لقيت أنس بن مالك وحدثني إسماعيل بن أبان، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز قال: خرجت إلى منى يوم التروية، فلقيت أنسا ذاهبا على حمار فقلت: أين صلى النبي ﷺ هذا اليوم الظهر؟ فقال أنظر حيث يصلي أمراؤك فصل. وقال أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا أبو كدينة، عن الأعمش، عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ صلى خمس صلوات بمنى. وقال أحمد أيضا: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو محياة يحيى بن يعلى التيمي، عن الأعمش، عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس. أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم التروية بمنى، وصلى الغداة يوم عرفة بها. وقد رواه أبو داود عن زهير بن حرب، عن أحوص، عن جواب، عن عمار بن زريق، عن سليمان بن مهران الأعمش به. ولفظه: صلى رسول الله ﷺ الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى. وأخرجه الترمذي عن الأشج، عن عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش بمعناه. وقال ليس هذا مما عده شعبة فيما سمعه الحكم عن مقسم. وقال الترمذي: ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عبد الله بن الأجلح، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: صلى بنا رسول الله بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم غدا إلى عرفات. ثم قال: وإسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه. وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك. وقال الإمام أحمد (١) عمن رأى النبي ﷺ أنه راح إلى منى يوم التروية وإلى جانبه بلال بيده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله ﷺ يعني من الحر - تفرد به أحمد. وقد نص الشافعي على أنه ﵇ ركب من الأبطح إلى منى بعد الزوال، ولكنه إنما صلى الظهر بمنى فقد يستدل له بهذا الحديث. والله أعلم. وتقدم في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس. وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل.
стр. 1857
وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس، اللهم أشهد اللهم اشهد اللهم اشهد. ثلاث مرات. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا علي بن حجر، عن مغيرة، عن موسى بن زياد بن حذيم بن عمرو السعدي، عن أبيه عن جده. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا كحرمة شهركم هذا كحرمة بلدكم هذا. وقال أبو داود: باب الخطبة على المنبر بعرفة. حدثنا هناد، عن ابن أبي زائدة، ثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أو عمه. قال رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر بعرفة. وهذا الاسناد ضعيف. لان فيه رجلا مبهما ثم تقدم في حديث جابر الطويل أنه ﵇ خطب على ناقته القصواء. ثم قال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا عبد الله بن داود، عن سلمة بن نبيط، عن جل من الحي عن أبيه نبيط: أنه رأى رسول الله ﷺ واقفا بعرفة على بعير أحمر يخطب. وهذا فيه مبهم أيضا. ولكن حديث جابر شاهد له. ثم قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري، وعثمان بن أبي شيبة. قالا: ثنا وكيع عن عبد المجيد بن أبي عمرو. قال حدثني العداء بن خالد بن هوذة. وقال هناد عن عبد المجيد، حدثني خالد بن العداء بن هوذة قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائما في الركابين. قال أبو داود: رواه ابن العلاء عن وكيع كما قال هناد. وحدثنا عباس بن عبد العظيم، ثنا عثمان بن عمر، ثنا عبد المجيد أبو عمرو، عن العداء بن خالد بمعناه. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل للمحرم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف. قال [يقول له] (١) رسول الله ﷺ قل أيها الناس إن رسول الله يقول: هل تدرون أي شهر هذا؟ فيقولون: الشهر الحرام، فيقول: قل لهم إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا. ثم يقول قل: أيها الناس إن رسول الله يقول هل تدرون أي بلد هذا؟. وذكر تمام الحديث. وقال محمد بن إسحاق: حدثني ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة قال: بعثني عتاب بن أسيد إلى رسول الله ﷺ وهو
стр. 1858
واقف بعرفة في حاجة فبلغته ثم وقفت تحت ناقته وإن لعابها (١) ليقع على رأسي فسمعته يقول: أيها الناس إن الله أدى إلى كل ذي حق حقه، وإنه لا تجوز وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا (٢).
وراه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة به. وقال الترمذي: حسن صحيح قلت وفيه اختلاف على قتادة والله أعلم. وسنذكر الخطبة التي خطبها ﵇ بعد هذه الخطبة يوم النحر وما فيها من الحكم والمواعظ والتفاصيل والآداب النبوية إن شاء الله. قال البخاري (٣): باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة: حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك - وهما غاديان من منى إلى عرفة - كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه. وأخرجه مسلم من حديث مالك وموسى بن عقبة كلاهما عن محمد بن أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي الحجازي عن أنس به. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج بن يوسف (٤) أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر وأنا معه حين زاغت الشمس - أو زالت الشمس - فصالح عند فسطاطه: أين هذا؟ فخرج إليه. فقال أين عمر الرواح. فقال: الآن؟ قال: نعم! فقال: أنظرني حتى أفيض علي ماء. فنزل ابن عمر حتى خرج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فأقصر الخطبة وعجل الوقوف فقال ابن عمر: صدق. ورواه البخاري أيضا عن القعنبي عن مالك. وأخرجه النسائي من حديث أشهب وابن وهب عن مالك. ثم قال البخاري بعد روايته هذا الحديث: وقال الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب عن سالم: أن الحجاج عام نزل بابن الزبير، سأل عبد الله: كيف تصنع في هذا الموقف؟ فقال: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة (٥) يوم عرفة. فقال ابن عمر: صدق، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ فقال: هل تبتغون بذلك إلا سنة (٦). وقال أبو داود: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا يعقوب، ثنا أبي
стр. 1859
عوف عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ غدا من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة، فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجرا فجمع بين الظهر والعصر. وهكذا ذكر جابر في حديثه بعد ما أورد الخطبة المتقدمة قال: ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. وهذا يقتضي أنه ﵇ خطب أولا ثم أقيمت الصلاة ولم يتعرض للخطبة الثانية. وقد قال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن أبيه وعن جابر في حجة الوداع. قال: فراح النبي ﷺ إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الاذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. قال البيهقي تفرد به إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. قال مسلم: عن جابر ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة. وقال البخاري: ثنا يحيى بن سليمان، عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير عن كريب عن ميمونة: أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون وأخرجه مسلم عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب به. وقال البخاري: أنبأنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عمير مولى ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فيشربه. ورواه مسلم من حديث مالك أيضا. وأخرجاه من طرق أخر عن أبي النضر به. قلت أم الفضل هي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وقصتهما واحدة والله أعلم. وصح إسناد الارسال إليها لأنه من عندها اللهم إلا أن يكون بعد ذلك أو تعدد الارسال من هذه ومن هذه. والله أعلم. وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب قال: لا أدري أسمعته من سعيد بن جبير أم عن بنيه عنه. قال: أتيت على ابن عباس وهو بعرفة وهو يأكل رمانا. وقال: أفطر رسول الله ﷺ بعرفة وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه. وقال أحمد: ثنا وكيع، ثنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التؤمة عن ابن عباس: أنهم تماروا في صوم النبي ﷺ يوم عرفة فأرسلت أم فضل إلى رسول الله بلبن فشربه. وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق وأبو بكر قالا: أنبأنا ابن جريج قال: قال عطاء: دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس إلى الطعام يوم عرفة، فقال: إني صائم، فقال عبد الله: لا تصم فإن رسول الله قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه، فلا تصم فإن الناس مستنون بكم. وقال ابن بكير وروح: إن الناس يستنون بكم. وقال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينا رجل واقف مع النبي ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال فأوقصته فقال النبي ﷺ اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين
стр. 1860
ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا. ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد. وقال النسائي: أنبأنا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، أخبرنا وكيع، أنبأنا سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: شهدت رسول الله ﷺ بعرفة وأتاه أناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال رسول الله ﷺ (الحج عرفة) فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه. وقد رواه بقية أصحاب السنن من حديث سفيان الثوري. زاد النسائي وشعبة عن بكير بن عطاء به، وقال النسائي: أنبأنا قتيبة، أنبأنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني عمرو بن عبد الله بن صفوان أن يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفا بعرفة مكانا بعيدا من الموقف، فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال: إني رسول رسول الله إليكم يقول لكم: كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار. وابن مربع اسمه زيد بن مربع الأنصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد. وقال وفي الباب عن علي وعائشة وجبير بن معطم والشريد بن سويد: وقد تقدم من رواية مسلم: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف. زاد مالك في موطئه: وارفعوا عن بطن عرفة.
فصل
فيما حفظ من دعائه ﵇ وهو واقف بعرفة: قد تقدم أنه ﵇ أفطر يوم عرفة فدل على أن الافطار هناك أفضل من الصيام، لما فيه من التقوى على الدعاء لأنه المقصود الأهم هناك، ولهذا وقف ﵇ وهو راكب على الراحلة من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس. وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده: عن حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا حوشب بن عقيل، حدثني مهدي المحاربي، حدثني عكرمة مولى ابن عباس قال: دخلت على أبي هريرة في بيته فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات فقال: نهى رسول الله ﷺ عن صوم عرفة بعرفات. وقال عبد الرحمن مرة عن مهدي العبدي: وكذلك رواه أحمد: عن وكيع، عن حوشب، عن مهدي العبدي فذكره، وقد رواه أبو داود عن سليمان بن ح حرب عن حوشب. والنسائي عن سليمان بن معبد عن سليمان بن حرب به. وعن الفلاس عن ابن مهدي به. وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن حوشب. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو أسامة الكلبي، ثنا حسن بن الربيع، ثنا الحارث بن عبيد، عن حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة عن ابن عباس قال: نهى النبي ﷺ
стр. 1861
عن صوم يوم عرفة بعرفة. قال البيهقي: كذا قال الحارث بن عبيد، والمحفوظ عن عكرمة عن أبي هريرة. وروى أبو حاتم محمد بن حبان البستي في صحيحه: عن عبد الله بن عمرو أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: حججت مع رسول الله فلم يصمه ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه وأنا فلا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه. قال الامام مالك: عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عباس عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله ﷺ قال: أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له. قال البيهقي هذا مرسل. وقد روي عن مالك باسناد آخر موصولا وإسناده ضعيف. وقد روى الإمام أحمد والترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. أن رسول الله ﷺ قال: أفضل الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. وللامام أحمد أيضا: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. وقال أبو عبد الله بن منده. أنبأنا أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري، ثنا أحمد بن داود بن جابر الأحمسي، ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، ثنا فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع عن ابن عمر. قال قال رسول الله ﷺ : دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. وقال الإمام أحمد: ثنا يزيد يعني ابن عبد ربه الجرجسي، ثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، عن أبي سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى، مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية … (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) … [آل عمران: ١٨] وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في مناسكه: ثنا الحسن بن مثنى بن معاذ العنبري، ثنا عفان بن مسلم، ثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة عن علي قال: قال رسول الله ﷺ أفضل ما قلت أنا والأنبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. وقال الترمذي في الدعوات: ثنا محمد بن حاتم المؤدب، ثنا علي بن ثابت، ثنا قيس بن الربيع، وكان من بني أسد، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين عن علي ﵁ قال: كان أكثر ما دعا به رسول الله ﷺ يوم عرفة في الموقف: اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخير مما نقول اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ولك رب تراثي، أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الامر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح. ثم قال: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي. وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ إن أكثر دعاء من كان قبلي ودعائي يوم عرفة أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. اللهم اجعل في بصري نورا وفي سمعي نورا، وفي قلبي نورا.
стр. 1862
اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري. اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الامر، وشر فتنة القبر، وشر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار وشر ما تهب به الرياح وشر بوائق الدهر. ثم قال: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وأخوه عبد الله لم يدرك عليا: وقال الطبراني في مناسكه: حدثنا يحيى بن عثمان النصري، ثنا يحيى بن بكير، ثنا يحيى بن صالح الأيلي، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: كان فيما دعا به رسول الله ﷺ في حجة الوداع: اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شئ من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير: من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده ورغم لك أنفه. اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم: أنبأنا عبد الملك ثنا عطاء. قال قال أسامة بن زيد: كنت رديف النبي ﷺ بعرفات فرفع يديه: يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها قال: فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى. وهكذا رواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم، وقال الحافظ البيهقي. أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا علي بن الحسن، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، ثنا ابن جريج، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عبد القاهر بن السري، حدثني ابن كنانة بن العباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا عشية عرفة لامته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله إليه إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها، فقال: يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه الله تعالى إني قد غفرت لهم. فتبسم رسول الله ﷺ فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها. قال: تبسمت من عدو الله إبليس إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه. ورواه أبو داود السجستاني في سننه: عن عيسى بن إبراهيم البركي وأبي الوليد الطيالسي كلاهما عن عبد القاهر بن السري، عن كنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جده مختصرا. ورواه ابن ماجة عن أيوب بن محمد الهاشمي بن عبد القاهر بن السري، عن عبد الله بن كنانة بن عباس، عن أبيه عن جده به مطولا: ورواه ابن جرير: في تفسيره عن إسماعيل بن سيف العجلي، عن عبد القاهر بن السري، عن ابن كنانة يقال له أبو لبابة عن أبيه عن جده العباس بن مرداس فذكره. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عمن سمع قتادة يقول: ثنا جلاس بن
стр. 1863
عمرو، عن عبادة بن الصامت. قال قال رسول الله ﷺ يوم عرفة: أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم، فغفر لكم إلا التبعات (١) فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم. وأعطى محسنكم ما سأل. فادفعوا بسم الله. فلما كانوا بجمع. قال: إن الله قد غفر لصالحكم وشفع لصالحيكم في طالحيكم، تنزل الرحمة فتعمهم، ثم تفرق الرحمة (٢) في الأرض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده. وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم، فإذا نزلت الرحمة دعا هو وجنوده بالويل والثبور، كنت أستفزهم حقبا من الدهر (٣) المغفرة فغشيتهم، فيتفرقون يدعون بالويل والثبور.
ذكر ما نزل على رسول الله من الوحي في هذا الموقف
قال الإمام أحمد: ثنا جعفر بن عون، ثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب. قال: جاء من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأي آية هي؟ قال: قوله تعالى: … (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) * [المائدة: ٣] فقال عمر: والله إني لاعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ عشية عرفة في يوم جمعة (٤). ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون. وأخرجه أيضا مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قيس بن مسلم به.
ذكر إفاضته ﵇ من عرفات إلى المشعر الحرام
قال جابر في حديثه الطويل: فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا قليلا، حين غاب القرص فأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق لناقته القصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة! كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا. رواه مسلم. وقال البخاري (٥) باب السير إذا دفع من
стр. 1864
عرفة. حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان النبي ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق (١)، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام - والنص - فوق العنق. ورواه الإمام أحمد وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيد. وقال الإمام أحمد: ثنا يعقوف، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن أسامة بن زيد قال: كنت رديف رسول الله ﷺ عشية عرفة قال: فلما وقعت الشمس دفع رسول الله ﷺ فلما سمع حطمة الناس خلفه. قال: رويدا أيها الناس عليكم السكينة إن البر ليس بالايضاع (٢). قال: فكان رسول الله ﷺ إذا التحم عليه الناس أعنق، وإذا وجد فرجة نص، حتى أتى المزدلفة فجمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة. ثم رواه الإمام أحمد من طريق محمد بن إسحاق حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب عن أسامة بن زيد فذكر مثله. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو كامل، ثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد قال: أفاض رسول الله ﷺ من عرفة وأنا رديفه، فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها (٣) ليكاد يصيب قادمة الرحل. ويقول: يا أيها الناس عليكم السكينة والوقار فإن البر ليس في إيضاع الإبل. وكذا رواه عن عفان عن حماد بن سلمة به ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به. ورواه مسلم عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس عن أسامة بنحوه. قال وقال أسامة: فما زال يسير على هينة حتى أتى جمعا. وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد. أنه ردف رسول الله ﷺ يوم عرفة حتى دخل الشعب ثم أهراق الماء وتوضأ، ثم ركب ولم يصل. وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا همام، عن قتادة، عن عروة، عن الشعبي، عن أسامة بن زيد أنه حدثه. قال: كنت رديف رسول الله ﷺ حين أفاض من عرفات، فلم ترفع راحلته رجلها غادية حتى بلغ جمعا. وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس أخبرني أسامة بن زيد: أن النبي ﷺ أردفه من عرفة فلما أتى الشعب نزل فبال ولم يقل أهراق الماء فصببت عليه فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت: الصلاة؟ فقال: الصلاة أمامك: قال: ثم أتى المزدلفة فصلى المغرب ثم حلوا رحالهم ثم صلى العشاء. كذا رواه الإمام أحمد عن كريب، عن ابن عباس عن أسامة بن زيد فذكر. ورواه النسائي عن الحسين بن حرب (٤)، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة،
стр. 1865
ومحمد بن أبي حرملة كلاهما عن كريب عن ابن عباس عن أسامة. قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه والصحيح كريب عن أسامة. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن موسى بن عقبة عن كريب، عن أسامة بن زيد. أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة فنزل الشعب فبال ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة؟ فقال: الصلاة أمامك. فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل انسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى العشاء، ولم يصل بينهما. وهكذا رواه البخاري أيضا عن القعنبي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، والنسائي عن قتيبة عن مالك عن موسى بن عقبة به. وأخرجاه من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن موسى بن عقبة أيضا. ورواه مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن عقبة، عن كريب كنحو رواية أخيهما موسى بن عقبة عنه. وقال البخاري أيضا: ثنا قتيبة، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة (١)، عن كريب، عن أسامة بن زيد. أنه قال: ردفت رسول الله ﷺ فلما بلغ رسول الله ﷺ الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا. فقلت: الصلاة يا رسول الله؟ قال: الصلاة أمامك، فركب رسول الله ﷺ حتى أتى المزدلفة فصلى ثم ردف الفضل رسول الله ﷺ غداة جمع. قال كريب: فأخبرني عبد الله بن عباس عن الفضل: أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. ورواه مسلم عن قتيبة، ويحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب، وعلي بن حجر أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به. وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع، ثنا عمر بن ذر، عن مجاهد، عن أسامة بن زيد. أن رسول الله أردفه من عرفة. قال فقال الناس: سيخبرنا صاحبنا ما صنع. قال فقال أسامة: لما دفع من عرفة فوقف، كف رأس راحلته حتى أصاب رأسها واسطة الرحل أو كاد يصيبه يشير إلى الناس بيده السكينة السكينة السكينة!! حتى أتى جمعا ثم أردف الفضل بن عباس قال فقال الناس: سيخبرنا صاحبنا بما صنع رسول الله فقال الفضل: لم يزل يسير سيرا لينا كسيره بالأمس، حتى أتى على وادي محسر فدفع فيه حتى استوت به الأرض. وقال البخاري: ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا إبراهيم بن سويد، حدثني عمرو بن أبي عمرو، ومولى المطلب (٢)، أخبرني سعيد بن جبير، مولى والبة الكوفي، حدثني ابن عباس. أنه دفع النبي ﷺ يوم عرفة فسمع النبي ﷺ وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة! فإن البر ليس بالايضاع. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقد تقدم رواية الإمام أحمد ومسلم والنسائي هذا من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد. فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر، ثنا المسعودي، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس. قال: لما أفاض رسول الله من عرفات
стр. 1866
أوضع الناس، فأمر رسول الله مناديا ينادي: أيها الناس ليس البر بايضاع الخيل ولا الركاب. قال: فما رأيت من رافعة يديها غادية حتى نزل جمعا. وقال الإمام أحمد: ثنا حسين وأبو نعيم. قالا: ثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع، قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول: لم ينزل رسول الله ﷺ من عرفات وجمع إلا أريق الماء. وقال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الملك، عن أنس بن سيرين قال: كنت مع ابن عمر بعرفات فلما كان حين راح رحت معه، حتى الامام فصلى معه الأولى والعصر ثم وقف وأنا وأصحاب لي حتى أفاض الامام فأفضنا معه حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين فأناخ وأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة ولكنه ذكر أن النبي ﷺ لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته. وقال البخاري: ثنا موسى، ثنا جويرية، عن نافع. قال: كان عبد الله بن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله ﷺ فيدخل فينتقص ويتوضأ ولا يصلي حتى يجيئ جمعا. تفرد به البخاري ﵀ من هذا الوجه. وقال البخاري: ثنا آدم بن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال: جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ورواه مسلم: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا. ثم قال مسلم: حدثني حرملة، حدثني ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره أن أباه قال: جمع رسول الله بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة فصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لحق بالله. ثم روى مسلم من حديث شعبة عن الحكم وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير. أنه صلى المغرب بجمع والعشاء بإقامة واحدة ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك. وحدث ابن عمر أن رسول الله ﷺ صنع مثل ذلك. ثم رواه من طريق الثوري عن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. قال: جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة. ثم قال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن جبير، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق. قال قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعا فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة ثم انصرف، فقال: هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ في هذا المكان. وقال البخاري: ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، حدثني يحيى بن سعيد، حدثني عدي بن ثابت، حدثني عبد الله بن يزيد الخطمي، حدثني أبو يزيد الأنصاري أن رسول الله ﷺ جمع في حجة الوداع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ورواه البخاري أيضا في المغازي: عن القعنبي عن مالك ومسلم من حديث سليمان بن بلال، والليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عدي بن ثابت. ورواه النسائي أيضا عن الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة عن عدي بن ثابت به.
стр. 1867
ثم قال البخاري (١): باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما. حدثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير بن حرب، ثنا أبو إسحاق سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله (٢) فأتينا المزدلفة حين الاذان بالعتمة أو قريبا من ذلك، فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر رجلا فأذن وأقام. قال عمرو: - لا أعلم الشك إلا من زهير ثم صلى العشاء ركعتين فلما طلع الفجر. قال: إن النبي ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما، صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر. قال: رأيت النبي ﷺ يفعله. وهذا اللفظ وهو قوله والفجر حين يبزغ الفجر أبين وأظهر من الحديث الآخر الذي رواه البخاري عن حفص بن عمر بن غياث عن أبيه عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود. قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلاة الفجر قبل ميقاتها. ورواه مسلم من حديث أبي معاوية وجرير عن الأعمش به. وقال جابر في حديثه: ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. وقد شهد معه هذه الصلاة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي. قال الإمام أحمد: ثنا هشيم، ثنا ابن أبي خالد، وزكريا عن الشعبي أخبرني عروة بن مضرس قال: أتيت النبي ﷺ وهو بجمع فقلت: يا رسول الله جئتك من جبلي طيئ أتعبت نفسي، وأنضيت راحلتي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال: من شهد معنا هذه الصلاة يعني صلاة الفجر بجمع، ووقف معنا حتى يفيض منه، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد نم حجه وقضى تفثه (٣). وقد رواه الإمام أحمد أيضا وأهل السنن الأربعة من طرق عن الشعبي عن عروة بن مضرس. وقال الترمذي: حسن صحيح.
فصل
وقد كان رسول الله ﷺ قدم طائفة من أهله بين يديه من الليل قبل حطمة الناس من المزدلفة إلى منى. قال البخاري (٤): باب من قدم ضعفة أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر. حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب. قال قال سالم: كان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام [بالمزدلفة] (٥). بليل
стр. 1868
فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون (١) قبل أن يقف الامام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإن قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: بعثني رسول الله ﷺ من جمع بليل. وقال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، أخبرني عبد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. وروى مسلم: من حديث ابن جريج، أخبرني عطاء عن ابن عباس. قال: بعث بي رسول الله ﷺ من جمع بسحر مع ثقله. وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان الثوري، ثنا سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني (٢) عن ابن عباس قال: قدمنا رسول الله أغيلمة بني عبد المطلب على حراثنا فجعل يلطح (٣) أفخاذنا بيده ويقول: أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. قال ابن عباس: ما أخال أحدا يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس. وقد رواه أحمد أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري فذكره. وقد رواه أبو داود: عن محمد بن كثير، عن الثوري به. والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري به. وأخرجه ابن ماجة: عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن مسعر، عن سفيان الثوري كلاهما عن سلمة بن كهيل به. وقال أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن عباس. قال: مر بنا رسول الله ليلة النحر وعلينا سواد من الليل، فجعل يضرب أفخاذنا ويقول: أبني أفيضوا لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. ثم رواه الإمام أحمد من حديث المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. قال: قدم رسول الله ﷺ ضعفة أهله من المزدلفة بليل فجعل يوصيهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا الوليد بن عقبة، ثنا حمزة الزيات بن حبيب، عن عطاء عن ابن عباس. قال: كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم - يعني أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس - وكذا رواه النسائي عن محمود بن غيلان، عن بشر بن السري، عن سفيان، عن حبيب. قال: الطبراني وهو ابن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس فخرج حمزة الزيات من عهدته وجاد إسناد الحديث. والله أعلم وقد قال البخاري: ثنا مسدد، عن يحيى عن ابن جريج حدثني عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت يا بني هل غاب القمر؟ قلت لا فصلت ساعة ثم قالت هل غاب القمر؟ قلت: نعم! قالت فارتحلوا فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا فقالت: يا بني
стр. 1869
إن رسول الله ﷺ أذن للظعن. ورواه مسلم من حديث ابن جريج به فإن كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكر هاهنا عن توقيف فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس لان إسناد حديثها أصح من إسناد حديثه، اللهم إلا أن يقال: إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط فلهذا أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الشمس، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لأنهم أثقل حالا وأبلغ في التستر. والله أعلم. وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف فحديث ابن عباس مقدم على فعلها. لكن يقوي الأول قول أبي داود: ثنا محمد بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى، عن ابن جريج أخبرني عطاء، أخبرني مخبر عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل قلت: إن رمينا الجمرة بليل قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي ﷺ . وقال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن (١) محمد، عن عائشة قالت: نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي ﷺ سودة أن تدفع قبل حطمة الناس - وكانت امرأة بطيئة - فآذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا نحن حتى أصبحنا، ثم دفعنا بدفعه، فلان أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به. وأخرجه مسلم عن القعنبي عن أفلح بن حميد به. وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به. وقال أبو داود: ثنا هارون بن عبد الله، ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك - يعني ابن عثمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. أنها قالت أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ قال أبو داود - يعني عندها -. انفرد به أبو داود وهو إسناد جيد قوي رجاله ثقات.
ذكر تلبيته ﵇ بالمزدلفة
قال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا الأحوص، عن حصين عن كثير بن مدرك عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: قال عبد الله ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام، لبيك اللهم لبيك.
فصل
في وقوفه ﵇ بالمشعر الحرام ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس وإيضاعه في وادي محسر
قال الله تعالى … (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) … الآية [البقرة: ١٩٨] وقال جابر في حديثه: فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ودفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وراءه. وقال
стр. 1870
البخاري: ثنا حجاج بن منهال، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق (١). قال سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر صلى بجمع الصبح،، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشرق ثبير، وإن رسول الله ﷺ [خالفهم، ثم] (٢) أفاض قبل أن تطلع الشمس. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: خرجت مع عبد الله إلى مكة ثم قدمنا جمعا فصلى صلاتين: كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما ثم صلى الفجر حين طلع الفجر - قائل يقول: طلع الفجر وقائل يقول: لم يطلع الفجر - ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب [والعشاء] (٣)، فلا تقدم الناس جمعا حتى يعتموا (٤) وصلاة الفجر هذه الساعة. ثم وقف حتى أسفر. ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة. فلا أدري أقوله كان أسرع أو دفع عثمان، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن المسور بن مخرمة. قال: خطبنا رسول الله بعرفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس، حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤسها، هدينا مخالف لهديهم. وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. هدينا مخالف لهديهم. قال ورواه عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو خالد سليمان بن حيان، سمعت الأعمش، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ أفاض من المزدلفة قبل طلوع الشمس. وقال البخاري: ثنا زهير بن حرب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن يونس الأيلي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس. أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى. قال: فكلاهما قال لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ورواه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وروى مسلم: من حديث الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. وكان رديف رسول الله ﷺ أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال: عليكم بحصى الخذف الذي يرمي به الجمرة
стр. 1871
قال: ولم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة. وقال الحافظ البيهقي باب الايضاع في وادي محسر: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو المقري، وأبو بكر الوراق، أنبأنا الحسن بن سفيان، ثنا هشام بن عمار، وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: ثنا حاتم بن إسماعيل، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في حج النبي ﷺ . قال: حتى إذا أتى محسرا، حرك قليلا. رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن شيبة. ثم روى البيهقي: من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير عن جابر. قال: أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار بمثل حصى الخذف وقال: خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا. ثم روى البيهقي: من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي. أن رسول الله ﷺ أفاض من جمع حتى أتى محسرا، فقرع ناقته حتى جاوز الوادي فوقف، ثم أردف الفضل ثم أتى الجمرة فرماها. هكذا رواه مختصرا. وقد قال الإمام أحمد: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ثنا سفيان بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي. قال وقف رسول الله ﷺ بعرفة فقال: إن هذا الموقف وعرفة كلها موقف، وأفاض حين غابت الشمس وأردف أسامة فجعل يعنق على بعيره والناس يضربون يمينا وشمالا لا يلتفت إليهم. ويقول السكينة أيها الناس ثم أتى جمعا فصلى بهم الصلاتين المغرب والعشاء ثم بات حتى أصبح ثم أتى قزح (١) فوقف على قزح فقال: هذا الموقف وجمع كلها موقف. ثم سار حتى أتى محسرا فوقف عليه فقرع دابته فخبت حتى جاز الوادي ثم حبسها، ثم أردف الفضل وسار حتى أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر. فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر. قال واستفتته جارية شابة من خثعم. فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أفند (٢). وقد أدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ عنه أن أودي عنه؟ قال: نعم! فأدي عن أبيك. قال ولوى عنق الفضل فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما. قال: ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر. قال أنحر ولا حرج. ثم أتاه آخر. فقال: يا رسول الله أني أفضت قبل أن أحلق قال: أحلق أو قصر ولا حرج. ثم أتى البيت فطاف ثم أتى زمزم فقال: يا بني عبد المطلب سقايتكم ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت معكم. وقد رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن آدم عن سفيان الثوري. ورواه الترمذي عن بندار عن أبي أحمد الزبيري. وابن ماجة عن علي بن محمد، عن يحيى بن آدم. وقال الترمذي حسن صحيح لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه. قلت وله شواهد من وجوه صحيحة مخرجة في الصحاح وغيرها فمن ذلك قصة الخثعمية وهو في الصحيحين من طريق الفضل وتقدمت في
стр. 1872
حديث جابر وسنذكر من ذلك ما تيسر. وقد حكى البيهقي باسناد عن ابن عباس أنه أنكر الاسراع في وادي محسر. وقال: إنما كان ذلك من الاعراب. قال: والمثبت مقدم على النافي قلت وفي ثبوته عنه نظر. والله أعلم. وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله وصح من صنيع الشيخين أبي بكر وعمر أنهما كانا يفعلان ذلك فروى البيهقي عن الحاكم عن النجاد وغيره. عن أبي علي محمد بن معاذ بن المستهل المعروف بدران عن القعنبي، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة أن عمر كان يوضع ويقول:
إليك تعدوا قلقا وضينها (١) … مخالف دين النصارى دينها
ذكر رميه ﵇ جمرة العقبة وحدها يوم النحر وكيف رماها ومتى رماها ومن أي موضع رماها وبكم رماها وقطعه التلبية حين رماها
قد تقدم من حديث أسامة والفضل وغيرهما من الصحابة ﵃ أجمعين، أنه ﵇ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. وقال البيهقي: أنبأنا الإمام أبو عثمان، أنبأنا أبو طاهر بن خزيمة، أنبأنا جدي - يعني إمام الأئمة - محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا علي بن حجر، ثنا شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل عن عبد الله. قال: رمقت النبي ﷺ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة. وبه عن ابن خزيمة، ثنا عمر بن حفص الشيباني، ثنا حفص بن غياث، ثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس عن الفضل. قال: أفضت مع رسول الله من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. قال البيهقي وهذه زيادة غريبة ليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل وان كان ابن خزيمة قد اختارها. وقال محمد بن إسحاق: حدثني أبان بن صالح عن عكرمة. قال: أفضت مع الحسين بن علي فما أزال أسمعه يلبي حتى رمى جمرة العقبة فلما قذفها أمسك. فقلت ما هذا فقال: رأيت أبي علي بن أبي طالب يلبي حتى رمى جمرة العقبة وأخبرني أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. وتقدم من حديث الليث عن أبي الزبير، عن أبي معبد عن ابن عباس عن أخيه الفضل. أن النبي ﷺ أمر الناس في وادي محسر بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة. رواه مسلم. وقال أبو العالية: عن ابن عباس حدثني الفضل. قال قال لي رسول الله ﷺ غداة يوم النحر: هات فألقط لي حصا فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف فوضعهن في يده فقال: بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. رواه البيهقي وقال جابر في حديثه حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع
стр. 1873
كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي. رواه مسلم. وقال البخاري: وقال جابر ﵁ رمى النبي ﷺ يوم النحر ضحى، ورمى بعدد ذلك بعد الزوال. وهذا الحديث الذي علقه البخاري أسنده مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابرا. قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس. وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: رمى عبد الله من بطن الوادي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يرمونها من فوقها. فقال: والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة لفظ البخاري. وفي لفظ له: من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود: أنه أتى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع. وقال: هكذا أرمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ثم قال البخاري (١): باب من رمى الجمار بسبع يكبر مع كل حصاة قاله ابن عمر عن النبي ﷺ وهذا إنما يعرف في حديث جابر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر كما تقدم أنه أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف. وقد روى البخاري في هذه الترجمة من حديث الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم قال من هاهنا والذي لا إله غير قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابر بن عبد الله. قال: رأيت رسول الله يرمي الجمرة بسبع مثل حصى الخذف. وقال الإمام أحمد، ثنا يحيى بن زكريا، ثنا حجاج، عن الحكم، عن أبي القاسم - يعني مقسما - عن ابن عباس. أن النبي ﷺ رمى الجمرة جمرة العقبة يوم النحر راكبا. ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة: وقال حسن. وأخرجه ابن ماجة: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج بن أرطاة به. وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي من حديث يزيد بن [أبي] (٢) زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه أم جندب الأزدية. قالت: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمار من بطن الوادي وهو راكب، يكبر مع كل حصاة ورجل من خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن عباس فازدحم الناس. فقال النبي ﷺ : يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموه بمثل حصى الخذف. لفظ أبي داود وفي رواية له قالت: رأيته عند جمرة العقبة راكبا ورأيت بين أصابعه حجرا فرمى ورمى الناس ولم يقم عندها. ولابن ماجة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يوم النحر عند جمرة العقبة وهو راكب على بغلة. وذكر الحديث وذكر البغلة هاهنا غريب جدا. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن جريج: أخبرني أبو الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت
стр. 1874
رسول الله ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. وروى مسلم أيضا من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين سمعتها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته يوم النحر وهو يقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. وفي رواية قالت: حججت مع رسول الله حجة الوداع. فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ثنا أيمن بن نابل، ثنا قدامة بن عبد الله الكلابي. أنه رأى رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. ورواه أحمد أيضا: عن وكيع ومعتمر بن سليمان وأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي ثلاثتهم عن أيمن بن نائل به. ورواه أيضا عن أبي قرة عن سفيان الثوري عن أيمن. وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث وكيع به. ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية عن أيمن بن نابل به. وقال هذا حديث حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: ثنا نوح بن ميمون، ثنا عبد الله - يعني العمري - عن نافع، قال: كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا. وزعم أن النبي ﷺ كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا. ورواه أبو داود عن القعنبي عن عبد الله العمري به.
فصل
قال جابر: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غير وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. وسنتكلم على هذا الحديث. وقال الإمام أحمد بن حنبل: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . قال: خطب النبي ﷺ بمنى ونزلهم منازلهم فقال: لينزل المهاجرون هاهنا، وأشار إلى ميمنة القبلة، والأنصار هاهنا، وأشار إلى ميسرة القبلة. ثم لينزل الناس حولهم. قال: وعلمهم مناسكهم ففتحت أسماع أهل منى حتى سمعوه في منازلهم. قال فسمعته يقول: أرموا الجمرة بمثل حصى الخذف وكذا رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل إلى قوله ثم لينزل الناس حولهم. وقد رواه الإمام أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه، وأبو داود: عن مسدد، عن عبد الوارث، وابن ماجة: من حديث ابن المبارك، عن عبد الوارث، عن حميد بن قيس الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كأنا نسمع ما يقول الحديث. ذكر جابر بن
стр. 1875
عبد الله: أن رسول الله ﷺ أشرك علي بن أبي طالب في الهدي وأن جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي جاء به رسول الله ﷺ مائة من الإبل، وأن رسول الله ﷺ نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة. قال ابن حبان وغيره: وذلك مناسب لعمره ﵇ فإنه كان ثلاثا وستين سنة. وقد قال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. قال: نحر رسول الله ﷺ في الحج مائة بدنة نحر منها بيده ستين وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر فأكل منها وحسى من مرقها. قال: ونحر يوم الحديبية سبعين فيها جمل أبي جهل فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. وقد روى ابن ماجة بعضه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، عن وكيع عن سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى به. وقال الإمام أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق حدثني رجل عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس. قال: أهدى رسول الله في حجة الوداع مائة بدنة نحر منها ثلاثين بدنة بيده، ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها. وقال: قسم لحومها وجلودها وجلالها بين الناس، ولا تعطين جزارا منها شيئا وخذ لنا من كل بعير جدية من لحم، واجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها ونحسو من مرقها ففعل. وثبت في الصحيحين: من حديث مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي. قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا وقال: نحن نعطيه من عندنا. وقال أبو داود: ثنا محمد بن حاتم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن عبد الله بن الحارث الأزدي سمعت عرفة بن الحارث الكندي. قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتى بالبدن فقال: أدع لي أبا حسن فدعي له علي. فقال: خذ بأسفل الحربة، وأخذ رسول الله ﷺ بأعلاها ثم طعنا بها البدن، فلما فرغ ركب بغلته وأردف عليا. تفرد به أبو داود وفي إسناده ومتنه غرابة. والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، أنبأنا عبد الله، أنبأنا الحجاج بن أرطاة، عن الحكم عن أبي القسم - يعني مقسما - عن ابن عباس. قال: رمى رسول الله ﷺ جمرة العقبة ثم ذبح ثم حلق. وقد ادعى ابن حزم أنه ضحى عن نسائه بالبقر وأهدى بمنى بقرة وضحى هو بكبشين أملحين.
صفة حلقه رأسه الكريم عليه الصلاة والتسليم
قال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ حلق في حجته. ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - عن عبد الرزاق. وقال البخاري: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب قال: قال نافع: ان عبد الله بن عمر يقول: حلق رسول الله ﷺ في حجته. ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة عن نافع به. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا جويرية بن أسماء، عن نافع أن عبد الله بن عمر. قال: حلق رسول الله ﷺ وطائفة من أصحابه وقصر بعضهم. ورواه مسلم: من حديث
стр. 1876
الليث، عن نافع به وزاد قال عبد الله قال رسول الله ﷺ يرحم الله المحلقين مرة أو مرتين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين. وقال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع وأبو داود الطيالسي، عن يحيى بن الحصين عن جدته: أنها سمعت رسول الله في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة ولم يقل وكيع في حجة الوداع. وهكذا روى هذا الحديث مسلم من حديث مالك وعبيد الله (١) عن نافع، عن ابن عمر وعمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة والعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة. وقال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، ثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن ابن سيرين عن أنس بن مالك. أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قال للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس. وفي رواية أنه حلق شقه الأيمن فقسمه بين الناس من شعرة وشعرتين وأعطى شقه الأيسر لأبي طلحة. وفي رواية له: أنه أعطى الأيمن لأبي طلحة وأعطاه الأيسر وأمره أن يقسمه بين الناس. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن أنس. قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه وقد أطاف به أصحابه ما يريدون أن يقع شعرة إلا في يد رجل. انفرد به أحمد.
فصل
ثم لبس ﵇ ثيابه وتطيب بعد ما رمى جمرة العقبة، ونحر هديه، وقبل أن يطوف بالبيت طيبته عائشة أم المؤمنين. قال البخاري: ثنا علي بن عبد الله بن المديني، ثنا سفيان - هو ابن عيينة - ثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وكان أفضل أهل زمانه. أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه يقول: إنه سمع عائشة تقول طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها. وقال مسلم: ثنا يعقوب الدورقي وأحمد بن منيع قالا: ثنا هشيم، أنبأنا منصور، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة. قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم ويحل يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وروى النسائي من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة عن عائشة. قالت: طيبت رسول الله لحرمه حين أحرم ولحله بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت. وقال الشافعي: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن سالم. قال قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله لحله وإحرامه. ورواه عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن سالم عن عائشة فذكره. وفي الصحيحين من حديث ابن جريج: أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة. أنها قالت: طيبت رسول الله بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والاحرام. ورواه مسلم: من حديث الضحاك بن عثمان، عن أبي الرجال عن أمه عمرة، عن عائشة به.
стр. 1877
وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العوفي، عن ابن عباس. أنه قال، إذا رميتم الجمرة فقد حللتم من كل شئ كان عليكم حراما إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت. فقال رجل: والطيب يا أبا العباس فقال له: إني رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك أفطيب هو أم لا؟ وقال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة، عن عبد الله بن زمعة، عن أبيه وأمه زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: كانت الليلة التي يدور فيها رسول الله ﷺ ليلة النحر فكان رسول الله عندي فدخل وهب بن زمعة، ورجل من آل أبي أمية متقمصين. فقال لهما رسول الله ﷺ : أفضتما؟ قالا: لا. قال: فانزعا قميصيكما فنزعاهما. فقال له وهب: ولم يا رسول الله؟ فقال: هذا يوم أرخص لكم فيه إذا رميتم الجمرة ونحرتم هديا إن كان لكم فقد حللتم من كل شئ حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت فإذا رميتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تطوفوا بالبيت. وهكذا رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين كلاهما عن ابن أبي عدي عن ابن إسحاق فذكره. وأخرجه البيهقي: عن الحاكم عن أبي بكر بن أبي إسحاق، عن أبي المثنى العنبري، عن يحيى بن معين وزاد في آخره. قال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس بنت محصن. قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين، عشية يوم النحر ثم رجعوا إلينا عشيا وقمصهم على أيديهم يحملونها فسألتهم فأخبروها بمثل ما قال رسول الله ﷺ لوهب بن زمعة وصاحبه وهذا الحديث غريب جدا. لا أعلم أحدا من العلماء قال به.
ذكر إفاضته ﷺ إلى البيت العتيق
قال جابر: ثم ركب رسول الله ﷺ [فأفاض] (١) إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم. فقال: أنزعوا بني عبد المطلب فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه. رواه مسلم ففي هذا السياق ما يدل على أنه ﵇ ركب إلى مكة قبل الزوال فطاف بالبيت ثم لما فرغ صلى الظهر هناك. وقال مسلم أيضا: أخبرنا محمد بن نافع، أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وهذا الخلاف حديث جابر وكلاهما عند مسلم، فإن عللنا بهما أمكن أن يقال إنه ﵇ صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه فصلى بهم والله أعلم. ورجوعه ﵇ إلى منى في وقت الظهر ممكن لان ذلك الوقت كان صيفا والنهار طويل وإن كان قد صدر منه ﵇ أفعال كثيرة في صدر هذا النهار فإنه دفع فيه من المزدلفة بعدما أسفر الفجر جدا ولكنه قبل طلوع الشمس، ثم قدم منى فبدأ يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات. ثم جاء فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة ونحر على بقية المائة، ثم أخذت
стр. 1878
من كل بدنة بضعة ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت فأكل من ذلك اللحم وشرب من ذلك المرق. وفي غبون (١) ذلك حلق رأسه ﵇ وتطيب، فلما فرغ من هذا كله ركب إلى البيت وقد خطب ﵇ في هذا اليوم خطبة عظيمة ولست أدري أكانت قبل ذهابه إلى البيت أو بعد رجوعه منه إلى منى. فالله أعلم. والقصد أنه ركب إلى البيت فطاف به سبعة أطواف راكبا ولم يطف بين الصفا والمروة كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر وعائشة ﵄، ثم شرب من ماء زمزم، ومن نبيذ تمر من ماء زمزم. فهذا كله مما يقوي قول من قال: إنه ﵇ صلى الظهر بمكة كما رواه جابر. ويحتمل أنه رجع إلى منى في آخر وقت الظهر فصلى بأصحابه بمنى الظهر أيضا. وهذا هو الذي أشكل على ابن حزم، فلم يدر ما يقول فيه وهو معذور لتعارض الروايات الصحيحة فيه. والله أعلم. وقال أبو داود: ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد المعني. قالا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة. قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة. قال ابن حزم: فهذا جابر وعائشة قد اتفقا على أنه ﵇ صلى الظهر يوم النحر بمكة وهما والله أعلم أضبط لذلك من ابن عمر. كذا قال وليس بشئ فإن رواية عائشة هذه ليست ناصة أنه ﵇ صلى الظهر بمكة، بل محتملة إن كان كان المحفوظ في الرواية: حتى صلى الظهر، وإن كانت الرواية حين صلى الظهر. وهو الأشبه فإن ذلك دليل على أنه ﵇ صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب إلى البيت وهو محتمل والله أعلم. وعلى هذا فيبقى مخالفا لحديث جابر فإن هذا يقتضي أنه صلى الظهر بمنى قبل أن يركب إلى البيت وحديث جابر يقتضي أنه ركب إلى البيت قبل أن يصلي الظهر وصلاها بمكة. وقد قال البخاري: وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس أخر النبي ﷺ يعني طواف الزيارة إلى الليل - وهذا والذي علقه البخاري فقد رواه الناس من حديث يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وفرج بن ميمون، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: أن النبي ﷺ أخر الطواف يوم النحر إلى الليل. ورواه أهل السنن الأربعة من حديث سفيان به. وقال الترمذي حسن. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عمر، أن رسول الله ﷺ زار ليلا. فإن حمل هذا على أنه أخر ذلك إلى ما بعد الزوال كأنه يقول إلى العشي صح ذلك. وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة من أنه ﵇ طاف يوم النحر نهارا، وشرب من سقاية زمزم. وأما الطواف الذي ذهب في الليل إلى البيت بسببه فهو طواف الوداع. ومن الرواة من يعبر عنه بطواف الزيارة كما سنذكره إن شاء الله. أو طواف زيارة محضة قبل طواف الوداع وبعد طواف الصدر الذي هو طواف الفرض. وقد ورد حديث
стр. 1879
سنذكره في موضعه. أن رسول الله كان يزور البيت كل ليله من ليالي منى وهذا بعيد أيضا. والله أعلم. وقد روى الحافظ البيهقي: من حديث عمرو بن قيس، عن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله ﷺ مع نسائه ليلا. وهذا حديث غريب جدا أيضا. وهذا قول طاوس وعروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ أخر الطواف يوم النحر إلى الليل. والصحيح من الروايات وعليه الجمهور أنه ﵇ طاف يوم النحر بالنهار، والأشبه أنه كان قبل الزوال ويحتمل أن يكون بعده والله أعلم.
والمقصود أنه ﵇ لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا وهو راكب ثم جاء زمزم وبنوا عبد المطلب يستقون منها ويسقون الناس، فتناول منها دلوا فشرب منه وأفرغ عليه منه. كما قال مسلم: أخبرنا محمد بن منهال الضرير، ثنا يزيد بن زريع، ثنا حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، سمع ابن عباس يقول وهو جالس معه عند الكعبة: قدم النبي ﷺ على راحلته وخلفه أسامة فأتيناه باناء فيه نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة. وقال: أحسنتم وأجملتم هكذا فاصنعوا. قال ابن عباس فنحن لا نريد أن نغير ما أمر به رسول الله ﷺ . وفي رواية عن بكر أن أعرابيا قال لابن عباس: مالي أرى بني عمكم يسقون اللبن والعسل وأنتم تسقون النبيذ، أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فذكر له ابن عباس هذا الحديث. وقال أحمد: حدثنا روح، ثنا حماد، عن حميد، عن بكر، عن عبد الله أن أعرابيا قال لابن عباس. ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل، وآل فلان يسقون اللبن، وأنتم تسقون النبيذ. أمن بخل بكم أم حاجة؟ فقال ابن عباس ما بنا بخل ولا حاجة ولكن رسول الله ﷺ جاءنا ورديفه أسامة بن زيد فاستسقى فسقيناه من هذا - يعني نبيذ السقاية - فشرب منه وقال أحسنتم هكذا فاصنعوا. ورواه أحمد: عن روح ومحمد بن بكر، عن ابن جريج، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس فذكره. وروى البخاري: عن إسحاق بن سليمان [حدثنا خالد] (١) عن خالد [الحذاء] (٢) عن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك (٣) فأت رسول الله بشراب من عندها. فقال: اسقني! فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقني! فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها. فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح. ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزعت حتى أضع الحبل على هذه - يعني عاتقه - وأشار إلى عاتقه. وعنده من حديث عاصم عن الشعبي أن ابن عباس قال: سقيت النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم. قال
стр. 1880
عاصم فحلف عكرمة - ما كان يومئذ إلا على بعير. وفي رواية ناقته. وقال الإمام أحمد: ثنا هشيم، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على بعير واستلم الحجر بمحجن كان معه. قال وأتى السقاية فقال: أسقوني! فقالوا: إن هذا يخوضه الناس ولكنا نأتيك به من البيت. فقال: لا حاجة لي فيه أسقوني مما يشرب الناس. وقد روى أبو داود: عن مسدد، عن خالد الطحان، عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: قدم رسول الله مكة ونحن نستقي فطاف على راحلته الحديث. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح وعفان قالا: ثنا حماد، عن قيس وقال عفان في حديثه أنبأنا قيس، عن مجاهد عن ابن عباس. أنه قال: جاء النبي ﷺ إلى زمزم فنزعنا له دلوا فشرب، ثم مج فيها ثم أفرغناها في زمزم. ثم قال: لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي - انفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم.
فصل
ثم إنه ﷺ لم يعد الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بل اكتفى بطوافه الأول. كما روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. قلت والمراد بأصحابه هاهنا الذين ساقوا الهدي وكانوا قارنين. كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: - وكانت أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة - يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك. وعند أصحاب الإمام أحمد أن قول جابر وأصحابه عام في القارنين والمتمتعين. ولهذا نص الإمام أحمد على أن المتمتع يكفيه طواف واحد عن حجه وعمرته وإن تحلل بينهما تحلل. وهو قول غريب مأخذه ظاهر عموم الحديث. والله أعلم. وقال أصحاب أبي حنيفة في المتمتع كما قال المالكية والشافعية إنه يجب عليه طوافان وسعيان حتى طردت الحنفية ذلك في القارن وهو من إفراد مذهبهم أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين ونقلوا ذلك عن علي موقوفا. وروي عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ وقد قدمنا الكلام على ذلك كله عند الطواف وبينا أن أسانيد ذلك ضعيفة مخالفة للأحاديث الصحيحة. والله أعلم.
فصل
ثم رجع ﵇ إلى منى بعد ما صلى الظهر بمكة كما دل عليه حديت جابر. وقال ابن عمر: رجع فصلى الظهر بمنى رواهما مسلم كما تقدم قريبا ويمكن الجمع بينهما بوقوع ذلك بمكة وبمنى والله أعلم. وتوقف ابن حزم في هذا المقام فلم يجزم فيه بشئ وهو معذور لتعارض النقلين الصحيحين فيه فالله أعلم. وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.
стр. 1881
ورواه أبو داود منفردا به. وهذا يدل على أن ذهابه ﵇ إلى مكة يوم النحر كان بعد الزوال. وهذا ينافي حديث ابن عمر قطعا وفي منافاته لحديث جابر نظر. والله أعلم.
فصل
وقد خطب رسول الله ﷺ في هذا اليوم الشريف خطبة عظيمة تواترت بها الأحاديث ونحن نذكر منها ما يسره الله . قال البخاري (١): باب الخطبة أيام منى. حدثنا علي بن عبد الله، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا فضيل بن غزوان، ثنا عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ خطب الناس، يوم النحر. فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. قال: فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت اللهم قد بلغت قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته - فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه الترمذي عن الفلاس عن يحيى القطان به. وقال حسن صحيح. وقال البخاري أيضا: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو عامر، ثنا قرة (٢)، عن محمد بن سيرين أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي بكرة ﵁. قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر فقال: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس هذا يوم النحر؟ قلنا: بلى! قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى! قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى! قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه البخاري ومسلم من طرق عن محمد بن سيرين به. ورواه مسلم: من حديث عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكره. وزاد في آخره: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جذيعة من الغنم فقسمها بيننا. وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة. أن رسول الله ﷺ خطب في حجته فقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة
стр. 1882
حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. ثم قال: ألا أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى! ثم قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال أليس ذا الحجة؟ قلنا بلى! ثم قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى! قال: فإن دماءكم وأموالكم - لأحسبه - قال وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت. ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه. هكذا وقع في مسند الإمام أحمد عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة. وهكذا رواه أبو داود عن مسدد. والنسائي عن عمرو بن زرارة كلاهما عن إسماعيل - وهو ابن علية - عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي بكرة به. وهو منقطع لان صاحبا الصحيح أخرجاه من غير وجه عن أيوب وغيره عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به. وقال البخاري أيضا: ثنا محمد بن المثنى، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه عن ابن عمر. قال: قال النبي ﷺ بمنى: أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن هذا يوم حرام، أفتدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بلد حرام. قال: أفتدرون أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهر حرام. قال: فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وقد أخرجه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن جده عبد الله بن عمر، فذكره قال البخاري. وقال هشام بن الغاز: أخبرني نافع عن ابن عمر: وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا. وقال: هذا يوم الحج الأكبر. فطفق النبي ﷺ يقول: اللهم أشهد. وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع. وقد أسند هذا الحديث أبو داود: عن مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم. وأخرجه ابن ماجة: عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد كلاهما عن هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي أبي العباس الدمشقي به (١). وقيامه ﵇ بهذه الخطبة عند الجمرات يحتمل أنه بعد رميه الجمرة يوم النحر وقبل طوافه. ويحتل أنه بعد طوافه ورجوعه إلى منى ورميه بالجمرات لكن يقوي الأول ما رواه النسائي حيث قال: حدثنا عمرو بن هشام الحراني، ثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم (٢) عن زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن حصين الأحمسي، عن جدته أم حصين (٣)
стр. 1883
قالت: حججت في حجة النبي ﷺ فرأيت بلالا آخذا بقود راحلته، وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر وهو محرم حتى رمى جمرة العقبة. ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكر قولا كثيرا. وقد رواه مسلم: من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين قالت: حججت مع رسول الله حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. قالت: فقال رسول الله قولا كثيرا. ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت: أسود - يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا. وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن عبيد الله، ثنا الأعمش، عن أبي صالح - وهو - ذكوان السمان - عن جابر. قال خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: أي يوم أعظم حرمة؟ قالوا: يومنا هذا. قال: أي شهر أعظم حرمة؟ قالوا: شهرنا هذا. قال: أي بلد أعظم حرمة؟ قالوا: بلدنا هذا. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا هل بلغت قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيحين. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش به. وقد تقدم حديث جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر في خطبته ﵇ يوم عرفة. فالله أعلم. قال الإمام أحمد: ثنا علي بن بحر، ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري. قال قال: رسول الله ﷺ في حجة الوداع فذكر معناه. وقد رواه ابن ماجة: عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس به. وإسناده على شرط الصحيحين. فالله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو هشام، ثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد. أن رسول الله ﷺ خطب فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ثم قال البزار: رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد. وجمعهما لنا أبو هشام عن حفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد. قلت وتقدم رواية أحمد له عن محمد بن عبيد الطنافسي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله فلعله عند أبي صالح عن الثلاثة. والله أعلم. وقال هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الأشجعي. قال قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: إنما هن أربع، لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا. قال: فما أنا بأشح عليهن مني حين سمعتهن من رسول الله ﷺ وقد رواه أحمد والنسائي: من حديث منصور، عن هلال بن يساف. وكذلك رواه سفيان بن عيينة، والثوري عن منصور. وقال ابن حزم في حجة الوداع. حدثنا أحمد بن عمر بن أنس العذري، ثنا أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي الأنصاري، ثنا أحمد بن عبدان الحافظ بالأهواز، ثنا سهل بن موسى بن شيرزاد، ثنا موسى بن عمرو بن عاصم، ثنا أبو العوام، ثنا محمد بن جحادة، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك. قال: شهدت رسول الله في حجة الوداع وهو يخطب وهو يقول: أمك وأباك وأختك
стр. 1884
وأخاك ثم أدناك أدناك قال: فجاء قوم فقالوا: يا رسول الله قبلنا بنو يربوع. فقال رسول الله ﷺ لا تجني نفس على أخرى. ثم سأله رجل نسي أن يرمي الجمار. فقال: ارم ولا حرج. ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله نسيت الطواف: فقال: طف ولا حرج. ثم أتاه آخر حلق قبل أن يذبح قال: اذبح ولا حرج. فما سألوه يومئذ عن شئ إلا قال: لا حرج لا حرج. ثم قال: قد أذهب الله الحرج إلا رجلا اقترض امرأ مسلما فذلك الذي حرج وهلك. وقال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن بعض هذا السياق من هذه الطريق. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة، عن علي بن مدرك سمعت أبا زرعة يحدث عن جرير وهو جده عن النبي ﷺ . قال في حجة الوداع: يا جرير استنصت الناس. ثم قال في خطبته: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ثم رواه أحمد: عن غندر وعن ابن مهدي كل منهما عن شعبة به. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به. وقال أحمد ثنا ابن نمير، ثنا إسماعيل، عن قيس قال: بلغنا أن جريرا قال قال رسول الله: استنصت الناس ثم قال عند ذلك لا أعرفن بعد ما أرى ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه النسائي من حديث عبد الله بن نمير به. وقال النسائي: ثنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن ابن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه. قال: شهدت رسول الله في حجة الوداع يقول: أيها الناس ثلاث مرات أي يوم هذا قالوا يوم الحج الأكبر. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ولا يجني جان على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية يوضع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وذكر تمام الحديث. وقال أبو داود: باب من قال خطب (١) يوم النحر. حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا هشام بن عبد الملك، ثنا عكرمة - هو ابن عمار - ثنا الهرماس بن زياد الباهلي قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء (٢) يوم الأضحى بمنى. ورواه أحمد والنسائي من غير وجه عن عكرمة بن عمار عن الهرماس. قال: كان أبي مردفي فرأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى يوم النحر على ناقته العضباء. لفظ أحمد وهو من ثلاثيات المسند ولله الحمد. ثم قال أبو داود (٣) ثنا مؤمل الفضل الحراني، ثنا الوليد، ثنا ابن جابر، ثنا سليم بن عامر [الكلاعي] (٤) سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله ﷺ بمنى يوم
стр. 1885
النحر وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر الكلاعي. سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ وهو يومئذ على الجدعاء واضع رجليه في الغرز يتطاول ليسمع الناس. فقال بأعلا صوته ألا تسمعون؟ فقال رجل من طوائف الناس: يا رسول الله ماذا تعهد إلينا فقال " اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم وأطيعوا إذا أمرتم تدخلوا جنة ربكم " فقلت: يا أبا أمامة مثل ما أنت يومئذ. قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير أزحزحه قدما لرسول الله ﷺ . ورواه أحمد أيضا: عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، وأخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكوفي، عن زيد بن الحباب. وقال حسن صحيح. قال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا إسماعيل بن عباس، ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: في خطبته عام حجة الوداع إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله. ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنه الله التابعة إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيتها إلا بإذن زوجها. فقيل يا رسول الله ولا الطعام. قال: ذاك أفضل أموالنا. ثم قال رسول الله: العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدين مقضى، والزعيم غارم (١). ورواه أهل السنن الأربعة من حديث إسماعيل بن عياش. وقال الترمذي: حسن. ثم قال أبو داود: ﵀ باب متى يخطب (٢) يوم النحر. حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقي، ثنا مروان، عن هلال بن عامر المزني، حدثني رافع بن عمرو المزني. قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد. ورواه النسائي: عن دحيم، عن مروان الفزاري به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا هلال بن عامر المزني عن أبيه. قال: رأيت رسول الله يخطب الناس بمنى على بغلة وعليه برد أحمر. قال: ورجل من أهل بدر بين يديه يعبر عنه. قال: فجئت حتى أدخلت يدي بين قدمه وشراكه. قال: فجعلت أعجب من بردها. حدثنا محمد بن عبيد ثنا شيخ من بني فزارة، عن هلال بن عامر المزني عن أبيه. قال: رأيت رسول الله على بغلة شهباء وعلي يعبر عنه. ورواه أبو داود من حديث أبي معاوية عن هلال بن عامر. ثم قال أبو داود (٣): باب من يذكر الامام في خطبته بمنى: حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي. قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ
стр. 1886
الجمار، فوضع السباحتين ثم قال حصى الخذف (١). ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد ثم نزل الناس بعد ذلك. وقد رواه أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه. وأخرجه النسائي من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث كذلك. وتقدم رواية الامام (أحمد) له عن عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ عن (٢) رجل من الصحابة. فالله أعلم. وثبت في الصحيحين، من حديث ابن جريج، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بينا هو يخطب يوم النحر فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا وكذا. ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا، فقال: رسول الله ﷺ افعل ولا حرج. وأخرجاه من حديث مالك. زاد مسلم ويونس عن الزهري به. وله ألفاظ كثيرة ليس هذا موضع استقصائها. ومحله كتاب الأحكام وبالله المستعان وفي لفظ الصحيحين. قال فما سئل رسول الله ﷺ في ذلك اليوم عن شئ قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
فصل
ثم نزل ﵇ بمنى حيث المسجد اليوم فيما يقال، وأنزل المهاجرين يمنته، والأنصار يسرته، والناس حولهم من بعدهم. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، ثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك عن أم مسيكة عن عائشة. قالت: قيل يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بناء يظلك. قال: لا منى مناخ من سبق. وهذا إسناد لا بأس به وليس هو في المسند ولا في الكتب الستة من هذا الوجه. وقال أبو داود: ثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى، عن ابن جريج [حدثني حريز] (٣) أو أبو حريز - الشك من يحيى - أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ، يسأل ابن عمر قال: إنا نتبايع بأموال الناس فيأتي أحدنا مكة، فيبيت على المال فقال: أما رسول الله ﷺ فبات بمنى وظل. انفرد به أبو داود. ثم قال أبو داود (٤): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر قال: استأذن العباس رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له.
стр. 1887
وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير زاد البخاري: وأبي ضمرة أنس بن عياض زاد مسلم: وأبي أسامة حماد بن أسامة. وقد علقه البخاري عن أبي أسامة وعقبة بن خالد كلهم عن عبيد الله بن عمر به. وقد كان ﷺ يصلي بأصحابه بمنى ركعتين كما ثبت عنه ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود وحارثة بن وهب ﵄. ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن سبب هذا القصر النسك كما هو قول طائفة من المالكية وغيرهم. قالوا ومن قال: إنه ﵇ كان يقول بمنى لأهل مكة: أتموا فإنا قوم سفر فقد غلط إنما قال ذلك رسول الله ﷺ عام الفتح وهو نازل بالأبطح كما تقدم. والله أعلم. وكان ﷺ يرمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى بعد الزوال كما قال جابر فيما تقدم ماشيا كما قال ابن عمر فيما سلف كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ويقف عند الأولى وعند الثانية يدعو الله ولا يقف عند الثالثة. قال أبو داود: ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد المعني قالا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها [ليالي] (١) أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل المقام ويتضرع ويرمي الثالثة لا يقف عندها. انفرد به أبو داود. وروى البخاري من غير وجه: عن يونس بن يزيد، عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم ثم يسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وقال وبرة بن عبد الرحمن: قام ابن عمر عند العقبة، بقدر قراءة سورة البقرة. وقال أبو مجلز حزرت قيامه بعد قراءة سورة يوسف ذكرهما البيهقي. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه عن أبي القداح عن أبيه. أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما. وقال أحمد ثنا محمد بن أبي بكر وأنبأ روح ثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن أبيه عن أبي القداح بن عاصم بن عدي عن أبيه. أن رسول الله ﷺ أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرموا الغد. وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن، ثنا مالك عن عبد الله بن بكر عن أبيه عن أبي القداح بن عاصم بن عدي عن أبيه. أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة بمنى حتى يرموا يوم النحر ثم يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر (٢). وكذا رواه عن عبد الرزاق عن مالك بنحوه. وقد رواه أهل السنن
стр. 1888
الأربعة من حديث مالك ومن حديث سفيان بن عيينة به. قال الترمذي: ورواية مالك أصح. وهو حديث حسن صحيح.
فصل
فيما ورد من الأحاديث الدالة على أنه ﵇ خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها
قال أبو داود باب أي يوم يخطب (١): حدثنا محمد بن العلاء، أنبأنا ابن المبارك، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر. قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى. إنفرد به أبو داود. ثم قال أبو داود: ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين (٢) حدثتني جدتي سراء بنت نبهان - وكانت ربة بيت في الجاهلية -. قالت: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: أليس أوسط أيام التشريق. انفرد به أبو داود. قال أبو داود: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي (٣) أنه خطب أوسط أيام التشريق. وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد (٤) متصلا مطولا فقال: ثنا عثمان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي عن عمه. قال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس. فقال: يا أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم وفى أي يوم أنتم وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى أن تلقونه. ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم (٥) ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض ثم قرأ … (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم
стр. 1889
خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) *، [التوبة ٣٦ - ٣٧]، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكنه في التحريش بينكم، واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان (١) لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإن لهن عليكم حقا ولكم عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم أحد غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لاحد تكرهونه. فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وبسط يده وقال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت! ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع. قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به (٢). وقد روى أبو داود في كتاب النكاح من سننه: عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي حرة الرقاشي - واسمه حنيفة - عن عمه ببعضه في النشوز. قال ابن حزم: جاء أنه خطب يوم الرؤوس وهو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عن أهل مكة، وجاء أنه أوسط أيام التشريق فيحتمل على أن أوسط بمعنى أشرف كما قال تعالى … (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) … [البقرة: ١٤٣]. وهذا المسلك الذي سلكه ابن حزم بعيد. والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الوليد بن عمرو بن مسكين، ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان، ثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، وصدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ بمنى وهو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع .... (إذا جاء نصر الله والفتح) … فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء (٣) فرحلت له ثم ركب، فوقف الناس بالعقبة فاجتمع إليه ما شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن كل دم كان في الجاهلية فهو هدر، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل. وكل ربا في الجاهلية فهو موضوع، وإن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب، أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر منها أربعة حرم رجب - مضر - الذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم … (ذلك الدين
стр. 1890
القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) … الآية [التوبة: ٣٦] … (إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله) … [التوبة: ٣٧] كانوا يحلون صفرا عاما ويحرمون المحرم عاما ويحرمون صفر عاما ويحلون المحرم عاما فذلك النسئ. يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان،. وقد يرضى عنكم بمحقرات الأعمال، فاحذروه على دينكم بمحقرات الأعمال، أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. لكم عليهن حق ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يعصينكم في معروف، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فإن ضربتم فاضربوا ضربا غير مبرح. ولا يحل لامرء من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله فاعملوا به، أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن الله حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم في هذا البلد وهذا الشهر، ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ثم رفع يديه فقال: اللهم أشهد (١).
حديث الرسول ﷺ يزور البيت كل ليلة من ليالي منى
قال البخاري يذكر عن أبي حسان عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يزور البيت في أيام منى، هكذا ذكره معلقا بصيغة التمريض وقد قال الحافظ البيهقي: أخبرناه أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا العمري، أنبأنا ابن عرعرة فقال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال: سمعته من أبي ولم يقرأه. قال: فكان فيه عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى. قال وما رأيت أحدا واطأه عليه. قال البيهقي: وروى الثوري في الجامع عن طاوس عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ : كان يفيض كل ليلة - يعني ليالي منى - وهذا مرسل.
فصل
اليوم السادس من ذي الحجة. قال بعضهم يقال له: يوم الزينة (٢) لأنه يزين فيه البدن بالجلال وغيرها، واليوم السابع يقال له يوم التروية لأنهم يتروون فيه من الماء ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده، واليوم الثامن يقال له يوم منى لأنهم يرحلون فيه من الأبطح
стр. 1891
إلى منى، واليوم التاسع يقال له يوم عرفة لوقوفهم فيه بها، واليوم العاشر يقال له يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر، واليوم الذي يليه يقال له يوم القر لأنهم يقرون فيه، ويقال له يوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي وهو أول أيام التشريق، وثاني أيام التشريق يقال له: يوم النفر الأول لجواز النفر فيه، وقيل هو اليوم الذي يقال له يوم الرؤوس، واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له: يوم النفر الآخر. قال الله تعالى: … (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) … الآية [البقرة: ٢٠٣]. فلما كان يوم النفر الآخر وهو اليوم الثالث من أيام التشريق وكان يوم الثلاثاء ركب رسول الله ﷺ والمسلمون معه فنفر بهم من منى فنزل المحصب وهو واد بين مكة ومنى فصلى به العصر. كما قال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع. قال سألت أنس بن مالك: أخبرني عن شئ عقلته (١) عن رسول الله ﷺ أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح (٢)، افعل كما يفعل أمراؤك. وقد روى أنه ﷺ صلى الظهر يوم النفر بالأبطح وهو المحصب. فالله أعلم. قال البخاري: حدثنا عبد المتعال بن طالب، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك حدثه عن النبي ﷺ : أنه صلى الظهر والعصر [والمغرب] (٣) والعشاء، ورقد رقدة في المحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به. قلت - يعني طواف الوداع -. وقال البخاري ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا خالد بن الحارث. قال: سئل عبيد الله (٤) عن المحصب فحدثنا عبيد الله عن نافع قال: نزل بها رسول الله ﷺ . وعمر وابن عمر. وعن نافع: أن ابن عمر كان يصلي بها - يعني المحصب - والظهر والعصر أحسبه قال: والمغرب قال خالد: لا أشك في العشاء ثم يهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبي ﷺ . وقال الإمام أحمد: ثنا نوح بن ميمون، أنبأنا عبد الله، عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا المحصب هكذا رأيته في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله العمري عن نافع. وقد روى الترمذي هذا الحديث عن إسحاق بن منصور وأخرجه ابن ماجة عن محمد بن يحيى كلاهما عن عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال: كان رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح. قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأبي رافع وابن عباس وحديث ابن عمر حسن غريب. وإنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر به. وقد رواه مسلم: عن محمد بن
стр. 1892
مهران الرازي، عن عبد الرزاق، عن معمر عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. ورواه مسلم أيضا من حديث صخر بن جويرية، عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينزل المحصب (١) وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن أيوب وحميد، عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعه، ثم دخل - يعني مكة - فطاف بالبيت. ورواه أحمد أيضا عن عفان عن حماد، عن حميد، عن بكر، عن ابن عمر فذكره وزاد في آخره: وكان ابن عمر يفعله. وكذلك رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل. وقال البخاري: ثنا الحميدي، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال قال رسول الله ﷺ من الغد يوم النحر - بمنى - نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر - يعني بذلك المحصب - الحديث. ورواه مسلم: عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي فذكر مثله سواء. وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد. قال قلت: يا رسول الله أين تنزل غدا - في حجته -؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا، ثم قال: نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة - يعني المحصب - حيث قاسمت قريشا على الكفر، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم - يعني حتى يسلموا إليهم رسول الله - ثم قال عند ذلك: " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم " قال الزهري - والخيف - الوادي. أخرجاه من حديث عبد الرزاق، وهذان الحديثان فيهما دلالة على أنه ﵇ قصد النزول في المحصب مراغمة لما كان تمالا عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ كما قدمنا بيان ذلك في موضعه. وكذلك نزله عام الفتح فعلى هذا يكون نزوله سنة مرغبا فيها، وهو أحد قولي العلماء. وقد قال البخاري: ثنا أبو نعيم، أنبأنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: إنما كان منزلا ينزله النبي ﷺ ليكون أسمح لخروجه - يعني الأبطح -. وأخرجه مسلم من حديث هشام به ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: إنما نزل رسول الله المحصب ليكون أسمح لخروجه وليس بسنة، فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله (٢). وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان. قال قال عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشئ (٣) إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ . ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان وهو ابن عيينة به. وقال أبو داود:
стр. 1893
ثنا أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة ومسدد المعني قالوا: ثنا سفيان، ثنا صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار قال قال أبو رافع: لم يأمرني - يعني رسول الله ﷺ أن أنزله، ولكن ضربت قبته (١) فيه فنزله. قال مسدد: وكان على ثقل (٢) النبي ﷺ وقال عثمان - يعني [في] (٣) الأبطح -. ورواه مسلم عن قتيبة وأبي بكر وزهير بن حرب عن سفيان بن عيينة به. والمقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي ﷺ في المحصب لما نفر من منى، ولكن اختلفوا فمنهم من قال: لم يقصد نزوله، وإنما نزله اتفاقا ليكون أسمح لخروجه، ومنهم من أشعر كلامه بقصده ﵇ نزوله، وهذا هو الأشبه وذلك أنه ﵇ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه كما قال ابن عباس فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت - يعني طواف الوداع -. فأراد ﵇ أن يطوف هو ومن معه من المسلمين بالبين طواف الوداع، وقد نفر من منى قريب الزوال، فلم يكن يمكنه أن يجئ البيت في بقية يومه، ويطوف به ويرحل إلى ظاهر مكة من جانب المدينة، لان ذلك قد يتعذر على هذا الجم الغفير، فاحتاج أن يبيت قبل مكة ولم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب، الذي كانت قريش قد عاقدت بني كنانة على بني هاشم وبني المطلب فيه، فلم يبرم الله لقريش أمرا بل كبتهم وردهم خائبين، وأظهر الله دينه ونظر نبيه وأعلا كلمته، وأتم له الدين القويم، وأوضح به الصراط المستقيم، فحج بالناس وبين لهم شرائع الله وشعائره، وقد نفر بعد إكمال المناسك، فنزل في الموضع الذي تقاسمت قريش فيه على الظلم والعدوان والقطيعة، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء وهجع هجعة، وقد كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم، فإذا فرغت أتته، فلما قضت عمرتها ورجعت أذن في المسلمين بالرحيل إلى البيت العتيق. كما قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، ثنا خالد، عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت، وأمر الناس بالرحيل. قالت: وأتى رسول الله ﷺ . البيت فطاف به ثم خرج (٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث أفلح بن حميد ثم قال أبو داود: ثنا محمد بن بشار ثنا أبو بكر - يعني الحنفي - ثنا أفلح عن القاسم، عن (٥) عائشة - قالت: خرجت معه - يعني رسول الله ﷺ ، -[في] (٦) - النفر الآخر ونزل المحصب. قال أبو داود: فذكر ابن بشار بعثها إلى التنعيم. قالت: ثم جئت سحرا، فأذن في الصحابة بالرحيل، فارتحل
стр. 1894
فمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجها إلى المدينة. ورواه البخاري عن محمد بن بشار به.
قلت: والظاهر أنه ﵇ صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه وقرأ في صلاته تلك بسورة … (والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور) … السورة بكمالها. وذلك لما رواه البخاري حيث قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ . قال: شكوت إلى رسول الله أني أشتكي، قال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله ﷺ يصلي حينئذ إلى جنب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور. وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك بإسناد نحوه. وقد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة، عن أبيه عن زينب، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت وأرادت الخروج فقال لها: " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون " فذكر الحديث فأما ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة. أن رسول الله ﷺ : أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة فهو إسناد كما ترى على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من هذا الوجه بهذا اللفظ ولعل قوله يوم النحر غلط من الراوي أو من الناسخ وإنما هو يوم النفر ويؤيده ما ذكرناه من رواية البخاري. والله أعلم. والمقصود أنه ﵇ لما فرغ من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا ووقف في الملتزم بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين باب الكعبة فدعا الله وألزق جسده بجدار الكعبة. قال الثوري عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. قال: رأيت رسول الله ﷺ يلزق وجهه وصدره بالملتزم. المثنى ضعيف.
فصل
ثم خرج ﵇ من أسفل مكة كما قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ دخل مكة من أعلاها وخرج من أسفلها. أخرجاه. وقال ابن عمر دخل رسول الله ﷺ : من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى. رواه البخاري ومسلم وفي لفظ دخل من كداء وخرج من كدى. وقد قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن فضيل، ثنا أجلح بن عبد الله، عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ من مكة عند غروب الشمس فلم يصل حتى أتى سرف وهي على تسعة أميال من مكة وهذا غريب جدا، وأجلح فيه نظر، ولعل هذا في غير حجة الوداع فإنه ﵇ كما قدمنا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح فماذا أخره إلى وقت الغروب. هذا غريب جدا، اللهم إلا أن يكون ما ادعاه ابن حزم صحيحا من أنه ﵇ رجع إلى المحصب من مكة بعد طوافه بالبيت طواف الوداع ولم يذكر دليلا على ذلك إلا قول عائشة حين رجعت من اعتمارها من التنعيم فلقيته
стр. 1895
بصعدة، وهو مهبط على أهل مكة أو منهبطه، وهو مصعد. قال ابن حزم: الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط لأنها تقدمت إلى العمرة وانتظرها حتى جاءت، ثم نهض ﵇ إلى طواف الوداع فلقيها منصرفه إلى المحصب من مكة. وقال البخاري: باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة، وقال محمد بن عيسى، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر. أنه كان إذا أقبل بات بذي طوى حتى إذا أصبح دخل، وإذا نفر مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح، وكان يذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. هكذا ذكر هذا معلقا بصيغة الجزم. وقد أسند هو ومسلم من حديث حماد بن زيد به لكن ليس فيه ذكر المبيت بذي طوى في الرجعة. فالله أعلم.
فائدة عزيزة. فيها أن رسول الله ﷺ استصحب معه من ماء زمزم شيئا، قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، ثنا خلاد بن يزيد الجعفي، ثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله، ثم قال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله - هو ابن المبارك - ثنا موسى بن عقبة عن سالم ونافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو أو الحج أو من العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. والأحاديث في هذه كثيرة ولله الحمد والمنة.
فصل
في إيراد الحديث الدال على أنه ﵇ خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة - يقال له غدير خم -
فبين فيها فضل علي بن أبي طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا، والصواب كان معه في ذلك، ولهذا لما تفرغ ﵇ من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء. وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه. ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك ونبين ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه، وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه، وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم، على ما جرت به عادة كثير من المحدثين يوردون ما وقع