← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وهو المحفوظ وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله ﷺ مكة في مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم بخلاف ما اعتمده سفهاء بني إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود - أي ركع - يقولون حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة. وقال البخاري: ثنا القاسم بن خارجة، ثنا حفص بن ميسرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة أخبرته: أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كداء التي بأعلا مكة، تابعه أبو أسامة ووهب في كداء. حدثنا عبيد بن إسماعيل ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من أعلا مكة من كداء وهو أصح إن أراد أن المرسل أصبح من المسند المتقدم انتظم الكلام، والا فكداء بالمد هي المذكورة في الروايتين وهي في أعلا مكة وكدى مقصور في أسفل مكة وهذا هو المشهور والأنسب. وقد تقدم أنه ﵇ بعث خالد بن الوليد من أعلا مكة ودخل هو ﵇ من أسفلها من كدى وهو في صحيح البخاري والله أعلم. وقد قال البيهقي: أنبأ أبو الحسن (١) بن عبد ان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد الله بن إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا معن، ثنا عبد الله بن عمر بن حفص (٢)، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح وأتى النساء يلطمن وجوه الخيل [بالخمر] (٣) فتبسم إلى أبي بكر وقال: " يا أبا بكر كيف قال حسان؟ " فأنشده أبو بكر ﵁: عدمت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع من كتفي كداء ينازعن الأعنة مسرجات … يلطمهن بالخمر النساء فقال رسول الله ﷺ " ادخلوها من حيث قال حسان ". وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية اظهري بي على أبي قبيس، قالت وقد كف بصره، قالت فأشرفت به عليه، فقال: أي بنية ماذا ترين؟ قالت أرى سوادا مجتمعا قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا، قال: أي بنية ذلك الوازع - يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها - ثم قالت: قد والله انتشر السواد، فقال: قد والله إذن دفعت الخيل فأسرعي بي إلى بيتي فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، قال: وفي عنق الجارية طوق من ورق (٤) فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها،

стр. 1577

قالت: فلما دخل رسول الله ﷺ مكة، ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله ﷺ قال " هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه. فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره ثم قال: أسلم فأسلم، قالت: ودخل به أبو بكر وكأن رأسه كالثغامة بياضا. فقال رسول الله ﷺ " غيروا هذا من شعره " ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته وقال: أنشد الله والاسلام طوق أختي؟ فلم يجبه أحد، قالت (١) فقال: أي أخية احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل. يعني به الصديق ذلك اليوم على التعيين لان الجيش فيه كثرة ولا يكاد أحد يلوي على أحد مع انتشار الناس ولعل الذي أخذه تأول أنه من حربي والله أعلم. وقال الحافظ البيهقي: أنبأ [أبو] (٢) عبد الله الحافظ، أنبأ أبو العباس الأصم، أنبأ بحر بن نصر، أنبأ ابن وهب، أخبرني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة فأتى به النبي ﷺ فلما وقف به على رسول الله ﷺ قال " غيروه ولا تقربوه سوادا " قال ابن وهب وأخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ هنأ أبا بكر باسلام أبيه (٣). قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كداء (٤)، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدى (٥). قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل [من المهاجرين] (٦) قال ابن هشام يقال: إنه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله أتسمع ما يقول سعد بن عبادة؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ لعلي " أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها ". قلت: وذكر غير محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد ابن عبادة حين مر به، وقال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبي ﷺ " بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة " وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد

стр. 1578

ابن عبادة كالتأديب له، ويقال إنها دفعت إلى ابنه قيس بن سعد. وقال موسى بن عقبة عن الزهري دفعها إلى الزبير بن العوام فالله أعلم. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار، ثنا عبد الله بن السري الأنطاكي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد. وحدثني موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: دفع رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة إلى سعد بن عبادة فجعل يهزها ويقول: اليوم يوم الملحمة يوم تستحل الحرمة. قال فشق ذلك على قريش وكبر في نفوسهم، قال فعارضت امرأة رسول الله ﷺ في مسيره وأنشأت تقول (١): حين ضاقت عليهم سعة الأرض … وعاداهم إله السماء (٢) إن سعدا يريد قاصمة الظهر … بأهل الحجون والبطحاء خزرجي لو يستطيع من الغيظ … رمانا بالنسر والعواء فانهينه فإنه الأسد الأسود … والليث والغ في الدماء فلئن أقحم اللواء ونادى … يا حماة اللواء أهل اللواء لتكونن بالبطاح قريش … بقعة القاع في أكف الإماء إنه مصلت يريد لها الراءي … صموت كالحية الصماء قال: فلما سمع رسول الله ﷺ هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفة بهم، وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد، قال: فيروى أنه ﵊ أحب أن لا يخيبها إذ رغبت إليه واستغاثت به، وأحب أن لا يغضب سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه. قال ابن إسحاق: وذكر ابن أبي نجيح في حديثه: أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر (٣) حتى نزل بأعلا مكة فضربت له هنالك قبته (٤). وروى البخاري: من حديث الزهري عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله أين تنزل غدا؟ فقال " وهل ترك لنا عقيل من رباع " ثم قال " لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر " (٥).

стр. 1579

ثم قال البخاري ثنا أبو اليمان ثنا شعيب ثنا أبو الزناد (١) عن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال " منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف حيث تقاسموا على الكفر " (٢) وقال الإمام أحمد ثنا يونس ثنا إبراهيم - يعني ابن سعد - عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ " منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر " (٣) ورواه البخاري من حديث إبراهيم بن سعد به نحوه. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وكان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد سلاحا قبل قدوم رسول الله ﷺ ويصلح منه، فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، فقالت: والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شئ، قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لي عله … هذا سلاح كامل واله وذو غرارين سريع السلة قال ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهو وحنيش (٤) بن خالد بن ربيعة ابن أصرم حليف بني منقذ وكانا في جيش خالد، فشذا عنه، فسلكا غير طريقه فقتلا جميعا، وكان قتل كرز قبل حنيش (٥) قالا: وقتل من خيل خالد أيضا سلمة بن الميلاء الجهني وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامرأته أغلق علي بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمه … إذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالمؤتمه … واستقبلتهم بالسيوف المسلمة (٦)

стр. 1580

يقطعن كل ساعد وجمجمه … ضربا فلا يسمع إلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه … لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة قال ابن هشام: وتروى هذه الأبيات للرعاش الهذلي، قال وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بني عبد الله، وشعار الأوس يا بني عبيد الله. وقال الطبراني ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا أبو حسان الزيادي، ثنا شعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن طاووس، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: " إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السماوات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام، وأنه لا يحل لاحد قبلي، وإنما حل لي ساعة من نهار ثم عاد كما كان " فقيل له هذا خالد بن الوليد يقتل؟ فقال " قم يا فلان فأت خالد بن الوليد فقل له فليرفع يديه من القتل " فأتاه الرجل فقال إن النبي ﷺ يقول أقتل من قدرت عليه، فقتل سبعين إنسانا فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأرسل إلى خالد فقال " ألم أنهك عن القتل؟ " فقال: جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه، فأرسل إليه " ألم آمرك؟ " قال أردت أمرا وأراد الله أمرا فكان أمر الله فوق أمرك، وما استطعت إلا الذي كان. فسكت عنه النبي ﷺ فما رد عليه شيئا. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سماهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم، عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله ﷺ مكة وقد أهدر دمه فر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله ﷺ طويلا ثم قال " نعم " فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حوله " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمت فيقتله " فقالوا يا رسول الله هلا أومأت إلينا؟ فقال " إن النبي لا يقتل بالإشارة " وفي رواية " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " قال ابن هشام: وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله ثم ولاه عثمان. قلت: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح أو بعد انقضاء صلاتها في بيته كما سيأتي بيانه. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل رجل من بني تيم بن غالب. قلت: ويقال إن اسمه عبد العزى بن خطل ويحتمل أنه كان كذلك ثم لما أسلم سمي عبد الله ولما أسلم بعثه رسول الله ﷺ مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له فغضب عليه غضبة فقتله، ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان فرتنى (١) وصاحبتها فكانتا تغنيان

стр. 1581

بهجاء رسول الله ﷺ والمسلمين، فلهذا أهدر دمه ودم قينتيه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، اشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي وقتلت إحدى قينتيه واستؤمن للأخرى (١). قال والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصي وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ بمكة، ولما تحمل العباس بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة يلحقهما برسول الله ﷺ أول الهجرة نخس بهما الحويرث هذا الجمل الذي هما عليه فسقطتا إلى الأرض، فلما أهدر دمه قتله علي ابن أبي طالب، قال: ومقيس بن صبابة لأنه قتل قاتل أخيه خطأ بعدما أخذ الدية ثم ارتد مشركا، قتله رجل من قومه يقال له نميلة بن عبد الله. قال وسارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة ابن أبي جهل لأنها كانت تؤذي رسول الله ﷺ وهي بمكة. قلت: وقد تقدم عن بعضهم أنها التي تحملت الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة وكأنها عفى عنها أو هربت ثم أهدر دمها والله أعلم. فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ فأمنها فعاشت إلى زمن عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت. وذكر السهيلي أن فرتنى أسلمت أيضا. قال ابن إسحاق: وأما عكرمة بن أبي جهل فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام واستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمنه فذهبت في طلبه حتى أتت به رسول الله ﷺ فأسلم. وقال البيهقي: أنبأ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمس الفقيه، أنبأ أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنبأ أحمد بن يوسف السلمي، ثنا أحمد بن المفضل، ثنا أسباط بن نصر الهمداني، قال زعم السدي: عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم [فتح] مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين. وقال " اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " وهم عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد ابن أبي سرح. فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله. وأما مقيس فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم قاصف فقال أهل السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا ها هنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينج في البحر إلا الاخلاص فإنه لا ينجي في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني

стр. 1582

كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " (١). ورواه أبو داود والنسائي من حديث أحمد بن المفضل به نحوه. وقال البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو العباس الأصم، أنبأ أبو زرعة الدمشقي، ثنا الحسن بن بشر الكوفي، ثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أمن رسول الله ﷺ الناس يوم فتح مكة إلا أربعة، عبد العزى بن خطل، ومقيس بن صبابة. وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، فأما عبد العزى بن خطل فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، قال: ونذر رجل [من الأنصار] أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح إذا رآه. وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة، فأتى به رسول الله ﷺ ليشفع له، فلما أبصر به الأنصاري اشتمل على السيف ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله ﷺ فجعل يتردد ويكره أن يقدم عليه، فبسط النبي ﷺ فبايعه، ثم قال للأنصاري " قد انتظرتك أن توفي بنذرك؟ " قال يا رسول الله هبتك أفلا أومضت إلي؟ قال " إنه ليس للنبي أن يومض ". وأما مقيس بن صبابة فذكر قصته في قتله رجلا مسلما بعد إسلامه ثم ارتداده بعد ذلك، قال وأما أم سارة فكانت مولاة لقريش، فأتت النبي ﷺ فشكت إليه الحاجة فأعطاها شيئا، ثم بعث معها رجل بكتاب إلى أهل مكة فذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة (٢). وروى محمد ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن مقيس بن صبابة قتل أخوه هشام يوم بني المصطلق قتله رجل من المسلمين وهو يظنه مشركا فقدم مقيس مظهرا للاسلام ليطلب دية أخيه، فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع إلى مكة مشركا، فلما أهدر رسول الله ﷺ دمه قتل وهو بين الصفا والمروة وقد ذكر ابن إسحاق والبيهقي شعره حين قتل قاتل أخيه وهو قوله: شفي النفس من قد بات بالقاع مسندا … يضرج ثوبيه دماء الأخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله … تلم وتنسيني وطاء المضاجع قتلت به فهرا وغرمت عقله … سراة بني النجار أرباب فارع حللت به نذري وأدركت ثورتي … وكنت إلى الأوثان أول راجع قلت: وقيل إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لمقيس بن صبابة هذا وأن ابن عمه قتله بين

стр. 1583

الصفا والمروة. وقال بعضهم: قتل ابن خطل الزبير بن العوام ﵁. قال ابن إسحاق: حدثني سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة، مولى عقيل بن أبي طالب، أن أم هانئ ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلا مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم - قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية بن المغيرة (١) - قال ابن إسحاق: وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال: والله لأقتلهما فأغلقت عليهما باب بيتي ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلا مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لاثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي فقال " مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك؟ " فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي، فقال " قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا يقتلهما " وقال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى غير أم هانئ فإنها ذكرت يوم فتح مكة [أن النبي ﷺ ] اغتسل في بيتها ثم صلى ثمان ركعات، قالت ولم أره على صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود (٢). وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن أبي هند أن أبا مرة مولى عقيل حدثه: أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته: أنه لما كان عام الفتح فر إليها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما، قالت فدخل علي علي فقال أقتلهما، فلما سمعته أتيت رسول الله ﷺ وهو بأعلا مكة فلما رآني رحب وقال " ما جاء بك؟ " قلت يا نبي الله كنت أمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قتلهما، فقال رسول الله ﷺ " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " ثم قام رسول الله ﷺ إلى غسله فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبا فالتحف به ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى (٣). وفي رواية أنها دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فقال " من هذه؟ " قالت أم هانئ قال " مرحبا بأم هانئ " قالت: يا رسول الله زعم ابن أم علي بن أبي

стр. 1584

طالب أنه قاتل رجلين قد أجرتهما؟ فقال " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قالت ثم صلى ثماني ركعات وذلك ضحى فظن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى. وقال آخرون بل كانت هذه صلاة الفتح وجاء التصريح بأنه كان يسلم من كل ركعتين وهو يرد على السهيلي وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيا بتسليمة واحدة، وقد صلى سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين ولله الحمد. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف (١) له الناس في المسجد. وقال موسى بن عقبة ثم سجد سجدتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها ودعا بماء فشرب منها وتوضأ والناس يبتدرون وضوءه والمشركون يتعجبون من ذلك، ويقولون ما رأينا ملكا قط ولا سمعنا به - يعني مثل هذا - وأخر المقام إلى مقامه اليوم وكان ملصقا بالبيت. قال محمد بن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) الآية كلها ثم قال " يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء " ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله أجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك؟ فقال رسول الله ﷺ " أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له، فقال " هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء " (٢) وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة: " الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل " وقال مرة أخرى " مغلظة

стр. 1585

فيها أربعون خلفة في بطونها أولادها، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى " وقال مرة " وما تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإنهما أمضيتهما لأهلهما على ما كانت " (١). وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني عن ابن عمر به. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم والأزلام (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان، أنبأ عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير عن جابر قال: كان في الكعبة صور فأمر رسول الله ﷺ أن يمحوها قبل عمر ثوبا ومحاها به. فدخلها رسول الله ﷺ وما فيها منها شئ. وقال البخاري حدثنا صدقه ابن الفضل، ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول " جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد " (٢). وقد رواه مسلم من حديث ابن عيينة. وروى البيهقي عن ابن إسحاق عن عبد الله ابن أبي بكر عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح مكة وعلى الكعبة ثلاثمائة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يهوي [به] إلى الصنم وهو يهوي حتى مر عليها كلها (٣)، ثم يروي من طريق سويد بن [سعيد] (٤) عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة وجد بها ثلاثمائة وستين صنما فأشار إلى كل صنم بعصا وقال (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الاسراء: ٨١] فكان لا يشير إلى صنم إلا ويسقط من غير أن يمسه بعصاه، ثم قال: وهذا [الاسناد] (٥) وإن كان ضعيفا فالذي قبله يؤكده (٦). وقال حنبل بن إسحاق: أنبأ أبو الربيع، عن يعقوب القمي، ثنا جعفر ابن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: لما أفتتح رسول الله ﷺ مكة جاءت عجوز شمطاء حبشية

стр. 1586

تخمش وجهها وتدعو بالويل، فقال رسول الله ﷺ تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا " (١). وقال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة [عن ابن عباس] (٢) أنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي ﷺ يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع، فقال تميم بن أسد الخزاعي: وفي الأصنام معتبر وعلم … لمن يرجو الثواب أو العقابا وفي صحيح مسلم عن شيبان (٣) بن فروخ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة في حديث فتح مكة قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل على الحجر فاستلمه وطاف بالبيت وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول الله ﷺ قوس وهو آخذ بسيتها فلما أتى على الصنم فجعل يطعن في عينه ويقول " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. وقال البخاري: ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ وفي أيديهما الأزلام، فقال " قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط " ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت وخرج ولم يصل. تفرد به البخاري دون مسلم (٤). وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا همام، ثنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة وفيها ست سواري، فقام إلى كل سارية ودعا ولم يصل فيه. ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بن يحيى العوذي عن عطاء به. وقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن بكيرا حدثه عن كريب عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال " أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة هذا إبراهيم مصورا فما باله يستقسم؟ ". وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب به. وقال الامام

стр. 1587

أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، أخبرني عثمان الخزرجي أنه سمع مقسما يحدث عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ البيت فدعا في نواحيه ثم خرج فصلى ركعتين. تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، أنبأ ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلى في البيت ركعتين. قال البخاري: وقال الليث، ثنا يونس، أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلا مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد فأمر أن يؤتى بمفتاح الكعبة، فدخل ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فمكث فيه نهارا طويلا ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل فوجد بلالا وراء الباب قائما، فسأله أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه قال عبد الله: ونسيت أن أسأله كم صلى من سجدة (١). ورواه الإمام أحمد، عن هشيم ثنا غير واحد وابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ ومعه الفضل بن عباس وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأمر بلالا فأجاف عليهم الباب فمكث فيه ما شاء الله ثم خرج. قال ابن عمر فكان أول من لقيت منهم بلالا فقلت أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال ها هنا بين الأسطوانتين. قلت: وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أنه ﵇ صلى في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره فجعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع: وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل أنبأ ليث، عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلى في البيت ركعتين. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا، فسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: " قد علمت الذي قلتم " ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول أخبرك (٢). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني والدي، حدثني بعض آل جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدا إذ قبضه قبل أن يسمع هذا الأسود على ظهر الكعبة (٣). وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب: قال: قال: أبن أبي

стр. 1588

مليكة: أمر رسول الله ﷺ بلالا فأذن يوم الفتح فوق الكعبة، فقال رجل من قريش للحارث ابن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فقال: دعه فإن يكن الله يكرهه فسيغيره. وقال يونس بن بكير وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أمر بلالا عام الفتح فأذن على الكعبة ليغيظ به المشركين (١). وقال محمد بن سعد: عن الواقدي (٢). عن محمد بن حرب، عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق: أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا فقال في نفسه: لو جمعت لمحمد جمعا؟ فإنه ليحدث نفسه بذلك إذ ضرب رسول الله ﷺ بين كتفيه وقال " إذا يخزيك الله " قال فرفع رأسه فإذا رسول الله ﷺ قائم على رأسه فقال: ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة. قال البيهقي: وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - إجازة - أنبأ أبو حامد أحمد [علي] بن الحسن المقري، أنبأ أحمد بن يوسف السلمي، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر عن ابن عباس قال: رأى أبو سفيان رسول الله ﷺ يمشي والناس يطئون عقبه، فقال بينه وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال؟ فجاء رسول الله ﷺ حتى ضرب بيده في صدره فقال " إذا يخزيك الله " فقال أتوب إلى الله وأستغفر الله ما تفوهت به (٣). ثم روى البيهقي: من طريق ابن خزيمة وغيره عن أبي حامد بن الشرقي، عن محمد بن يحيى الذهلي، ثنا [محمد] موسى بن أعين الجزري، ثنا أبي، عن إسحاق بن راشد [عن الزهري] عن سعيد بن المسيب قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند: أتري هذا من الله؟ قالت نعم هذا من الله، قال: ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ " قلت لهند أتري هذا من الله؟ قالت نعم هذا من الله " (٤) فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند. وقال البخاري: ثنا إسحاق، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج أخبرني حسن بن مسلم عن مجاهد أن رسول الله ﷺ قال " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لا تحل لاحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاؤها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " فقال العباس بن عبد المطلب إلا الإذخر (٥) يا رسول الله

стр. 1589

فإنه لابد منه للدفن والبيوت؟ فسكت ثم قال " إلا الإذخر فإنه حلال " وعن ابن جريج أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري - عن عكرمة عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا. ورواه أبو هريرة عن النبي ﷺ تفرد به البخاري من هذا الوجه الأول وهو مرسل، ومن هذا الوجه الثاني أيضا. وبهذا وأمثاله استدل من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة، وللوقعة التي كانت في الخندمة كما تقدم. وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسا من المسلمين والمشركين وهي ظاهرة في ذلك وهو مذهب جمهور العلماء. والمشهور عن الشافعي أنها فتحت صلحا لأنها لم تقسم، ولقوله ﷺ ليلة الفتح " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الحرم فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن " وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى. وقال البخاري: ثنا سعيد بن شرحبيل ثنا الليث عن المقبري عن أبي شريح الخزاعي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: إئذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب " فقيل لأبي شريح ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا نارا بدم، ولا نارا بخربة (١). وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد به نحوه. وذكر ابن إسحاق أن رجلا يقال له ابن الأثوغ قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له أحمر بأسا (٢)، فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأثوغ وهو بمكة قتله خراش بن أمية، فقال رسول الله ﷺ " يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل لقد كثر القتل إن نفع لقد قتلتم رجلا لأدينه " قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن سعيد بن المسيب قال: لما بلغ رسول الله ﷺ ما صنع خراش بن أمية قال " إن خراشا لقتال " وقال ابن

стр. 1590

إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي قال: لما قدم عمرو بن الزبير (١) مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جئته فقلت له يا هذا إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فقال " يا أيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا، لم تحل لاحد كان قبلي، ولا تحل لاحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله ﷺ قد قاتل فيها فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاؤوا فدم قاتله وإن شاؤوا فعقله " ثم ودي رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة، فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية، فقال أبو شريح: إني كنت شاهدا وكنت غائبا، وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك. قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله ﷺ يوم الفتح جنيدب بن الأكوع قتله بنو كعب فوداه رسول الله ﷺ بمائة ناقة (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال " كفوا السلاح إلا خزاعة من بني بكر " فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال " كفوا السلاح " فلقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبا فقال - فرأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة قال - " إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية " وذكر تمام الحديث وهذا غريب جدا. وقد روى أهل السنن بعض هذا الحديث فأما ما فيه من أنه رخص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بني بكر إلى العصر من يوم الفتح فلم أره إلا في هذا الحديث وكأنه إن صح من

стр. 1591

باب الاختصاص لهم مما كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير والله أعلم. وروى الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد كلهم عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي، عن الحارث بن مالك بن البرصا الخزاعي سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم فتح مكة " لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة " ورواه الترمذي عن بندار عن يحيى بن سعيد القطان به وقال حسن صحيح. قلت: فإن كان نهيا فلا إشكال، وإن كان نفيا فقال البيهقي معناه على كفر أهلها وفي صحيح مسلم من حديث زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي عن عبد الله بن مطيع عن أبيه مطيع ابن الأسود العدوي قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة " لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم إلى يوم القيامة " (١) والكلام عليه كالأول سواء. قال ابن هشام: وبلغني [عن يحيى بن سعيد] (٢) أن رسول الله ﷺ حين افتتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو [الله] وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: " ماذا قلتم؟ " قالوا لا شئ يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه. فقال رسول الله ﷺ " معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم " وهذا الذي علقه ابن هشام قد أسنده الإمام أحمد بن حنبل في مسنده فقال ثنا بهز وهاشم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت. وقال هاشم حدثني ثابت البناني ثنا عبد الله بن رباح قال: وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا، قال هاشم يكثر أن يدعونا إلى رحله، قال فقلت ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ قال فأمرت بطعام يصنع فلقيت أبا هريرة من العشاء قال: قلت: يا أبا هريرة الدعوة (٣) عندي الليلة قال استبقني (٤) قال هاشم: قلت: نعم فدعوتهم فهم عندي. فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار قال: فذكر فتح مكة قال أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة قال: فبعث الزبير على أحد المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الجسر (٥) وأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبته، وقد وبشت قريش أوباشها، قال: قالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شئ كنا معهم وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا، قال أبو هريرة فنظر فرآني فقال " يا أبا هريرة " فقلت لبيك رسول الله، فقال " اهتف لي بالأنصار ولا يأتيني إلا

стр. 1592

أنصاري " فهتفت بهم فجاؤوا فأطافوا برسول الله ﷺ قال: فقال رسول الله ﷺ " أترون إلى أوباش قريش واتباعهم؟ " ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى " أحصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا " قال: فقال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء واحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يوجه إلينا منهم شيئا، قال فقال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، قال فقال رسول الله ﷺ " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " قال فغلق الناس أبوابهم، قال وأقبل رسول الله ﷺ إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت قال وفي يده قوس آخذ بسية القوس، قال فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه قال فجعل يطعن بها في عينه ويقول " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " قال ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، قال والأنصار تحت قال يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضى. قال هاشم: فلما قضي الوحي رفع رأسه ثم قال: " يا معشر الأنصار أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟ " قالوا قلنا ذلك يا رسول الله، قال " فما أسمي إذا، كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم " قال: فأقبلوا إليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذي قلنا إلا الظن بالله ورسوله، قال فقال رسول الله ﷺ " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم " وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان ابن المغيرة زاد النسائي وسلام بن مسكين ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة ثلاثتهم عن ثابت عن عبد الله بن رباح الأنصاري نزيل البصرة عن أبي هريرة به نحوه. وقال ابن هشام: وحدثني - يعني بعض أهل العلم - أن فضالة بن عمير بن الملوح - يعني الليثي - أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ " أفضالة؟ " قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال " ماذا كنت تحدث به نفسك؟ " قال: لا شئ كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه سلم ثم قال " استغفر الله " ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شئ أحب إلي منه، قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت هلم إلى الحديث؟ فقال لا، وانبعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا … يأبى عليك الله والاسلام أو ما رأيت محمدا وقبيله … بالفتح يوم تكسر الأصنام لرأيت دين الله أضحى بينا … والشرك يغشى وجهه الاظلام قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة (١) قالت:

стр. 1593

خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه يا رسول الله صلى الله عليك فقال " هو آمن " فقال يا رسول الله فاعطني آية يعرف بها أمانك؟ فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي الله الله في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول الله ﷺ وقد جئتك به، قال: ويلك أعزب عني فلا تكلمني قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك؟ قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه، حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني؟ قال " صدق " قال فاجعلني بالخيار فيه شهرين؟ قال " أنت بالخيار أربعة أشهر " ثم حكى ابن إسحاق عن الزهري: أن فاختة بنت الوليد، امرأة صفوان وأم حكيم بنت الحارث بن هشام، امرأة عكرمة بن أبي جهل وقد ذهبت وراءه إلى اليمن فاسترجعته فأسلم، فلما أسلما أقرهما رسول الله ﷺ تحتهما بالنكاح الأول. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: رمى حسان بن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه: لا تعد من رجلا أحلك بغضه … نجران في عيش أحذ لئيم (١) فلما بلغ ذلك ابن الزبعري خرج إلى رسول الله ﷺ فأسلم وقال حين أسلم: يا رسول المليك إن لساني … راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أباري الشيطان في سنن الغيي … ومن مال ميله مثبور (٢) آمن اللحم والعظام لربي … ثم قلبي الشهيد أنت النذير إنني عنك زاجر ثم حيا … من لؤي وكلهم مغرور قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعري أيضا حين أسلم: منع الرقاد بلابل وهموم … والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني. أن احمد لامني … فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها … عيرانة سرح اليدين غشوم (٣) إني لمعتذر إليك من الذي … أسديت إذ أنا في الضلال أهيم

стр. 1594

أيام تأمرني بأغوى خطة … سهم وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى ويقودني … أمر الغواة وأمرهم مشؤوم فاليوم آمن بالنبي محمد … قلبي ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها … ودعت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والدي كلاهما … زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة … نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه … شرفا وبرهان الاله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق … حق وأنك في المعاد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى … مستقبل في الصالحين كريم قرم علا بنيانه من هاشم … فرع تمكن في الذرى وأروم قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. قلت: كان عبد الله بن الزبعرى السهمي من أكبر أعداء الاسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم من الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الاسلام والقيام بنصره والذب عنه. فصل قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، من بني سليم سبعمائة ويقول بعضهم ألف، ومن بني غفار أربعمائة [ومن أسلم أربعمائة] (١) ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد (٢). وقال عروة والزهري وموسى بن عقبة: كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفا فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت (٣): عفت ذات الأصابع فالجواء … إلى عذراء منزلها خلاء (٤)

стр. 1595

ديار من بني الحسحاس قفر … تعفيها الروامس والسماء وكانت لا يزال بها أنيس … خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا ولكن من لطيف … يؤرقني إذا ذهب العشاء لشعثاء التي قد تيمته … فليس لقلبه منها شفاء (١) كأن خبيئة من بيت رأس … يكون مزاجها عسل وماء (٢) إذا ما الأشربات ذكرن يوما … فهن لطيب الراح الفداء نوليها الملامة إن ألمنا … إذا ما كان مغت أو لخاء (٣) ونشر بها فتتركنا ملوكا … وأسدا ما ينهنها اللقاء عدمنا خيلنا إن لم تروها … تشير النقع موعدها كداء ينازعن الأعنة مصغيات … على أكتافها الأسل الظماء تظل جيادنا متمطرات … يلطمهن بالخمر النساء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم … يعز (٤) الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء وقال الله قد أرسلت عبدا … يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا (٥) صدقوه … فقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد سيرت جندا … هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد … سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عني … مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا … وعبد الدار سادتها الإماء (٦) هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء

стр. 1596

أتهجوه ولست له بكفء … فشركما لخيركما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا … أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا غيب فيه … وبحري لا تكدره الدلاء قال ابن هشام: قالها حسان قبل الفتح. قلت: والذي قاله متوجه لما في أثناء هذه القصيدة مما يدل على ذلك وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. قال ابن هشام: وبلغني عن الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله ﷺ النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم إلى أبي بكر ﵁. قال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم الدئلي يعتذر إلى رسول الله ﷺ مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي - يعني لما جاء يستنصر عليهم - كما تقدم: أأنت الذي تهدى معد بأمره … بل الله يهديهم وقال لك اشهد وما حملت من ناقة فوق رحلها … أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسبغ نائلا … إذا راح كالسيف الصقيل المهند وأكسى لبرد الخال (١) قبل ابتذاله … وأعطى لرأس السابق المتجرد تعلم رسول الله أنك مذركي … وأن وعيدا منك كالاخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر … على كل صرم متهمين ومنجد تعلم أن الركب ركب عويمر … هموا الكاذبون المخلفوا كل موعد ونبوا رسول الله أني هجوته … فلا حملت سوطي إلي إذن يدي سوى أنني قد قلت ويل أم فتية … أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد أصابهموا من لم يكن لدمائهم … كفاء فعزت عبرتي وتبلدي وإنك قد أخبرت أنك ساعيا … بعبد بن عبد الله وابنة مهود ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا … جميعا فإن لا تدمع العين أكمد وسلمى وسلمى ليس حي كمثله … وإخوته وهل ملوك كأعبد؟ فإني لا ذنبا (٢) فتقت ولا دما … هرقت تبين عالم الحق واقصد قال ابن إسحاق: وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح:

стр. 1597

نفى أهل الحبلق (١) كل فج … مزينة غدوة وبنو خفاف ضربناهم بمكة يوم فتح النبي … الخير بالبيض الخفاف صبحناهم بسبع من سليم … وألف من بني عثمان واف نطأ أكتافهم ضربا وطعنا … ورشقا بالمريشة اللطاف ترى بين الصفوف لها حفيفا … كما انصاع الفواق من الرصاف (٢) فرحنا والجياد تجول فيهم … بأرماح مقومة الثقاف فأبنا غانمين بما اشتهينا … وآبوا نادمين على الخلاف وأعطينا رسول الله منا … مواتقنا على حسن التصافي وقد سمعوا مقالتنا فهموا … غداة الروع منا بانصراف وقال ابن هشام وقال عباس بن مرداس السلمي في فتح مكة: منا بمكة يوم فتح محمد … ألف تسيل به البطاح مسوم نصروا الرسول وشاهدوا آياته … وشعارهم يوم اللقاء مقدم في منزل ثبتت به أقدامهم … ضنك كأن الهام فيه الحنتم جرت سنابكها بنجد قبلها … حتى استقام لها الحجاز الأدهم الله مكنه له وأذله … حكم السيوف لنا وجد مزحم عود الرياسة شامخ عرنينه … متطلع ثغر المكارم خضرم وذكر ابن هشام في سبب إسلام عباس بن مرداس أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له ضمار فلما حضرته الوفاة أوصاه به، فبينما هو يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول: قل للقبائل من سليم كلها … أودى ضمار وعاش أهل المسجد إن الذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتدي أودى ضمار وكان يعبد مدة … قبل الكتاب إلى النبي محمد قال فحرق عباس ضمار ثم لحق برسول الله ﷺ فأسلم، وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان مع أمثالها وأشكالها ولله الحمد والمنة.

стр. 1598

بعثه ﵇ خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة من كنانة قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب وسليم بن منصور، ومدلج بن مرة فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا: قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد والله ما بعد وضع السلاح إلا الأسئار، وما بعد الأسئار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا؟ إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب. وأمن الناس، فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد. قال ابن إسحاق: فقال حكيم بن حكيم عن أبي جعفر قال: فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السماء ثم قال " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فقال رسول الله ﷺ " هل أنكر عليه أحد؟ " فقال: نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فاشتدت مراجعتهما، فقال عمر بن الخطاب: أما الأول يا رسول الله فابني عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة. قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم عن أبي جعفر قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال " يا علي، أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك " فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى أنه ليدي ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا، قال فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا تعلمون. ففعل، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال " أصبت وأحسنت " ثم قام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ثلاث مرات. قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال: إن رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الاسلام. قال ابن هشام: قال أبو عمرو المديني: لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا: صبأنا صبأنا (١). وهذه مرسلات ومنقطعات. وقد قال الامام

стр. 1599

أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني - أحسبه قال - جذيمة فدعاهم إلى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ بهم أسرا وقتلا، قال ودفع إلى كل رجل منا أسيرا حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، قال ابن عمر فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره، قال فقدموا على النبي ﷺ فذكروا صنيع خالد فقال النبي ﷺ ورفع يديه " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " مرتين. ورواه البخاري (١) والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه. قال ابن إسحاق: وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع خالد: يا بني جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم مما وقعتم فيه. قال ابن إسحاق: وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف - فيما بلغني - كلام في ذلك فقال له عبد الرحمن عملت بأمر الجاهلية في الاسلام؟ فقال إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن كذبت، قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال " مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته " ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم عم خالد بن الوليد في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، ومعه ابنه عبد الرحمن وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه ابنه عثمان في تجارة إلى اليمن، ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بني جذيمة كان هلك باليمن فحملوه إلى ورثته فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام، ولقيهم بأرض بني جذيمة فطلبه منهم [قبل أن يصلوا إلى أهل الميت] (٢) فأبوا عليه، فقاتلهم فقاتلوه حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما وقتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام، وفر منهم عفان ومعه ابنه عثمان إلى مكة، فهمت قريش بغزو بني جذيمة فبعث بنو جذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملا منهم وودوا لهم القتيلين وأموالهما ووضعوا الحرب بينهم (٣)، يعنى فلهذا قال خالد لعبد الرحمن إنما ثأرت أبيك يعني حين قتلته بنو جذيمة، فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله ورد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله، والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الاسلام وأهله وإن كان قد أخطأ في أمر، واعتقد

стр. 1600

أنهم ينتقصون الاسلام بقولهم صبأنا صبأنا، ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الاسرى أيضا، ومع هذا لم يعزله رسول الله ﷺ بل استمر به أميرا وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك وودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال ففيه دليل لاحد القولين بين العلماء في أن خطأ الامام يكون في بيت المال لا في ماله والله أعلم. ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة، وتأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه، واصطفى امرأته أم تميم فقال له عمر بن الخطاب: أعزله فإن في سيفه رهقا فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله الله على المشركين وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، عن الزهري، عن ابن أبي حدرد الأسلمي قال: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد، فقال فتى من بني جذيمة، وهو في سني، وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى، قلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هذه النسوة، حتى أقضي إليهن حاجة ثم تردني بعد، فتصنعوا ما بدا لكم؟ قال: قلت: والله ليسير ما طلبت، فأخذت برمته فقدته بها، حتى وقفته عليهن فقال: اسلمي حبيش على نفد [من] العيش: أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم … بحلية أو ألفيتكم بالخوانق (١) ألم يك أهلا أن ينول عاشق … تكلف إدلاج السرى والودائق (٢) فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا … أثيبي بود قبل إحدى الصفائق أثيبي بود قبل أن يشحط النوى … وينأى الأمير بالحبيب المفارق فإني لا ضيعت سر أمانة … ولا راق عيني عنك بعدك رائق سوى أن ما نال العشيرة شاغل … عن الود إلا أن يكون التوامق (٣) قالت: وأنت فحييت عشرا وتسعا وترا وثمانية تترى. قال: ثم انصرفت به فضربت عنقه. قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبي سنبلة الأسلمي، عن أشياخ منهم، عمن كان حضرها منهم، قالوا: فقامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه، فما زالت تقبله حتى ماتت عنده (٤). وروى الحافظ البيهقي: من طريق الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أنه سمع رجلا من مزينة يقال له ابن عصام (٥) عن أبيه قال: كان رسول الله

стр. 1601

ﷺ إذا بعث سرية قال " إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا " قال: فبعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا بذلك فخرجنا قبل تهامة، فأكدرنا رجلا يسوق بظعائن فقلنا له أسلم، فقال: وما الاسلام؟ فأخبرناه به فإذا هو لا يعرفه، قال: أفرأيتم إن لم أفعل ما أنتم صانعون؟ قال: قلنا نقتلك، فقال: فهل أنتم منظري حتى أدرك الظعائن؟ قال: قلنا نعم ونحن مدركوك، قال: فأدرك الظعائن فقال: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش، فقالت الأخرى: أسلم عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترى. ثم ذكر الشعر المتقدم إلى قوله: وينأى الأمير بالحبيب المفارق، ثم رجع إلينا فقال شأنكم قال: فقدمناه فضربنا عنقه قال: فانحدرت الأخرى من هودجها فجثت عليه حتى ماتت. ثم روى البيهقي: من طريق أبي عبد الرحمن النسائي، ثنا محمد بن علي بن حرب المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا وفيهم رجل، فقال لهم: إني لست منهم إني عشقت امرأة فلحقتها، فدعوني أنظر إليها نظرة، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم، قال: فإذا امرأة أدماء طويلة، فقال لها: أسلمي حبيش قبل نفاد العيش. ثم ذكر البيتين بمعناهما. قال: فقالت: نعم فديتك، قال: فقدموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين، ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر فقال " أما كان فيكم رجل رحيم " (١). بعث خالد بن الوليد لهدم العزى قال ابن جرير (٢): وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ. قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها ثم اشتد (٣) في الجبل الذي هي فيه وهو يقول: أيا عز شدي شدة لا شوى لها … على خالد ألقي القناع وشمري أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا … فبوئي بإثم عاجل أو تنصري قال: فلما انتهى خالد إليها هدمها ثم رجع إلى رسول الله ﷺ . وقد روى الواقدي

стр. 1602

وغيره أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها ورجع فأخبر رسول الله ﷺ فقال " ما رأيت؟ " قال لم أر شيئا فأمره بالرجوع فلما رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول فعلاها بالسيف وجعل يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك … إني رأيت (١) الله قد أهانك ثم خرب ذلك البيت الذي كانت فيه وأخذ ما كان فيه من الأموال ﵁ وأرضاه، ثم رجع فأخبر رسول الله ﷺ فقال " تلك العزى ولا تعبد أبدا " وقال البيهقي: أنبأ محمد بن أبي بكر الفقيه، أنبأ محمد بن أبي جعفر، أنبأ أحمد بن علي، ثنا أبو كريب، عن ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فقال " ارجع فإنك لم تصنع شيئا " فرجع خالد فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه يا عزى عوريه وإلا فموتي برغم. قال: فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها ووجهها فعممها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: " تلك العزى " (٢). فصل في مدة إقامته ﵇ بمكة لا خلاف أنه ﵊ أقام بقية شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر، وهذا دليل من قال من العلماء: إن المسافر إذا لم يجمع الإقامة فله أن يقصر ويفطر إلى ثماني عشر يوما في أحد القولين وفي القول الآخر كما هو مقرر في موضعه. قال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان ح وحدثنا قبيصة ثنا سفيان، عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس بن مالك قال: أقمنا مع رسول الله ﷺ عشرا يقصر الصلاة وقد رواه بقية الجماعة من طرق متعددة عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي البصري عن أنس به نحوه. قال البخاري ثنا عبد ان، ثنا عبد الله أنبأ عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ تسعة عشر يوما يصلي ركعتين (٣). ورواه البخاري أيضا من وجه آخر زاد البخاري: وأبو حصين كلاهما وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث عاصم بن سليمان الأحول، عن عكرمة عن ابن عباس به وفي لفظ لأبي داود سبعة عشر يوما (٤). وحدثنا أحمد بن يونس، ثنا أحمد بن شهاب، عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس

стр. 1603

قال: أقمنا مع رسول الله ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. قال ابن عباس: فنحن نقصر ما بقينا بين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا. وقال أبو داود: ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا ابن علية، ثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول " يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا [قوم] سفر " (١) وهكذا رواه الترمذي من حديث علي بن زيد بن جدعان وقال هذا حديث حسن. ثم رواه: من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ عام الفتح حمس عشرة ليلة يقصر الصلاة ثم قال رواه غير واحد عن ابن إسحاق لم يذكروا ابن عباس (٢). وقال ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن الزهري ومحمد بن علي بن الحسين وعاصم بن عمرو بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر (٣) وعمرو بن شعيب وغيرهم قالوا: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة. فصل فيما حكم ﵇ بمكة من الاحكام قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلم، عن مالك بن شهاب، عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ وقال الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة، وقال عتبة إنه ابني، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة في الفتح أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة فأقبل به إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه عبد بن زمعة فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه، قال عبد بن زمعة: يا رسول الله هذا أخي هذا ابن زمعة ولد على فراشه، فنظر رسول الله ﷺ إلى ابن وليدة زمعة فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص، فقال رسول الله ﷺ " هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراشه " وقال رسول الله ﷺ " احتجبي منه يا سودة " لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص. قال ابن شهاب: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ " الولد للفراش وللعاهر الحجر " قال ابن شهاب: وكان أبو هريرة يصرح بذلك (٤). وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والترمذي جميعا عن قتيبة عن الليث به. وابن ماجة من حديثه وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك عن الزهري. ثم قال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، أنبأ عبد الله، أنا يونس، عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن امرأة سرقت في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه

стр. 1604

قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله ﷺ وقال " أتكلمني في حد من حدود الله؟ " فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال " أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها. فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: كانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ (١). وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة به. وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني قال: أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة ثم لم يخرج حتى نهى عنها. وفي رواية فقال " ألا إنها حرام حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة " وفي رواية في مسند أحمد والسنن أن ذلك كان في حجة الوداع فالله أعلم. وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد، عن عبد الواحد بن زياد، عن أبي العميس عن أياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أنه قال: رخص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ثم نهانا عنه. قال البيهقي: وعام أوطاس هو عام الفتح فهو وحديث سبرة سواء (٢). قلت: من أثبت النهي عنها في غزوة خيبر قال إنها أبيحت مرتين، وحرمت مرتين، وقد نص على ذلك الشافعي وغيره. وقد قيل إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين فالله أعلم. وقيل إنها إنما حرمت مرة واحدة وهي هذه المرة في غزوة الفتح، وقيل إنها إنما أبيحت للضرورة فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت وهذا رواية عن الإمام أحمد وقيل بل لم تحرم مطلقا وهي على الإباحة هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة وموضع تحرير ذلك في الاحكام. فصل قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج، أنبأ عبد الله بن عثمان بن خثيم أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره: أن أباه الأسود رأى رسول الله ﷺ يبايع الناس يوم الفتح، قال جلس عند قرن مستقبله (٣) فبايع الناس على الاسلام والشهادة قلت وما الشهادة؟ قال أخبرني

стр. 1605

محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الايمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله تفرد به أحمد (١) وعند البيهقي: فجاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الاسلام والشهادة. وقال ابن جرير: ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله ﷺ على الاسلام فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، قال: فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لحدثها، لما كان من صنيعها بحمزة فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ﷺ بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول الله ﷺ ليبايعهن قال " بايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا " فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال؟ " ولا تسرقن " فقالت: والله إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة وما كنت أدري أكان ذلك علينا حلالا أم لا؟ فقال أبو سفيان - وكان شاهدا لما تقول - أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال رسول الله ﷺ " وإنك لهند بنت عتبة؟ " قالت: نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك ثم قال " ولا يزنين " فقالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ ثم قال " ولا تقتلن أولادكن " قالت: قد ربيناهم صغارا حتى قتلتهم أنت وأصحابك ببدر كبارا (٢) فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرق. ثم قال " ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " فقلت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل. ثم قال " ولا يعصينني " فقالت (٣): في معروف، فقال رسول الله ﷺ لعمر " بايعهين واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم " فبايعهن عمر وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء ولا يمس إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه. وثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط وفي رواية ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول " إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة " وفي الصحيحين عن عائشة أن هندا بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني فهل علي من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ قال خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك. وروى البيهقي من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله ما كان مما على وجه الأرض أخباء أو خباء - الشك من أبي بكر - أحب إلي من أن يذلوا من أهل أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل أخباء أو خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل أخبائك، أو خبائك. فقال رسول الله ﷺ " وأيضا والذي نفس محمد بيده " قالت: يا رسول

стр. 1606

الله إن أبا سفيان رجل شحيح (١) فهل علي حرج أن أطعم من الذي له؟ قال " لا بالمعروف " (٢) ورواه البخاري عن يحيى بن بكير بنحوه وتقدم ما يتعلق باسلام أبي سفيان وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم الا فانفروا " (٣) ورواه البخاري عن عثمان بن أبي شيبة، ومسلم عن يحيى بن يحيى عن جرير. وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا وهب، ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية: أنه قيل له إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر فقلت له: لا أدخل منزلي حتى أسأل رسول الله ما سأله فأتيته فذكرت له فقال " لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " تفرد به أحمد. وقال البخاري: ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا الفضيل بن سليمان، ثنا عاصم، عن أبي عثمان النهدي، عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبد إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة فقال " مضت الهجرة لأهلها أبايعه على الاسلام والجهاد " فلقيت أبا معبد فسألته فقال: صدق مجاشع (٤). وقال خالد عن أبي عثمان عن مجاشع أنه جاء بأخيه مجالد. وقال البخاري: ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا عاصم، عن أبي عثمان قال: حدثني مجاشع قال: أتيت رسول الله بأخي بعد يوم الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة قال " ذهب أهل الهجرة بما فيها " فقلت على أي شئ تبايعه؟ قال " أبايعه على الاسلام والايمان والجهاد " فلقيت أبا معبد بعد وكان أكبرهما سنا فسألته فقال: صدق مجاشع. وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن أبي بشر عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام؟ فقال: لا هجرة ولكن انطلق فأعرض نفسك فإن وجدت شيئا وإلا رجعت. وقال أبو النصر أنا شعبة أنا أبو بشر سمعت مجاهدا قال: قلت لابن عمر فقال: لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله ﷺ مثله. حدثنا إسحاق بن يزيد، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو عمرو الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد ابن جبير أن عبد الله بن عمر قال: لا هجرة بعد الفتح. وقال البخاري: ثنا إسحاق بن يزيد أنا يحيى بن حمزة أنا الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألها عن الهجرة فقالت لا هجرة اليوم. وكان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الاسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء ولكن جهاد ونية.

стр. 1607

وهذه الأحاديث والآثار دالة على أن الهجرة إما الكاملة أو مطلقا قد انقطعت بعد فتح مكة لان الناس دخلوا في دين الله أفواجا وظهر الاسلام، وثبتت أركانه ودعائمه فلم تبق هجرة، اللهم إلا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم فتجب الهجرة إلى دار الاسلام، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلا من الجهاد والانفاق في سبيل الله مشروع ورغب فيه إلى يوم القيامة وليس كالانفاق ولا الجهاد قبل الفتح فتح مكة. قال الله تعالى (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) الآية [سورة الحديد: ١٠] وقد قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي عن (١) أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال لما نزلت هذه السورة " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله حتى ختمها وقال: " الناس خير وأنا وأصحابي خير " وقال " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " فقال له مروان كذبت، وعنده: رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه فلما رأيا ذلك. قالا: صدق. تفرد به أحمد. وقال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال ما تقولون في قول الله (إذا جاء نصر الله والفتح) فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا بن عباس؟ فقلت لا، فقال ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال (إذا جاء نصر الله والفتح) فذلك علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) قال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما يقول (٢). تفرد به البخاري وهكذا روي من غير وجه عن ابن عباس أنه فسر ذلك بنعي رسول الله ﷺ في أجله. وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب ﵄. فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن فضيل، ثنا عطاء، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما: نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) قال رسول الله ﷺ " نعيت إلي نفسي " بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرد به الإمام أحمد

стр. 1608

وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم الخراساني وفيه ضعف تكلم فيه غير واحد من الأئمة وفي لفظه نكارة شديدة وهو قوله بأنه مقوبض في تلك السنة، وهذا باطل فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها كما تقدم بيانه وهذا ما لا خلاف فيه. وقد توفي رسول الله ﷺ في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة بلا خلاف أيضا، وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني ﵀: ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، ثنا أبي، ثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا إذا جاء نصر الله والفتح. فيه نكارة أيضا وفي إسناده نظر أيضا. ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعها كما قال والله أعلم. وقد تكلمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. وقال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة - قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فنسأله فلقيته فسألته - قال كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا. فكنت أحفظ ذاك الكلام فكأنما يغرى في صدري، وكانت العرب تلوم باسلامهم الفتح فيقولون أتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم، وبدر أبي قومي باسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا. قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشئ فرحي بذلك القميص. تفرد به البخاري دون مسلم. غزوة هوازن يوم حنين (١) قال الله تعالى (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم) [التوبة: ٢٥ - ٢٧]. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن

стр. 1609

يسار في كتابه: أن خروج رسول الله ﷺ إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه إليهم خمس عشرة ليلة، وهكذا روي عن ابن مسعود وبه قال عروة بن الزبير واختاره أحمد وابن جرير في تاريخه. وقال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ إلى هوازن لست خلون من شوال فانتهى إلى حنين في عاشره. وقال أبو بكر الصديق لن نغلب اليوم من قلة! فانهزموا فكان أول من أنهزم بنو سليم ثم أهل مكة ثم بقية الناس. قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة جمعها ملكها مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء. وغاب عنها ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير (١)، ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم، وفي الاحلاف قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري، فلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ أحضر مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس (٢) اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار (٣) له يقاد به، فلما نزل قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم، مجال الخيل! لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قالوا: هذا مالك ودعي له، قال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم؟ قال أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به (٤)، ثم قال: راعي ضأن والله، هل يرد المنهزم شئ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قال: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن

стр. 1610

شهدها منكم؟ قالوا عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران، ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ثم قال دريد لمالك ابن عوف: ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم الق الصبا على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من ورائك، وإن كانت عليك الفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، ثم قال مالك: والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري - وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي - فقالوا: أطعناك فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني: يا ليتني فيها جذع … أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع … كأنها شاة صدع ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد. قال ابن إسحاق: وحدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث: أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال ويلكم ما شأنكم؟ قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم نبي الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ﷺ وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر (١)، فلما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى هوازن، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا له وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال " يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدا " فقال صفوان أغصبا يا محمد؟ قال " بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك " قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها ففعل (٢). هكذا أورد هذا ابن إسحاق من غير إسناد. وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه. وعن عمرو بن شعيب والزهري وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم قصة حنين فذكر نحو ما تقدم، وقصة الأدراع كما تقدم وفيه أن

стр. 1611

ابن أبي حدرد لما رجع فأخبر رسول الله ﷺ خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب، فقال له ابن أبي حدرد. لئن كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق، فقال عمر ألا تسمع ما يقول يا رسول الله؟ فقال " قد كنت ضالا فهداك الله ". وقد قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شريك بن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية. عن أبيه: أن رسول الله ﷺ استعار من أمية يوم حنين أدراعا فقال أغصبا يا محمد؟ فقال " بل عارية مضمونة " قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الاسلام أرغب. ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هارون به وأخرجه النسائي من رواية إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عبد الرحمن بن صفوان بن أمية أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان دروعا فذكره. ورواه من حديث هشيم، عن حجاج عن عطاء أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان أدراعا وأفراسا وساق الحديث. وقال أبو داود: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله ﷺ قال " يا صفوان هل عندك من سلاح؟ " قال عارية أم غصبا، قال " بل عارية " فأعار ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا وغزا رسول الله ﷺ حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال رسول الله ﷺ لصفوان " قد فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك؟ " قال: لا يا رسول الله إن في قلبي اليوم ما لم يكن فيه يومئذ. وهذا مرسل أيضا. قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة فكانوا اثني عشر ألفا. قلت: وعلى قول عروة والزهري وموسى بن عقبة يكون مجموع الجيشين اللذين سار بهما إلى هوازن أربعة عشر ألفا، لأنه قدم باثني عشر ألفا إلى مكة على قولهم وأضيف ألفان من الطلقاء. وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال قال واستخلف على أهل مكة عتاب بن أسيد (١) بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي. قلت: وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة، قال ومضى رسول الله ﷺ يريد لقاء هوازن وذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمي في ذلك منها قوله: أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها … مني رسالة نصح فيه تبيان إني أظن رسول الله صابحكم … جيشا له في فضاء الأرض أركان فيهم سليم أخوكم غير تارككم … والمسلمون عباد الله غسان وفي عضادته اليمنى بنو أسد … والأجربان بنو عباس وذبيان

стр. 1612

تكاد ترجف منه الأرض رهبته … وفي مقدمه أوس وعثمان قال ابن إسحاق: أوس وعثمان قبيلا مزينة. قال: وحدثني الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدئلي عن أبي واقد الليثي وهو (١) الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ﷺ سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله ﷺ " الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم " (٢). وقد روى هذا الحديث الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان والنسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر كلاهما عن الزهري كما رواه ابن إسحاق عنه، وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا. وقال أبو داود: ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام عن السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان العشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله " ثم قال " من يحرسنا الليلة " قال أنس (٣) بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله، قال: فاركب، فركب فرسا له وجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ " استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة " فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: " هل أحسستم فارسكم؟ " قالوا يا رسول الله ما أحسسنا، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلي ويلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال " أبشروا فقد جاءكم فارسكم " فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلا هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا، فقال له رسول الله ﷺ " هل نزلت الليلة؟ " قال لا إلا مصليا أو قاضي حاجة،

стр. 1613

فقال له رسول الله ﷺ " قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها " (١) وهكذا رواه النسائي عن محمد بن يحيى عن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة الربيع بن نافع به. الوقعة وما كان أول الأمر من الفرار ثم العاقبة للمتقين قال يونس بن بكير وغيره عن محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله ﷺ إليها فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه وأقبل رسول الله وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح (٢)، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول " أين أيها الناس؟ هلموا إلي أنا رسول الله، انا رسول الله أنا محمد بن عبد الله " قال: فلا شئ (٣)، وركبت الإبل بعضها بعضا فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته علي بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل بن العباس وقيل الفضيل بن أبي سفيان، وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد، ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس ورهط من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر والعباس آخذ بحكمة بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها، قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، قال فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال فيأتي علي من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله، قال واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله ﷺ (٤). ورواه الإمام أحمد عن يعقوب ابن إبراهيم الزهري، عن أبيه عن محمد بن إسحاق. قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله

стр. 1614

ﷺ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان ممن صبر يومئذ وكان حسن الاسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر (١) بغلة رسول الله ﷺ فقال " من هذا؟ " قال ابن أمك يا رسول الله. قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الاعراب بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان صخر بن حرب - يعني وكان اسلامه بعد مدخولا وكانت الأزلام بعد معه يومئذ - قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعني لامه - وهو مشرك في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ : ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك فوالله لئن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة أنبأ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك: أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا يكثرون على رسول الله ﷺ ، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى فقال رسول الله ﷺ " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله. ثم قال " يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله " قال: فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح. قال: وقال رسول الله ﷺ يومئذ " من قتل كافرا فله سلبه " قال فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم (٢)، وقال أبو قتادة: يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له فأجهضت عنه فانظر من أخذها قال: فقام رجل فقال: أنا أخذتها فأرضه منها وأعطنيها، قال: وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت فسكت رسول الله ﷺ ، فقال عمر: والله لا يفئها الله على أسد من أسد الله ويعطيكها، فقال رسول الله ﷺ " صدق عمر " (٣) قال ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة ما هذا؟ فقالت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج في بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله أقتل من بعدها من الطلقاء انهزموا بك، فقال: " إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم " (٤) وقد روى مسلم منه قصة خنجر أم سليم، وأبو داود قوله " من قتل قتيلا فله سلبه " كلاهما من حديث حماد بن سلمة به. وقول عمر في هذا مستغرب والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا نافع أبو غالب، شهد أنس بن مالك فقال العلاء بن زياد العدوي: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله ﷺ إذ بعث؟ فقال: ابن أربعين سنة، قال ثم كان ماذا؟ قال ثم كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة، ثم قبضه الله إليه. قال بسن أي الرجال هو

стр. 1615

يومئذ؟ قال كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه، قال يا أبا حمزة وهل غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال نعم غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا وفي المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ نزل فهزمهم الله فولوا، فقام رسول الله ﷺ حين رأى الفتح فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل فيبايعونه على الاسلام، فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ إن علي نذرا لئن جئ بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه، قال فسكت رسول الله ﷺ وجئ بالرجل فلما رأى نبي الله ﷺ قال: يا نبي الله تبت إلى الله؟ قال: وأمسك نبي الله ﷺ أن يبايعه ليوفي الآخر نذره، قال: وجعل ينظر إلى النبي ﷺ ليأمره بقتله ويهاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى النبي ﷺ إنه لا يصنع شيئا بايعه فقال يا نبي الله نذري؟ قال " لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي نذرك " فقال يا رسول الله ألا أومأت إلي؟ قال " إنه ليس لنبي أن يومي ". تفرد به أحمد. وقال أحمد حدثنا يزيد ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ يوم حنين " اللهم إنك إن تشاء لا تعبد في الأرض بعد اليوم " إسناده ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه. وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع البراء بن عازب - وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ - فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام. ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان (١) آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، ورواه البخاري عن أبي الوليد عن شعبة به وقال: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب قال البخاري: وقال إسرائيل وزهير عن أبي إسحاق عن البراء ثم نزل عن بغلته. ورواه مسلم والنسائي عن بندار. زاد مسلم، وأبي موسى كلاهما عن غندر به. وروى مسلم من حديث زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء قال ثم نزل فاستنصر وهو يقول: "اللهم نزل نصرك ". قال البراء: ولقد كنا إذا حمي البأس نتقي برسول الله ﷺ وإن الشجاع الذي يحاذي به (٢). وروى البيهقي من طرق أن رسول الله ﷺ قال يومئذ: " أنا ابن
следующие страницы →