← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وكان هجرها في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفر، فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه رضي عن زينب ودخل عليها، فقالت ما أدري ما أجزيك؟ فوهبتها له ﷺ . روى سيف بن عمر: عن سعيد بن عبد الله عن ابن أبي مليكة عن عائشة. أن رسول الله ﷺ كان يقسم لمارية وريحانة مرة، ويتركهما مرة. وقال أبو نعيم: قال أبو محمد بن عمر الواقدي: توفيت ريحانة سنة عشرة وصلى عليها عمر بن الخطاب ودفنها بالبقيع ولله الحمد. فصل في ذكر أولاده ﵊ لا خلاف أن جميع أولاده من خديجة بنت خويلد سوى إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية، قال محمد بن سعد: أنبأنا هشام بن الكلبي أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس. قال: كان أكبر (١) ولد رسول الله ﷺ القاسم، ثم زينب (٢)، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم - وهو أول ميت من ولده بمكة - ثم مات عبد الله فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله … (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر) … قال ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، فمات ابن ثمانية عشر شهرا. وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري: ثنا عبد الباقي بن نافع، ثنا محمد بن زكريا، ثنا العباس بن بكار: حدثني محمد بن زياد والفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: ولدت خديجة من النبي ﷺ عبد الله بن محمد، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينا رسول الله يكلم رجلا والعاص بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل من هذا؟ قال له هذا الأبتر. وكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الأبتر، فأنزل الله … (إن شانئك هو الأبتر) … أي مبغضك هو الأبتر من كل خير. قال ثم ولدت له زينب، ثم ولدت له رقية، ثم ولدت له القاسم، ثم ولدت الطاهر، ثم ولدت المطهر، ثم ولدت الطيب، ثم ولدت المطيب، ثم ولدت أم كلثوم، ثم ولدت فاطمة. وكانت أصغرهم. وكانت خديجة إذا ولدت ولدا دفعته إلى من يرضعه. فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غيرها. وقال الهيثم بن عدي: حدثنا هشام بن عروة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: كان للنبي ﷺ ابنان، طاهر والطيب. وكان يسمي أحدهما عبد شمس. والآخر عبد العزى وهذا فيه نكارة. والله أعلم. وقال محمد بن عائذ: أخبرني الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أن خديجة ولدت القاسم والطيب والطاهر ومطهر وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم. وقال الزبير بن بكار: أخبرني عمي مصعب بن

стр. 1997

عبد الله قال: ولدت خديجة القاسم والطاهر وكان يقال له الطيب، وولد الطاهر بعد النبوة، ومات صغيرا واسمه عبد الله، وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم. قال الزبير وحدثني إبراهيم بن المنذر عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود: أن خديجة ولدت القاسم والطاهر والطيب وعبد الله وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم. وحدثني محمد بن فضالة: عن بعض من أدرك من المشيخة قال: ولدت خديجة القاسم وعبد الله، فأما القاسم فعاش حتى مشى (١)، وأما عبد الله فمات وهو صغير. وقال الزبير بن بكار: كانت خديجة تذكر في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد، وقد ولدت لرسول الله ﷺ القاسم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ثم زينب، ثم عبد الله وكان يقال له الطيب، ويقال له الطاهر، ولد بعد النبوة ومات صغيرا. ثم ابنته أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. هكذا الأول فالأول. ثم مات القاسم بمكة - وهو أول ميت من ولده - ثم مات عبد الله. ثم ولدت له مارية بنت شمعون إبراهيم وهي القبطية التي أهداها المقوقس صاحب إسكندرية، وأهدى معها أختها شيرين وخصيا يقال له مابور، فوهب شيرين لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن. وقد انقرض نسل حسان بن ثابت. وقال أبو بكر بن الرقي: يقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبد الله، ويقال إن الطيب والمطيب ولدا في بطن، والطاهر والمطهر ولدا في بطن. وقال المفضل بن غسان عن أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، عن مجاهد قال: مكث القاسم بن النبي ﷺ سبع ليال ثم مات قال المفضل وهذا خطأ، والصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا. وقال الحافظ أبو نعيم: قال مجاهد مات القاسم وله سبعة أيام. وقال الزهري وهو ابن سنتين. وقال قتادة: عاش حتى مشى. وقال هشام بن عروة: وضع أهل العراق ذكر الطيب والطاهر، فأما مشايخنا فقالوا: عبد العزى وعبد مناف والقاسم، ومن النساء رقية وأم كلثوم وفاطمة. هكذا رواه ابن عساكر وهو منكر، والذي أنكره هو المعروف. وسقط ذكر زينب ولا بد منها. والله أعلم. فأما زينب فقال عبد الرزاق: عن ابن جريج قال لي، غير واحد: كانت زينب أكبر بنات رسول الله ﷺ ، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إلى رسول الله ﷺ وتزوج زينب أبو العاص بن الربيع فولدت منه عليا وأمامة، وهي التي كان رسول الله ﷺ يحملها في الصلاة، فإذا سجد وضعها. وإذا قام حملها. ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة على ما ذكره الواقدي وقتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهم، وكأنها كانت طفلة صغيرة. فالله أعلم. وقد تزوجها علي بن أبي طالب ﵁ بعد موت فاطمة على ما سيأتي إن شاء الله، وكانت وفاة زينب ﵂ في سنة ثمان. قاله قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وخليفة بن خياط وأبو بكر بن أبي خيثمة وغير واحد. وقال قتادة عن ابن حزم في أول سنة ثمان. وذكر حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنها لما هاجرت دفعها رجل فوقعت على صخرة فأسقطت حملها، ثم لم تزل وجعة حتى ماتت. فكانوا يرونها ماتت شهيدة، وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة بن أبي لهب كما تزوج أم كلثوم أخوه

стр. 1998

عتيبة بن أبي لهب، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما بغضة في رسول الله ﷺ حين أنزل الله … (تبت؟؟ أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد) … فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ويقال إنه أول من هاجر إليها. ثم رجعا إلى مكة كما قدمنا وهاجرا إلى المدينة وولدت له ابنه عبد الله فبلغ ست سنين (١)، فنقره ديك في عينيه فمات وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو وتوفيت وقد انتصر رسول الله ﷺ ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان. ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة - وهو زيد بن حارثة - وجدهم قد ساووا على قبرها التراب، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله ﷺ وضرب له بسهمه وأجره، ولما رجع زوجه بأختها أم كلثوم أيضا ولهذا كان يقال له ذو النورين، ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له شيئا. وقد قال رسول الله ﷺ " لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان " وفي رواية قال رسول الله ﷺ " لو كن عشرا لزوجتهن عثمان " وأما فاطمة فتزوجها ابن عمها علي بن أبي طالب في صفر (٢) سنة اثنتين، فولدت له الحسن والحسين، ويقال ومحسن، وولدت له أم كلثوم وزينب. وقد تزوج عمر بن الخطاب في أيام ولايته بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة وأكرمها إكراما زائدا أصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها من رسول الله ﷺ ، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب. ولما قتل عمر بن الخطاب تزوجها بعده ابن عمها عون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فتزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر فماتت عنده. وقد كان عبد الله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت علي وماتت عنده أيضا وتوفيت فاطمة بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر على أشهر الأقوال (٣). وهذا الثابت عن عائشة في الصحيح، وقاله الزهري أيضا وأبو جعفر الباقر وعن الزهري بثلاثة أشهر. وقال أبو الزبير بشهرين. وقال أبو بريدة عاشت بعده سبعين من بين يوم وليلة. وقال عمرو بن دينار مكثت بعده ثمانية أشهر. وكذا قال عبد الله بن الحارث. وفي رواية عن عمرو بن دينار بأربعة أشهر. وأما إبراهيم فمن مارية القبطية كما قدمنا، وكان ميلاده في ذي الحجة سنة ثمان. وقد روي عن ابن لهيعة وغيره عن عبد الرحمن بن زياد. قال: لما حبل بإبراهيم أتى جبريل فقال السلام عليك يا أبا إبراهيم، إن الله قد وهب لك غلاما من أم ولدك مارية، وأمرك أن تسميه إبراهيم، فبارك الله لك فيه وجعله قرة عين لك في الدنيا والآخرة. وروى الحافظ أبو بكر البزار: عن محمد بن مسكين، عن عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عقيل، ويزيد بن أبي حبيب عن الزهري عن أنس قال: لما ولد للنبي ﷺ ابنه إبراهيم وقع في نفسه منه شئ، فأتاه جبريل، فقال: السلام عليك يا أبا

стр. 1999

إبراهيم. وقال أسباط: عن السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن قال: سألت أنس بن مالك قلت كم بلغ إبراهيم بن النبي ﷺ من العمر؟ قال قد كان ملا مهده، ولو بقي لكان نبيا ولكن لم يكن ليبق لان نبيكم ﷺ آخر الأنبياء. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، عن السدي عن أنس بن مالك قال: لو عاش إبراهيم بن النبي ﷺ لكان صديقا نبيا. وقال أبو عبيد الله بن منده: ثنا محمد بن سعد، ومحمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن عثمان العبسي، ثنا منجاب، ثنا أبو عامر الأسدي، ثنا سفيان، عن السدي عن أنس قال: توفي إبراهيم بن النبي ﷺ وهو ابن ستة عشر شهرا. فقال رسول الله: " ادفنوه في البقيع فإن له مرضعا يتم رضاعه في الجنة " وقال أبو يعلى: ثنا أبو خيثمة، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنس قال: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله. كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه فيدخل إلى البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره فينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله: " إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة " (١) وقد روى جرير وأبو عوانة، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، أبي الضحى، عن البراء قال: توفي إبراهيم بن رسول الله وهو ابن ستة عشر شهرا، فقال: " ادفنوه في البقيع فإن له مرضعا في الجنة ". ورواه أحمد من حديث جابر عن عامر عن البراء. وهكذا رواه سفيان الثوري عن فراس، عن الشعبي، عن البراء بن عازب بمثله. وكذا رواه الثوري أيضا عن أبي إسحاق عن البراء وأورد له ابن عساكر من طريق عتاب بن محمد بن شوذب، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: توفي إبراهيم فقال رسول الله " يرضع بقية رضاعه في الجنة ". وقال أبو يعلى الموصلي: ثنا زكريا بن يحيى الواسطي، ثنا هشيم، عن إسماعيل قال: سألت ابن أبي أوفى - أو سمعته يسأل - عن إبراهيم بن النبي ﷺ . فقال: مات وهو صغير، ولو قضى أن يكون بعد النبي ﷺ نبي لعاش. وروى ابن عساكر من حديث أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ، ثنا عبيد بن إبراهيم الجعفي، ثنا الحسن بن أبي عبد الله الفراء، ثنا مصعب بن سلام، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله. قال قال رسول الله ﷺ : " لو عاش إبراهيم لكان نبيا " وروى ابن عساكر: من حديث محمد بن إسماعيل بن سمرة، عن محمد بن الحسن الأسدي، عن أبي شيبة عن أنس قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله ﷺ " لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه " فجاء فانكب عليه وبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه ﷺ . قلت: أبو شيبة هذا لا يتعامل بروايته. ثم روى من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن خيثم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما توفي إبراهيم بكى رسول الله ﷺ فقال أبو بكر وعمر: أنت أحق من علم الله حقه، فقال " تدمع العين ويحزن القلب،

стр. 2000

ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجدا أشد مما وجدنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون " وقال الإمام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن جابر عن الشعبي، عن البراء. قال: صلى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهرا. وقال: " إن له في الجنة من يتم رضاعه وهو صديق " وقد روي من حديث الحكم بن عيينة عن الشعبي، عن البراء. وقال أبو يعلى: ثنا القواريري، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى قال: صلى رسول الله ﷺ على ابنه، وصليت خلفه وكبر عليه أربعا. وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: مات إبراهيم بن رسول الله وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه. وروى ابن عساكر من حديث إسحاق بن محمد الفروي، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن أبي جده عن علي قال: لما توفي إبراهيم بن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب إلى أمة مارية القبطية وهي في مشربة، فحمله علي في سفط وجعله بين يديه على الفرس، ثم جاء به إلى رسول الله ﷺ فغسله وكفنه وخرج به، وخرج الناس معه، فدفنه في الزقاق الذي يلي دار محمد بن زيد، فدخل علي في قبره حتى سوى عليه ودفنه، ثم خرج ورش على قبره، وأدخل رسول الله يده في قبره فقال " أما والله إنه لنبي ابن نبي " وبكى رسول الله ﷺ وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت، ثم قال رسول الله ﷺ : " تدمع العين ويحزن القلب. ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ". وقال الواقدي: مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الأول سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرا في بني مازن بن النجار في دار أم برزة (١) بنت المنذر، ودفن بالبقيع. قلت: وقد قدمنا أن الشمس كسفت يوم موته، فقال الناس كسفت لموت إبراهيم. فخطب رسول الله فقال في خطبته: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته " قاله الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر. باب ذكر عبيده ﵊ وإمائه وخدمه وكتابه وأمنائه ولنذكر ما أورده مع الزيادة والنقصان وبالله المستعان. فمنهم أسامة بن زيد بن حارثة أبو زيد الكلبي، ويقال أبو يزيد ويقال أبو محمد مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وأمه أم أيمن، واسمها بركة كانت حاضنة رسول الله ﷺ في صغره، وممن آمن به قديما بعد بعثته، وقد أمره رسول الله ﷺ في آخر أيام حياته، وكان عمره إذ ذاك

стр. 2001

ثماني عشرة أو تسع عشرة، وتوفي وهو أمير على جيش كثيف منهم عمر بن الخطاب، ويقال وأبو بكر الصديق وهو ضعيف. لان رسول الله ﷺ نصبه للإمامة، فلما توفي ﵇ وجيش أسامة مخيم بالجرف كما قدمناه، استطلق أبو بكر من أسامة عمر بن الخطاب في الإقامة عنده ليستضئ برأيه فأطلقه له، وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد مراجعة كثيرة من الصحابة له في ذلك، وكل ذلك يأبى عليهم ويقول: والله لا أحل راية عقدها رسول الله ﷺ ، فساروا حتى بلغوا تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قتل أبوه زيد، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ﵃، فأغار على تلك البلاد وغنم وسبى وكر راجعا سالما مؤيدا كما سيأتي. فلهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ لا يلقى أسامة إلا قال له: السلام عليك أيها الأمير. ولما عقد له رسول الله ﷺ راية الامرة طعن بعض الناس في إمارته، فخطب رسول الله فقال فيها: " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للامارة، وإن كان لمن أحب الخلق إلي بعده " (١) وهو في الصحيح من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه. وثبت في صحيح البخاري: عن أسامة ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يأخذني والحسن فيقول " اللهم إني أحبهما فأحبهما " (٢) وروي عن الشعبي عن عائشة سمعت رسول الله ﷺ يقول " من أحب الله ورسوله فليحب أسامة بن زيد " ولهذا لما فرض عمر بن الخطاب للناس في الديوان فرض لأسامة في خمسة آلاف. وأعطى ابنه عبد الله بن عمر في أربعة آلاف. فقيل له في ذلك فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله من أبيك. وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عروة عن أسامة: أن رسول الله أردفه خلفه على حمار عليه قطيفة حين ذهب يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدر. قلت: وهكذا أردفه وراءه على ناقته حين دفع من عرفات إلى المزدلفة كما قدمنا في حجة الوداع وقد ذكر غير واحد أنه ﵁ لم يشهد مع علي شيئا من مشاهده، واعتذر إليه بما قال له رسول الله ﷺ حين قتل ذلك الرجل وقد قال لا إله إلا الله، فقال " من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة " الحديث. وذكر فضائله كثيرة ﵁. وقد كان أسود كالليل، أفطس حلوا حسنا كبيرا فصيحا عالما ربانيا، ﵁. وكان أبوه كذلك إلا أنه كان أبيض شديد البياض، ولهذا طعن بعض من لا يعلم في نسبه منه. ولما مر مجزز المدلجي عليهما وهما نائمان في قطيفة وقد بدت أقدامهما، أسامة بسواده وأبوه زيد ببياضه قال: سبحان الله إن بعض هذه الاقدام لمن بعض، أعجب بذلك رسول الله ﷺ . ودخل على عائشة مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال " ألم تر أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن

стр. 2002

زيد فقال إن بعض هذه الاقدام لمن بعض ". ولهذا أخذ فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد من هذا الحديث من حيث التقرير عليه والاستبشار به، العمل بقول القافة في اختلاط الأنساب واشتباهها كما هو مقرر في موضعه، والمقصود أنه ﵁ توفي سنة أربع وخمسين مما صححه أبو عمر. وقال غيره سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل مات بعد مقتل عثمان. فالله أعلم. وروى له الجماعة في كتبهم الستة. ومنهم أسلم وقيل إبراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز أبو رافع القبطي أسلم قبل بدر ولم يشهدها لأنه كان بمكة مع سادته آل العباس، وكان ينحت القداح، وقصته مع الخبيث أبي لهب حين جاء خبر وقعة بدر تقدمت ولله الحمد. ثم هاجر وشهد أحدا وما بعدها، وكان كاتبا، وقد كتب بين يدي علي بن أبي طالب بالكوفة، قاله المفضل بن غسان الغلابي. وشهد فتح مصر في أيام عمر، وقد كان أولا للعباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي ﷺ وعتقه وزوجه مولاته سلمى، فولدت له أولادا وكان يكون على ثقل النبي ﷺ . وقال الإمام أحمد ثنا محمد بن جعفر وبهز قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع عن أبي رافع أن رسول الله بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع أصحبني كيما تصيب منها، فقال لا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله، فأتى رسول الله فسأله فقال: " الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم منهم " وقد رواه الثوري، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم به. وروى أبو يعلى في مسنده عنه أنه أصابهم برد شديد وهم بخيبر، فقال رسول الله " من كان له لحاف فليلحف من لا لحاف له " قال أبو رافع: فلم أجد من يلحفني معه، فأتيت رسول الله فألقى علي لحافه، فنمنا حتى أصبحنا، فوجد رسول الله ﷺ عند رجليه حية فقال: " يا أبا رافع أقتلها أقتلها " وروى له الجماعة في كتبهم، ومات في أيام علي ﵁. ومنهم أنسة بن زيادة بن مشرح، ويقال أبو مسرح (١)، من مولدي السراة مهاجري شهد بدرا فيما ذكره عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والبخاري وغير واحد. قالوا: وكان ممن يأذن على النبي ﷺ إذا جلس، وذكر خليفة بن خياط في كتابه: قال قال علي بن محمد، عن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس قال: استشهد يوم بدر أنسة مولى رسول الله ﷺ . قال الواقدي: وليس هذا بثبت عندنا، ورأيت أهل العلم يثبتون أنه شهد أحدا (٢) أيضا وبقي زمانا وأنه توفي في حياة أبي بكر ﵁ أيام خلافته. ومنهم أيمن بن عبيد بن زيد الحبشي ونسبه ابن منده إلى عوف بن الخزرج وفيه نظر، وهو ابن أم أيمن بركة أخو أسامة لامه. قال ابن إسحاق: وكان على مطهرة النبي ﷺ ، وكان ممن ثبت يوم

стр. 2003

حنين، ويقال إن فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى … (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) … [الكهف: ١١٠]. قال الشافعي: قتل أيمن مع النبي ﷺ يوم حنين. قال فرواية مجاهد عنه منقطعة - يعني بذلك ما رواه الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عطاء عن أيمن الحبشي قال: لم يقطع النبي ﷺ السارق إلا في المجن، وكان ثمن المجن يومئذ دينار - وقد رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة عن هارون بن عبد الله، عن أسود بن عامر، عن الحسن بن صالح، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد، وعطاء عن أيمن عن النبي ﷺ نحوه. وهذا يقتضي تأخر موته عن النبي ﷺ إن لم يكن الحديث مدلسا عنه، ويحتمل أن يكون أريد غيره، والجمهور كابن إسحاق وغيره ذكروه فيمن قتل من الصحابة يوم حنين. فالله أعلم. ولابنه الحجاج بن أيمن مع عبد الله بن عمر قصة (١). ومنهم باذام وسيأتي ذكره في ترجمة طهمان. ومنهم ثوبان بن بحدد ويقال ابن جحدر أبو عبد الله، ويقال أبو عبد الكريم، ويقال أبو عبد الرحمن. أصله من أهل السراة مكان بين مكة واليمن، وقيل من حمير من أهل اليمن، وقيل من الهان، وقيل من حكم بن سعد العشيرة من مذحج أصابه سبي في الجاهلية. فاشتراه رسول الله فأعتقه وخيره إن شاء أن يرجع إلى قومه، وإن شاء يثبت فإنه منهم أهل البيت. فأقام على ولاء رسول الله ﷺ ولم يفارقه حضرا ولا سفرا حتى توفي رسول الله ﷺ . وشهد فتح مصر أيام عمر ونزل حمص بعد ذلك وابتنى بها دارا، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع وخمسين، وقيل سنة أربع وأربعين - وهو خطأ - وقيل إنه مات بمصر، والصحيح بحمص كما قدمنا والله أعلم. روى له البخاري في كتاب الأدب، ومسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة. ومنهم حنين مولى النبي ﷺ وهو جد إبراهيم بن عبد الله بن حنين، وروينا أنه كان يخدم النبي ﷺ ويوضئه، فإذا فرغ النبي ﷺ خرج بفضلة الوضوء إلى أصحابه، فمنهم من يشرب منه، ومنهم من يتمسح به، فاحتبسه حنين فخبأه عنده في جرة حتى شكوه إلى النبي ﷺ ، فقال له " ما تصنع به؟ " فقال أدخره عندي أشربه يا رسول الله ﷺ ، فقال ﵇ " هل رأيتم غلاما أحصى ما أحصى هذا؟ " ثم إن النبي ﷺ وهبه لعمه العباس فأعتقه ﵄. ومنهم ذكوان يأتي ذكره في ترجمة طهمان.

стр. 2004

ومنهم رافع أو أبو رافع ويقال له أبو البهي. قال أبو بكر بن أبي خيثمة كان لأبي أحيحة سعيد بن العاص الأكبر فورثه بنوه وأعت ثلاثة منهم أنصباءهم وشهد معهم يوم بدر، فقتلوا ثلاثتهم، ثم اشترى أبو رافع بقية أنصباء بني سعيد مولاه إلا نصيب خالد بن سعيد، فوهب خالد نصيبه لرسول الله ﷺ فقبله وأعتقه فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ وكذلك كان بنوه يقولون من بعده. ومنهم رباح الأسود، وكان يأذن على النبي ﷺ وهو الذي أخذ الاذن لعمر بن الخطاب، حتى دخل على رسول الله ﷺ في تلك المشربة يوم آلى من نسائه واعتزلهن في تلك المشربة وحده ﵇، هكذا جاء مصرحا باسمه في حديث عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد، عن ابن عباس عن عمر. وقال الإمام أحمد ثنا وكيع، ثنا عكرمة بن عمار، عن أياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: كان للنبي ﷺ غلام يسمى رباح. ومنهم رويفع (١) مولاه ﵊، هكذا عده في الموالي مصعب بن عبد الله الزبيري وأبو بكر بن أبي خيثمة قالا: وقد وفد ابنه على عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته ففرض له. قالا: ولا عقب له. قلت: كان عمر بن عبد العزيز ﵀ شديد الاعتناء بموالي رسول الله ﷺ ، يحب أن يعرفهم ويحسن إليهم. وقد كتب في أيام خلافته إلى أبي بكر بن حزم عالم أهل المدينة في زمانه: أن يفحص له عن موالي رسول الله ﷺ الرجال والنساء وخدامه. رواه الواقدي: وقد ذكره أبو عمر مختصرا وقال لا أعلم له رواية، حكاه ابن الأثير في [أسد] الغابة. ومنهم زيد بن حارثة الكلبي وقد قدمنا طرفا من ذكره عند ذكر مقتله بغزوة مؤتة ﵁، وذلك في جمادى من سنة ثمان قبل الفتح بأشهر، وقد كان هو الأمير المقدم، ثم بعده جعفر، ثم بعدهما عبد الله بن رواحة. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه. رواه أحمد. ومنهم زيد أبو يسار (٢)، قال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة سكن المدينة، روى حديثا واحدا لا أعلم له غيره. حدثنا محمد بن علي الجوزجاني، ثنا أبو سلمة - هو التبوذكي - ثنا حفص بن عمر الطائي، ثنا أبو عمر بن مرة سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى النبي ﷺ سمعت

стр. 2005

أبي حدثني عن جدي أنه سمع رسول الله يقول: " من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف " وهكذا رواه أبو داود عن أبي سلمة: وأخرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل به. وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ومنهم سفينة أبو عبد الرحمن، ويقال أبو البختري كان اسمه مهران (١)، وقيل عبس، وقيل أحمر، وقيل رومان، فلقبه رسول الله ﷺ لسبب سنذكره، فغلب عليه. وكان مولى لام سلمة فأعتقته واشترطت عليه أن يخدم رسول الله ﷺ حتى يموت، فقبل ذلك. وقال لو لم تشترطي علي ما فارقته وهذا الحديث في السنن. وهو من مولدي العرب وأصله من أبناء فارس وهو سفينة بن مافنة. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا حشرج بن نباتة العبسي كوفي، حدثنا سعيد بن جمهان، حدثني سفينة قال قال رسول الله: " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملكا بعد ذلك " ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، وأمسك خلافة علي، ثم قال: فوجدناها ثلاثين سنة. ثم نظرت بعد ذلك في الخلفاء فلم أجده يتفق لهم ثلاثون. قلت لسعيد أين لقيت سفينة؟ قال ببطن نخلة في زمن الحجاج، فأقمت عنده ثلاث ليال أسأله عن أحاديث رسول الله. قلت له ما اسمك؟ قال ما أنا بمخبرك، سماني رسول الله سفينة. قلت ولم سماك سفينة؟ قال خرج رسول الله ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم فقال لي " أبسط كساك " فبسطته، فجعلوا فيه متاعهم ثم حملوه علي، فقال لي رسول الله " احمل فإنما أنت سفينة " فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي، إلا أن يحفوا (٢) وهذا الحديث عن أبي داود والترمذي والنسائي. ولفظه عندهم " خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا " وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، ثنا حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة. قال: كنا في سفر، فكان كلما أعيا رجل ألقى علي ثيابه، ترسا أو سيفا حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا، فقال النبي ﷺ " أنت سفينة " هذا هو المشهور في تسميته سفينة. وقد قال أبو القاسم البغوي: ثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ومحمد بن جعفر الوركاني، قالا: ثنا شريك بن عبد الله النخعي، عن عمران البجلي، عن مولى لام سلمة. قال: كنا مع رسول الله فمررنا بواد - أو نهر - فكنت أعبر الناس. فقال لي رسول الله " ما كنت منذ اليوم إلا سفينة " وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسود بن

стр. 2006

عامر عن شريك. وقال أبو عبد الله بن منده: ثنا الحسن بن مكرم، ثنا عثمان بن عمر، ثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن المنكدر عن سفينة قال: ركبت البحر في سفينة فكسرت بنا، فركبت لوحا منها فطرحني في جزيرة فيها أسد، فلم يرعني إلا به، فقلت يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله ﷺ ، فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق، ثم همهم فظننت أنه السلام. وقد رواه أبو القاسم البغوي: عن إبراهيم بن هانئ، عن عبيد الله بن موسى، عن رجل، عن محمد بن المنكدر عنه. ورواه أيضا عن محمد بن عبد الله المخرمي، عن حسين بن محمد. قال قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، عن سفينة فذكره. ورواه أيضا: حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا علي بن عاصم، حدثني أبو ريحانة، عن سفينة مولى رسول الله قال: لقيني الأسد فقلت: أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ قال فضرب بذنبه الأرض وقعد (١). وروى له مسلم وأهل السنن. وقد تقدم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد أنه كان يسكن بطن نخلة، وأنه تأخر إلى أيام الحجاج. ومنهم سلمان الفارسي أبو عبد الله مولى الاسلام، أصله من فارس وتنقلت به الأحوال إلى أن صار لرجل من يهود المدينة، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أسلم سلمان، وأمره رسول الله ﷺ فكاتب سيده اليهودي، وأعانه رسول الله ﷺ على أداء ما عليه فنسب إليه وقال " سلمان منا أهل البيت ". وقد قدمنا صفة هجرته من بلده وصحبته لأولئك الرهبان واحدا بعد واحد حتى آل به الحال إلى المدينة النبوية، وذكر صفة إسلامه ﵁ في أوائل الهجرة النبوية إلى المدينة وكانت وفاته في سنة خمس وثلاثين في آخر أيام عثمان - أو في أول سنة ست وثلاثين - وقيل إنه توفي في أيام عمر بن الخطاب، والأول أكثر. قال العباس بن يزيد البحراني: وكان أهل العلم لا يشكون أنه عاش مائتين وخمسين سنة واختلفوا فيما زاد على ذلك إلى ثلاثمائة وخمسين. وقد ادعى بعض الحفاظ المتأخرين أنه لم يجاوز المائة. فالله أعلم بالصواب. ومنهم شقران الحبشي واسمه صالح بن عدي، ورثه ﵇ من أبيه. وقال مصعب الزبيري ومحمد بن سعد: كان لعبد الرحمن بن عوف فوهبه للنبي ﷺ . وقد روى أحمد بن حنبل: عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر أنه ذكره فيمن شهد بدرا، قال ولم يقسم له رسول الله ﷺ . وهكذا رواه محمد بن سعد فيمن شهد بدرا وهو مملوك، فلهذا لم يسهم له بل استعمله على الاسرى، فحذاه (٢) كل رجل له أسير شيئا، فحصل له أكثر من نصيب كامل. قال وقد كان ببدر

стр. 2007

ثلاثة غلمان غيره، غلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام لحاطب بن أبي بلتعة، وغلام لسعيد بن معاذ، فرضخ لهم ولم يقسم. قال أبو القاسم البغوي: وليس له ذكر فيمن شهد بدرا في كتاب الزهري، ولا في كتاب ابن إسحاق. وذكر الواقدي: عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: استعمل رسول الله شقران مولاه على جميع ما وجد في رحال المريسيع من رثة (١) المتاع والسلاح والنعم والشاء وجمع الذرية ناحية. وقال الإمام أحمد: ثنا أسود ابن عامر، ثنا مسلم بن خالد، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه عن شقران مولى رسول الله ﷺ قال: رأيته - يعني النبي ﷺ متوجها إلى خيبر على حمار يصلي عليه، يومئ إيماء. وفي هذه الأحاديث شواهد أنه ﵁ شهد هذه المشاهد. وروى الترمذي عن زيد بن أخزم عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، أخبرني ابن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: الذي اتخذ قبر النبي ﷺ أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة شقران. ثم قال الترمذي حسن غريب. وقد تقدم أنه شهد غسل رسول الله ﷺ ونزل في قبره، وأنه وضع تحته القطيفة التي كان يصلي عليها وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. وذكر الحافظ أبو الحسن بن الأثير في [أسد] الغابة أنه انقرض نسله فكان آخرهم موتا بالمدينة في أيام الرشيد. ومنهم ضميرة (٢) بن أبي ضميرة الحميري، أصابه سبي في الجاهلية فاشتراه النبي ﷺ فأعتقه، ذكره مصعب الزبيري قال: وكانت له دار بالبقيع، وولد. قال عبد الله بن وهب عن ابن أبي ذئب عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده ضميرة أن رسول الله مر بأم ضميرة وهي تبكي فقال لها: " ما يبكيك؟ أجائعة أنت، أعارية أنت " قالت: يا رسول الله فرق بيني وبين ابني، فقال رسول الله " لا يفرق بين الوالدة وولدها " ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكر قال ابن أبي ذئب ثم أقرأني كتابا عنده: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته، أن رسول الله أعتقهم، وأنهم أهل بيت من العرب، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله، وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم، فلا يعرض لهم إلا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا، وكتب أبي بن كعب (٣). ومنهم طهمان، ويقال ذكوان. ويقال مهران ويقال ميمون، وقيل كيسان، وقيل باذام.

стр. 2008

روى عن النبي ﷺ قال: " إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، وإن مولى القوم من أنفسهم " رواه البغوي: عن منجاب بن الحارث وغيره، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن إحدى بنات علي بن أبي طالب وهي أم كلثوم بنت علي قالت: حدثني مولى للنبي ﷺ يقال له طهمان أو ذكوان. قال قال رسول الله. فذكره. ومنهم عبيد مولى النبي ﷺ . قال أبو داود الطيالسي: عن شعبة، عن سليمان التيمي عن شيخ (١) عن عبيد مولى للنبي ﷺ قال: قلت هل كان النبي ﷺ يأمر بصلاة سوى المكتوبة؟ قال صلاة بين المغرب والعشاء. قال أبو القاسم البغوي: لا أعلم روى غيره. قال ابن عساكر: وليس كما قال. ثم ساق من طريق أبي يعلى الموصلي: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن سليمان التيمي، عن عبيد مولى رسول الله أن امرأتين كانتا صائمتين، وكانتا تغتابان الناس، فدعا رسول الله ﷺ بقدح فقال لهما " قيئا " فقاءا قيحا ودما ولحما عبيطا ثم قال " إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا على الحرام " وقد رواه الإمام أحمد: عن يزيد بن هارون، وابن أبي عدي عن سليمان التيمي، عن رجل حدثهم في مجلس أبي عثمان، عن عبيد مولى رسول الله فذكره. ورواه أحمد أيضا: عن غندر، عن عثمان بن غياث قال: كنت مع أبي عثمان فقال رجل حدثني سعيد - أو عبيد - عثمان يشك مولى النبي ﷺ فذكره (٢). ومنهم فضالة مولى النبي ﷺ . قال محمد بن سعيد: أنبأنا الواقدي: حدثني عتبة بن خيرة الأشهلي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أن افحص لي عن خدم رسول الله من الرجال والنساء ومواليه، فكتب إليه قال: وكان فضالة مولى له يماني نزل الشام بعد. وكان أبو مويهبة مولدا من مولدي مزينة فأعتقه. قال ابن عساكر: لم أجد لفاضلة ذكرا في الموالي إلا من هذا الوجه. ومنهم قفيز أوله قاف وآخره زاي. قال أبو عبد الله بن منده: أنبأنا سهل بن السري، ثنا أحمد بن محمد بن المنكدر، ثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن سليمان الحراني، عن زهير بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله بن أنيس. قال: كان لرسول الله ﷺ غلاما يقال له قفيز، تفرد به محمد بن سليمان. ومنهم كركرة، كان على ثقل النبي ﷺ في بعض غزواته وقد ذكره أبو بكر بن حزم فيما كتب

стр. 2009

به إلى عمر بن عبد العزيز. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له كركرة، فمات فقال " هو في النار " فنظروا فإذا عليه عباءة قد غلها، أو كساء قد غله. رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان. قلت: وقصته شبيهة بقصة مدعم الذي أهداه رفاعة من بني النصيب كما سيأتي. ومنهم كيسان. قال البغوي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب قال: أتيت أم كلثوم بنت علي فقالت: حدثني مولى للنبي ﷺ يقال له كيسان قال له النبي ﷺ في شئ من أمر الصدقة " إنا أهل بيت نهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولانا من أنفسنا فلا تأكل الصدقة ". ومنهم مابور القبطي الخصي، أهداه له صاحب إسكندرية مع مارية وشيرين والبغلة. وقد قدمنا من خبره في ترجمة مارية ﵄ ما فيه كفاية. ومنهم مدعم، وكان أسود من مولدي حسمى (١) أهداه رفاعة بن زيد الجذامي، قتل في حياة النبي ﷺ ، وذلك مرجعهم من خيبر. فلما وصلوا إلى وادي القرى فبينما مدعم يحط عن ناقة رسول الله ﷺ رحلها، إذ جاءه سهم عاثر (٢) فقتله. فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال رسول الله ﷺ : " كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر - لم تصبها المقاسم - لتشتعل عليه نارا " فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك - أو شراكين - فقال النبي ﷺ " شراك من نار، أو شراكان من نار " أخرجاه: من حديث مالك، عن ثور بن يزيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة. ومنهم مهران ويقال طهمان، وهو الذي روت عنه أم كلثوم بنت علي في تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم كما تقدم. ومنهم ميمون وهو الذي قبله. ومنهم نافع مولاه. قال الحافظ ابن عساكر: أنبأنا أبو الفتح الماهاني، أنبأنا شجاع الصوفي، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أبو مالك الأشجعي، عن يوسف بن ميمون عن نافع مولى رسول الله ﷺ . قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يدخل الجنة شيخ زان، ولا مسكين متكبر، ولا منان بعمله على الله ". ومنهم نفيع، ويقال مسروح، ويقال نافع بن مسروح. والصحيح نافع بن الحارث بن

стр. 2010

كلدة بن عمرو بن علاج بن سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قيس، وهو ثقيف أبو بكرة الثقفي. وأمه سمية أم زياد. تدلى هو وجماعة من العبيد من سور الطائف، فأعتقهم رسول الله ﷺ وكان نزوله في بكرة فسماه رسول الله ﷺ أبا بكرة. قال أبو نعيم: وكان رجلا صالحا آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي برزة الأسلمي. قلت: وهو الذي صلى عليه بوصيته إليه، ولم يشهد أبو بكرة وقعة الجمل، ولا أيام صفين، وكانت وفاته في سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة اثنتين وخمسين. ومنهم واقد، أو أبو واقد مولى رسول الله ﷺ . قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم، حدثنا الحسين بن محمد، ثنا الهيثم بن حماد عن الحارث بن غسان (١)، عن رجل من قريش من أهل المدينة عن زاذان عن واقد مولى النبي ﷺ قال قال رسول الله ﷺ : " من أطاع الله فقد ذكر الله. وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصى الله فلم يذكره وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ". ومنهم هرمز أبو كيسان، ويقال هرمز أو كيسان، وهو الذي يقال فيه طهمان كما تقدم. وقد قال ابن وهب ثنا علي بن عباس، عن عطاء بن السائب، عن فاطمة بنت علي، أو أم كلثوم بنت علي قالت: سمعت مولى لنا يقال له هرمز يكنى أبا كيسان. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا فلا تأكلوا الصدقة ". وقد رواه الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب قال: دخلت على أم كلثوم فقالت إن هرمز أو كيسان حدثنا أن رسول الله قال: " إنا لا نأكل الصدقة ". وقال أبو القاسم البغوي: ثنا منصور بن أبي مزاحم، ثنا أبو حفص الابار، عن ابن أبي زياد عن معاوية قال: شهد بدرا عشرون مملوكا، منهم مملوك للنبي ﷺ يقال له هرمز فأعتقه رسول الله ﷺ : " إن الله قد أعتقك، وإن مولى القوم من أنفسهم، وإنا أهل بيت لا نأكل الصدقة فلا تأكلها ". ومنهم هشام مولى النبي ﷺ ق ال محمد بن سعد: أنبأنا سليمان بن عبيد الله الرقي، أنبأنا محمد بن أيوب الرقي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن أبي الزبير عن هشام مولى رسول الله ﷺ . قال: جاء رجل فقال يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس، قال " طلقها " قال: إنها تعجبني، قال " فتمتع بها " قال ابن منده وقد رواه جماعة عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن مولى بني هاشم عن النبي ﷺ ولم يسمه. ورواه عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن أبي الزبير عن جابر. ومنهم يسار. ويقال إنه الذي قتله العرنيون وقد مثلوا به. وقد ذكر الواقدي بسنده عن

стр. 2011

يعقوب بن عتبة أن رسول الله ﷺ أخذه يوم قرقرة الكدر مع نعم بني غطفان وسليم، فوهبه الناس لرسول الله ﷺ فقبله منهم، لأنه رآه يحسن الصلاة فأعتقه، ثم قسم في الناس النعم فأصاب كل إنسان منهم سبعة أبعرة،، وكانوا مائتين. ومنهم أبو الحمراء مولى النبي ﷺ وخادمه، وهو الذي يقال إن اسمه هلال بن الحارث، وقيل ابن مظفر وقيل هلال بن الحارث بن ظفر السلمي، أصابه سبي في الجاهلية. وقال أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم: ثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عبد الله بن موسى، والفضل بن دكين، عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي داود القاص عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر كيوم، فكان النبي ﷺ يأتي باب علي وفاطمة كل غداة فيقول: " الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قال أحمد بن حازم، وأنبأنا عبيد الله بن موسى، والفضل بن دكين - واللفظ له - عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي داود عن أبي الحمراء قال: مر النبي ﷺ برجل عنده طعام في وعاء فأدخله يده، فقال: " غششته! من من غشنا فليس منا " وقد رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم به. وليس عنده سواه. وأبو داود هذا هو نفيع بن الحارث الأعمى أحد المتروكين الضعفاء. قال عباس الدوري، عن ابن معين: أبو الحمراء صاحب رسول الله ﷺ اسمه هلال بن الحارث، كان يكون بحمص، وقد رأيت بها غلاما من ولده وقال غيره كان منزله خارج باب حمص. وقال أبو الوازع عن سمرة: كان أبو الحمراء في الموالي. ومنهم أبو سلمى راعي النبي ﷺ ، ويقال أبو سلام واسمه حريث. قال أبو القاسم البغوي: ثنا كامل بن طلحة، ثنا عباد بن عبد الصمد، حدثني أبو سلمة راعي النبي ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وآمن بالبعث والحساب، دخل الجنة ". قلنا أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأدخل أصبعيه في أذنيه ثم قال: أنا سمعت هذا منه غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع. لم يورد له ابن عساكر سوى هذا الحديث. وقد روى له النسائي في اليوم والليلة آخر، وأخرج له ابن ماجة ثالثا. ومنهم أبو صفية مولى النبي ﷺ . قال أبو القاسم البغوي: ثنا أحمد بن المقدام، ثنا معتمر، ثنا أبو كعب، عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي ﷺ أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى سبح حتى يمسي. ومنهم أبو ضميرة مولى النبي ﷺ والد ضميرة المتقدم، وزوج أم ضميرة. وقد تقدم في ترجمة ابنه طرف من ذكرهم وخبرهم في كتابهم. وقال محمد بن سعد في الطبقات: أنبأنا إسماعيل بن عبد الله بن أويس المدني، حدثني حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة أن الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لأبي ضميرة: بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته، إنهم كانوا أهل بيت من العرب، وكانوا ممن أفاء الله على رسوله فأعتقهم. ثم خير أبا ضميرة إن

стр. 2012

أحب أن يلحق بقومه فقد أذن له، وإن أحب أن يمكث مع رسول الله فيكونوا من أهل بيته، فاختار الله ورسوله ودخل في الاسلام، فلا يعرض لهم أحد إلا بخير. ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا، وكتب أبي بن كعب قال إسماعيل بن أبي أويس: فهو مولى رسول الله ﷺ ، وهو أحد حمير. وخرج قوم منهم في سفر ومعهم هذا الكتاب فعرض لهم اللصوص، فأخذوا ما معهم فأخرجوا هذا الكتاب إليهم فأعلموهم بما فيه، فقرأوه فردوا عليهم ما أخذوا منهم ولم يغرضوا لهم. قال ووفد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة إلى المهدي أمير المؤمنين وجاء معه بكتابهم هذا، فأخذه المهدي فوضعه على بصره، وأعطى حسينا ثلاثمائة دينار. ومنهم أبو عبيد مولاه ﵊. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا أبان العطار، ثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي عبيد أنه طبخ لرسول الله ﷺ قدرا فيها لحم، فقال رسول الله ﷺ : " ناولني ذراعها " فناولته فقال: " ناولني ذراعها " فناولته فقال " ناولني ذراعها " فقلت يا نبي الله كم للشاة من ذراع؟ قال: " والذي نفسي بيده لو سكت لأعطيتني ذراعها ما دعوت به " ورواه الترمذي في الشمائل عن بندار، عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان بن يزيد العطار به. ومنهم أبو عشيب، ومنهم من يقول أبو عسيب، والصحيح الأول، ومن الناس من فرق بينهما وقد تقدم أنه شهد الصلاة على النبي ﷺ ، وحضر دفنه، وروى قصة المغيرة بن شعبة. وقال الحارث بن أبي أسامة، ثنا يزيد بن هارون، ثنا مسلم بن عبيد، أبو نصيرة، قال سمعت أبا عسيب مولى رسول الله ﷺ قال إن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لامتي ورحمة لهم ورجس على الكافر " وكذا رواه الإمام أحمد: عن يزيد بن هارون. وقال أبو عبد الله بن منده، أنبأنا محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، ثنا يونس بن محمد، ثنا حشرج بن نباتة حدثني أبو نصيرة البصري عن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ قال: خرج رسول الله ﷺ ليلا فمر بي فدعاني ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، ثم انطلق يمشي حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال رسول الله لصاحب الحائط: " أطعمنا بسرا " فجاء به موضعه فأكل رسول الله وأكلوا جميعا ثم دعا بماء فشرب منه، ثم قال: " إن هذا النعيم، لتسألن يوم القيامة عن هذا " فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر، ثم قال: يا نبي الله إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال " نعم إلا من ثلاثة، خرقة يستر بها الرجل عورته. أو كسرة يسد بها جوعته، أو حجر يدخل فيه - يعني من الحر والقر - ". ورواه الإمام أحمد: عن شريح عن حشرج. وروى محمد بن سعد في الطبقات: عن موسى بن إسماعيل، حدثتنا سلمة بنت أبان الفريعية قالت: سمعت ميمونة بنت أبي عسيب قالت: كان أبو عسيب يواصل بين ثلاث في الصيام، وكان يصلي الضحى قائما فعجز، وكان يصوم أيام البيض. قالت وكان في سريره جلجل فيعجز صوته حين يناديها به، فإذا حركه جاءت.

стр. 2013

ومنهم أبو كبشة الأنماري من أنمار مذحج على المشهور، مولى النبي ﷺ . في اسمه أقوال أشهرها أن اسمه سليم، وقيل عمرو بن سعد، وقيل عكسه. وأصله من مولدي أرض دوس، وكان ممن شهد بدرا، قاله موسى بن عقبة عن الزهري. وذكره ابن إسحاق والبخاري والواقدي ومصعب الزبيري وأبو بكر بن أبي خيثمة. زاد الواقدي، وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب، وذلك في يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة. وقال خليفة بن خياط: وفي سنة ثلاث وعشرين توفي أبو كبشة مولى رسول الله ﷺ ، وقد تقدم عن أبي كبشة أن رسول الله ﷺ لما مر في ذهابه إلى تبوك بالحجر جعل الناس يدخلون بيوتهم، فنودي أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال رسول الله ﷺ : " ما يدخلكم على هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم؟ " فقال رجل: نعجب منهم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ " إلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم " الحديث. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد الحرازي سمعت أبا كبشة الأنماري قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في أصحابه، فدخل ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا يا رسول الله قد كان شئ؟ قال: " أجل، مرت بي فلانة فوقع في نفسي شهوة النساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها، فكذلك فافعلوا، فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال " وقال أحمد: حدثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماري. قال قال رسول الله " مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر، رجل أتاه الله مالا وعلما فهو يعمل به في ماله وينفقه في حقه، ورجل أتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل ". قال رسول الله ﷺ : " فهما في الاجر سواء، ورجل أتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يحبط (١) فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لي مثل مال هذا عملت في مثل الذي يعمل " قال رسول الله ﷺ : " فهما في الوزر سواء ". وهكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع. ورواه ابن ماجة أيضا من وجه آخر من حديث منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن أبي كبشة عن أبيه. وسماه بعضهم عبد الله بن أبي كبشة. وقال أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا محمد بن حرب، ثنا الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهورني، عن أبي كبشة الأنماري أنه أتاه فقال أطرقني من فرسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أطرق مسلما فعقب له الفرس كان كأجر سبعين حمل عليه في سبيل الله ". وقد روى الترمذي: عن محمد بن إسماعيل، عن أبي نعيم، عن عبادة بن مسلم، عن يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، حدثني أبو كبشة أنه قال: ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه، ما نقص مال عبد صدقة، وما ظلم عبد بمظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، الحديث. وقال حسن صحيح. وقد

стр. 2014

رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عنه. وروى أبو داود وابن ماجة من حديث الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان عن أبيه عن أبي كبشة الأنماري أن رسول الله ﷺ كان يحتجم على هامته وبين كتفيه. وروى الترمذي: حدثنا حميد بن مسعدة، ثنا محمد بن حمران، عن أبي سعيد - وهو عبد الله بن بسر - قال سمعت أبا كبشة الأنماري يقول: كانت كمام أصحاب رسول الله ﷺ بطحا (١). ومنهم أبو مويهبة مولاه ﵇، كان من مولدي مزينة اشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، ولا يعرف اسمه ﵁. وقال أبو مصعب الزبيري شهد أبو مويهبة المريسيع، وهو الذي كان يقود لعائشة ﵂ بعيرها. وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد وبسنده عنه في ذهابه مع رسول الله ﷺ في الليل إلى البقيع، فوقف ﵇ فدعا لهم واستغفر لهم ثم قال: " ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه بعض الناس، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يركب بعضها بعضا، الآخرة أشد من الأولى، فيهنكم أنتم فيه " ثم رجع فقال: " يا أبا مويهبة إني خيرت مفاتيح ما يفتح على أمتي من بعدي والجنة أو لقاء ربي، فاخترت لقاء ربي " قال فما لبث بعد ذلك إلا سبعا - أو ثمانيا - حتى قبض. فهؤلاء عبيده ﵇. وأما إماؤه ﵇ فمنهن أمة الله بنت رزينة. الصحيح أن الصحبة لأمها رزينة كما سيأتي، ولكن وقع في رواية ابن أبي عاصم، حدثنا عقبة بن مكرم، ثنا محمد بن موسى، حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية قالت: حدثني أبي عن أمة الله خادم النبي ﷺ . أن رسول الله سبا صفية يوم قريظة والنضير فأعتقها وأمهرها رزينة أم أمة الله. وهذا حديث غريب جدا. ومنهن أميمة. قال ابن الأثير وهي مولاة رسول الله ﷺ . ورى حديثها أهل الشام. روى عنها جبير بن نفير أنها كانت توضئ رسول الله فأتاه رجل يوما فقال له أوصني، فقال " لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت بالنار، ولا تدع صلاة متعمدا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، ولا تشربن مسكرا فإنه رأس كل خطيئة. ولا تعصين والديك وإن أمراك أن تختلي من أهلك ودنياك " (٢). ومنهن بركة أم أيمن وأم أسامة بن زيد بن حارثة، وهي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين (٣) بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان الحبشية، غلب عليها كنيتها أم أيمن وهو ابنها

стр. 2015

من زوجها الأول عبيد بن زيد الحبشي، ثم تزوجها بعده زيد بن حارثة فولدت له أسامة بن زيد، وتعرف بأم الظباء، قد هاجرت الهجرتين (١) ﵂، وهي حاضنة رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب وقد كانت ممن ورثها رسول الله ﷺ من أبيه، قاله الواقدي. وقال غيره: بل ورثها من أمه، وقيل بل كانت لأخت خديجة فوهبتها من رسول الله ﷺ . وآمنت قديما وهاجرت، وتأخرت بعد النبي ﷺ . وتقدم ما ذكرناه من زيارة أبي بكر وعمر ﵄ إياها بعد وفاة النبي ﷺ ، وأنها بكت فقالا لها: أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ فقالت: بلى، ولكن أبكي لان الوحي قد انقطع من السماء، فجعلا يبكيان معها. وقال البخاري في التاريخ: وقال عبد الله بن يوسف عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري قال: كانت أم أيمن تحضن النبي ﷺ حتى كبر، فأعتقها ثم زوجها زيد بن حارثة، وتوفيت بعد النبي ﷺ بخمسة أشهر، وقيل ستة أشهر. وقيل إنها بقيت بعد قتل عمر بن الخطاب. وقد رواه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب عن يونس عن الزهري قال: كانت أم أيمن الحبشية فذكره. وقال محمد بن سعد عن الواقدي: توفيت أم أيمن في أول خلافة عثمان بن عفان. قال الواقدي: وأنبأنا يحيى بن سعيد بن دينار، عن شيخ من بني سعد بن بكر قال: كان رسول الله ﷺ يقول لام أيمن " يا أمه " وكان إذا نظر إليها قال " هذه بقية أهل بيتي ". وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال: كان النبي ﷺ يقول: " أم أيمن أمي بعد أمي ". وقال الواقدي: عن أصحابه المدنيين قالوا: نظرت أم أيمن إلى النبي ﷺ وهو يشرب فقالت اسقني، فقالت عائشة: أتقولين هذا لرسول الله ﷺ ؟! فقالت: ما خدمته أطول، فقال رسول الله ﷺ " صدقت " فجاء بالماء فسقاها. وقال المفضل بن غسان: حدثنا وهب بن جرير، ثنا أبي قال: سمعت عثمان بن القاسم قال: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء وهي صائمة، فأصابها عطش شديد حتى جهدها، قال فدلى عليها دلو من السماء برشاء أبيض فيه ماء، قالت فشربت فما أصابني عطش بعد، وقد تعرضت العطش بالصوم في الهواجر فما عطشت بعد. وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا مسلم بن قتيبة، عن الحسين بن حرب، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن أم أيمن قالت: كان لرسول الله ﷺ فخارة يبول فيها فكان إذا أصبح يقول " يا أم أيمن صبي ما في الفخارة " فقمت ليلة وأنا عطشى فشربت ما فيها، فقال رسول الله " يا أم أيمن صبي ما في الفخارة " فقالت يا رسول الله قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال " إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبدا " (٢). قال ابن الأثير في [أسد] الغابة: وروى حجاج بن محمد عن ابن

стр. 2016

جريج عن حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة بنت رقيقة قالت: كان للنبي ﷺ قدح من عيدان فيبول فيه يضعه تحت السرير، فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته، فطلبه فلم يجده، فقيل شربته؟ بركة. فقال " لقد احتظرت من النار بحظار " قال الحافظ أبو الحسن بن الأثير: وقيل إن التي شربت بوله ﵇ إنما هي بركة الحبشية التي قدمت مع أم حبيبة من الحبشة، وفرق بينهما. فالله أعلم. قلت: فأما بريرة فإنها كانت لآل أبي أحمد بن جحش (١) فكاتبوها فاشترتها عائشة منهم فأعتقتها فثبت ولاؤها لها كما ورد الحديث بذلك في الصحيحين، ولم يذكرها ابن عساكر. ومنهن خضرة ذكرها ابن منده فقال: روى معاوية، عن هشام، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: كان للنبي ﷺ خادم يقال لها خضرة وقال محمد بن سعد عن الواقدي: ثنا فائد مولى عبد الله عن عبد الله (٢) بن علي بن أبي رافع عن جدته سلمى قالت: كان خدم رسول الله أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت أسعد، أعتقهن رسول الله ﷺ كلهن (٣). ومنهن خليسة مولاة حفصة بنت عمر، قال ابن الأثير في [أسد] الغابة: روت حديثها عليلة (٤) بنت الكميت عن جدتها عن خليسة مولاة حفصة في قصة حفصة، وعائشة مع سودة بنت زمعة ومزحهما معها بأن الدجال قد خرج. فاختبأت في بيت كانوا يوقدون فيه واستضحكتا، وجاء رسول الله فقال: " ما شأنكما؟ " فأخبرتاه بما كان من أمر سودة، فذهبت إليها فقالت: يا رسول الله أخرج الدجال؟ فقال " لا، وكأن قد خرج " فخرجت وجعلت تنفض عنها بيض العنكبوت. وذكر ابن الأثير: خليسة مولاة سليمان الفارسي وقال: لها ذكر في إسلام سلمان وإعتاقها إياه، وتعويضه ﵇ لها بأن غرس لها ثلاثمائة فسيلة، ذكرتها تمييزا. ومنهن خولة خادم النبي ﷺ ، كذا قال ابن الأثير. وقد روى حديثها الحافظ أبو نعيم من طريق حفص بن سعيد القرشي عن أمه عن أمها خولة وكانت خادم النبي ﷺ ، فذكر حديثا في تأخر الوحي بسبب جرو كلب مات تحت سريره ﵇ ولم يشعروا به. فلما أخرجه جاء الوحي، فنزل قوله تعالى … (والضحى والليل إذا سجى) … وهذا غريب، والمشهور في سبب نزولها غير ذلك والله أعلم. ومنهن رزينة، قال ابن عساكر والصحيح أنها كانت لصفية بنت حيي، وكانت تخدم النبي ﷺ .

стр. 2017

قلت: وقد تقدم في ترجمة ابنتها أمة الله أنه ﵇ أمهر صفية بنت حيي أمها رزينة، فعلى هذا يكون أصلها له ﵇ وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو سعيد الجشمي، حدثتنا عليلة بنت الكميت قالت سمعت أمي أمينة قالت: حدثتني أمة الله بنت رزينة مولاة رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ سبى صفية يوم قريظة والنضير حين فتح الله عليه، فجاء يقودها سبية، فلما رأت النساء قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فأرسلها وكان ذراعها في يده، فأعتقها ثم خطبها وتزوجها وأمهرها رزينة. هكذا وقع في هذا السياق، وهو أجود مما سبق من رواية ابن أبي عاصم ولكن الحق أنه ﵇ اصطفى صفية من غنائم خيبر، وأنه أعتقها وجعل عتقها صداقها وما وقع في هذه الرواية يوم قريظة والنضير تخبيط فإنهما يومان، بينهما سنتان. والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا ابن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا علي بن الحسن السكري، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري. حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية عن أمها أمينة قالت: قلت لامة الله بنت رزينة مولاة رسول الله: يا أمة الله أسمعت أمك تذكر أنها سمعت رسول الله يذكر صوم عاشوراء؟ قالت: نعم كان يعظمه ويدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: " لا ترضعيهم إلى الليل " له شاهد في الصحيح. ومنهن رضوى، قال ابن الأثير روى سعيد بن بشير، عن قتادة، عن رضوى بنت كعب أنها سألت رسول الله ﷺ عن الحائض تخضب، فقال: " ما بذلك بأس " رواه أبو موسى المديني. ومنهن ريحانة بنت شمعون القرظية، وقيل النضرية، وقد تقدم ذكرها بعد أزواجه ﵅. ومنهن رزينة والصحيح رزينة كما تقدم. ومنهن سانية مولاة رسول الله ﷺ ، روت عنه حديثا في اللقطة، وعنها طارق بن عبد الرحمن روى حديثها أبو موسى المديني هكذا ذكر ابن الأثير في [أسد] الغابة. ومنهن سديسة الأنصارية، وقيل مولاة حفصة بنت عمر. روت عن النبي ﷺ قال: " إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه " قال ابن الأثير رواه عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق عن أبيه عن إسرائيل عن الأوزاعي عن سالم عن سديسة، ورواه إسحاق بن يسار عن الفضل. فقال عن سديسة عن حفصة عن النبي ﷺ ، فذكره رواه أبو نعيم وابن منده. ومنهن سلامة حاضنة إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، روت عنه حديثا في فضل الحمل والطلق والرضاع والسهر، فيه غرابة ونكارة من جهة إسناده ومتنه، رواه أبو نعيم وابن منده من حديث هشام بن عمار بن نصير خطيب دمشق عن أبيه عمرو بن سعيد الخولاني عن أنس عنها. ذكرها ابن الأثير.

стр. 2018

ومنهن سلمى وهي أم رافع امرأة أبي رافع كما رواه الواقدي عنها أنها قالت: كنت أخدم رسول الله ﷺ أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد فأعتقنا رسول الله ﷺ كلنا. قال الإمام أحمد حدثنا أبو عامر وأبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن فائد مولى ابن أبي رافع عن جدته سلمى خادم النبي ﷺ قالت: ما سمعت قط أحدا يشكوا إلى رسول الله ﷺ وجعا في رأسه إلا قال " احتجم " وفي رجليه إلا قال " أخضبهما بالحناء ". وهكذا رواه أبو داود: من حديث ابن أبي الموالي والترمذي وابن ماجة من حديث زيد بن الخباب كلاهما عن فائد عن مولاه عبيد الله بن علي بن أبي رافع عن جدته سلمى به. وقال الترمذي غريب إنما نعرف من حديث فائد. وقد روت عدة أحاديث عن النبي ﷺ يطول ذكرها واستقصاؤها. قال مصعب الزبيري وقد شهدت سلمى وقعة حنين. قلت: وقد ورد أنها كانت تطبخ للنبي ﷺ الحريرة (١) فتعجبه، وقد تأخرت إلى بعد موته ﵇، وشهدت وفاة فاطمة ﵂، وقد كانت أولا لصفية بنت عبد المطلب عمته ﵇، ثم صارت لرسول الله ﷺ . وكانت قابلة أولاد فاطمة وهي التي قبلت إبراهيم بن رسول الله ﷺ وقد شهدت غسل فاطمة وغسلتها مع زوجها علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس امرأة الصديق. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع عن أبيه عن سلمى قالت: اشتكت فاطمة ﵍ شكواها الذي قبضت فيه، فكنت أمرضها، فأصبحت يوم كمثل ما يأتيها في شكواها ذلك، قالت وخرج علي لبعض حاجته فقالت: يا أمه اسكبي لي غسلا، فسكبت لها غسلا فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثم قالت: يا أمه أعطني ثيابي الجدد فلبستها، ثم قالت يا أمه قدمي لي فراشي وسط البيت، ففعلت واضطجعت فاستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها ثم قالت: يا أمه إني مقبوضة الآن وقد تطهرت فلا يكشفني أحد، فقبضت مكانها. قالت فجاء علي فأخبرته. وهو غريب جدا. ومنهن شيرين، ويقال سيرين أخت مارية القبطية خالة إبراهيم ﵇، وقدمنا أن المقوقس صاحب إسكندرية واسمه جريج بن مينا أهداهما مع غلام اسمه مابور وبغلة يقال لها الدلدل فوهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان. ومنهن عنقودة أم مليح الحبشية جارية عائشة، كان اسمها عنبة فسماها رسول الله ﷺ عنقودة رواه أبو نعيم. ويقال اسمها غفيرة (٢).

стр. 2019

فروة ظئر النبي ﷺ يعن مرضعه - قالت قال لي رسول الله: " إذا أويت إلى فراشك فاقرئي • (قل يا أيها الكافرون) … فإنها براءة من الشرك " ذكرها أبو أحمد العسكري، قاله ابن الأثير في الغابة. فأما فضة النوبية فقد ذكر الأثير في الغابة أنها كانت مولاة لفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم أورد بإسناد مظلم عن محبوب بن حميد البصري، عن القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى … (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) … [الانسان: ٨] ثم ذكر ما مضمونه: أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله ﷺ ، وعادهما عامة العرب، فقالوا لعلي لو نذرت؟ فقال علي: إن برءا مما بهما صمت لله ثلاثة أيام، وقالت فاطمة كذلك، وقالت فضة كذلك. فألبسهما الله العافية فصاموا. وذهب علي فاستقرض من شمعون الخيبري ثلاثة آصع من شعير، فهيأوا منه تلك الليلة صاعا فلما وضعوه بين أيديهم للعشاء وقف على الباب سائل فقال: أطعموا المسكين أطعمكم الله على موائد الجنة. فأمرهم علي فأعطوه ذلك الطعام وطووا، فلما كانت الليلة الثانية صنعوا لهم الصاع الآخر فلما وضعوه بين أيديهم وقف سائل فقال أطعموا اليتيم فأعطوه ذلك وطووا. فلما كانت الليلة الثالثة قال: أطعموا الأسير فأعطوه وطووا ثلاثة أيام وثلاث ليال. فأنزل الله في حقهم … (هل أتى على الانسان) … إلى قوله … (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) … وهذا الحديث منكر، ومن الأئمة من يجعله موضوعا ويسند ذلك إلى ركة ألفاظه، وأن هذه السورة مكية والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة. والله أعلم. ليلى مولاة عائشة، قالت يا رسول الله إنك تخرج من الخلاء فأدخل في أثرك فلم أر شيئا إلا أني أجد ريح المسك؟ فقال: " إنا معشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح أهل الجنة، فما خرج منا من نتن ابتلعته الأرض ". رواه أبو نعيم من حديث أبي عبد الله المدني. وهو أحد المجاهيل - عنها. مارية القبطية أم إبراهيم تقدم ذكرها مع أمهات المؤمنين. وقد فرق ابن الأثير بينها وبين مارية أم الرباب، قال وهي جارية للنبي ﷺ أيضا. حديثها عند أهل البصرة رواه عبد الله بن حبيب عن أم سلمى عن أمها عن جدتها مارية قالت: تطأطأت للنبي ﷺ حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين. ثم قال: ومارية خادم النبي ﷺ . روى أبو بكر عن ابن عباس عن المثنى بن صالح عن جدته مارية - وكانت خادم النبي ﷺ أنها قالت: ما مسست بيدي شيئا قط ألين من كف رسول الله ﷺ . قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: لا أدري أهي التي قبلها أم لا. ومنهن ميمونة بنت سعد، قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر (١) ثنا عيسى - هو ابن يونس - ثنا ثور - هو ابن يزيد - عن زياد بن أبي سودة عن أخيه أن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: يا رسول أفتنا في بيت المقدس؟ قال: " أرض المنشر والمحشر، إئتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة " قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: " فليهد إليه زيتا يسرح فيه، فإنه من

стр. 2020

أهدى له كان كمن صلى فيه ". وهكذا رواه ابن ماجة عن إسماعيل بن عبد الله الرقي، عن عيسى بن يونس، عن ثور، عن زياد، عن أخيه عثمان بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي ﷺ . وقد رواه أبو داود، عن الفضل بن مسكين بن بكير، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ثور عن زياد عن ميمونة لم يذكر أخاه فالله أعلم. وقال أحمد حدثنا حسين وأبو نعيم قالا: ثنا إسرائيل عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضبي عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي ﷺ قالت: سئل النبي ﷺ عن ولد الزنا قال: " لا خير فيه، نعلان أجاهد بهما في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا " (١). وهكذا رواه النسائي عن عباس الدوري وابن ماجة من حديث أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا المحاربي ثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد عن ميمونة - وكانت تخدم النبي ﷺ قالت: قال رسول الله: " الرافلة في الزينة في غير أهلها، كالظلمة يوم القيامة لا نور لها ". ورواه الترمذي من حديث موسى بن عبيدة، وقال لا نعرفه إلا من حديثه وهو يضعفه في الحديث. وقد رواه بعضهم عنه فلم يرفعه. ومنهن ميمونة بنت أبي عسيبة أو عنبسة، قاله أبو عمرو بن منده. قال أبو نعيم وهو تصحيف والصواب ميمونة بنت أبي عسيب (٢)، كذلك روى حديثها المشجع بن مصعب أو عبد الله العبدي عن ربيعة بنت يزيد، وكانت تنزل في بني قريع عن منبه عن ميمونة بنت أبي عسيب، وقيل بنت أبي عنبسة مولاة النبي ﷺ أن امرأة من حريش أتت النبي ﷺ فنادت يا عائشة أغيثيني بدعوة من رسول الله تسكنيني بها وتطمنيني بها، وأنه قال لها " ضعي يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه، وقولي بسم الله اللهم داوني بدوائك، واشفني بشفائك، وأغنني بفضلك عمن سواك " قالت ربيعة فدعوت به فوجدته جيدا. ومنهن أم ضميرة زوج أبي ضميرة، قد تقدم الكلام عليهم ﵃. ومنهن أم عياش بعثها رسول الله ﷺ مع ابنته (٣) تخدمها حين زوجها بعثمان بن عفان. قال أبو القاسم البغوي: حدثنا عكرمة، ثنا عبد الواحد بن صفوان، حدثني أبي صفوان، عن أبيه عن جدته أم عياش - وكانت خادم النبي ﷺ بعث بها مع ابنته إلى عثمان، قالت كنت أمغث (٤)

стр. 2021

لعثمان التمر غدوة فيشربه عشية، وأنبذه عشية فيشربه غدوة، فسألني ذات يوم فقال تخلطين فيه شيئا؟ فقلت أجل، قال فلا تعودي. فهؤلاء إماؤه ﵅. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا القاسم بن الفضل، حدثني ثمامة بن حزن قال: سألت عائشة عن النبيذ فقالت: هذه خادم رسول الله فسلها، لجارية حبشية، فقالت: كنت أنبذ لرسول الله ﷺ في سقاء عشاء فأوكيه، فإذا أصبح شرب منه. ورواه مسلم والنسائي من حديث القاسم بن الفضل به. هكذا ذكره أصحاب الأطراف في مسند عائشة، والأليق ذكره في مسند جارية حبشية كانت تخدم النبي، وهي إما أن تكون واحدة ممن قدمنا ذكرهن، أو زائدة عليهن، والله تعالى أعلم. فصل واما خدامه ﷺ الذين خدموه من الصحابة من غير مواليه فمنهم أنس بن مالك أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عاصم (١) بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري أبو حمزة المدني نزيل البصرة. خدم رسول الله ﷺ مدة مقامه بالمدينة عشر سنين، فما عاتبه على شئ أبدا، ولا قال لشئ فعله لم فعلته، ولا لشئ لم يفعله ألا فعلته. وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام هي التي أعطته رسول الله ﷺ فقبله، وسألته أن يدعو له فقال: " اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، وأدخله الجنة ". قال أنس: فقد رأيت اثنتين وأنا انتظر الثالثة، والله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو من مائة، وفي رواية وإن كرمي ليحمل في السنة مرتين، وإن ولدي لصلبي مائة وستة أولاد. وقد اختلف في شهوده بدرا. وقد روى الأنصاري عن أبيه عن ثمامة قال: قيل لانس أشهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك! والمشهور أنه لم يشهد بدرا لصغره، ولم يشهد أحدا أيضا لذلك. وشهد الحديبية وخيبر وعمرة القضاء والفتح وحنينا والطائف وما بعد ذلك. قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم - يعني أنس بن مالك -. وقال ابن سيرين، كان أحسن الناس صلاة في سفره وحضره، وكانت وفاته بالبصرة وهو آخر من كان قد بقي فيها من الصحابة فيما قاله علي بن المديني، وذلك في سنة تسعين، وقيل إحدى وقيل اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وهو الأشهر، وعليه الأكثر. وأما عمره يوم مات فقد روى الإمام أحمد في مسنده حدثنا معتمر بن سليمان، عن حميد أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة، وأقل ما قيل ست وتسعون، وأكثر ما قيل مائة وسبع سنين (٢)، وقيل ست، وقيل مائة وثلاث سنين. فالله أعلم.

стр. 2022

ومنهم ﵃ الأسلع بن شريك بن عوف الأعرجي. قال محمد بن سعد: كان اسمه ميمون بن سنباذ (١)، قال الربيع بن بدر الأعرجي عن أبيه عن جده عن الأسلع قال: كنت أخدم النبي ﷺ وأرحل معه، فقال ذات ليلة " يا أسلع قم فارحل " قال أصابتني جنابة يا رسول الله، قال فسكت ساعة وأتاه جبريل بآية الصعيد، " فقال قم يا أسلع فتيمم " قال فتيممت وصليت، فلما انتهيت إلى الماء قال: " يا أسلع قم فاغتسل " قال فأراني التيمم فضرب رسول الله يديه إلى الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه الأرض ثم نفضهما فمسح بهما ذراعيه، باليمنى على اليسرى، وباليسرى على اليمنى، ظاهرهما وباطنهما. قال الجميع: وأراني أبي، كما أراه أبوه، كما أراه الأسلع، كما أراه رسول الله. قال الربيع: فحدثت بهذا الحديث عوف بن أبي جميلة فقال: هكذا والله رأيت الحسن يصنع. رواه ابن منده والبغوي في كتابيهما معجم الصحابة من حديث الربيع بن بدر هذا، قال البغوي ولا أعلمه روى غيره. قال ابن عساكر وقد روى - يعني هذا الحديث - الهيثم بن رزيق (٢) المالكي المدلجي عن أبيه عن الأسلع بن شريك. ومنهم ﵃ أسماء بن حارثة (٣) بن سعد بن عبد الله بن عباد بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى الأسلمي. وكان من أهل الصفة، قاله محمد بن سعد. وهو أخو هند بن حارثة، وكانا يخدمان النبي ﷺ . قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند بن حارثة، وكان هند من أصحاب الحديبية، وكان أخوه الذي بعثه رسول الله يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، وهو أسماء بن حارثة. فحدثني يحيى بن هند، عن أسماء بن حارثة أن رسول الله ﷺ بعثه فقال " مر قومك بصيام هذا اليوم ". قال أرأيت إن وجدتهم قد طعموا؟ قال " فليتموا آخر يومهم ". وقد رواه أحمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي، عن أبيه هند قال: بعثني رسول الله إلى قوم من أسلم فقال " مر قومك فليصوموا هذا اليوم، ومن وجدت منهم أكل في أول يومه فليصم آخره ". قال محمد بن سعد عن الواقدي: أنبأنا محمد بن نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبيه قال سمعت أبا هريرة يقول: ما كنت أظن أن هندا وأسماء ابني حارثة إلا مملوكين لرسول الله ﷺ . قال الواقدي: كانا يخدمانه لا يبرحان بابه هما وأنس بن مالك قال محمد بن سعد: وقد توفي أسماء بن حارثة في سنة ست وستين بالبصرة عن ثمانين سنة. ومنهم بكير بن الشداخ الليثي (٤). ذكر ابن منده من طريق أبي بكر الهذلي عن عبد الملك بن

стр. 2023

يعلى الليثي أن بكير بن شداخ الليثي كان يخدم النبي ﷺ ، فاحتلم فأعلم بذلك رسول الله وقال: إني كنت أدخل على أهلك وقد احتلمت الآن يا رسول الله، فقال " اللهم صدق قوله، ولقه الظفر " فلما كان في زمان عمر قتل رجل من اليهود، فقام عمر خطيبا فقال: أنشد الله رجلا عنده من ذلك علم؟ فقام بكير فقال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين. فقال عمر بؤت بدمه فأين المخرج؟ فقال يا أمير المؤمنين إن رجلا من الغزاة استخلفني على أهله، فجئت فإذا هذا اليهودي عند امرأته وهو يقول: وأشعث غره الاسلام مني … خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسي … على جرد الأعنة والحزام (١) كأن مجامع الربلات منها … فئام ينهضون إلى فئام (٢) قال فصدق عمر قوله وأبطل دم اليهودي بدعاء رسول الله ﷺ . لبكير بما تقدم. ومنهم ﵃ بلال بن رباح الحبشي. ولد بمكة وكان مولى لأمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر منه بمال جزيل لان كان أمية يعذبه عذابا شديدا ليرتد عن الاسلام فيأبى إلا الاسلام ﵁، فلما اشتراه أبو بكر أعتقه ابتغاء وجه الله، وهاجر حين هاجر الناس، وشهد بدرا وأحدا وما بعدهما من المشاهد ﵁. وكان يعرف ببلال بن حمامة وهي أمه، وكان من أفصح الناس لا كما يعتقده بعض الناس أن سينه كانت شينا، حتى إن بعض الناس يروي حديثا في ذلك لا أصل له عن رسول الله أنه قال: إن سين بلال شينا. وهو أحد المؤذنين الأربعة كما سيأتي، وهو أول من أذن كما قدمنا. وكان يلي أمر النفقة على العيال، ومعه حاصل ما يكون من المال. ولما توفي رسول الله ﷺ كان فيمن خرج إلى الشام للغزو، ويقال إنه أقام يؤذن لأبي بكر أيام خلافته (٣)، والأول أصح وأشهر. قال الواقدي: مات بدمشق سنة عشرين وله بضع وستون سنة. وقال الفلاس قبره بدمشق، ويقال بداريا (٤)، وقيل إنه مات بحلب، والصحيح أن الذي مات بحلب أخوه خالد. قال مكحول حدثني من رأى بلال قال كان شديد الأدمة نحيفا أجنأ (٥) له شعر كثير، وكان لا يغير شيبه ﵁. ومنهم ﵃ حبة وسواء ابنا خالد (٦) ﵄. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو

стр. 2024

معاوية، قال وثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سلام بن شرحبيل، عن حبة وسواء ابنا خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو يصلح شيئا فأعناه، فقال " لا ينسأ من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما، فإن الانسان تلده أمه أحيمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله ". ومنهم ﵃ ذو مخمر، ويقال ذو محبر، وهو ابن أخي النجاشي ملك الحبشة، ويقال ابن أخته. والصحيح الأول. كان بعثه ليخدم رسول الله ﷺ نيابة عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، ثنا جرير، عن يزيد بن صليح، عن ذي مخمر - وكان رجلا من الحبشة يخدم النبي ﷺ قال: كنا معه في سفر فأسرع السير حتى انصرف، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد. فقال له قائل: يا رسول الله قد انقطع الناس، قال فجلس وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه، فقال لهم " هل لكم أن نهجع هجعة؟ " - أو قال له قائل - فنزل ونزلوا فقالوا: من يكلؤنا الليلة؟ فقلت: أنا جعلني الله فداك، فأعطاني خطام ناقته فقال " هاك لا تكونن لكعا " قال: فأخذت بخطام ناقة رسول الله وخطام ناقتي، فتنحيت غير بعيد فخليت سبيلهما ترعيان، فإني كذلك أنظر إليهما إذ أخذني النوم، فلم أشعر بشئ حتى وجدت حر الشمس على وجهي، فاستيقظت فنظرت يمينا وشمالا فإذا أنا بالراحلتين مني غير بعيد، فأخذت بخطام ناقة رسول الله ﷺ وبخطام ناقتي، فأتيت أدنى القوم فأيقظته فقلت أصليت؟ قال لا، فأيقظ الناس بعضهم بعضا حتى استيقظ رسول الله ﷺ ، فقال " يا بلال هل في الميضاة ماء " يعني الإداوة، فقال: نعم جعلني الله فداك، فأتاه بوضوء لم يلت منه التراب، فأمر بلالا فأذن ثم قام النبي ﷺ فصلى الركعتين قبل الصبح وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة فصلى وهو غير عجل، فقال له قائل: يا رسول الله أفرطنا: قال " لا، قبض الله أرواحنا وردها إلينا، وقد صلينا ". ومنهم ﵃ ربيعة بن كعب الأسلمي أبو فراس. قال الأوزاعي: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن ربيعة بن كعب قال كنت أبيت مع (١) رسول الله ﷺ ، فآتيه بوضوئه وحاجته، فكان يقوم من الليل فيقول " سبحان ربي وبحمده الهوي (٢)، سبحان رب العالمين الهوي " فقال رسول الله " هل لك حاجة؟ " قلت يا رسول الله مرافقتك في الجنة، قال " فأعني على نفسك بكثرة السجود ". وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن محمد، عن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول الله نهاري أجمع، حتى يصلي عشاء الآخرة فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول لعلها أن تحدث لرسول الله حاجة، فما أزال أسمع رسول الله ﷺ يقول: " سبحان الله وبحمده " حتى أمل فأرجع. أو تغلبني عيناي فأرقد، فقال لي يوما - لما يرى من حقي له وخدمتي إياه - " يا ربيعة بن كعب سلني أعطك " قال فقلت أنظر في أمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك، فقال ففكرت في نفسي

стр. 2025

فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني، قال فقلت أسأل رسول الله لآخرتي فإنه من الله بالمنزل الذي هو به، قال فجئته فقال: " ما فعلت يا ربيعة؟ " قال فقلت: نعم يا رسول الله أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار، قال " فقال من أمرك بهذا يا ربيعة؟ " قال فقلت لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي فيها رزقا سيأتيني، فقلت أسأل رسول الله لآخرتي. قال: فصمت رسول الله ﷺ طويلا ثم قال لي " إني فاعل فأعني على نفسك بكثر السجود " وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة، أنبأنا يزيد بن هارون، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا أبو عمران الجوني، عن ربيعة الأسلمي - وكان يخدم النبي ﷺ قال فقال لي ذات يوم " يا ربيعة ألا تزوج؟ " قال قلت يا رسول الله ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شئ، وما عندي ما أعطي المرأة. قال فقلت بعد ذلك رسول الله أعلم بما عندي مني يدعوني إلى التزويج، لئن دعاني هذه المرة لأجيبنه. قال فقال لي " يا ربيعة ألا تزوج؟ " فقلت يا رسول الله ومن يزوجني؟ ما عندي ما أعطي المرأة. فقال لي انطلق إلى بني فلان فقل لهم إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة، قال: فأتيتهم، فقلت إن رسول الله أرسلني إليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة، قالوا: فلانة؟ قال: نعم، قالوا مرحبا برسول الله ومرحبا برسوله، فزوجوني فأتيت رسول الله فقلت يا رسول الله أتيتك من خير أهل بيت صدقوني وزوجوني، فمن أين لي ما أعطي صداقي؟ فقال رسول الله لبريدة الأسلمي " اجمعوا لربيعة في صداقه في وزن نواة من ذهب " فجمعوها فأعطوني فأتيتهم فقبلوها، فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله قد قبلوا فمن أين لي ما أولم؟ قال فقال رسول الله لبريدة " اجمعوا لربيعة في ثمن كبش " قال فجمعوا وقال لي " انطلق إلى عائشة فقل لها فلتدفع إليك ما عندها من الشعير " قال فأتيتها فدفعت إلي، فانطلقت بالكبش والشعير فقالوا أما الشعير فنحن نكفيك، وأما الكبش فمر أصحابك فليذبحوه، وعملوا الشعير فأصبح والله عندنا خبز ولحم، ثم إن رسول الله أقطع أبا بكر أرضا له فاختلفنا في عذق، فقلت هو في أرضي. وقال أبو بكر هو في أرضي، فتنازعنا فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها، فندم فأحضرني فقال لي قل لي كما قلت، قال: فقلت لا والله لا أقول لك كما قلت لي، قال إذا آتي رسول الله. قال: فأتى رسول الله وتبعته فجاءني قومي يتبعونني فقالوا: هو الذي قال لك، وهو يأتي رسول الله فيشكو؟ قال: فالتفت إليهم فقلت تدرون من هذا، هذا الصديق وذو شيبة المسلمين، أرجعوا لا يلتفت فيراكم فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله فيخبره فيهلك ربيعة. قال: فأتى رسول الله فقال: إني قلت لربيعة كلمة كرهتها، فقلت له يقول لي مثل ما قلت له فأبى، فقال رسول الله ﷺ " يا ربيعة ومالك وللصديق؟ " قال: فقلت: يا رسول الله والله لا أقول له كما قال لي، فقال رسول الله " لا تقل له كما قال لك، ولكن قل غفر الله لك يا أبا بكر " (١).

стр. 2026

ومنهم ﵃ سعد مولى أبي بكر ﵁، ويقال مولى النبي ﷺ . قال أبو داود الطيالسي: ثنا أبو عامر عن الحسن عن سعد مولى أبي بكر الصديق، أن رسول الله قال لأبي بكر - وكان سعد مملوكا لأبي بكر، وكان رسول الله يعجبه خدمته - " أعتق سعدا " فقال يا رسول الله مالنا خادم هاهنا غيره، فقال " أعتق سعدا أتتك الرجال أتتك الرجال ". وهكذا رواه أحمد عن أبي داود الطيالسي. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عامر (١)، عن الحسن، عن سعد قال: قربت بين يدي رسول الله ﷺ تمرا، فجعلوا يقرنون فنهى رسول الله ﷺ عن القران (٢). ورواه ابن ماجة عن بندار عن أبي داود به. ومنهم ﵃ عبد الله بن رواحة. دخل يوم عمرة القضاء مكة وهو يقود بناقة رسول الله ﷺ وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله … ضربا يزيل الهام عن مقيله ويشغل الخليل عن خليله كما قدمنا ذلك بطوله. وقد قتل عبد الله بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم مؤتة كما تقدم أيضا. ومنهم ﵃ عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ أبو عبد الرحمن الهذلي. أحد أئمة الصحابة هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها، كما يلي حمل نعلي النبي ﷺ ، ويلي طهوره، ويرحل دابته إذا أراد الركوب، وكانت له اليد الطولى في تفسير كلام الله، وله العلم الجم والفضل والحلم وفي الحديث أن رسول الله قال لأصحابه - وقد جعلوا يعجبون من دقة ساقيه - فقال " والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد ". وقال عمر بن الخطاب في ابن مسعود: هو كنيف ملئ علما. وذكروا أنه نحيف الخلق حسن الخلق، يقال إنه كان إذا مشى يسامت الجلوس وكان يشبه بالنبي ﷺ في هديه ودله وسمته، يعني أنه يشبه بالنبي ﷺ في حركاته وسكناته وكلامه ويتشبه بما استطاع من عبادته. توفي ﵁ في أيام عثمان سنة اثنتين - أو ثلاث - وثلاثين بالمدينة عن ثلاث وستين سنة، وقيل إنه توفي بالكوفة والأول أصح. ومنهم ﵃ عقبة بن عامر الجهني. قال الإمام أحمد: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ابن

стр. 2027

جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر قال: بينما أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب، إذ قال لي " يا عقبة ألا تركب؟ " قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله وركبت هنيهة، ثم ركب ثم قال " يا عقب ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأقرأني قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما. ثم مر بي فقال " إقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت ". وهكذا رواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم، وعبد الله بن المبارك، عن ابن جابر، ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث ابن وهب عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن عن عقبة به. ومنهم ﵃ قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي. روى البخاري عن أنس قال: كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير، وقد كان قيس هذا ﵁ من أطول الرجال، وكان كوسجا ويقال إن سراويله كان يضعه على أنفه من يكون من أطول الرجال فتصل رجلاه الأرض، وقد بعث سراويله معاوية إلى ملك الروم يقول له: هل عندكم رجل يجئ هذه السراويل على طوله؟ فتعجب صاحب الروم من ذلك. وذكروا أنه كان كريما ممدحا ذا رأي ودهاء، وكان مع علي بن أبي طالب أيام صفين. وقال مسعر عن معبد بن خالد: كان قيس بن سعد لا يزال رافعا أصبعه المسبحة يدعو ﵁ وأرضاه. وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغيرهما: توفي بالمدينة في آخر أيام معاوية. وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عمر بن الخطاب السجستاني، ثنا علي بن يزيد الحنفي، ثنا سعيد بن الصلت، عن الأعمش عن أبي سفيان، عن أنس قال: كان عشرون شابا من الأنصار يلزمون رسول الله ﷺ لحوائجه، فإذا أراد أمرا بعثهم فيه. ومنهم ﵃ المغيرة بن شعبة الثقفي ﵁. كان بمنزلة السلحدار بين يدي رسول الله ﷺ ، كما كان رافعا السيف في يده وهو واقف على رأس النبي ﷺ ، في الخيمة يوم الحديبية: فجعل كلما أهوى عمه عروة بن مسعود الثقفي حين قدم في الرسيلة إلى لحية رسول الله ﷺ على ما جرت به عادة العرب في مخاطباتها - يقرع يده بقائمة السيف ويقول: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك. الحديث كما قدمناه. قال محمد بن سعد وغيره: شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وولاه مع أبي سفيان الامرة حين ذهبا فخربا طاغوت أهل الطائف، وهي المدعوة بالربة، وهي اللات، وكان داهية من دهاة العرب. قال الشعبي: سمعته يقول ما غلبني أحد قط. وقال الشعبي سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها. وقال الشعبي: القضاة أربعة، أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو موسى، والدهاة أربعة، معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد. وقال الزهري: الدهاة خمسة، معاوية وعمر والمغيرة واثنان مع علي وهما قيس بن سعد بن

стр. 2028

عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقاء. وقال الامام مالك: كان المغيرة بن شعبة رجلا نكاحا للنساء، وكان يقول صاحب الواحدة إن حاضت حاض معها، وإن مرضت مرض معها، وصاحب الثنايا؟؟ بين نارين يشتعلان قال: فكان ينكح أربعا ويطلقهن جميعا. وقال غيره: تزوج ثمانين امرأة، وقيل ثلاث مائة امرأة، وقيل أحصن بألف امرأة. وقد اختلف في وفاته على أقوال أشهرها وأصحها وهو الذي حكى عليه الخطيب البغدادي الاجماع أنه توفي سنة خمسين. ومنهم ﵃ المقداد بن الأسود أبو معبد الكندي حليف بني زهرة. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد بن الأسود قال: قدمت المدينة أنا وصاحبان، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد، فأتينا إلى النبي ﷺ فذكرنا له، فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز، فقال " احلبهن يا مقداد، وجزئهن أربعة جزاء، واعط كل إنسان جزءا " فكنت أفعل ذلك فرفعت للنبي ﷺ ذات ليلة، فاحتبس واضطجعت على فراشي فقالت لي نفسي: إن النبي ﷺ قد أتى أهل بيت من الأنصار، فلو قمت فشربت هذه الشربة فلم تزل بي حتى قمت فشربت جزأه، فلما دخل في بطني ومعائي أخذني ما قدم وما حدث. فقلت يجئ الآن النبي ﷺ جائعا ظمآنا فلا يرى في القدح شيئا فسجيت ثوبا على وجهي. وجاء النبي ﷺ فسلم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النائم، فكشف عنه فلم ير شيئا. فرفع رأسه إلى السماء فقال " اللهم اسق من سقاني، وأطعم من أطعمني " فاغتنمت دعوته وقمت فأخذت الشفرة فدنوت إلى الأعنز فجعلت أجسهن أيتهن أسمن لأذبحها، فوقعت يدي على ضرع إحداهن فإذا هي حافل، ونظرت إلى الأخرى فإذا هي حافل، فنظرت فإذا هن كلهن حفل، فحلبت في الاناء فأتيته به فقلت اشرب، فقال " ما الخبر يا مقداد؟ " فقلت اشرب ثم الخبر؟، فقال " بعض؟ وتك يا مقداد " فشرب ثم قال " اشرب " فقلت اشرب يا نبي الله، فشرب حتى تضلع ثم أخذته فشربته، ثم أخبرته الخبر فقال النبي ﷺ " هيه " فقلت كان كذا وكذا، فقال النبي ﷺ " هذه بركة منزلة من السماء أفلا أخبرتني حتى أسقي صاحبيك؟ " فقلت إذا شربت البركة أنا وأنت فلا أبالي من أخطأت. وقد رواه الإمام أحمد أيضا: عن أبي النضر، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد فذكر ما تقدم، وفيه أنه حلب في الاناء الذي كانوا لا يطيقون أن يحلبوا فيه، فحلب حتى علته الرغوة. ولما جاء به قال بله رسول الله " أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد؟ " فقلت اشرب يا رسول الله، فشرب ثم ناولني فقلت اشرب يا رسول الله، فشرب ثم ناولني فأخذت ما بقي ثم شربت. فلما عرفت أن رسول الله قد روى فأصابتني دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، فقال رسول الله " إحدى سوأتك يا مقداد " فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا، صنعت كذا. فقال " ما كانت هذه إلا رحمة الله، ألا كنت آذنتني توقظ صاحبيك هذين فيصيبان منها؟ " قال قلت والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به.

стр. 2029

ومنهم ﵃ مهاجر (١) مولى أم سلمة. قال الطبراني: حدثنا أبو الزنباع، روح بن الفرج، ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني إبراهيم بن عبد الله سمعت بكيرا يقول سمعت مهاجرا مولى أم سلمة قال خدمت رسول الله ﷺ سنين فلم يقل لي لشئ صنعته لم صنعته، ولا لشئ تركته لم تركته. وفي رواية خدمته عشر سنين أو خمس سنين. ومنهم ﵃ أبو السمح (٢). قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي: ثنا مجاهد بن موسى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا يحيى بن الوليد، حدثني محل بن خليفة، حدثني أبو السمح قال: كنت أخدم رسول الله، قال كان إذا أراد أن يغتسل قال: ناولني أداوتي، قال: فأناوله وأستتره، فأتى بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت لأغسله فقال " يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام " وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن مجاهد بن موسى. ومنهم ﵃ أفضل الصحابة على الاطلاق أبو بكر الصديق ﵁، تولى خدمته بنفسه في سفرة الهجرة لا سيما في الغار وبعد خروجهم منه حتى وصلوا إلى المدينة كما تقدم ذلك مبسوطا ولله الحمد والمنة. فصل اما كتاب الوحي وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهم أجمعين فمنهم الخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ﵃، وسيأتي ترجمة كل واحد منهم في أيام خلافته إن شاء الله وبه الثقة. ومنهم ﵃ أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي. أسلم بعد أخويه خالد وعمرو، وكان إسلامه بعد الحديبية لأنه هو الذي أجار عثمان حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة يوم الحديبية، وقيل خيبر لان له ذكر في الصحيح من حديث أبي هريرة في قسمة غنائم خيبر، وكان سبب إسلامه أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام فذكر له أمر رسول الله ﷺ فقال له الراهب ما اسمه؟ قال: محمد، قال: فأنا أنعته لك، فوصفه بصفته سواء وقال: إذا رجعت إلى أهلك فاقرئه السلام. فأسلم (٣) بعد مرجعه وهو أخو عمرو بن سعيد الأشدق الذي قتله عبد الملك بن مروان. قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان أول من كتب

стр. 2030

الوحي بين يدي رسول الله ﷺ أبي بن كعب، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت، وكتب له عثمان وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد. هكذا قال - يعني بالمدينة - وإلا فالسور المكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها، وقد كتبها الصحابة بمكة ﵃. وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا فقال موسى بن عقبة ومصعب بن الزبير والزبير بن بكار وأكثر أهل النسب قتل يوم أجنادين، يعني في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة. وقال آخرون قتل يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة. وقال محمد بن إسحاق قتل هو وأخوه عمرو يوم اليرموك لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. وقيل إنه تأخر إلى أيام عثمان وكان يملي (١) المصحف الامام على زيد بن ثابت ثم توفي سنة تسع وعشرين. فالله. أعلم. ومنهم أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري. أبو المنذر، ويقال أبو الطفيل، سيد القراء شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها. وكان ربعة نحيفا أبيض الرأس واللحية لا يغير شيبه. قال أنس: جمع القرآن أربعة - يعني من الأنصار - أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ورجل من الأنصار يقال له أبو يزيد أخرجاه. وفي الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لأبي " إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن " قال وسماني لك يا رسول الله؟ قال " نعم " قال فذرفت عيناه. ومعنى أن أقرأ عليك قراءة إبلاغ وإسماع لا قراءة تعلم منه، هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم، وإنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه. وقد ذكرنا في موضع آخر سبب القراءة عليه وأنه قرأ عليه سورة … (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة) … وذلك أن أبي بن كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبي، فرفعه أبي إلى رسول الله فقال: " اقرأ يا أبي " فقرأ فقال: " هكذا أنزلت " ثم قال لذلك الرجل " اقرأ " فقرأ فقال " هكذا أنزلت " قال أبي: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية، قال فضرب رسول الله في صدري ففضضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا، فبعد ذلك تلا عليه رسول الله هذه السورة كالتثبيت له والبيان له إن هذا القرآن حق وصدق. وإنه أنزل على أحرف كثيرة رحمة ولطفا بالعباد. وقال ابن أبي خيثمة: هو أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله ﷺ . وقد اختلف في وفاته فقيل في سنة تسع عشرة، وقيل سنة عشرين، وقيل ثلاث وعشرين، وقيل قبل (٢) مقتل عثمان بجمعة. فالله أعلم.

стр. 2031

ومنهم ﵃ أرقم بن أبي الأرقم، واسمه عبد مناف بن أسد بن جندب (١) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي. أسلم قديما وهو الذي كان رسول الله ﷺ مستخفيا في داره عند الصفا وتعرف تلك الدار بعد ذلك بالخيزران. وهاجر وشهد بدرا وما بعدها، وقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن أنيس (٢) وهو الذي كتب أقطاع عظيم بن الحارث المحاربي بأمر رسول الله ﷺ بفخ وغيره، وذلك فيما رواه الحافظ ابن عساكر: من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري، حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده عمرو بن حزم. وقد توفي في سنة ثلاث وقيل خمس وخمسين وله خمس وثمانون سنة، وقد روى الإمام أحمد له حديثين، الأول: قال أحمد والحسن بن عرفة - واللفظ لأحمد - حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن هشام بن زياد، عن عمار بن سعد، عن عثمان بن أرقم بن أبي الأرقم عن أبيه - وكان من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله قال: " إن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الامام كالجار قصبه في النار " والثاني: قال أحمد: حدثنا عصام بن خالد، ثنا العطاف بن خالد، ثنا يحيى بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن الأرقم، عن جده الأرقم أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: " أين تريد؟ " قال أردت يا رسول الله ها هنا وأومأ بيده إلى حيز بيت المقدس، قال: " ما يخرجك إليه أتجارة؟ " قال: لا ولكن أردت الصلاة فيه، قال " الصلاة ها هنا " وأومأ بيده إلى مكة " خير من ألف صلاة " وأومأ بيده إلى الشام. تفرد بهما أحمد. ومنهم ﵃ ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، ويقال أبو محمد المدني خطيب الأنصار، ويقال له خطيب النبي ﷺ قال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد المدايني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله، قالوا: قدم عبد الله بن عبس اليماني ومسلمة بن هاران الحدابي على رسول الله في رهط من قومهما بعد فتح مكة فأسلموا وبايعوا على قومهم، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شماس وشهد فيه سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة ﵃. وهذا الرجل ممن ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ بشره بالجنة. وروى الترمذي في جامعه بإسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله قال " نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر. نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح ". وقد قتل ﵁ شهيدا يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة في أيام أبي بكر الصديق، وله قصة سنوردها إن شاء الله إذا انتهينا إلى ذلك بحول الله وقوته وعونه ومعونته.

стр. 2032

ومنهم ﵃ حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي الأسيدي الكاتب، وأخوه رباح صحابي أيضا، وعمه أكثم بن صيفي كان حكيم العرب. قال الواقدي: كتب للنبي ﷺ كتابا. وقال غيره بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل الطوائف في الصلح، وشهد مع خالد حروبه بالعراق وغيرها وقد أدرك أيام علي وتخلف على القتال معه في الجمل وغيره، ثم انتقل عن الكوفة لما شتم بها عثمان، ومات بعد أيام علي وقد ذكر ابن الأثير في [أسد] الغابة، أن امرأته لما مات جزعت عليه فلامها جاراتها في ذلك فقالت: تعجبت دعد لمحزونة … تبكي على ذي شيبة شاحب إن تسألينني اليوم ما شفنى … أخبرك قولا ليس بالكاذب إن سواد العين أودى به … حزن على حنظلة الكاتب قال أحمد بن عبد الله بن الرقي. كان معتزلا للفتنة حتى مات بعد علي، جاء عنه حديثان. قلت: بل ثلاثة، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان قالا: ثنا همام، ثنا قتادة، عن حنظلة الكاتب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حافظ على الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة " أو قال " وجبت له " تفرد به أحمد وهو منقطع بين قتادة وحنظلة والله أعلم. والحديث الثاني رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة: من حديث سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة " لو تدومون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فرشكم، ولكن ساعة وساعة " وقد رواه أحمد والترمذي أيضا من حديث عمران بن داود القطان، عن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن حنظلة. والثالث رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزناد، عن المرقع بن صيفي بن حنظلة عن جده في النهي عن قتل النساء في الحرب. لكن رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال أخبرت عن أبي الزناد، عن مرقع بن صيفي بن رياح بن ربيع، عن جده رباح بن ربيع أخي حنظلة الكاتب فذكره. وكذلك رواه أحمد أيضا عن حسين بن محمد، وإبراهيم بن أبي العباس كلاهما عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه. وعن سعيد بن منصور وأبي عامر العقدي كلاهما عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن مرقع عن جده رباح. ومن طريق المغيرة رواه النسائي وابن ماجة كذلك. وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر بن مرقع عن أبيه عن جده رباح فذكر. فالحديث عن رباح لا عن حنظلة ولذا قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان سفيان الثوري يخطئ في هذا الحديث. قلت: وصح قول ابن الرقي أنه لم يرو سوى حديثين. والله أعلم. ومنهم ﵃ خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو

стр. 2033

سعيد الأموي. أسلم قديما يقال بعد الصديق بثلاثة أو أربعة، وأكثر ما قيل خمسة (١). وذكروا أن سبب إسلامه أنه رأى في النوم كأن واقفا على شفير جهنم فذكر من سعتها ما الله به عليم. قال وكأن أباه يدفعه فيها، وكأن رسول الله ﷺ آخذ بيده ليمنعه من الوقوع، فقص هذه الرؤيا على أبي بكر الصديق فقال له: لقد أريد بك خير، هذا رسول الله فاتبعه تنج مما خفته. فجاء رسول الله فأسلم، فلما بلغ أباه إسلامه غضب عليه وضربه بعصاة في يده حتى كسرها على رأسه وأخرجه من منزله ومنعه القوت، ونهى بقية إخوته أن يكلموه، فلزم خالد رسول الله ﷺ ليلا ونهارا، ثم أسلم أخوه عمرو، فلما هاجر الناس إلى أرض الحبشة هاجرا معهم ثم كان هو الذي ولي العقد في تزويج أم حبيبة من رسول الله كما قدمنا. ثم هاجرا من أرض الحبشة صحبة جعفر فقدما على رسول الله بخيبر وقد افتتحها، فأسهم لهما عن مشورة المسلمين، وجاء أخوهما أبان بن سعيد فشهد فتح خيبر كما قدمنا، ثم كان رسول الله يوليهم الأعمال. فلما كانت خلافة الصديق خرجوا إلى الشام للغزو فقتل خالد بأجنادين، ويقال بمرج الصفر. والله أعلم (٢). قال عتيق بن يعقوب: حدثني عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم، يعني أن خالد بن سعيد كتب عن رسول الله ﷺ كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله راشد بن عبد رب السلمي أعطاه غلوتين [بسهم] (٣) وغلوة بحجر برهاط [لا يحاقه فيها أحد] (٤)، فمن حاقه فلا حق له وحقه حق. وكتب خالد بن سعيد. وقال محمد بن سعد، عن الواقدي: حدثني جعفر بن محمد بن خالد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أقام خالد بن سعيد بعد أن قدم من أرض الحبشة بالمدينة، وكان يكتب لرسول الله، وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف وسعى في الصلح بينهم وبين رسول الله ﷺ . ومنهم ﵃ خالد بن الوليد (٥) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو سليمان المخزومي وهو أمير الجيوش المنصورة الاسلامية، والعساكر المحمدية، والمواقف المشهودة، والأيام

стр. 2034

المحمودة. ذو الرأي السديد، والبأس الشديد، والطريق الحميد، أبو سليمان خالد بن الوليد. ويقال إنه لم يكن في جيش فكسر لا في جاهلية ولا إسلام. قال الزبير بن بكار: كانت إليه في قريش القبة وأعنة الخيل، أسلم هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة بعد الحديبية وقيل خيبر، ولم يزل رسول الله ﷺ يبعثه فيما يبعثه أميرا. ثم كان المقدم على العساكر كلها في أيام الصديق، فلما ولي عمر بن الخطاب عزله وولي أبو عبيدة أمين الأمة على أن لا يخرج عن رأي أبي سليمان. ثم مات خالد في أيام عمر وذلك في سنة إحدى وعشرين وقيل اثنتين وعشرين - والأول أصح - بقرية على ميل من حمص. وقال الواقدي: سألت عنها فقيل لي دثرت. وقال دحيم: مات بالمدينة. والأول أصح. وقد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. قال عتيق بن يعقوب: حدثني عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم أن هذه قطايع أقطعها رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين: أن صيدوح (١) وصيده لا يعضد صيده ولا يقتل، فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فإنه يجلد وينزع ثيابه، وإن تعدى ذلك أحد فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي ﷺ ، وأن هذا من محمد النبي وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد. ومنهم ﵃ الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أبو عبد الله الأسدي أحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض وحواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب وزوج أسماء بنت أبي بكر ﵁، روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم أن الزبير بن العوام هو الذي كتب لبني معاوية بن جرول الكتاب الذي أمره به رسول الله ﷺ أن يكتبه لهم. وروى ابن عساكر بإسناد عن عتيق به. أسلم الزبير قديما ﵁ وهو ابن ست عشرة سنة، ويقال ابن ثمان سنين، وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها وهو أول من سل سيفا في سبيل الله. وقد شهد اليرموك وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين، ويخرج من الجانب الآخر سالما، لكن جرح في قفاه بضربتين ﵁. وقد جمع له رسول الله ﷺ يوم الخندق أبويه (٢) وقال " إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير " وله فضائل ومناقب كثيرة وكانت وفاته يوم الجمل، وذلك أنه كر راجعا عن القتال فلحقه عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس ورجل ثالث يقال له نفيع (٣) التميميون بمكان يقال له وادي السباع (٤)، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله، وذلك في يوم

стр. 2035

الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى (١) سنة ست وثلاثين، وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة، وقد خلف ﵁ بعده تركة عظيمة فأوصى من ذلك بالثلث بعد إخراج ألفي ألف ومائتي ألف دينارا، فلما قضى دينه، وأخرى ثلث ماله قسم الباقي على ورثته فنال كل امرأة من نسائه - وكن أربعا - ألف ألف ومائتا ألف، فمجموع ما ذكرناه مما تركه ﵁ تسعة وخمسين ألف ألف وثمان مائة ألف (٢) وهذا كله من وجوه حل نالها في حياته مما كان يصيبه من الفئ والمغانم، ووجوه متاجر الحلال وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها، والصلاة البارعة الكثيرة لأربابها في أوقات حاجاتها ﵁ وأرضاه وجعل جنات الفردوس مثواه - وقد فعل - فإنه قد شهد له سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين بالجنة، ولله الحمد والمنة. وذكر ابن الأثير في الغابة أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وأنه كان يتصدق بذلك كله. وقال فيه حسان بن ثابت يمدحه ويفضله بذلك: أقام على عهد النبي وهديه … حواريه والقول بالفضل يعدل أقام على منهاجه وطريقه … يوالي ولي الحق والحق أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذي … يصول إذا ما كان يوم محجل وإن امرأ كانت صفية أمه … ومن أسد في بيته لمرسل (٣) له من رسول الله قربى قريبة … ومن نصرة الاسلام مجد مؤثل فكم كربة ذب الزبير بسيفه … عن المصطفى والله يعطي ويجزل إذا كشفت عن ساقها الحزب حشها … بأبيض [سباق] (٤) إلى الموت يرفل فما مثل فيهم ولا كان قبله … وليس يكون الدهر ما دام يذبل قد تقدم أنه قتله عمرو بن جرموز التميم بوادي السباع وهو نائم، ويقال بل قام من آثار النوم وهو دهش فركب وبارزه ابن جرموز، فلما صمم عليه الزبير أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلوه، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه. فلما دخل بهما على علي قال علي ﵁ لما رأى سيف الزبير: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله ﷺ . وقال علي فيما قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار. فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه. والصحيح أنه عمر بعد علي حتى كانت أيام ابن الزبير فاستناب أخاه مصعبا على العراق، فاختفى عمرو بن جرموز خوفا
следующие страницы →