابن هشام عن أبي زيد الأنصاري:
ونحن وردنا خيبرا وفروضه … بكل فتى عاري الأشاجع مزود
جواد لدى الغايات لا واهن القوى … جرئ على الأعداء في كل مشهد
عظيم رماد القدر في كل شتوة … ضروب بنصل المشرفي المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة … من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمي عن ذمار محمد … ويدفع عنه باللسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه … يجود بنفس دون نفس محمد
يصدق بالانباء بالغيب مخلصا … يريد بذاك العز والفوز في غد
стр. 1488
مروره صلى الله عليه وآله بوادي القرى ومحاصرة اليهود ومصالحتهم
قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القرى وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله ﷺ عبدا أسود يقال له مدعم، وكان يرحل لرسول الله ﷺ ، فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود وقدم إليها ناس من العرب، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا ولم نكن على تعبية. وهم يصيحون في آطامهم فيقبل سهم عاثر فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس هنيئا له بالجنة. فقال النبي ﷺ " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا " فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى رسول الله ﷺ بشراك أو شراكين. فقال النبي ﷺ : " شراك من نار أو شراكان من نار " (١). وهذا الحديث في الصحيحين من حديث مالك عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه.
قال الوادي: فعبى رسول الله أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الاسلام وأخبرهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله، قال: فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كل ما قتل منهم رجلا دعي من بقي منهم إلى الاسلام، ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الاسلام وإلى الله ورسوله، وقاتلهم حتى أمسى وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة وغنمهم (٢) الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا. وأقام رسول الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام، فقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الأرض والنخيل في أيدي اليهود وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء (٣) ما وطئ به رسول الله ﷺ خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول الله ﷺ على الجزية، وأقاموا بأيديهم أموالهم، فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، ومن وراء ذلك من الشام، قال ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي
стр. 1489
القرى وغنمه الله .
قال الواقدي: حدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن الحارث ابن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة قالت: سمعت رسول الله ﷺ بالجرف وهو يقول: " لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء " قالت: فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره، فخلى سبيلها ولم يهجر، وضن (١) بزوجته أن يفارقها وكان له منها أولاد وكان يحبها، فعصى رسول الله ﷺ فرأى ما يكره.
فصل
ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما افتتح خيبر عامل يهودها عليها على شطر ما يخرج منها من تمر أو زرع. وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث على أن يعملوها من أموالها، وفي بعضها وقال لهم النبي ﷺ " نقركم ما شئنا ". وفي السنن: أنه كان يبعث عليهم عبد الله بن رواحة يخرصها عليهم عند استواء ثمارها ثم يضمنهم إياه، فلما قتل عبد الله بن رواحة بمؤتة بعث جبار بن صخر كما تقدم. وموضع تحرير ألفاظه وبيان طرقه كتاب المزارعة من كتاب الأحكام إن شاء الله وبه الثقة.
وقال محمد بن إسحاق: سألت ابن شهاب كيف أعطى رسول الله ﷺ يهود خيبر نخلهم؟ فأخبرني أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء الله عليه، خمسها وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله ﷺ فقال: " إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها، وتكون ثمارها بيننا وبينكم، فأقركم ما أقركم الله " فقبلوا وكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها ويعدل عليهم في الخرص. فلما توفى الله نبيه ﷺ أقرها أبو بكر بأيديهم، على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله ﷺ حتى توفي، ثم أقرهم عمر بن الخطاب صدرا من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول الله ﷺ قال في وجعه الذي قبضه الله فيه " لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان " ففحص عمر عن ذلك، حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله أذن لي في إجلائكم. وقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: " لا يجتمعن في جزيرة العرب دينان " فمن كان عنده عهد من رسول الله ﷺ ، فليأتني به، أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز للجلاء، فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد رسول الله ﷺ ، [منهم] (٢). قلت: قد ادعى يهود خيبر في أزمان متأخرة بعد الثلثمائة أن بأيديهم كتابا من رسول الله ﷺ
стр. 1490
فيه أنه وضع الجزية عنهم، وقد اغتر بهذا الكتاب بعض العلماء حتى قال باسقاط الجزية عنهم، من الشافعية الشيخ أبو علي بن خيرون وهو كتاب مزور مكذوب مفتعل لا أصل له، وقد بينت بطلانه من وجوه عديدة في كتاب مفرد، وقد تعرض لذكره وإبطاله جماعة من الأصحاب في كتبهم كأبن الصباغ في مسائله، والشيخ أبي حامد في تعليقته، وصنف فيه ابن المسلمة جزءا منفردا للرد عليه، وقد تحركوا به بعد السبعمائة وأظهروا كتابا فيه نسخة ما ذكره الأصحاب في كتبهم، وقد وقفت عليه فإذا هو مكذوب، فإن فيه شهادة سعد بن معاذ وقد كان مات قبل زمن خيبر، وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يومئذ، وفي آخره وكتبه علي بن أبو طالب وهذا لحن وخطأ، وفيه وضع الجزية ولم تكن شرعت بعد، فإنها إنما شرعت أول ما شرعت وأخذ من أهل نجران. وذكروا أنهم وفدوا في حدود سنة تسع والله أعلم.
ثم قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: خرجت أنا والزبير ابن العوام والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا، قال: فعدي علي تحت الليل، وأنا نائم على فراشي ففدعت يداي من مرفقي، فلما استصرخت علي صاحباي فأتياني فسألاني: من صنع هذا بك؟ فقلت لا أدري، فأصلحا من يدي ثم قدما بي على عمر، فقال هذا عمل يهود خيبر. ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر، ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم (١) على الأنصاري قبله، لا نشك أنهم كانوا أصحابه، ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال من خيبر فليلحق به، فإني مخرج يهود فأخرجهم.
قلت: كان لعمر بن الخطاب سهمه الذي بخيبر وقد كان وقفه في سبيل الله وشرط في الوقف ما أشار به رسول الله ﷺ كما هو ثابت في الصحيحين، وشرط أن يكون النظر فيه للأرشد فالأرشد من بناته وبنيه.
قال الحافظ البيهقي في الدلائل: جماع أبواب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر وقبل عمرة القضية وإن كان تاريخ بعضها ليس بالواضح عند أهل المغازي.
سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة
قال الإمام أحمد: حدثنا بهز ثنا عكرمة بن عمار، ثنا أياس بن سلمة، حدثني أبي قال: خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمره رسول الله ﷺ علينا فغزونا بني فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء من مر
стр. 1491
قبلنا، قال سلمة: ثم نظرت إلى عنق (١) من الناس فيه من الذرية والنساء نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب، قال فنفلني أبو بكر بنتها، قال فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم بت فلم اكشف لها ثوبا، قال فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال لي " يا سلمة هب لي المرأة " قال: فقلت: والله يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، قال: فسكت رسول الله ﷺ وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال " يا سلمة هب لي المرأة " قال: فقلت: يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، قال: فسكت رسول الله ﷺ وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال " يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك " قال: قلت: يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله، قال بعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله ﷺ بتلك المرأة (٢) وقد رواه مسلم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار به.
سرية عمر بن الخطاب إلى تربة (٣) وراء مكة بأربعة أميال
ثم أورد البيهقي من طريق الواقدي بأسانيده أن رسول الله ﷺ بعث عمر بن الخطاب ﵁ في ثلاثين راكبا [إلى عجز هوازن بتربة] (٤) ومعه دليل من بني هلال، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فلما انتهوا إلى بلادهم هربوا منهم وكر عمر راجعا إلى المدينة، فقيل له هل لك في قتال خثعم؟ فقال إن رسول الله ﷺ لم يأمرني إلا بقتال هوازن في أرضهم (٥).
سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير بن رزام اليهودي
ثم أورد من طريق إبراهيم بن لهيعة، عن أبي الأسود عن عروة، ومن طريق موسى بن عقبة عن الزهري أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن رواحة
стр. 1492
إلى يسير بن رزام اليهودي حتى أتوه بخيبر، وبلغ رسول الله ﷺ أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا أرسلنا إليك رسول الله ﷺ . ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قرقرة نيار (١) وهي من خيبر على ستة أميال ندم يسير بن رزام فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن رواحة، ففطن له عبد الله بن رواحة فزجر بعيره ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى استمكن من يسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم يسير وفي يده مخراش (٢) من شوحط فضرب به وجه عبد الله بن رواحة فشجه شجة مأمومة. وانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا ولم يصب من المسلمين أحد، وبصق رسول الله ﷺ في شجة عبد الله بن رواحة (٣) فلم تقيح ولم تؤذه حتى مات.
سرية أخرى مع بشير بن سعد
روي من طريق الواقدي باسناده: أن رسول الله ﷺ بعث بشير بن سعد في ثلاثين راكبا إلى بني مرة من أرض فدك فاستاق نعمهم، فقاتلوه وقتلوا عامة من معه وصبر هو يومئذ صبرا عظيما، وقاتل قتالا شديدا، ثم لجأ إلى فدك فبات (٤) بها عند رجل من اليهود، ثم كر راجعا إلى المدينة.
قال الواقدي: ثم بعث إليهم رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة فذكر منهم أسامة بن زيد، وأبا مسعود البدري، وكعب بن عجرة ثم ذكر مقتل أسامة ابن زيد لمرداس بن نهيك حليق بني مرة وقوله حين علاه بالسيف: لا إله إلا الله، وأن الصحابة لاموه على ذلك حتى سقط في يده وندم على ما فعل (٥) وقد ذكر هذه القصة يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ من بني سلمة عن رجال من قومه: أن رسول الله ﷺ بعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى أرض بني مرة فأصاب مرداس بن نهيك حليفا لهم من الحرقة فقتله أسامة. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة بن زيد قال: أدركته أنا ورجل من الأنصار - يعني مرداس بن نهيك - فلما شهرنا عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه فقال: " يا أسامة من
стр. 1493
لك بلا إله إلا الله " فقلت: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، قال: " فمن لك يا أسامة بلا إله إلا الله " فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله. فقلت: إني أعطي الله عهدا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا، فقال: " بعدي يا أسامة " فقلت بعدك (١). قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن بشير، أنبأنا حصين، عن أبي ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يحدث قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال فصبحناهم وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال: فغشيته أنا ورجل من الأنصار، فلما تغشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري وقتلته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال " يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذا من القتل، قال فكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ (٢). وأخرجه البخاري ومسلم من حديث هشيم به نحوه.
وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجهني، عن جندب ابن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي - كلب ليث إلى بني الملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم وكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إني إنما جئت لأسلم، فقال له غالب بن عبد الله إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضيرك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك، قال فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود كان معنا وقال: أمكث معه حتى نمر عليك فإن نازعك فاحتز رأسه. ومضينا حتى أتينا بطن الكديد فنزلنا عشية بعد العصر، فبعثني أصحابي إليه، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر (٣) فانبطحت عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل. فقال لامرأته، إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك؟ فنظرت فقالت: والله ما أفقد منها شيئا، قال فناوليني قوسي وسهمين من نبلي فناولته فرماني بسهم في جنبي أو قال في جبيني فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سهماي ولو كان ريبة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما علي الكلاب، قال فأمهلنا حتى إذا راحت روايحهم وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا وذهبت عتمة من الليل، شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم ووجهنا قافلين به وخرج صريخ القوم إلى قومهم بقربنا، قال وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا
стр. 1494
وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد، بعث الله من حيث شاء ماء ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا، وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه، ونحن نجد بها أو نحدوها - شك النفيلي فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك، ثم حذرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا (١). وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق في روايته عبد الله بن غالب، والصواب غالب بن عبد الله كما تقدم. وذكر الواقدي هذه القصة باسناد آخر وقال فيه: وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا. ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير بن سعد أيضا إلى ناحية خيبر فلقوا جمعا من العرب وغنموا نعما كثيرا، وكان بعثه في هذه السرية بإشارة أبي بكر وعمر ﵄، وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ودليله حسبل بن نويرة وهو الذي كان دليل النبي ﷺ إلى خيبر. قاله الواقدي (٢).
سرية بني حدرد إلى الغابة
قال يونس عن محمد بن إسحاق: كان من حديث قصة أبي حدرد (٣) وغزوته إلى الغابة ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، عن أبي حدرد قال: تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم، قال: فأتيت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحي فقال " كم أصدقت؟ " فقلت: مائتي درهم، فقال: " سبحان الله! والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زدتم، والله ما عندي ما أعينك به " فلبثت أياما ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له: رفاعة بن قيس - أو قيس بن رفاعة - في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله ﷺ ، وكان ذا اسم وشرف في جشم، قال: فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين [معي] من المسلمين فقال " اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم ". وقدم لنا شارفا عجفاء، فحمل عليه أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلت وما كادت، وقال " تبلغوا على هذه " فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية، وأمرت صاحبي، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا
стр. 1495
معي، فوالله إنا كذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم وتخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه فجعله في عنقه فقال: والله لأتيقنن أمر راعينا ولقد أصابه شر، فقال نفر ممن معه، والله لا تذهب نحن نكفيك، فقال: لا إلا أنا، قالوا نحن معك. فقال: والله لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى مر بي فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم فوثبت إليه، فاحتززت رأسه ثم شددت ناحية العسكر وكبرت، وشد صاحباي وكبرا، فوالله ما كان إلا التجأ ممن كان فيه، عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ وجئت برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا (١) في صداقي فجمعت إلي أهلي.
السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن (٢) عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى أضم (٣) في نفر من المسلمين منهم، أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع (٤) له ووطب من لبن، فسلم علينا بتحية الاسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشئ كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا مع رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر فنزل فينا القرآن (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى عليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا) [النساء: ٩٤] هكذا رواه الإمام أحمد عن يعقوب عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه فذكره.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري (٥)
стр. 1496
يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه وعن جده قالا - وكانا شهدا حنينا - قالا: فصلى رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فقام إلى ظل شجرة فقعد فيه فقام إليه عيينة بن بدر، فطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي وهو سيد عامر (١) هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ " فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن (٢) مثل ما أذاق نسائي، فقال رجل من بني ليث يقال له: ابن مكيتل وهو قصير من الرجال فقال: يا رسول الله ما أجد لهذا القتيل شبها في غرة الاسلام إلا كغنم وردت فشربت (٣) أولاها، فنفرت أخراها استن (٤) اليوم وغير غدا، فقال رسول الله ﷺ " هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ " فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، فقال قوم محلم بن جثامة إيتوا به حتى يستغفر له رسول الله ﷺ قال: فجاء رجل طوال ضرب اللحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل، فقام بين يدي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ " اللهم لا تغفر لملحم " قالها ثلاثا، فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه.
قال محمد بن إسحاق: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك. وهكذا رواه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن ابن إسحاق، ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن زيد بن ضميرة عن أبيه وعمه فذكر بعضه، والصواب كما رواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة (٥) عن أبيه وعن جده. وهكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعن عبد الرحمن ابن الحارث، عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه وجده بنحوه كما تقدم.
وقال ابن إسحاق: حدثني سالم أبو النضر أنه قال (٦): لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم، وقال: يا معشر قيس سألكم رسول الله ﷺ قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله ﷺ فيغضب الله لغضبه ويلعنكم رسول الله ﷺ فيلعنكم الله بلعنته لكم، لتسلمنه إلى رسول الله ﷺ أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلى قط فلا يطلبن دمه، فلما قال ذلك لهم أخذوا الدية. وهذا منقطع معضل. وقد روى ابن إسحاق عمن لا يتهم عن الحسن البصري: أن محلما
стр. 1497
لما جلس بين يديه ﵊ قال له " أمنته ثم قتلته؟ " ثم دعا عليه، قال الحسن فوالله ما مكث محلم إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله ﷺ فقال: " إن الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم لما أراكم منه " (١). وقال ابن جرير: ثنا وكيع ثنا جرير عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ محلم بن جثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الاسلام - وكانت بينهم هنة في الجاهلية - فرماه محلم بسهم فقتله فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ فتكلم فيه عيينة والأقرع فقال الأقرع: يا رسول الله سن اليوم وغير غدا، فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له فقال رسول الله ﷺ " لا غفر الله لك " فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض فجاؤوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فقال " إن الأرض لتقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم " ثم طرحوه في جبل فألقوا عليه من الحجارة ونزلت (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) الآية. وقد ذكره موسى بن عقبة عن الزهري ورواه شعيب عن الزهري عن عبد الله بن وهب عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم محلم بن جثامة ولا عامر بن الأضبط وكذلك رواه البيهقي عن الحسن البصري بنحو هذه القصة وقال وفيه نزل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) الآية (٢).
قلت: وقد تكلمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة.
سرية عبد الله بن حذافة السهمي (٣)
ثبت في الصحيحين (٤): من طريق الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن علي بن أبي طالب قال: استعمل النبي ﷺ رجلا من الأنصار على سرية بعثهم
стр. 1498
وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال فأغضبوه في شئ فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال: أوقدوا نارا فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، قال فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على النبي ﷺ ذكروا ذلك له فقال " لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف " وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد تكلمنا على هذه بما فيه كفاية في التفسير ولله الحمد والمنة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عمرة القضاء
ويقال القصاص. ورجحه السهيلي ويقال: عمرة القضية، فالأولى قضاء عما كان أحصر عام الحديبية والثاني من قوله تعالى (والحرمات قصاص) والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها على أن يرجع عنهم عامه هذا ثم يأتي في العام القابل، ولا يدخل مكة إلا في جلبان (١) السلاح وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة الفتح المباركة (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) الآية. وقد تكلمنا عليها مستقصى في كتابنا التفسير بما فيه الكفاية وهي الموعود بها في قوله ﵊ لعمر بن الخطاب حين قال له: ألم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال " بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ " قال: لا، قال: " فإنك آتيه ومطوف به " وهي المشار إليها في قول عبد الله بن رواحة حين دخل بين يدي رسول الله ﷺ إلى مكة يوم عمرة القضاء وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله
أي هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول الله ﷺ جاءت مثل فلق الصبح.
قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول الله ﷺ من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا يبعث فيما بين ذلك سراياه ثم خرج من ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها. قال ابن
стр. 1499
هشام: واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدئلي (١) ويقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله ﷺ في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص رسول الله ﷺ منهم فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع، بلغنا عن ابن عباس أنه قال: فأنزل الله تعالى في ذلك (والحرمات قصاص) وقال معتمر بن سليمان عن أبيه في مغازيه لما رجع رسول الله ﷺ من خيبر أقام بالمدينة وبعث سراياه حتى استهل ذي القعدة فنادى في الناس أن تجهزوا للعمرة فتجهزوا وخرجوا إلى مكة.
وقال ابن إسحاق: وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك، وهي سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها أن محمدا في عسرة وجهد وشدة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن عباس قال: صفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: " رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة " ثم استلم الركن ثم خرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم. وذلك أن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها. وقال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد - هو ابن زيد - عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاث وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الابقاء عليهم. قال أبو عبد الله ورواه أبو سلمة - يعني حماد بن سلمة - عن أيوب عن سعيد عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ لعامهم الذي استأمن قال " ارملوا ليرى المشركون قوتكم " والمشركون من قبل قعيقعان. ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد وأسند البيهقي طريق حماد بن سلمة (٢). وقال البخاري (٣) ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله ﷺ وسيأتي بقية الكلام على هذا المقام.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ حين دخل مكة في
стр. 1500
تلك العمرة دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله … خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمن بقيله … أعرف حق الله في قبوله
نحن قتلناكم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام: نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم يعني يوم صفين - قاله السهيلي. قال ابن هشام: والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين. والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل، وفيما قاله ابن هشام نظر. فإن الحافظ البيهقي روى من غير وجه: عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال: لما دخل النبي ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله … قد نزل الرحمن في تنزيله (١)
بأن خير القتل في سبيله … نحن قاتلناكم على تأويله
وفي رواية بهذا الاسناد بعينه:
خلوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله
يا رب إني مؤمن بقيله (٢)
وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل عام القضية مكة فطاف بالبيت على ناقته واستلم الركن (٣) بمحجنه. قال ابن هشام من غير علة، والمسلمون يشتدون حوله وعبد الله بن رواحة يقول:
بسم الذي لا دين إلا دينه … بسم الذي محمد رسوله
خلوا بني الكفار عن سبيله (٤)
قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم خرج رسول الله ﷺ من العام القابل من عام
стр. 1501
الحديبية معتمرا في ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يأجج وضع الأداة كلها (١) الحجف والمجان والرماح والنبل ودخلوا بسلاح الراكب السيوف وبعث رسول الله ﷺ بين يديه جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث العامرية، فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس وكان تحته أختها أم الفضل بنت الحارث، فزوجها العباس رسول الله ﷺ ، فلما قدم رسول الله ﷺ أمر أصحابه قال " اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف " ليرى المشركون جلدهم وقوتهم وكان يكايدهم بكل ما استطاع فاستكف أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت وعبد الله ابن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ متوشحا بالسيف وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله … أنا الشهيد أنه رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله … في صحف تتلى على رسوله
فاليوم نضربكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله
قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ . غيظا وحنقا، ونفاسة وحسدا. وخرجوا إلى الخندمة فقام رسول الله ﷺ بمكة وأقام ثلاث ليال، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية، فلما أتى الصبح من اليوم الرابع، أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، ورسول الله ﷺ في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب ابن عبد العزى: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة: كذبت لا أم لك ليس بأرضك ولا بأرض آبائك والله لا يخرج. ثم نادى رسول الله ﷺ سهيلا وحويطبا فقال: " إن قد نكصت فيكم امرأة، لا يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا " فقالوا نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا، فأمر رسول الله ﷺ أبا رافع فأذن بالرحيل، وركب رسول الله ﷺ حتى نزل ببطن سرف وأقام المسلمون وخلف رسول الله ﷺ أبن رافع ليحمل ميمونة، وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين ومن صبيانهم، فقدمت على رسول الله ﷺ بسرف فبنى بها ثم أدلج فسار حتى أتى المدينة، وقدر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فماتت حيث بنى بها رسول الله ﷺ . ثم ذكر قصة ابنة حمزة إلى أن قال: وأنزل الله في تلك العمرة (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص) فاعتمر رسول الله ﷺ في الشهر الحرام الذي صد فيه. وقد روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير
стр. 1502
نحوا من هذا السياق، ولهذا السياق شواهد كثيرة من أحاديث متعددة ففي صحيح البخاري: من طريق فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج. وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: لم تكن هذه عمرة قضاء وإنما كانت شرطا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الذي صدهم فيه المشركون. وقال أبو داود: ثنا النفيلي، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن ميمون: سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أن ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة، وبعث معي رجال من قومي بهدي، قال: فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، قال فنحرت الهدي مكاني، ثم أحللت ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي، فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء (١). تفرد به أبو داود من حديث أبي حاضر عثمان بن حاضر الحميري عن ابن عباس فذكره. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عمرو بن ميمون قال: كان أبي يسأل كثيرا أهل كان رسول الله ﷺ أبدل هديه الذي نحر حين صده المشركون عن البيت؟ ولا يجد في ذلك شيئا، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك، فقال له: على الخبير سقطت، حججت عام ابن الزبير في الحصر الأول فأهديت هديا، فحالوا بيننا وبين البيت، فنحرت في الحرم ورجعت إلى اليمن، وقلت: لي برسول الله ﷺ أسوة، فلما كان العام المقبل حججت فلقيت ابن عباس فسألته عما نحرت علي بدله أم لا؟ قال: نعم فأبدل، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدهم المشركون فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء، فعزت الإبل عليهم فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وآله في البقر (٢).
وقال الواقدي: (٣) حدثني غانم بن أبي غانم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: جعل رسول الله ﷺ ناجية بن جندب الأسلمي على هديه يسير بالهدي أمامه يطلب الرعي في الشجر معه أربعة فتيان من أسلم، وقد ساق رسول الله ﷺ في عمرة القضية ستين بدنة. فحدثني محمد بن نعيم المجمر، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كنت مع صاحب البدن أسوقها. قال
стр. 1503
الواقدي: وسار رسول الله ﷺ يلبي والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران فيجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة؟ فقال: هذا رسول الله ﷺ يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله، ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل، ففزعت قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا وإنا على كتابنا وهدنتنا (١) ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ ونزل رسول الله ﷺ مر الظهران وقدم رسول الله ﷺ السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج ورسول الله ﷺ في أصحابه والهدي والسلاح قد تلاحقوا، فقالوا: يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت، لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب، فقال النبي ﷺ " إني لا أدخل عليهم السلاح " فقال مكرز بن حفص: هذا الذي تعرف به البر والوفاء، ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة. فلما أن جاء مكرز بن حفص بخبر النبي ﷺ خرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال وخلوا مكة، وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه، فأمر رسول الله ﷺ بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى، وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه [﵏] وهو على ناقته القصواء وهم محدقون به يلبون وهم متوشحون السيوف، فلما انتهى إلى ذي طوى وقف على ناقته القصواء [والمسلمون حوله، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون على راحلته القصواء] (٢) وابن رواحة آخذ بزمامها [وهو يرتجز بشعره ويقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله … إلى آخره] (٣)
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة - يعني من ذي القعدة سنة سبع - فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول الله ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الابقاء عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الصباح ثنا إسماعيل ابن زكريا عن عبد الله بن عثمان، عن أبي الطفيل عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران من عمرته بلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، فقال " لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم فجمعوا له وبسطوا الأنطاع
стр. 1504
فأكلوا حتى تركوا، وحشى كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد، وقعدت قريش نحو الحجر فاضطبع بردائه ثم قال " لا يرى القوم فيكم غميزة " فاستلم الركن ثم رمل، حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما يرضون بالمشي أما أنهم لينفرون نفر الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أطواف فكانت سنة. قال أبو الطفيل: وأخبرني ابن عباس أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع. تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أبو داود: ثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد - يعني ابن سلمة - أنبأنا أبو عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ قد رمل بالبيت وأن ذلك سنة؟ فقال: صدقوا وكذبوا، قلت ما صدقوا وما كذبوا؟ قال صدقوا رمل رسول الله ﷺ ، وكذبوا ليس بسنة، إن قريشا زمن الحديبية قالت: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف (١)، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله ﷺ والمشركون من قبل قعيقعان، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه " ارملوا بالبيت ثلاثا " قال وليس بسنة (٢). وقد رواه مسلم من حديث سعيد الجريري وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين وعبد الملك بن سعيد بن أبجر ثلاثتهم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن ابن عباس به نحوه. وكون الرمل في الطواف سنة مذهب الجمهور، فإن رسول الله ﷺ رمل في عمرة القضاء وفي عمرة الجعرانة أيضا كما رواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس فذكره. وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره أنه ﵇ رمل في حجة الوداع في الطواف، ولهذا قال عمر بن الخطاب فيم الرملان وقد أطال الله الاسلام؟ ومع هذا لا نترك شيئا فعله رسول الله ﷺ ، وموضع تقرير هذا كتاب الأحكام. وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سنة كما ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: إنما سعى النبي ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركين قوته. لفظ البخاري. وقال الواقدي: لما قضى رسول الله ﷺ نسكه في القضاء دخل البيت فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله ﷺ أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول! وقال صفوان بن أمية: الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حتى يقوم بلال ينهق فوق البيت. وأما سهيل
стр. 1505
ابن عمرو ورجال معه لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم (١). قال الحافظ البيهقي: قد أكرم الله أكثرهم بالاسلام.
قلت: كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي أن هذا كان في عمرة القضاء، والمشهور أن ذلك كان في عام الفتح والله أعلم.
قصة تزويجه ﵇ بميمونة
فقال ابن إسحاق: حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب. قال ابن هشام: كانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فزوجها رسول الله ﷺ وأصدقها عنه أربعمائة درهم. وذكر السهيلي أنه لما انتهت إليها خطبة رسول الله ﷺ لها وهي راكبة بعيرا قالت: الجمل وما عليه لرسول الله ﷺ . قال وفيها نزلت الآية: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) (٢). وقد روى البخاري من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف (٣). قال السهيلي (٤). وروى الدارقطني من طريق أبي الأسود يتيم عروة ومن طريق مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال. قال وتأولوا رواية ابن عباس الأولى أنه كان محرما أي في شهر حرام كما قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما … فدعا فلم أر مثله مخذولا
أي في شهر حرام (٥).
قلت: وفي هذا التأويل نظر، لان الرواية متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك ولا سيما قوله تزوجها وهو محرم وبنى بها وهو حلال، وقد كان في شهر ذي القعدة أيضا وهو شهر حرام. وقال محمد بن يحيى الذهلي: ثنا عبد الرزاق قال: قال لي الثوري: لا يلتفت إلى قول أهل
стр. 1506
المدينة. أخبرني عمرو عن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج وهو محرم، قال أبو عبد الله قلت لعبد الرزاق: روى سفيان الحديثين جميعا عن عمرو، عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، وابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؟ قال: نعم، أما حديث ابن خثيم فحدثنا هاهنا - يعني باليمن - وأما حديث عمرو فحدثنا ثم - يعني بمكة - وأخرجاه في الصحيحين من حديث عمرو بن دينار به (١). وفي صحيح البخاري من طريق الأوزاعي أنبأنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. فقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها إلا بعد ما أحل (٢). وقال يونس عن ابن إسحاق حدثني بقية عن سعيد بن المسيب أنه قال: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم فذكر كلمته، إنما قدم رسول الله ﷺ مكة فكان الحل والنكاح جميعا فشبه ذلك على ابن عباس. وروى مسلم وأهل السنن: من طرق عن يزيد بن الأصم العامري عن خالته ميمونة بنت الحارث قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلال بسرف. لكن قال الترمذي: روى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلا أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة (٣). وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصفهاني الزاهد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، ثنا مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما. وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن حماد بن زيد به، ثم قال الترمذي حسن ولا نعلم أحدا أسنده عن حماد عن مطر ورواه مالك عن ربيعة عن سليمان مرسلا، ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا.
قلت: وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين ويقال سنة ستين ﵂.
ذكر خروجه ﷺ من مكة بعد قضاء عمرته
قد تقدم ما ذكره موسى بن عقبة أن قريشا بعثوا إليه حويطب بن عبد العزى بعد مضي أربعة أيام (٤) ليرحل عنهم كما وقع به الشرط، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عرسه بميمونة عندهم وإنما
стр. 1507
أراد تأليفهم بذلك فأبوا عليه، وقالوا بل أخرج عنا، فخرج وكذلك ذكره ابن إسحاق وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن البراء قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله قال " أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله " ثم قال لعلي بن أبي طالب " أمح رسول الله " قال لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: لا يدخل مكة [السلاح] (١) إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا أراد أن يقيم بها، فلما دخل ومضى الاجل أتوا عليا، فقالوا: قل لصاحبك فليخرج (٢) عنا فقد مضى الاجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي، فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك، فحملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها. وقال " الخالة بمنزلة الام " وقال لعلي " أنت مني وأنا منك " وقال لجعفر " اشبهت خلقي وخلقي " وقال لزيد " أنت أخونا ومولانا " (٣) قال علي ألا تتزوج ابنة حمزة، قال " إنها ابنة أخي من الرضاعة ". تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة فقال: حدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عمارة ابنة حمزة بن عبد المطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدم رسول الله ﷺ كلم علي بن أبي طالب رسول الله ﷺ فقال: علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين، فلم ينه النبي ﷺ عن إخراجها، فخرج بها فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة، وكان النبي ﷺ قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال أنا أحق بها ابنة أخي، فلما سمع بذلك جعفر قال: الخالة والدة، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس وقال علي: ألا أراكم تختصمون هي ابنة عمي وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها سبب (٤) دوني، وأنا أحق بها منكم فقال النبي ﷺ " أنا أحكم بينكم، أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله، [وأما أنت يا علي فأخي
стр. 1508
وصاحبي] (١) وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أولى بها تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها " فقضى بها لجعفر. قال الواقدي: فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله ﷺ ، فقال " ما هذا يا جعفر؟ " فقال يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله، فقال للنبي ﷺ تزوجها فقال " ابنة أخي من الرضاعة " فزوجها رسول الله ﷺ سلمة بن أبي سلمة، فكان النبي ﷺ يقول " هل جزيت سلمة " (٢).
قلت: لأنه ذكر الواقدي وغيره أنه هو الذي زوج رسول الله ﷺ بأمه أم سلمة، لأنه كان أكبر من أخيه عمر بن أبي سلمة والله أعلم.
قال ابن إسحاق: ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة في ذي الحجة، وتولى المشركون تلك الحجة. قال ابن هشام: وأنزل الله في هذه العمرة فيما حدثني أبو عبيدة قوله تعالى (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) [يعني خيبر] (٣).
فصل [سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم] (٤)
ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم، ثم ساق بسنده عن الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري: قال: لما رجع رسول الله ﷺ من عمرة القضية رجع في ذي الحجة من سنة سبع، فبعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين فارسا فخرج العين إلى قومه فحذرهم وأخبرهم فجمعوا جمعا كثيرا وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون، فلما أن رأوهم أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا جمعهم دعوهم إلى الاسلام، فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه، فرموهم ساعة وجعلت الامداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل جانب، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من
стр. 1509
شهر صفر سنة ثمان (١).
فصل: قال الواقدي في الحجة من هذه السنة - يعني سنة سبع - رد رسول الله ﷺ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع وقد قدمنا الكلام على ذلك، وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين وقد أسلمتا في الطريق، وغلام خصي. قال الواقدي: وفيها اتخذ رسول الله ﷺ منبره درجتين ومقعده، قال والثبت عندنا أنه عمل في سنة ثمان.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن بحولك وقوتك
سنة ثمان من الهجرة النبوية
إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة
قد تقدم طرف من ذلك فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهودي وذلك في سنة خمس من الهجرة، وإنما ذكره الحافظ البيهقي ها هنا بعد عمرة القضاء فروى من طريق الواقدي: أنبأنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه [قال] قال عمرو بن العاص: كنت للاسلام مجانبا معاندا، حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت، قال: فقلت في نفسي كم أوضع (٢)؟ والله ليظهرن محمدا على قريش! فلحقت (٣) بمالي بالرهط وأقللت من الناس - أي من لقائهم - فلما حضر الحديبية وانصرف رسول الله ﷺ في الصلح، ورجعت قريش إلى مكة، جعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل ولا الطائف، ولا شئ خير من الخروج، وأنا بعد نائي عن الاسلام، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي وكانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا ومدرهنا (٤) في يمن نفسه (٥) وبركة أمر، قال: قلت: تعلمون أني والله لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا، قالوا: وما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون معه، فإن يظهر محمد كنا عند
стр. 1510
النجاشي، نكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا: هذا الرأي. قال: قلت: فاجمعوا ما نهديه له - وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الادم - فحملنا أدما كثيرا حتى قدمنا على النجاشي، فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله ﷺ قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان (١)، فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت قد أجزأت عنها حتى قتلت رسول محمد، فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا. ثم قدمته فأعجبه وفرق منه شيئا بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، وأمر أن يكتب ويحتفظ به، فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا، قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله، فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي، فجعلت أتلقى الدم بثيابي فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه، ثم قلت أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك، قال فاستحيا وقال: يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول [رسول الله] (٢) من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى. والذي كان يأتي عيسى لتقتله؟ قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق والعرب والعجم وتخالف أنت؟ ثم قلت: أتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو فأطعني واتبعه، فوالله إنه لعلى الحق، وليظهرن على (٣) من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت أتبايعني له على الاسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعني على الاسلام، ثم دعا بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا - وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم. فألقيتها - ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك، وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود إليه، فقالوا: الرأي ما رأيت. قال: ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن، فأجد سفينة قد شحنت تدفع (٤)، قال فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة (٥) وخرجت من السفينة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران، ثم