← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة شدد عليه في البلاء ". وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه أسامة بن زيد. قال: لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة فدخلت على رسول الله. وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يصيبها علي (١) أعرف أنه يدعو لي. ورواه الترمذي، عن أبي كريب، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق وقال حسن غريب. وقال الامام مالك في موطائه: عن إسماعيل بن أبي حكيم: أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب. هكذا رواه مرسلا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀. وقد روى البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس. قالا: لما نزل رسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذ اغتم كشفها عن وجهه. فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا (٢). وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو بكر بن أبي رجاء الأديب، أنبأنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: أحسنوا الظن بالله (٣). وفي بعض الأحاديث كما رواه مسلم من حديث الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر. قال قال رسول الله ﷺ : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى ". وفي الحديث الآخر يقول الله تعالى: " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا ". وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، حدثنا الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني: ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة عن أنس. قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الوفاة: " الصلاة وما ملكت أيمانكم " حتى جعل يغرغر بها [في صدره] (٤) وما يفصح بها لسانه. وقد رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، عن جرير بن عبد الحميد به. وابن ماجة عن أبي الأشعث عن معتمر بن سليمان عن أبيه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد، ثنا التيمي، عن قتادة عن أنس بن مالك. قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره وما

стр. 1927

يكاد يفيض بها لسانه. وقد رواه النسائي وابن ماجة من حديث سليمان بن طرخان وهو التيمي، عن قتادة عن أنس به. وفي رواية للنسائي عن قتادة، عن صاحب له، عن أنس به. وقال أحمد: ثنا بكر بن عيسى الراسبي، ثنا عمر بن الفضل، عن نعيم بن يزيد، عن علي بن أبي طالب. قال: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده، قال: فخشيت أن تفوتني نفسه. قال قلت: إني أحفظ وأعي. قال: أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن سفينة، عن أم سلمة قالت: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ عند موته الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يلجلجها في صدره، وما يفيض بها لسانه. وهكذا رواه النسائي عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن سعد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سفينة، عن أم سلمة به قال البيهقي: والصحيح ما رواه عفان، عن همام، عن قتادة عن أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة به (١). وهكذا رواه النسائي أيضا وابن ماجة: من حديث يزيد بن هارون، عن همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة عن أم سلمة به. وقد رواه النسائي أيضا عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة عن سفينة عن النبي ﷺ فذكره. ثم رواه: عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن محمد قال: حدثنا عن سفينة فذكر نحوه. وقال أحمد: ثنا يونس، ثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سرجس عن القاسم، عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو يموت، وعنده قدح فيه ماء، فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت (٢). ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الليث به. وقال الترمذي غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: ليهون علي أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة. تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به. وهذا دليل على شدة محبته ﵇ لعائشة ﵂. وقد ذكر الناس معان كثيرة في كثرة المحبة ولم يبلغ أحدهم هذا المبلغ وما ذاك إلا لأنهم يبالغون كلاما لا حقيقة له وهذا كلام حق لا محالة ولا شك فيه. وقال حماد بن زيد: عن أيوب عن ابن أبي مليكة. قال قالت عائشة: توفي رسول الله ﷺ في بيتي، [ويومي] (٣) وتوفي بين سحري ونحري وكان جبريل يعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه، فرفع بصره إلى السماء وقال: في الرفيق الاعلى، في الرفيق

стр. 1928

الاعلى ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر، وبيده جريدة رطبة، فنظر إليها، فظننت أن له بها حاجة. قالت: فأخذتها فنفضتها فدفعتها إليه، فاستن بها أحسن ما كان مستنا، ثم ذهب يناولنيها فسقطت من يده قالت فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة. ورواه البخاري عن سليمان بن جرير عن حماد بن زيد به. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي، ثنا داود بن (١) عمرو بن زهير الضبي، ثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، أنبأنا ابن أبي مليكة، أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره أن عائشة كانت تقول: إن من نعمة الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في يومي وفي بيتي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت. قالت: دخل علي أخي بسواك معه، وأنا مسندة رسول الله ﷺ إلى صدري فرأيته ينظر إليه. وقد عرفت أنه يحب السواك ويألفه. فقلت: آخذه لك فأشار برأسه، أي نعم! فلينته له فأمره على فيه. قالت: وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه. ثم يقول: لا إله إلا الله. إن للموت لسكرات ثم نصب أصبعه اليسرى، وجعل يقول: في الرفيق الاعلى في الرفيق الاعلى حتى قبض ومالت يده في الماء (٢). ورواه البخاري عن محمد، عن عيسى بن يونس. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم: سمعت عروة يحدث عن عائشة قالت: كنا نحدث أن النبي لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة. قالت: فلما كان مرض رسول الله ﷺ الذي مات فيه عرضت له بحة. فسمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. قالت عائشة: فظننا أنه كان يخير (٣). وأخرجاه من حديث شعبة به. وقال الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت عائشة: فلما نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي - غشي عليه ساعة، ثم أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت. وقال: اللهم الرفيق الاعلى، فعرفت أنه الحديث الذي كان حدثناه، وهو صحيح أنه لم يقبض نبي قط، حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت عائشة فقلت: إذا لا تختارنا. وقالت عائشة: كانت تلك الكلمة آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ الرفيق الاعلى (٤). أخرجاه من غير وجه عن الزهري به. وقال سفيان هو الثوري عن

стр. 1929

إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بردة، عن عائشة قالت: أغمي على رسول الله ﷺ وهو في حجري فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء. فقال: لا، بل أسأل الله الرفيق الاعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل. رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وغيره (١)، قالوا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن عائشة أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها يقول: اللهم اغفر لي وارحمني والحقني بالرفيق. أخرجاه من حديث هشام بن عروة. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، سمعت عائشة تقول: مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وفي دولتي، ولم أظلم فيه أحدا فمن سفهي وحداثة سني. أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت ألدم مع النساء وأضرب وجهي. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله. قال قالت عائشة كان رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه وبين أن يلحق، فكنت قد حفظت ذلك منه فإني لمسندته إلى صدري فنظرت إليه حين مالت عنقه فقلت: قد قضى فعرفت الذي قال، فنظرت إليه حين ارتفع فنظر. قالت قلت: إذا والله لا يختارنا. فقال: مع الرفيق الاعلى في الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. تفرد به أحمد ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا همام، أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت قبض رسول الله ﷺ ورأسه بين سحري ونحري. قالت: فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منها. وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرج أحد من أصحاب الكتب الستة. ورواه البيهقي: من حديث حنبل بن إسحاق عن عفان. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس (٢)، عن أم سلمة قالت: وضعت يدي على صدر رسول الله ﷺ يوم مات فمرت لي جمع آكل، وأتوضأ، وما يذهب ريح المسك من يدي. وقال أحمد: حدثنا عفان وبهز قالا: ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا حميد بن هلال عن أبي بردة. قال دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا غليظا ما يصنع باليمن وكساء من التي يدعون الملبدة فقالت: إن رسول الله ﷺ قبض في هذين الثوبين. وقد رواه الجماعة إلا النسائي من طرق عن حميد بن هلال به. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، ثنا حماد بن سلمة: أنبأنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس. قال ذهبت أنا وصاحب لي إلى

стр. 1930

عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب. فقال صاحبي: يا أم المؤمنين ما تقولين في العراك قالت وما العراك؟ فضربت منكب صاحبي. قالت: مه آذيت أخاك. ثم قالت: ما العراك المحيض! قولوا ما قال الله في المحيض. ثم قالت: كان رسول الله ﷺ يتوشحني وينال من رأسي وبيني وبينه ثوب وأنا حائض. ثم قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مر ببابي مما يلقى الكلمة ينفعني الله بها فمر ذات يوم فلم يقل شيئا ثم مر فلم يقل شيئا مرتين أو ثلاثا فقلت يا جارية ضعي لي وسادة على الباب وعصبت رأسي فمر بي. فقال يا عائشة ما شأنك فقلت: أشتكي رأسي. فقال: أنا وا رأساه فذهب فلم يلبث إلا يسيرا حتى جئ به محمولا في كساء فدخل علي وبعث إلى النساء، فقال إني قد اشتكيت وإني لا أستطيع أن أدور بينكن فأذن لي فلأكن عند عائشة فكنت أمرضه ولم أمرض أحدا قبله فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي فظننت أنه يريد من رأسي حاجة فخرجت من فيه نقطة (١) باردة فوقعت على نقرة نحري فاقشعر لها جلدي فظننت أنه غشي عليه فسجيته ثوبا فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما وجذبت إلي الحجاب. فنظر عمر إليه فقال: وا غشياه ما أشد غشى رسول الله ﷺ ثم قاما فلما دنوا من الباب قال المغيرة: يا عمر مات رسول الله ﷺ فقلت: كذبت بل أنت رجل تحوسك فتنة إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. قالت: ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون مات رسول الله ﷺ ثم أتاه من قبل رأسه فحدرناه فقبل جبهته ثم قال وا نبياه ثم رفع رأسه فحدرناه وقبل جبهته ثم قال وا صفياه ثم رفع رأسه وحدرناه وقبل جبهته وقال وا خليلاه مات رسول الله ﷺ وخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ويتكلم ويقول إن رسول الله لا يموت حتى يفني الله المنافقين. فتكلم أبو بكر: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله يقول … (إنك ميت وإنهم ميتون) … [الزمر: ٣٠] حتى فرغ من الآية .... (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه) … [آل عمران: ١٤٤] حتى فرغ من الآية ثم قال: فمن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. فقال عمر: أو إنها في كتاب الله؟ ما شعرت أنها في كتاب الله. ثم قال عمر: يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو شيبة (٢) المسلمين فبايعوه فبايعوه. وقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل من حديث مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبي عمران الجوني به ببعضه. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة عن عبد الرحمن أن عائشة أخبرته: أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم

стр. 1931

الناس، حتى دخل على عائشة فيمم رسول الله ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى. ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها. قال الزهري وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس. فقال: اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس. فقال: اجلس يا عمر. فأبى عمر أن يجلس. فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه. فقال: أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى: … (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبل الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) … الآية. قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم فما سمع بشر من الناس إلا يتلوها. قال الزهري وأخبرني سعيد بن المسيب: أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعرفت أنه الحق فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله ﷺ قد مات (١). ورواه البخاري عن يحيى بن بكير به. وروى الحافظ البيهقي: من طريق ابن لهيعة، ثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير في ذكر وفاة رسول الله ﷺ . قال: وقام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال مات بالقتل والقطع، ويقول: إن رسول الله ﷺ في غشية لو قد قام قتل وقطع، وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن أم مكتوم [قائم] (٢) في مؤخر المسجد يقرأ … (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) … الآية والناس في المسجد يبكون ويموجون لا يسمعون، فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس. فقال: يا أيها الناس، هل عند أحد منكم من عهد من رسول الله ﷺ في وفاته فليحدثنا. قالوا: لا! قال: هل عندك يا عمر من علم؟ قال: لا! فقال العباس: اشهدوا أيها الناس أن أحدا لا يشهد على رسول الله بعهد عهده إليه في وفاته، والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله ﷺ الموت. قال: وأقبل أبو بكر ﵁ من السنح (٣) على دابته حتى نزل بباب المسجد، وأقبل مكروبا حزينا فاستأذن في بيت ابنته عائشة، فأذنت له فدخل، ورسول الله ﷺ قد توفي على الفراش والنسوة حوله، فخمرن وجوههن، واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة، فكشف عن رسول الله ﷺ فجثى عليه يقبله ويبكي ويقول: ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا، توفي رسول الله والذي نفسي بيده رحمة الله عليك يا رسول الله ما أطيبك حيا وميتا، ثم غشاه بالثوب ثم خرج سريعا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس حتى أتى المنبر، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه وقام أبو بكر إلى جانب المنبر، ونادى الناس فجلسوا وأنصتوا فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد. وقال: إن الله نعى نبيه إلى نفسه وهو حي بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم وهو الموت حتى لا يبقى منكم

стр. 1932

أحد إلا الله . قال تعالى … (وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل) … الآية فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟ والله ما علمت أن هذه الآية نزلت قبل اليوم وقد قال الله تعالى لمحمد ﷺ : … (إنك ميت وإنهم ميتون) … [الزمر: ٣٠] وقال الله تعالى: … (كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) … [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: … (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) … [القصص: ٨٨] وقال: … (كل نفس ذائقة الموت إنما توفون أجوركم يوم القيامة) … [آل عمران: ١٤٤] وقال: إن الله عمر محمدا ﷺ وأبقاه حتى أقام دين الله، وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله، وجاهد في سبيل الله، ثم توفاه الله على ذلك، وقد ترككم على الطريقة فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشفاء فمن كان الله ربه فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدا وينزله إلها فقد هلك إلهه. فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وإن كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه، وأن كتاب الله بين أظهرنا وهو النور والشفاء. وبه هدى الله محمدا ﷺ . وفيه حلال الله وحرامه، والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة، ما وضعناها بعد ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله ﷺ فلا يبغين أحد إلا على نفسه. ثم انصرف معه المهاجرون، إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث في غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه (١). قلت كما سنذكره مفصلا بدلائله وشواهده إن شاء الله تعالى وذكر الواقدي عن شيوخه. قالوا: ولما شك في موت النبي ﷺ . فقال بعضهم مات! وقال بعضهم لم يمت، وضعت أسماء بنت عميس يدها على كتفي رسول الله ﷺ فقالت: قد توفي رسول الله ﷺ وقد رفع الخاتم من بين كتفيه، فكان هذا الذي قد عرف به موته. هكذا أورده الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النبوة (٢) من طريق الواقدي وهو ضعيف وشيوخه لم يسمون ثم هو منقطع بكل حال ومخالف لما صح وفيه غرابة شديدة، وهو رفع لخاتم فالله أعلم بالصواب. وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارا كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها ونكارة متونها ولا سيما ما يورده كثير من القصاص المتأخرين وغيرهم فكثير منه موضوع لا محالة وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غنية عن الأكاذيب ومالا يعرف سنده. والله أعلم. فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته ﷺ وقبل دفنه ومن أعظمها وأجلها وأيمنها بركة على الاسلام وأهله بيعة أبي بكر الصديق ﵁

стр. 1933

وذلك لأنه ﵊ لما مات كان الصديق ﵁ قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح وكان إذ ذاك قد أفاق رسول الله ﷺ إفاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع وكشف ستر الحجرة ونظر إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر فأعجبه ذلك وتبسم صلوات الله وسلامه عليه، حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة لفرحهم به وحتى أراد أبو بكر أن يتأخر ليصل الصف، فأشار إليهم أن يمكثوا كما هم وأرخى الستارة وكان آخر العهد به ﵊، فلما انصرف أبو بكر ﵁ من الصلاة دخل عليه، وقال لعائشة: ما أرى رسول الله ﷺ إلا قد أقلع عنه الوجع وهذا يوم بنت خارجة يعني إحدى زوجتيه وكانت ساكنة بالسنح شرقي المدينة فركب على فرس له وذهب إلى منزله وتوفي رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم وقيل عند زوال الشمس. والله أعلم. فلما مات واختلف الصحابة فيما بينهم فمن قائل يقول مات رسول الله ﷺ ومن قائل لم يمت فذهب سالم بن عبيد وراء الصديق إلى السنح فأعلمه بموت رسول الله ﷺ فجاء الصديق من منزله حين بلغه الخبر فدخل على رسول الله ﷺ منزله، وكشف الغطاء عن وجهه وقبله وتحقق أنه قد مات خرج إلى الناس فخطبهم إلى جانب المنبر، وبين لهم وفاة رسول الله ﷺ كما قدمنا وأزاح الجدل وأزال الاشكال، ورجع الناس كلهم إليه وبايعه في المسجد جماعة من الصحابة ووقعت شبهة لبعض الأنصار وقام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الأنصار وتوسط بعضهم بين أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار، حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش فرجعوا إليه وأجمعوا عليه كما سنبينه وننبه عليه. قصة سقيفة بني ساعدة قال الإمام أحمد: ثنا إسحاق بن عيسى الطباع، ثنا مالك بن أنس: حدثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى رحله - قال ابن عباس وكنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف فوجدني وأنا أنتظره - وذلك بمنى في آخر حجة حجها عمر بن الخطاب فقال عبد الرحمن بن عوف: إن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال: إن فلانا يقول لو قد مات عمر بايعت فلانا فقال عمر: إني قائم العشية إن شاء الله في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وأنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس، فأخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعوها ولا يضعوها مواضعها ولكن حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم فتقول ما قلت متمكنا فيعون مقالتك ويضعوها مواضعها. قال عمر: لئن قدمت المدينة صالحا لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه فلما قدمنا المدينة في عقب ذي الحجة وكان يوم الجمعة عجلت الرواح صكة الأعمى قلت

стр. 1934

لمالك: وما صكة الأعمى (١)؟ قال إنه لا يبالي أي ساعة خرج لا يعرف الحر والبرد أو نحو هذا. فوجدت سعيد بن زيد، عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته فلم أنشب أن طلع عمر فلما رأيته قلت: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله. قال: فأنكر سعيد بن زيد ذلك وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد؟ فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام: فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قائل مقالة وقد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب علي، إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله ، فالرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، ألا وإنا قد كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا وإن رسول الله ﷺ قال لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله. وقد بلغني أن قائلا منكم يقول لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة (٢) فتمت ألا وأنها كانت كذلك إلا إن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وأنه كان من خبرنا حين توفي رسول الله ﷺ إن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وتخلف عنها الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت نريد إخواننا من الأنصار فقالا: لا عليكم. أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين. فقلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة فقلت ماله قالوا: وجع فلما جلسنا قام خطيبهم: فأثنى على الله بما هو أهله وقال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة. الاسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا، وتحصنونا (٣) من الامر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد وهو كان أحكم مني، وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حين سكت. فقال: أما بعد فما ذكرتم من خير فأنتم

стр. 1935

أهله، وما تعرف العرب هذا الامر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم. وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تعير نفسي عند الموت. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (١) منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فقلت لمالك: ما يعني أنا جديلها المحكك وعذيقها المرجب؟ قال: كأنه يقول أنا داهيتها. قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الاختلاف. فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعدا فقلت قتل الله سعدا. قال عمر: أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أرفق من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما نبايعهم على مالا نرضى وإما أن نخالفهم فيكون فساد. فمن بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة (٢) أن يقتلا. قال مالك: فأخبرني ابن شهاب عن عروة: أن الرجلين اللذين لقياهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي. قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المسيب أن الذي قال أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب هو الحباب بن المنذر. وقد أخرج هذا الحديث الجماعة في كتبهم من طرق عن مالك وغيره عن الزهري به. وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، عن عمرو، ثنا زائدة، ثنا عاصم، وحدثني حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال لما قبض رسول الله ﷺ . قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر. فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. ورواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وهناد بن السري، عن حسين بن علي الجعفي عن زائدة به. ورواه علي بن المديني، عن حسين بن علي وقال صحيح لا أحفظه إلا من حديث زائدة، عن عاصم. وقد رواه النسائي أيضا من حديث سلمة بن نبيط، عن نعيم بن أبي هند، عن نبيط بن شريط، عن سالم بن عبيد عن عمر مثله وقد روي عن عمر بن الخطاب نحوه من طريق آخر. وجاء من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر. أنه قال قلت: يا معشر المسلمين إن أولى الناس بأمر نبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار وأبو بكر السباق المسن ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده، ثم ضربت على يده وتبايع الناس. وقد روى محمد بن سعد: عن عارم بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد فذكر نحوا من هذه القصة وسمى هذا

стр. 1936

الرجل الذي بايع الصديق قبل عمر بن الخطاب. فقال: هو بشير بن سعد والد النعمان بن بشير. اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ في صائفه من المدينة. قال: فجاء فكشف عن وجهه فقبله. وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا، مات محمد ورب الكعبة. فذكر الحديث. قال: فانطلق أبو بكر وعمر يتعادان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله من شأنهم إلا ذكره. وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا سلكت وادي الأنصار. ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال: - وأنت قاعد - قريش ولاة هذا الامر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الامراء. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عباس، ثنا الوليد بن مسلم، أخبرني يزيد بن سعيد بن ذي عضوان العبسي، عن عبد الملك بن عمير. اللخمي، عن رافع الطائي رفيق أبي بكر الصديق في غزوة ذات السلاسل قال: وسألته عما قيل في بيعتهم. فقال: وهو يحدثه عما تقاولت به الأنصار وما كلمهم به وما كلم به عمر بن الخطاب الأنصار وما ذكرهم به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله ﷺ في مرضه فبايعوني لذلك وقبلتها منهم، وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة. وهذا إسناد جيد قوي ومعنى هذا: أنه ﵁ إنما قبل الامام تخوفا أن يقع فتنة أربى من تركه قبولها ﵁ وأرضاه. قلت كان هذا في بقية يوم الاثنين فلما كان الغد صبيحة يوم الثلاثاء اجتمع الناس في المسجد فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة وكان ذلك قبل تجهيز رسول الله ﷺ تسليما. قال البخاري: أنبأنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام، عن معمر، عن الزهري: أخبرني أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الأخيرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر صامت لا يتكلم. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به هدى الله محمدا ﷺ وأن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين وأنه أولى المسلمين بأموركم، فقدموا فبايعوه وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر. قال الزهري عن أنس بن مالك سمعت عمر يقول يومئذ لأبي بكر: اصعد المنبر! فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه عامة الناس وقال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري، حدثني أنس بن مالك. قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، وقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت [إلا عن رأيي] (١) وما وجدتها في كتاب

стр. 1937

الله ولا كانت عهدا عهدها إلي رسول الله ﷺ ولكني كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا - يقول يكون آخرنا - وأن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله له، وأن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم (١) قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. وهذا إسناد صحيح فقوله ﵁: - وليتكم ولست بخيركم - من باب الهضم والتواضع فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم ﵃. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحافظ الأسفراييني، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وابن إبراهيم بن أبي طالب. قالا: حدثنا ميدار بن يسار. وحدثنا أبو هشام المخزومي، حدثنا وهيب، حدثنا داود بن أبي هند حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري. قال: قبض رسول الله ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره. قال فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم! أما لو قلتم على غير هذا لم نبايعكم، وأخذ بيد أبي بكر. وقال: هذا صاحبكم فبايعوه. فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار. قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير. قال: فدعا بالزبير فجاء. فقال: قلت ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ ، فقام فبايعه. ثم نظر وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء. فقال: قلت ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين. قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فبايعه. هذا أو معناه. وقال أبو علي الحافظ، سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة، يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه، وهذا حديث يسوي بدنة بل يسوي بدرة! وقد رواه البيهقي عن الحاكم وأبي محمد بن حامد المقري كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب، الأصم، عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن عفان بن سلم عن وهيب به ولكن ذكر أن الصديق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر. وفيه: أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه، ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فسأله عنه فقام ناس من

стр. 1938

الأنصار فأتوا به فذكر نحو ما تقدم، ثم ذكر قصة الزبير بعد علي. فالله أعلم. وقد رواه علي بن عاصم عن الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري فذكر نحو ما تقدم، وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب أما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة. وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه كما سنذكره وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة كما سنبينه قريبا، ولكن لما حصل من فاطمة ﵂ عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله ﷺ ولم تعلم بما أخبرها به الصديق ﵁. أنه قال: " لا نورث من تركنا فهو صدقة " فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح كما سنبين ذلك في موضعه، فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك فلم يجبها إلى ذلك. لأنه رأى أن حقا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله ﷺ . هو الصادق البار الراشد التابع للحق ﵁، فحصل لها - وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة - عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشئ، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها ﷺ رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر ﵁ كما سنذكره من الصحيحين وغيرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى معما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله ﷺ . ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم حدثني أبي، أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير. ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصا على الامارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية فقبل المهاجرون مقالته. وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخبره، ولقد أمره رسول الله ﷺ أن يصلي بالناس وهو حي. إسناد جيد. ولله الحمد والمنة فصل ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة المهاجرين منهم والأنصار على تقديم أبي بكر، وظهر برهان قوله ﵇: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ". وظهر له أن رسول الله ﷺ لم ينص على الخلافة عينا لاحد من الناس، لا لأبي بكر كما قد زعمه طائفة من أهل السنة، ولا لعلي كما يقوله طائفة من الرافضة. ولكن أشار إشارة! قوية يفهمها كل ذي لب وعقل إلى الصديق كما قدمنا وسنذكره. ولله الحمد كما ثبت في الصحيحين من حيث هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له إلا تستخلف يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني. يعني - أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، يعني - رسول

стр. 1939

الله ﷺ . قال ابن عمر: فعرفت حين ذكر رسول الله ﷺ أنه غير مستخلف. وقال سفيان الثوري عن عمرو بن قيس عن عمرو بن سفيان. قال: لما ظهر علي على الناس. قال: يا أيها الناس، إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الامارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن يستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله - أو قال حتى ضرب الدين بجرانه (١) - إلى آخره. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو نعيم، ثنا شريك، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان. قال: خطب رجل يوم البصرة حين ظهر علي فقال علي: هذا الخطيب السجسج (٢)، سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع الله فيها ما يشاء. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الزكي بمرو، ثنا عبد الله بن روح المدائني، ثنا شبابة بن سوار، ثنا شعيب بن ميمون، عن حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي عن أبي وائل. قال: قيل لعلي بن أبي طالب، ألا تستخلف علينا؟ فقال ما استخلف رسول الله ﷺ فاستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم. إسناد جيد ولم يخرجوه. وقد قدمنا ما ذكره البخاري: من حديث الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن ابن عباس: أن عباسا وعليا لما خرجا من عند رسول الله ﷺ ، فقال رجل كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال علي: أصبح بحمد الله بارئا. فقال العباس: إنك والله عبد العصا بعد ثلاث، إني لأعرف في وجوه بني هاشم الموت، واني لأرى في وجه رسول الله الموت فاذهب بنا إليه فنسأله فيمن هذا الامر؟ فإن كان فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا أمرناه فوصاه بنا. فقال علي: إني لا أسأله ذلك، والله إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا. وقد رواه محمد بن إسحاق عن الزهري به فذكره. وقال فيه: فدخلا عليه في يوم قبض ﷺ فذكره. وقال في آخره فتوفي رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم. قلت: فهذا يكون في يوم الاثنين يوم الوفاة، فدل على أنه ﵇ توفي من غير وصية في الامارة. وفي الصحيحين عن ابن عباس أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب ذلك الكتاب، وقد قدمنا أنه ﵇ كان طلب أن يكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده فلما أكثروا اللغط والاختلاف عنده. قال: " قوموا عني فما أنا في خير مما تدعونني إليه " وقد قدمنا أنه قال بعد ذلك: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ". وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عون، عن إبراهيم التيمي، عن الأسود قال: قيل لعائشة إنهم يقولون إن رسول الله ﷺ أوصى إلى علي. فقالت: بما أوصى إلى علي؟ لقد دعا بطست ليبول فيها وأنا مسندته إلى صدري فانحنف (٣) فمات

стр. 1940

وما شعرت، فيم يقول هؤلاء إنه أوصى إلى علي؟. وفي الصحيحين من حديث مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى، هل أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا! قلت فلم أمرنا بالوصية، قال: أوصى بكتاب الله . قال طلحة بن مصرف وقال هذيل بن شرحبيل! أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ﷺ ود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله ﷺ فخرم أنفه بخرامة. وفي الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه. قال: خطبنا علي بن أبي طالب ﵁. فقال من زعم أنه عندنا شيئا نقرأه ليس في كتاب الله وهذه الصحيفة - لصحيفة معلقة في سيفه فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات - فقد كذب. وفيها قال قال رسول الله ﷺ : " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور (١) من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم في أخفى مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " (٢). وهذا الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما عن علي ﵁ يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله ﷺ أوصى إليه بالخلافة، ولو كان الامر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته ﷺ بعد وفاته من أن يقتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه ويؤخروا من قدمه بنصه، حاشا وكلا ولما، ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول ﷺ ومضادتهم في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الاسلام وكفر بإجماع الأئمة الاعلام، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام. ثم لو كان مع علي بن أبي طالب ﵁ نص فلم لا كان يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم؟ فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز والعاجز لا يصلح للامارة وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن والخائن الفاسق مسلوب معزول عن الامارة، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل. ثم وقد عرفه وعلمه من بعده هذا محال وافتراء وجهل وضلال. وإنما يحسن هذا في أذهان الجهلة الطغام والمغترين من الأنام، يزينه لهم الشيطان بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد التحكم والهذيان والإفك والبهتان، عياذا بالله مما هم فيه من التخليط والخذلان والتخبيط والكفران، وملاذا بالله بالتمسك بالسنة والقرآن والوفاة على الاسلام والايمان، والموافاة على الثبات والايقان وتثقيل الميزان، والنجاة من النيران والفوز بالجنان إنه كريم منان رحيم رحمن. وفي هذا الحديث الثابت في الصحيحين عن علي الذي قدمناه رد على متقولة كثير من الطرقية

стр. 1941

والقصاص الجهلة في دعواهم أن النبي ﷺ أوصى إلى علي بأشياء كثيرة يسوقونها مطولة، يا علي أفعل كذا، يا علي لا تفعل كذا، يا علي من فعل كذا كان كذا وكذا. بألفاظ ركيكة ومعان أكثرها سخيفة وكثير منها صحفية لا تساوي تسويد الصحيفة. والله أعلم. وقد أورد الحفظ البيهقي: من طريق حماد بن عمرو النصيبي - وهو أحد الكذابين الصواغين - عن السري بن خلاد (١) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ . قال: يا علي أوصيك بوصية أحفظها فإنك لا تزال بخير ما حفظتها، يا علي إن للمؤمن ثلاث علامات الصلاة والصيام والزكاة. قال البيهقي: فذكر حديثا طويلا في الرغائب والآداب وهو حديث موضوع وقد شرطت في أول الكتاب أن لا أخرج فيه حديثا أعلمه موضوعا، ثم روى من طريق حماد بن عمرو، هذا عن زيد بن رفيع، عن مكحول الشامي. قال: هذا ما قال الله ﷺ لعلي بن أبي طالب حين رجع من غزوة حنين وأنزلت عليه سورة النصر. قال البيهقي: فذكر حديثا طويلا في الفتنة وهو أيضا حديث منكر ليس له أصل، وفي الأحاديث الصحيحة كفاية وبالله التوفيق. ولنذكر ها هنا ترجمة حماد بن عمرو أبي إسماعيل النصيبي (٢) روى عن الأعمش وغيره وعنه إبراهيم بن موسى، ومحمد بن مهران، وموسى بن أيوب وغيرهم. قال يحيى بن معين: هو ممن يكذب ويضع الحديث. وقال عمرو بن علي الفلاس وأبو حاتم: منكر الحديث ضعيف جدا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: كان يكذب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن حبان: يضع الحديث وضعا. وقال ابن عدي: عامة حديثه مما لا يتابعه أحد من الثقات عليه. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال الحاكم أبو عبد الله: يروي عن الثقات أحاديث موضوعة، وهو ساقط بمرة. فأما الحديث الذي قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا حمزة بن العباس العقبي ببغداد، ثنا عبد الله بن روح المدائني، ثنا سلام بن سليمان المدائني، ثنا سلام بن سليم الطويل، عن عبد الملك بن عبد الرحمن، عن الحسن المقبري (٣)، عن الأشعث بن طليق، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله بن مسعود. قال: لما ثقل رسول الله ﷺ اجتمعنا في بيت عائشة فنظر إلينا رسول الله ﷺ فدمعت عيناه، ثم قال لنا: قد دنا الفراق، ونعى إلينا نفسه، ثم قال: مرحبا بكم حياكم الله، هداكم الله، نصركم الله، نفعكم الله، وفقكم الله، سددكم الله، وقاكم الله، أعانكم الله. قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم، إني لكم منه نذير مبين، أن لا تعلوا على الله في عبادة وبلاده. فإن الله قال لي ولكم … (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا

стр. 1942

يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) … [القصص: ٨٣]. وقال: … (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) … [العنكبوت: ٦٨]. قلنا: فمتى أجلك يا رسول الله؟ قال: قد دنا الاجل، والمنقلب إلى الله والسدرة المنتهى والكأس الأوفى والفرش الاعلى. قلنا: فمن يغسلك يا رسول الله؟ قال رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم. قلنا: ففيم نكفنك يا رسول الله؟ قال: في ثيابي هذه إن شئتم أو في يمينة أو في بياض مصر. قلنا: فمن يصلي عليك يا رسول الله؟ فبكى وبكينا. وقال: مهلا! غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيكم خيرا، إذا غسلتموني، وحنطتموني وكفنتموني فضعوني على شفير قبري. ثم أخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي علي خليلاي وجليساي جبريل وميكائيل ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنود من الملائكة ﵈، وليبدأ بالصلاة علي رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم ادخلوا علي أفواجا أفواجا وفرادى فرادى، ولا تؤذوني بباكية ولا برنة ولا بضجة (١) ومن كان غائبا من أصحابي فأبلغوه عني السلام، وأشهدكم بأني قد سلمت على من دخل في الاسلام، ومن تابعني في ديني هذا منذ اليوم إلى يوم القيامة. قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله؟ قال: رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم. ثم قال البيهقي تابعه أحمد بن يونس عن سلام الطويل وتفرد به سلام الطويل. قلت: وهو سلام بن مسلم ويقال ابن سليم ويقال ابن سليمان والأول أصح التميمي السعدي الطويل. يروي عن جعفر الصادق وحميد الطويل وزيد العمي وجماعة، وعنه جماعة أيضا منهم: أحمد بن عبد الله بن يونس، وأسد بن موسى، وخلف بن هشام البزار، وعلي بن الجعد، وقبيصة بن عقبة. وقد ضعفه علي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم وأبو زرعة والجوزجاني والنسائي وغير واحد، وكذبه بعض الأئمة، وتركه آخرون. لكن روى هذا الحديث بهذا السياق بطوله الحافظ أبو بكر البزار من غير طريق سلام هذا فقال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن ابن الأصبهاني أنه أخبره عن مرة عن عبد الله فذكر الحديث بطوله. ثم قال البزار: وقد روى هذا عن مرة من غير وجه بأسانيد متقاربة وعبد الرحمن بن الأصبهاني لم يسمع هذا من مرة وإنما هو عمن أخبره عن مرة، ولا أعلم أحدا رواه عن عبد الله بن مرة.

стр. 1943

فصل في ذكر الوقت الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ومبلغ سنه حال وفاته وفي كيفية غسله ﵇ والصلاة عليه ودفنه، وموضع قبره صلوات الله وسلامه عليه لا خلاف أنه ﵇ توفي يوم الاثنين. قال ابن عباس: ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين. ودخل المدينة يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين. رواه الإمام أحمد والبيهقي (١). وقال سفيان الثوري. عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: قال لي أبو بكر أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قلت يوم الاثنين. فقال: إني لأرجو أن أموت فيه فمات فيه. رواه البيهقي من حديث الثوري به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا هريم حدثني ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء تفرد به أحمد. وقال عروة بن الزبير في مغازيه وموسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه أرسلت عائشة إلى أبي بكر، وأرسلت حفصة إلى عمر، وأرسلت فاطمة إلى علي، فلم يجتمعوا حتى توفي رسول الله ﷺ وهو في صدر عائشة وفي يومها: يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال ربيع الأول. وقد قال أبو يعلى: ثنا أبو خيثمة، ثنا ابن عيينة عن الزهري عن أنس. قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله يوم الاثنين كشف الستارة والناس خلف أبي بكر فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، فأراد الناس أن ينحرفوا فأشار إليهم أن أمكثوا وألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم. وهذا الحديث في الصحيح وهو يدل على أن الوفاة وقعت بعد الزوال. والله أعلم. وروى يعقوب بن سفيان: عن عبد الحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، وعن صفوان، عن عمر بن عبد الواحد جميعا عن الأوزاعي. أنه قال: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أحمد بن كامل (٢)، ثنا الحسن بن علي البزار، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه وهو سليمان بن طرخان التيمي في كتاب المغازي. قال: إن رسول الله ﷺ مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وبدأه وجعه عند وليدة له، يقال لها ريحانة، كانت من سبي اليهود، وكان أول يوم مرض [فيه] يوم السبت، وكانت وفاته ﵇ [اليوم العاشر] يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه ﵇ المدينة (٣). وقال الواقدي: حدثنا أبو معشر عن محمد بن قيس. قال: اشتكى رسول الله ﷺ يوم

стр. 1944

الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة في بيت زينب بنت جحش شكوى شديدة، فاجتمع عنده نساؤه كلهن، فاشتكى ثلاثة عشر يوما، وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وقال الواقدي: وقالوا بدئ رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر وتوفي يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وهذا جزم به محمد بن سعد كاتبه، وزاد - ودفن يوم الثلاثاء. قال الواقدي: وحدثني سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض عن المقبري عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ بدئ في بيت ميمونة. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أحمد بن يونس ثنا أبو معشر عن محمد بن قيس. قال: اشتكى رسول الله ﷺ ثلاثة عشر يوما فكان إذا وجد خفة صلى وإذا ثقل صلى أبو بكر ﵁. وقال محمد بن إسحاق: توفي رسول الله ﷺ لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، في اليوم الذي قدم فيه المدينة مهاجرا، واستكمل رسول الله ﷺ في هجرته عشر سنين كوامل. قال الواقدي وهو المثبت عندنا وجزم به محمد بن سعد كاتبه، وقال يعقوب بن سفيان عن يحيى بن بكير عن الليث. إنه قال: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين لليلة خلت من ربيع الأول وفيه قدم المدينة على رأس عشر سنين من مقدمه. وقال سعد بن إبراهيم الزهري: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، رواه ابن عساكر ورواه الواقدي عن أبي معشر عن محمد بن قيس مثله سواء. وقاله خليفة بن خياط أيضا. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفي رسول الله يوم الاثنين مستهل ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مقدمه المدينة، ورواه ابن عساكر أيضا. وقد تقدم قريبا عن عروة وموسى بن عقبة والزهري مثله فيما نقلناه عن مغازيهما. فالله أعلم. والمشهور قول ابن إسحاق والواقدي. ورواه الواقدي عن ابن عباس عن عائشة ﵂ فقال: حدثني إبراهيم بن يزيد عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس. وحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة. قالا: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. ورواه ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه مثله - وزاد ودفن ليلة الأربعاء. وروى سيف بن عمر عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: لما قضى رسول الله ﷺ حجة والوداع ارتحل فأتى المدينة فأقام بها بقية ذي الحجة والمحرم وصفرا، ومات يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول. وروى أيضا عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة. وفي حديث فاطمة عن عمرة عن عائشة مثله إلا أن ابن عباس قال في أوله لأيام مضين منه وقالت عائشة بعدما مضى أيام منه (١). فائدة: قال أبو القاسم السهيلي في الروض ما مضمونه. لا يتصور وقوع وفاته ﵇ يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة وذلك لأنه ﵇ وقف في حجة الوداع

стр. 1945

سنة عشر يوم الجمعة فكان أول ذي الحجة يوم الخميس فعلى تقدير أن تحسب الشهور تامة أو ناقصة أو بعضها تام وبعضها ناقص، لا يتصور أن يكون يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول وقد اشتهر هذا الايراد على هذا القول. وقد حاول جماعة الجواب عنه ولا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد وهو اختلاف المطالع بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس، وأما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة ويؤيد هذا قول عائشة وغيرها خرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة - يعني من المدينة - إلى حجة الوداع ويتعين بما ذكرناه أنه خرج يوم السبت وليس كما زعم ابن حزم انه خرج يوم الخميس لأنه قد بقي أكثر من خمس بلا شك ولا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة لان أنسا قال صلى رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين فعلى هذا إنما رأى أهل المدينة هلال ذي الحجة ليلة الجمعة وإذا كان أول ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة وحسبت الشهور بعده كوامل يكون أول ربيع الأول يوم الخميس فيكون ثاني عشره يوم الاثنين والله أعلم. وثبت في الصحيحين من حديث مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالأبيض الأمهق (١) ولا بالأدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين (٢)، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. وهكذا رواه ابن وهب عن عروة عن الزهري عن أنس، وعن قرة بن ربيعة عن أنس مثل ذلك. قال الحافظ ابن عساكر: حديث قرة عن الزهري غريب. وأما من رواية ربيعة عن أنس فرواها عنه جماعة كذلك ثم أسند من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد وربيعة عن أنس: أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين وكذلك رواه ابن البربري، ونافع بن أبي نعيم، عن ربيعة عن أنس به قال: والمحفوظ عن ربيعة عن أنس ستون. ثم أورده ابن عساكر: من طريق مالك والأوزاعي ومسعر وإبراهيم بن طهمان وعبد الله بن عمر، وسليمان بن بلال، وأنس بن بلال، وأنس بن عياض، والدراوردي ومحمد بن قيس المدني كلهم عن ربيعة عن أنس. قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ستين سنة وقال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، ثنا أبو عمرو بن السماك، ثنا حنبل بن إسحاق ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، حدثنا عبد الوارث، ثنا أبو غالب الباهلي قال: قلت لانس بن مالك: ابن أي الرجال [كان] رسول الله إذ بعث؟ قال: كان ابن أربعين سنة. قال ثم كان ماذا؟ قال كان بمكة عشر سنين

стр. 1946

وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة يوم قبضه الله وهو كأشد (١) الرجال وأحسنهم وأجملهم وألحمهم. ورواه الإمام أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به. وقد روى مسلم عن أبي غسان محمد بن عمرو الرازي الملقب برشح عن حكام بن مسلم (٢)، عن عثمان بن زائدة عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين [وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين] (٣) وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستين. انفرد به مسلم. وهذا لا ينافي ما تقدم عن أنس لان العرب كثيرا ما تحذف الكسر وثبت في الصحيحين من حديث الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة. قالت: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال الزهري وأخبرني سعيد بن المسيب مثله وروى موسى بن عقبة وعقيل ويونس بن يزيد وابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة. قالت: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب مثل ذلك. وقال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة وابن عباس: أن رسول الله ﷺ مكث بمكة عشر سنين يتنزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرا. لم يخرجه مسلم. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: ثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير بن عبد الله عن معاوية بن أبي سفيان. قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين. وهكذا رواه مسلم من حديث غندر، عن شعبة وهو من إفراده دون البخاري. ومنهم من يقول عن عامر بن سعد عن معاوية والصواب ما ذكرناه عن عامر بن سعد عن جرير عن معاوية فذكره. وروينا من طريق عامر بن شراحيل، عن الشعبي، عن جرير بن عبد الله البجلي عن معاوية فذكره. وروى الحافظ ابن عساكر: من طريق القاضي أبي يوسف، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس. قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي عمر وهو ابن ثلاث وستين. وقال ابن لهيعة: عن أبي الأسود، عن عروة عن عائشة قالت: تذاكر رسول الله وأبو بكر ميلادهما عندي فكان رسول الله أكبر من أبي بكر فتوفي رسول الله وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي أبو بكر بعده وهو ابن ثلاث وستين. وقال الثوري عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن. قال: توفي رسول الله وأبو بكر وعمر وهم بنو ثلاث وستين. وقال حنبل حدثنا الإمام أحمد ثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب. قال: أنزل على النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين فأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا، وهذا غريب عنه وصحيح إليه. وقال أحمد: ثنا هشيم، ثنا داود أبي هند، عن الشعبي قال: نبئ رسول الله وهو ابن أربعين سنة فمكث ثلاث سنين، ثم بعث إليه جبريل بالرسالة ثم مكث بعد ذلك عشر سنين ثم هاجر إلى المدينة، فقبض

стр. 1947

وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل: الثابت عندنا ثلاث وستون. قلت وهكذا: روى مجاهد، عن الشعبي، وروى من حديث إسماعيل بن أبي خالد عنه. وفي الصحيحين: من حديث روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ مكث بمكة ثلاث عشرة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. وفي صحيح البخاري: من حديث روح بن عبادة أيضا عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس. قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين ثم مات وهو ابن ثلاث وستين. وكذلك رواه الإمام أحمد: عن روح بن عبادة، ويحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون كلهم عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس به. وقد رواه أبو يعلى الموصلي، عن الحسن بن عمر بن شقيق، عن جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس فذكر مثله. ثم أورده من طرق عن ابن عباس مثل ذلك. ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن أبي حمزة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه: وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقد أسند الحافظ ابن عساكر من طريق مسلم بن جنادة، عن عبد الله بن عمر، عن كريب عن ابن عباس. قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. ومن حديث أبي نضرة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس مثله وهذا القول هو الأشهر وعليه الأكثر. وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل عن خالد الحذاء، حدثني عمار مولى بني هاشم سمعت ابن عباس يقول: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة. ورواه مسلم من حديث خالد الحذاء به. وقال أحمد ثنا حسن بن موسى، ثنا حماد بن سلمة، عن عمارة بن أبي عمار عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أقام بمكة خمس عشرة سنة ثماني سنين - أو سبع - يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمانية أو سبعا يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرا. ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به. وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، ثنا يزيد بن زريع، ثنا يونس، عن عمار مولى بني هاشم. قال: سألت ابن عباس كم أتى لرسول الله ﷺ يوم مات؟ قال: ما كنت أرى مثلك في قومه يخفى عليك ذلك. قال قلت: إني قد سألت فاختلف علي فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال أتحسب؟ قلت: نعم! قال: أمسك أربعين بعث لها وخمس عشرة أقام بمكة يأمن ويخاف وعشرا مهاجرا بالمدينة. وهكذا رواه مسلم من حديث يزيد بن زريع وشعبة بن الحجاج كلاهما عن يونس بن عبيد عن عمار عن ابن عباس بنحوه. وقال الإمام أحمد ثنا ابن نمير، ثنا العلاء بن صالح، ثنا المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير. أن رجلا أتى ابن عباس فقال: أنزل على النبي ﷺ عشرا بمكة وعشرا بالمدينة. فقال من يقول ذلك؟ لقد أنزل عليه بمكة خمس عشرة. وبالمدينة عشرا خمسا وستين وأكثر وهذا من إفراد أحمد إسنادا ومتنا. وقال الإمام أحمد: ثنا هشيم، نثا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران عن ابن عباس. قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة تفرد به أحمد وقد روى الترمذي في كتاب الشمائل وأبو يعلى الموصلي والبيهقي: من حديث

стр. 1948

قتادة، عن الحسن البصري عن دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة: أن النبي ﷺ قبض وهو ابن خمس وستين. ثم قال الترمذي: دغفل لا يعرف له سماعا عن النبي ﷺ وقد كان في زمانه رجلا. وقال البيهقي: وهذا يوافق رواية عمار ومن تابعه عن ابن عباس. ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح فهم أوثق وأكثر وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة وإحدى الروايتين عن أنس والرواية الصحيحة عن معاوية وهي قول سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وأبي جعفر محمد بن علي ﵃. قلت: وعبد الله بن عقبة، والقاسم بن عبد الرحمن، والحسن البصري وعلي بن الحسين وغير واحد. ومن الأقوال الغريبة ما رواه خليفة بن خياط: عن معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة. قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن اثنتين وستين سنة. ورواه يعقوب بن سفيان: عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة مثله. ورواه زيد العمي، عن يزيد عن أنس. ومن ذلك ما رواه محمد بن عابد، عن القاسم بن حميد، عن النعمان بن المنذر الغساني، عن مكحول. قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن اثنتين وستين سنة وأشهر. ورواه يعقوب بن سفيان: عن عبد الحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول. قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف. وأغرب من ذلك كله ما رواه الإمام أحمد عن روح، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن. قال: نزل القرآن على رسول الله ﷺ ثماني سنين بمكة وعشرا بعدما هاجر. فإن كان الحسن ممن يقول بقول الجمهور وهو أنه ﵇ أنزل عليه القرآن وعمره أربعون سنة فقد ذهب إلى أنه ﵇ عاش ثمانيا وخمسين سنة. وهذا غريب جدا، لكن روينا من طريق مسدد عن هشام بن حسان، عن الحسن. أنه قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ستين سنة. وقال خليفة بن خياط: حدثنا أبو عاصم، عن أشعث عن الحسن قال: بعث رسول الله وهو ابن خمس وأربعين، فأقام بمكة عشرا وبالمدينة ثمانيا وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. وهذا بهذا الصفة غريب جدا. والله أعلم. صفة غسله ﵇ قد قدمنا أنهم ﵃ اشتغلوا ببيعة الصديق بقية يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء فلما تمهدت وتوطدت وتمت شرعوا بعد ذلك في تجهيز رسول الله ﷺ مقتدين في كل ما أشكل عليهم بأبي بكر الصديق ﵁. قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء وقد تقدم من حديث ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، ثنا أبو بردة، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه. قال: لما أخذوا في غسل رسول الله ﷺ ناداهم مناد من الداخل أن لا تجردوا عن رسول الله ﷺ قميصه. ورواه ابن ماجة من حديث أبي معاوية عن أبي بردة - واسمه عمرو بن يزيد التميمي كوفي. وقال محمد بن

стр. 1949

إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، سمعت عائشة تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ ، قالوا: ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه، كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، أن غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميص يصبون الماء فوق القميص فيدلكونه بالقميص دون أيديهم. فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه (١). رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق. وقال الإمام أحمد، حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله ﷺ وليس في البيت إلا أهله، عمه العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، والفضل بن عباس وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد بن حارثة وصالح مولاه. فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الناس أوس بن خولي الأنصاري أحد بني عوف بن الخزرج - وكان بدريا - علي بن أبي طالب. فقال: يا علي ننشدك الله وحظنا من رسول الله ﷺ . فقال له علي: أدخل فدخل فحضر غسل رسول الله ﷺ ولم يل من غسله شيئا، فأسنده علي إلى صدره وعليه قميصه، وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع علي. وكان أسامة بن زيد وصالح مولاه هما يصبان الماء، وجعل علي يغسله ولم ير من رسول الله ﷺ شيئا مما يرى من الميت. وهو يقول: بأبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا، حتى إذا فرغوا من غسل رسول الله، - وكان يغسل بالماء والسدر - جففوه ثم صنع به ما يصنع بالميت. ثم أدرج في ثلاثة أثواب ثوبين أبيضين وبرد حبرة، قال ثم دعا العباس رجلين. فقال: ليذهب أحدكما إلى أبي عبيدة بن الجراح - وكان أبو عبيدة يضرح لأهل مكة. وليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الأنصاري - وكان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة. قال: ثم قال العباس حين سرحهما: اللهم خر لرسولك! قال فذهبا فلم يجد صاحب أبي عبيدة أبا عبيدة ووجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فلحد لرسول الله ﷺ انفرد به أحمد (٢). وقال يونس بن بكير: عن المنذر بن ثعلبة، عن الصلت عن العلباء بن أحمر قال: كان علي والفضل يغسلان رسول الله. فنودي علي أرفع طرفك إلى السماء وهذا منقطع. قلت: وقد روى بعض أهل السنن عن علي بن أبي طالب. أن رسول الله ﷺ قال له: " يا علي لا تبد فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ". وهذا فيه إشعار بأمره له في حق نفسه. والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا محمد بن يعقوب، ثنا

стр. 1950

يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا ضمرة (١) ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب. قال قال علي غسلت رسول الله ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا ﷺ . وقد رواه أبو داود في المراسيل وابن ماجة من حديث معمر به، زاد البيهقي في روايته قال سعيد بن المسيب: وقد ولي دفنه ﵇ أربعة علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ، لحدوا له لحدا ونصبوا عليه اللبن نصبا. وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين منهم عامر الشعبي، ومحمد بن قيس وعبد الله بن الحارث وغيرهم بألفاظ مختلفة يطول بسطها ها هنا. وقال البيهقي: وروى أبو عمرو بن كيسان، عن يزيد بن بلال سمعت عليا يقول: أوصى رسول الله ﷺ أن لا يغسله أحد غيري. فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه. قال علي: فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر. قال علي: فما تناولت عضوا إلا كأنه يقلبه معي ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله (٢). وقد أسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار في مسنده. فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا كيسان أبو عمرو عن يزيد بن بلال. قال: قال علي بن أبي طالب: أوصاني النبي ﷺ أن لا يغسله أحد غيري فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه. قال علي: فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر. قلت: هذا غريب جدا. وقال البيهقي: أنبأنا محمد بن موسى بن الفضل، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أسيد بن عاصم، ثنا الحسين بن حفص (٣) عن سفيان، عن عبد الملك بن جريج: سمعت محمد بن علي - أبا جعفر - قال: غسل النبي ﷺ بالسدر ثلاثا، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر كان يقال لها الغرس (٤) بقباء كانت لسعد بن خيثمة، وكان رسول الله يشرب منها، وولي غسله علي والفضل يحتضنه، والعباس يصب الماء، فجعل الفضل يقول أرحني قطعت وتيني إني لأجد شيئا يترطل علي. وقال الواقدي: ثنا عاصم بن عبد الله الحكمي، عن عمر بن عبد الحكم. قال قال رسول الله ﷺ " نعم البئر بئر غرس هي من عيون الجنة وماؤها أطيب المياه ". وكان رسول الله يستعذب له منها وغسل من بئر غرس. وقال سيف بن عمر عن محمد بن عون، عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما فرغ من القبر وصلى الناس الظهر، أخذ العباس في غسل رسول الله ﷺ فضرب عليه كلة (٥) من ثياب يمانية صفاق في جوف البيت، فدخل الكلة ودعا عليا والفضل فكان إذا ذهب إلى الماء ليعاطيهما دعا أبا سفيان بن الحارث فأدخله ورجال من بني هاشم من وراء الكلة، ومن أدخل من الأنصار حيث ناشدوا أبي وسألوه: منهم أوس بن خولي ﵃ أجمعين. ثم

стр. 1951

قال سيف، عن الضحاك بن يربوع الحنفي عن ماهان الحنفي عن ابن عباس، فذكر ضرب الكلة وأن العباس أدخل فيها عليا والفضل وأبا سفيان وأسامة، ورجال من بني هاشم من وراء الكلة في البيت، فذكر أنهم ألقى عليهم النعاس فسمعوا قائلا يقول لا تغسلوا رسول الله فإنه كان طاهرا فقال العباس ألا بلى وقال أهل البيت صدق فلا تغسلوه، فقال العباس: لا ندع سنة لصوت لا ندري ما هو؟ وغشيهم النعاس ثانية فناداهم أن غسلوه وعليه ثيابه. فقال أهل البيت ألا لا. وقال العباس إلا نعم! فشرعوا في غسله وعليه قميص ومجول مفتوح، فغسلوه بالماء القراح وطيبوه بالكافور في مواضع سجوده ومفاصله، واعتصر قميصه ومجوله ثم أدرج في أكفانه، وجمروه عودا وندا (١) ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره وسجوه وهذا السياق فيه غرابة جدا. صفة كفنه ﵊ قال الإمام أحمد: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري، عن القاسم عن عائشة. قالت: أدرج رسول الله ﷺ في ثوب حبرة ثم أخر عنه. قال القاسم: إن بقايا ذلك الثوب لعندنا بعد. وهذا الاسناد على شرط الشيخين. وإنما رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل والنسائي عن محمد بن مثنى ومجاهد بن موسى فروهما كلهم عن الوليد بن مسلم به. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة (٢). وكذا رواه البخاري: عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن هشام، عن أبيه عن عائشة: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية بيض. وأخرجه مسلم: من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجه البخاري: عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري كلاهما عن هشام بن عروة به. وقال أبو داود: ثنا قتيبة، ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. قال: فذكر لعائشة قولهم: في ثوبين وبرد حبرة، فقالت قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه. وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث به. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة (٣) ثنا هناد بن السري، ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. قالت: كفن رسول الله في ثلاثة

стр. 1952

أثواب بيض، سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة، فأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها إنما اشتريت له حلة ليكفن فيها فتركت. وأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها. ثم قال: لو رضيها الله لنبيه ﷺ لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها. رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره عن أبي معاوية، ثم رواه البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة. قالت: كفن رسول الله في برد حبرة كانت لعبد الله بن أبي بكر، ولف فيها ثم نزعت عنه (١)، فكان عبد الله بن أبي بكر قد أمسك تلك الحلة لنفسه، حتى يكفن فيها إذا مات. ثم قال بعد أن أمسكها: ما كنت أمسك لنفسي شيئا منع الله رسوله ﷺ أن يكفن فيه، فتصدق بثمنها عبد الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية بيض. ورواه النسائي: عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق. قال الإمام أحمد: حدثنا مسكين بن بكير، عن سعيد يعني ابن عبد العزيز قال قال مكحول حدثني عروة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب رياط يمانية. انفرد به أحمد. وقال أبو يعلى الموصلي: ثنا سهل بن حبيب الأنصاري، ثنا عاصم بن هلال، إمام مسجد أيوب، ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر. قال: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية. وقال سفيان، عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب، ووقع في بعض الروايات، ثوبين صحاريين (٢) وبرد حبرة. وقال الإمام أحمد: ثنا ابن إدريس، ثنا يزيد عن مقسم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب في قميصه الذي مات فيه، وحلة نجرانية - الحلة ثوبان - ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وابن ماجة عن علي بن محمد ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس بنحوه. وهذا غريب جدا. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان عن ابن أبي ليلى، عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: قال: كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين وبرد حمراء. انفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أبو بكر الشافعي: ثنا علي بن الحسن، ثنا حميد بن الربيع، ثنا بكر - يعني ابن عبد الرحمن - ثنا عيسى - يعني المختار - عن محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. قال: كفن رسول الله في ثوبين أبيضين وبرد حمراء. وقال أبو يعلى: ثنا سليمان الشاذ كوني، ثنا يحيى بن أبي الهيثم، ثنا عثمان بن عطاء، عن أبيه عن ابن عباس عن الفضل. قال: كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين سحوليين، زاد فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وبرد أحمر. وقد رواه غير واحد عن إسماعيل المؤدب عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه عن ابن عباس عن

стр. 1953

الفضل. قال: كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين وفي رواية سحولية. فالله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر: من طريق أبي طاهر المخلص، ثنا أحمد بن إسحاق البهلول، ثنا عباد بن يعقوب. ثنا شريك عن أبي إسحاق. قال: وقعت على مجلس بني عبد المطلب وهم متوافرون، فقلت لهم: في كم كفن رسول الله ﷺ ؟ قالوا: في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا قباء ولا عمامة قلت: كم أسر منكم يوم بدر؟ قالوا: العباس ونوفل وعقيل. وقد روى البيهقي من طريق الزهري عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: كفن رسول الله في ثلاثة أثواب أحدها برد حمراء حبرة. وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من طريق في صحتها نظر عن علي بن أبي طالب. قال: كفنت رسول الله ﷺ في ثوبين سحوليين وبرد حبرة. وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا إبراهيم بن الوليد ثنا محمد بن كثير، ثنا هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. قال: كفن رسول الله ﷺ في ريطتين وبرد نجراني. وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن هشام وعمران القطان عن قتادة عن سعيد، عن أبي هريرة به. وقد رواه الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى، ثنا نصر بن طريف، عن قتادة ثنا ابن المسيب عن أم سلمة: أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب أحدها برد نجراني. وقال البيهقي: وفيما روينا عن عائشة بيان سبب الاشتباه على الناس وأن الحبرة أخرت عنه. والله أعلم، ثم روى الحافظ البيهقي من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن حسن بن صالح، عن هارون بن سعيد. قال: كان عند علي مسك فأوصى أن يحنط به، وقال هو من فضل حنوط رسول الله ﷺ (١). ورواه من طريق إبراهيم بن موسى عن حميد عن حسن عن هارون عن أبي وائل عن علي فذكره. كيفية الصلاة عليه ﷺ وقد تقدم الحديث الذي رواه البيهقي من حديث الأشعث بن طليق، والبزار من حديث الأصبهاني كلاهما عن مرة عن ابن مسعود: في وصية النبي ﷺ أن يغسله رجال أهل بيته، وأنه قال: كفنوني في ثيابي هذه أو في يمانية أو بياض مصر، وأنه إذا كفنوه يضعونه على شفير قبره ثم يخرجون عنه حتى تصلي عليه الملائكة، ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه، ثم الناس بعدهم فرادى. الحديث بتمامه وفي صحته نظر كما قدمنا. والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: لما مات رسول الله ﷺ أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالا حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا، لم يأمهم على رسول الله ﷺ أحد (٢). وقال الواقدي: حدثني أبي بن عياش بن سهل بن سعد، عن أبيه عن جده قال: لما أدرج

стр. 1954

رسول الله ﷺ في أكفانه وضع على سريره، ثم وضع على شفير حفرته، ثم كان الناس يدخلون عليه رفقاء رفقاء لا يؤمهم عليه أحد. قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم قال: وجدت كتابا بخط أبي، فيه أنه لما كفن رسول الله ﷺ ووضع على سريره، دخل أبو بكر وعمر ﵄، ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت. فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد. فقال أبو بكر وعمر - وهما في الصف الأول حيال رسول الله ﷺ اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لامته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، وأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، وأجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، لا نبتغي بالايمان به بديلا، ولا نشتري به ثمنا أبدا. فيقول الناس: آمين آمين ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلى الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان (١). وقد قيل إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء، وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه كما سيأتي بيان ذلك قريبا. والله أعلم. وهذا الصنيع، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه أمر مجمع عليه لا خلاف فيه، وقد اختلف في تعليله. فلو صح الحديث الذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك، ويكون من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه. وليس لاحد أن يقول لأنه لم يكن لهم إمام، لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه ﵇ بعد تمام بيعة أبي بكر ﵁ وأرضاه، وقد قال بعض العلماء إنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة من كل فرد فرد من آحاد الصحابة رجالهم ونساءهم وصبيانهم حتى العبيد والإماء. وأما السهيلي فقال ما حاصله: إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر كل واحد من المؤمنين أن يباشر الصلاة عليه منه إليه، والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل. قال وأيضا: فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة. فالله أعلم. وقد اختلف المتأخرون من أصحاب الشافعي في مشروعية الصلاة على قبره لغير الصحابة. فقيل نعم! لان جسده ﵇ طري في قبره لان الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما ورد بذلك الحديث في السنن وغيرها فهو كالميت اليوم، وقال آخرون: لا يفعل لان السلف ممن بعد الصحابة لم يفعلوه، ولو كان مشروعا لبادروا إليه ولثابروا عليه. والله أعلم. صفة دفنه ﵇ وأين دفن قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج أخبرني أبي - وهو عبد العزيز بن جريج:

стр. 1955

أن أصحاب النبي ﷺ ، لم يدروا أين يقبروا النبي ﷺ . حتى قال أبو بكر: سمعت النبي ﷺ يقول لم يقبرني إلا حيث يموت، فأخروا فراشه وحفروا تحت فراشه ﷺ . وهذا فيه انقطاع بين عبد العزيز بن جريج وبين الصديق فإنه لم يدركه. لكن رواه الحافظ أبو يعلى: من حديث ابن عباس وعائشة عن أبي بكر الصديق ﵃. فقال: حدثنا أبو موسى الهروي، ثنا أبو معاوية، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر، عن ابن أبي مليكة عن عائشة. قالت: اختلفوا في دفن النبي ﷺ حين قبض، فقال أبو بكر: سمعت النبي ﷺ يقول: " لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه " فقال ادفنوه حيث قبض. وهكذا رواه الترمذي عن أبي كريب عن أبي معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت من رسول الله شيئا ما نسيته. قال: " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه ". ادفنوه في موضع فراشه، ثم إن الترمذي ضعف المليكي ثم قال وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه رواه ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ . وقال الأموي عن أبيه عن ابن إسحاق عن رجل حدثه عن عروة عن عائشة: إن أبا بكر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه لم يدفن نبي قط إلا حيث قبض " قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني محمد بن سهل التميمي، ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان بالمدينة حفاران فلما مات النبي ﷺ قالوا أين ندفنه؟ فقال أبو بكر ﵁ في المكان الذي مات فيه، وكان أحدهما يلحد والآخر يشق، فجاء الذي يلحد فلحد للنبي ﷺ . وقد رواه مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه منقطعا. وقال أبو يعلى: حدثنا جعفر بن مهران، ثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال لما أرادوا أن يحفروا للنبي ﷺ وكان أبو عبيدة الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة وكان يلحد، فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة: وقال للآخر اذهب إلى أبي طلحة. اللهم خره لرسولك. قال: فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله ﷺ فلما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه. فقال قائل ندفنه في مسجده. وقال قائل: ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض ". فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفي فيه فحفروا له تحته، ثم أدخل الناس على رسول الله ﷺ يصلون عليه أرسالا [دخل] (١) الرجال حتى إذا فرغ منهم، أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء، أدخل الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد. فدفن رسول الله ﷺ من أوسط الليل ليلة الأربعاء. وهكذا رواه ابن ماجة عن نصر بن علي الجهضمي، عن وهب بن جرير، عن أبيه عن محمد بن إسحاق فذكر بإسناده مثله. وزاد في آخره ونزل في حفرته علي بن أبي طالب

стр. 1956

والفضل وقثم ابنا عباس وشقران مولى رسول الله ﷺ . قال أوس بن خولي - وهو أبو ليلى - لعلي بن أبي طالب: أنشدك الله! وحظنا من رسول الله ﷺ ، قال له علي: انزل وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله ﷺ يلبسها فدفنها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك! فدفنت مع رسول الله ﷺ . وقد رواه الإمام أحمد: عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن ابن إسحاق مختصرا. وكذلك رواه يونس بن بكير وغيره عن إسحاق به. وروى الواقدي عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ : " ما قبض الله نبيا إلا ودفن حيث قبض ". وروى البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين (١) أو محمد بن جعفر بن الزبير. قال: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقالوا: كيف ندفنه، مع الناس أو في بيوته؟ فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض ". فدفن حيث كان فراشه رفع الفراش وحفر تحته. وقال الواقدي: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن عبد الرحمن بن سعيد - يعني ابن يربوع - قال: لما توفي النبي ﷺ اختلفوا في موضع قبره. فقال قائل: في البقيع فقد كان يكثر الاستغفار لهم، وقال قائل: عند منبره، وقال قائل: في مصلاه. فجاء أبو بكر فقال: إن عندي من هذا خبرا وعلما، سمعت رسول الله يقول: " ما قبض نبي إلا دفن حيث توفي ". قال الحافظ البيهقي: وهو في حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وفي حديث ابن جريج عن أبيه كلاهما عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ مرسلا. وقال البيهقي: عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سلمة بن نبيط بن شريط، عن أبيه عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة -. قال: دخل أبو بكر على رسول الله ﷺ حيث مات ثم خرج، فقيل له: توفي رسول الله ﷺ قال: نعم! فعلموا أنه كما قال وقيل له: أنصلي عليه وكيف نصلي عليه؟ قال: تجيئون عصبا عصبا فتصلون فعلموا أنه كما قال. قالوا: هل يدفن وأين؟ قال: حيث قبض الله روحه فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه كما قال (٢). وروى البيهقي: من حديث سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب. قال: عرضت عائشة على أبيها رؤيا وكان من أعبر الناس، قالت: رأيت ثلاثة أقمار وقعن في حجري، فقال لها: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسول الله ﷺ قال يا عائشة: هذا خير أقمارك (٣). ورواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشة منقطعا. وفي الصحيحين عنها أنها قالت:

стр. 1957

توفي النبي ﷺ في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا، وأول ساعة من الآخرة. وفي صحيح البخاري، من حديث أبي عوانة من هلال الوراق، عن عروة عن عائشة. قالت سمعت رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه يقول: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". قالت عائشة، ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. وقال ابن ماجة: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا مبارك بن فضالة حدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك. قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان بالمدينة (١) رجل يلحد والآخر يضرح فقالوا نستخير الله ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي ﷺ . تفرد به ابن ماجة، وقد رواه الإمام أحمد: عن أبي النضر هاشم بن القاسم به. وقال ابن ماجة أيضا: حدثنا عمر بن شبة عن عبيدة بن زيد (٢) ثنا عبيد بن طفيل، ثنا عبد الرحمن بن أبي مليكة، حدثني ابن أبي مليكة عن عائشة. قالت: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم. فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله ﷺ حيا ولا ميتا - أو كلمة نحوها - فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعا فجاء اللاحد فلحد لرسول الله ﷺ ثم دفن، تفرد به ابن ماجة. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا العمري عن نافع، عن ابن عمر وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة. أن رسول الله ﷺ ألحد له لحد تفرد به أحمد من هذين الوجهين. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن شعبة، وابن جعفر، ثنا شعبة، حدثني أبو حمزة عن ابن عباس. قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة به. وقد رواه وكيع عن شعبة وقال وكيع: كان هذا خاصا برسول الله ﷺ رواه ابن عساكر. وقال ابن سعد: أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن: أن رسول الله ﷺ بسط تحته قطيفة حمراء كان يلبسها، قال: وكانت أرضا ندية. وقال هشيم بن منصور عن الحسن قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء كان أصابها يوم حنين قال الحسن: جعلها لان المدينة أرض سبخة. وقال محمد بن سعد: ثنا حماد بن خالد الخياط، عن عقبة بن أبي الصهباء سمعت الحسن يقول قال رسول الله ﷺ : " افرشوا لي قطيفة في لحدي فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء " (٣). وروى الحافظ البيهقي: من حديث مسدد، ثنا عبد الواحد، ثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال قال علي: غسلت النبي ﷺ فذهبت أنظر إلى ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا. قال: وولي دفنه ﵊ وإجنانه دون الناس أربعة، علي والعباس والفضل وصالح مولى النبي ﷺ ، ولحد للنبي ﷺ لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا. وذكر البيهقي عن بعضهم: أنه نصب

стр. 1958

على لحده ﵇ تسع لبنات. وروى الواقدي: عن ابن أبي سبرة، عن [عباس بن] (١) عبد الله بن معبد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين، إلى أن زاغت الشمس يوم الثلاثاء، يصلي الناس عليه، وسريره على شفير قبره. فلما أرادوا أن يقبروه ﵇ نحوا السرير قبل رجليه، فأدخل من هناك. ودخل في حفرته العباس وعلي وقثم والفضل وشقران. وروى البيهقي من حديث إسماعيل السدي، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: دخل قبر رسول الله ﷺ العباس وعلي والفضل وسوى لحده رجل من الأنصار وهو الذي سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر. قال ابن عساكر: صوابه يوم أحد. وقد تقدم رواية ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله علي والفضل وقثم وشقران، وذكر الخامس وهو أوس بن خولي، وذكر قصة القطيفة التي وضعها في القبر شقران. وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو طاهر المحمد آبادي، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان بن سعيد هو الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال حدثني أبو مرحب. قال: كأني أنظر إليهم في قبر النبي ﷺ أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف. وهكذا رواه أبو داود: عن محمد بن الصباح، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد به. ثم رواه أحمد بن يونس، عن زهير، عن إسماعيل عن الشعبي حدثني مرحب أو أبو مرحب: أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي قال: إنما يلي الرجل أهله. وهذا حديث غريب جدا. وإسناده جيد قوي ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد قال أبو عمر بن عبد البر في استيعابه أبو مرحب: اسمه سويد بن قيس، وذكر أبا مرحب آخر وقال لا أعرف خبره. قال ابن الأثير في [أسد] الغابة: فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالثا غيرهما. ولله الحمد. آخر الناس به عهدا ﵊ قال الإمام أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن مقسم، أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن مولاه عبد الله بن الحارث. قال: اعتمرت مع علي في زمان عمر أو زمان عثمان فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكبت له غسلا فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه. قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ ، قالوا: أجل! عن ذلك جئنا نسألك. قال (٢): أحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن عباس. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء إلا أنه قال قبله عن ابن إسحاق: وكان المغيرة بن شعبة يقول:

стр. 1959

أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله ﷺ وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر، وإنما طرحته عمدا لامس رسول الله ﷺ فأكون آخر الناس عهدا به. قال ابن إسحاق فحدثني والدي إسحاق بن يسار عن مقسم عن مولاه عن عبد الله بن الحارث. قال: اعتمرت مع علي فذكر ما تقدم. وهذا الذي ذكر عن المغيرة بن شعبة لا يقتضي أنه حصل له ما أمله فإنه قد يكون علي ﵁ لم يمكنه من النزول في القبر بل أمر غيره فناوله إياه، وعلى ما تقدم يكون الذي أمره بمناولته له قثم بن عباس. وقد قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. قال: ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله ﷺ . فقال علي: إنما ألقيته لتقول نزلت في قبر النبي ﷺ فنزل فأعطاه أو أمر رجلا فأعطاه (١). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وأبو كامل. قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني عن أبي عسيب (٢) أو أبي غنم قال بهز: إنه شهد الصلاة على النبي ﷺ قالوا: كيف نصلي؟ قال: ادخلوا أرسالا أرسال، فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر، قال فلما وضع في لحده قال المغيرة: قد بقي من رجليه شئ لم تصلحوه قالوا: فادخل فأصلحه فدخل وأدخل يده فمس قدميه ﵇. فقال: أهيلوا علي التراب فأهالوا عليه حتى بلغ إلى أنصاف ساقيه ثم خرج. فكان يقول: أنا أحدثكم عهدا برسول الله ﷺ . متى وقع دفنه ﵊ وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثتني فاطمة بنت محمد (٣) امرأة عبد الله بن أبي بكر وأدخلني عليها حتى سمعته منها من عمرة عن عائشة. إنها قالت: ما علمنا بدفن النبي ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء. وقال الواقدي حدثنا ابن أبي سبرة، عن الحليس بن هشام، عن عبد الله بن وهب، عن أم سلمة. قالت بينا نحن مجتمعون نبكي لم ننم ورسول الله ﷺ في بيوتنا ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذا سمعنا صوت الكرازين (٤) في السحر. قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر النبي ﷺ وبكى وانتحب، فزادنا حزن، وعالج الناس الدخول إلى قبره فغلق دونهم، فيا لها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به ﷺ . وقد روى الإمام أحمد: من حديث محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء وقد تقدم مثله في غير ما حديث. وهو الذي نص عليه غير واحد من الأئمة سلفا وخلفا،

стр. 1960

معهم سليمان بن طرخان التيمي، وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى بن عقبة وغيرهم. وقد روى يعقوب بن سفيان، عن عبد الحميد (١) بن بكار عن محمد بن شعيب عن الأوزاعي أنه قال: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء. وهكذا روى الإمام أحمد: عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرت أن رسول الله ﷺ مات في الضحى يوم الاثنين ودفن من الغد في الضحى. وقال يعقوب (٢) حدثنا سفيان، ثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد عن أبيه وعن ابن جريج عن أبي جعفر: أن رسول الله توفي يوم الاثنين، فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار، فهو قول غريب والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه ﵇ توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء. ومن الأقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب بن سفيان، عن عبد الحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن أبي النعمان عن مكحول قال: ولد رسول الله يوم الاثنين، وأوحى إليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن يدخل عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون ولا يؤمهم عليه أحد. فقوله إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن غريبا، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله ودفن ليلة الأربعاء كما قدمنا. والله أعلم. وضده ما رواه سيف عن هشام عن أبيه قال: توفي رسول الله يوم الاثنين، وغسل يوم الاثنين ودفن ليلة الثلاثاء. قال سيف: وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجمعيه عن عائشة به، وهذا غريب جدا. وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن أبي عتيق عن جابر بن عبد الله. قال: رش على قبر النبي ﷺ الماء رشا، وكان الذي رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرب بالماء إلى الجدار لم يقدر على أن يدور من الجدار (٣). وقال سعيد بن منصور عن الدراوردي عن يزيد بن عبد الله بن أبي يمن، عن أم سلمة. قالت: توفي رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وقال ابن خزيمة: حدثنا مسلم بن حماد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، عن كريب عن ابن عباس. قال: توفي رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء وقال الواقدي حدثني أبي بن عباس (٤) بن سهل بن سعد، عن أبيه. قال: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء وقال أبو بكر بن أبي الدنيا عن محمد بن سعد: توفي رسول الله يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء. وقال عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، ثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيري (٥) ثنا

стр. 1961

عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: مات رسول الله ﷺ يوم الاثنين، فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء. وهكذا قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو جعفر الباقر. صفة قبره ﵊ قد علم بالتواتر أنه ﵊ دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر ﵄. وقد قال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، ثنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنما، تفرد به البخاري (١). وقال أبو داود: ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هاني عن القاسم. قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه. فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ تفرد به أبو داود. وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبي فديك عن عمرو بن عثمان عن القاسم. قال: فرأيت النبي ﵇ مقدما، وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ ، وعمر رأسه عند رجل النبي ﷺ . قال البيهقي: وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة لان الحصباء لا تثبت إلا على المسطح (٢). وهذا عجيب من البيهقي ﵀ فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه. وقد روى الواقدي عن الدراوردي، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: جعل قبر النبي ﷺ مسطحا. وقال البخاري ثنا فروة بن أبي المغراء، ثنا علي بن مسهر، عن هشام، عن عروة عن أبيه قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنها قدم النبي ﷺ فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة لا والله ما هي قدم النبي ﷺ ، ما هي إلا قدم عمر. وعن هشام عن أبيه عن عائشة: أنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبدا. قلت: كان الوليد بن عبد الملك حين ولي الامارة في سنة ست وثمانين قد شرع في بناء جامع

стр. 1962

دمشق وكتب إلى نائبه بالمدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يوسع في مسجد المدينة فوسعه حتى من ناحية الشرق فدخلت الحجرة النبوية فيه (١). وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن زاذان مولى الفرافصة، وهو الذي بنى المسجد النبوي أيام ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة، فذكر عن سالم بن عبد الله نحو ما ذكره البخاري، وحكى صفه القبور كما رواه أبو داود. ما أصاب المسلمين من المصيبة بوفاته ﷺ قال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، ثنا ثابت عن أنس. قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب. فقالت فاطمة: واكرب أبتاه. فقال لها: " ليس على أبيك كرب بعد اليوم " فلما مات قالت: وا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب (٢)؟ تفرد به البخاري ﵀. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن زيد، ثنا ثابت البناني. قال أنس: فلما دفن النبي ﷺ قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم رسول الله ﷺ في التراب ورجعتم. وهكذا رواه ابن ماجة مختصرا من حديث حماد بن زيد به. وعنده قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه. وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنما قلنا هذا لان رسول الله ﷺ نهى عن النياحة. وقد روى الإمام أحمد والنسائي من حديث شعبة، سمعت قتادة، سمعت مطرفا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه - فيما أوصى به إلى بنيه - أنه قال: ولا تنوحوا علي فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه. وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في النوادر عن عمرو بن ميمون عن شعبة به. ثم رواه عن علي بن المديني، عن المغيرة بن سلمة، عن الصعق بن حزن، عن القاسم بن مطيب، عن الحسن البصري عن قيس بن عاصم به. قال: لا تنوحوا علي فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة. ثم رواه عن علي، عن محمد بن الفضل، عن الصعق، عن القاسم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عاصم به. وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عقبة بن سنان، ثنا عثمان بن عثمان، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لم ينح عليه. وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا ثابت، عن أنس. قال: لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شئ. قال: وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا (٣). وهكذا رواه الترمذي

стр. 1963

وابن ماجة جميعا عن بشر بن هلال الصواف عن جعفر بن سليمان الضبعي به وقال الترمذي هذا حديث صحيح غريب. قلت: وأسناده على شرط الصحيحين، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان وقد أخرج له الجماعة رواه الناس عنه كذلك. وقد أغرب الكديمي وهو محمد بن يونس ﵀ في روايته له حيث قال: ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس. قال: لما قبض رسول الله ﷺ أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها - أو لا يبصرها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. وراه البيهقي من طريقه كذلك، وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ عن أبي الوليد الطيالسي كما قدمنا وهو المحفوظ والله أعلم. وقد روى الحافظ الكبير وأبو القاسم بن عساكر من طريق أبي حفص بن شاهين، ثنا حسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة، ثنا محمد بن يزيد الرواسي، ثنا سلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري. قال: لما دخل رسول الله ﷺ بالمدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شئ. وقال ابن ماجة: ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي، عن ابن عون عن الحسن عن أبي بن كعب. قال: كنا مع رسول الله ﷺ وإنما وجهنا واحد، فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا. وقال أيضا ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا خالد بن (١) محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي، حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي، حدثني مصعب بن عبد الله عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه فتوفي أبو بكر وكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة. فتوفي عمر - وكان عثمان وكانت الفتنة فتلفت الناس يمينا وشمالا. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا حماد، عن ثابت عن أنس: أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله ﷺ فقيل لها ما يبكيك؟ على النبي ﷺ ؟ فقالت: إني قد علمت أن رسول الله سيموت، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا. هكذا رواه مختصرا. وقد قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجاوردي. قالا: ثنا الحسن بن علي الخولاني (٢) ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. قال: ذهب رسول الله ﷺ إلى أم أيمن زائرا وذهبت معه، فقربت إليه شرابا. فإما كان صائما وأما كان لا يريده، فرده. فأقبلت على رسول الله ﷺ تضاحكه. فقال أبو بكر بعد وفاة النبي ﷺ

стр. 1964

لعمر: انطلق بنا إلى أم يمن نزورها، فلما انتهينا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله. قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان (١). ورواه مسلم منفردا به عن زهير بن حرب عن عمرو بن عاصم به. وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول الله ﷺ وخطبة أبي بكر فيها. قال: ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة وأم أيمن قاعدة تبكي، فقيل لها ما يبكيك؟ قد أكرم الله نبيه ﷺ فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا. فقالت: إنما أبكي على خبر السماء، كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع ورفع، فعليه أبكي. فعجب الناس من قولها. وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه وحدثت عن أبي أسامة. وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو أسامة حدثني يزيد بن عبد الله عن أبي برد عن أبي موسى عن النبي ﷺ . قال: " إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر إليها فأقر عينه بهلكها حين كذبوه وعصوا أمره ". تفرد به مسلم إسنادا ومتنا. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد الحميد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله - هو ابن مسعود عن النبي ﷺ . قال: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام ". قال: وقال رسول الله ﷺ : " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ". ثم قال البزار لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه. قلت: وأما أوله وهو قوله ﵇: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام " فقد رواه النسائي من طرق متعددة عن سفيان الثوري وعن الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب عن أبيه به. وقد قال الإمام أحمد حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأسود الصنعاني عن أوس بن أوس. قال قال رسول الله ﷺ : " من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفي النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي ". قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - يعني قد بليت -. قال: " إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈ ". وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله، وعن الحسن بن علي، والنسائي عن إسحاق بن منصور ثلاثتهم عن حسين بن علي به. ورواه ابن ماجة: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حسين بن علي (٢)، عن جبر، عن أبي الأشعث عن شداد (٣) بن أوس فذكره. قال شيخنا أبو الحجاج المزي وذلك وهم من

стр. 1965

ابن ماجة، والصحيح أوس بن أوس وهو الثقفي ﵁. قلت: وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب. كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أوس بن أوس. ثم قال ابن ماجة: حدثنا عمرو بن سواد المصري، ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء. قال قال رسول الله ﷺ : " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي (١) علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها ". قال قلت: وبعد الموت؟ قال: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈ نبي الله حي ويرزق (٢) " وهذا من إفراد ابن ماجة ﵀. وقد عقد الحافظ ابن عساكر ها هنا بابا في إيراد الأحاديث المروية في زيارة قبره الشريف صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وموضع استقصاء ذلك في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى. ما ورد من التعزية به ﵊ قال ابن ماجة: حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين، ثنا أبو همام، وهو محمد بن الزبرقان الأهوازي ثنا موسى بن عبيدة ثنا مصعب بن محمد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة. قالت: فتح رسول الله ﷺ بابا بينه وبين الناس - أو كشف سترا - فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم رجاء أن يخلفه فيهم بالذي رآهم. فقال: " يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي، عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي " تفرد به ابن ماجة (٣). وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه، ثنا شافع بن محمد، ثنا أبو جعفر بن سلامة الطحاوي، ثنا المزني ثنا الشافعي، عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص، عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجالا من قريش دخلوا على أبيه علي بن الحسين. فقال: ألا أحدثكم عن رسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى! فحدثنا عن أبي القاسم. قال: لما أن مرض رسول الله ﷺ أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك تكريما لك، وتشريفا لك، وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك. يقول كيف تجدك؟ قال: " أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا " ثم جاءه اليوم الثاني فقال له، ذلك فرد عليه النبي ﷺ كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث فقال له كما قال أول يوم ورد عليه كما رد، وجاء معه ملك يقال له: إسماعيل على مائة ألف ملك كل ملك على مائة ألف ملك، فاستأذن عليه، فسأل عنه. ثم قال جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك، ما
следующие страницы →