إلى منى، واليوم التاسع يقال له يوم عرفة لوقوفهم فيه بها، واليوم العاشر يقال له يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر، واليوم الذي يليه يقال له يوم القر لأنهم يقرون فيه، ويقال له يوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي وهو أول أيام التشريق، وثاني أيام التشريق يقال له: يوم النفر الأول لجواز النفر فيه، وقيل هو اليوم الذي يقال له يوم الرؤوس، واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له: يوم النفر الآخر. قال الله تعالى: … (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) … الآية [البقرة: ٢٠٣]. فلما كان يوم النفر الآخر وهو اليوم الثالث من أيام التشريق وكان يوم الثلاثاء ركب رسول الله ﷺ والمسلمون معه فنفر بهم من منى فنزل المحصب وهو واد بين مكة ومنى فصلى به العصر. كما قال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع. قال سألت أنس بن مالك: أخبرني عن شئ عقلته (١) عن رسول الله ﷺ أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح (٢)، افعل كما يفعل أمراؤك. وقد روى أنه ﷺ صلى الظهر يوم النفر بالأبطح وهو المحصب. فالله أعلم. قال البخاري: حدثنا عبد المتعال بن طالب، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك حدثه عن النبي ﷺ : أنه صلى الظهر والعصر [والمغرب] (٣) والعشاء، ورقد رقدة في المحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به. قلت - يعني طواف الوداع -. وقال البخاري ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا خالد بن الحارث. قال: سئل عبيد الله (٤) عن المحصب فحدثنا عبيد الله عن نافع قال: نزل بها رسول الله ﷺ . وعمر وابن عمر. وعن نافع: أن ابن عمر كان يصلي بها - يعني المحصب - والظهر والعصر أحسبه قال: والمغرب قال خالد: لا أشك في العشاء ثم يهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبي ﷺ . وقال الإمام أحمد: ثنا نوح بن ميمون، أنبأنا عبد الله، عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا المحصب هكذا رأيته في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله العمري عن نافع. وقد روى الترمذي هذا الحديث عن إسحاق بن منصور وأخرجه ابن ماجة عن محمد بن يحيى كلاهما عن عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال: كان رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح. قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأبي رافع وابن عباس وحديث ابن عمر حسن غريب. وإنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر به. وقد رواه مسلم: عن محمد بن
стр. 1892
مهران الرازي، عن عبد الرزاق، عن معمر عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. ورواه مسلم أيضا من حديث صخر بن جويرية، عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينزل المحصب (١) وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن أيوب وحميد، عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعه، ثم دخل - يعني مكة - فطاف بالبيت. ورواه أحمد أيضا عن عفان عن حماد، عن حميد، عن بكر، عن ابن عمر فذكره وزاد في آخره: وكان ابن عمر يفعله. وكذلك رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل. وقال البخاري: ثنا الحميدي، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال قال رسول الله ﷺ من الغد يوم النحر - بمنى - نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر - يعني بذلك المحصب - الحديث. ورواه مسلم: عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي فذكر مثله سواء. وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد. قال قلت: يا رسول الله أين تنزل غدا - في حجته -؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا، ثم قال: نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة - يعني المحصب - حيث قاسمت قريشا على الكفر، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم - يعني حتى يسلموا إليهم رسول الله - ثم قال عند ذلك: " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم " قال الزهري - والخيف - الوادي. أخرجاه من حديث عبد الرزاق، وهذان الحديثان فيهما دلالة على أنه ﵇ قصد النزول في المحصب مراغمة لما كان تمالا عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ كما قدمنا بيان ذلك في موضعه. وكذلك نزله عام الفتح فعلى هذا يكون نزوله سنة مرغبا فيها، وهو أحد قولي العلماء. وقد قال البخاري: ثنا أبو نعيم، أنبأنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: إنما كان منزلا ينزله النبي ﷺ ليكون أسمح لخروجه - يعني الأبطح -. وأخرجه مسلم من حديث هشام به ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: إنما نزل رسول الله المحصب ليكون أسمح لخروجه وليس بسنة، فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله (٢). وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان. قال قال عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشئ (٣) إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ . ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان وهو ابن عيينة به. وقال أبو داود:
стр. 1893
ثنا أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة ومسدد المعني قالوا: ثنا سفيان، ثنا صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار قال قال أبو رافع: لم يأمرني - يعني رسول الله ﷺ أن أنزله، ولكن ضربت قبته (١) فيه فنزله. قال مسدد: وكان على ثقل (٢) النبي ﷺ وقال عثمان - يعني [في] (٣) الأبطح -. ورواه مسلم عن قتيبة وأبي بكر وزهير بن حرب عن سفيان بن عيينة به. والمقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي ﷺ في المحصب لما نفر من منى، ولكن اختلفوا فمنهم من قال: لم يقصد نزوله، وإنما نزله اتفاقا ليكون أسمح لخروجه، ومنهم من أشعر كلامه بقصده ﵇ نزوله، وهذا هو الأشبه وذلك أنه ﵇ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه كما قال ابن عباس فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت - يعني طواف الوداع -. فأراد ﵇ أن يطوف هو ومن معه من المسلمين بالبين طواف الوداع، وقد نفر من منى قريب الزوال، فلم يكن يمكنه أن يجئ البيت في بقية يومه، ويطوف به ويرحل إلى ظاهر مكة من جانب المدينة، لان ذلك قد يتعذر على هذا الجم الغفير، فاحتاج أن يبيت قبل مكة ولم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب، الذي كانت قريش قد عاقدت بني كنانة على بني هاشم وبني المطلب فيه، فلم يبرم الله لقريش أمرا بل كبتهم وردهم خائبين، وأظهر الله دينه ونظر نبيه وأعلا كلمته، وأتم له الدين القويم، وأوضح به الصراط المستقيم، فحج بالناس وبين لهم شرائع الله وشعائره، وقد نفر بعد إكمال المناسك، فنزل في الموضع الذي تقاسمت قريش فيه على الظلم والعدوان والقطيعة، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء وهجع هجعة، وقد كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم، فإذا فرغت أتته، فلما قضت عمرتها ورجعت أذن في المسلمين بالرحيل إلى البيت العتيق. كما قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، ثنا خالد، عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت، وأمر الناس بالرحيل. قالت: وأتى رسول الله ﷺ . البيت فطاف به ثم خرج (٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث أفلح بن حميد ثم قال أبو داود: ثنا محمد بن بشار ثنا أبو بكر - يعني الحنفي - ثنا أفلح عن القاسم، عن (٥) عائشة - قالت: خرجت معه - يعني رسول الله ﷺ ، -[في] (٦) - النفر الآخر ونزل المحصب. قال أبو داود: فذكر ابن بشار بعثها إلى التنعيم. قالت: ثم جئت سحرا، فأذن في الصحابة بالرحيل، فارتحل
стр. 1894
فمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجها إلى المدينة. ورواه البخاري عن محمد بن بشار به.
قلت: والظاهر أنه ﵇ صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه وقرأ في صلاته تلك بسورة … (والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور) … السورة بكمالها. وذلك لما رواه البخاري حيث قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ . قال: شكوت إلى رسول الله أني أشتكي، قال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله ﷺ يصلي حينئذ إلى جنب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور. وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك بإسناد نحوه. وقد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة، عن أبيه عن زينب، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت وأرادت الخروج فقال لها: " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون " فذكر الحديث فأما ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة. أن رسول الله ﷺ : أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة فهو إسناد كما ترى على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من هذا الوجه بهذا اللفظ ولعل قوله يوم النحر غلط من الراوي أو من الناسخ وإنما هو يوم النفر ويؤيده ما ذكرناه من رواية البخاري. والله أعلم. والمقصود أنه ﵇ لما فرغ من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا ووقف في الملتزم بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين باب الكعبة فدعا الله وألزق جسده بجدار الكعبة. قال الثوري عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. قال: رأيت رسول الله ﷺ يلزق وجهه وصدره بالملتزم. المثنى ضعيف.
فصل
ثم خرج ﵇ من أسفل مكة كما قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ دخل مكة من أعلاها وخرج من أسفلها. أخرجاه. وقال ابن عمر دخل رسول الله ﷺ : من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى. رواه البخاري ومسلم وفي لفظ دخل من كداء وخرج من كدى. وقد قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن فضيل، ثنا أجلح بن عبد الله، عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ من مكة عند غروب الشمس فلم يصل حتى أتى سرف وهي على تسعة أميال من مكة وهذا غريب جدا، وأجلح فيه نظر، ولعل هذا في غير حجة الوداع فإنه ﵇ كما قدمنا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح فماذا أخره إلى وقت الغروب. هذا غريب جدا، اللهم إلا أن يكون ما ادعاه ابن حزم صحيحا من أنه ﵇ رجع إلى المحصب من مكة بعد طوافه بالبيت طواف الوداع ولم يذكر دليلا على ذلك إلا قول عائشة حين رجعت من اعتمارها من التنعيم فلقيته
стр. 1895
بصعدة، وهو مهبط على أهل مكة أو منهبطه، وهو مصعد. قال ابن حزم: الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط لأنها تقدمت إلى العمرة وانتظرها حتى جاءت، ثم نهض ﵇ إلى طواف الوداع فلقيها منصرفه إلى المحصب من مكة. وقال البخاري: باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة، وقال محمد بن عيسى، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر. أنه كان إذا أقبل بات بذي طوى حتى إذا أصبح دخل، وإذا نفر مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح، وكان يذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. هكذا ذكر هذا معلقا بصيغة الجزم. وقد أسند هو ومسلم من حديث حماد بن زيد به لكن ليس فيه ذكر المبيت بذي طوى في الرجعة. فالله أعلم.
فائدة عزيزة. فيها أن رسول الله ﷺ استصحب معه من ماء زمزم شيئا، قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، ثنا خلاد بن يزيد الجعفي، ثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله، ثم قال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله - هو ابن المبارك - ثنا موسى بن عقبة عن سالم ونافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو أو الحج أو من العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. والأحاديث في هذه كثيرة ولله الحمد والمنة.
فصل
في إيراد الحديث الدال على أنه ﵇ خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة - يقال له غدير خم -
فبين فيها فضل علي بن أبي طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا، والصواب كان معه في ذلك، ولهذا لما تفرغ ﵇ من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء. وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه. ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك ونبين ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه، وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه، وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم، على ما جرت به عادة كثير من المحدثين يوردون ما وقع
стр. 1896
لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه. وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة. ونحو نورد عيون ما روي في ذلك مع إعلامنا أنه لاحظ للشيعة فيه ولا متمسك لهم ولا دليل لما سنبينه وننبه عليه، فنقول وبالله المستعان.
قال محمد بن إسحاق - في سياق حجة الوداع - حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة. قال: لما أقبل علي من اليمن ليلقى رسول الله ﷺ بمكة، تعجل إلى رسول الله واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل. قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس. قال ويلك: انزع قبل أن ينتهي به إلى رسول الله ﷺ . قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب - وكانت عند أبي سعيد الخدري - عن أبي سعيد. قال: اشتكى الناس عليا فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله أنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله [من أن يشكى] (١). ورواه الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق به. وقال: إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله. وقال الإمام أحمد حدثنا الفضل بن دكين، ثنا ابن أبي غنية (٢)، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله يتغير. فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قلت: بلى يا رسول الله! قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". وكذا رواه النسائي، عن أبي داود الحراني، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عبد الملك بن أبي غنية بإسناده نحوه. وهذا إسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات. وقد روى النسائي في سننه: عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن حماد، عن أبي معاوية عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم. قال: لما رجع رسول الله من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن (٣) ثم قال: " كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " فقلت لزيد سمعته من رسول الله ﷺ فقال ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه. تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي وهذا
стр. 1897
حديث صحيح. وقال ابن ماجة: حدثنا علي بن محمد: أنا أبو الحسين، أنبأنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب. قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع التي حج فنزل في الطريق، فأمر: الصلاة جامعة فأخذ بيد علي فقال: " ألست بأولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى! قال: ألست بأولى بكل مؤمن من نفسه؟، قالوا: بلى! قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر عن علي بن زيد بن جدعان، عن عدي عن البراء. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان: ثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، وأبي هارون عن عدي بن ثابت عن البراء. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فلما أتينا على غدير خم كشح لرسول الله ﷺ تحت شجرتين، ونودي في الناس الصلاة جامعة، ودعا رسول الله ﷺ عليا وأخذ بيده فأقامه عن يمينه فقال: " ألست أولى بكل امرئ من نفسه؟ قالوا: بلى! قال: فإن هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئا لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ورواه ابن جرير عن أبي زرعة عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وأبي هارون العبدي - وكلاهما ضعيف - عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب به. وروى ابن جرير هذا الحديث من حديث موسى بن عثمان الحضرمي - وهو ضعيف جدا - عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء وزيد بن أرقم. فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، ثنا عبد الملك، عن أبي عبد الرحيم الكندي، عن زاذان أبي عمر قال سمعت عليا بالرحبة (١) وهو ينشد الناس من شهد رسول الله ﷺ يوم غدير خم، وهو يقول ما قال؟ قال فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله ﷺ وهو يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه " تفرد به أحمد وأبو عبد الرحيم هذا لا يعرف. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حديث علي بن حكيم الأودي: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، وعن زيد بن يثيغ، قال: نشد علي الناس في الرحبة من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما قال إلا قام؟ قال: فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول لعلي يوم غدير خم " أليس الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى! قال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قال عبد الله وحدثني علي بن حكيم، أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي أمر، مثل حديث أبي إسحاق يعني عن سعيد وزيد وزاد فيه: " وانصر من نصره واخذل من خذله " قال عبد الله وحدثنا علي ثنا شريك، عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم عن النبي ﷺ مثله. وقال النسائي في كتاب " خصائص علي ": حدثنا الحسين بن حرب، ثنا الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب. قال قال علي في الرحبة: أنشد بالله رجلا سمع رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول: " إن الله ولي المؤمنين
стр. 1898
ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره " وكذلك رواه شعبة عن أبي إسحاق وهذا إسناد جيد. ورواه النسائي أيضا من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو ذي أمر. قال نشد علي الناس بالرحبة فقام أناس فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول يوم غدير خم: " من كنت مولاه فإن عليا مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وأحب من أحبه، وابغض من أبغضه وانصر من نصره " ورواه ابن جرير: عن أحمد بن منصور، عن عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن وهب وعبد خير عن علي. وقد رواه ابن جرير: عن أحمد بن منصور عن عبيد الله بن موسى - وهو شيعي ثقة - عن فطر بن خليفة عن أبي إسحاق، عن زيد بن وهب، وزيد بن يثيغ وعمرو ذي أمر: أن عليا أنشد الناس بالكوفة وذكر الحديث. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا يونس بن أرقم، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى شهدت عليا في الرحبة ينشد الناس فقال: أشهد الله من سمع رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول " من كنت مولاه فعلي مولاه " لما قام فشهد. قال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر رجلا بدريا كأني أنظر إلى أحدهم فقالوا نشهد أنا سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خم " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم، فقلنا: بلى يا رسول الله! قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " إسناد ضعيف غريب. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أحمد بن عمير الوكيعي، ثنا زيد بن الحباب، ثنا الوليد بن عقبة بن ضرار القيسي، أنبأنا سماك، عن عبيد بن الوليد القيسي قال: دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى، فحدثني أنه شهد عليا في الرحبة قال: أنشد بالله رجلا سمع رسول الله ﷺ وشهده يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم إلا من قد رآه فقام اثنا عشر رجلا فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله " فقام إلا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته. وروى أيضا عن عبد الأعلى بن عامر التغلبي وغيره عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به. وقال ابن جرير: ثنا أحمد بن منصور، ثنا أبو عامر العقدي وروى ابن أبي عاصم، عن سليمان الغلابي عن أبي عامر العقدي، ثنا كثير بن زيد، حدثني محمد بن عمر بن علي، عن أبيه عن علي: أن رسول الله حضر الشجرة بخم فذكر الحديث وفيه: من كنت مولاه فإن عليا مولاه. وقد رواه بعضهم عن أبي عامر، عن كثير، عن محمد بن عمر بن علي عن علي منقطعا. وقال إسماعيل بن عمرو البجلي وهو ضعيف عن مسعر عن طلحة بن مصرف، عن عميرة بن سعد: أنه شهد عليا على المنبر يناشد أصحاب رسول الله من سمع رسول الله يوم غدير خم فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة وأبو سعيد وأنس بن مالك فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " وقد رواه عبيد الله بن موسى. عن هاني بن أيوب وهو ثقة عن طلحة بن مصرف به. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني حجاج بن الشاعر، ثنا شبابة، ثنا نعيم بن حكيم، حدثني أبو مريم ورجل من جلساء علي عن علي. أن
стр. 1899
رسول الله ﷺ قال يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". قال: فزاد الناس بعد - وال من والاه، وعاد من عاداه. روى أبو داود بهذا السند حديث المخرج. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد وأبو نعيم المعني. قالا: ثنا قطن عن أبي الطفيل. قال جمع علي الناس في الرحبة - يعني رحبة مسجد الكوفة - فقال: أنشد الله كل من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: " أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم! يا رسول الله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " قال فخرجت كأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم. فقلت له إني سمعت عليا يقول: كذا وكذا. قال فما تنكر؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك له. هكذا ذكره الإمام أحمد في مسند زيد بن أرقم ﵁. ورواه النسائي من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم به وقد تقدم. وأخرجه الترمذي: عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة - أو زيد بن أرقم - شك شعبة. أن رسول الله ﷺ قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. ورواه ابن جرير: عن أحمد بن حازم، عن أبي نعيم، عن كامل أبي العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة، عن زيد بن أرقم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن المغيرة عن أبي عبيد، عن ميمون أبي عبد الله. قال قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله منزلا يقال له وادي خم فأمر بالصلاة فصلاها بهجير. قال: فخطبنا وظل رسول الله بثوب على شجرة ستره من الشمس. فقال: " ألستم تعلمون - أو ألستم تشهدون - أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى! قال: فمن كنت مولاه فإن عليا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". ثم رواه أحمد: عن غندر، عن شعبة، عن ميمون أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم إلى قوله من كنت مولاه فعلي مولاه. قال ميمون حدثني بعض القوم عن زيد أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وهذا إسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن وقد صحح الترمذي بهذا السند حديثا في الريث. وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا حنش بن الحارث بن لقيط الأشجعي، عن رباح بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب. قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فهذا مولاه. قال رباح: فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار منهم أبو أيوب الأنصاري. وقال الإمام أحمد: ثنا حنش، عن رباح بن الحارث. قال: رأيت قوما من الأنصار قدموا على علي في الرحبة فقال: من القوم؟ فقالوا: مواليك يا أمير المؤمنين فذكر معناه هذا لفظ وهو من أفراده. وقال ابن جرير: ثنا أحمد بن عثمان أبو الجوزاء، ثنا محمد بن خالد بن عثمة، ثنا موسى بن يعقوب الزمعي وهو صدوق حدثني مهاجر بن مسمار عن عائشة بنت سعد سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يوم الجحفة وأخذ بيد علي فخطب. ثم قال: " أيها الناس إني وليكم قالوا: صدقت! فرفع يد علي
стр. 1900
فقال هذا وليي والمؤدي عني وإن الله موالي من والاه، ومعادي من عاداه ". قال شيخنا الذهبي: وهذا حديث حسن غريب. ثم رواه ابن جرير: من حديث يعقوب بن جعفر بن أبي كبير، عن مهاجر بن مسمار فذكر الحديث وأنه ﵇ وقف حتى لحقه من بعده وأمر برد من كان تقدم فخطبهم الحديث. وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في الجزء الأول من كتاب غدير خم - قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وجدته في نسخة مكتوبة عن ابن جرير - حدثنا محمود بن عوف الطائي، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا إسماعيل بن كشيط، عن جميل بن عمارة، عن سالم بن عبد الله بن عمر. قال ابن جرير - أحسبه قال عن عمر - وليس في كتابي سمعت رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد علي " من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وهذا حديث غريب. بل منكر وإسناده ضعيف. قال البخاري في جميل بن عمارة هذا فيه نظر. وقال المطلب بن زياد: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا بالجحفة بغدير خم فخرج علينا رسول الله ﷺ من خباء أو فسطاط فأخذ بيد علي. فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". قال شيخنا الذهبي: هذا حديث حسن وقد رواه ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، وغيره عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بنحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، وابن أبي بكير. قالا: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حبشي بن جنادة. قال يحيى بن آدم وكان قد شهد حجة الوداع. قال قال: رسول الله ﷺ علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي وقال ابن أبي بكير لا يقضي عني ديني إلا أنا أو علي. وكذا رواه أحمد أيضا: عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل. قال الإمام أحمد وحدثناه الزبيري، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة مثله. قال فقلت لأبي إسحاق: أين سمعت منه؟ قال: وقف علينا على فرس في مجلسنا في جبانة السبيع. وكذا رواه أحمد: عن أسود بن عامر، ويحيى بن آدم عن شريك. ورواه الترمذي عن إسماعيل بن موسى، عن شريك، وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، وإسماعيل بن موسى ثلاثتهم عن شريك به. ورواه النسائي: عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل به. وقال الترمذي حسن صحيح غريب. ورواه سليمان بن قرم - وهو متروك - عن أبي إسحاق عن حبش بن جنادة سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وذكر الحديث. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا شريك، عن أبي يزيد الأودي عن أبيه. قال: دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع الناس إلى فقام إليه شاب. فقال أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قال نعم! ورواه ابن جرير: عن أبي كريب، عن شاذان، عن شريك به تابعه إدريس الأودي، عن أخيه أبي يزيد، واسمه داود بن يزيد به. ورواه ابن جرير أيضا: من حديث إدريس وداود عن أبيهما عن أبي هريرة فذكره. فأما الحديث الذي رواه ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة. قال لما أخذ رسول الله ﷺ
стр. 1901
بيد علي قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه فأنزل الله … (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) *. قال أبو هريرة وهو يوم غدير خم من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا. فإنه حديث منكر جدا بل كذب لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة. ورسول الله ﷺ واقف بها كما قدمنا وكذا قوله إن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم غدير خم يعدل صيام ستين شهرا لا يصح لأنه قد ثبت ما معناه في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا هذا باطل. وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: بعد إيراده هذا الحديث هذا حديث منكر جدا. ورواه حبشون الخلال، وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري وهما صدوقان عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة. قال ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب، ومالك بن الحويرث، وأنس بن مالك وأبي سعيد وغيرهم بأسانيد واهية. قال: وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله ﷺ قاله وأما اللهم وال من والاه فزيادة قوية الاسناد وأما هذا الصوم فليس بصحيح ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام والله تعالى أعلم. وقال الطبراني: حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني، حدثنا علي بن محمد المقدمي، حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي، حدثنا علي بن محمد بن يوسف بن شبان بن مالك بن مسمع، حدثنا سهل بن حنيف بن سهل بن مالك أخي كعب بن مالك عن أبيه عن جده. قال لما قدم رسول الله ﷺ المدينة من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك له. أيها الناس إني عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين راض فاعرفوا ذلك لهم. أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي لا يطلبكم الله بمظلمة أحد منهم. أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا .... (بسم الله الرحمن الرحيم) *.
سنة إحدى عشرة من الهجرة
استهلت هذه السنة وقد استقر الركاب الشريف النبوي بالمدينة النبوية المطهرة مرجعه من حجة الوداع، وقد وقعت في هذه السنة أمور عظام من أعظمها خطبا وفاة رسول الله ﷺ ولكنه ﵇ نقله الله من هذه الدار الفانية إلى النعيم الأبدي في محلة عالية رفيعة ودرجة في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى كما قال تعالى: … (وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى) … [الضحى: ٤] وذلك بعدما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله تعالى بإبلاغها، ونصح أمته ودلهم على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم ونهاهم عما فيه مضرة عليهم في دنياهم وأخراهم. وقد قدمنا ما رواه صاحبا الصحيح من حديث عمر بن الخطاب أنه قال نزل قوله تعالى … (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) … [المائدة: ٣] يوم الجمعة ورسول الله ﷺ واقف بعرفة. وروينا من طريق جيد: أن عمر بن الخطاب حين نزلت هذه الآية بكى فقيل
стр. 1902
ما يبكيك؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، وكأنه استشعر وفاة النبي ﷺ وقد أشار ﵇ إلى ذلك فيما رواه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله ﷺ وقف عند جمرة العقبة وقال لنا: خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا. وقدمنا ما رواه الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي، عن صدقة بن يسار عن ابن عمر. قال: نزلت هذه السورة … (إذا جاء نصر الله والفتح) … في أوسط أيام التشريق فعرف رسول الله ﷺ أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم ذكر خطبته في ذلك اليوم كما تقدم (١). وهكذا قال عبد الله بن عباس ﵄ لعمر بن الخطاب حين سأله عن تفسير هذه السورة بمحضر كثير من الصحابة ليريهم فضل ابن عباس وتقدمه وعلمه حين لامه بعضهم على تقديمه وإجلاسه له مع مشايخ بدر. فقال: إنه من حيث تعلمون ثم سألهم وابن عباس حاضر عن تفسير هذه السورة • (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) … فقالوا: أمرنا إذا فتح لنا أن نذكر الله ونحمده ونستغفره فقال: ما تقول يا بن عباس؟ فقال: هو أجل رسول الله ﷺ نعي إليه. فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تعلم (٢). وقد ذكرنا في تفسير هذه السورة ما يدل على قول ابن عباس من وجوه وإن كان لا ينافي ما فسر به الصحابة ﵃ وكذلك ما رواه الإمام أحمد حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه قال: " إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر ". تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد رواه أبو داود في سننه من وجه آخر جيد.
والمقصود أن النفوس استشعرت بوفاته ﵇ في هذه السنة، ونحن نذكر ذلك ونورد ما روي فيما يتعلق به من الأحاديث والآثار وبالله المستعان ولنقدم على ذلك ما ذكره الأئمة محمد بن إسحاق بن يسار، وأبو جعفر بن جرير، وأبو بكر البيهقي في هذا موضع قبل الوفاة من تعداد حججه وغزواته وسراياه وكتبه ورسله إلى الملوك فلنذكر ذلك ملخصا مختصرا ثم نتبعه بالوفاة.
ففي الصحيحين (٣) من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وحج بعدما هاجر حجة الوداع ولم يحج بعدها. قال أبو إسحاق وواحدة بمكة كذا قال أبو إسحاق السبيعي. وقد قال زيد بن الحباب، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر: أن رسول الله ﷺ حج ثلاث حجات: حجتين قبل أن يهاجر، وواحدة بعدما هاجر معها عمرة وساق ستا وثلاثين بدنة وجاء علي بتمامها من اليمن (٤). وقد قدمنا من غير
стр. 1903
واحد من الصحابة منهم أنس بن مالك في الصحيحين أنه ﵇: اعتمر أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة والعمرة التي مع حجة الوداع. وأما الغزوات فروى البخاري: عن أبي عاصم النبيل (١) عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع. قال: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره علينا رسول الله ﷺ . وفي الصحيحين: عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل عن يزيد (٢) عن سلمة. قال غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات و [خرجت] (٣) فيما يبعث من البعوث تسع غزوات: مرة علينا أبو بكر ومرة علينا أسامة بن زيد. وفي صحيح البخاري من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء. قال: غزا رسول الله ﷺ خمس عشرة غزوة. وفي الصحيحين من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن البراء: أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة وشهد معه منها سبع عشرة أولها العشير أو العسير. وروى مسلم: عن أحمد بن حنبل، عن معتمر، عن كهمس بن الحسن، عن ابن بريدة عن أبيه: أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة. وفي رواية لمسلم من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أنه غزا مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة قاتل منها في ثمان. وفي رواية عنه بهذا الاسناد وبعث أربعا وعشرين سرية قاتل يوم بدر وأحد والأحزاب والمريسيع وخيبر ومكة وحنين. وفي صحيح مسلم: من حديث أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله ﷺ غزا إحدى وعشرين غزوة غزوت معه منها تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعني أبي فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن غزاة غزاها. وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري. قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول الله ﷺ ثمان عشرة غزوة. قال (؟؟؟) وسمعته مرة يقول أربعا وعشرين غزوة فلا أدري أكان ذلك وهما أو شيئا سمعته بعد ذلك. وقال قتادة: غزا رسول الله تسع عشرة قاتل في ثمان منها، وبعث من البعوث أربعا وعشرين. فجميع غزواته وسراياه ثلاث وأربعون. وقد ذكر عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ومحمد إسحاق بن يسار وغير واحد من أئمة هذا الشأن: أنه ﵇ قاتل يوم بدر في رمضان من سنة اثنتين، ثم في أحد في شوال سنة ثلاث، ثم الخندق وبني قريظة في شوال أيضا من سنة اثنتين، ثم في أحد في شوال سنة ثلاث، ثم الخندق وبني قريظة في شوال أيضا من سنة أربع وقيل خمس، في بني المصطلق بالمريسيع في شعبان سنة خمس، ثم في خيبر في صفر سنة سبع ومنهم من يقول سنة ست والتحقيق أنه في أول سنة سبع وآخر سنة ست، ثم قاتل أهل مكة في رمضان سنة ثمان وقاتل هوازن وحاصر أهل الطائف في شوال وبعض ذي الحجة سنة ثمان كما تقدم تفصيله، وحج في سنة ثمان بالناس عتاب بن أسيد نائب مكة، ثم في سنة تسع أبو بكر الصديق، ثم حج رسول الله ﷺ بالمسلمين سنة عشر. وقال محمد بن
стр. 1904
إسحاق (١): وكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة سبعا وعشرين غزوة: غزوة ودان وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر العظمى التي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر، ثم غزوة السويق بطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران معدن بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان من هذيل، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا، فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة القضاء، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قال ابن إسحاق: قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف. قلت: وقد تقدم ذلك كله مبسوطا في أماكنه بشواهده وأدلته ولله الحمد.
قال ابن إسحاق (٢): وكانت بعوثه ﵇ وسراياه ثمانيا وثلاثين من بين بعث وسرية، ثم شرع ﵀ في ذكر تفصيل ذلك. وقد قدمنا ذلك كله أو أكثره مفصلا في مواضعه ولله الحمد والمنة. ولنذكر ملخص ما ذكره ابن إسحاق: بعث عبيدة بن الحارث إلى أسفل ثنية المرة، ثم بعث حمزة بن عبد المطلب إلى الساحل من ناحية العيص، ومن الناس من يقدم هذا على بعث عبيدة كما تقدم فالله أعلم، بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار، بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة، بعث زيد بن حارثة إلى القردة، بعث محمد بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف، بعث مرثد بن أبي مرتد [الغنوي] إلى الرجيع، بعث المنذر بن عمرو إلى بئر معونة، بعث أبي عبيدة إلى ذي القصة، بعث عمر بن الخطاب إلى برية في أرض بني عامر، بعث علي إلى اليمن، بعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى الكديد فأصاب بني الملوح أغار عليهم في الليل فقتل طائفة منهم فاستاق نعمهم فجاء نفرهم في طلب النعم فلما اقتربوا حال بينهم واد من السيل وأسروا في مسيرهم هذا الحارث بن مالك بن البرصاء. وقد حرر ابن إسحاق هذا ها هنا وقد تقدم بيانه، بعث علي بن أبي طالب إلى أرض فدك، بعث أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم أصيب هو وأصحابه، بعث عكاشة إلى الغمرة، بعث أبي سلمة بن عبد الأسد إلى قطن وهو ماء بنجد لبني أسد، بعث محمد بن مسلمة إلى القرطاء من هوازن، بعث بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك، وبعثه أيضا إلى ناحية حنين، بعث زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم، بعث زيد بن حارثة إلى جذام من أرض بني خشين. قال ابن هشام: وهي من أرض حسمى وكان سببها فيما ذكره ابن إسحاق وغيره: أن دحية بن خليفة لما
стр. 1905
رجع من عند قيصر وقد أبلغه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الله فأعطاه من عنده تحفا وهدايا فلما بلغ واديا في أرض بني جذام يقال له شنار أغار عليه الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الضليعيان. والضليع بطن من جذام فأخذا ما معه فنفر حي (١) منهم قد أسلموا فاستنقذوا ما كان قد أخذ لدحية فروده عليه فلما رجع دحية إلى رسول الله ﷺ أخبره الخبر واستسقاه دم الهنيد وابنه عوص، فبعث حينئذ زيد بن حارثة في جيش إليهم فساروا إليهم من ناحية الأولاج فأغار بالماقص من ناحية الحرة، فجمعوا ما وجدوا من مال وناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بني الأحنف، ورجلا من بني خصيب فلما احتاز زيد أموالهم وذراريهم اجتمع نفر منهم برفاعة بن زيد. وكان قد جاءه كتاب من رسول الله ﷺ يدعوهم إلى الله فقرأه عليهم رفاعة فاستجاب له طائفة منهم، ولم يكن زيد بن حارثة يعلم ذلك فركبوا إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة في ثلاثة أيام فأعطوه الكتاب فأمر بقراءته جهرة على الناس. ثم قال: رسول الله كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات. فقال رجل منهم يقال له أبو زيد بن عمرو أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه فبعث معهم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال علي: إن زيدا لا يطيعني فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه علامة فسار معهم على جمل لهم فلقوا زيدا وجيشه ومعهم الأموال والذراري بفيفاء الفحلتين فسلمهم علي جميع ما كان أخذ لهم لم يفقدوا منه شيئا (٢).
بعث زيد بن حارثة أيضا إلى بني فزارة بوادي القرى فقتل طائفة من أصحابه وارتث هو من بين القتلى، فلما رجع آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزوهم أيضا، فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله ﷺ ثانيا في جيش فقتلهم بوادي القرى، وأسر أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر ومعها ابنة لها [وعبد الله بن مسعدة]، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر اليعمري فقتل أم قرفة واستبقى ابنتها وكانت من بيت شرف يضرب بأم قرفة المثل في عزها، وكانت بنتها مع سلمة بن الأكوع فاستوهبها منه رسول الله ﷺ فأعطاها إياه، فوهبها رسول الله لخاله حزن بن أبي وهب فولدت له ابنه عبد الرحمن.
بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر مرتين: إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام (٣) وكان يجمع غطفان لغزو رسول الله ﷺ فبعث رسول الله عبد الله بن رواحة في نفر منهم عبد الله بن أنيس، فقدموا عليه فلم يزالوا يرغبونه ليقدموه على رسول الله ﷺ فسار معهم فلما كانوا بالقرقرة (٤)، على ستة أميال من خيبر، ندم اليسير على مسيره ففطن له عبد الله بن أنيس - وهو يريد
стр. 1906
السيف - فضربه بالسيف فأطن قدمه وضربه اليسير بمخرش (١) من شوحط في رأسه فأمه، ومال كل رجل من المسلمين على صاحبه من اليهود فقتله، إلا رجلا واحدا أفلت على قدميه، فلما قدم ابن أنيس تفل في رأسه رسول الله ﷺ فلم يقح (٢) جرحه ولم يؤذه. قلت: وأظن البعث الآخر (٣) إلى خيبر لما بعثه ﵇ خارصا على نخيل خيبر والله أعلم.
بعث عبد الله بن عتيك وأصحابه إلى خيبر فقتلوا أبا رافع اليهودي، بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بن نبيح فقتله بعرنة. وقد روى ابن إسحاق قصته هاهنا مطولة وقد تقدم ذكرها في سنة خمس والله أعلم، بعث زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا كما تقدم، بعث كعب بن عمير (٤) إلى ذات أطلاح من أرض الشام فأصيبوا جميعا أيضا، بعث عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر إلى بني العنبر من تميم فأغار عليهم فأصاب منهم أناسا ثم ركب وفدهم إلى رسول الله ﷺ في أسراهم فأعتق بعضا وفدى بعضا.
بعث غالب بن عبد الله أيضا إلى أرض بني مرة فأصيب بها مرداس بن نهيك حليف لهم من الحرقة من جهينة قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار. أدركاه فلما شهرا السلاح قال: لا إله إلا الله فلما رجعا لامهما رسول الله ﷺ أشد اللوم فاعتذرا بأنه ما قال ذلك إلا تعوذا من القتل. فقال لأسامة هلا شققت عن قبله وجعل يقول لأسامة: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة. قال أسامة: فما زال يكررها حتى لوددت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك. وقد تقدم الحديث بذلك. بعث عمرو بن العاص إلى دات السلاسل من أرض بني عذرة يستنفر العرب إلى الشام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بلي، فلذلك بعث عمرا يستنفرهم ليكون أنجع فيهم فلما وصل إلى ماء لهم يقال له السلسل خافهم فبعث يستمد رسول الله، فبعث رسول الله ﷺ سرية فيهم أبو بكر وعمر وعليها أبو عبيدة بن الجراح فلما انتهوا إليه تأمر عليهم كلهم عمرو وقال إنما بعثتم مددا لي فلم يمانعه أبو عبيدة لأنه كان رجلا سهلا لينا هينا عند أمر الدنيا فسلم له وانقاد معه، فكان عمرو يصلي بهم كلهم ولهذا لما رجع. قال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال فمن الرجال؟ قال: أبوها. بعث عبد الله بن أبي حدرد إلى بطن أضم وذلك قبل فتح مكة وفيها قصة محلم بن جثامة وقد تقدم مطولا في سنة سبع، بعث ابن أبي حدرد أيضا إلى الغابة، بعث عبد
стр. 1907
الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل. قال محمد بن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح. قال: سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم. قال: فقال عبد الله: أخبرك إن شاء الله عن ذلك تعلم أني كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب النبي ﷺ في مسجده: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وأبو سعيد الخدري وأنا مع رسول الله ﷺ إذ أقبل فتى من الأنصار، فسلم على رسول الله ثم جلس. فقال: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقا. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له، قبل أن ينزل به أولئك الأكياس، ثم سكت الفتى. وأقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذ نزلن بكم - وأعوذ بالله أن تدركوهن - أنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يغلبوا عليها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع، التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم، فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم. قال: ثم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها، فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله ﷺ ثم نقضها ثم عممه بها، وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يا بن عوف فاعتم، فإنه أحسن وأعرف، ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه، فحمد الله وصلى على نفسه، ثم قال: خذه يا بن عوف اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبيكم فيكم. فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء. قال ابن هشام: فخرج إلى دومة الجندل، بعث أبي عبيدة بن الجراح وكانوا قريبا من ثلاثمائة راكب إلى سيف البحر، وزوده ﵇ جرابا من تمر وفيها قصة العنبر وهي الحوت العظيم الذي دسره البحر (١) وأكلهم كلهم منه قريبا من شهر حتى سمنوا وتزودوا منه وشائق أي شرائح، حتى رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأطعموه منه فأكل منه كما تقدم بذلك الحديث. قال ابن هشام: ومما لم يذكر ابن إسحاق من البعوث (٢) - يعني هاهنا -، بعث عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان صخر بن حرب بعد مقتل خبيب بن عدي وأصحابه، فكان من أمره ما قدمناه وكان مع عمرو بن أمية جبار بن صخر، ولم يتفق لهما قتل أبي سفيان بل قتلا رجلا غيره وأنزلا خبيبا عن جذعه، وبعث سالم بن عمير أحد
стр. 1908
البكائين إلى أبي عفك أحد بني عمرو بن عوف وكان قد نجم نفاقه حين قتل رسول الله الحارث بن سويد بن الصامت كما تقدم. فقال يرثيه ويذم - قبحه الله - الدخول في الدين:
لقد عشت دهرا وما أن أرى … من الناس دارا ولا مجمعا
أبر عهودا وأوفى لمن … يعاقد فيهم إذا ما دعا
من أولاد قيلة في جمعهم … يهد الجبال ولم يخضعا
فصدعهم راكب جاءهم … حلال حرام لشتى معا
فلو أن بالعز صدقتم … أو الملك تابعتم تبعا
فقال رسول الله ﷺ . من لي بهذا الخبيث، فانتدب له سالم بن عمير هذا فقتله فقالت أمامة المريدية في ذلك:
تكذب دين الله والمرء أحمدا … لعمرو الذي أمناك بئس الذي يمني (١)
حباك حنيف (٢) آخر الليل طعنة … أبا عفك خذها على كبر السن
وبعث عمير بن عدي الخطمي لقتل العصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد كانت تهجو الاسلام وأهله، ولما قتل أبو عفك المذكور أظهرت النفاق وقالت في ذلك:
بأست بني مالك والنبيت … وعوف وباست بني الخزرج
أطعتم أتاوى من غيركم … فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرؤوس … كما يرتجي ورق المنضج
ألا آنف يبتغي غرة … فيقطع من أمل المرتجي
قال فأجابها حسان بن ثابت فقال:
بنو وائل وبنو واقف … وخطمة دون بني الخزرج
متى ما دعت سفها ويحها … بعولتها والمنايا تجي
فهزت فتى ماجدا عرقه … كريم المداخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدما … وبعيد الهدو فلم يحرج
فقال رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك: ألا آخذ لي من ابنة مروان؟ فسمع ذلك عمير بن عدي فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها [في بيتها] (٣) فقتلها. ثم أصبح فقال: يا رسول الله قتلتها.
стр. 1909
فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير. قال: يا رسول الله هل علي من شأنها. قال: لا تنتطح فيها عنزان. فرجع عمير إلى قومه، وهم يختلفون في قتلها وكان لها خمسة بنون. فقال: أنا قتلتها فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فذلك أول يوم عز الاسلام في بني خطمة فأسلم منهم بشر كثير، لما رأوا من عز الاسلام. ثم ذكر البعث الدين أسروا ثمامة بن أثال الحنفي وما كان من أمره في إسلامه. وقد تقدم ذلك في الأحاديث الصحاح. وذكر ابن هشام أنه هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء. لما كان من قلة أكله بعد إسلامه، وأنه لما انفصل عن المدينة دخل مكة معتمرا وهو يلبي فنهاه أهل مكة عن ذلك فأبى عليهم وتوعدهم بقطع الميرة عنهم من اليمامة فلما عاد إلى اليمامة منعهم الميرة حتى كتب إليه رسول الله ﷺ فأعادها إليهم. وقال بعض بني حنيفة:
ومن الذي لبى بمكة محرما … برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم
وبعث علقمة بن مجزز المدلجي ليأخذ بثأر أخيه وقاص بن مجزز يوم قتل بذي قرد فاستأذن رسول لله ليرجع في آثار القوم فأذن له وأمره على طائفة من الناس فلما قفلوا أذن لطائفة منهم في التقدم واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة وكانت فيه دعابة فاستوقد نارا، وأمرهم أن يدخلوها فلما عزم بعضهم على الدخول. قال إنما كنت أضحك فلما بلغ النبي ﷺ . قال: من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه. والحديث في هذا ذكره ابن هشام عن الدراوردي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان عن أبي سعيد الخدري، وبعث كرز بن جابر لقتل أولئك النفر الذين قدموا المدينة وكانوا من قيس من بجيلة، فاستوخموا المدينة واستوبؤها فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى إبله فيشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا راعيها وهو يسار مولى رسول الله ﷺ ذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا اللقاح. فبعث في آثارهم كرز بن جابر في نفر من الصحابة فجاؤوا بأولئك النفر من بجيلة مرجعه ﵇ من غزوة ذي قرد فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، وهؤلاء النفر إن كانوا هم المذكورين في حديث أنس المتفق عليه أن نفرا ثمانية من عكل أو عرينة قدموا المدينة الحديث، والظاهر أنهم هم فقد تقدم قصتهم مطولة. وإن كانوا غيرهم فها قد أوردنا عيون ما ذكره ابن هشام. والله أعلم قال ابن هشام: وغزوة علي بن أبي طالب [اليمن] (١) التي غزاها مرتين. قال أبو عمرو المدني: بعث رسول الله ﷺ عليا إلى اليمن، وخالدا في جند آخر. وقال إن اجتمعتم فالأمير علي بن أبي طالب. قال: وقد ذكر ابن إسحاق. بعث خالد ولم يذكره في عدد البعوث والسرايا فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعا وثلاثين. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون. قال ابن هشام:
стр. 1910
وهو آخر بعث بعثه رسول الله ﷺ . وقال البخاري حدثنا إسماعيل، ثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته، فقام النبي ﷺ فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده. ورواه الترمذي من حديث مالك. وقال حديث صحيح حسن. وقد انتدب كثير من الكبار من المهاجرين الأولين والأنصار في جيشه فكان من أكبرهم عمر بن الخطاب ومن قال: إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط. فإن رسول الله ﷺ اشتد به المرض وجيش أسامة مخيم بالجرف وقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس كما سيأتي فكيف يكون في الجيش وهو إمام المسلمين بإذن الرسول من رب العالمين، ولو فرض أنه قد انتدب معهم فقد استثناه الشارع من بينهم بالنص عليه للإمامة في الصلاة التي هي أكبر أركان الاسلام، ثم لما توفي ﵊ استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب فأذن له في المقام عند الصديق ونفذ الصديق جيش أسامة كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله.
فصل في الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله ﷺ وكيف ابتدئ رسول الله ﷺ بمرضه الذي مات فيه
قال الله تعالى: … (إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) * [الزمر: ٣٠] وقال تعالى: … (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) * [الأنبياء: ٣٤]. وقال تعالى: … (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) … [الأنبياء: ٣٥] … (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) … [آل عمران: ١٨٥]. وقال تعالى: … (وما محمد إلا رسول قد دخلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) … [آل عمران: ١٤٤ - ١٤٥]. وهذه الآية هي التي تلاها الصديق يوم وفاة رسول الله ﷺ فلما سمعها الناس كأنهم لم يسمعوها قبل. وقال تعالى: • (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) … [النصر: ١ - ٣]. قال عمر بن الخطاب وابن عباس: هو أجل رسول الله نعي إليه. وقال ابن عمر نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع فعرف رسول الله أنه الوداع، فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم، الخطبة المشهورة كما تقدم. وقال جابر: رأيت رسول الله
стр. 1911
يرمي الجمار فوقف. وقال: " لتأخذوا (١) عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا ". وقال ﵇ لابنته فاطمة كم سيأتي: " إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني به العام مرتين وما أرى ذلك إلا اقتراب أجلي ". وفي صحيح البخاري من حديث أبي بكر بن عياش عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: كان رسول الله يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيام فلما كان من العام الذي توفي فيه اعتكف عشرين يوما (٢)، وكان يعرض عليه القرآن في كل رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه القرآن مرتين (٣). وقال محمد بن إسحاق رجع رسول الله ﷺ من حجة الوداع في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرا وبعث أسامة بن زيد فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله ﷺ بشكواه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراده الله من رحمته وكرامته في ليال بقين (٤) من صفر أو في أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله من ذلك فيما ذكر لي أنه خرج إلى بقيع الغرقد، من جوف الليل، فاستغفر لهم ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن جعفر عن عبيد بن جبر (٥) مولى الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة (٦) مولى رسول الله ﷺ . قال: بعثني رسول الله من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن استغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم. قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها. الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل علي فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيه، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة. قال قلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة. قال: لا والله يا أبا مويهبة. لقد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف فبدئ برسول الله وجعه الذي قبضه الله فيه. لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب. وإنما رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن
стр. 1912
إسحاق به (١). وقال الإمام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا الحكم بن فضيل، ثنا يعلى بن عطاء، عن عبيد بن جبر عن أبي مويهبة. قال: أمر رسول الله أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرات فلما كانت [ليلة الثانية] (٢) قال: يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي. قال فركب ومشيت حتى انتهى إليهم فنزل عن دابته وأمسكت الدابة فوقف. أو قال - قام عليهم - فقال: ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، الآخرة أشد من الأولى، فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس. ثم رجع فقال: يا أبا مويهبة إني أعطيت. أو قال: خيرت بين مفاتيح ما يفتح على أمتي من بعدي والجنة أو لقاء ربي قال فقلت: بأبي أنت وأمي فاخترنا. قال: لان ترد علي عقبها ما شاء الله فاخترت لقاء ربي، فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض. وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله: نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن وخيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل. قال البيهقي: وهذا مرسل وهو شاهد لحديث أبي مويهبة (٣) قال ابن إسحاق وحدثني يعقوب بن عتبة، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن (٤) مسعود بن عائشة. قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأن أقول وا رأساه. فقال: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه قالت: ثم قال: وما ضرك لو مت قبل فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك. قالت قلت: والله لكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ونام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز به في بيت ميمونة، فدعا نساءه، فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذن له. قالت: فخرج رسول الله بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه [الأرض] (٥) حتى دخل بيتي. قال عبيد الله فحدثت به ابن عباس فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ هو علي بن أبي طالب. وهذا الحديث له شواهد ستأتي قريبا. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الأصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة. قالت: دخل علي رسول الله وهو يصدع وأنا أشتكي رأسي فقلت: وا رأساه! فقال: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه! ثم قال: وما عليك لو مت قبلي فوليت أمرك، وصليت عليك وواريتك. فقلت: والله إني لأحسب لو كان ذلك، لقد خلوت ببعض نسائك في
стр. 1913
بيتي من آخر النهار [فأعرست بها]، فضحك رسول الله ﷺ ، ثم تمادى به وجعه فاستعز (١) به وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة، فاجتمع إليه أهله. فقال العباس: إنا لنرى برسول الله ﷺ ذات الجنب فهلموا فلنلده، فلدوه (٢) فأفاق رسول الله ﷺ ، فقال: من فعل هذا؟ فقالوا: عمك العباس تخوف أن يكون بك ذات الجنب. فقال رسول الله ﷺ إنها من الشيطان، وما كان الله ليسلطه علي، لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه، إلا عمي العباس، فلد أهل البيت كلهم، حتى ميمونة. وإنها لصائمة يومئذ وذلك بعين رسول الله ﷺ ، ثم استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج وهو بين العباس ورجل آخر - لم تسمه - تخط قدماه بالأرض [إلى بيت عائشة]. قال عبيد الله قال ابن عباس: الرجل الآخر علي بن أبي طالب (٣). قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، ثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول الله واشتد به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له، فخرج وهو بين الرجلين، تخط رجلاه الأرض بين عباس قال: ابن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله - يعني ابن عباس - بالذي قالت عائشة. فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال قلت: لا! قال ابن عباس: هو علي، فكانت عائشة زوج النبي ﷺ تحدث أن رسول الله لما دخل بيتي، واشتد به وجعه. قال: هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس. فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت عائشة: ثم خرج إلى الناس فصلى لهم وخطبهم (٤). وقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من طرق عن الزهري به. وقال البخاري: حدثنا إسماعيل، ثنا سليمان بن بلال قال هشام بن عروة أخبرني أبي عن عائشة. أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدا أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة ﵂: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي، وقبضه الله وإن رأسه لبين سحري ونحري وخالط ريقه ريقي. قالت: ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله ﷺ . فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به وهو مسند إلى صدري (٥). انفرد به البخاري من هذا
стр. 1914
الوجه. وقال البخاري: أخبرنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، حدثني ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: مات النبي ﷺ وأنه لبين حاقنتي وذاقنتي فلا أكره شدة الموت لاحد أبدا بعد النبي ﷺ . وقال البخاري: حدثنا حيان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة أن عائشة أخبرته. أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه (١) بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي ﷺ عنه. ورواه مسلم من حديث ابن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به. والفلاس ومسلم عن محمد بن حاتم كلهم. وثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: اجتمع نساء رسول الله ﷺ عنده لم يغادر منهن امرأة فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ، مشيتها مشية أبيها. فقال: مرحبا بابنتي فأقعدها عن يمينه أو شماله. ثم سارها بشئ فبكت، ثم سارها فضحكت. فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ بالسرار وأنت تبكين! فلما أن قامت. قلت أخبريني ما سارك. فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ . فلما توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتيني. قالت: أما الآن فنعم! قالت سارني في الأول قال لي: إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة، وقد عارضني في هذا العام مرتين ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري فنعم السلف أنا لك، فبكيت. ثم سارني فقال: أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة فضحكت (٢). وله طرق عن عائشة. وقد روى البخاري: عن علي بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة. قالت: لددنا رسول الله ﷺ في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن لا تلدوني؟ قلنا كراهية المريض للدواء. فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم. قال البخاري: ورواه ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ (٣). وقال البخاري: وقال يونس، عن الزهري قال عروة قالت عائشة: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم (٤). هكذا ذكره البخاري معلقا. وقد
стр. 1915
أسنده الحافظ البيهقي عن الحاكم، عن أبي بكر بن محمد (١) بن أحمد بن يحيى الأشقر، عن يوسف بن موسى، عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري به. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الأصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود. قال: لئن أحلف تسعا أن رسول الله ﷺ قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك أن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا (٢). وقال البخاري: ثنا إسحاق بن بشر حدثنا شعيب (٣) عن أبي حمزة حدثني أبي عن الزهري. قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري - وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - أن عبد الله بن عباس أخبره: أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب. فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله فلنسأله فيمن هذا الامر؟ إن كان فينا علمنا ذلك. وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ . فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ . انفرد به البخاري، وقال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا سفيان، عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير. قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ اشتد برسول الله ﷺ وجعه. فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا (٤) بعده أبدا فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: ما شأنه أهجر (٥) استفهموه. فذهبوا يردون عنه. فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، فأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها. ورواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به. ثم قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فقال النبي ﷺ : هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. فقال بعضهم: إن رسول الله قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل
стр. 1916
البيت واختصموا. فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ : قوموا. قال عبيد الله، قال: ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم (١). ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق بنحوه. وقد أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه من حديث معمر ويونس عن الزهري به. وهذا الحديث مما قد توهم به بعض الأغبياء من أهل البدع من الشيعة وغيرهم كل مدع أنه كان يريد أن يكتب في ذلك الكتاب ما يرمون إليه من مقالاتهم، وهذا هو التمسك بالمتشابه. وترك المحكم وأهل السنة يأخذون بالمحكم. ويردون ما تشابه إليه، وهذه طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله في كتابه، وهذا الموضع مما زل فيه أقدام كثير من أهل الضلالات، وأما أهل السنة فليس لهم مذهب إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار، وهذا الذي كان يريد ﵊ أن يكتبه قد جاء في الأحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه. فإنه قد قال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، ثنا نافع، عن ابن عمرو ثنا ابن أبي مليكة، عن عائشة. قالت لما كان وجع رسول الله ﷺ الذي قبض فيه قال " ادعوا لي أبا بكر وابنه لكي لا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمناه متمن. ثم قال: يأبى الله ذلك والمؤمنون ". مرتين. قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون، انفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، عن ابن أبي مليكة عن عائشة. قالت لما ثقل رسول الله قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: " ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم. قال: " أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر " انفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا. وروى البخاري: عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد عن عائشة. قالت: قال رسول الله: لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى متمنون. فقال: يأبى الله - أو يدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون. وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه. قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. فقالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال: " إن لم تجديني فأت أبا بكر ". والظاهر والله أعلم أنها إنما قالت ذلك له ﵇ في مرضه الذي مات فيه صلوات الله وسلامه عليه، وقد خطب ﵊ في يوم الخميس قبل أن يقبض ﵇ بخمس أيام خطبة عظيمة بين فيها فضل الصديق من سائر الصحابة مع ما كان قد نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين كما سيأتي بيانه مع حضورهم كلهم. ولعل خطبته هذه كانت عوضا عما أراد أن يكتبه في الكتاب، وقد اغتسل ﵇ بين يدي هذه الخطبة الكريمة فصبوا عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن وهذا من باب الاستشفاء بالسبع كما وردت بها الأحاديث في
стр. 1917
غير هذا الموضع، والمقصود أنه ﵇ اغتسل ثم خرج فصلى الناس ثم خطبهم كما تقدم في حديث عائشة ﵂.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك. قال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن أيوب بن بشير. أن رسول الله قال في مرضه: أفيضوا علي من سبع قرب من سبع آبار شتى، حتى أخرج فأعهد إلى الناس. ففعلوا فخرج فجلس على المنبر فكان أول ما ذكر، بعد حمد الله والثناء عليه، ذكر أصحاب أحد، فاستغفر لهم ودعا لهم. ثم قال: يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون، والأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم. ثم قال ﵇: أيها الناس إن عبدا من عباد الله قد خيره الله بين الدنيا، وبين ما عند الله. فاختار ما عند الله، ففهمها أبو بكر ﵁، من بين الناس فبكى. وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا وأموالنا (١). فقال رسول الله ﷺ : على رسلك يا أبا بكر! أنظروا إلى هذه الأبواب الشارعة في المسجد فسدوها، إلا ما كان من بيت أبي بكر فإني لا أعلم أحدا عندي أفضل [يدا] (٢) في الصحبة منه. هذا مرسل له شواهد كثيرة. وقال الواقدي: حدثني فروة بن زبيد بن طوسا، عن عائشة بنت سعد، عن أم ذرة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ . قالت: خرج رسول الله عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر، تحدث الناس بالمنبر واستكفوا. فقال: والذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة. ثم تشهد فلما قضى تشهده كان أول ما تكلم به، أن أستغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد. ثم قال: إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا، وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه. وقال: بأبي وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا. فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ . وجعل رسول الله يقول له: على رسلك (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، ثنا فليح، عن سالم أبي النضر، عن بشر بن سعيد، عن أبي سعيد قال: خطب رسول الله الناس فقال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر. قال: فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد، فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به. فقال رسول الله: إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الاسلام ومودته لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر (٤). وهكذا رواه البخاري من حديث أبي عامر العقدي به. ثم رواه
стр. 1918
الإمام أحمد عن يونس عن فليح عن سالم أبي النضر، عن عبيد بن حنين وبشر بن سعيد عن أبي سعيد به. وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث فليح ومالك بن أنس، عن سالم، عن بشر بن سعيد، وعبيد بن حنين كلاهما عن أبي سعيد بنحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو الوليد، ثنا هشام، ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك، ابن أبي المعلى عن أبيه. أن رسول الله خطب يوما فقال: إن رجلا خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها يأكل من الدنيا ما شاء أن يأكل منها، وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه فبكى أبو بكر. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : ألا تعجبون من هذا الشيخ أن ذكر رسول الله رجلا صالحا خيره ربه، بين البقاء في الدنيا وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه، فكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله. فقال أبو بكر: بل نفديك بأموالنا وأبنائنا فقال رسول الله ﷺ : ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته، وذات يده من ابن أبي قحافة، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة، ولكن ود وإخاء وإيمان، ولكن ود وإخاء وإيمان، مرتين وإن صاحبكم خليل الله (١). تفرد به أحمد. قالوا: وصوابه أبو سعيد بن المعلى (٢) فالله أعلم. وقد روى الحافظ البيهقي: من طريق إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - ثنا زكريا بن عدي، ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث، حدثني جندب. أنه سمع رسول الله ﷺ قبل أن يتوفى بخمس وهو يقول: قد كان لي منكم أخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وإن ربي اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإن قوما ممن كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٣). وقد رواه مسلم في صحيحه عن إسحاق بن راهويه بنحوه، وهذا اليوم الذي كان قبل وفاته ﵇ بخمسة أيام هو يوم الخميس الذي ذكره ابن عباس فيما تقدم. وقد روينا هذه الخطبة من طريق ابن عباس. قال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب - هو ابن عوانة الأسفراييني -. قال: ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت يعلى بن حكيم، يحدث عن عكرمة عن ابن عباس. قال: خرج النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي بنفسه وماله من أبي بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلا، لاتخذت أبا
стр. 1919
بكر خليلا، ولكن خلة الاسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر (١). رواه البخاري عن عبيد الله بن محمد الجعفي عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه به. وفي قوله ﵇ سدوا عني كل خوخة - يعني الأبواب الصغار - إلى المسجد غير خوخة أبي بكر إشارة إلى الخلافة أي ليخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين. وقد رواه البخاري أيضا من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة بن الغسيل عن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر فذكر الخطبة، وذكر فيها الوصاة بالأنصار إلى أن قال: فكان آخر مجلس جلس فيه رسول الله ﷺ حتى قبض - يعني آخر خطبة خطبها ﵇. وقد روي من وجه آخر عن ابن عباس بإسناد غريب ولفظ غريب. فقال الحافظ البيهقي: أنبأنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا ابن أبي قماش، وهو محمد بن عيسى، ثنا موسى بن إسماعيل، أبو عمران الجبلي، ثنا معن بن عيسى القزاز، عن الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن أناس (٢) الليثي، عن القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. قال: أتاني رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكا شديدا، وقد عصب رأسه فقال: خذ بيدي يا فضل. قال: فأخذت بيده حتى قعد على المنبر. ثم قال: ناد في الناس يا فضل. فناديت: الصلاة جامعة. قال: فاجتمعوا، فقام رسول الله ﷺ خطيبا فقال: أما بعد أيها الناس إنه قد دنى مني خلوف من بين أظهركم ولن تروني في هذا المقام فيكم، وقد كنت أرى أن غيره غير مغن عني حتى أقومه فيكم، ألا فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد، ولا يقولن قائل أخاف الشحناء من قبل رسول الله، ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي، وان أحبكم إلي من أخذ حقا إن كان له علي أو حللني فلقيت الله وليس لاحد عندي مظلمة. قال: فقام منهم رجل فقال: يا رسول الله لي عندك ثلاثة دراهم. فقال: أما أنا فلا أكذب قائلا. ولا مستحلفه على يمين فيم كانت لك عندي؟ قال: أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم. قال: أعطه يا فضل. قال: وأمر به فجلس. قال عاد رسول الله ﷺ في مقالته الأولى. ثم قال: يا أيها الناس من كان عنده من الغلول شئ فليرده، فقام رجل. فقال: يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله. قال: فلم غللتها؟ قال: كنت إليها محتاجا. قال: خذها منه يا فضل. ثم عاد رسول الله ﷺ في مقالته الأولى وقال: يا أيها الناس من أحس من نفسه شيئا فليقم أدعو الله له. فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني لمنافق وإني لكذوب وإني لنئوم (٣). فقال عمر بن الخطاب: ويحك أيها
стр. 1920
الرجل لقد سترك الله لو سترت على نفسك. فقال رسول الله ﷺ : مه يا بن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقا وايمانا وأذهب عنه النوم إذا شاء. ثم قال رسول الله ﷺ : عمر معي وأنا مع عمر والحق بعدي مع عمر (١). وفي إسناده ومتنه غرابة شديدة. ذكر أمره ﵇ أبا بكر الصديق ﵁ أن يصلي بالصحابة أجمعين قال الإمام أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي عن ابن إسحاق قال وقال ابن شهاب الزهري: حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه (٢) عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. قال: لما استعز برسول الله وأنا عنده في نفر من المسلمين دعا بلال للصلاة فقال: مروا من يصلي بالناس. قال فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا فقلت: قم يا عمر فصل بالناس. قال: فقام فلما كبر عمر سمع رسول الله ﷺ صوته وكان عمر رجلا مجهرا فقال رسول الله: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون. قال: فبعث إلي أبي بكر فجاء بعدما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس. وقال عبد الله بن زمعة. قال لي عمر: ويحك ماذا صنعت يا بن زمعة والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله أمرني بذلك، ولولا ذلك ما صليت. قال قلت: والله ما أمرني رسول الله ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة (٣). وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق حدثني الزهري. ورواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن زمعة فذكره. وقال: أبو داود ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، حدثني موسى بن يعقوب، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن زمعة أخبره بهذا الخبر. قال: لما سمع النبي ﷺ صوت عمر. قال ابن زمعة: خرج النبي ﷺ حتى أطلع رأسه من حجرته ثم قال: لا لا لا يصلي للناس إلا ابن أبي قحافة، يقول ذلك مغضبا. وقال البخاري: ثنا عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، عن إبراهيم. قال الأسود: كنا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والمواظبة لها. قالت: لما مرض النبي ﷺ مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن بلال. فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقيل له إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له فأعاد الثالثة. فقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. فخرج أبو بكر فوجد النبي ﷺ في نفسه خفة
стр. 1921
فخرج يهادي بين رجلين كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن مكانك. ثم أتى به حتى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبي ﷺ يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه نعم! ثم قال البخاري: رواه أبو داود عن شعبة بعضه وزاد أبو معاوية عن الأعمش: جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما. وقد رواه البخاري في غير ما موضع من كتابه ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق متعددة عن الأعمش به. منها ما رواه البخاري عن قتيبة ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى، عن أبي معاوية به. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: مروا أبا بكر فليصل بالناس (١). قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أنها قالت: لقد عاودت رسول الله في ذلك وما حملني على معاودته إلا أني خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر، وإلا أني علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله عن أبي بكر إلى غيره. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت قلت يا رسول الله: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر. قالت والله! ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ قالت فراجعته مرتين أو ثلاثا. فقال: ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صواحب يوسف (٢). وفي الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه. قال: مرض رسول الله ﷺ فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق، متى يقم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس. قال فقال: مروا أبا بكر يصل بالناس فإنكن صواحب يوسف. قال: فصلى أبو بكر حياة رسول الله ﷺ (٣). وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، أنبأنا زائدة [بن قدامة]، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله. قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ فقالت: بلى! ثقل برسول الله ﷺ وجعه فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: صبوا إلي ماء في المخضب ففعلنا. قالت: فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا. فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا. فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف
стр. 1922
في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا. فقال: يا عمر صل بالناس فقال: أنت أحق بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول الله ﷺ وجد خفة، فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه فجعل أبو بكر يصلي قائما ورسول الله ﷺ يصلي قاعدا. قال عبيد الله: فدخلت على ابن عباس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله؟ قال: هات فحدثته فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: سمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا، قال: هو علي (١). وقد رواه البخاري ومسلم جميعا عن أحمد بن يونس عن زائدة به. وفي رواية فجعل أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله وهو قائم والناس يصلون بصلاة أبي بكر ورسول الله ﷺ قاعد. قال البيهقي ففي هذا: أن النبي ﷺ تقدم في هذه الصلاة وعلق أبو بكر صلاته بصلاته. قال: وكذلك رواه الأسود وعروة عن عائشة. وكذلك رواه الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس - يعني بذلك - ما رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثني أبي عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس. قال: لما مرض النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ثم وجد خفة فخرج فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص، فأومأ إليه النبي ﷺ فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر ﵁. ثم رواه أيضا عن وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أرقم عن ابن عباس بأطول من هذا. وقال وكيع مرة فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ والناس يأتمون بأبي بكر. ورواه ابن ماجة عن علي بن محمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس بنحوه. وقد قال الإمام أحمد: ثنا شبابة بن سوار، ثنا شعبة عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ خلف أبا بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح. وقال أحمد: ثنا بكر بن عيسى، سمعت شعبة بن الحجاج، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق عن عائشة: أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﷺ في الصف. وقال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنبأنا عبد الله بن جعفر، أنبأنا يعقوب بن سفيان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبا بكر (٢). وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه. قال البيهقي: وكذلك رواه حميد عن أنس بن مالك ويونس عن الحسن مرسلا. ثم أسند ذلك من طريق هشيم، أخبرنا يونس عن الحسن. قال هشيم: وأنبأنا حميد، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ خرج وأبو بكر يصلي بالناس، فجلس
стр. 1923
إلى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها، فصلى بصلاته. قال البيهقي: وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان. أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبيد بن شريك، أنبأنا ابن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول: آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم في ثوب واحد ملتحفا به خلف أبي بكر (١). قلت وهذا إسناد جيد على شرط الصحيح ولم يخرجوه، وهذا التقييد جيد بأنها آخر صلاة صلاها مع الناس صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر البيهقي: من طريق سليمان بن بلال، ويحيى بن أيوب عن حميد عن أنس. أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه فلما أراد أن يقوم. قال: أدع لي أسامة بن زيد، فجاء فأسند ظهره إلى نحره. فكانت آخر صلاة صلاها قال البيهقي: ففي هذا دلالة إن هذه الصلاة كانت صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة لأنها آخر صلاة صلاها لما ثبت أنه توفي ضحى يوم الاثنين (٢). وهذا الذي قاله البيهقي أخذه مسلما من مغازي موسى بن عقبة فإنه كذلك ذكر. وكذا روى أبو الأسود عن عروة وذلك ضعيف بل هذه آخر صلاة صلاها مع القوم كما تقدم تقييده في الرواية الأخرى والحديث واحد فيحمل مطلقه على مقيده ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة لان تلك لم يصلها مع الجماعة بل في بيته لما به من الضعف، صلوات الله وسلامه عليه والدليل على ذلك ما قال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك وكان تبع النبي ﷺ وخدمه وصحبه. أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة، ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا ﷺ أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر وتوفي من يومه ﷺ (٣). وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وصالح (٤) بن كيسان، ومعمر عن الزهري عن أنس. ثم قال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك. قال: لم يخرج النبي ﷺ ثلاثا فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله بالحجاب (٥). فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم
стр. 1924
وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات ﷺ . ورواه مسلم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به. فهذا أوضح دليل على أنه ﵇ لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح مع الناس، وأنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج إليهم ثلاثا. قلنا فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها معهم الظهر كما جاء مصرحا به في حديث عائشة المتقدم، ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت ولا يوم الأحد كما حكاه البيهقي عن مغازي موسى بن عقبة وهو ضعيف، ولما قدمنا من خطبته بعدها ولأنه انقطع عنهم يوم الجمعة، والسبت، والأحد، وهذه ثلاثة أيام كوامل. وقال الزهري عن أبي بكر بن أبي سبرة. أن أبا بكر صلى بهم سبع عشرة صلاة. وقال غيره عشرين صلاة فالله أعلم. ثم بدا لهم وجهه الكريم صبيحة يوم الاثنين فودعهم بنظرة كادوا يفتتنون بها ثم كان ذلك آخر عهد جمهورهم به ولسان حالهم يقول كما قال بعضهم:
وكنت أرى كالموت من بين ساعة … فكيف ببين كن موعده الحشر
والعجب أن الحافظ البيهقي أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين. ثم قال ما حاصله: فلعله ﵇ احتجب عنهم في أول ركعة ثم خرج في الركعة الثانية فصلى خلف أبي بكر، كما قال عروة وموسى بن عقبة. وخفي ذلك على أنس بن مالك أو أنه ذكر بعض الخبر وسكت عن آخره. وهذا الذي ذكره أيضا بعيد جدا لان أنسا قال: فلم يقدر عليه حتى مات. وفي رواية قال: فكان ذلك آخر العهد به. وقول الصحابي مقدم على قول التابعي والله أعلم. والمقصود أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر الصديق إماما للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الاسلام العملية. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الاسلام. قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء. أن رسول الله ﷺ قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلما قلت: وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه وصلاة الرسول ﷺ خلفه في بعض الصلوات كما قدمنا بذلك الروايات الصحيحة لا ينافي ما روي في الصحيح أن أبا بكر ائتم به ﵇ لان ذلك في صلاة أخرى كما نص على ذلك الشافعي وغيره من الأئمة ﵏ .
فائدة: استدل مالك والشافعي وجماعة من العلماء ومنهم البخاري بصلاته ﵇ قاعدا وأبو بكر مقتديا به قائما والناس بأبي بكر على نسخ قوله ﵇ في الحديث المتفق عليه حين صلى ببعض أصحابه قاعدا. وقد وقع عن فرس فجحش شقة فصلوا وراءه قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف. قال: كذلك والذي نفسي بيده تفعلون كفعل فارس والروم يقومون على عظمائهم وهم جلوس. وقال إنما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا
стр. 1925
رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصل وا جلوسا أجمعون. قالوا: ثم إنه ﵇ أمهم قاعدا وهم قيام في مرض الموت فدل على نسخ ما تقدم. والله أعلم. وقد تنوعت مسالك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال على وجوه كثيرة موضع ذكرها كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وملخص ذلك أن من الناس من زعم أن الصحابة جلسوا لامره المتقدم وإنما استمر أبو بكر قائما لأجل التبليغ عنه ﷺ . ومن الناس من قال: بل كان أبو بكر هو الامام في نفس الامر كما صرح به بعض الرواة كما تقدم. وكان أبو بكر لشدة أدبه مع الرسول الله ﷺ لا يبادره بل يقتدي به فكأنه ﵇ صار إمام الامام فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بأبي بكر وهو قائم، ولم يجلس الصديق لأجل أنه إمام ولأنه يبلغهم عن النبي ﷺ الحركات والسكنات والانتقالات والله أعلم. ومن الناس من قال: فرق بين أن يبتدئ الصلاة خلف الامام في حال القيام فيستمر فيها قائما وإن طرأ جلوس الامام في أثنائها كما في هذه الحال وبين أن يبتدي الصلاة خلف إمام جالس فيجب الجلوس للحديث المتقدم. والله أعلم. ومن الناس من قال: هذا الصنيع والحديث المتقدم دليل على جواز القيام والجلوس وإن كلا منهما سائغ جائز الجلوس لما تقدم والقيام للفعل المتأخر. والله أعلم.
احتضاره ووفاته ﵇
قال الإمام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله هو ابن مسعود. قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته. فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا. قال: أجل! إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم قلت: إن لك أجرين. قال: " نعم! والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها ". وقد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة عن سليمان بن مهران الأعمش به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري. قال: وضع يده على النبي ﷺ فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك. فقال النبي ﷺ : " إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الاجر، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالقمل حتى يقتله، وإن كان الرجل ليبتلي بالعري حتى يأخذ العباءة فيجوبها، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء " فيه رجل مبهم لا يعرف بالكلية. فالله أعلم. وقد روى البخاري ومسلم من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج زاد مسلم - وجرير - ثلاثتهم عن الأعمش، عن أبي وائل، شقيق بن سلمة عن مسروق، عن عائشة. قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ . وفي صحيح البخاري: من حديث يزيد بن الهاد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. قالت: مات رسول الله ﷺ بين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لاحد بعد النبي ﷺ . وفي الحديث الآخر الذي رواه [البخاري]- في صحيحه - قال: قال رسول الله:
стр. 1926
" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة شدد عليه في البلاء ". وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه أسامة بن زيد. قال: لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة فدخلت على رسول الله. وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يصيبها علي (١) أعرف أنه يدعو لي. ورواه الترمذي، عن أبي كريب، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق وقال حسن غريب. وقال الامام مالك في موطائه: عن إسماعيل بن أبي حكيم: أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب. هكذا رواه مرسلا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀. وقد روى البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس. قالا: لما نزل رسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذ اغتم كشفها عن وجهه. فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا (٢). وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو بكر بن أبي رجاء الأديب، أنبأنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: أحسنوا الظن بالله (٣). وفي بعض الأحاديث كما رواه مسلم من حديث الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر. قال قال رسول الله ﷺ : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى ". وفي الحديث الآخر يقول الله تعالى: " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا ". وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، حدثنا الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني: ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة عن أنس. قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الوفاة: " الصلاة وما ملكت أيمانكم " حتى جعل يغرغر بها [في صدره] (٤) وما يفصح بها لسانه. وقد رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، عن جرير بن عبد الحميد به. وابن ماجة عن أبي الأشعث عن معتمر بن سليمان عن أبيه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد، ثنا التيمي، عن قتادة عن أنس بن مالك. قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره وما
стр. 1927
يكاد يفيض بها لسانه. وقد رواه النسائي وابن ماجة من حديث سليمان بن طرخان وهو التيمي، عن قتادة عن أنس به. وفي رواية للنسائي عن قتادة، عن صاحب له، عن أنس به. وقال أحمد: ثنا بكر بن عيسى الراسبي، ثنا عمر بن الفضل، عن نعيم بن يزيد، عن علي بن أبي طالب. قال: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده، قال: فخشيت أن تفوتني نفسه. قال قلت: إني أحفظ وأعي. قال: أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن سفينة، عن أم سلمة قالت: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ عند موته الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يلجلجها في صدره، وما يفيض بها لسانه. وهكذا رواه النسائي عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن سعد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سفينة، عن أم سلمة به قال البيهقي: والصحيح ما رواه عفان، عن همام، عن قتادة عن أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة به (١). وهكذا رواه النسائي أيضا وابن ماجة: من حديث يزيد بن هارون، عن همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة عن أم سلمة به. وقد رواه النسائي أيضا عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة عن سفينة عن النبي ﷺ فذكره. ثم رواه: عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن محمد قال: حدثنا عن سفينة فذكر نحوه. وقال أحمد: ثنا يونس، ثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سرجس عن القاسم، عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو يموت، وعنده قدح فيه ماء، فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت (٢). ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الليث به. وقال الترمذي غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: ليهون علي أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة. تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به. وهذا دليل على شدة محبته ﵇ لعائشة ﵂. وقد ذكر الناس معان كثيرة في كثرة المحبة ولم يبلغ أحدهم هذا المبلغ وما ذاك إلا لأنهم يبالغون كلاما لا حقيقة له وهذا كلام حق لا محالة ولا شك فيه. وقال حماد بن زيد: عن أيوب عن ابن أبي مليكة. قال قالت عائشة: توفي رسول الله ﷺ في بيتي، [ويومي] (٣) وتوفي بين سحري ونحري وكان جبريل يعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه، فرفع بصره إلى السماء وقال: في الرفيق الاعلى، في الرفيق
стр. 1928
الاعلى ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر، وبيده جريدة رطبة، فنظر إليها، فظننت أن له بها حاجة. قالت: فأخذتها فنفضتها فدفعتها إليه، فاستن بها أحسن ما كان مستنا، ثم ذهب يناولنيها فسقطت من يده قالت فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة. ورواه البخاري عن سليمان بن جرير عن حماد بن زيد به. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي، ثنا داود بن (١) عمرو بن زهير الضبي، ثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، أنبأنا ابن أبي مليكة، أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره أن عائشة كانت تقول: إن من نعمة الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في يومي وفي بيتي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت. قالت: دخل علي أخي بسواك معه، وأنا مسندة رسول الله ﷺ إلى صدري فرأيته ينظر إليه. وقد عرفت أنه يحب السواك ويألفه. فقلت: آخذه لك فأشار برأسه، أي نعم! فلينته له فأمره على فيه. قالت: وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه. ثم يقول: لا إله إلا الله. إن للموت لسكرات ثم نصب أصبعه اليسرى، وجعل يقول: في الرفيق الاعلى في الرفيق الاعلى حتى قبض ومالت يده في الماء (٢). ورواه البخاري عن محمد، عن عيسى بن يونس. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم: سمعت عروة يحدث عن عائشة قالت: كنا نحدث أن النبي لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة. قالت: فلما كان مرض رسول الله ﷺ الذي مات فيه عرضت له بحة. فسمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. قالت عائشة: فظننا أنه كان يخير (٣). وأخرجاه من حديث شعبة به. وقال الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت عائشة: فلما نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي - غشي عليه ساعة، ثم أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت. وقال: اللهم الرفيق الاعلى، فعرفت أنه الحديث الذي كان حدثناه، وهو صحيح أنه لم يقبض نبي قط، حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت عائشة فقلت: إذا لا تختارنا. وقالت عائشة: كانت تلك الكلمة آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ الرفيق الاعلى (٤). أخرجاه من غير وجه عن الزهري به. وقال سفيان هو الثوري عن
стр. 1929
إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بردة، عن عائشة قالت: أغمي على رسول الله ﷺ وهو في حجري فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء. فقال: لا، بل أسأل الله الرفيق الاعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل. رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وغيره (١)، قالوا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن عائشة أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها يقول: اللهم اغفر لي وارحمني والحقني بالرفيق. أخرجاه من حديث هشام بن عروة. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، سمعت عائشة تقول: مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وفي دولتي، ولم أظلم فيه أحدا فمن سفهي وحداثة سني. أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت ألدم مع النساء وأضرب وجهي. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله. قال قالت عائشة كان رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه وبين أن يلحق، فكنت قد حفظت ذلك منه فإني لمسندته إلى صدري فنظرت إليه حين مالت عنقه فقلت: قد قضى فعرفت الذي قال، فنظرت إليه حين ارتفع فنظر. قالت قلت: إذا والله لا يختارنا. فقال: مع الرفيق الاعلى في الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. تفرد به أحمد ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا همام، أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت قبض رسول الله ﷺ ورأسه بين سحري ونحري. قالت: فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منها. وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرج أحد من أصحاب الكتب الستة. ورواه البيهقي: من حديث حنبل بن إسحاق عن عفان. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس (٢)، عن أم سلمة قالت: وضعت يدي على صدر رسول الله ﷺ يوم مات فمرت لي جمع آكل، وأتوضأ، وما يذهب ريح المسك من يدي. وقال أحمد: حدثنا عفان وبهز قالا: ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا حميد بن هلال عن أبي بردة. قال دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا غليظا ما يصنع باليمن وكساء من التي يدعون الملبدة فقالت: إن رسول الله ﷺ قبض في هذين الثوبين. وقد رواه الجماعة إلا النسائي من طرق عن حميد بن هلال به. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، ثنا حماد بن سلمة: أنبأنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس. قال ذهبت أنا وصاحب لي إلى
стр. 1930
عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب. فقال صاحبي: يا أم المؤمنين ما تقولين في العراك قالت وما العراك؟ فضربت منكب صاحبي. قالت: مه آذيت أخاك. ثم قالت: ما العراك المحيض! قولوا ما قال الله في المحيض. ثم قالت: كان رسول الله ﷺ يتوشحني وينال من رأسي وبيني وبينه ثوب وأنا حائض. ثم قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مر ببابي مما يلقى الكلمة ينفعني الله بها فمر ذات يوم فلم يقل شيئا ثم مر فلم يقل شيئا مرتين أو ثلاثا فقلت يا جارية ضعي لي وسادة على الباب وعصبت رأسي فمر بي. فقال يا عائشة ما شأنك فقلت: أشتكي رأسي. فقال: أنا وا رأساه فذهب فلم يلبث إلا يسيرا حتى جئ به محمولا في كساء فدخل علي وبعث إلى النساء، فقال إني قد اشتكيت وإني لا أستطيع أن أدور بينكن فأذن لي فلأكن عند عائشة فكنت أمرضه ولم أمرض أحدا قبله فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي فظننت أنه يريد من رأسي حاجة فخرجت من فيه نقطة (١) باردة فوقعت على نقرة نحري فاقشعر لها جلدي فظننت أنه غشي عليه فسجيته ثوبا فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما وجذبت إلي الحجاب. فنظر عمر إليه فقال: وا غشياه ما أشد غشى رسول الله ﷺ ثم قاما فلما دنوا من الباب قال المغيرة: يا عمر مات رسول الله ﷺ فقلت: كذبت بل أنت رجل تحوسك فتنة إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. قالت: ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون مات رسول الله ﷺ ثم أتاه من قبل رأسه فحدرناه فقبل جبهته ثم قال وا نبياه ثم رفع رأسه فحدرناه وقبل جبهته ثم قال وا صفياه ثم رفع رأسه وحدرناه وقبل جبهته وقال وا خليلاه مات رسول الله ﷺ وخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ويتكلم ويقول إن رسول الله لا يموت حتى يفني الله المنافقين. فتكلم أبو بكر: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله يقول … (إنك ميت وإنهم ميتون) … [الزمر: ٣٠] حتى فرغ من الآية .... (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه) … [آل عمران: ١٤٤] حتى فرغ من الآية ثم قال: فمن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. فقال عمر: أو إنها في كتاب الله؟ ما شعرت أنها في كتاب الله. ثم قال عمر: يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو شيبة (٢) المسلمين فبايعوه فبايعوه. وقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل من حديث مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبي عمران الجوني به ببعضه. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة عن عبد الرحمن أن عائشة أخبرته: أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم