الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فأثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأحبهم في الله " وقال الإمام أحمد: ثنا يونس، ثنا بقية، عن السري بن ينعم، عن شريح، عن مسروق عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن. قال: " إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين " وقال أحمد: ثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا أبو بكر - يعني ابن عياش - ثنا عاصم، عن أبي وائل عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عد له من المعافر، وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا وأمرني فيما سقت السماء العشر، وما سقى بالدوالي نصف العشر " وقد رواه أبو داود من حديث أبي معاوية والنسائي من حديث محمد بن إسحاق عن الأعمش كذلك.
وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ وقال أحمد: ثنا معاوية عن عمرو وهارون بن معروف قالا: ثنا عبد الله بن وهب عن حياة عن يزيد بن أبي حبيب، عن سلمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم. أن معاذا قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا قال هارون - والتبيع الجذع أو جذعة - ومن كل أربعين مسنة، فعرضوا على أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك. وقلت لهم: أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقدمت فأخبرت النبي ﷺ فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسننات أو أربعة أتباع، قال: وأمرني رسول الله ﷺ أن لا أخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذع وزعم أن الأوقاص (١) لا فريضة فيها. وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله ﷺ والصحيح إنه لم ير النبي ﷺ بعد ذلك كما تقدم في الحديث. وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن أبي بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى كان عليه دين أغلق ماله فكلم رسول الله في أن يكلم غرماءه ففعل. فلم يضعوا له شيئا، فلو ترك لاحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله ﷺ قال: فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه. قال: فقام معاذ ولا مال له، قال: فلما حج رسول الله بعث معاذا إلى اليمن قال: فكان أول من تجر في هذا المال معاذ، قال: فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله ﷺ فجاء عمر؟ فقال: هل لك أن تطيعني، فتدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله، قال فقال معاذ: لم أدفعه إليه وإنما بعثني رسول الله ليجيرني، فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر فقال: أرسل إلى
стр. 1787
هذا الرجل فخذ منه ودع له. فقال أبو بكر: ما كنت لافعل، وإنما بعثه رسول الله ليجيره، فلست آخذ منه شيئا. قال: فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر فقال: ما أرى إلا فاعل الذي قلت، إني رأيتني البارحة في النوم - فيما يحسب عبد الرزاق قال - أجر إلى النار وأنت آخذ بحجزتي، قال: فانطلق إلى أبي أبكر بكل شئ جاء به حتى جاءه بسوطه وحلف له أنه لم يكتمه شيئا. قال: فقال أبو بكر ﵁: هو لك لا آخذ منه شيئا (١). وقد رواه أبو ثور (٢) عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك فذكره إلا أنه قال: حتى إذا كان عام فتح مكة، بعثه رسول الله ﷺ على طائفة من اليمن أميرا، فمكث حتى قبض رسول الله، ثم قدم في خلافة أبي بكر، وخرج إلى الشام. قال البيهقي: وقد قدمنا أن رسول الله ﷺ استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم أهلها، وأنه شهد غزوة تبوك، فالأشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك والله أعلم، ثم ذكر البيهقي لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فأتى بهم أبا بكر، فلما رد الجميع عليه رجع بهم، ثم قام يصلي، فقاموا كلهم يصلون معه فلما انصرف. قال لمن صليتم.؟ قالوا: لله قال: فأنتم له عتقاء فأعتقهم (٣). وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ: أن رسول الله ﷺ حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: اجتهد وإني لا آلو. قال فضرب رسول الله صدري ثم قال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله " (٤). وقد رواه أحمد: عن وكيع، عن عفان، عن شعبة باسناده ولفظه. وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث شعبة به وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقد رواه ابن ماجة من وجه آخر عنه إلا أنه من طريق محمد بن سعد بن حسان - وهو المصلوب أحد الكذابين - عن عياذ بن بشر، عن عبد الرحمن، عن معاذ به نحوه، وقد روى الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، ويحيى بن سعيد، عن شعبة عن عمرو بن أبي حكيم عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن معمر، عن أبي الأسود الدئلي. قال: كان معاذ باليمن
стр. 1788
فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخا مسلما. فقال معاذ: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الاسلام يزيد ولا ينقص " فورثه. ورواه أبو داود: من حديث ابن بريدة به. وقد حكى هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان، ورواه عن يحيى بن معمر القاضي، وطائفة من السلف وإليه ذهب إسحاق بن راهويه وخالفهم الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم محتجين بما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " والمقصود أن معاذ ﵁ كان قاضيا للنبي ﷺ باليمن وحاكما في الحروب ومصدقا إليه تدفع الصدقات كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم، وقد كان بارزا للناس يصلي بهم الصلوات الخمس كما قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: … (واتخذ الله إبراهيم خليلا) … فقال رجل من القوم: لقد قرت عين إبراهيم (١). انفرد به البخاري. ثم قال البخاري:
باب (٢) بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع
حدثنا أحمد بن عثمان، ثنا شريح بن مسلمة، ثنا إبراهيم بن يوسف [بن إسحاق] بن أبي إسحاق، حدثني أبي، عن أبي إسحاق سمعت البراء بن عازب قال: بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل فكنت فيمن عقب معه قال: فغنمت أواقي ذات عدد انفرد به البخاري من هذا الوجه ثم قال البخاري حدثنا محمد بن بشار، ثنا روح بن عبادة، ثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال بعث النبي ﷺ عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا فأصبح وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له فقال: " يا بريدة [أ] تبغض عليا؟ فقلت: نعم فقال: " لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك " (٣). انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الجليل قال انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة فقال عبد الله بن بريدة: حدثني أبو بريدة قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط، قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا قال فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا قال فأصبنا سبيا قال فكتب إلى رسول الله ﷺ أبعث إلينا من يخمسه قال فبعث إلينا عليا وفي السبي وصيفة من أفضل السبي. قال: فخمس وقسم فخرج
стр. 1789
ورأسه يقطر فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسمت، وخمست فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي ﷺ ثم صارت في آل علي ووقعت بها، قال، فكتب الرجل إلى نبي الله ﷺ فقلت أبعثني فبعثني مصدقا فجعلت أقرأ الكتاب وأقوله صدق قال: فأمسك يدي والكتاب فقال: " أتبغض عليا " قال: قلت نعم؟ قال " فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة " قال: فما كان من الناس أحد بعد قول النبي ﷺ أحب إلي من علي. قال عبد الله بن بريدة فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي ﷺ في هذا الحديث غير أبي بريدة (١). تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري وثقه ابن معين وابن حبان. وقال البخاري: إنما يهم في الشئ وقال محمد بن إسحاق: ثنا أبان بن صالح، عن عبد الله بن نيار الأسلمي عن خاله عمرو بن شاس الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية. قال: كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن فجفاني علي بعض الجفاء. فوجدت في نفسي عليه فلما قدمت المدينة، اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته، فأقبلت يوما ورسوله الله جالس في المسجد، فلما رآني أنظر إلى عينيه نظر إلي حتى جلست إليه فلما جلست إليه قال: " إنه والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني " فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله والاسلام أن أوذي رسول الله. فقال: " من آذى عليا فقد آذاني " وقد رواه البيهقي من وجه آخر: عن ابن إسحاق عن أبان بن [صالح، عن] الفضل بن معقل بن سنان عن عبد الله بن نيار عن خاله عمرو بن شاس فذكره بمعناه (٢). وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو إسحاق (٣) المولى ثنا عبيدة بن أبي السفر: سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق عن البراء: أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الاسلام فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدا، إلا رجلا كان ممن [يمم] مع خالد، فأحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، ثم تقدم فصلى بنا علي ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: " السلام على همدان السلام على همدان ". قال البيهقي: رواه البخاري مختصرا من وجه
стр. 1790
آخر عن إبراهيم بن يوسف (١). وقال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين [محمد بن الحسين] محمد بن الفضل القطان، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان، [حدثنا أبو إسحاق: إسماعيل بن إسحاق القاضي] ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري. أنه قال: بعث رسول الله علي بن أبي طالب إلى اليمن. قال أبو سعيد، فكنت فيمن خرج معه، فلما أخذ من إبل الصدقة، سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا - وكنا قد رأينا في إبلنا خللا - فأبى علينا، وقال: إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين. قال، فلما فرغ علي وانطفق من اليمن راجعا، أمر علينا إنسانا وأسرع هو وأدرك الحج، فلما قضى حجته، قال له النبي ﷺ . " ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم " قال أبو سعيد: وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا إياه ففعل، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت، ورأى أثر الركب، قدم الذي أمره ولامه. فقلت: أما أن الله علي لئن قدمت المدينة لأذكرن لرسول الله، ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق. قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله ﷺ أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه، فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله ﷺ فلما رآني وقف معي، ورحب بي وساءلني وساءلته. وقال متى قدمت؟ فقلت: قدمت البارحة، فرجع معي إلى رسول الله ﷺ فدخل، وقال هذا سعد بن مالك بن الشهيد. فقال: ائذن له فدخلت، فحييت رسول الله وحياني، وأقبل علي وسألني عن نفسي وأهلي وأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فاتئد رسول الله وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه، حتى إذا كنت في وسط كلامي، ضرب رسول الله على فخذي، وكنت منه قريبا وقال: " يا سعد بن مالك ابن الشهيد: مه، بعض قولك لأخيك علي، فوالله لقد علمت أنه أحسن في سبيل الله ". قال: فقلت في نفسي ثكلتك أمك سعد بن مالك - ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم، ولا أدري لا جرم والله لا أذكره بسوء أبدا سرا ولا علانية. وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة (٢). وقد قال يونس: عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي عمر (٣)، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال إنما وجد جيش علي بن [أبي] طالب الذين كانوا معه باليمن، لأنهم حين أقبلوا خلف عليهم رجلا، وتعجل إلى رسول الله ﷺ قال: فعمد الرجل فكسى كل رجل حلة، فلما دنوا خرج عليهم علي يستلقيهم فإذا عليهم الحلل. قال علي: ما هذا؟ قالوا: كسانا فلان: قال: فما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء فنزع الحلل منهم، فلما قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك، وكانوا قد صالحوا رسول الله، وإنما
стр. 1791
بعث عليا إلى جزية موضوعة.
قلت: هذا السياق أقرب من سياق البيهقي وذلك إن عليا سبقهم لأجل الحج، وساق معه هديا وأهل باهلال النبي ﷺ فأمره أن يمكث حراما وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له: إني سقت الهدي وقرنت. والمقصود أن عليا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه، وعلي معذور فيما فعل، لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج. فلذلك والله أعلم لما رجع رسول الله ﷺ من حجته، وتفرغ من مناسكه ورجع إلى المدينة، فمر بغدير خم قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة علي ورفع من قدره ونبه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس، وسيأتي هذا مفصلا في موضعه إن شاء الله وبه الثقة.
وقال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا عبد الواحد، عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة، حدثني عبد الرحمن بن أبي نعم، سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة، بين عيينة بن بدر (١)، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل (٢). فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار. فقال: يا رسول الله اتق الله! فقال: ويلك أو لست أحق الناس (٣) أن يتقي الله؟ قال: ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا لعله أن يكون يصلي قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله ﷺ إني لم أومر أن انقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال: " إنه يخرج من ضئضئي (٤) هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " - أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود (٥) -. وقد رواه البخاري في مواضع أخر من كتابه ومسلم في كتاب الزكاة من صحيحه من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع به.
ثم قال الإمام أحمد: ثنا يحيى عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري عن
стр. 1792
علي. قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن، قال: فقلت: تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء. قال: " إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك " قال: فما شككت في قضاء بين اثنين (١). ورواه ابن ماجة من حديث الأعمش به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا شريك عن سماك، عن حنش، عن علي. قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حدث لا أبصر القضاء. قال فوضع يده على صدري وقال: " اللهم ثبت لسانه وأهد قلبه، يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك " قال فما اختلف علي قضاء بعد - أو ما أشكل علي قضاء بعد. ورواه أحمد أيضا وأبو داود من طرق عن شريك والترمذي من حديث زائدة كلاهما عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر، وقيل ابن ربيعة الكناني الكوفي عن علي به. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم أن نفرا وطئوا امرأة في طهر فقال علي: لاثنين اتطيبان نفسا لذا (٢) فقالا لا فأقبل على الآخرين فقال أتطيبان نفسا لذا فقالا: لا! فقال: أنتم شركاء متشاكسون. فقال: إني مقرع بينكم فأيكم قرع أغرمته ثلثي الدية وألزمته الولد، قال فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: لا أعلم إلا ما قال علي. وقال أحمد: ثنا شريح بن النعمان، ثنا هشيم، أنبأنا الأجلح عن الشعبي، عن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم: أن عليا أتي في ثلاثة نفر إذ كان في اليمن اشتركوا في ولد فأقرع بينهم فضمن الذي أصابته القرعة ثلثي الدية وجعل الولد له. قال زيد بن أرقم: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بقضاء علي، فضحك حتى بدت نواجذه. ورواه أبو داود: عن مسدد، عن يحيى القطان والنسائي عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر كلاهما عن الأجلح بن عبد الله، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن الخليل، وقال النسائي في رواية عبد الله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم. قال: كنت عند النبي ﷺ فجاء رجل من أهل اليمن فقال إن ثلاثة نفر أتوا عليا يختصمون في ولد، وقعوا على امرأة في طهر واحد فذكر نحو ما تقدم. وقال: فضحك النبي ﷺ . وقد روياه أعني أبا داود والنسائي: من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي: عن أبي الخليل، أو ابن الخليل عن علي قوله فأرسله ولم يرفعه. وقد رواه الإمام أحمد أيضا عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن الأجلح عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم فذكر نحو ما تقدم. وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا عن حنش بن أصرم، وابن ماجة عن إسحاق بن منصور كلاهما عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن
стр. 1793
صالح الهمداني، عن الشعبي، عن عبد خير عن زيد بن أرقم به. قال شيخنا في الأطراف لعل عبد خير هذا هو عبد الله بن الخليل ولكن لم يضبط الراوي اسمه قلت: فعلى هذا يقوى الحديث، وإن كان غيره كان أجود لمتابعته له لكن الأجلح بن عبد الله الكندي فيه كلام ما، وقد ذهب إلى القول بالقرعة في الأنساب الإمام أحمد وهو من أفراده. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو سعيد، ثنا إسرائيل ثنا سماك، عن حنش عن علي قال: بعثني رسول الله إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر ثم تعلق آخر بآخر حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم. فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا فأتاهم علي على تعبية ذلك فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله ﷺ حي أني أقضي بينكم قضاء، إن رضيتم فهو القضاء وإلا أحجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي ﷺ فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية، وثلث الدية، ونصف الدية والدية كاملة فللأول الربع لأنه هلك والثاني ثلث الدية، والثالث نصف الدية، والرابع الدية، فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبي ﷺ وهو عند مقام إبراهيم فقصوا عليه القصة. فقال: أنا أحكم بينكم، فقال رجل من القوم: يا رسول الله إن عليا قضى علينا فقصوا عليه القصة فأجازه رسول الله ﷺ ثم رواه الإمام أحمد أيضا عن وكيع، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن حنش عن علي فذكره.
كتاب حجة الوداع في سنة عشر ويقال لها حجة البلاغ وحجة الاسلام وحجة الوداع
لأنه ﵊ ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وسميت حجة الاسلام لأنه ﵇ لم يحج من المدينة غيرها، ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها. وقد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ. وقيل سنة تسع، وقيل سنة ست، وقيل قبل الهجرة وهو غريب، وسميت حجة البلاغ لأنه ﵇ بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا، ولم يكن بقي من دعائم الاسلام وقواعده شئ إلا وقد بينه ﵇ فلما بين لهم شريعة الحج، ووضحه وشرحه أنزل الله عليه وهو واقف بعرفة … (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) … [المائدة: ٣].
وسيأتي ايضاح لهذا كله والمقصود ذكر حجته ﵇ كيف كانت، فإن النقلة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا جدا بحسب ما وصل إلى كل منهم من العلم وتفاوتوا في ذلك تفاوتا كثيرا لا سيما من بعد الصحابة ﵃، ونحن نورد بحمد الله وعونه، وحسن توفيقه ما ذكره الأئمة في كتبهم من هذه الروايات ونجمع بينهما جمعا يثلج قلب من تأمله، وأنعم النظر فيه، وجمع بين
стр. 1794
طريقتي الحديث وفهم معانيه إن شاء الله وبالله الثقة وعليه التكلان، وقد اعتنى الناس بحجة رسول الله ﷺ اعتناء كثيرا من قدماء الأئمة ومتأخريهم، وقد صنف العلامة أبو محمد بن حزم الأندلسي ﵀ مجلدا في حجة الوداع أجاد في أكثره ووقع له فيه أوهام سننبه عليها في مواضعها وبالله المستعان.
باب بيان أنه عليه والسلام لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة وإنه اعتمر قبلها ثلاث عمر
كما رواه البخاري ومسلم: عن هدبة، عن همام، عن قتادة عن أنس. قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي في حجته. الحديث. وقد رواه يونس بن بكير، عن عمر بن ذر، عن مجاهد عن أبي هريرة مثله وقال سعد بن منصور، عن الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. قالت: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر: عمرة في شوال وعمرتين في ذي القعدة وكذا رواه ابن بكير: عن مالك عن هشام بن عروة. وروى الإمام أحمد: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله اعتمر ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة. وقال أحمد: ثنا أبو النضر ثنا داود - يعني العطار - عن عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: اعتمر رسول الله أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث داود العطار وحسنه الترمذي.
وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة. وسيأتي في فصل من قال إنه ﵇ حج قارنا وبالله المستعان. فالأولى، من هذه العمرة عمرة الحديبية التي صد عنها. ثم بعدها عمرة القضاء ويقال عمرة القصاص ويقال عمرة القضية. ثم بعدها عمرة الجعرانة مرجعه من الطائف حين قسم غنائم حنين، وقد قدمنا ذلك كله في مواضعه، والرابعة عمرته مع حجته وسنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة هل كان متمتعا بأن أوقع العمرة قبل الحجة وحل منها أو منعه من الاحلال منها سوقه الهدي أو كان قارنا لها مع الحجة كما نذكره من الأحاديث الدالة على ذلك أو كان مفردا لها عن الحجة بأن أوقعها بعد قضاء الحجة قال: وهذا هو الذي يقوله من يقول بالافراد كما هو المشهور عن الشافعي وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا إحرامه ﷺ كيف كان مفردا أو متمتعا أو قارنا.
قال البخاري: ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، حدثني زيد بن أرقم أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة، قال أبو إسحاق
стр. 1795
وبمكة أخرى (١). وقد رواه مسلم من حديث زهير وأخرجاه من حديث شعبة. زاد البخاري وإسرائيل ثلاثتهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن زيد به. وهذا الذي قال أبو إسحاق من أنه ﵇ حج بمكة حجة أخرى أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة ما هو ظاهر لفظه فهو بعيد (٢) فإنه ﵇ كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس إلى الله ويقول: " من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " حتى قيض الله جماعة الأنصار يلقونه ليلة العقبة أي عشية يوم النحر، عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية، وهي ثالث اجتماعه لهم به ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه. والله أعلم.
وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله. قال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج فاجتمع بالمدينة بشر كثير، فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة أو لأربع، فلما كان بذي الحليفة صلى ثم استوى على راحلته فلما أخذت به في البيداء لبى، وأهللنا لا ننوي إلا الحج. وسيأتي الحديث بطوله وهو في صحيح مسلم وهذا لفظ البيهقي (٣) من طريق أحمد بن حنبل عن إبراهيم بن طهمان عن جعفر بن محمد به.
باب خروجه ﵇ من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة بن حرشة الساعدي، ويقال سباع بن عرفطة الغفاري
قال محمد بن إسحاق: فلما دخل على رسول الله ﷺ ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له فحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خرج رسول الله ﷺ إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة وهذا إسناد جيد، وروى الامام مالك في موطائه: عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة. ورواه الإمام أحمد عن عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة عنها. وهو ثابت في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجة ومصنف ابن أبي شيبة: من طرق عن يحيى بن
стр. 1796
سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج الحديث بطوله كما سيأتي. وقال البخاري: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة: أخبرني كريب عن ابن عباس. قال: انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجل وأدهن، ولبس إزاره ورداءه، ولم ينه عن شئ من الأردية ولا الأزر، إلا المزعفرة التي تردع الجلد (١) فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء وذلك لخمس بقين من ذي القعدة فقدم مكة لخمس (٢) خلون من ذي الحجة تفرد به البخاري فقوله - وذلك لخمس بقين من ذي القعدة - إن أراد به صبيحة يومه بذي الحليفة صح قول ابن حزم في دعواه أنه ﷺ خرج من المدينة يوم الخميس وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة وأصبح بها يوم الجمعة وهو اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة وإن أراد ابن عباس بقوله وذلك لخمس من ذي القعدة يوم انطلاقه ﵇ من المدينة بعدما ترجل وأدهن ولبس إزاره ورداءه كما قالت عائشة وجابر أنهم خرجوا من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة بعد قول ابن حزم وتعذر المصير إليه وتعين القول بغيره ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة إن كان شهر ذي القعدة كاملا ولا يجوز أن يكون خروجه ﵇ من المدينة كان يوم الجمعة لما روى البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن أبي قلابة عن أنس بن مالك. قال: صلى رسول الله ﷺ ونحن معه الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح ثم أهل بحج وعمرة. وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محمد - يعني ابن المنكدر - وإبراهيم بن ميسرة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. ورواه البخاري: عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري به. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي: من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنذر، وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس به. وقال أحمد: ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جريج، عن محمد بن المنذر، عن أنس قال: صلى بنا رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح فلما ركب راحلته واستوت به أهل. وقال أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن المنذر التيمي، عن أنس بن مالك الأنصاري: قال صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين آمنا لا يخاف في حجة الوداع تفرد به أحمد من هذين الوجهين الآخرين وهما على شرط الصحيح وهذه ينفي كون خروجه ﵇ يوم الجمعة قطعا ولا يجوز على هذا
стр. 1797
أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابن حزم لأنه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة لأنه لا خلاف أن أول ذي الحجة كان يوم الخميس لما ثبت بالتواتر والاجماع من أنه ﵇ وقف بعرفة يوم الجمعة وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع، فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة لبقي في الشهر ست ليال قطعا ليلة الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء فهذه ست ليال. وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر: أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة وتعذر أنه يوم الجمعة لحديث أنس فتعين على هذا أنه ﵇ خرج من المدينة يوم السبت وظن الراوي أن الشهر يكون تاما فاتفق في تلك السنة نقصانه فانسلخ يوم الأربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس ويؤيده ما وقع في رواية جابر لخمس بقين أو أربع وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيد عنه ولابد منه. والله أعلم.
باب صفة خروجه ﵇ من المدينة إلى مكة للحج
قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس (١)، وأن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح (٢). تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الحافظ أبو بكر البزار وجدت في كتابي: عن عمرو بن مالك، عن يزيد بن زريع، عن هشام، عن عروة، عن ثابت عن ثمامة عن أنس. أن النبي ﷺ : حج على رحل رث وتحته قطيفة وقال حجة لا رياء فيها ولا سمعة. وقد علقه البخاري في صحيحه فقال: وقال محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا يزيد بن زريع، عن عروة عن ثابت عن ثمامة قال: حج أنس على رحل رث ولم يكن شحيحا وحدث أن رسول الله ﷺ حج على رحل وكانت زاملته. هكذا ذكره البزار والبخاري معلقا مقطوع الاسناد من أوله وقد أسنده الحافظ البيهقي في سننه فقال: أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر ثنا يزيد زريع فذكره.
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من وجه آخر عن أنس بن مالك. فقال حدثنا علي بن الجعد أنبأنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: حج رسول الله ﷺ
стр. 1798
على رحل رث وقطيفة تساوي - أو لا تساوي - أربعة دراهم. فقال: " اللهم حجة لا رياء فيها " (١). وقد رواه الترمذي في الشمائل (٢) من حديث أبي داود الطيالسي، وسفيان الثوري وابن ماجة من حديث وكيع بن الجراح ثلاثتهم عن الربيع بن صبيح به وهو إسناد ضعيف، من جهة يزيد بن أبان الرقاشي فإنه غير مقبول الرواية عند الأئمة. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه. قال: صدرت مع ابن عمر، فمرت بنا رفقة يمانية ورحالهم الادم، وخطم إبلهم الخرز (٣). فقال عبد الله: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله ﷺ وأصحابه إذا قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة. ورواه أبو داود: عن هناد، عن وكيع، عن إسحاق، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن ابن عمر. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو طاهر الفقيه، وأبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو بكر بن الحسن وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا: ثنا أبو العباس هو الأصم، أنبأنا محمد بن عبد الله بن الحكم، أنبأنا سعيد بن بشير القرشي، حدثنا عبد الله بن حكيم الكناني - رجل من أهل اليمن من مواليهم - عن بشر بن قدامة الضبابي. قال: أبصرت عيناي حبيبي رسول الله ﷺ واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء تحته قطيفة بولانية وهو يقول: " اللهم اجعلها حجة غير رياء ولا مما (٤) ولا سمعة ". والناس يقولون هذا رسول الله ﷺ . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، ثنا ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه. أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع النبي ﷺ حجاجا حتى أدركنا بالعرج (٥) نزل رسول الله ﷺ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ ، وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة (٦) رسول الله ﷺ وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع عليه وليس معه بعيره. فقال: أين بعيرك؟ فقال أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يبتسم ويقول: " انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع ". وكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد العزيز أبي رزمة. وأخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس به. فأما الحديث الذي رواه أبو بكر البزار في مسنده قائلا: حدثنا إسماعيل بن حفص، ثنا يحيى بن اليمان، ثنا حمزة الزيات،
стр. 1799
عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل عن أبي سعيد. قال: حج النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم ومشيهم خلط الهرولة. فإنه حديث منكر ضعيف الاسناد. وحمزة بن حبيب الزيات ضعيف وشيخه متروك الحديث. وقد قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه وإن كان إسناده حسنا عندنا، ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث لأنه ﵇ إنما حج حجة واحدة وكان راكبا وبعض أصحابه مشاة.
قلت: ولم يعتمر النبي ﷺ في شئ من عمره ماشيا لا في الحديبية ولا في القضاء ولا الجعرانة ولا في حجة الوداع، وأحواله ﵇ أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله والله أعلم.
فصل
تقدم أنه ﵇ صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم ركب منها إلى الحليفة وهي وادي العقيق، فصلى بها العصر ركعتين، فدل على أنه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر، فصلى بها العصر قصرا وهي من المدينة على ثلاثة أميال ثم صلى بها المغرب والعشاء وبات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه وأخبرهم أنه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الاحرام كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ : أنه أتى في المعرس من ذي الحليفة فقيل له إنك ببطحاء مباركة. وأخرجاه في الصحيحين من حديث موسى بن عقبة به وقال البخاري: حدثنا الحميدي ثنا الوليد وبشر بن بكر. قالا: ثنا الأوزاعي ثنا يحيى، حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس أنه سمع (١) عمر يقول: سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول: " أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة " (٢) تفرد به دون مسلم فالظاهر إن أمره ﵇ بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالإقامة به إلى أن يصلي صلاة الظهر لان الامر إنما جاءه في الليل وأخبرهم بعد صلاة الصبح فلم يبق إلا صلاة الظهر فأمر أن يصليها هنالك وأن يوقع الاحرام بعدها ولهذا قال: أتاني الليلة آت من ربي فقل صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة، وقد احتج به على الامر بالقرآن في الحج وهو من أقوى الأدلة على ذلك كما سيأتي بيانه قريبا والمقصود أنه ﵇ أمر بالإقامة بوادي العقيق إلى صلاة الظهر، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، فأقام هنالك وطاف على نسائه في تلك الصبيحة وكن تسع نسوة وكلهن خرج معه ولم يزل هنالك حتى صلى الظهر، كما سيأتي في حديث أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى
стр. 1800
الظهر بذي الحليفة ثم أشعر بدنته ثم ركب فأهل وهو عند مسلم. وهكذا قال الإمام أحمد: حدثنا روح ثنا أشعث - هو ابن عبد الملك، عن الحسن، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا شرف البيداء أهل. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل والنسائي عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن أشعث بمعناه، وعن أحمد بن الأزهر عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن أشعث أتم منه، وهذا فيه رد على ابن حزم حيث زعم أن ذلك في صدر النهار وله أن يعتضد بما رواه البخاري: من طريق أيوب عن رجل عن أنس: أن رسول الله بات بذي الحليفة حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل العمرة وحج. ولكن في إسناده رجل مبهم والظاهر أنه أبو قلابة والله أعلم. قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، ثنا خالد - يعني ابن الحارث، ثنا شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، سمعت أبي يحدث عن عائشة أنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ ثم يطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضح طيبا.
وقد رواه البخاري من حديث شعبة وأخرجاه من حديث أبي عوانة زاد مسلم ومسعر وسفيان بن سعيد الثوري أربعتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر به. وفي رواية لمسلم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما. قال: ما أحب أني أصبح محرما أنضح طيبا لان أطلي القطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله عند إحرامه ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرما. وهذا اللفظ الذي رواه مسلم يقتضي أنه كان ﷺ يتطيب قبل أن يطوف على نسائه ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب إليهن، ثم لما اغتسل من الجنابة وللاحرام تطيب أيضا للاحرام طيبا آخر. كما رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: أنه رأى رسول الله ﷺ تجرد لاهلاله واغتسل وقال الترمذي حسن غريب. وقال الإمام أحمد حدثنا زكريا بن عدي، أنبأنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمى وأشنان (١) ودهنه بشئ من زيت غير كثير. الحديث تفرد به أحمد وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ﵀، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عثمان بن عروة: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: طيبت رسول الله ﷺ لحرمه ولحله قلت لها بأي طيب؟ قالت: بأطيب الطيب. وقد رواه مسلم: من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجه البخاري من حديث وهب عن هشام بن عروة عن أخيه، عثمان، عن أبيه عروة، عن عائشة به. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة. قالت: كنت أطيب
стр. 1801
رسول الله ﷺ لاحرامه حين يحرم، ولحله أن يطوف بالبيت. وقال مسلم: حدثنا عبد به حميد، أنبأنا محمد بن أبي بكر، أنبأنا ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة، أنه سمع عروة والقاسم يخبرانه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله بيدي بذريرة (١) في حجة الوداع للحل والاحرام. وروى مسلم من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين لحرمه حين أحرم ولحله أن يطوف بالبيت.
وقال مسلم: حدثني أحمد بن منيع، ويعقوب الدورقي قالا: ثنا هشيم، أنبأنا منصور، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يحرم ويحل ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب (٢). قالا: ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو يلبي. ثم رواه مسلم من حديث الثوري وغيره: عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم. ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري ومسلم من حديث الأعمش كلاهما عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عنها. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم بن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا أشعث عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. قالت كأني أنظر إلى وبيص الطيب في أصول شعر رسول الله ﷺ وهو محرم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان. ثنا حماد بن سلمة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة. قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي ﷺ بعد أيام وهو محرم. وقال عبد الله بن الزبير الحميدي. ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عطاء بن السائب، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود عن عائشة. قالت: رأيت الطيب في مفرق رسول الله بعد ثالثة وهو محرم. فهذه الأحاديث دالة على أنه ﵇ تطيب بعد الغسل، إذ لو كان الطيب قبل الغسل لذهب به الغسل ولما بقي له أثر ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الاحرام.
وقد ذهب طائفة من السلف منهم: ابن عمر إلى كراهة التطيب عند الاحرام، وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر عن عائشة فقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران - ببغداد - أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا عبد الرحمن بن أبي العمر، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة. أنها قالت: طيبت رسول الله ﷺ بالغالية الجيدة عند إحرامه. وهذا إسناد غريب عزيز المخرج. ثم
стр. 1802
إنه ﵇ لبد رأسه ليكون أحفظ لما فيه من الطيب وأصون له من استقرار التراب والغبار. قال مالك عن نافع عن ابن عمر. إن حفصة زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك. قال: " إني لبدت رأسي، وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر ". وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وله طرق كثيرة عن نافع.
قال البيهقي: أنبأنا الحكام، أنبأنا الأصم، أنبأنا يحيى، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا عبد الأعلى ثنا محمد بن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لبد رأسه بالعسل. وهذا إسناد جيد ثم أنه ﵇ أشعر (١) الهدي وقلده وكان معه بذي الحليفة. قال الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة. وسيأتي الحديث بتمامه وهو في الصحيحين والكلام عليه إن شاء الله. وقال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن هشام، هو الدستوائي، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حسان عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته. وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن قتادة. وهذا يدل على أنه ﵇ تعاطى هذا الاشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غير، فإنه قد كان هدي كثير أما مائة بدنة أو أقل منها بقليل، وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة وأعطى عليا فذبح ما غبر (٢) وفي حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنبي ﷺ وفي سياق ابن إسحاق أنه ﵇ أشرك عليا في بدنه والله أعلم. وذكر غيره أنه ذبح هو وعلي يوم النحر مائة بدنة فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحليفة وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم.
باب بيان الموضع الذي أهل منه ﵇ واختلاف الناقلين لذلك وترجيح الحق في ذلك
تقدم الحديث الذي رواه البخاري من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر. سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال البخاري (٣) باب الاهلال عند مسجد ذي
стр. 1803
الحليفة - حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا موسى بن عقبة سمعت سالم بن عبد الله. وحدثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد - يعني مسجد ذي الحليفة. وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن موسى بن عقبة وفي رواية لمسلم عن موسى بن عقبة عن سالم، ونافع، وحمزة بن عبد الله بن عمر ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر فذكره. وزاد فقال لبيك. وفي رواية لهما من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن سالم قال قال عبد الله بن عمر: بيداؤكم (١) هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، أهل رسول الله من عند المسجد وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا كما يأتي في الشق الآخر وهو ما أخرجاه في الصحيحين: من طريق مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر فذكر حديثا فيه أن عبد الله قال: وأما الاهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن سعيد بن جبير. قال قلت: لعبد الله بن عباس يا أبا العباس عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب. فقال: إني لاعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه قوم فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله فما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: أنما أهل رسول الله حين علا شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء. فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أنه أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن خصيف به نحوه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرف أحد رواه غير عبد السلام كذا قال وقد تقدم رواية الإمام أحمد له من طريق محمد ابن إسحاق عنه - وكذلك رواه الحافظ البيهقي، عن الحاكم، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه ثم قال خصيف الجزري غير قوي، وقد رواه الواقدي باسناد له عن ابن عباس. قال البيهقي: إلا أنه لا ينفع متابعة الواقدي والأحاديث التي وردت في ذلك عن عمر وغيره مسانيدها قوية ثابتة. والله تعالى أعلم.
стр. 1804
قلت: فلو صح هذا الحديث، لكان فيه جمع لما بين الأحاديث من الاختلاف وبسط لعذر من نقل خلاف الواقع ولكن في إسناده ضعف ثم قد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما تقدم عنهما كما سننبه عليه ونبينه وهكذا ذكر من قال: أنه ﵇ أهل حين استوت به راحلته. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام بن يوسف، أنبأنا ابن جريج، حدثني محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك. قال: صلى النبي ﷺ بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل. وقد رواه البخاري ومسلم وأهل السنن من طرق عن محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس، وثابت في الصحيحين من حديث مالك عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر. قال: وأما الاهلال فإني لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث به راحلته وأخرجا في الصحيحين من رواية ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن رسول الله كان يركب راحلته بذي الحليفة ثم يهل حين تستوي به قائمة. وقال البخاري (١): باب من أهل حين استوت به راحلته. حدثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج، أخبرني صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر. قال: أهل النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. قال: كان رسول الله ﷺ إذا وضع رجله في الغرز (٢) وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة. انفرد به مسلم من هذا الوجه، وأخرجاه من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه. ثم قال البخاري باب الاهلال مستقبل القبلة: قال أبو معمر حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله ﷺ فعل ذلك. ثم قال: تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل (٣). وقد علق البخاري أيضا هذا الحديث في كتاب الحج عن محمد بن عيسى، عن حماد بن زيد، وأسنده فيه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن إسماعيل هو ابن علية. ورواه مسلم عن زهير بن حرب د عن إسماعيل وعن أبي الربيع الزهراني وغيره عن حماد بن زيد ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي تميمة السختياني به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن علية به. ثم قال البخاري: حدثنا سليمان أبو الربيع، ثنا فليح، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة أدهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي، ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ
стр. 1805
يفعل (١). تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى مسلم عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم عن أبيه قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها والله ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأولى وهذه الروايات عنه، وهو أن الاحرام كان من عند المسجد، ولكن بعد ما ركب راحلته واستوت به على البيداء، يعني الأرض، وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء، ثم قال البخاري في موضع آخر (٢): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة، حدثني كريب عن عبد الله بن عباس قال: انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجل وأدهن ولبس إزاره هو وأصحابه، ولم ينه عن شئ من الأردية والأزر تلبس، إلا المزعفرة التي تردع على الجلد، فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حتى استوت على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنه، وذلك لخمس بقين [من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع خلون] (٣) من ذي الحجة. فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل من أجل بدنه لأنه قلدها، لم تزل بأعلا مكة عند الحجون وهو مهل بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال والطيب والثياب. انفرد به البخاري. وقد روى الإمام أحمد: عن بهز بن أسد، وحجاج، وروح بن عبادة، وعفان بن مسلم كلهم عن شعبة قال: أخبرني. قتادة، قال: سمعت أبا حسان الأعرج الأجرد وهو مسلم بن عبد الله البصري عن ابن عباس. قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنته فأشعر صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين، ثم دعا براحلته فلما استوت على البيداء أهل بالحج. ورواه أيضا عن هشيم أنبأنا أصحابنا منهم شعبة فذكر نحوه. ثم رواه الإمام أحمد أيضا عن روح وأبي داود الطيالسي ووكيع بن الجراح كلهم عن هشام الدستوائي عن قتادة به نحوه. ومن هذا الوجه رواه مسلم في صحيحه وأهل السنن في كتبهم فهذه الطرق عن ابن عباس من أنه ﵇ أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت من رواية خصيف الجزري عن سعيد بن حبير عنه والله أعلم
وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به الراحلة مقدمة على الأخرى لاحتمال أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته، ويكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى والله أعلم. ورواية أنس في ذلك سالمة عن المعارض وهكذا رواية جابر بن عبد الله في صحيح مسلم من طريق جعفر الصادق، عن أبيه، عن أبي الحسين زين العابدين، عن جابر في
стр. 1806
حديثه الطويل الذي سيأتي أن رسول الله ﷺ أهل حين استوت به راحلته سالمة عن المعارض والله أعلم. وروى البخاري: من طريق الأوزاعي سمعت عطاء، عن جابر بن عبد الله: أن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. فأما الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق بن يسار عن أبي الزناد، عن عائشة بنت سعد. قالت قال سعد، كان رسول الله ﷺ إذا أخذ طريق الفرع (١) أهل إذا استقلت به راحلته وإذا أخذ طريقا أخرى أهل إذا علا على شرف البيداء. فرواه أبو داود والبيهقي من حديث ابن إسحاق وفيه غرابة ونكارة والله أعلم. فهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه ﵇ أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير زاد ابن عمر في روايته وهو مستقبل القبلة.
باب بسط البيان لما أحرم به ﵇ في حجته هذه من الافراد والتمتع أو القران (٢)
رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك: قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. ورواه مسلم عن إسماعيل عن أبي أويس، ويحيى بن يحيى بن مالك. ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به. وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني المنكدر بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. وقال الإمام أحمد: ثنا شريح، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة عن عائشة. وعن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة. وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج: تفرد به أحمد من هذه الوجوه عنها. وقال الإمام أحمد: حدثني عبد الأعلى بن حماد،
стр. 1807
قال: قرأت على مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عروة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. وقال: حدثنا روح، ثنا مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - وكان يتيما في حجر عروة - عن عروة بن الزبير عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. ورواه ابن ماجة عن أبي مصعب عن مالك كذلك. ورواه النسائي عن قتيبة، عن مالك عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة: أن رسول الله أهل بالحج. وقال أحمد أيضا: ثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة وأهل رسول الله بالحج، فأما من أهل بالعمرة، فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر. وهكذا رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف والقعيني وإسماعيل بن أبي أويس عن مالك. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به. وقال أحمد: حدثنا سفيان: عن الزهري، عن عروة عن عائشة: أهل رسول الله ﷺ بالحج وأهل ناس بالحج والعمرة وأهل ناس بالعمرة. ورواه مسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به نحوه. فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمر الناس في حجة الوداع فقال من أحب أن يبدأ بعمرة قبل الحج فليفعل، وأفرد رسول الله ﷺ الحج ولم يعتمر. فإنه حديث غريب جدا. تفرد به أحمد بن حنبل وإسناده لا بأس به، ولكن لفظه فيه نكارة شديدة وهو قوله: فلم يعتمر. فإن أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله هو قول من ذهب إلى الافراد، وإن أريد أنه لم يعتمر بالكلية لا قبل الحج ولا معه ولا بعده، فهذا مما لا أعلم أحدا من العلماء قال به، ثم هو مخالف لما صح عن عائشة وغيرها من أنه ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته. وسيأتي تقرير هذا في فصل القرآن مستقصى والله أعلم. وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد قائلا في مسنده: حدثنا روح، ثنا صالح بن أبي الأخضر، ثنا ابن شهاب ان عروة أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أهل رسول الله بالحج والعمرة في حجة الوداع وساق معه الهدي، وأهل ناس معه بالعمرة وساقوا الهدي، وأهل ناس بالعمرة ولم يسوقوا هديا. قالت عائشة: وكنت ممن أهل بالعمرة ولم أسق هديا، فلما قدم رسول الله ﷺ قال: من كان منكم أهل بالعمرة فساق معه الهدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، ولا يحل منه شئ حرم منه حتى يقضي حجه وينحر هديه يوم النحر، ومن كان منكم أهل بالعمرة ولم يسق معه هديا فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم ليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. قالت عائشة: فقدم رسول الله الحج الذي خاف فوته وأخر العمرة. فهو حديث من أفراد الإمام أحمد وفي بعض ألفاظه نكارة ولبعضه شاهد في الصحيح، وصالح بن أبي الأخضر ليس من علية أصحاب الزهري لا سيما إذا خالفه غيره كما ههنا في بعض ألفاظ سياقه هذا. وقوله فقدم الحج
стр. 1808
الذي يخاف فوته وأخر العمرة لا يلتئم مع أول الحديث أهل بالحج والعمرة، فإن أراد أنه أهل بهما في الجملة وقدم أفعال الحج ثم بعد فراغه أهل بالعمرة كما يقول من ذهب إلى الافراد فهو ما نحن فيه ههنا، وإن أراد أنه أخر العمرة بالكلية بعد إحرامه بها فهذا لا أعلم أحدا من العلماء صار إليه، وإن أراد أنه المقضي بأفعال الحج عن أفعال العمرة ودخلت العمرة في الحج، فهذا قول من ذهب إلى القرآن وهم يؤولون قول من روى أنه ﵊ أفرد الحج أي أفرد أفعال الحج وإن كان قد نوى معه العمرة قالوا: لأنه قد روى القرآن كل من روى الافراد كما سيأتي بيانه. والله تعالى أعلم.
رواية جابر بن عبد الله في الافراد. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله: قال: أهل رسول الله ﷺ في حجته بالحج. إسناده جيد على شرط مسلم. ورواه البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر. قال: أهل رسول الله في حجته بالحج ليس معه عمرة، وهذه الزيادة غريبة جدا ورواية الإمام أحمد بن حنبل أحفظ والله أعلم. وفي صحيح مسلم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. قال: وأهللنا بالحج لسنا نعرف العمرة. وقد روى ابن ماجة: عن هشام بن عمار عن الدراوردي وحاتم بن إسماعيل كلاهما عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج، وهذا إسناد جيد. وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا حبيب - يعني المعلم - عن عطاء حدثني جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج ليس مع أحد منهم هدي إلا النبي ﷺ وطلحة. وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري بطوله كما سيأتي عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب.
رواية عبد الله بن عمر للأفراد. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد ثنا عباد - يعني ابن عباد - حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. قال: أهللنا مع النبي ﷺ بالحج مفردا. ورواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عون، عن عباد بن عباد، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفردا. وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا الحسن بن عبد العزيز ومحمد بن مسكين. قالا: ثنا بشر بن بكر، ثنا سعيد بن عبد العزيز بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أهل بالحج - يعني مفردا - اسناده جيد ولم يخرجوه.
رواية ابن عباس للأفراد. روى الحافظ البيهقي: من حديث روح بن عبادة، عن شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية البراء عن ابن عباس. أنه قال: أهل رسول الله ﷺ بالحج، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة فصلى بنا الصبح بالبطحاء. ثم قال: من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها. ثم قال: رواه مسلم عن إبراهيم بن دينار، عن ابن روح. وتقدم من رواية قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة ثم أتى ببدنة
стр. 1809
فأشعر صفحة سنامها الأيمن، ثم أتى براحلته فركبها فلما استوت به على البيداء أهل بالحج، وهو في صحيح مسلم أيضا. وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه. قال: حججت مع أبي بكر فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد. تابعه الثوري عن أبي حصين وهذا إنما ذكرناه ههنا لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة ﵃ إنما يفعلون هذا عن توقيف والمراد بالتجريد ههنا الافراد والله أعلم. وقال الدارقطني: ثنا أبو عبيد الله القاسم بن إسماعيل ومحمد بن مخلد. قالا: ثنا علي بن علي بن محمد بن معاوية الرزاز، ثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج، ثم حج النبي ﷺ سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر فبعث عمر فأفرد الحج، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج، وتوفي أبو بكر واستخلف عمر فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج، ثم حج فأفرد الحج، ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس فأفرد الحج. في أسناده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف لكن قال الحافظ البيهقي له شاهد بإسناد صحيح.
ذكر ما قاله إنه ﷺ حج متمتعا
قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهل فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدا رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وكان من الناس من أهدى فساق الهدي من ذي الحليفة ومنهم من لم يهد. فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله ". وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، استلم الحجر أول شئ ثم خب ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة ثم لم يحلل من شئ حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى فساق الهدي من الناس.
قال الإمام أحمد: وحدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته عن رسول الله ﷺ في تمتعه بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله عن رسول الله ﷺ ، وقد روى هذا الحديث البخاري: عن يحيى بن بكير، ومسلم وأبو داود عن عبد الملك بن شعيب، عن الليث عن أبيه، والنسائي عن
стр. 1810
محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، عن حجين بن المثنى ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن عقيل عن الزهري، عن عروة عن عائشة كما ذكره الإمام أحمد ﵀. وهذا الحديث من المشكلات على كل من الأقوال الثلاثة، أما قول الافراد ففي هذا إثبات عمرة أما قبل الحج أو معه، وأما على قول التمتع الخاص فلانه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعد ما طاف بالصفا والمروة. وليس هذا شأن المتمتع، ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر. فقولهم بعيد لان الأحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول، وتأبى كونه ﵇ إنما أهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج، فإن هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد بأسناد صحيح بل ولا حسن ولا ضعيف. وقوله في هذا الحديث: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، إن أريد بذلك التمتع الخاص وهو الذي يحل منه بعد السعي فليس كذلك فإن في سياق الحديث ما يرده ثم في إثبات العمرة المقارنة لحجه ﵇ ما يأباه، وإن أريد به التمتع العام دخل فيه القرآن وهو المراد. وقوله: وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، إن أريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال: لبيك اللهم عمرة وحجا فهذا سهل ولا ينافي القرآن وإن أريد به أنه أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج متراخ ولكن قبل الطواف قد صار قارنا أيضا، وإن أريد به أنه أهل بالعمرة ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدي كما زعمه زاعمون، ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه إلى منى، فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا، ومن ادعاه من الناس فقوله مردود لعدم نقله ومخالفته الأحاديث الواردة في إثبات القرآن كما سيأتي، بل والأحاديث الواردة في الافراد كما سبق والله أعلم. والظاهر والله أعلم أن حديث الليث هذا عن عقيل، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر يروى من الطريق الأخرى عن ابن عمر حين أفرد الحج ومن محاصرة الحجاج لابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم شئ فلو أخرت الحج عامك هذا. فقال: إذا أفعل كما فعل النبي ﷺ يعني زمن حصر عام الحديبية فأحرم بعمرة من ذي الحليفة، ثم لما علا شرف البيداء قال ما أرى أمرهما إلا واحدا، فأهل بحج معها فاعتقد الراوي أن رسول الله ﷺ هكذا فعل سواء، بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فرووه كذلك وفيه نظر لما سنبينه وبيان هذا في الحديث الذي رواه عبد الله بن وهب: أخبرني مالك بن أنس وغيره أن نافعا حدثهم أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله ﷺ فخرج فأهل بالعمرة، وسار حتى إذا ظهر على ظاهر البيداء التفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة، فخرج حتى جاء البيت فطاف به وطاف بين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه، ورأى أن ذلك مجزيا عنه وأهدى. وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث مالك. وأخرجاه من حديث عبيد الله عن نافع
стр. 1811
به. ورواه عبد الرزاق، عن عبيد الله وعبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع به نحوه، وفيه ثم قال في آخره: هكذا فعل رسول الله ﷺ وفيما رواه البخاري حيث قال: حدثنا قتيبة، ثنا ليث. عن نافع: أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك. قال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء: قال: ما أرى شأن الحج والعمرة إلا واحدا أشهدكم أني أوجبت حجا مع عمرتي فأهدى هديا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر ولم يحل من شئ حرم منه، ولم يحلق ولم يقصر، حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. قال ابن عمر كذلك فعل رسول الله ﷺ . وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر دخل عليه ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في المدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت. قال، قد خرج رسول الله ﷺ فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل (١) بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله ﷺ . فقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ إني أشهدكم أني قد أوجبت مع عمرتي حجا ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا. وهكذا رواه البخاري: عن أبي النعمان. عن حماد بن زيد، عن أيوب بن تميمة السختياني عن نافع به. ورواه مسلم من حديثهما عن أيوب به. فقد اقتدى ابن عمر ﵁ برسول الله ﷺ في التحلل عند حصر العدو والاكتفاء بطواف واحد عن الحج والعمرة، وذلك لأنه كان قد أحرم أولا بعمرة ليكون متمتعا، فخشي أن يكون حصر فجمعهما وأدخل الحج قبل العمرة قبل الطواف فصار قارنا، وقال: ما أرى أمرهما إلا واحدا - يعني لا فرق بين أن يحصر الانسان عن الحج أو العمرة أو عنهما - فلما قدم مكة اكتفى عنهما بطوافه الأول كما صرح به في السياق الأول الذي أفردناه، وهو قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. قال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ يعني أنه اكتفى عن الحج والعمرة بطواف واحد - يعني بين الصفا والمروة، وفي هذا دلالة على أن ابن عمر روى القران، ولهذا روى النسائي: عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع: أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف طوافا واحدا، ثم رواه النسائي عن علي بن ميمون الرقي، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عمر أربعتهم عن نافع: أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة فخشي أن يصد عن البيت. فذكر تمام الحديث من إدخاله الحج على العمرة وصيرورته قارنا.
والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، وقوله كذلك فعل رسول الله ﷺ . اعتقد أن رسول الله ﷺ بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج فأدخله
стр. 1812
عليها قبل الطواف فرواه بمعنى ما فهم، ولم يرد ابن عمر ذلك وانما أراد ما ذكرناه والله أعلم بالصواب، ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف فإنه يصير قارنا لا متمتعا التمتع الخاص فيكون فيه دلالة لمن ذهب إلى أفضلية التمتع والله تعالى أعلم. وأما الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همام، عن قتادة، حدثني مطرف، عن عمران. قال: تمتعنا على عهد النبي ﷺ ونزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء. فقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام عن قتادة به، والمراد به المتعة التي أعم من القران والتمتع الخاص ويدل على ذلك ما رواه مسلم: من حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن الحصين: أن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة وذكر تمام الحديث. وأكثر السلف يطلقون المتعة على القران كما قال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا حجاج بن محمد الأعور عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب. قال: اختلف علي وعثمان ﵄ وهما بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا (١) أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ، فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا. ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا عن الحكم بن عيينة، عن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم عنهما به. وقال علي: ما كنت لأدع سنة رسول الله ﷺ بقول أحد من الناس. ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق عنهما فقال له علي: لقد علمت إنما تمتعنا مع رسول الله ﷺ ؟ قال أجل! ولكنا كنا خائفين (٢).
وأما الحديث الذي رواه مسلم: من حديث غندر، عن شعبة، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه عن شعبة عن مسلم بن مخراق القري (٣) سمع ابن عباس يقول: أهل رسول الله ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل رسول الله ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم. فقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وروح بن عبادة عن شعبة عن مسلم القري عن ابن عباس. قال: أهل رسول الله ﷺ بالحج - وفي رواية أبي داود - أهل رسول الله وأصحابه بالحج، فمن كان منهم لم يكن له متعة هدي حل ومن كان معه هدي لم يحل الحديث. فإن صححنا الروايتين جاء القران وإن توقفنا في كل منهما وقف الدليل، وان رجحنا رواية مسلم في صحيحه في رواية العمرة فقد تقدم عن ابن عباس أنه روى الافراد وهو الاحرام بالحج فتكون هذه زيادة على الحج فيجئ القول بالقران لا سيما وسيأتي عن ابن عباس ما يدل على ذلك. وروى مسلم: من حديث غندر ومعاذ بن معاذ، عن شعبة، عن الحكم عن مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله قال هذه
стр. 1813
عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن معه هدي فليحل الحل كله، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وروى البخاري: عن آدم بن أبي اياس، ومسلم من حديث غندر كلاهما عن شعبة عن أبي جمرة قال: تمتعت فنهاني ناس، فسألت ابن عباس فأمرني بها، فرأيت في المنام كأن رجلا يقول [لي] (١) حج مبرور ومتعة (٢) متقبلة، فأخبرت ابن عباس فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه، والمراد بالمتعة ههنا القران. وقال القعيني وغيره عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه: أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا بن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها. فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. ورواه الترمذي والنسائي: عن قتيبة، عن مالك. وقال الترمذي صحيح. وقال عبد الرزاق: عن معتمر بن سليمان، وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي: حدثني غنيم بن قيس، سألت سعد بن أبي وقاص: عن التمتع بالعمرة إلى الحج قال: فعلتها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافر في العرش (٣) - يعني مكة - ويعني به معاوية. ورواه مسلم من حديث شعبة وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد ومروان الفزاري أربعتهم عن سليمان التيمي: سمعت غنيم بن قيس، سألت سعدا عن المتعة فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. وفي رواية يحيى بن سعيد - يعني معاوية - وهذا كله من باب إطلاق التمتع على ما هو أعم من التمتع الخاص، وهو الاحرام بالعمرة والفراغ منها ثم الاحرام بالحج ومن القران بل كلام سعد فيه دلالة على إطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحج وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعد كافر بمكة قبل الحج أما عمرة الحديبية أو عمرة القضاء وهو الأشبه، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلة الفتح وروينا أنه قصر من شعر النبي ﷺ يمشقص في بعض عمره وهي عمرة الجعرانة لا محالة. والله أعلم.
ذكر حجة من ذهب إلى أنه ﵇ كان قارنا
رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: قد تقدم ما رواه البخاري من حديث أبي عمرو الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: أتاني آت من ربي فقال صل في
стр. 1814
هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقبري ببغداد، أنبأنا أحمد بن سليمان قال قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع: حدثنا أبو زيد الهروي، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا عكرمة، حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبرائيل ﵇ وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل عمرة في حجة، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. ثم قال البيهقي رواه البخاري عن أبي زيد الهروي. وقال الإمام أحمد: ثنا هاشم، ثنا سيار، عن أبي وائل أن رجلا كان نصرانيا يقال له الصبي بن معبد، فأراد الجهاد فقيل له إبدأ بالحج فأتى الأشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل، فبينما هو يلبي إذ مر بزيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة. فقال أحدهما لصاحبه: لهذا أضل من بعير أهله، فسمعها الصبي فكبر ذلك عليه فلما قدم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال له عمر: هديت لسنة نبيك ﷺ . قال وسمعته مرة أخرى يقول وفقت لسنة نبيك ﷺ . وقد رواه الإمام أحمد: عن يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، عن شقيق، عن أبي وائل، عن الصبي بن معبد، عن عمر بن الخطاب فذكره. وقال: إنهما لم يقولا شيئا، هديت لسنة نبيك ﷺ . ورواه عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن منصور عن أبي وائل به. ورواه أيضا عن غندر عن شعبة، عن الحكم، عن أبي وائل، وعن سفيان بن عيينة عن عبدة بن أبي لبابة، عن أبي وائل. قال قال: الصبي بن معبد كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهللت بحج وعمرة فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما. فقالا: لهذا أضل من بعير أهله، فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل، فقدمت على عمر فأخبرته فأقبل عليهما فلامهما وأقبل علي فقال: هديت لسنة النبي ﷺ قال عبدة قال أبو وائل: كثيرا ما ذهبت أنا ومسروق إلى الصبي ابن معبد نسأله عنه وهذه أسانيد جيدة على شرط الصحيح. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن أبي وائل شقيق بن سلمة به. وقال النسائي في كتاب الحج من سننه: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، ثنا أبي عن جمرة السكري، عن مطرف، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس عن ابن عباس عن عمر. أنه قال: والله إني لأنهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله وقد فعلها النبي ﷺ إسناد جيد.
رواية أميري المؤمنين عثمان وعلي ﵄. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب. قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه، فقال عثمان: دعنا منك. هكذا رواه الإمام أحمد مختصرا: وقد أخرجاه في الصحيحين: من حديث شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب. قال: اختلف علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة. فقال علي: ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ، فلما رأى ذلك علي بن أبي
стр. 1815
طالب أهل بهما جميعا وهكذا لفظ البخاري. وقال البخاري: ثنا محمد بن يسار، ثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم. قال: شهدت عثمان وعليا، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحج. قال: ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد. ورواه النسائي من حديث شعبة به، ومن حديث الأعمش، عن مسلم البطين، عن علي بن الحسين به. وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن قتادة. قال: قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها. فقال عثمان لعلي: إنك لكذا وكذا. ثم قال علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ﷺ . قال: أجل ولكنا كنا خائفين. ورواه مسلم من حديث شعبة فهذا اعتراف من عثمان رضي الله بما رواه علي ﵄ ومعلوم أن عليا ﵁ أحرم عام حجة الوداع بإهلال كإهلال النبي ﷺ وكان قد ساق الهدي وأمره ﵇ أن يمكث حراما وأشركه النبي ﷺ في هديه كما سيأتي بيانه. وروى مالك في الموطأ: عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن المقداد بن الأسود دخل على علي بن أبي طالب بالسقيا وهو ينجع بكرات (١) له دقيقا وخبطا. فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي وعلى يده أمر الدقيق والخبط - ما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه - حتى دخل على عثمان. فقال: أنت تنهى أن يقرن بين الحج والعمرة. فقال عثمان: ذلك رأيي فخرج علي مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا وقد قال أبو داود في سننه: ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج، ثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب. قال: كنت مع علي حين أمره رسول الله ﷺ على اليمن فذكر الحديث في قدوم علي. قال علي: فقال لي رسول الله ﷺ كيف صنعت. قال قلت: إنما أهللت باهلال النبي ﷺ . قال: إني قد سقت الهدي وقرنت. وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن معين بإسناده وهو على شرط الشيخين، وعلله الحافظ البيهقي: بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل وهذا التعليل فيه نظر لأنه قد روى القران من حديث جابر بن عبد الله كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وروى ابن حبان في صحيحه عن علي بن أبي طالب. قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة وخرجت أنا من اليمن. وقلت لبيك باهلال كإهلال النبي. فقال النبي ﷺ فإني أهللت بالحج والعمرة جميعا.
رواية أنس بن مالك ﵁: وقد رواه عنه جماعة من التابعين ونحن نوردهم مرتبين على حروف المعجم.
بكر بن عبد الله المزني عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا حميد الطويل، أنبأنا بكر بن عبد الله المزني. قال: سمعت أنس بن مالك يحدث قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبي
стр. 1816
بالحج والعمرة جميعا، فحدثت بذلك ابن عمر. فقال: لبى بالحج وحده فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر. فقال: ما تعدونا إلا صبيانا. سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجا. ورواه البخاري عن مسدد، عن بشر بن الفضل عن حميد به. وأخرجه مسلم عن شريح بن يونس عن هشيم به. وعن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن حبيب بن الشهيد عن بكر بن عبد الله المزني به.
ثابت البناني عن أنس. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ قال: لبيك بعمرة وحجة معا. تفرد به من هذا الوجه الحسن البصري عنه. قال: الإمام أحمد: ثنا روح، ثنا أشعث، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ وأصحابه قدموا مكة وقد لبوا بحج وعمرة، فأمرهم رسول الله ﷺ بعدما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أن يحلوا وأن يجعلوها عمرة فكأن القوم هابوا ذلك. فقال: رسول الله ﷺ لولا أني سقت هديا لأحللت، فأحل القوم وتمتعوا. وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا الحسن بن قزعة، ثنا سفيان بن حبيب، ثنا أشعث، عن الحسن عن أنس: أن النبي ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوا فهابوا ذلك. فقال رسول الله ﷺ : أحلوا فلولا أن معي الهدي لأحللت. فحلوا حتى حلوا إلى النساء. ثم قال: البزار لا نعلم رواه عن الحسن إلا أشعث بن عبد الملك.
حميد بن تيرويه الطويل عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حميد، سمعت أنسا سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة وحج. هذا أسناد ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ولا أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه، لكن رواه مسلم: عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنس بن مالك. قال: سمعت رسول الله ﷺ : أهل بهما جميعا لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر بن يسر، ثنا عبد الله، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك. قال: ساق رسول الله ﷺ بدنا كثيرة وقال: لبيك بعمرة وحج وإني لعند فخذ ناقته اليسرى. تفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا.
حميد بن هلال العدوي البصري عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أنس بن مالك. وحدثناه سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة وحميد بن هلال، عن أنس. قال: إني ردف أبي طلحة وان ركبته لتمس ركبة رسول الله ﷺ وهو يلبي بالحج والعمرة. وهذا اسناد جيد قوي على شرط الصحيح ولم يخرجوه. وقد تأوله البزار على أن الذي كان يلبي بالحج والعمرة أبو طلحة قال: ولم ينكر عليه النبي ﷺ . وهذا التأويل فيه نظر ولا حاجة إليه لمجئ ذلك من طرق عن أنس كما مضى وكما سيأتي ثم عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى وهو
стр. 1817
في هذه الصورة أقوى دلالة. والله أعلم وسيأتي في رواية سالم بن أبي الجعد عن أنس صريح الرد على هذا التأويل.
زيد بن أسلم عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار روى سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك. أن النبي ﷺ أهل بحج وعمرة. حدثناه الحسن بن عبد العزيز الجروي، ومحمد بن مسكين. قالا: حدثنا بشر بن بكر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم، عن أنس. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ، أبو بكر البيهقي بأبسط من هذا السياق. فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي. قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا العباس بن الوليد بن يزيد، أخبرني أبي ثنا شعيب بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم وغيره. أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل رسول الله ﷺ ؟ قال ابن عمر: أهل بالحج فانصرف، ثم أتاه من العام المقبل. فقال: بم أهل رسول الله؟ قال ألم تأتني عام أول. قال: بلى! ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن قال ابن عمر إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج.
سالم بن أبي الجعد الغطفاني الكوفي عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك يرفعه إلى النبي ﷺ : أنه جمع بين الحج والعمرة فقال: لبيك بعمرة وحجة معا، حسن ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبو عوانة، ثنا عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن سعد مولى الحسن بن علي. قال: خرجنا مع علي فأتينا ذا الحليفة. فقال علي: إني أريد أن أجمع بين الحج والعمرة، فمن أراد ذلك فليقل كما أقول، ثم لبى قال: لبيك بحجة وعمرة معا. قال وقال سالم: وقد أخبرني أنس بن مالك. قال: والله إن رجلي لتمس رجل رسول الله ﷺ وإنه ليهل بهما جميعا. وهذا أيضا إسناد جيد من هذا الوجه ولم يخرجوه، وهذا السباق يرد على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال عن أنس كما تقدم. والله أعلم.
سليمان بن طرخان التيمي عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، ثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، يحدث عن أنس بن مالك. قال: سمعت النبي ﷺ يلبي بهما جميعا. ثم قال البزار: لم يروه عن التيمي إلا ابنه المعتمر ولم يسمعه إلا من يحيى بن حبيب العربي عنه. قلت وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه.
سويد بن حجير عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي قزعة سويد بن حجير، عن أنس بن مالك قال: كنت رديف أبي طلحة فكانت ركبة أبي طلحة تكاد أن تصيب ركبة رسول الله ﷺ فكان رسول الله ﷺ يهل بهما. وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد ولم
стр. 1818
يخرجوه وفيه رد على الحافظ البزار صريح.
عبد الله بن زيد أبو قلابة الجرمي عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أنس: قال: كنت رديف أبي طلحة وهو يساير النبي ﷺ . قال: فإن رجلي لتمس غرز النبي ﷺ فسمعته يلبي بالحج والعمرة معا. وقد رواه البخاري: من طرق عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال. صلى ﷺ الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب راحلته حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، وأهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما جميعا. وفي رواية له: كنت رديف أبي طلحة وأنهم ليصرخون بهما جميعا الحج والعمرة. وفي رواية له عن أيوب عن رجل عن أنس. قال: ثم بات حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج.
عبد العزيز بن صهيب تقدمت روايته عنه مع رواية حميد الطويل عنه عند مسلم.
علي بن زيد بن جدعان عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا علي بن حكيم، عن شريك، عن علي بن زيد، عن أنس: أن رسول الله ﷺ لبى بهما جميعا. هذا غريب من هذا الوجه ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن وهو على شرطهم.
قتادة بن دعامة السدوسي عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعبد الصمد المعني. قالا: أخبرنا همام بن يحيى، ثنا قتادة. قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم حج النبي ﷺ ؟ قال: جحة واحدة واعتمر أربع مرات عمرته زمن الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته. وأخرجاه في الصحيحين من حديث همام بن يحيى به.
مصعب بن سليم الزبيري مولاهم عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا مصعب بن سليم، سمعت أنس بن مالك يقول: أهل رسول الله ﷺ بحجة وعمرة، تفرد به أحمد. يحيى بن إسحاق الحضرمي عنه. قال الإمام أحمد: ثنا هشيم: أنبأنا يحيى بن إسحاق وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل عن أنس أنهم سمعوه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا يقول لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا وقد تقدم أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيى، عن هشيم به. وقال الإمام أحمد أيضا: ثنا عبد الأعلى، عن يحيى عن أنس. قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة قال فسمعته يقول لبيك عمرة وحجا.
أبو الصيقل عنه قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، ثنا زهير. وحدثنا أحمد بن عبد الملك، ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي أسماء الصيقل، عن أنس بن مالك. قال: خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة. وقال: لو استقبلت من أمري ما
стр. 1819
استدبرت لجعلتها عمرة ولكني سقت الهدي وقرنت الحج بالعمرة. ورواه النسائي عن هناد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق عن أبي أسماء الصيقل، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبي بهما.
أبو قدامة الحنفي ويقال: إن اسمه محمد بن عبيد عن أنس. قال الإمام أحمد: ثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، عن يونس بن عبيد، عن أبي قدامة الحنفي. قال قلت: لانس بأي شئ كان رسول الله ﷺ يلبي فقال: سمعته سبع مرات يلبي بعمرة وحجة، تفرد به الإمام أحمد، وهو اسناد جيد قوي ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة، وروى ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك. قال: كان رسول الله ﷺ قرن بين الحج والعمرة وقرن القوم معه. وقد أورد الحافظ البيهقي بعض الطرق عن أنس بن مالك ثم شرع يعلل ذلك بكلام فيه نظر وحاصله أنه قال: والاشتباه وقع لانس لا لمن دونه ويحتمل أن يكون سمعه رسول الله ﷺ يعلم غيره كيف يهل بالقران، لا أنه يهل بهما عن نفسه والله أعلم. قال: وقد روي ذلك عن غير أنس بن مالك وفي ثبوته نظر، قلت: ولا يخفى ما في هذا الكلام من النظر الظاهر لمن تأمله وربما أنه كان ترك هذا الكلام أولى منه، إذ فيه تطرق احتمال إلى حفظ الصحابي مع تواتره عنه كما رأيت آنفا وفتح هذا يفضي إلى محذور كبير والله تعالى أعلم.
حديث البراء بن عازب في القران. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، أنبأنا علي بن محمد المصري، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب. قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة. فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها. قال: البيهقي ليس هذا بمحفوظ قلت سيأتي بأسناد صحيح إلى عائشة نحوه.
رواية جابر بن عبد الله ﵄. قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن جعفر بن رميس، والقاسم بن إسماعيل، أو عبيد، وعثمان بن جعفر اللبان وغيرهم. قالوا: حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا زيد بن حباب، ثنا سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر بن عبد الله. قال: حج النبي ﷺ ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر، وحجة قرن معها عمرة. وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن سعيد الثوري به، وأما الترمذي فرواه عن عبد الله بن أبي زياد بن حباب عن سفيان به ثم قال: غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب. ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن، يعني الرازي، روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد، وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وإنما روي عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهد مرسلا. وفي السنن الكبير للبيهقي قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن
стр. 1820
إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ وإنما روي هذا عن الثوري مرسلا.
قال البخاري: وكان زيد بن الحباب إذا روى خطأ ربما غلط في الشئ وأما ابن ماجة فرواه عن القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، عن عبد الله بن داود الخريبي (١). عن سفيان به وهذه طريق لم يقف عليها الترمذي ولا البيهقي وربما ولا البخاري حيث تكلم في زيد بن الحباب ظانا أنه انفرد به وليس كذلك. والله أعلم.
طريق أخرى عن جابر. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن أبي الزبير عن جابر. أن رسول الله ﷺ قرن الحج والعمرة وطاف لهما طوافا واحدا. ثم قال: هذا حديث حسن وفي نسخة صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه عن جابر قال: لم يطف للنبي ﷺ إلا طوافا واحدا لحجه ولعمرته. قلت: حجاج هذا هو ابن أرطاة. وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، ولكن قد روي من وجه آخر عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أيضا كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي القاسم بن يحيى بن مقدم، عن عبد الرحمن بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير عن جابر. أن رسول الله ﷺ قدم فقرن بين الحج والعمرة وساق الهدي. وقال رسول الله ﷺ : من لم يقلد الهدي فليجعلها عمرة. ثم قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد انفرد بهذه الطريق البزار في مسنده وإسنادها غريبة جدا وليست في شئ من الكتب الستة من هذا الوجه. والله أعلم.
رواية أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري ﵁. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا حجاج - هو ابن أرطأة - عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس. قال: أخبرني أبو طلحة أن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة. ورواه ابن ماجة، عن علي بن محمد، عن أبي معاوية بإسناده ولفظه أن رسول الله ﷺ قرن بين الحج والعمرة. الحجاج بن أرطاة فيه ضعف والله أعلم.
رواية سراقة بن مالك بن جعشم. قال الإمام أحمد: حدثنا مكي بن إبراهيم ثنا داود - يعني ابن سويد - سمعت عبد الملك الزراد. يقول سمعت النزال بن سبرة صاحب علي يقول: سمعت سراقة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. قال وقرن رسول الله ﷺ في حجة الوداع.
رواية سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه تمتع بالحج والعمرة وهو القران. قال الامام مالك عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنه حدثه أنه
стр. 1821
سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا مجهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا بن أخي. فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها، فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن مالك به. وقال: الترمذي هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا سليمان - يعني التيمي - حدثني غنيم. قال: سألت ابن أبي وقاص عن المتعة فقال: فعلناها وهذا كافر بالعرش - يعني معاوية - هكذا رواه مختصرا. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن سعيد الثوري، وشعبة ومروان الفزاري، ويحيى بن سعيد القطان أربعتهم عن سليمان بن طرخان التيمي سمعت غنيم بن قيس سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة؟ فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. قال: يحيى بن سعيد في روايته - يعني معاوية - ورواه عبد الرزاق عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس سألت سعدا: عن التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال: فعلتها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافر بالعرش - يعني مكة ويعني به معاوية - وهذا الحديث الثاني أصح اسنادا وإنما ذكرناه اعتضادا لا اعتمادا والأول صحيح الاسناد وهذا أصرح في المقصود من هذا. والله أعلم.
رواية عبد الله بن أبي أوفى. قال الطبراني: حدثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا يزيد بن عطاء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى. قال: إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لم يكن حاجا بعد ذلك العام.
رواية عبد الله بن عباس في ذلك. قال الإمام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا داود - يعني القطان - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس به وقال الترمذي حسن غريب ورواه الترمذي: عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة مرسلا. ورواه الحافظ البيهقي من طريق أبي الحسن علي بن عبد العزيز البغوي، عن الحسن بن الربيع، وشهاب بن عباد كلاهما عن داود بن عبد الرحمن العطار فذكره. وقال: الرابعة التي قرنها مع حجته ثم قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز: ليس أحد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود بن عبد الرحمن ثم حكى البيهقي عن البخاري أنه قال: داود بن عبد الرحمن صدوق إلا أنه ربما يهم في الشئ. وقد تقدم ما رواه البخاري من طريق ابن عباس عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بوادي العقيق: أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه. والله أعلم.
стр. 1822
رواية عبد الله بن عمر ﵄. قد تقدم فيما رواه البخاري ومسلم: من طريق الليث، عن عقيل عن الزهري. عن سالم، عن ابن عمر. أنه قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وذكر تمام الحديث في عدم إحلاله بعد السعي. فعلم كما قررناه أولا إنه ﵇ لم يكن متمتعا التمتع الخاص وإنما كان قارنا لأنه حكى أنه ﵇ لم يكن متمتعا اكتفى بطوف واحد بين الصفا والمروة عن حجه وعمرته. وهذا شأن القارن على مذهب الجمهور كما سيأتي بيانه والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو خيثمة، ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ طاف طوافا واحدا لاقرانه لم يحل بينهما واشترى من الطريق - عني الهدي - وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، إلا أن يحيى بن يمان وإن كان من رجال مسلم في أحاديثه عن الثوري نكارة شديدة والله أعلم، ومما يرجح أن ابن عمر أراد بالافراد الذي رواه إفراد أفعال الحج لا الافراد الخاص الذي يصير إليه أصحاب الشافعي وهو الحج ثم الاعتمار بعده في بقية في الحجة قول الشافعي: أنبأنا مالك، عن صدقة بن يسار عن ابن عمر. أنه قال: لان أعتمر قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة.
رواية عبد الله بن عمرو ﵄. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ إنما قرن خشية أن يصد عن البيت، وقال: إن لم يكن حجة فعمرة وهذا حديث غريب سندا ومتنا تفرد بروايته الإمام أحمد وقد قال أحمد في يونس بن الحارث الثقفي هذا كان مضطرب الحديث وضعفه وكذا ضعفه يحيى بن معين في رواية عنه والنسائي، وأما من حيث المتن فقوله إنما قرن رسول الله ﷺ خشية أن يصد عن البيت فمن الذي كان يصده ﵇ عن البيت وقد أطد الله له (١) الاسلام وفتح البلد الحرام وقد نودي برحاب منى أيام الموسم في العام الماضي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وقد كان معه ﵇ في حجة الوداع قريب من أربعين ألفا فقوله: خشية أن يصد عن البيت، وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلي بن أبي طالب حين قال له علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله فقال: أجل ولكنا كنا خائفين ولست أدري على م يحمل هذا الخوف من أي جهة كان؟ إلا أنه تضمن رواية الصحابي لما رواه وحمله على معنى ظنه فما رواه صحيح مقبول وما اعتقده ليس بمعصوم فيه فهو موقوف عليه وليس بحجة على غيره ولا يلزم منه رد الحديث الذي رواه: هكذا قول عبد الله بن عمرو. لو صح السند إليه. والله أعلم.
رواية عمران بن حصين ﵁. قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر وحجاج
стр. 1823
قالا، ثنا شعبة، عن حميد بن هلال سمعت مطرفا قال: قال لي عمران بن حصين: إني محدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به أن رسول الله ﷺ قد جمع بين حجته وعمرته، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل قرآن فيه يحرمه، وأنه كان يسلم علي فلما اكتويت أمسك عني فلما تركته عاد إلي. وقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى، ومحمد بن يسار، عن غندر عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، والنسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث ثلاثتهم عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف عن عمران به. ورواه مسلم: من حديث شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن الحصين: أن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة الحديث. قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني، حديث شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف صحيح، وأما حديثه عن قتادة عن مطرف فإنما رواه عن شعبة كذلك بقية بن الوليد. وقد رواه غندر وغيره عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. قلت: وقد رواه أيضا النسائي في سننه: عن عمرو بن علي الفلاس، عن خالد بن الحارث عن شعبة، وفي نسخة عن سعيد بدل شعبة عن قتادة عن مطرف، عن عمران بن الحصين فذكره. والله أعلم. وثبت في الصحيحين: من حديث همام، عن قتادة، عن مطرف عن عمران بن الحصين قال: تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ ثم لم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات رسول الله ﷺ .
رواية الهرماس بن زياد الباهلي: قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن عمران بن علي أبو محمد من أهل الري وكان أصله أصبهاني، حدثنا يحيى بن الضريس. حدثنا عكرمة بن عمار، عن الهرماس. قال: كنت ردف أبي فرأيت النبي ﷺ وهو على بعير وهو يقول: " لبيك بحجة وعمرة معا " وهذا على شرط السنن ولم يخرجوه.
رواية حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵂. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر عن حفصة أنها قالت للنبي ﷺ : مالك لم تحل من عمرتك؟ قال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وعبيد الله بن عمر زاد البخاري وموسى بن عقبة زاد مسلم وابن جريج كلهم عن نافع عن ابن عمر به. وفي لفظهما أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: " إني قلدت هديي ولبدت (١) رأسي فلا أحل حتى أنحر " وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا شعيب بن أبي حمزة. قال قال نافع: كان عبد الله بن عمر يقول: أخبرتنا حفصة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع. فقالت له فلانة: ما يمنعك أن تحل. قال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلست أحل حتى أنحر هديي " وقال أحمد
стр. 1824
أيضا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن أبي إسحاق، حدثني نافع عن عبد الله بن عمر بن حفصة بنت عمر. أنها قالت: لما أمر رسول الله ﷺ نساءه أن يحللن بعمرة. قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: " إني أهديت ولبدت فلا أحل حتى أنحر هديي " ثم رواه أحمد: عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن نافع، عن ابن عمر عن حفصة فذكره فهذا الحديث فيه أن رسول الله ﷺ كان متلبسا بعمرة ولم يحل منها، وقد علم بما تقدم من أحاديث الافراد أنه كان قد أهل بحج أيضا فدل مجموع ذلك أنه قارن مع ما سلف من رواية من صرح بذلك. والله أعلم.
رواية عائشة أم المؤمنين ﵂. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة. ثم قال النبي ﷺ من كان معه هدي، فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال انقضي (١) رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت. فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا (٢). وكذلك رواه مسلم عن حديث مالك، عن الزهري فذكره. ثم رواه عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللت بعمرة، ولم أكن سقت الهدي فقال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، لا يحل حتى يحل منهما جميعا وذكر تمام الحديث كما تقدم. والمقصود من إيراد هذا الحديث ههنا قوله ﷺ من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة. ومعلوم أنه ﵇ قد كان معه هدي فهو أول وأولى من أئتمر بهذا لان المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه على الصحيح. وأيضا فإنها قالت: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا يعني بين الصفا والمروة. وقد روى مسلم عنها: أن رسول الله ﷺ إنما طاف بين الصفا والمروة طوافا واحدا، فعلم من هذا أنه كان قد جمع بين الحج والعمرة. وقد روى مسلم من حديث حماد بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: فكان الهدي مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وذوي اليسار، وأيضا فإنها ذكرت أن
стр. 1825
رسول الله ﷺ لم يتحلل من النسكين فلم يكن متمتعا وذكرت أنها سألت رسول الله ﷺ أن يعمرها من التنعيم. وقالت: يا رسول الله ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج، فبعثها مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم، ولم يذكر أنه ﵇ اعتمر بعد حجته فلم يكن مفردا. فعلم أنه كان قارنا لأنه كان باتفاق الناس قد اعتمر في حجة الوداع. والله أعلم. وقد تقدم ما رواه الحافظ البيهقي: من طريق يزيد بن هارون، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب أنه قال: اعتمر رسول الله ﷺ . ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها. وقال البيهقي: في الخلافيات. أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا أبو محمد بن حبان الأصبهاني، أنبأنا إبراهيم بن شريك، أنبأنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، عن مجاهد قال: سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال مرتين. فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى العمرة التي قرنها مع حجة الوداع. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا بأس به لكن فيه إرسال - مجاهد لم يسمع من عائشة في قول بعض المحدثين. قلت كان شعبة ينكره، وأما البخاري ومسلم فإنهما أثبتاه والله أعلم. وقد روي من حديث القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وعروة بن الزبير وغير واحد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان معه الهدي عام حجة الوداع وفي إعمارها من التنعيم ومصادقتها له منهبطا على أهل مكة وبيتوته بالمحصب حتى صلى الصبح بمكة، ثم رجع إلى المدينة. وهذا كله مما يدل على أنه ﵇ لم يعتمر بعد حجته تلك ولم أعلم أحدا من الصحابة نقله. ومعلوم أنه لم يتحلل بين النسكين، ولا روى أحد أنه ﵇ بعد طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة حلق ولا قصر ولا تحلل بل استمر على إحرامه باتفاق، ولم ينقل أنه أهل بحج لما سار إلى منى فعلم أنه لم يكن متمتعا. وقد اتفقوا على أنه ﵇ اعتمر عام حجة الوداع، فلم يتحلل بين النسكين ولا أنشأ إحراما للحج ولا اعتمر بعد الحج فلزم القران، وهذا مما يعسر الجواب عنه والله أعلم. وأيضا فإن رواية القران مثبتة لما سكت عنه أو نفاه من روى الافراد والتمتع فهي مقدمة عليها كما هو مقرر في علم الأصول. وعن أبي عمران أنه حج مع مع مواليه. قال: فأتيت أم سلمة فقلت: يا أم المؤمنين إني لم أحج قط، فأيهما أبدأ بالعمرة أم بالحج؟ قالت: ابدأ بأيهما شئت. قال: ثم أتيت صفية أم المؤمنين فسألتها فقالت: لي مثل ما قالت لي، ثم جئت أم سلمة فأخبرتها بقول صفية فقالت لي أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا آل محمد من حج منكم فليهل بعمرة في حجة. رواه ابن حبان في صحيحه وقد رواه ابن حزم في حجة الوداع من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي عمران عن أم سلمة به.
فصل
إن قيل: قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه ﵇ أفرد الحج ثم رويتم عن هؤلاء