وفود فروة بن مسيك المرادي إلى رسول الله ﷺ
قال ابن إسحاق: وقدم فروة بن مسيك المرادي (١) مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، إلى رسول الله ﷺ وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الاسلام أصابت همدان من قومه حتى أثخنوهم وكان ذلك في يوم يقال له الردم وكان الذي قاد همدان إليهم الأجدع بن مالك قال ابن هشام ويقال مالك بن خريم الهمداني. قال ابن إسحاق فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم:
مررن على لفات وهن خوص … ينازعن الأعنة ينتحينا (٢)
فإن نغلب فغلابون قدما … وان نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبن ولكن … منايانا وطعمة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال … تكز صروفه حينا فحينا
فبينا ما نسر به ونرضى … ولو لبست غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرات دهر … فألفى في الأولى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدهر منهم … يجد ريب الزمان له خؤنا
فلو خلد الملوك إذا خلدنا … ولو بقي الكرام إذا بقينا
فأفنى ذلكم سروات قومي … كما أفنى القرون الأولينا
قال ابن إسحاق ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله ﷺ مفارقا ملوك كندة قال:
لما رأيت ملوك كندة أعرضت … كالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتي أؤم محمدا … أرجو فواضلها وحسن ثرائها (٣)
قال: فلما انتهى فروة إلى رسول الله ﷺ قال له: - فيما بلغني - يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم. فقال: يا رسول الله من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك؟ فقال له رسول الله ﷺ : " أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا " واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله ﷺ (٤).
стр. 1752
قدوم عمر بن معد يكرب في أناس من زبيد
قال ابن إسحاق: وقد كان عمرو بن معدي كرب قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله ﷺ : يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقال (١) إنه نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى علينا، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وصدقه وآمن به، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وقال: خالفني وترك أمري ورأيي. فقال عمرو بن معدي كرب في ذلك:
أمرتك يوم ذي … صنعاء أمرا باديا رشده (٢)
أمرتك باتقاء الله … والمعروف تتعده
خرجت من المنى مثل … الحمير غره وتده
تمناني على فرس … عليه جالسا أسده
علي مفاضة كالنهي … أخلص ماءه جدده
ترد الرمح منثني … السنان عوائرا قصده (٣)
فلو لاقيتني للقيت … ليثا فوقه لبده
تلاقى شنبثا شثن … البراثن ناشزا كتده (٤)
يسامي القرن إن قرن … تيممه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه … فيخفضه فيقتصده
فيدمغه فيحطمه … فيخمضه فيزدرده
ظلوم الشرك فيما … أحرزت أنيابه ويده
قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد، وعليهم فروة بن مسيك فلما توفي رسول الله ﷺ ارتد عمرو بن معدي كرب فيمن ارتد وهجا فروة بن مسيك فقال:
وجدنا ملك فروه شر ملك … حمار ساف منخره بثفر (٥)
стр. 1753
وكنت إذا رأيت أبا عمير … ترى الحولاء من خبث وغدر
قلت: ثم رجعت إلى الاسلام وحسن إسلامه وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وعمر الفاروق ﵄ وكان من الشجعان المذكورين والابطال المشهورين والشعراء المجيدين توفي سنة إحدى وعشرين بعدما شهد فتح نهاوند وقيل بل شهد القادسية وقتل يومئذ قال أبو عمر بن عبد البر وكان وفوده إلى رسول الله ﷺ سنة تسع وقيل سنة عشر فيما ذكره ابن إسحاق والواقدي. قلت: وفي كلام الشافعي ما يدل عليه. فالله أعلم. قال يونس عن ابن إسحاق: وقد قيل إن عمرو بن معدي كرب لم يأت النبي ﷺ وقد قال في ذلك:
إنني بالنبي موقنة نفسي … وإن لم أر النبي عيانا
سيد العالمين طرا وأدناهم … إلى الله حين بان مكانا
جاء بالناموس من لدن الله … وكان الأمين فيه المعانا
حكمة بعد حكمه وضياء … فاهتدينا بنورها من عمانا
وركبنا السبيل حين ركبناه … جديدا بكرهنا ورضانا
وعبدنا الاله حقا وكنا … للجهالات نعبد الأوثانا
وائتلفنا به وكنا عدوا … فرجعنا به معنا إخوانا
فعليه السلام والسلام منا … حيث كنا من البلاد وكانا
إن نكن لم نر النبي فإنا … قد تبعنا سبيله إيمانا
قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة
قال ابن إسحاق وقدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس، في وفد كندة فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، قد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال لهم: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى! قال فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشقوه منها فألقوه. ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول الله نحن بنوا آكل المرار وأنت ابن آكل المرار، قال، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث، وكانا تاجرين إذا شاعا (١) في العرب فسئلا ممن أنتما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار يعني ينسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد لان كندة كانوا ملوكا، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول عباس وربيعة نحن بنو آكل المرار وهو الحارث بن عمرو (٢) بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن
стр. 1754
معاوية بن كندى - ويقال ابن كندة - ثم قال رسول الله ﷺ لهم. " لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا (١) أمنا ولا ننتفي من أبينا ". فقال لهم الأشعث بن قيس والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين. وقد روي هذا الحديث متصلا من وجه آخر فقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، حدثني عقيل بن طلحة وقال عفان في حديثه أنبأنا عقيل بن طلحة السلمي: عن مسلم بن هيضم، عن الأشعث بن قيس أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في وفد كندة - قال عفان - لا يروني أفضلهم، قال قلت يا رسول الله: أنا ابن عم إنكم منا. قال فقال رسول الله ﷺ : " نحن بنو النضر بن كنانة لا نفقوا أمنا ولا ننتفي من أبينا ". قال وقال الأشعث: فوالله لا أسمع أحد نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد (٢). وقد رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، وعن محمد بن يحيى عن سليمان بن حرب. وعن هارون بن حيان، عن عبد العزيز بن المغيرة ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس. قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقال لي: هل لك من ولد؟ قلت غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ولوددت أن مكانه شبع القوم. قال: لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا، ثم ولئن قلت ذاك أنهم لمجبنة محزنة إنهم لمجبنة محزنة. تفرد به أحمد وهو حديث حسن جيد الاسناد (٣).
قدوم أعشى بن مازن على النبي ﷺ
قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا أبو سلمة عبيد بن عبد الرحمن الحنفي، قال: حدثني الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن نهصل الحرمازي، حدثني أبي أمين عن أبيه ذروة عن أبيه نضلة: أن رجلا منهم يقال له الأعشى، واسمه عبد الله الأعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة، خرج في رجب يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا فعادت برجل منهم يقال له مطرف بن نهشل (٤) بن كعب بن قميثع (٥) بن ذلف بن أهضم بن عبد الله بن الحرماز فجعلها خلف ظهره، فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها
стр. 1755
نشزت عليه، وأنها عاذت بمطرف بن نهشل، فأتاه فقال: يا بن عم، أعندك امرأتي فادفعها إلي قال: ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك، قال وكان مطرف أعز منه قال: فخرج الأعشى حتى أتى النبي ﷺ ، فعاذ به فأنشأ يقول:
يا سيد الناس وديان العرب … إليك أشكو ذربة من الذرب
كالذئبة العنساء (١) في ظل السرب … خرجت أبغيها الطعام في رجب
فخلفتني بنزاع وهرب … أخلفت الوعد ولطت بالذنب
وقذفتني بين عصر مؤتشب … وهن شر غالب لمن غلب
فقال النبي ﷺ عند ذلك: " وهن شر غالب لمن غلب ". فشكى إليه امرأته وما صنعت به وانها عند رجل منهم يقال له مطرف بن نهشل. فكتب له النبي ﷺ : إلى مطرف انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه، فأتاه كتاب النبي ﷺ فقرئ عليه، فقال لها: يا معاذة هذا كتاب النبي ﷺ فيك فأنا دافعك إليه، فقالت: خذ لي عليه العهد والميثاق وذمة نبيه، أن لا يعاقبني فيما صنعت فأخذ لها ذلك عليه ودفعها مطرف إليه فأنشأ يقول:
لعمرك ما حبي معاذة بالذي … يغيره الواشي ولا قدم العهد
ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها … غواة الرجال إذ يناجونها بعدي
قدوم صرد بن عبد الله الأزدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم
قال ابن إسحاق وقدم صرد بن عبد الله الأزدي على رسول الله ﷺ في وفد من الأزد، فأسلم وحسن إسلامه، وأمره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم، من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. فذهب فحاصر جرش (٢) وبها قبائل من اليمن وقد ضوت إليهم خثعم، حين سمعوا بمسيره إليهم فأقام عليهم قريبا من شهر، فامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم حتى إذا كان قريبا من جبل: يقال له شكر فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما فخرجوا في طلبه فعطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة فبينما هما عنده بعد العصر إذ قال بأي بلاد الله شكر فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر وكذلك تسمية أهل جرش فقال أنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا فما شأنه يا رسول الله فقال إن بدن الله لتنحر عنده الآن، قال فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال لهما، ويحكما إن رسول الله ﷺ الآن لينعى إليكما قومكما فقوما إليه فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال: " اللهم أرفع عنهم " فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر
стр. 1756
عنهم رسول الله ﷺ وجاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا وحسن إسلامهم وحمى لهم حول قريتهم.
قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله ﷺ
قال الواقدي وكان ذلك في رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم باسلامهم مقدمه من تبوك وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل (١) ذي رعين ومعافر وهمدان، وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة (٢) الرهاوي باسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، فكتب إليهم رسول الله ﷺ : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان، قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد ذلكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإنه قد وقع نبأ (٣) رسولكم منقلبنا (٤) من أرض الروم، فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به، وخبرنا ما قبلكم، وأنبأنا باسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم النبي ﷺ وصفيه، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب (٥) نصف العشر، وأن في الإبل في الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين تبيع، جذع أو جذعة. وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدى ذلك، وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى، حر أو عبد دينار واف، من قيمة المعافري أو عرضه (٦) ثيابا. فمن أدى ذلك إلى رسول الله فأن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله، أما بعد فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذ أتاك رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل
стр. 1757
وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا، أما بعد فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ثم أن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير وآمرك بحمير خيرا ولا تخونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيرا، وأني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم فآمركم بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " (١) وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس بن مالك: أن مالك ذي يزن أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا وثلاثة وثلاثين ناقة. ورواه أبو داود: عن عمرو بن عون الواسطي، عن عمارة بن زاذان الصيدلاني، عن ثابت البناني عن أنس به.
وقد روى الحافظ البيهقي ها هنا (٢) - حديث كتاب عمرو بن حزم فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهدا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره: بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوه والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق، كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين، وأن ينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله حرم الظلم
стр. 1758
ونهى عنه فقال: [تعالى] … (ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله) *، وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستأنف الناس حتى يتفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج، وسننه وفرائضه، وما أمره الله به والحج الأكبر الحج والحج الأصغر العمرة: وأن ينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي بفرجه إلى السماء، ولا ينقض (١) شعر رأسه إذا عفى في قفاه، وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعو إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعى إلى العشائر والقبائل فليعطفوا [فيه] (٢) بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس باسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله ، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود (٣) وأن يغلس بالصبح وأن يهجر بالهاجرة حتى تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الأرض مبدرة والمغرب حين يقبل الليل لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، [وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها] (٤) وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقى المغل (٥) وفيما سقت السماء العشر وما سقى الغرب فنصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي عشرين أربع شياه وفي أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين [في الصدقة] (٦) فمن زاد فهو خير له، ومن أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الاسلام فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يغير عنها وعلى كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عرضه (٧) من الثياب فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ورسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته ". قال الحافظ البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث موصولا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك (٨).
стр. 1759
قلت: ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في سننه مطولا، وأبو داود في كتاب المراسيل وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في السنن ولله الحمد والمنة، وسنذكر بعد الوفود بعث النبي ﷺ الامراء إلى اليمن لتعليم الناس وأخذ صدقاتهم وأخماسهم معاذ بن جبل وأبو موسى وخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين.
قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه
قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو قطن، حدثني يونس، عن المغيرة بن شبل. قال: قال جرير: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حلتي، ثم دخلت فإذا رسول الله ﷺ يخطب فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي يا عبد الله هل ذكرني رسول الله ﷺ قال: نعم! ذكرك بأحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، إلا أن على وجهه مسحة ملك قال جرير: فحمدت الله على ما أبلاني. قال أبو قطن: فقلت له سمعته منه أو سمعته من المغيرة بن شبل. قال نعم! ثم رواه الإمام أحمد عن أبي نعيم، وإسحاق بن يوسف وأخرجه النسائي من حديث الفضل بن موسى ثلاثتهم عن يونس عن أبي إسحاق السبيعي عن المغيرة بن شبل - ويقال ابن شبيل - عن عوف البجلي الكوفي عن جرير بن عبد الله وليس له عنه غيره. وقد رواه النسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بقصته: " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " الحديث وهذا على شرط الصحيحين. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل، عن قيس عن جرير. قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي. وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن إسماعيل بن خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه. وفي الصحيحين زيادة وشكوت إلى رسول الله ﷺ أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري. وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا (٢) ". ورواه النسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس عنه وزاد فيه - يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك، فذكر نحو ما تقدم.
قال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عمرو: عثمان بن أحمد السماك،
стр. 1760
حدثنا الحسن بن سلام السواق، حدثنا محمد بن مقاتل الخراساني، حدثنا حصين (١) بن عمر الأحمسي، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد - أو (٢) قيس بن أبي حازم - عن جرير بن عبد الله. قال: بعث إلي رسول الله ﷺ [فأتيته] فقال: يا جرير لأي شئ جئت؟ قلت: أسلم على يديك يا رسول الله قال: فألقى علي كساء ثم أقبل على أصحابه فقال " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " ثم قال: يا جرير أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن تؤمن بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وتصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة ففعلت ذلك فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسم في وجهي (٣)، هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله. قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. وأخرجاه في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد به. وهو في الصحيحين من حديث زياد بن علاثة عن جرير به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا زائدة، ثنا عاصم، عن سفيان يعني - أبا وائل - عن جرير. قال قلت يا رسول الله اشترط علي فأنت أعلم بالشرط قال: " أبايعك على أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك ". ورواه النسائي من حديث شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن جرير وفي طريق أخرى عن الأعمش عن منصور عن أبي وائل عن أبي نخيلة عن جرير به فالله أعلم. ورواه أيضا عن محمد بن قدامة، عن جرير، عن مغيرة عن أبي وائل والشعبي عن جرير به ورواه عن جرير عبد الله بن عميرة رواه أحمد منفردا به وابنه عبيد الله بن جرير أحمد أيضا منفردا به وأبو جميلة وصوابه نخيلة ورواه أحمد والنسائي ورواه أحمد أيضا عن غندر عن شعبة عن منصور عن أبي وائل عن رجل عن جرير فذكره، والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلي. والله أعلم. وقد ذكرنا بعث النبي ﷺ له حين أسلم إلى ذي الخلصة بيت كان يعبده خثعم وبجيلة وكان يقال له الكعبة اليمانية يضاهون به الكعبة التي بمكة ويقولون للتي ببكة الكعبة الشامية ولبيتهم الكعبة اليمانية فقال له رسول الله ﷺ ألا تريحني من ذي الخلصة فحينئذ شكى إلى النبي ﷺ أنه لا يثبت على الخيل فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثرت فيه وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا ". فلم يسقط بعد ذلك عن فرس ونفر إلى ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس فخرب ذلك البيت وحرقه حتى تركه مثل الجمل الأجرب، وبعث إلى النبي ﷺ بشيرا يقال له: أبو أرطاة فبشره بذلك فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات والحديث مبسوط في الصحيحين وغيرهما كما قدمناه بعد الفتح استطرادا بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدي خالد بن
стр. 1761
الوليد ﵁. والظاهر أن اسلام جرير ﵁ كان متأخرا عن الفتح (١) بمقدار جيد. فإن الإمام أحمد قال: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة بن عبد الكريم بن مالك الجزري عن مجاهد عن جرير بن عبد الله البجلي. قال: إنما أسلمت بعدما أنزلت المائدة وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت. تفرد به أحمد وهو إسناد جيد اللهم إلا أن يكون منقطعا بين مجاهد وبينه، وثبت في الصحيحين أن أصحاب عبد الله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف لان إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة، وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله ﷺ قال له استنصت الناس يا جرير وإنما أمره بذلك لأنه كان صبيا وكان ذا شكل عظيم كانت نعله طولها ذراع، وكان من أحسن الناس وجها وكان مع هذا من أغض الناس طرفا. ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فقال أطرق بصرك.
وفادة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي ابن (٢) هنيد أحد ملوك اليمن على رسول الله ﷺ
قال أبو عمر بن عبد البر: كان أحد أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، ويقال إن رسول الله ﷺ بشر أصحابه قبل قدومه به وقال يأتيكم بقية أبناء الملوك فلما دخل رحب به، وأدناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له رداءه وقال: " اللهم بارك في وائل وولده وولده ولده " واستعمله على الأقيال من حضرموت وكتب معه ثلاث كتب، منها كتاب إلى المهاجر بن أبي أمية. وكتاب إلى الأقيال والعباهلة وأقطعه أرضا وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان. فخرج معه راجلا فشكى إليه حر الرمضاء فقال: انتعل ظل الناقة فقال: وما يغني عني ذلك لو جعلتني ردفا. فقال له وائل: اسكت فلست من أرداف الملوك ثم عاش وائل بن حجر حتى وفد على معاوية وهو أمير المؤمنين فعرفه معاوية فرحب به وقربه وأدناه وأذكره الحديث وعرض عليه جائزة سنية فأبى أن يأخذها، وقال أعطها من هو أحوج إليها مني (٣). وأورد الحافظ البيهقي بعض هذا وأشار إلى أن البخاري
стр. 1762
في التاريخ روى في ذلك شيئا. وقد قال الإمام أحمد حدثنا حجاج أنبأنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضا قال وأرسل معي معاوية أن أعطيها إياه - أو قال أعلمها إياه - قال فقال معاوية أردفني خلفك فقلت لا تكون من أرداف الملوك قال فقال أعطني نعلك فقلت انتعل ظل الناقة قال فلما استخلف معاوية أتيته فأقعدني معه على السرير فذكرني الحديث - قال سماك - فقال وددت أني كنت حملته بين يدي. وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث شعبة وقال الترمذي صحيح.
وفادة لقيط بن عامر المنتفق أبي رزين العقيلي إلى رسول الله ﷺ
قال عبد الله بن الإمام أحمد: كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك فحدث
стр. 1763
بذلك عني. قال حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي، من بني عمرو بن عوف، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر قال دلهم: وحدثنيه أبي الأسود، عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ ومعه صاحب له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق قال لقيط فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة انسلاخ رجب فأتينا رسول الله ﷺ فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا. فقال: " أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام، ألا لأسمعنكم ألا فهل من امرئ بعثه قومه " فقالوا أعلم لنا ما يقول رسول الله ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه، أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضلال ألا إني مسؤول هل بلغت ألا فاسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا أجلسوا (قال) فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني أبتغي لسقطه. فقال: " ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله " وأشار بيده قلت وما هي؟ قال علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه. وعلم [المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمون وعلم] ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مسنتين (١) فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قريب ". قال لقيط: قلت لن نعدم من رب يضحك خيرا - وعلم يو الساعة. قلنا (٢): يا رسول الله علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد، من مذحج التي تربوا علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها قال: تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شئ إلا مات، والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك يطوف بالأرض وقد خلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه تخلقه من عند رأسه، فيستوي جالسا فيقول ربك مهيم؟ لما كان فيه - يقول: يا رب أمس اليوم، فلعهده بالحياة يتحسبه حديثا بأهله. قلت: يا رسول الله كيف يجمعنا بعدما تفرقنا الرياح والبلى والسباع. فقال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله في الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحي أبدا. ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك [إلا] أياما حتى أشرفت عليها وهي شرية (٣) واحدة فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء (٤) ومن مصارعكم فنتظرون إليه وينظر إليكم. قال: قلت: يا رسول الله
стр. 1764
وكيف ونحن ملء الأرض، وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه فقال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما. قلت: يا رسول الله فما يفعل [بنا] ربنا إذا لقيناه؟ قال تعرضون عليه بادية له صحائفكم ولا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة فأما المسلم فتدع على وجهه مثل الريطة (١) البيضاء وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود ألا ثم ينصرف نبيكم، وينصرف على أثره الصالحون فتسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر فيقول حس فيقول ربك أوانه (٢) فتطلعون على حوض الرسول على أطماء والله ناهلة عليها ما رأيتها قط، فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى وتحبس الشمس والقمر، فلا ترون منهما واحدا قال قلت: يا رسول الله فيم نبصر؟ قال مثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال. قال قلت: يا رسول فيم نجزي من سيآتنا وحسناتنا. قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها إلا أن يعفو. قال قلت: يا رسول الله أما الجنة وأما النار. قال: لعمر إلهك إن للنار سبعة أبواب ما منهن [بابان] (٣) إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما [وان للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما] قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة قال: على أنهار من عسل مصفى وأنها من كأس، ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك، ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة قلت: يا رسول الله ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات قال: الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم غير أن لا توالد. قال لقيط: قلت أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه [فلم يجبه النبي ﷺ ] قلت: يا رسول الله علام أبايعك فبسط [النبي] يده وقال على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك، وأن لا تشرك بالله إلها غيره. قال قلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض النبي ﷺ يده وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه. قال قلت: تحل منها حيث شئنا ولا يجني منها امرؤ إلا على نفسه، فبسط يده وقال: وذلك لك تحل حيث شئت ولا تجئ عليك إلا نفسك قال فانصرفنا عنه. ثم قال: إن هذين من [لعمر إلهك] أتقى الناس [في] الأولى والآخرة فقال: له كعب بن الخدارية أحد بني كلاب منهم: يا رسول الله بنو المنتفق أهل ذلك منهم؟ قال: فانصرفنا وأقبلت عليه - وذكر تمام الحديث إلى أن قال - فقلت: يا رسول الله هل لاحد ممن مضى خير في
стр. 1765
جاهليته قال: فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار، قال: فلكأنه وقع حر بين جلدتي وجهي ولحمي مما قال. لأني على رؤس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم إذا الأخرى أجمل فقلت يا رسول الله: وأهلك؟ قال: وأهلي لعمر الله، ما أتيت [عليه] (١) من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل: أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك، وبطنك في النار. قال قلت: يا رسول الله ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون. قال: ذلك بأن الله يبعث في آخر كل سبع أمم - يعني نبيا - فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين. هذا حديث غريب جدا وألفاظه في بعضها نكارة وقد أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب البعث والنشور، وعبد الحق الإشبيلي في العاقبة والقرطبي في كتاب التذكرة في أحوال الآخرة وسيأتي في كتاب البعث والنشور إن شاء الله تعالى.
وفادة زياد بن الحارث ﵁
قال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو أحمد (٢) الأسد آباذي بها أنبأنا أبو بكر [أحمد بن جعفر بن حمدان] بن مالك القطيعي [حدثنا: أبو علي: بشر بن موسى] حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، سمعت زياد بن الحارث الصدائي يحدث. قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته على الاسلام، فأخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي، فقلت: يا رسول الله أردد الجيش وأنا لك باسلام قومي وطاعتهم. فقال لي: اذهب فردهم، فقلت: يا رسول الله! إن راحلتي قد كلت، فبعث رسول الله ﷺ رجلا فردهم. قال الصدائي: وكتبت إليهم كتابا فقدم وفدهم باسلامهم، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أخا صداء! إنك لمطاع في قومك، فقلت بل هو الله هداهم للاسلام فقال: " أفلا أومرك عليهم " قلت: بلى يا رسول الله، فكتب لي كتابا أمرني. فقلت. يا رسول الله مر لي بشئ من صدقاتهم، قال: نعم! فكتب لي كتابا آخر. قال الصدائي: وكان ذلك في بعض أسفاره. فنزل رسول الله ﷺ منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم، ويقولون: أخذنا بشئ كان بيننا وبين قومه في الجاهلية. فقال رسول الله: أو فعل ذلك؟ قالوا: نعم! فالتفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه وأنا فيهم فقال: لا خير في الامارة لرجل مؤمن، قال الصدائي: فدخل قوله في نفسي، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله أعطني، فقال رسول الله ﷺ : " من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن ". فقال السائل: أعطني من الصدقة، فقال رسول الله إن [الله] لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك
стр. 1766
الاجزاء أعطيتك. قال الصدائي: فدخل ذلك في نفسي أني غني وإني سألته من الصدقة، قال: ثم إن رسول الله اعتشى (١) من أول الليل فلزمته، وكنت قريبا، فكان أصحابه ينقطعون عنه، ويستأخرون منه ولم يبق معه أحد غيري، فلما كان أوان صلاة الصبح، أمرني فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر، ويقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز، ثم انصرف إلي وهو متلاحق أصحابه فقال: هل من ماء يا أخا صداء؟ قلت: لا إلا شئ قليل لا يكفيك، فقال: اجعله في إناء ثم ائتني به، ففعلت فوضع كفه في الماء قال: فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور، فقال رسول الله ﷺ : " لولا أني استحي من ربي لسقينا واستقينا " ناد في أصحابي من له حاجة في الماء، فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم شيئا ثم قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم فقال له رسول الله: إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم ". قال الصدائي: فأقمت، فلما قضى رسول الله الصلاة أتيته بالكتابين، فقلت يا رسول الله أعفني من هذين. فقال: ما بدا لك؟ فقلت سمعتك يا رسول الله تقول: لا خير في الامارة لرجل مؤمن، وأنا أو من بالله وبرسوله وسمعتك تقول للسائل: من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن، وسألتك وأنا غني. فقال: هو ذاك فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع فقلت أدع فقال لي رسول الله: فدلني على رجل أؤمره عليكم فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم، ثم قلنا: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها، واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا، فقد أسلمنا وكل من حولنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق! فدعا سبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن، ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا الله. قال الصدائي: ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها - يعني البئر (٢). وهذا الحديث له شواهد في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة. وقد ذكر الواقدي أن رسول الله ﷺ كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة إلي بلاد صداء فيوطئها، فبعثوا رجلا منهم فقال جئتك لترد عن قومي الجيش وأنا لك بهم، ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلا، ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل، ثم روى الواقدي: عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي قصته في الاذان.
стр. 1767
وفادة الحارث بن حسان البكري إلى رسول الله ﷺ
قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر: سلام بن سليمان النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل عن الحارث البكري. قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها. فقالت: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست منزله أو قال رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين تميم شئ؟ قلت: نعم! وكانت الدائرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت. فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت: يا رسول الله أين يضطر مضرك قال قلت: إن مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قالت: هي وما وافد عاد؟ وهي أعلم بالحديث منه ولكن تستطعمه. قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة (١) فقال: اللهم انك تعلم لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا. قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال - أبو وائل وصدق - وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا يكن كوافد عاد. وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي المنذر سلام بن سليمان به، ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن الحارث البكري، ولم يذكر أبا وائل وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث والصواب عن عاصم عن أبي وائل عن الحارث كما تقدم (٢).
وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل (٣) مع قومه
قال أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، أنبأنا أبو
стр. 1768
جعفر: محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي، أنبأنا علي بن الجعد (١) عبد العزيز، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو خالد يزيد الأسدي، ثنا عون بن أبي جحيفة، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل. قال: انطلقت في وفد إلى رسول الله ﷺ فأتيناه فأنخنا بالباب، وما في الناس رجل أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فلما دخلنا وخرجنا فما في الناس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه. قال: فقال قائل منا: يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان؟ قال: فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: " فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لامتي يوم القيامة " (٢).
قدوم طارق بن عبيد الله وأصحابه
روى الحافظ البيهقي: من طريق أبي جناب الكلبي، عن جامع بن شداد المحاربي، حدثني رجل من قومي يقال له طارق بن عبد الله قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز، إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل يتبعه يرميه بالحجارة " وهو يقول " يا أيها الناس إنه كذاب " فقلت من هذا؟ فقالوا هذا غلام من بني هاشم، يزعم أنه رسول الله قال قلت: من هذا الذي يفعل به هذا. قالوا: هذا عمه عبد العزى، قال: فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها ونخلها، قلت: لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه، إذا رجل في طمرين، فسلم علينا وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟ قلنا، نريد هذه المدينة. قال: ما حاجتكم منها؟ قلنا: نمتار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعوني جملكم هذا؟ قلنا: نعم! بكذا وكذا صاعا من تمر. قال: فما استوضعنا مما قلنا شيئا، وأخذ بخطام الجمل وانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها، قلنا ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن يعرف ولا أخذنا له ثمنا قال: تقول المرأة التي معنا والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر أنا ضامنة لثمن جملكم، إذ أقبل الرجل فقال: [أنا] رسول الله إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا فاستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فدخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس، فأدركنا من خطبته وهو يقول: " تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك. إذ
стр. 1769
أقبل رجل من بني يربوع أو قال: رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية. فقال: " إن أبا لا يجني على ولد ثلاث مرات " (١). وقد روى النسائي فضل الصدقة منه عن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي ببعضه. ورواه الحافظ البيهقي أيضا عن الحاكم، عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن يزيد بن زياد، عن جامع عن (٢) طارق بطوله كما تقدم. وقال فيه فقالت الظعينة: لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه.
قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان
قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي، ثم النفاثي إلى رسول الله ﷺ رسولا باسلامه وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذه فحبسوه عندهم. فقال في محبسه ذلك:
طرقت سليمى موهنا أصحابي … والروم بين الباب والقروان (٣)
صد الخيال وساءه ما قد رأى … وهممت أن أغفى وقد أبكاني
لا تكحلن العين بعدي إثمدا … سلمى ولا تدين للاتيان
ولقد علمت أبا كبيشة أنني … وسط الأعزة لا يحصن لساني
فلئن هلكت لتفقدن أخاكم … ولئن بقيت ليعرفن مكاني
ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى … من جودة وشجاعة وبيان
قال: فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له عفرى بفلسطين. قال:
ألا هل أتى سلمى بأن حليلها … على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل
على ناقة (٤) لم يضرب الفحل أمها … مشذبة (٥) أطرافها بالمناجل
قال: وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال:
بلغ سراة المسلمين بأنني … سلم لربي أعظمي ومقامي
قال ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء، رحمة الله ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه.
стр. 1770
قدوم تميم الداري على رسول الله ﷺ
في خروج النبي ﷺ وإيمان من آمن به
أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نصرويه المروزي بنيسابور، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسن القاضي، أنبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطان، حدثنا يحيى بن جعفر بن الزبير، أنبأنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، قالت: قدم على رسول الله ﷺ تميم الداري فأخبر رسول الله ﷺ أنه ركب البحر فتاهت به سفينته فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا إليها يلتمسون الماء فلقي إنسانا يجر شعره، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الجساسة (١) قالوا: فأخبرنا، قال: لا أخبركم ولكن عليكم بهذه الجزيرة، فدخلناها فإذا رجل مقيد، فقال: من أنتم؟ قلنا ناس من العرب، قال: ما فعل هذا النبي الذي خرج فيكم؟ قلنا: قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه. قال: ذلك خير لهم، قال: أفلا تخبروني عن عين زغر (٢) ما فعلت؟ فأخبرناه عنها، فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار، ثم قال: ما فعل نخل بيسان هل أطعم بعد، فأخبرناه أنه قد أطعم، فوثب مثلها ثم قال: أما لو قد أذن لي في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة. قالت: فأخرجه رسول الله ﷺ فحدث الناس، فقال: هذه طيبة وذاك الدجال (٣) وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن فاطمة بنت قيس وقد أورد له الإمام أحمد شاهدا من رواية أبي هريرة وعائشة أم المؤمنين وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب الفتن. وذكر الواقدي وفد الدارين من لخم وكانوا عشرة.
وفد بني أسد
وهكذا ذكر الواقدي: أنه قدم على رسول الله ﷺ في أول سنة تسع وفد بني أسد وكانوا عشرة، منهم ضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد ذلك ثم أسلم وحسن إسلامه، ونفادة بن عبد الله بن خلف (٤). فقال له رئيسهم: حضرمي بن عامر يا رسول الله أتيناك نتدرع الليل البهيم، في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثا. فنزل فيهم • (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي اسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للاسلام إن كنتم صادقين) … [الحجرات: ١٧]. وكان فيهم قبيلة يقال لهم بنو الرتية (٥) فغير اسمهم فقال أنتم بنو
стр. 1771
الرشدة، وقد استهدى رسول الله ﷺ من نفادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها فطلبها فلم يجدها إلا عند ابن عم له، فجاء بها فأمر رسول الله ﷺ بحلبها فشرب منها وسقاه سؤره ثم قال: " اللهم بارك فيها وفيمن منحها " فقال: يا رسول الله وفيمن جاء بها فقال " وفيمن جاء بها ".
وفد بني عبس
ذكر الواقدي: أنهم كانوا تسعة نفر وسماهم الواقدي فقال لهم النبي ﷺ : " أنا عاشركم " وأمر طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء وجعل شعارهم يا عشرة، وذكر أن رسول الله ﷺ سألهم عن خالد بن سنان العبسي الذي قدمنا ترجمته في أيام الجاهلية، فذكروا أنه لا عقب له، وذكر أن رسول الله ﷺ بعثهم يرصدون عيرا لقريش قدمت من الشام وهذا يقتضي تقدم وفادتهم على الفتح والله أعلم.
وفد بني فزارة
قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي، عن أبي وجزة السعدي. قال: لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسع قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا، فيهم، خارجة بن حصن، والحارث بن قيس بن حصن، وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاؤو مقرين بالاسلام، وسألهم رسول الله عن بلادهم. فقال أحدهم: يا رسول الله أسننت بلادنا، وهلكت مواشينا وأجدب جناتنا (١)، وغرث عيالنا، فادع الله لنا، فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال: " اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء ". قال فمطرت فما رأوا السماء سبتا (٢) فصعد رسول الله المنبر فدعا فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا على الآكام والظراب وبطون الأدوية ومنابت الشجر، فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب " (٣).
وفد بني مرة
قال الواقدي: إنهم قدموا سنة تسع، عند مرجعه من تبوك، وكانوا ثلاثة عشر رجلا منهم الحارث بن عوف، فأجازهم ﵇ بعشر أواق من فضة، وأعطى الحارث بن عوف ثنتي عشرة
стр. 1772
أوقية، وذكروا أن بلادهم مجدبة فدعا لهم. فقال: " اللهم أسقهم الغيث " فلما رجعوا إلى بلادهم، وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ .
وفد بني ثعلبة
قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن رجل من بني ثعلبة عن أبيه. قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الجعرانة سنة ثمان، قدمنا عليه أربعة نفر، فقلنا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، وهم يقرون بالاسلام، فأمر لنا بضيافة، وأقمنا أياما ثم جئناه لنودعه فقال لبلال: أجزهم كما تجيز للوفد، فجاء ببقر (١) من فضة، فأعطى كل رجل منا خمس أواق، وقال: ليس عندنا دراهم، وانصرفنا إلى بلادنا.
وفد بني محارب
قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن أبي وجزة السعدي. قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، وهم عشرة نفر فيهم: سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء، فأسلموا وقالوا: نحن على من وراءنا، ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله منهم، وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله ﷺ فقال: الحمد الله الذي أبقاني حتى صدقت بك. فقال رسول الله ﷺ : " إن هذه القلوب بيد الله " ومسح رسول الله وجه خزيمة بن سواء فصارت غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى بلادهم (٢).
وفد بني كلاب
ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا، منهم: لبيد بن ربيعة الشاعر، وجبار بن سلمى، وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة، فرحب به وأكرمه وأهدى إليه، وجاؤوا معه إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه بسلام الاسلام، وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله التي أمره الله بها ودعاهم إلى الله فاستجابوا له وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم فصرفها على فقرائهم.
وفد بني رؤاس بن (٣) كلاب
ثم ذكر الواقدي: أن رجلا يقال له عمرو بن مالك بن قيس بن بجيد بن رؤاس بن
стр. 1773
كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصة، قدم على رسول الله ﷺ فأسلم ثم رجع إلى قومه فدعاهم إلى الله فقالوا: حتى نصيب من بني عقيل مثل ما أصابوا منا، فذكر مقتلة كانت بينهم وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلا من بني عقيل قال: فشددت يدي في غل وأتيت رسول الله ﷺ وبلغه ما صنعت فقال لئن أتاني لأضرب ما فوق الغل من يده فلما جئت سلمت فلم يرد علي السلام وأعرض فأتيته عن يمينه فأعرض عني فأتيته عن يساره فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه فقلت يا رسول الله إن الرب ليرتضى فيرضى فأرض عني رضي الله عنك. قال: " قد رضيت ".
وفد بني عقيل بن كعب
ذكر الواقدي: أنهم قدموا على رسول الله ﷺ فأقطعهم العقيق - عقيق بني عقيل - وهي أرض فيها نخيل وعيون وكتب بذلك كتابا: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا (١)، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وطاعوا، ولم يعطهم حقا لمسلم ". فكان الكتاب في يد مطرف. قال: وقدم عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل وهو أبو رزين فأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه، وقد قدمنا قدومه وقصته وحديثه بطوله ولله الحمد والمنة.
وفد بني قشير بن كعب
وذلك قبل حجة الوداع، وقبل (٢) حنين، فذكر فيهم، قرة بن هبيرة بن [عامر بن] (٣) سلمة الخير بن قشير فأسلم فأعطاه رسول الله ﷺ وكساه بردا وأمره أن يلي صدقات قومه فقال قرة حين رجع:
حباها رسول الله إذ نزلت به … وأمكنها من نائل غير منفد
فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة … وقد أنجحت حاجاتها من محمد
عليها فتى لا يردف الذم رجله … يروى لأمر العاجز المتردد (٤)
وفد بني البكاء
ذكر أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثين رجلا، فيهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء
стр. 1774
وهو يومئذ ابن مائة سنة ومعه ابن له يقال له بشر فقال: يا رسول الله إني أتبرك بمسك، وقد كبرت وابني هذا بر بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله ﷺ وجهه وأعطاه أعنزا عفرا وبرك عليهن، فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة. وقال: محمد بن بشر بن معاوية في ذلك:
وأبي الذي مسح الرسول برأسه … ودعا له بالخير والبركات
أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا … عفرا نواحل لسن باللحيات (١)
يملأن وفد الحي كل عشية … ويعود ذاك الملء بالغدوات
بوركن من منح وبورك مانحا … وعليه منى ما حييت صلاتي
وفد كنانة
روى الواقدي بأسانيده: أن واثلة بن الأسقع الليثي قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فصلى معه الصبح، ثم رجع إلى قومه فدعاهم وأخبرهم عن رسول الله ﷺ . فقال أبوه: والله لا أحملك أبدا وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته حتى سار مع رسول الله ﷺ إلى تبوك وهو راكب على بعير لكعب بن عجرة، وبعثه رسول الله ﷺ مع خالد إلى أكيدر دومة فلما رجعوا عرض واثلة على كعب بن عجرة ما كان شارطه عليه من سهم الغنيمة فقال له كعب إنما حملتك لله .
وفد أشجع
ذكر الواقدي: أنهم قدموا عام الخندق، وهم مائة رجل ورئيسهم مسعود (٢) بن رخيلة فنزلوا شعب سلع فخرج إليهم رسول الله وأمر لهم بأحمال التمر، ويقال بل قدموا بعد ما فرغ من بني قريظة وكانوا سبع مائة رجل فوادعهم ورجعوا ثم أسلموا بعد ذلك.
وفد باهلة
قدم رئيسهم مطرف بن الكاهن (٣) بعد الفتح فأسلم. وأخذ لقومه أمانا وكتب له كتابا فيه
стр. 1775
الفرائض وشرائع الاسلام كتبه عثمان بن عفان ﵁.
وفد بني سليم
قال: وقدم على رسول الله ﷺ رجل من بني سليم يقاله له: قيس بن نشبة (١) فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله ﷺ إلى الاسلام فأسلم، ورجع إلى قومه بني سليم فقال: سمعت ترجمة الروم وهينمة فارس وأشعار العرب، وكهانة الكهان وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه، فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم، فلقوا رسول الله ﷺ بقديد وهم سبع (٢) مائة. ويقال كانوا ألفا وفيهم العباس بن مرداس وجماعة من أعيانهم فأسلموا وقالوا اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر وشعارنا مقدما ففعل ذلك بهم. فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا. وقد كان راشد بن عبد ربه السلمي يعبد صنما فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه فقال:
أرب يبول الثعلبان برأسه … لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم شد عليه فكسره ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فأسلم وقال له رسول الله ﷺ ما اسمك؟ قال غاوي بن عبد العزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه واقطعه موضعا يقال له رهاط فيه عين تجري يقال لها عين الرسول وقال هو خير بني سليم وعقد له على قومه وشهد الفتح وما بعدها.
وفد بني هلال بن عامر
وذكر في وفدهم: عبد عوف بن أصرم، فأسلم وسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقبيصة بن مخارق الذي له حديث في الصدقات، وذكر في وفد بني هلال زياد بن عبد الله بن مالك بن نجير (٣) بن الهدم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر فلما دخل المدينة يمم منزل خالته ميمونة بنت الحارث فدخل عليها فلما دخل رسول الله ﷺ منزله رآه فغضب ورجع. فقالت: يا رسول الله انه ابن أختي (٤) فدخل ثم خرج إلى المسجد، ومعه فصلى الظهر ثم أدنا زيادا فدعا له ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد. وقال الشاعر لعلي بن زياد:
стр. 1776
إن الذي (١) مسح الرسول برأسه … ودعا له بالخير عند المسجد
أعني زيادا لا أريد سواءه … من عابر (٢) أو متهم أو منجد
ما زال ذاك النور في عرنينه … حتى تبوأ بيته في ملحد
وفد بني بكر بن وائل
ذكر الواقدي: أنهم لما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن قس بن ساعدة. فقال: ليس ذاك منكم ذاك رجل من إياد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظ والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه. قال: وكان في الوفد بشير بن الخصاصية (٣) وعبد الله بن مرثد وحسان بن خوط. فقال رجل من ولد حسان:
أنا وحسان بن خوط وأبي … رسول بكر كلها إلى النبي
وفد بني تغلب
ذكر أنهموا كانوا ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رمله بنت الحارث فصالح رسول الله ﷺ النصارى على أن لا يضيعوا (٤) أولادهم في النصرانية وأجاز المسلمين منهم.
وفادات أهل اليمن: وفد تجيب (٥)
ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع، وأنهم كانوا ثلاثة رجلا فأجازهم أكثر ما أجاز غيرهم، وأن غلاما منهم قال له رسول الله ﷺ ما حاجتك؟ فقال يا رسول الله أدع الله يغفر لي ويرحمني ويجعل غنائي في قلبي. فقال: " اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه ". فكان بعد ذلك من أزهد الناس.
وفد خولان (٦)
ذكر أنهم كانوا عشرة، وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر، وسألهم رسول الله ﷺ عن
стр. 1777
صنمهم الذي كان يقال له: عم أنس، فقالوا: أبدلناه خيرا منه ولو قد رجعنا لهدمناه، وتعلموا القرآن والسنن فلما رجعوا هدموا الصنم، وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله.
وفد جعفي (١)
ذكر أنهم كانوا يحرمون أكل القلب، فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله ﷺ بأكل القلب وأمر به فشوي وناوله رئيسهم وقال لا يتم إيمانكم حتى تأكلوه (هـ؟) حذه ويده ترعد فأكله وقال:
على أني أكلت القلب كرها … وترعد حين مسته بناني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فصل في قدوم الأزد على رسول الله ﷺ
ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة والحافظ أبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن مرثد (٢) بن سويد الأزدي، قال: حدثني أبي عن جدي عن سويد بن الحارث. قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله ﷺ فلما دخلنا عليه وكلمناه فأعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال: ما أنتم؟ قلنا مؤمنون فتبسم رسول الله ﷺ وقال " إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم " قلنا خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا. فقال رسول الله ﷺ : " ما الخمسة التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها؟ " قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: " وما الخمسة التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ " قلنا أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا. فقال: " وما الخمسة التي (٣) تخلقتم بها في الجاهلية؟ ". قالوا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال رسول الله ﷺ : " حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء " ثم قال: " وأنا أزيدكم خمسا فيتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما تسكنون، ولا تنافسوا في شئ أنتم عنه غدا تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما
стр. 1778
عليه تقدمون، وفيه تخلدون ". فانصرف القوم من عند رسول الله ﷺ وحفظوا وصيته وعملوا بها.
ثم ذكر: وفد كندة
وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا عليهم الأشعث بن قيس وأنه أجازهم بعشر أواق وأجاز الأشعث ثنتي عشرة أوقية وقد تقدم.
وفد الصدف (١)
قدموا في بضعة عشر راكبا فصادفوا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر، فجلسوا ولم يسلموا فقال: " أمسلمون أنتم؟ " قالوا: نعم! قال " فهلا سلمتم " فقاموا قياما فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال: " وعليكم السلام، أجلسوا " فجلسوا وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلوات.
وفد خشين
قال: وقدم أبو ثعلبة الخشني ورسول الله يجهز إلى خيبر فشهد معه خيبر، ثم قدم بعد ذلك بضعة (٢) عشر رجلا منهم فأسلموا.
وفد بني سعد
ثم ذكر وفد بني سعد هذيم وبلي وبهراء وبني عذرة وسلامان وجهينة وبني كلب والجرميين. وقد تقدم الحديث عمرو بن سلمة الجرمي في صحيح البخاري.
وذكر: وفد الأزد وغسان والحارث بن كعب وهمدان وسعد العشيرة وقيس (٣)، ووفد الداريين والرهاووين، وبني عامر والمسجع وبجيلة وخثعم وحضرموت. وذكر فيهم وائل بن حجر وذكر فيهم الملوك الأربعة حميدا ومخوسا ومشرجا وأبضعه (٤). وقد ورد في مسند أحمد لعنهم مع أختهم العمردة (٥) وتكلم الواقدي كلاما فيه طول.
стр. 1779
وذكر وفد أزد عمان وغافق وبارق وثمالة والحدار (١) وأسلم وجذام ومهرة وحمير ونجران وحيسان (٢). وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جدا، وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك وفيما أوردناه كفاية والله أعلم. ثم قال الواقدي.
وفد السباع
حدثني شعيب بن عبادة عن المطلب بن عبد الله بن حنظب قال: بينا رسول الله ﷺ جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى. فقال رسول الله ﷺ : " هذا وافد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره وإن أحببتم تركتموه وتحذرتم منه فما أخذ فهو رزقه ". قالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشئ، فأومأ إليه النبي ﷺ بأصابعه الثلاث: أي خالسهم فولى وله عسلان. وهذا مرسل من هذا الوجه ويشبه هذا الذئب الذئب الذي ذكر في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا القاسم بن الفضل الحداني (٣)، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري. قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعي، فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه فقال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الانس. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد رسول الله ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه، حتى دخل المدينة فزاواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للأعرابي: أخبرهم، فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ " صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس وتكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده " (٤). وقد رواه الترمذي عن سفيان بن وكيع بن الجراح، عن أبيه عن القاسم بن الفضل به، وقال حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي.
قلت: وقد رواه الإمام أحمد أيضا: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب هو ابن أبي حمزة حدثني عبد الله بن أبي الحسين، حدثني مهران، أنبأنا أبو سعيد الخدري حدثه، فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق. ثم رواه أحمد: حدثنا أبو النضر، ثنا عبد الحميد بن بهرام، ثنا شهر،
стр. 1780
قال: وحدث أبو سعيد فذكره وهذا السياق أشبه والله أعلم وهو إسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه (١).
فصل
وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة، وقد تقصينا الكلام في ذلك عند قوله تعالى في سورة الأحقاف … (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) … فذكرنا ما ورد من الأحاديث في ذلك والآثار وأوردنا حديث سواد بن قارب الذي كان كاهنا فأسلم. وما رواه عن رئيه الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم [الرئي] (٢) حين قال له:
عجبت للجن وانجاسها … وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمن الجن كأرجاسها
فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها
ثم قوله:
عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس باقتابها
تهوي إلى مكة تبغى الهدى … ليس قدامها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى بابها
عجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها
ثم قوله:
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس ذوو الشر كأخيارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم … ما مؤمنوا الجن ككفارها
وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة وقد قررنا ذلك هنالك بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق.
وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي هاهنا حديثا غريبا جدا بل منكرا أو موضوعا ولكن مخرجه عزيز أحببنا أن نورده كما أورده والعجب منه فإنه قال في دلائل النبوة (٣): باب [ما روي في] قدوم هامة بن هيم (٤) بن لاقيس بن إبليس على النبي ﷺ وإسلامه. أخبرنا أبو الحسين (٥) محمد بن الحسين بن داود العلوي ﵀ أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل القاري المروزي، ثنا
стр. 1781
عبد الله بن حماد الآملي، ثنا محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي، عن نافع عن ابن عمر. قال: قال عمر ﵁: بينا نحن قعود مع النبي ﷺ على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصا، فسلم على النبي ﷺ فرد [عليه¬ السلام] ثم قال: " نغمة جن وغمغمتهم من أنت؟ " قال أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس. فقال النبي ﷺ : " فما بينك وبين إبليس إلا أبوان، فكم أتى لك من الدهر " قال: قد أفنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ليالي قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام أفهم الكلام، وأمر بالآكام، وآمر بافساد الطعام، وقطيعة الأرحام. فقال رسول الله ﷺ : " بئس عمل الشيخ المتوسم، والشباب المتلوم " قال ذرني من الترداد إني تائب إلى الله ، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني، وقال: لا جرم إني على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قال: قلت: يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم فهل تجد لي عندك توبة؟ قال: يا هام هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة، إني قرأت فيما أنزل الله علي أنه ليس من عبد تاب إلى الله بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه، قم فتوضأ وأسجد لله سجدتين. قال: ففعلت من ساعتي ما أمرني به. فناداني: أرفع رأسك فقد نزلت توبتك من السماء فخررت لله ساجدا، قال: وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني، فقال: لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، قال: وكنت مع صالح في مسجده، مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني وقال: أنا على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وكنت أزور يعقوب، وكنت مع يوسف في المكان الأمين، ومنت ألقى الياس في الأودية وأنا ألقاه الآن، وإني لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة وقال: إن لقيت عيسى ابن مريم فأقره مني السلام. وإني لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته عن موسى السلام، وإن عيسى قال: إن لقيت محمدا ﷺ فأقرئه مني السلام، فأرسل رسول الله ﷺ عينيه فبكى ثم قال: وعلى عيسى السلام، ما دامت الدنيا، وعليك السلام يا هام بأدائك الأمانة. قال: يا رسول الله افعل بي ما فعل موسى إنه علمني من التوراة، قال: فعلمه رسول الله ﷺ إذا وقعت الواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وقال: " ارفع إلينا حاجتك يا هامة، ولا تدع زيارتنا ". قال عمر: فقبض رسول الله ﷺ ولم يعد إلينا فلا ندري الآن أحي هو أم ميت؟ ثم قال البيهقي: ابن أبي معشر هذا قد روى عنه الكبار إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه. وقد روي هذا الحديث من وجه آخر هو أقوى منه والله أعلم (١).
стр. 1782
سنة عشر من الهجرة
باب بعث رسول الله خالد بن الوليد
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام، قبل أن يقاتلهم، ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الاسلام ويقولون: أيها الناس: أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه ﷺ كما أمره رسول الله إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبي رسول الله من خالد بن الوليد: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الاسلام، فإن أسلموا [أقمت بهم و] (١) قبلت منهم، وعلمتهم معالم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الاسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول، وبعثت فيهم ركبانا: [قالوا] (٢) يا بني الحارث أسلموا تسلموا فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه وأعلمهم معالم الاسلام وسنة النبي ﷺ ، حتى يكتب إلي رسول الله ﷺ والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فكتب إليه رسول الله ﷺ : " بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الاسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم، وأقبل، وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ". فأقبل خالد إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد (٣) الزيادي، وشداد بن عبيد (٤) الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي (٥). فلما قدموا على رسول الله ﷺ
стр. 1783
ورآهم. قال من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول الله هؤلاء بنو الحارث بن كعب، فلما وقفوا على رسول الله ﷺ سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. ثم قال: " أنتم الذين إذا زجروا استقدموا " فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية ثم الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة. قال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله! نحن الذين إذا زجروا استقدموا قالها أربع مرات. فقال رسول الله ﷺ : " لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا، لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم ". فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا. قال فمن حمدتم؟ قالوا حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : صدقتم. ثم قال: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: لم نك نغلب أحدا، قال بلى، كنتم تغلبون من قاتلكم. قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم قال: " صدقتم " ثم أمر عليهم قيس بن الحصين.
قال ابن إسحاق: ثم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال أو في صدر ذي القعدة، قال: ثم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الاسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتاب عهد إليه فيه عهده وأمره أمره، ثم أورده ابن إسحاق وقد قدمناه في وفد ملوك حمير (١) من طريق البيهقي وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن إسحاق بغير إسناد.
بعث رسول الله ﷺ الامراء إلى أهل اليمن
قال البخاري: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع. حدثنا موسى، ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك، عن أبي بردة قال: بعث النبي ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا " وفي رواية: وتطاوعا ولا تختلفا وانطلق كل واحد منهما إلى عمله، قال: وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا [فسلم عليه] (٢) فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، فإذا هو جالس وقد اجتمع الناس إليه، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ يا عبد الله بن قيس أيم هذا قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جئ به لذلك، فأنزل، قال: ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل ثم نزل. فقال: يا عبد الله كيف تقرأ
стр. 1784
القرآن؟ قال: أتفوقه (١) تفوقا قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فاقرأ ما كتبت الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (٢). انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. ثم قال البخاري: ثنا إسحاق، ثنا خالد، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري. أن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال ما هي؟ قال: البتع والمزر فقلت لأبي بردة: ما البتع؟ قال نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير. فقال: " كل مسكر حرام " رواه جرير وعبد الواحد عن الشيباني عن أبي بردة (٣). ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبي بردة.
وقال البخاري: حدثنا حبان، أنبأنا عبد الله، عن زكريا بن أبي إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فان هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فان هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " (٤). وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق متعددة. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني، عن معاذ بن جبل. قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب، ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﷺ ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال: " إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا " ثم رواه عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني: أن معاذ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال يا معاذ " إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري " فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﷺ فقال " لا تبك يا معاذ، للبكاء أوان، البكاء من الشيطان " (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني أبو زياد يحيى بن
стр. 1785
عبيد الغساني، عن يزيد بن قطيب، عن معاذ أنه كان يقول: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال: " لعلك أن تمر بقبري ومسجدي فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين، فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يفيئون إلى الاسلام حتى تبادر المرأة زوجها والولد والده والأخ أخاه، فأنزل بين الحيين السكون والسكاسك ".
وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وإيماء إلى أن معاذا ﵁، لا يجتمع بالنبي ﷺ بعد ذلك، وكذلك وقع فإنه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاته ﵇ بعد أحد وثمانين يوما من يوم الحج الأكبر. فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان، عن معاذ أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك قال: " لو كنت آمر بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " وقد رواه أحمد، عن ابن نمير عن الأعمش: سمعت أبا ظبيان يحدث عن رجل من الأنصار عن معاذ بن جبل قال: أقبل معاذ من اليمن فقال: يا رسول الله إني رأيت رجالا. فذكر معناه. فقصد دار على رجل منهم ومثله لا يحتج به ولا سيما وقد خالفه غيره ممن يعتد به فقالوا: لما قدم معاذ من الشام كذلك رواه أحمد ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل. قال: قال رسول الله ﷺ : " مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله " وقال أحمد: ثنا وكيع، وثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ. أن رسول الله ﷺ قال يا معاذ اتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " قال وكيع وجدته في كتابي، عن أبي ذر: وهو السماع الأول، وقال سفيان مرة عن معاذ ثم قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن ليث، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ. أنه قال: يا رسول الله أوصني، فقال: " اتق الله حيثما كنت، قال: زدني قال اتبع السيئة الحسنة تمحها، قال: زدني، قال: خالف الناس بخلق حسن ". وقد رواه الترمذي في جامعه: عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان الثوري به وقال: حسن. قال شيخنا في الأطراف وتابعه فضيل بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن الأعمش عن حبيب به. وقال أحمد: ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن معاذ بن جبل. قال: أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات قال: " لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن [والديك] (١) وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية يحل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك
стр. 1786
الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فأثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأحبهم في الله " وقال الإمام أحمد: ثنا يونس، ثنا بقية، عن السري بن ينعم، عن شريح، عن مسروق عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن. قال: " إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين " وقال أحمد: ثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا أبو بكر - يعني ابن عياش - ثنا عاصم، عن أبي وائل عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عد له من المعافر، وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا وأمرني فيما سقت السماء العشر، وما سقى بالدوالي نصف العشر " وقد رواه أبو داود من حديث أبي معاوية والنسائي من حديث محمد بن إسحاق عن الأعمش كذلك.
وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ وقال أحمد: ثنا معاوية عن عمرو وهارون بن معروف قالا: ثنا عبد الله بن وهب عن حياة عن يزيد بن أبي حبيب، عن سلمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم. أن معاذا قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا قال هارون - والتبيع الجذع أو جذعة - ومن كل أربعين مسنة، فعرضوا على أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك. وقلت لهم: أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقدمت فأخبرت النبي ﷺ فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسننات أو أربعة أتباع، قال: وأمرني رسول الله ﷺ أن لا أخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذع وزعم أن الأوقاص (١) لا فريضة فيها. وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله ﷺ والصحيح إنه لم ير النبي ﷺ بعد ذلك كما تقدم في الحديث. وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن أبي بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى كان عليه دين أغلق ماله فكلم رسول الله في أن يكلم غرماءه ففعل. فلم يضعوا له شيئا، فلو ترك لاحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله ﷺ قال: فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه. قال: فقام معاذ ولا مال له، قال: فلما حج رسول الله بعث معاذا إلى اليمن قال: فكان أول من تجر في هذا المال معاذ، قال: فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله ﷺ فجاء عمر؟ فقال: هل لك أن تطيعني، فتدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله، قال فقال معاذ: لم أدفعه إليه وإنما بعثني رسول الله ليجيرني، فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر فقال: أرسل إلى
стр. 1787
هذا الرجل فخذ منه ودع له. فقال أبو بكر: ما كنت لافعل، وإنما بعثه رسول الله ليجيره، فلست آخذ منه شيئا. قال: فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر فقال: ما أرى إلا فاعل الذي قلت، إني رأيتني البارحة في النوم - فيما يحسب عبد الرزاق قال - أجر إلى النار وأنت آخذ بحجزتي، قال: فانطلق إلى أبي أبكر بكل شئ جاء به حتى جاءه بسوطه وحلف له أنه لم يكتمه شيئا. قال: فقال أبو بكر ﵁: هو لك لا آخذ منه شيئا (١). وقد رواه أبو ثور (٢) عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك فذكره إلا أنه قال: حتى إذا كان عام فتح مكة، بعثه رسول الله ﷺ على طائفة من اليمن أميرا، فمكث حتى قبض رسول الله، ثم قدم في خلافة أبي بكر، وخرج إلى الشام. قال البيهقي: وقد قدمنا أن رسول الله ﷺ استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم أهلها، وأنه شهد غزوة تبوك، فالأشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك والله أعلم، ثم ذكر البيهقي لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فأتى بهم أبا بكر، فلما رد الجميع عليه رجع بهم، ثم قام يصلي، فقاموا كلهم يصلون معه فلما انصرف. قال لمن صليتم.؟ قالوا: لله قال: فأنتم له عتقاء فأعتقهم (٣). وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ: أن رسول الله ﷺ حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: اجتهد وإني لا آلو. قال فضرب رسول الله صدري ثم قال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله " (٤). وقد رواه أحمد: عن وكيع، عن عفان، عن شعبة باسناده ولفظه. وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث شعبة به وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقد رواه ابن ماجة من وجه آخر عنه إلا أنه من طريق محمد بن سعد بن حسان - وهو المصلوب أحد الكذابين - عن عياذ بن بشر، عن عبد الرحمن، عن معاذ به نحوه، وقد روى الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، ويحيى بن سعيد، عن شعبة عن عمرو بن أبي حكيم عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن معمر، عن أبي الأسود الدئلي. قال: كان معاذ باليمن
стр. 1788
فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخا مسلما. فقال معاذ: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الاسلام يزيد ولا ينقص " فورثه. ورواه أبو داود: من حديث ابن بريدة به. وقد حكى هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان، ورواه عن يحيى بن معمر القاضي، وطائفة من السلف وإليه ذهب إسحاق بن راهويه وخالفهم الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم محتجين بما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " والمقصود أن معاذ ﵁ كان قاضيا للنبي ﷺ باليمن وحاكما في الحروب ومصدقا إليه تدفع الصدقات كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم، وقد كان بارزا للناس يصلي بهم الصلوات الخمس كما قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: … (واتخذ الله إبراهيم خليلا) … فقال رجل من القوم: لقد قرت عين إبراهيم (١). انفرد به البخاري. ثم قال البخاري:
باب (٢) بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع
حدثنا أحمد بن عثمان، ثنا شريح بن مسلمة، ثنا إبراهيم بن يوسف [بن إسحاق] بن أبي إسحاق، حدثني أبي، عن أبي إسحاق سمعت البراء بن عازب قال: بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل فكنت فيمن عقب معه قال: فغنمت أواقي ذات عدد انفرد به البخاري من هذا الوجه ثم قال البخاري حدثنا محمد بن بشار، ثنا روح بن عبادة، ثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال بعث النبي ﷺ عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا فأصبح وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له فقال: " يا بريدة [أ] تبغض عليا؟ فقلت: نعم فقال: " لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك " (٣). انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الجليل قال انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة فقال عبد الله بن بريدة: حدثني أبو بريدة قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط، قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا قال فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا قال فأصبنا سبيا قال فكتب إلى رسول الله ﷺ أبعث إلينا من يخمسه قال فبعث إلينا عليا وفي السبي وصيفة من أفضل السبي. قال: فخمس وقسم فخرج
стр. 1789
ورأسه يقطر فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسمت، وخمست فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي ﷺ ثم صارت في آل علي ووقعت بها، قال، فكتب الرجل إلى نبي الله ﷺ فقلت أبعثني فبعثني مصدقا فجعلت أقرأ الكتاب وأقوله صدق قال: فأمسك يدي والكتاب فقال: " أتبغض عليا " قال: قلت نعم؟ قال " فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة " قال: فما كان من الناس أحد بعد قول النبي ﷺ أحب إلي من علي. قال عبد الله بن بريدة فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي ﷺ في هذا الحديث غير أبي بريدة (١). تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري وثقه ابن معين وابن حبان. وقال البخاري: إنما يهم في الشئ وقال محمد بن إسحاق: ثنا أبان بن صالح، عن عبد الله بن نيار الأسلمي عن خاله عمرو بن شاس الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية. قال: كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن فجفاني علي بعض الجفاء. فوجدت في نفسي عليه فلما قدمت المدينة، اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته، فأقبلت يوما ورسوله الله جالس في المسجد، فلما رآني أنظر إلى عينيه نظر إلي حتى جلست إليه فلما جلست إليه قال: " إنه والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني " فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله والاسلام أن أوذي رسول الله. فقال: " من آذى عليا فقد آذاني " وقد رواه البيهقي من وجه آخر: عن ابن إسحاق عن أبان بن [صالح، عن] الفضل بن معقل بن سنان عن عبد الله بن نيار عن خاله عمرو بن شاس فذكره بمعناه (٢). وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو إسحاق (٣) المولى ثنا عبيدة بن أبي السفر: سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق عن البراء: أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الاسلام فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدا، إلا رجلا كان ممن [يمم] مع خالد، فأحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، ثم تقدم فصلى بنا علي ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: " السلام على همدان السلام على همدان ". قال البيهقي: رواه البخاري مختصرا من وجه
стр. 1790
آخر عن إبراهيم بن يوسف (١). وقال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين [محمد بن الحسين] محمد بن الفضل القطان، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان، [حدثنا أبو إسحاق: إسماعيل بن إسحاق القاضي] ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري. أنه قال: بعث رسول الله علي بن أبي طالب إلى اليمن. قال أبو سعيد، فكنت فيمن خرج معه، فلما أخذ من إبل الصدقة، سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا - وكنا قد رأينا في إبلنا خللا - فأبى علينا، وقال: إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين. قال، فلما فرغ علي وانطفق من اليمن راجعا، أمر علينا إنسانا وأسرع هو وأدرك الحج، فلما قضى حجته، قال له النبي ﷺ . " ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم " قال أبو سعيد: وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا إياه ففعل، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت، ورأى أثر الركب، قدم الذي أمره ولامه. فقلت: أما أن الله علي لئن قدمت المدينة لأذكرن لرسول الله، ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق. قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله ﷺ أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه، فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله ﷺ فلما رآني وقف معي، ورحب بي وساءلني وساءلته. وقال متى قدمت؟ فقلت: قدمت البارحة، فرجع معي إلى رسول الله ﷺ فدخل، وقال هذا سعد بن مالك بن الشهيد. فقال: ائذن له فدخلت، فحييت رسول الله وحياني، وأقبل علي وسألني عن نفسي وأهلي وأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فاتئد رسول الله وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه، حتى إذا كنت في وسط كلامي، ضرب رسول الله على فخذي، وكنت منه قريبا وقال: " يا سعد بن مالك ابن الشهيد: مه، بعض قولك لأخيك علي، فوالله لقد علمت أنه أحسن في سبيل الله ". قال: فقلت في نفسي ثكلتك أمك سعد بن مالك - ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم، ولا أدري لا جرم والله لا أذكره بسوء أبدا سرا ولا علانية. وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة (٢). وقد قال يونس: عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي عمر (٣)، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال إنما وجد جيش علي بن [أبي] طالب الذين كانوا معه باليمن، لأنهم حين أقبلوا خلف عليهم رجلا، وتعجل إلى رسول الله ﷺ قال: فعمد الرجل فكسى كل رجل حلة، فلما دنوا خرج عليهم علي يستلقيهم فإذا عليهم الحلل. قال علي: ما هذا؟ قالوا: كسانا فلان: قال: فما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء فنزع الحلل منهم، فلما قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك، وكانوا قد صالحوا رسول الله، وإنما