← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ابن أبي حدرد لما رجع فأخبر رسول الله ﷺ خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب، فقال له ابن أبي حدرد. لئن كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق، فقال عمر ألا تسمع ما يقول يا رسول الله؟ فقال " قد كنت ضالا فهداك الله ". وقد قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شريك بن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية. عن أبيه: أن رسول الله ﷺ استعار من أمية يوم حنين أدراعا فقال أغصبا يا محمد؟ فقال " بل عارية مضمونة " قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الاسلام أرغب. ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هارون به وأخرجه النسائي من رواية إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عبد الرحمن بن صفوان بن أمية أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان دروعا فذكره. ورواه من حديث هشيم، عن حجاج عن عطاء أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان أدراعا وأفراسا وساق الحديث. وقال أبو داود: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله ﷺ قال " يا صفوان هل عندك من سلاح؟ " قال عارية أم غصبا، قال " بل عارية " فأعار ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا وغزا رسول الله ﷺ حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال رسول الله ﷺ لصفوان " قد فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك؟ " قال: لا يا رسول الله إن في قلبي اليوم ما لم يكن فيه يومئذ. وهذا مرسل أيضا. قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة فكانوا اثني عشر ألفا. قلت: وعلى قول عروة والزهري وموسى بن عقبة يكون مجموع الجيشين اللذين سار بهما إلى هوازن أربعة عشر ألفا، لأنه قدم باثني عشر ألفا إلى مكة على قولهم وأضيف ألفان من الطلقاء. وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال قال واستخلف على أهل مكة عتاب بن أسيد (١) بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي. قلت: وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة، قال ومضى رسول الله ﷺ يريد لقاء هوازن وذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمي في ذلك منها قوله: أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها … مني رسالة نصح فيه تبيان إني أظن رسول الله صابحكم … جيشا له في فضاء الأرض أركان فيهم سليم أخوكم غير تارككم … والمسلمون عباد الله غسان وفي عضادته اليمنى بنو أسد … والأجربان بنو عباس وذبيان

стр. 1612

تكاد ترجف منه الأرض رهبته … وفي مقدمه أوس وعثمان قال ابن إسحاق: أوس وعثمان قبيلا مزينة. قال: وحدثني الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدئلي عن أبي واقد الليثي وهو (١) الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ﷺ سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله ﷺ " الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم " (٢). وقد روى هذا الحديث الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان والنسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر كلاهما عن الزهري كما رواه ابن إسحاق عنه، وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا. وقال أبو داود: ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام عن السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان العشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله " ثم قال " من يحرسنا الليلة " قال أنس (٣) بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله، قال: فاركب، فركب فرسا له وجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ " استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة " فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: " هل أحسستم فارسكم؟ " قالوا يا رسول الله ما أحسسنا، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلي ويلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال " أبشروا فقد جاءكم فارسكم " فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلا هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا، فقال له رسول الله ﷺ " هل نزلت الليلة؟ " قال لا إلا مصليا أو قاضي حاجة،

стр. 1613

فقال له رسول الله ﷺ " قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها " (١) وهكذا رواه النسائي عن محمد بن يحيى عن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة الربيع بن نافع به. الوقعة وما كان أول الأمر من الفرار ثم العاقبة للمتقين قال يونس بن بكير وغيره عن محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله ﷺ إليها فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه وأقبل رسول الله وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح (٢)، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول " أين أيها الناس؟ هلموا إلي أنا رسول الله، انا رسول الله أنا محمد بن عبد الله " قال: فلا شئ (٣)، وركبت الإبل بعضها بعضا فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته علي بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل بن العباس وقيل الفضيل بن أبي سفيان، وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد، ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس ورهط من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر والعباس آخذ بحكمة بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها، قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، قال فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال فيأتي علي من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله، قال واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله ﷺ (٤). ورواه الإمام أحمد عن يعقوب ابن إبراهيم الزهري، عن أبيه عن محمد بن إسحاق. قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله

стр. 1614

ﷺ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان ممن صبر يومئذ وكان حسن الاسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر (١) بغلة رسول الله ﷺ فقال " من هذا؟ " قال ابن أمك يا رسول الله. قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الاعراب بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان صخر بن حرب - يعني وكان اسلامه بعد مدخولا وكانت الأزلام بعد معه يومئذ - قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعني لامه - وهو مشرك في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ : ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك فوالله لئن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة أنبأ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك: أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا يكثرون على رسول الله ﷺ ، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى فقال رسول الله ﷺ " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله. ثم قال " يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله " قال: فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح. قال: وقال رسول الله ﷺ يومئذ " من قتل كافرا فله سلبه " قال فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم (٢)، وقال أبو قتادة: يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له فأجهضت عنه فانظر من أخذها قال: فقام رجل فقال: أنا أخذتها فأرضه منها وأعطنيها، قال: وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت فسكت رسول الله ﷺ ، فقال عمر: والله لا يفئها الله على أسد من أسد الله ويعطيكها، فقال رسول الله ﷺ " صدق عمر " (٣) قال ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة ما هذا؟ فقالت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج في بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله أقتل من بعدها من الطلقاء انهزموا بك، فقال: " إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم " (٤) وقد روى مسلم منه قصة خنجر أم سليم، وأبو داود قوله " من قتل قتيلا فله سلبه " كلاهما من حديث حماد بن سلمة به. وقول عمر في هذا مستغرب والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا نافع أبو غالب، شهد أنس بن مالك فقال العلاء بن زياد العدوي: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله ﷺ إذ بعث؟ فقال: ابن أربعين سنة، قال ثم كان ماذا؟ قال ثم كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة، ثم قبضه الله إليه. قال بسن أي الرجال هو

стр. 1615

يومئذ؟ قال كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه، قال يا أبا حمزة وهل غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال نعم غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا وفي المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ نزل فهزمهم الله فولوا، فقام رسول الله ﷺ حين رأى الفتح فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل فيبايعونه على الاسلام، فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ إن علي نذرا لئن جئ بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه، قال فسكت رسول الله ﷺ وجئ بالرجل فلما رأى نبي الله ﷺ قال: يا نبي الله تبت إلى الله؟ قال: وأمسك نبي الله ﷺ أن يبايعه ليوفي الآخر نذره، قال: وجعل ينظر إلى النبي ﷺ ليأمره بقتله ويهاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى النبي ﷺ إنه لا يصنع شيئا بايعه فقال يا نبي الله نذري؟ قال " لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي نذرك " فقال يا رسول الله ألا أومأت إلي؟ قال " إنه ليس لنبي أن يومي ". تفرد به أحمد. وقال أحمد حدثنا يزيد ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ يوم حنين " اللهم إنك إن تشاء لا تعبد في الأرض بعد اليوم " إسناده ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه. وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع البراء بن عازب - وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ - فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام. ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان (١) آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، ورواه البخاري عن أبي الوليد عن شعبة به وقال: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب قال البخاري: وقال إسرائيل وزهير عن أبي إسحاق عن البراء ثم نزل عن بغلته. ورواه مسلم والنسائي عن بندار. زاد مسلم، وأبي موسى كلاهما عن غندر به. وروى مسلم من حديث زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء قال ثم نزل فاستنصر وهو يقول: "اللهم نزل نصرك ". قال البراء: ولقد كنا إذا حمي البأس نتقي برسول الله ﷺ وإن الشجاع الذي يحاذي به (٢). وروى البيهقي من طرق أن رسول الله ﷺ قال يومئذ: " أنا ابن

стр. 1616

العواتك " [وقال الطبراني: ثنا عباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا عمرو بن عوف الواسطي، ثنا هشيم، أنبأ يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، عن شبابة، عن ابن عاصم السلمي أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: " أنا ابن العواتك "] (١) وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأ مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فضربته من ورائة على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر، فقالت: ما بال الناس؟ فقال: أمر الله، ورجعوا وجلس رسول الله ﷺ فقال " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " فقمت فقلت: من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول الله ﷺ مثله، فقلت من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول الله ﷺ مثله، فقلت من يشهد لي ثم جلست، ثم قال رسول الله ﷺ مثله فقمت فقال " ما لك يا أبا قتادة؟ " فأخبرته فقال رجل: صدق، سلبه عندي فأرضه مني، فقال أبو بكر: لاها الله (٢) إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه؟! فقال النبي ﷺ " صدق فأعطه " فأعطانيه فابتعت به مخرافا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الاسلام (٣). ورواه بقية الجماعة إلا النسائي من حديث يحيى بن سعيد به. قال البخاري: وقال الليث بن سعد، حدثني يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل فدفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقالت له ما شأن الناس؟ قال أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله فقال رسول الله " من أقام بينة على قتيل فله سلبه " فقمت لالتمس بينة على قتيلي فلم أر أحدا يشهد لي فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ فقال رجل من جلسائه: سلاح

стр. 1617

هذا القتيل الذي يذكر عندي فأرضه مني. فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع (١) من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله. قال فقام رسول الله فأداه إلي فاشتريت به مخرافا (٢) فكان أول ما تأثلته، وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم كلاهما عن قتيبة عن الليث بن سعد به، وقد تقدم من رواية نافع أبي غالب عن أنس أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله قاله متابعة لأبي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراوي والله أعلم. وقال الحافظ البيهقي: أنبأ الحاكم، أنبأ الأصم، أنبأ أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى " يا عباس ناد يا معشر الأنصار يا أصحاب الشجرة " (٣) فأجابوه لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه عن عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت للأنصار، ثم جعلت آخرا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله ﷺ في ركايبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال " الآن حمي الوطيس " قال: فوالله ما راجعه الناس (٤) إلا والأسارى عند رسول الله ﷺ مكتفون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله ﷺ أموالهم [ونساءهم] (٥) وأبناءهم. وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة. وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أن رسول الله ﷺ لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين، نظارا ينظرون، ويرجعون الغنائم، ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه، قالوا وكان معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، قالوا وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدرد عينا فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، واكسروا أغماد سيوفكم واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا، فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة، وصف الناس بعضهم

стр. 1618

لبعض وركب رسول الله ﷺ بغلة له شهباء فاستقبل الصفوف فأمرهم وحضهم على القتال، وبشرهم بالفتح - إن صبروا - فبينما هم كذلك إذ حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله ﷺ حين أدبر الناس فقلت مائة رجل، قالوا: ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال ابشر بهزيمة محمد وأصحابه فوالله لا يجتبرونها أبدا، فقال له صفوان: تبشرني بظهور الاعراب، فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من الاعراب، وغضب صفوان لذلك. قال عروة: وبعث صفوان غلاما له فقال: اسمع لمن الشعار؟ فجاءه فقال سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، فقال: ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب. قالوا: وكان رسول الله ﷺ لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول " اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا " ونادى أصحابه وزمرهم (١) " يا أصحاب البيعة يوم الحديبية! الله الله الكرة على نبيكم " ويقال حرضهم فقال " يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج يا أصحاب سورة البقرة " وأمر من أصحابه من ينادي بذلك، قالوا: وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلها وقال " شاهت الوجوه " وأقبل أصحابه إليه سراعا يبتدرون، وزعموا أن رسول الله ﷺ قال " الآن حمي الوطيس " فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم منها واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم (٢)، وفر مالك بن عوف، حتى دخل حصن الطائف هو وأناس من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله ﷺ وإعزازه دينه (٣). رواه البيهقي: وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن الزهري أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب، قال: قال العباس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان ابن الحارث لا نفارقه. ورسول الله ﷺ على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ . وقال رسول الله ﷺ " أي عباس ناد أصحاب السمرة " قال فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه، قال فاقتتلوا هم والكفار والدعوة في الأنصار وهم يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى

стр. 1619

قتالهم فقال " هذا حين حمي الوطيس " ثم أخد حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال " انهزموا ورب محمد " قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله ﷺ بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا (١). ورواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب به نحوه. ورواه أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه. وروى مسلم من حديث عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، وتوارى عني، فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة رسول الله ﷺ فولى أصحاب رسول الله ﷺ وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، قال فاستطلق إزاري فجمعتها جمعا ومررت على النبي ﷺ وأنا منهزم وهو على بغلته الشهباء، فقال " لقد رأى ابن الأكوع فزعا " فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض واستقبل به وجوههم وقال " شاهت الوجوه " فما خلى الله منهم إنسانا إلا ملا عينيه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين: فهزمهم الله وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين (٢). وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: ثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حنين فسرنا في يوم قايظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي فأتيت رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح يا رسول الله؟ قال " أجل " ثم قال رسول الله ﷺ " يا بلال " فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك؟ فقال: " أسرج لي فرسي " فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر. قال: فركب فرسه فسرنا يومنا فلقينا العدو وتسامت الخيلان، فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله ﷺ يقول " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله " واقتحم رسول الله ﷺ عن فرسه. وحدثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنة من التراب فحثى بها وجوه العدو وقال " شاهت الوجوه " قال يعلى بن عطاء فحدثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد فهزمهم الله (٣). ورواه أبو داود السجستاني في سننه: عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه. وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الحارث بن حصين، ثنا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود

стр. 1620

عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قدما، فحادت به بغلته فمال عن السرج فقلت له ارتفع رفعك الله فقال " ناولني كفا من تراب " فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا قال " أين المهاجرين والأنصار؟ " قلت هم أولاء قال " أهتف بهم " فهتفت بهم فجاؤوا سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب وولى المشركون أدبارهم (١). تفرد به أحمد. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري، ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، أخبرني عبد الله بن عياض بن الحارث الأنصاري، عن أبيه أن رسول الله ﷺ أتى هوازن في اثني عشر ألفا فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، قال وأخذ رسول الله ﷺ كفا من حصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا. ورواه البخاري في تاريخه ولم ينسب عياضا. وقال مسدد: ثنا جعفر ابن سليمان، ثنا عوف بن عبد الرحمن، مولى أم برثن، عمن شهد حنينا كافرا قال: لما التقينا نحن ورسول الله ﷺ لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله ﷺ حتى إذ غشيناه، فإذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه فارجعوا، فهزمنا من ذلك الكلام (٢). رواه البيهقي. وقال يعقوب بن سفيان، ثنا أبو سفيان، ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني محمد بن عبد الله الشعبي، عن الحارث بن بدل النصري، عن رجل من قومه شهد ذلك يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفي قالا: انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا عباس وأبو سفيان بن الحارث، قال: فقبض رسول الله ﷺ قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم، قال: فانهزمنا، فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، قال الثقفي: فأعجزت على فرسي حتى دخلت الطائف (٣). وروى يونس بن بكير في مغازيه، عن يوسف بن صهيب بن عبد الله أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ يوم حنين إلا رجل واحد اسمه زيد. وروى البيهقي من طريق الكديمي، ثنا موسى بن مسعود ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي عن السائب بن يسار عن يزيد بن عامر السوائي أنه قال: عند انكشافة انكشفها المسلمون (٥) يوم حنين فتبعهم الكفار وأخذ رسول الله ﷺ قبضة من الأرض، ثم

стр. 1621

أقبل على المشركين فرمى بها وجوههم وقال " ارجعوا شاهت الوجوه " فما أحد يلقى أخاه الا وهو يشكو قذى في عينيه. ثم روي من طريقين آخرين عن أبي حذيفة ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي، حدثني أبي السائب بن يسار سمعت يزيد بن عامر السوائي - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد - قال: فنحن نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟ قال: فكان يأخذ لنا بحصاة فيرمي بها في الطست فيطن، قال كنا نجد في أجوافنا مثل هذا. وقال البيهقي: أنبأ أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد [قال: حدثنا محمد] (١) بن بكير الحضرمي، ثنا أيوب (٢) بن جابر عن صدقة بن سعيد عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم حنين والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا، فقال " يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر " فضرب يده في صدري ثم قال " اللهم اهد شيبة " ثم ضربها الثانية فقال " اللهم أهد شيبة " ثم ضربها الثالثة ثم قال " اللهم اهد شيبة " قال فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه. ثم ذكر الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله ﷺ حتى هزم الله المشركين. وقال البيهقي: أنبأ أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، ثنا يوسف بن موسى، ثنا هشام بن خالد، ثنا الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عري:: ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت اليوم أدرك ثأري من رسول الله ﷺ ، قال فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا بالعباس ابن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت عمه ولن يخذله، قال ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت ابن عمه ولن يخذله، قال ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله ﷺ وقال " يا شيب أدن مني، اللهم اذهب عنه الشيطان " قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: " يا شيب قاتل الكفار " (٣) وقال ابن إسحاق: وقال شيبة ابن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار قلت اليوم أدرك ثأري [من محمد] (٤) - وكان أبوه قد

стр. 1622

قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله ﷺ لأقتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني (١). وقال محمد بن إسحاق: وحدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم قال: إنا لمع رسول الله ﷺ يوم حنين والناس يقتتلون إذا نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور (٢) قد ملا الوادي فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة (٣) ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق به. وزاد فقال خديج بن العوجا النصري - يعني في ذلك: ولما دنونا من حنين ومائه … رأينا سوادا منكر اللون أخصفا بملمومة شهباء لو قذفوا بها … شماريخ من عروى إذا عاد صفصفا (٤) ولو أن قومي طاوعتني سراتهم … إذا ما لقينا العارض المتكشفا إذا ما لقينا جند آل محمد … ثمانين ألفا واستمدوا بخندقا وقد ذكر ابن إسحاق من شعر مالك بن عوف النصري رئيس هوازن يوم القتال وهو في حومة الوغا يرتجز ويقول: أقدم مجاج إنه يوم نكر … مثلي على مثلك يحمي ويكر إذا أضيع الصف يوما والدبر … ثم احزألت زمر بعد زمر كتائب يكل فيهن البصر … قد أطعن الطعنة تقذي بالسبر (٥) حين يذم المستكن المنجحر … وأطعن النجلاء تعوي وتهر لها من الجوف رشاش منهمر … تفهق تارات وحينا تنفجر وثعلب العامل فيها منكسر … يا زين يا بن همهم أين تفر قد أنفذ الضرس وقد طال العمر … قد علم البيض الطويلات الخمر أني في أمثالها غير غمر … إذ تخرج الحاصن من تحت الستر (٦) وذكر البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق أنه أنشد من شعر مالك أيضا حين ولى أصحابه منهزمين وذلك قوله بعدما أسلم وقيل هي لغيره:

стр. 1623

أذكر مسيرهم والناس كلهم (١) … ومالك فوقه الرايات تختفق ومالك مالك ما فوقه أحد … يوم حنين عليه التاج يأتلق حتى لقوا الناس حين البأس يقدمهم … عليهم البيض والأبدان والدرق فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا … حول النبي وحتى جنه الغسق حتى تنزل جبريل بنصرهم … فالقوم منهزم منا ومعتلق (٢) منا ولو غير جبريل يقاتلنا … لمنعتنا إذا أسيافنا الفلق (٣) وقد وفى (٤) عمر الفاروق إذ هزموا … بطعنة كان (٥) منها سرجه العلق قال ابن إسحاق: ولما هزم المشركون وأمكن الله رسوله منهم قالت امرأة من المسلمين: قد غلبت خيل الله خيل اللات … والله أحق بالثبات قال ابن هشام: وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر: قد غلبت خيل الله خيل اللات … وخيله أحق بالثبات قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، وكانت مع ذي الخمار (٦)، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب فقاتل بها حتى قتل، فأخبرني عامر بن وهب بن الأسود: أن رسول الله ﷺ لما بلغه قتله قال: " أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا " وذكر ابن إسحاق عن يعقوب ابن عتبة أنه قتل مع عثمان هذا غلام له نصراني، فجاء رجل من الأنصار ليسلبه فإذا هو أغرل، فصاح بأعلا صوته: يا معشر العرب إن ثقيفا غرل، قال المغيرة بن شعبة الثقفي: فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت لا تقل كذلك فداك أبي وأمي إنما هو غلام لنا نصراني، ثم جعلت أكشف له القتلى فأقول له ألا تراهم مختتنين كما ترى؟ قال ابن إسحاق: وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه وقومه فلم يقتل من الاحلاف غير رجلين، ورجل من بني غيرة يقال له وهب ورجل من بني كبة يقال له الجلاح (٧)، فقال رسول الله ﷺ حين بلغه قتل الجلاح " قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما

стр. 1624

كان من ابن هنيدة " يعني الحارث بن أويس (١). قال ابن إسحاق فقال العباس بن مرداس يذكر قارب بن الأسود وفراره من بنى أبيه وذا الخمار وحبسه نفسه وقومه للموت: ألا من مبلغ غيلان عني … وسوف إخال يأتيه الخبير وعروة إنما أهدى جوابا … وقولا غير قولكما يسير بأن محمدا عبد رسول … لرب لا يضل ولا يجوز وجدناه نبيا مثل موسى … فكل فتى بخايره مخير وبئس الامر أمر بني قسي … بوج إذا تقسمت الأمور (٢) أضاعوا أمرهم ولكل قوم … أمير والدوائر قد تدور فجئنا أسد غابات إليهم … جنود الله ضاحية تسير نؤم الجمع جمع بني قسي … على حنق نكاد له نطير وأقسم لو هموا مكثوا لسرنا … إليهم بالجنود ولم يغوروا فكنا أسدلية ثم حتى … أبحناها وأسلمت النصور (٣) ويوم كان قبل لدى حنين … فأقلع والدماء به تمور من الأيام لم تسمع كيوم … ولم يسمع به قوم ذكور قتلنا في الغبار بني حطيط … على راياتها والخيل زور ولم يك ذو الخمار رئيس قوم … لهم عقل يعاقب أو نكير أقام بهم على سنن المنايا … وقد بانت لمبصرها الأمور فأفلت من نجا منهم حريضا (٤) … وقتل منهم بشر كثير ولا يغني الأمور أخو التواني … ولا الغلق الصريرة الحصور (٥) أحانهم وحان وملكوه … أمورهم وأفلتت الصقور بنو عوف يميح بهم جياد … أهين لها الفصافص والشعير فلولا قارب وبنو أبيه … تقسمت المزارع والقصور ولكن الرياسة عمموها … على يمن أشار به المشير أطاعوا قاربا ولهم جدود … وأحلام إلى عز تصير

стр. 1625

فإن يهدوا إلى الاسلام يلفوا … أنوف الناس ما سمر السمير فإن لم يسلموا فهموا أذان … بحرب الله ليس لهم نصير كما حكمت بني سعد وجرت (١) … برهط بني غزية عنقفير كأن بني معاوية بن بكر … إلى الاسلام ضائنة تخور فقلنا أسلموا إنا أخوكم … وقد برأت من الإحن الصدور كأن القوم إذ جاؤوا إلينا … من البغضاء بعد السلم عور فصل ولما انهزمت هوازن وقف ملكهم مالك بن عوف النصري على ثنية مع طائفة من أصحابه فقال: قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أخراكم. قال ابن إسحاق (٢): فبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم، طويلة بوادهم، فقال هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا نرى قوما عارضي رماحهم أغفالا على خيلهم، فقال هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم، فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بني سليم، ثم طلع فارس فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ فقالوا: نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء (٣)، قال: هذا الزبير بن العوام وأقسم باللات ليخالطنكم فأثبتوا له، فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها. [فصل] وأمر رسول الله صلى الله بالغنائم فجمعت من الإبل والغنم والرقيق وأمر أن تساق إلى الجعرانة فتحبس هناك، قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري. [فصل] قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا أن رسول الله ﷺ مر يومئذ بامرأة قتلها خالد

стр. 1626

ابن الوليد والناس متقصفون (١) عليها فقال لبعض أصحابه " أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله ﷺ ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا " (٢) هكذا رواه ابن إسحاق منقطعا. وقد قال الإمام أحمد: ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، حدثني المرقع بن صيفي عن جده رباح بن ربيع أخي بني حنظلة الكاتب أنه أخبره أنه رجع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله ﷺ على راحلته فانفرجوا عنها فوقف عليها رسول الله ﷺ فقال " ما كانت هذه لتقاتل " فقال لأحدهم " الحق خالدا فقل له لا يقتلن ذرية ولا عسيفا " وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث المرقع بن صيفي به نحوه. غزوة أوطاس وكان سببها أن هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم فيهم الرئيس مالك بن عوف النصري فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس فبعث إليهم رسول الله ﷺ سرية من أصحابه عليهم أبو عامر الأشعري فقاتلوهم فغلبوهم، ثم سار رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة فحاصر أهل الطائف كما سيأتي. قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون يوم حنين أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم إلى نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك الثنايا قال: فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهان (٣) السلمي ويعرف بابن الدغنة - وهي أمه - دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه في شجار لهم، فإذا برجل، فأناخ به، فإذا شيخ كبير، وإذا دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت! قال أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، قال: بئس ما سلحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار، ثم أضرب به، وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، قرب والله يوم منعت فيه نساءك، فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف، فإذا عجانه (٤) وبطون

стр. 1627

فخذيه مثل القراطيس، من ركوب الخيل أعراء، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا. ثم ذكر ابن إسحاق ما رثت به عمرة بنت دريد أباها فمن ذلك قولها: قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا … فظل دمعي على السربال ينحدر لولا الذي قهر الأقوام كلهم … رأت سليم وكعب كيف يأتمر إذن لصبحهم غبا وظاهرة … حيث استقرت نواهم جحفل ذفر قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعض من أنهزم، فناوشوه القتال، فرمي أبو عامر فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري وهو ابن عمه، فقاتلهم ففتح الله عليهم وهزمهم الله ، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم فأصاب ركبته فقتله وقال: إن تسألوا عني فإني سلمه … ابن سمادير (١) لمن توسمه أضرب بالسيف رؤس المسلمة قال ابن إسحاق: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه: أن أبا عامر الأشعري لقي يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة، وبقي العاشر فحمل على أبي عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي فكف عنه أبو عامر، فأفلت، فأسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي ﷺ إذا رآه قال: " هذا شريد أبي عامر " قال: ورمى أبا عامر، أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث، من بني جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه، والآخر ركبته فقتلاه، وولى الناس أبا موسى، فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بني جشم [بن معاوية] (٢) يرثيهما: إن الرزية قتل العلا … ء وأوفى جميعا ولم يسندا هما القاتلان أبا عامر … وقد كان داهية أربدا (٣)

стр. 1628

هما تركاه لدى معرك … كأن على عطفه مجسدا (١) فلم ير في الناس مثليهما … أقل عثارا وأرمى يدا وقال البخاري: ثنا محمد بن العلاء، وحدثنا أبو أسامة، عن يزيد (٢) بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، قال: فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت؟ فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت: لأبي عامر قتل الله صاحبك، قال: فانتزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء. قال: يا ابن أخي اقرئ رسول الله ﷺ السلام وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرا ثم مات، فرجعت فدخلت على رسول الله ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقوله: قل له استغفر لي، قال: فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال " اللهم اغفر لعبيد أبي عامر " ورأيت بياض إبطيه ثم قال " اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس " فقلت ولي فاستغفر، فقال: " اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما " قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى ﵄ (٣). ورواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن براد (٤) عن أبي أسامة به نحوه وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأ سفيان - هو الثوري - عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ فنزلت هذه الآية (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) [النساء: ٢٤] قال فاستحللنا بها فروجهن. وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عثمان البتي به. وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري. وقد رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم وشعبة والترمذي من حديث همام

стр. 1629

عن يحيى ثلاثتهم عن قتادة، عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد: أن أصحاب رسول الله ﷺ أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك فكان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، فنزلت هذه الآية في ذلك (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) وهذا لفظ أحمد بن حنبل فزاد في هذا الاسناد أبا علقمة الهاشمي وهو ثقة وكان هذا هو المحفوظ والله أعلم. وقد استدل جماعة من السلف بهذه الآية الكريمة على أن بيع الأمة طلاقها. روى ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وخالفهم الجمهور مستدلين بحديث بريرة حيث بيعت ثم خيرت في فسخ نكاحها أو إبقاءه، فلو كان بيعها طلاقها لها لما خيرت، وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير بما فيه كفاية وسنذكره إن شاء الله في الاحكام الكبير، وقد استدل جماعة من السلف على إباحة الأمة المشركة بهذا الحديث في سبايا أوطاس، وخالفهم الجمهور وقالوا هذه قضية عين فلعلهن أسلمن أو كن كتابيات وموضع تقرير ذلك في الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى. من استشهد يوم حنين وأوطاس أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله ﷺ وهو أيمن بن عبيد، وزيد (١) بن زمعة بن الأسود ابن المطلب بن أسد جمح به فرسه الذي يقال له الجناح فمات، وسراقة بن مالك بن الحارث بن عدي الأنصاري من بني العجلان، وأبو عامر الأشعري أمير سرية أوطاس، فهؤلاء أربعة ﵃. ما قيل من الاشعار في غزوة هوازن فمن ذلك قول بجير بن زهير بن أبي سلمى: لولا الاله وعبده وليتم … حين استخف الرعب كل جبان (٢) بالجزع يوم حبالنا أقراننا … وسوابح يكبون للأذقان (٣) من بين ساع ثوبه في كفه … ومقطر بسنابك ولبان (٤) والله أكرمنا وأظهر ديننا … وأعزنا بعبادة الرحمن والله أهلكهم وفرق جمعهم … وأذلهم بعبادة الشيطان

стр. 1630

قال ابن هشام ويروي فيها بعض الرواة: إذ قام عم نبيكم ووليه … يدعون: يا لكتيبة الايمان أين الذين هم أجابوا ربهم … يوم العريض وبيعة الرضوان (١) وقال عباس بن مرداس السلمي: فإني والسوابح يوم جمع … وما يتلو الرسول من الكتاب لقد أحببت ما لقيت ثقيف … بجنب الشعب أمس من العذاب هم رأس العدو من أهل نجد … فقتلهم ألذ من الشراب هزمنا الجمع جمع بني قسي … وحلت بركها ببني رئاب وصرما من هلال غادرتهم … بأوطاس تعفر بالتراب ولو لاقين جمع بني كلاب … لقام نساؤهم والنقع كأبي ركضنا الخيل فيهم بين بس … إلى الأورال تنحط بالتهاب (٢) بذي لجب رسول الله فيهم … كتيبته تعرض للضراب وقال عباس بن مرداس أيضا: يا خاتم النباء إنك مرسل … بالحق كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى عليك محبة … في خلقه ومحمدا سماكا ثم الذين وفوا بما عاهدتهم … جند بعثت عليهم الضحاكا رجلا به ذرب (٣) السلاح كأنه … لما تكنفه العدو يراكا يغشى ذوي النسب القريب وإنما … يبغي رضا الرحمن ثم رضاكا أنبئك أني قد رأيت مكره … تحت العجاجة يدمغ الاشراكا طورا يعانق باليدين وتارة … يفري الجماجم صارما فتاكا (٤) وبنو سليم معنقون أمامه … ضربا وطعنا في العدو دراكا يمشون تحت لوائه وكأنهم … أسد العرين أردن ثم عراكا ما يرتجون من القريب قرابة … إلا لطاعة ربهم وهواكا

стр. 1631

هذي مشاهدنا التي كانت لنا … معروفة وولينا مولاكا وقال عباس بن مرداس أيضا (١): عفا مجدل من أهله فمتالع … فمطلا أريك قد خلا فالمصانع (٢) ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا … رخي وصرف الدهر للحي جامع حبيبة ألوت بها غربة النوى … لبين فهل ماض من العيش راجع فإن تبتغي الكفار غير ملومة … فإني وزير للنبي وتابع دعانا إليه خير وفد علمتهم … خزيمة والمرار منهم وواسع فجئنا بألف من سليم عليهم … لبوس لهم من نسج داود رائع نبايعه بالأخشبين وإنما … يد الله بين الأخشبين نبايع فجسنا مع المهدي مكة عنوة … بأسيافنا والنقع كأب وساطع علانية والخيل يغشى متونها … حميم وآن من دم الجوف ناقع ويوم حنين حين سارت هوازن … إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا … قراع الأعادي منهم والوقائع أمام رسول الله يخفق فوقنا … لواء كخذروف (٣) السحابة لامع عشية ضحاك بن سفيان معتص … بسيف رسول الله والموت كانع (٤) نذود أخانا عن أخينا ولو ترى (٥) … مصالا لكنا الأقربين نتابع ولكن دين الله، دين محمد … رضينا به فيه الهدى والشرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا … وليس لأمر حمه الله دافع وقال عباس أيضا: تقطع باقي وصل أم مؤمل … بعاقبة واستبدلت نية خلفا (٦) وقد حلفت بالله لا تقطع القوى … فما صدقت فيه ولا برت الحلفا

стр. 1632

خفافية بطن العقيق مصيفها … وتحتل في البادين وجرة فالعرفا (١) فإن تتبع الكفار أم مؤمل … فقد زودت قلبي على نأيها شغفا وسوف ينبئها الخبير بأننا … أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا وإنا مع الهادي النبي محمد … وفينا ولم يستوفها معشر ألفا بفتيان صدق من سليم أعزة … أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا خفاف وذكوان وعوف تخالهم … مصاعب زافت في طروقتها كلفا كأن نسيج الشهب والبيض ملبس … أسودا تلاقت في مراصدها غضفا بنا عز دين الله غير تنحل … وزدنا على الحي الذي معه ضعفا بمكة إذ جئنا كأن لواءنا … عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا على شخص الابصار تحسب بينها … إذا هي جالت في مراودها عزقا (٢) غداة وطئنا المشركين ولم نجد … لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا بمعترك لا يسمع القوم وسطه … لنا زحمة إلا التذامر والنقفا ببيض تطير الهام عن مستقرها … وتقطف أعناق الكماة بها قطفا فكائن تركنا من قتيل ملحب … وأرملة تدعو على بعلها لهفا رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي … ولله ما يبدو جميعا وما يخفى وقال عباس أيضا ﵁: ما بال عينك فيها عائر سهر … مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر (٣) عين تأوبها من شجوها أرق … فالماء يغمرها طورا وينحدر كأنه نظم در عند ناظمه … تقطع السلك منه فهو منتثر يا بعد منزل من ترجو مودته … ومن أتى دونه الصمان فالحفر (٤) دع ما تقدم من عهد الشباب فقد … ولى الشباب وزار الشيب والزعر (٥) واذكر بلاء سليم في مواطنها … وفي سليم لأهل الفخر مفتخر قوم هموا نصروا الرحمن واتبعوا … دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم … ولا تخاور في مشتاهم البقر

стр. 1633

إلا سوابح كالعقبان مقربة … في دارة حولها الاخطار والعكر (١) تدعى خفاف وعوف في جوانبها … وحي ذكوان لا ميل ولا ضجر (٢) الضاربون جنود الشرك ضاحية … ببطن مكة والأرواح تبتدر حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم … نخل بظاهرة البطحاء منقعر ونحن يوم حنين كان مشهدنا … للدين عزا وعند الله مدخر إذ نركب الموت مخضرا بطائنه … والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا … كما مشى الليث في غاباته الخدر في مأزق من مجر الحرب كلكلها … تكاد تأفل منه الشمس والقمر وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا … لله ننصر من شئنا وننتصر حتى تأوب أقوام منازلهم … لولا المليك ولولا نحن ما صدروا فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا … إلا وقد أصبح منا فيهم أثر وقال عباس أيضا ﵁: يا أيها الرجل الذي تهوي به … وجناء مجمرة المناسم عرمس (٣) إما أتيت على النبي فقل له … حقا عليك إذا اطمأن المجلس يا خير من ركب المطي ومن مشى … فوق التراب إذا تعد الأنفس إنا وفينا بالذي عاهدتنا … والخيل تقدع بالكماة وتضرس إذ سال من أفناء بهثة كلها … جمع تظل به المخارم ترجس (٤) حتى صبحنا أهل مكة فيلقا … شهباء يقدمها الهمام الأشوس من كل أغلب من سليم فوقه … بيضاء محكمة الدخال وقونس يروي القناة إذا تجاسر في الوغى … ونخاله أسدا إذا ما يعبس يغشى الكتيبة معلما وبكفه … عضب يقد به ولدن مدعس (٥) وعلى حنين قد وفى من جمعنا … ألف أمد به الرسول عرندس

стр. 1634

كانوا أمام المؤمنين دريئة … والشمس يومئذ عليهم أشمس (١) نمصي ويحرسنا الاله بحفظه … والله ليس بضائع من يحرس ولقد حبسنا بالمناقب محبسا … رضي الإله به فنعم المحبس وغداة أوطاس شددنا شدة … كفت العدو وقيل منها يا احبسوا تدعو هوازن بالاخوة بيننا … ثدي تمد به هوازن أيبس حتى تركنا جمعهم وكأنه … عير تعاقبه السباع مفرس وقال أيضا ﵁: من مبلغ الأقوام أن محمدا … رسول الاله راشد حيث يمما دعا ربه واستنصر الله وحده … فأصبح قد وفى إليه وأنعما سرينا وواعدنا قديدا محمدا … يؤم بنا أمرا من الله محكما تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا … مع الفجر فتيانا وغابا مقوما (٢) على الخيل مشدودا علينا دروعنا … ورجلا كدفاع الآتي عرمرما فإن سراة الحي إن كنت سائلا … سليم وفيهم منهم من تسلما وجند من الأنصار لا يخذلونه … أطاعوا فما يعصونه ما تكلما فإن تك قد أمرت في القوم خالدا … وقدمته فإنه قد تقدما بجند هداه الله أنت أميره … تصيب به في الحق من كان أظلما حلفت يمينا برة لمحمد … فأكملتها ألفا من الخيل ملجما وقال نبي المؤمنين تقدموا … وحب إلينا أن نكون المقدما وبتنا بنهي المستدير ولم يكن … بنا الخوف إلا رغبة وتحزما أطعناك حتى أسلم الناس كلهم … وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما (٣) يضل الحصان الأبلق الورد وسطه … ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما سمونا لهم ورد القطا زفه ضحى … وكل تراه عن أخيه قد أحجما لدن غدوة حتى تركنا عشية … حنينا وقد سالت دوامعه دما إذا شئت من كل رأيت طمرة … وفارسها يهوي ورمحا محطما وقد أحرزت منا هوازن سربها … وحب إليها أن نخيب ونحرما

стр. 1635

هكذا أورد الإمام محمد بن إسحاق هذه القصائد من شعر عباس بن مرداس السلمي ﵁ وقد تركنا بعض ما أورده من القصائد خشية الإطالة وخوف الملامة، ثم أورد من شعر غيره أيضا وقد حصل ما فيه كفاية من ذلك والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ غزوة الطائف قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: قاتل رسول الله ﷺ يوم حنين وحاصر الطائف في شوال سنة ثمان: وقال محمد بن إسحاق: ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش (١) يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور (٢): قال ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف حين فرغ من حنين فقال كعب بن مالك في ذلك: قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم أجمعنا السيوفا نخبرها ولو نطقت لقالت … قواطعهن: دوسا أو ثقيفا فلست لحاضن إن لم تروها … بساحة داركم منا ألوفا وننتزع العروش ببطن وج … وتصبح دوركم منكم خلوفا ويأتيكم لنا سرعان خيل … يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم … لها مما أناخ بها رجيفا بأيديهم قواضب مرهفات … يزرن المصطلين بها الحتوقا كأمثال العقائق أخلصتها … قيون الهند لم تضرب كتيفا (٣) تخال جدية الابطال فيها … غداة الزحف جاديا مدوفا (٤) أجدهم أليس لهم نصيح … من الأقوام كان بنا عريفا يخبرهم بأنا قد جمعنا … عتاق الخيل والنجب الطروفا (٥) وأنا قد أتيناهم بزحف … يحيط بسور حصنهم صفوفا رئيسهم النبي وكان صلبا … نقي القلب مصطبرا عزوفا

стр. 1636

رشيد الامر ذا حكم وعلم … وحلم لم يكن نزقا خفيفا نطيع نبينا ونطيع ربا … هو الرحمن كان بنا رؤوفا فإن تلقوا إلينا السلم نقبل … ونجعلكم لنا عضدا وريفا وإن تابوا نجاهدكم ونصبر … ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا نجالد ما بقينا أو تنيبوا … إلى الاسلام إذعانا مضيفا نجاهد لا نبالي ما لقينا … أأهلكنا التلاد أم الطريفا (١) وكم من معشر ألبوا علينا … صميم الجذم منهم والحليفا أتونا لا يرون لهم كفاء … فجدعنا المسامع والأنوفا بكل مهند لين صقيل … نسوقهم بها سوقا عنيفا لأمر الله والاسلام حتى … يقوم الدين معتدلا حنيفا وتنسى اللات والعزى وود … ونسليها القلائد والشنوفا فأمسوا قد أقروا واطمأنوا … ومن لا يمتنع يقبل خسوفا وقال ابن إسحاق: فأجابه كنانة بن عبد يا ليل بن عمرو بن عمير الثقفي: قلت: وقد وفد على رسول الله ﷺ بعد ذلك في وفد ثقيف فأسلم معهم. قاله موسى بن عقبة وأبو إسحاق وأبو عمر بن عبد البر وابن الأثير وغير واحد، وزعم المدايني أنه لم يسلم بل صار إلى بلاد الروم فتنصر ومات بها: من كان يبغينا يريد قتالنا … فإنا بدار معلم لا نريمها وجدنا بها الآباء من قبل ما ترى … وكانت لنا أطواؤها وكرومها وقد جربتنا قبل عمرو بن عامر … فأخبرها ذو رأيها وحليمها وقد علمت - إن قالت الحق - أننا … إذا ما أتت صعر الخدود نقيمها نقومها حتى يلين شريسها (٢) … ويعرف للحق المبين ظلومها علينا دلاص من تراث محرق … كلون السماء زينتها نجومها (٣) نرفعها عنا ببيض صوارم … إذا جردت في غمرة لا نشيمها (٤) قال ابن إسحاق: وقال شداد بن عارض الجشمي في مسير رسول الله ﷺ إلى الطائف:

стр. 1637

لا تنصروا اللات إن الله مهلكها … وكيف ينصر من هو ليس ينتصر إن التي حرقت بالسد فاشتعلت … ولم تقاتل لدى أحجارها هدر إن الرسول متى ينزل بلادكم … يظعن وليس بها من أهلها بشر قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله ﷺ يعني من حنين إلى الطائف - على نخلة اليمانية (١) ثم على قرن (٢) ثم على المليح (٣) ثم على بحرة الرغاء (٤) من ليلة فابتنى بها مسجدا فصلى فيه. قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب أنه ﵇ أقاد يومئذ ببحرة الرغاء، حين نزلها، بدم، وهو أول دم أقيد به في الاسلام، رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به وأمر رسول الله ﷺ وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم. قال ابن إسحاق: ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة فلما توجه رسول الله ﷺ سأل عن اسمها فقال: ما اسم هذه الطريق؟ فقيل الضيقة فقال بل هي اليسرى، ثم خرج منها على نخب (٥) حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله ﷺ إما أن تخرج إلينا وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله ﷺ باخرابه. وقال ابن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير سمعت عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه " قال فابتدره الناس فاستخرجوا معه الغصن. ورواه أبو داود عن يحيى بن معين عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به. ورواه البيهقي: من حديث يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية به. قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فتأخروا إلى موضع مسجده ﵇ اليوم بالطائف الذي بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه عمرو بن أمية بن وهب وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم إلا سمع لها نقيض فيما يذكرون، قال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، قال ابن هشام ويقال سبع عشرة ليلة،

стр. 1638

وقال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف وترك السبي بالجعرانة وملئت عرش مكة منهم، فنزل رسول الله ﷺ بالأكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم ويقاتلونه من وراء حصنهم ولم يخرج إليه أحد منهم غير أبي بكرة بن مسروح أخي زياد لامه، فأعتقه رسول الله ﷺ وكثرت الجراح، وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت لهم ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا أو لكم. وقال عروة: أمر رسول الله ﷺ كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات وخمس حبلات (١) وبعث مناديا ينادي من خرج إلينا فهو حر، فاقتحم إليه نفر فيهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد بن أبي سفيان لامه، فأعتقهم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يعوله ويحمله (٢). وقال الإمام أحمد: ثنا يزيد، ثنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين. وقال أحمد: ثنا عبد القدوس ابن بكر بن خنيس، ثنا الحجاج، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فخرج إليه عبد ان فأعتقهما أحدهما أبو بكرة وكان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا خرجوا إليه. وقال أحمد أيضا: ثنا نصر بن رئاب، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ يوم الطائف " من خرج إلينا من العبيد فهو حر " فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله ﷺ هذا الحديث تفرد به أحمد ومداره على الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، لكن ذهب الإمام أحمد إلى هذا فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب إلى دار الاسلام عتق حكما شرعيا مطلقا عاما، وقال آخرون إنما كان هذا شرطا لا حكما عاما ولو صح الحديث لكان التشريع العام أظهر كما في قوله ﵇ " من قتل قتيلا فله سلبه " وقد قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن المكرم (٣) الثقفي قال: لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم أبو بكرة عبدا للحارث ابن كلدة والمنبعث وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله ﷺ المنبعث، ويحنس ووردان في رهط من رقيقهم فأسلموا. فلما قدم وفد أهل الطائف فأسلموا قالوا يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك؟ قال: " لا أولئك عتقاء الله " ورد على ذلك الرجل ولاء عبده فجعله له (٤). وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن عاصم: سمعت أبا عثمان قال سمعت سعدا - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة وكان تسور حصن الطائف في أناس فجاء

стр. 1639

إلى رسول الله ﷺ قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام " ورواه مسلم من حديث عاصم به. قال البخاري: وقال هشام أنبأ معمر، عن عاصم، عن أبي العالية أو أبي عثمان النهدي قال: سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبي ﷺ قال عاصم: قلت لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما، قال أجل أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى رسول الله ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف. قال محمد ابن إسحاق: وكان مع رسول الله ﷺ امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة (١) فضرب لهما قبتين فكان يصلي بينهما، فحاصرهم وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل. قال ابن هشام: ورماهم بالمنجنيق. فحدثني من أثق به أن النبي ﷺ أول من رمى في الاسلام بالمنجنيق رمى به أهل الطائف. وذكر ابن إسحاق أن نفرا من الصحابة دخلوا تحت دبابة ثم زحفوا ليحرقوا جدار أهل الطائف فأرسلت عليهم سكك الحديد محماة، فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالا، فحينئذ أمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون، قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة مناديا ثقيفا بالأمان حتى يكلموهم فأمنوهم فدعوا نساء من قريش وبني كنانة ليخرجن إليهم وهما يخافان عليهن السباء إذا فتح الحصن، فأبين، فقال لهما أبو الأسود بن مسعود: ألا أدلكما على خير مما جئتما له؟ إن مال أبي الأسود حيث قد علمتما، وكان رسول الله ﷺ نازلا بواد يقال له العقيق وهو بين مال بني الأسود وبين الطائف وليس بالطائف مال أبعد رشاء، ولا أشد مؤونة ولا أبعد عمارة منه، وأن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم. فزعموا أن رسول الله ﷺ تركه لهم. وقد روى الواقدي عن شيوخه نحو هذا وعنده أن سلمان الفارسي هو الذي أشار بالمنجنيق وعمله بيده وقيل قدم به وبدبابتين فالله أعلم. وقد أورد البيهقي: من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود عن عروة: أن عيينة بن حصن استأذن رسول الله ﷺ في أن يأتي أهل الطائف فيدعوهم إلى الاسلام فأذن له، فجاءهم فأمرهم بالثبات في حصنهم وقال لا يهولنكم قطع ما قطع من الأشجار في كلام طويل، فلما رجع قال له رسول الله ﷺ " ما قلت لهم " قال دعوتهم إلى الاسلام وأنذرتهم النار وذكرتهم بالجنة، فقال " كذبت بل قلت لهم كذا وكذا " فقال: صدقت يا رسول الله أتوب إلى الله وإليك من ذلك (٢). وقد روى البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن

стр. 1640

سالم بن أبي الجعد، عن سعدان (١) بن أبي طلحة، عن ابن أبي نجيح السلمي وهو عمرو بن عبسة ﵁ قال: حاصرنا مع رسول الله ﷺ قصر الطائف فسمعت رسول الله ﷺ يقول " من بلغ بسهم فله درجة في الجنة " فبلغت يومئذ ستة عشر سهما، وسمعته يقول " من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة وأيما رجل أعتق رجلا مسلما فإن الله جعل كل عظم من عظامه وقاء كل عظم بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها من النار " (٢). ورواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث قتادة به. وقال البخاري ثنا الحميدي، سمع سفيان، ثنا هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي مخنث فسمعه يقول لعبد الله بن أبي أمية: أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال رسول الله ﷺ " لا يدخلن هؤلاء عليكن " (٣) قال ابن عيينة وقال ابن جريج: المخنث هيت. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه به وفي لفظ وكانوا يرونه من غير أولى الإربة من الرجال، وفي لفظ قال رسول الله ﷺ " ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن عليكن هؤلاء " يعني إذا كان ممن يفهم ذلك فهو داخل في قوله تعالى [أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) والمراد بالمخنث في عرف السلف الذي لا همة له إلى النساء وليس المراد به الذي يؤتى إذ لو كان كذلك لوجب قتله حتما كما دل عليه الحديث وكما قتله أبو بكر الصديق ﵁، ومعنى قوله تقبل بأربع وتدبر بثمان يعني بذلك عكن بطنها فإنها تكون أربعا إذا أقبلت ثم تصير كل واحدة ثنتين إذا أدبرت، وهذه المرأة هي بادية بنت غيلان بن سلمة من سادات ثقيف، وهذا المخنث قد ذكر البخاري عن ابن جريج أن اسمه هيت وهذا هو المشهور. لكن قال يونس عن ابن إسحاق قال: وكان مع رسول الله ﷺ مولى لخالته بنت عمرو بن عايد مخنث يقال له مانع يدخل على نساء رسول الله ﷺ في بيته، ولا نرى أنه يفطن لشئ من أمور النساء مما يغطن إليه رجال، ولا يرى أن له في ذلك إربا فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن افتتح رسول الله ﷺ الطائف فلا تنفلتن منكم بادية بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال رسول الله ﷺ حين سمع هذا منه " ألا أرى هذا يفطن لهذا " الحديث ثم قال لنسائه " لا يدخلن

стр. 1641

عليكم " فحجب عن بيت رسول الله ﷺ (١) وقال البخاري ثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي العباس الشاعر الأعمى عن عبد الله بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وآله الطائف فلم ينل منهم شيئا قال " إنا قافلون غدا إن شاء الله " فنقل عليهم وقالوا نذهب ولا نفتح؟ فقال " اغدوا على القتال " فغدوا فأصابهم جراح فقال " إنا قافلون غدا إن شاء الله " فأعجبهم فضحك النبي ﷺ وقال سفيان مرة فتبسم (٢). ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به وعنده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب واختلف في نسخ البخاري ففي نسخة كذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص. والله أعلم. وقال الواقدي: حدثني كثير بن زيد عن (٣) الوليد بن رباح، عن أبي هريرة قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار رسول الله ﷺ نوفل بن معاوية الدئلي فقال " يا نوفل ما ترى في المقام عليهم؟ " (٤) قال: يا رسول الله ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك. قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وهو محاصر ثقيفا " يا أبا بكر إني رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها " فقال أبو بكر ﵁: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله ﷺ " وأنا لا أرى ذلك " قال: ثم إن خولة (٥) بنت حكيم السلمية وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك حلى بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلى الفارعة بنت عقيل - وكانت من أحلى نساء ثقيف - فذكر أن رسول الله ﷺ قال لها " وإن كان لم يؤذن في ثقيف يا خويلة " فخرجت خولة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة زعمت أنك قلته؟ قال: " قد قلته " قال أو ما أذن

стр. 1642

فيهم؟ قال: لا، قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى، فأذن عمر بالرحيل. فلما استقبل الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبي عمرو بن علاج: ألا إن الحي مقيم، قال: يقول عيينة بن حصن أجل والله مجده كراما، فقال له رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ وقد جئت تنصره؟ فقال: إني والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أطؤها لعلها تلد لي رجلا فإن ثقيفا [قوم] (١) مناكير. وقد روى ابن لهيعة: عن أبي الأسود، عن عروة قصة خولة بنت حكيم وقول رسول الله ﷺ ما قال. وتأذين عمر بالرحيل، قال وأمر رسول الله ﷺ الناس أن لا يسرحوا ظهرهم فلما أصبحوا ارتحل رسول الله ﷺ وأصحابه ودعا حين ركب قافلا فقال " اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم " (٢) وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال " اللهم اهد ثقيفا " ثم قال هذا حديث حسن غريب. وروى يونس عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن المكدم (٣) عمن أدركوا من أهل العلم قالوا: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرفوا عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم المدينة فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا. وسيأتي ذلك مفصلا في رمضان من سنة تسع إن شاء الله. وهذه تسمية من استشهد من المسلمين بالطائف فيما قاله ابن إسحاق فمن قريش، سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية. وعرفطة بن حباب حليف لبني أمية بن الأسد بن الغوث، وعبد الله ابن أبي بكر الصديق رمي بسهم فتوفي منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي من رمية رميها يومئذ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة حليف لبني عدي، والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي وأخوه عبد الله، وجليحة بن عبد الله من بني سعد بن ليث، ومن الأنصار ثم من الخزرج: ثابت بن الجذع الأسلمي، والحارث بن سهل بن أبي صعصعة المازني، والمنذر بن عبد الله من بني ساعدة، ومن الأوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية فقط (٤)، فجميع من استشهد يومئذ اثنا عشر رجلا سبعة من قريش وأربعة من الأنصار، ورجل من بني ليث ﵃ أجمعين. قال ابن إسحاق: ولما نصرف رسول الله ﷺ راجعا عن الطائف قال بجير بن زهير بن أبي سلمى يذكر حنينا والطائف:

стр. 1643

كانت علالة يوم بطن حنين … وغداة أوطاس ويوم الأبرق جمعت باغواء هوازن جمعها … فتبددوا كالطائر المتمزق لم يمنعوا منا مقاما واحدا … إلا جدارهم وبطن الخندق ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا … فاستحصنوا منا بباب مغلق ترتد حسرانا إلى رجراجة … شهباء تلمع بالمنايا فيلق ملمومة خضراء لو قذفوا بها … حصنا لظل كأنه لم يخلق (١) مشي الضراء على الهراس كأننا … قدر تفرق في القياد ويلتقي في كل سابغة إذا ما استحصنت … كالنهي هبت ريحه المترقرق جدل تمس فضولهن نعالنا … من نسج داود وآل محرق (٢) وقال أبو داود: ثنا عمر بن الخطاب، أبو حفص، ثنا الفريابي، ثنا أبان ثنا عمرو - هو ابن عبد الله بن أبي حازم - ثنا عثمان بن أبي حازم عن أبيه عن جده صخر - هو أبي العيلة الأحمسي - أن رسول الله ﷺ غزا ثقيفا فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمد النبي ﷺ فوجده قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر حينئذ عهد وذمة لا أفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ولم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ وكتب إليه صخر، أما بعد فإن ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله وأنا مقبل بهم وهم في خيلي فأمر رسول الله ﷺ بالصلاة جامعة فدعا لأحمس عشر دعوات " اللهم بارك لأحمس في خيلها ورجالها ". وأتى القوم فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا رسول الله إن صخرا أخذ عمتي ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه فقال " يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم فادفع إلى المغيرة عمته " فدفعها إليه وسأل رسول الله ﷺ ماء لبني سليم قد هربوا عن الاسلام وتركوا ذلك الماء فقال: يا رسول الله أنزلنيه أنا وقومي؟ قال " نعم " فأنزله وأسلم - يعني الأسلميين، فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع إليهم الماء فأبى فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فقال " يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إليهم ماءهم " قال: نعم يا نبي الله فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء. تفرد به أبو داود وفي إسناده اختلاف. قلت: وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ ليلا يستأصلوا قتلا لأنه قد تقدم أنه ﵇ لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه وذلك بعد موت عمه أبي طالب فردوا عليه قوله وكذبوه فرجع مهموما فلم يستفق إلا عند

стр. 1644

قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل فناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام وقد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله ﷺ " بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا " فناسب قوله بل أستأني بهم أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. مرجعه ﵇ من الطائف وقسمة غنائم هوازن قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ حين انصرف عن الطائف على دحنا (١) حتى نزل الجعرانة فيمن معه من المسلمين ومعه من هوازن سبي كثير، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله ادع عليهم فقال " اللهم اهد ثقيفا وائت بهم " قال: ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل والشاء ما لا يدرى عدته. قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب وفي رواية يونس بن بكير عنه قال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: كنا مع رسول الله ﷺ بحنين فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام خطيبهم زهير بن صرد، أبو صرد، فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك (٢) اللاتي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا (٣) لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت رسول الله خير المكفولين، ثم أنشأ يقول: أمنن علينا رسول الله في كرم … فإنك المرء نرجوه وننتظر (٤) أمنن على بيضة (٥) قد عاقها قدر … ممزق شملها في دهرها غير أبقت لنا الدهر (٦) هتافا على حزن … على قلوبهم الغماء والغمر

стр. 1645

إن لم تداركها نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلما (١) حين يختبر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك تملؤه من مخضها الدرر (٢) أمنن على نسوة قد كنت ترضعها … وإذ يزنيك ما تأتي وما تذر (٣) لا تجعلنا كمن شالت نعامته (٤) … واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر آلاء وإن كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر قال فقال رسول الله ﷺ " نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ " فقالوا يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله ﷺ " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله ﷺ في أبنائنا ونسائنا فإني سأعطيكم عند ذلك وأسال لكم " فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله ﷺ فقال " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ وقالت الأنصار: وما كان لنا، فهو لرسول الله ﷺ ، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، قال: يقول عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني؟ فقال رسول الله ﷺ " من أمسك منكم بحقه، فله بكل إنسان ستة فرائض، من أول فئ نصيبه " فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم. ثم ركب رسول الله ﷺ وأتبعه الناس يقولون: يا رسول الله أقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه فقال " أيها الناس ردوا علي ردائي فوالذي نفسي في يده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا " ثم قام رسول الله ﷺ إلى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال " أيها الناس والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة " فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله، أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي دبر " فقال رسول الله ﷺ

стр. 1646

" أما حقي منها فلك " فقال الرجل: أما إذا بلغ الامر فيها فلا حاجة لي بها فرمى بها من يده. وهذا السياق يقتضي أنه ﵇ رد إليهم سبيهم قبل القسمة كما ذهب إليه محمد بن إسحاق ابن يسار خلافا لموسى بن عقبة وغيره. وفي صحيح البخاري: من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد إليهم أموالهم ونساؤهم فقال لهم رسول الله ﷺ " معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال؟ وقد كنت استأنيت بكم " وكان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حنى قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم أموالهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: إنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال " أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفئ الله علينا فليفعل " فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال لهم " إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا. فهذا ما بلغنا عن سبي هوازن (١). ولم يتعرض البخاري لمنع الأقرع وعيينة وقومهما بل سكت عن ذلك والمثبت مقدم على النافي فكيف الساكت. وروى البخاري: من حديث الزهري أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أخبره جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفله من حنين علقت الاعراب برسول الله ﷺ يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله ﷺ ثم قال " أعطوني ردائي فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا " تفرد به البخاري. وقال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي: أن رسول الله ﷺ أعطى علي ابن أبي طالب جارية، يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة، وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان، وأعطى عمر جارية فوهبها من ابنه عبد الله. وقال ابن إسحاق: فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال: بعثت بها إلى أخوالي من بني جمح، ليصلحوا لي منها ويهيؤوها حتى أطوف بالبيت، ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال: فجئت من المسجد حين فرغت، فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا رد علينا رسول الله ﷺ نساءنا وأبناءنا، قلت: تلكم صاحبتكم في بني جمح فاذهبوا فخذوها فذهبوا إليها فأخذوها (٢). قال ابن إسحاق:

стр. 1647

وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أوى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا، وعسى أن يعظم فداؤها، فلما رد رسول الله ﷺ السبايا بست فرائض (١) أبي أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (٢)، إنك ما أخذتها والله بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة فردها بست فرائض قال الواقدي: ولما قسم رسول الله ﷺ الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة (٣). وقال سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن رجلا ممن شهد حنين قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله ﷺ على ناقة لي، وفي رجلي نعل غليظة، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله ﷺ ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله ﷺ فأوجعه، فقرع قدمي بالسوط وقال: " أوجعتني فتأخر عني " فانصرفت فلما كان الغد إذا رسول الله ﷺ يلتمسني قال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله ﷺ بالأمس، قال فجئته وأنا أتوقع فقال " إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لأعوضك منها " فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني، والمقصود من هذا أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره، وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الذي أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة، ولهذا لما رد السبي وركب علقت الاعراب برسول الله ﷺ يقولون له أقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فقال " ردوا علي ردائي أيها الناس فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا " كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه. وكأنهم خشوا أن يرد إلى هوازن أموالهم كما رد إليهم نساءهم وأطفالهم فسألوه قسمة ذلك فقسمها ﵊ بالجعرانة كما أمره الله وآثر أناسا في القسمة وتألف أقواما من رؤساء القبائل وأمرائهم فعتب عليه أناس من الأنصار حتى خطبهم وبين لهم وجه الحكمة فيما فعله تطبيبا لقلوبهم، وتنقد بعض من لا يعلم من الجهلة والخوارج كذي الخويصرة وأشباهه قبحه الله كما سيأتي تفصيله وبيانه في الأحاديث الواردة في ذلك وبالله المستعان. قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، ثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي يقول: ثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال:

стр. 1648

فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف (١) وعلى مجنبة (٢) خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوذ (٣) خلف ظهورنا، قال: فلم نلبث أن انكشف خيلنا وفرت الاعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله ﷺ يا للمهاجرين (٤) يا للمهاجرين يا للأنصار؟ - قال أنس هذا حديث عمية (٥) - قال قلنا لبيك يا رسول الله قال: وتقدم رسول الله ﷺ ، قال وأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله قال فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة، قال فنزلنا فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة ويعطي الرجل المائتين، قال فتحدث الأنصار بينها أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه؟! فرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ ثم أمر بسراة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه ثم قال " لا يدخلن علي إلا أنصاري - أو الأنصار " قال فدخلنا القبة حتى ملأناها قال نبي الله ﷺ " يا معشر الأنصار " أو كما قال " ما حديث أتاني؟ " قالوا ما أتاك يا رسول الله قال " ما حديث أتاني " قالوا ما أتاك يا رسول الله، قال " ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم؟ " قالوا: رضينا يا رسول الله، قال فرضوا أو كما قال (٦) وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان وفيه من الغريب قوله أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف وإنما كانوا في اثني عشر ألفا، وقوله إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون العشرين ليلة فالله أعلم. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام، ثنا معمر، عن الزهري حدثني أنس بن مالك قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي ﷺ يعطي رجالا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس بن مالك: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم،

стр. 1649

فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة أدم ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ فقال " ما حديث بلغني عنكم؟ " قال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ " فإني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " قالوا: يا رسول الله قد رضينا فقال لهم النبي ﷺ " فستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض " قال أنس: فلم يصبروا (١). تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه البخاري ومسلم: من حديث ابن عون (٢) عن هشام بن زيد، عن جده أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي ﷺ عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا فقال " يا معشر الأنصار " قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك. فنزل رسول الله ﷺ فقال " أنا عبد الله ورسوله " فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا، فقالوا، فدعاهم فأدخلهم في قبته فقال " أما ترضون أن تذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله؟ " ﷺ [قالوا بلى] فقال رسول الله ﷺ " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ". وفي رواية للبخاري من هذا الوجه قال لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بن عمهم وذراريهم ومع رسول الله ﷺ عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال " يا معشر الأنصار؟ " قالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال " يا معشر الأنصار؟ " فقالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: " أنا عبد الله ورسوله " فانهزم المشركون، وأصاب يومئذ مغانم كثيرة فقسم بين المهاجرين والطلقاء. ولم يعط الأنصار شيئا، فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال " يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني؟ " فسكتوا فقال " يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم؟ " قالوا: بلى، فقال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ". قال هشام: قلت يا أبا حمزة وأنت شاهد ذلك؟ قال وأين أغيب عنه (٣) ثم رواه البخاري ومسلم أيضا: من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار فقال " إن

стр. 1650

قريشا حديثوا (١) عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى، قال " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار " (٢) وأخرجاه أيضا: من حديث شعبة، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن أنس بنحوه وفيه فقالوا: والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم، والغنائم تقسم فيهم، فخطبهم وذكر نحو ما تقدم. وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الأنصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فجمعهم في قبة له حتى فاضت فقال " فيكم أحد من غيركم؟ " قالوا لا إلا أبن أختنا، قال " ابن أخت القوم منهم " ثم قال " أقلتم كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، قال " أنتم الشعار والناس الدثار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى دياركم؟ " قالوا: بلى، قال " الأنصار كرشي وعيبتي لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار " (٣) وقال: قال حماد: أعطى مائة من الإبل فسمى كل واحد من هؤلاء. تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي؟ ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بي، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم؟ " قالوا بلى يا رسول الله قال " أفلا تقولون جئتنا خائفا فأمناك، وطريدا فأويناك، ومخذولا فنصرناك؟ " قالوا بل لله المن علينا ولرسوله. وهذا إسناد ثلاثي على شرط الصحيحين فهذا الحديث كالمتواتر عن أنس بن مالك. وقد روي عن غيره من الصحابة. قال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب ثنا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصيبهم. ما أصاب الناس، فخطبهم فقال " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن،
следующие страницы →