ومنهم ﵃ أرقم بن أبي الأرقم، واسمه عبد مناف بن أسد بن جندب (١) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي. أسلم قديما وهو الذي كان رسول الله ﷺ مستخفيا في داره عند الصفا وتعرف تلك الدار بعد ذلك بالخيزران. وهاجر وشهد بدرا وما بعدها، وقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن أنيس (٢) وهو الذي كتب أقطاع عظيم بن الحارث المحاربي بأمر رسول الله ﷺ بفخ وغيره، وذلك فيما رواه الحافظ ابن عساكر: من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري، حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده عمرو بن حزم. وقد توفي في سنة ثلاث وقيل خمس وخمسين وله خمس وثمانون سنة، وقد روى الإمام أحمد له حديثين، الأول: قال أحمد والحسن بن عرفة - واللفظ لأحمد - حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن هشام بن زياد، عن عمار بن سعد، عن عثمان بن أرقم بن أبي الأرقم عن أبيه - وكان من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله قال: " إن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الامام كالجار قصبه في النار " والثاني: قال أحمد: حدثنا عصام بن خالد، ثنا العطاف بن خالد، ثنا يحيى بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن الأرقم، عن جده الأرقم أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: " أين تريد؟ " قال أردت يا رسول الله ها هنا وأومأ بيده إلى حيز بيت المقدس، قال: " ما يخرجك إليه أتجارة؟ " قال: لا ولكن أردت الصلاة فيه، قال " الصلاة ها هنا " وأومأ بيده إلى مكة " خير من ألف صلاة " وأومأ بيده إلى الشام. تفرد بهما أحمد.
ومنهم ﵃ ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، ويقال أبو محمد المدني خطيب الأنصار، ويقال له خطيب النبي ﷺ قال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد المدايني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله، قالوا: قدم عبد الله بن عبس اليماني ومسلمة بن هاران الحدابي على رسول الله في رهط من قومهما بعد فتح مكة فأسلموا وبايعوا على قومهم، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شماس وشهد فيه سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة ﵃. وهذا الرجل ممن ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ بشره بالجنة. وروى الترمذي في جامعه بإسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله قال " نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر. نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح ". وقد قتل ﵁ شهيدا يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة في أيام أبي بكر الصديق، وله قصة سنوردها إن شاء الله إذا انتهينا إلى ذلك بحول الله وقوته وعونه ومعونته.
стр. 2032
ومنهم ﵃ حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي الأسيدي الكاتب، وأخوه رباح صحابي أيضا، وعمه أكثم بن صيفي كان حكيم العرب. قال الواقدي: كتب للنبي ﷺ كتابا. وقال غيره بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل الطوائف في الصلح، وشهد مع خالد حروبه بالعراق وغيرها وقد أدرك أيام علي وتخلف على القتال معه في الجمل وغيره، ثم انتقل عن الكوفة لما شتم بها عثمان، ومات بعد أيام علي وقد ذكر ابن الأثير في [أسد] الغابة، أن امرأته لما مات جزعت عليه فلامها جاراتها في ذلك فقالت:
تعجبت دعد لمحزونة … تبكي على ذي شيبة شاحب
إن تسألينني اليوم ما شفنى … أخبرك قولا ليس بالكاذب
إن سواد العين أودى به … حزن على حنظلة الكاتب
قال أحمد بن عبد الله بن الرقي. كان معتزلا للفتنة حتى مات بعد علي، جاء عنه حديثان. قلت: بل ثلاثة، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان قالا: ثنا همام، ثنا قتادة، عن حنظلة الكاتب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حافظ على الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة " أو قال " وجبت له " تفرد به أحمد وهو منقطع بين قتادة وحنظلة والله أعلم. والحديث الثاني رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة: من حديث سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة " لو تدومون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فرشكم، ولكن ساعة وساعة " وقد رواه أحمد والترمذي أيضا من حديث عمران بن داود القطان، عن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن حنظلة. والثالث رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزناد، عن المرقع بن صيفي بن حنظلة عن جده في النهي عن قتل النساء في الحرب. لكن رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال أخبرت عن أبي الزناد، عن مرقع بن صيفي بن رياح بن ربيع، عن جده رباح بن ربيع أخي حنظلة الكاتب فذكره. وكذلك رواه أحمد أيضا عن حسين بن محمد، وإبراهيم بن أبي العباس كلاهما عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه. وعن سعيد بن منصور وأبي عامر العقدي كلاهما عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن مرقع عن جده رباح. ومن طريق المغيرة رواه النسائي وابن ماجة كذلك. وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر بن مرقع عن أبيه عن جده رباح فذكر. فالحديث عن رباح لا عن حنظلة ولذا قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان سفيان الثوري يخطئ في هذا الحديث.
قلت: وصح قول ابن الرقي أنه لم يرو سوى حديثين. والله أعلم.
ومنهم ﵃ خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو
стр. 2033
سعيد الأموي. أسلم قديما يقال بعد الصديق بثلاثة أو أربعة، وأكثر ما قيل خمسة (١). وذكروا أن سبب إسلامه أنه رأى في النوم كأن واقفا على شفير جهنم فذكر من سعتها ما الله به عليم. قال وكأن أباه يدفعه فيها، وكأن رسول الله ﷺ آخذ بيده ليمنعه من الوقوع، فقص هذه الرؤيا على أبي بكر الصديق فقال له: لقد أريد بك خير، هذا رسول الله فاتبعه تنج مما خفته. فجاء رسول الله فأسلم، فلما بلغ أباه إسلامه غضب عليه وضربه بعصاة في يده حتى كسرها على رأسه وأخرجه من منزله ومنعه القوت، ونهى بقية إخوته أن يكلموه، فلزم خالد رسول الله ﷺ ليلا ونهارا، ثم أسلم أخوه عمرو، فلما هاجر الناس إلى أرض الحبشة هاجرا معهم ثم كان هو الذي ولي العقد في تزويج أم حبيبة من رسول الله كما قدمنا. ثم هاجرا من أرض الحبشة صحبة جعفر فقدما على رسول الله بخيبر وقد افتتحها، فأسهم لهما عن مشورة المسلمين، وجاء أخوهما أبان بن سعيد فشهد فتح خيبر كما قدمنا، ثم كان رسول الله يوليهم الأعمال. فلما كانت خلافة الصديق خرجوا إلى الشام للغزو فقتل خالد بأجنادين، ويقال بمرج الصفر. والله أعلم (٢). قال عتيق بن يعقوب: حدثني عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم، يعني أن خالد بن سعيد كتب عن رسول الله ﷺ كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله راشد بن عبد رب السلمي أعطاه غلوتين [بسهم] (٣) وغلوة بحجر برهاط [لا يحاقه فيها أحد] (٤)، فمن حاقه فلا حق له وحقه حق. وكتب خالد بن سعيد. وقال محمد بن سعد، عن الواقدي: حدثني جعفر بن محمد بن خالد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أقام خالد بن سعيد بعد أن قدم من أرض الحبشة بالمدينة، وكان يكتب لرسول الله، وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف وسعى في الصلح بينهم وبين رسول الله ﷺ .
ومنهم ﵃ خالد بن الوليد (٥) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو سليمان المخزومي وهو أمير الجيوش المنصورة الاسلامية، والعساكر المحمدية، والمواقف المشهودة، والأيام
стр. 2034
المحمودة. ذو الرأي السديد، والبأس الشديد، والطريق الحميد، أبو سليمان خالد بن الوليد. ويقال إنه لم يكن في جيش فكسر لا في جاهلية ولا إسلام. قال الزبير بن بكار: كانت إليه في قريش القبة وأعنة الخيل، أسلم هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة بعد الحديبية وقيل خيبر، ولم يزل رسول الله ﷺ يبعثه فيما يبعثه أميرا. ثم كان المقدم على العساكر كلها في أيام الصديق، فلما ولي عمر بن الخطاب عزله وولي أبو عبيدة أمين الأمة على أن لا يخرج عن رأي أبي سليمان. ثم مات خالد في أيام عمر وذلك في سنة إحدى وعشرين وقيل اثنتين وعشرين - والأول أصح - بقرية على ميل من حمص. وقال الواقدي: سألت عنها فقيل لي دثرت. وقال دحيم: مات بالمدينة. والأول أصح. وقد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. قال عتيق بن يعقوب: حدثني عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم أن هذه قطايع أقطعها رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين: أن صيدوح (١) وصيده لا يعضد صيده ولا يقتل، فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فإنه يجلد وينزع ثيابه، وإن تعدى ذلك أحد فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي ﷺ ، وأن هذا من محمد النبي وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد.
ومنهم ﵃ الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أبو عبد الله الأسدي أحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض وحواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب وزوج أسماء بنت أبي بكر ﵁، روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم أن الزبير بن العوام هو الذي كتب لبني معاوية بن جرول الكتاب الذي أمره به رسول الله ﷺ أن يكتبه لهم. وروى ابن عساكر بإسناد عن عتيق به. أسلم الزبير قديما ﵁ وهو ابن ست عشرة سنة، ويقال ابن ثمان سنين، وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها وهو أول من سل سيفا في سبيل الله. وقد شهد اليرموك وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين، ويخرج من الجانب الآخر سالما، لكن جرح في قفاه بضربتين ﵁. وقد جمع له رسول الله ﷺ يوم الخندق أبويه (٢) وقال " إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير " وله فضائل ومناقب كثيرة وكانت وفاته يوم الجمل، وذلك أنه كر راجعا عن القتال فلحقه عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس ورجل ثالث يقال له نفيع (٣) التميميون بمكان يقال له وادي السباع (٤)، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله، وذلك في يوم
стр. 2035
الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى (١) سنة ست وثلاثين، وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة، وقد خلف ﵁ بعده تركة عظيمة فأوصى من ذلك بالثلث بعد إخراج ألفي ألف ومائتي ألف دينارا، فلما قضى دينه، وأخرى ثلث ماله قسم الباقي على ورثته فنال كل امرأة من نسائه - وكن أربعا - ألف ألف ومائتا ألف، فمجموع ما ذكرناه مما تركه ﵁ تسعة وخمسين ألف ألف وثمان مائة ألف (٢) وهذا كله من وجوه حل نالها في حياته مما كان يصيبه من الفئ والمغانم، ووجوه متاجر الحلال وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها، والصلاة البارعة الكثيرة لأربابها في أوقات حاجاتها ﵁ وأرضاه وجعل جنات الفردوس مثواه - وقد فعل - فإنه قد شهد له سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين بالجنة، ولله الحمد والمنة. وذكر ابن الأثير في الغابة أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وأنه كان يتصدق بذلك كله. وقال فيه حسان بن ثابت يمدحه ويفضله بذلك:
أقام على عهد النبي وهديه … حواريه والقول بالفضل يعدل
أقام على منهاجه وطريقه … يوالي ولي الحق والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي … يصول إذا ما كان يوم محجل
وإن امرأ كانت صفية أمه … ومن أسد في بيته لمرسل (٣)
له من رسول الله قربى قريبة … ومن نصرة الاسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذب الزبير بسيفه … عن المصطفى والله يعطي ويجزل
إذا كشفت عن ساقها الحزب حشها … بأبيض [سباق] (٤) إلى الموت يرفل
فما مثل فيهم ولا كان قبله … وليس يكون الدهر ما دام يذبل
قد تقدم أنه قتله عمرو بن جرموز التميم بوادي السباع وهو نائم، ويقال بل قام من آثار النوم وهو دهش فركب وبارزه ابن جرموز، فلما صمم عليه الزبير أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلوه، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه. فلما دخل بهما على علي قال علي ﵁ لما رأى سيف الزبير: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله ﷺ . وقال علي فيما قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار. فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه. والصحيح أنه عمر بعد علي حتى كانت أيام ابن الزبير فاستناب أخاه مصعبا على العراق، فاختفى عمرو بن جرموز خوفا
стр. 2036
من سطوته أن يقتله بأبيه. فقال مصعب: أبلغوه أنه آمن، أيحسب أني أقتله بأبي عبد الله؟ كلا والله ليسا سواء، وهذا من حلم مصعب وعقله ورياسته. وقد روى الزبير عن رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة يطول ذكرها ولما قتل الزبير بن العوام بوادي السباع كما تقدم قالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثيه ﵂ وعنه:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة … يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته … لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه … عنها طراد يا بن فقع القردد (١)
ثكلتك أمك إن (٢) ظفرت بمثله … فيمن مضى فيمن يروح ويغتدي
والله ربك (٣) إن قتلت لمسلما … حلت عليك عقوبة المتعمد
ومنهم ﵃ زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبيد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، أبو سعيد، ويقال أبو خارجة ويقال أبو عبد الرحمن المدني قدم رسول الله ﷺ المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة فلهذا لم يشهد بدرا لصغره، قيل ولا أحدا وأول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها. وكان حافظا لبيبا عالما عاقلا، ثبت عنه في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ أمره أن يتعلم كتاب يهود ليقرأه على النبي ﷺ إذا كتبوا إليه. فتعلمه في خمسة عشر يوما. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، ثنا عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، أن أباه زيدا أخبره أنه لما قدم رسول الله المدينة قال زيد: ذهب بي إلى رسول الله ﷺ فأعجب بي، فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك رسول الله وقال " يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي ". قال زيد: فتعلمت لهم كتابهم ما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب. ثم رواه أحمد: عن شريح بن النعمان، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه عن خارجة عن أبيه فذكر نحوه. وقد علقه البخاري في الاحكام عن خارجة بن زيد بن ثابت بصيغة الجزم فقال: وقال خارجة بن زيد فذكره. ورواه أبو داود: عن أحمد بن يونس والترمذي عن علي بن حجر كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن خارجة عن أبيه به نحوه. وقال الترمذي حسن صحيح. وهذا ذكاء مفرط جدا. وقد كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ من القراء كما ثبت في الصحيحين عن أنس. وروى أحمد والنسائي من حديث أبي قلابة، عن أنس بن رسول الله أنه قال " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل،
стр. 2037
وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " ومن الحفاظ من يجعله مرسلا إلا ما يتعلق بأبي عبيدة، ففي صحيح البخاري من هذا الوجه. وقد كتب الوحي بين يدي رسول الله ﷺ في غير ما موطن، ومن أوضح ذلك ما ثبت في الصحيح عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى … (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) … الآية [النساء: ٩٥]. دعاني رسول الله ﷺ فقال " اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " فجاء ابن أم مكتوم فجعل يشكو ضرارته، فنزل الوحي على رسول الله ﷺ فثقلت فخذه على فخذي حتى كادت ترضها، فنزل … (غير أول الضرر) … فأمرني فألحقتها، فقال زيد: فإني لأعرف موضع ملحقها عند صدع في ذلك اللوح - يعني من عظام - الحديث. وقد شهد زيد اليمامة وأصابه سهم فلم يضره، وهو الذي أمره الصديق بعد هذا بأن يتتبع القرآن فيجمعه، وقال له إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، ففعل ما أمره به الصديق، فكان في ذلك خير كثير ولله الحمد والمنة. وقد استنابه عمر مرتين في حجتين على المدينة، واستنابه لما خرج إلى الشام، وكذلك كان عثمان يستنيبه على المدينة أيضا، وكان علي يحبه، وكان يعظم عليا ويعرف له قدره، ولم يشهد معه شيئا من حروبه. وتأخر بعده حتى توفي سنة خمس وأربعين، وقيل سنة إحدى وقيل خمس وخمسين، وهو ممن كان يكتب المصاحف الأئمة التي نفذ بها عثمان بن عفان إلى سائر الآفاق اللائي وقع على التلاوة طبق رسمهن الاجماع والاتفاق كما قررنا ذلك في كتاب فضائل القرآن الذي كتبناه مقدمة في أول كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.
ومنهم السجل، كما ورد به الحديث المروي في ذلك عن ابن عباس - إن صح - وفيه نظر. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا نوح بن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبي ﷺ وهكذا رواه النسائي عن قتيبة به عن ابن عباس أنه كان يقول: في هذه الآية … (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) … [الأنبياء: ١٠٤] السجل الرجل. هذا لفظه ورواه أبو جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى … (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) *! عن نصر بن علي، عن نوح بن قيس وهو ثقة من رجال مسلم. وقد ضعفه ابن معين في رواية عنه. وأما شيخه يزيد بن كعب العوفي البصري فلم يرو عنه سوى نوح بن قيس، وقد ذكره مع ذلك ابن حبان في الثقات. وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع، وإن كان في سنن أبي داود. فقال شيخنا المزي: وأنا أقوله.
قلت: وقد رواه الحافظ ابن عدي في كامله من حديث محمد بن سليمان الملقب ببومة عن يحيى بن عمرو عن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ كاتب يقال له السحل، وهو قوله تعالى: … (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) … قال
стр. 2038
كما يطوي السجل للكتاب كذلك تطوى السماء. وهكذا رواه البيهقي: عن أبي نصر بن قتادة، عن أبي علي الرفا، عن علي بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم، عن يحيى بن عمرو بن مالك به. ويحيى هذا ضعيف جدا فلا يصلح للمتابعة. والله أعلم. وأغرب من ذلك أيضا ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب وابن منده من حديث أحمد بن سعيد البغدادي المعروف بحمدان: عن بهز، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر قال: كان للنبي ﷺ كاتب يقال له سجل، فأنزل الله: … (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) … قال ابن منده: غريب تفرد به حمدان. وقال البرقاني: قال أبو الفتح الأزدي تفرد به ابن نمير - إن صح -.
قلت: وهذا أيضا منكر عن ابن عمر كما هو منكر عن ابن عباس، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر خلاف ذلك، فقد روى الوالبي والعوفي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: قال كطي الصحيفة على الكتاب. وكذلك قال مجاهد، وقال ابن جرير هذا هو المعروف في اللغة أن السجل هو الصحيفة. قال ولا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وأنكر أن يكون السجل اسم ملك من الملائكة كما رواه عن أبي كريب عن ابن يمان: ثنا أبو الوفا الأشجعي، عن أبيه عن ابن عمر في قوله: … (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) … قال: السجل ملك فإذا صعد بالاستغفار قال الله اكتبها نورا. وحدثنا بندار: عن مؤمل، عن سفيان سمعت السدي يقول، فذكر مثله. وهكذا قال أبو جعفر الباقر: فيما رواه أبو كريب، عن المبارك عن معروف بن خربوذ، عمن سمع أبا جعفر يقول: السجل الملك، وهذا الذي أنكره ابن جرير من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوي جدا، والحديث في ذلك منكر جدا. ومن ذكره في أسماء الصحابة كابن منده وأبي نعيم الأصبهاني وابن الأثير في الغابة إنما ذكره إحسانا للظن بهذا الحديث، أو تعليقا على صحته والله أعلم. ومنهم سعد بن أبي سرح. فيما قاله خليفة بن خياط (١) وقد وهم إنما هو ابنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح كما سيأتي قريبا إن شاء الله.
ومنهم عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر الصديق. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال قال الزهري: أخبرني عبد الملك بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك أن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول، فذكر خبر هجرة النبي ﷺ وقال فيه: فقلت له إن قومك جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزؤني منه شيئا ولم يسألوني إلا أن أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى.
قلت: وقد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة. وقد روى أن أبا بكر هو الذي كتب لسراقة هذا الكتاب فالله أعلم. وقد كان عامر بن فهيرة - ويكنى أبا عمرو - من مولدي الازاد أسود اللون،
стр. 2039
وكان أولا مولى للطفيل بن الحارث أخي عائشة لأمها أم رومان، فأسلم قديما قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم التي عند الصفا مستخفيا، فكان عامر يعذب مع جملة المستضعفين بمكة ليرجع عن دينه فيأبى، فاشتراه أبو بكر الصديق فأعتقه، فكان يرعى له غنما بظاهر مكة. ولما هاجر رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر كان معهما رديفا لأبي بكر ومعهم الدليل الدئلي فقط كما تقدم مبسوطا، ولما وردوا المدينة نزل عامر بن فهيرة على سعد بن خيثمة، وآخى رسول الله بينه وبين أوس بن معاذ وشهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة كما تقدم وذلك سنة أربع من الهجرة، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة. فالله أعلم. وقد ذكر عروة وابن إسحاق والواقدي وغير واحد، أن عامرا قتله يوم بئر معونة رجل يقال له جبار بن سلمى من بني كلاب، فلما طعنه بالرمح قال: فزت ورب الكعبة، ورفع عامر حتى غاب عن الابصار حتى قال عامر بن الطفيل: لقد رفع حتى رأيت السماء دونه، وسئل عمرو بن أمية عنه فقال: كان من أفضلنا ومن أول أهل بيت نبينا ﷺ قال جبار: فسألت الضحاك بن سفيان عما قال ما يعني به؟ فقال يعني الجنة. ودعاني الضحاك إلى الاسلام فأسلمت لما رأيت من قتل عامر بن فهيرة، فكتب الضحاك إلى رسول الله يخبره بإسلامي وما كان من أمر عامر، فقال " وارته الملائكة وأنزل عليين " وفي الصحيحين عن أنس أنه قال قرأنا فيهم قرآنا أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وقد تقدم ذلك وبيانه في موضعه عند غزوة بئر معونة. وقال محمد بن إسحاق: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، أن عامر بن الطفيل كان يقول: من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه؟ قالوا عامر بن فهيرة. وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قال: رفع عامر بن فهيرة إلى السماء فلم توجد جثته، يرون أن الملائكة وارته.
ومنهم ﵃ عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي. أسلم عام الفتح وكتب للنبي ﷺ . قال الامام مالك: وكان ينفذ ما يفعله ويشكره ويستجيده. وقال سلمة عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويختم على ما يقرأه لأمانته عنده. وكتب لأبي بكر وجعل إلى بيت المال، وأقره عليهما عمر بن الخطاب، فلما كان عثمان عزله عنهما.
قلت: وذلك بعدما استعفاه عبد الله بن أرقم، ويقال إن عثمان عرض عليه ثلاثمائة ألف درهم عن أجرة عمالته فأبى أن يقبلها وقال: إنما عملت لله فأجري على الله .
قال ابن إسحاق: وكتب لرسول الله زيد بن ثابت، فإذا لم يحضر ابن الأرقم وزيد بن ثابت كتب من حضر من الناس وقد كتب عمر وعلي وزيد والمغيرة بن شعبة ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن سمي من العرب. وقال الأعمش: قلت لشقيق بن سلمة من كان كاتب النبي ﷺ ؟ قال عبد الله بن الأرقم، وقد جاءنا كتاب عمر بالقادسية وفي أسفله، وكتب عبد الله بن
стр. 2040
الأرقم. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الفضل بن محمد البيهقي، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر قال: أتى النبي ﷺ كتاب رجل، فقال لعبد الله بن الأرقم " أجب عني " فكتب جوابه ثم قرأه عليه، فقال " أصبت وأحسنت، اللهم وفقه " قال فلما ولي عمر كان يشاوره. وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما رأيت أخشى لله منه - يعني في العمال - أضر ﵁ قبل وفاته.
ومنهم ﵃ عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، صاحب الاذان، أسلم قديما فشهد عقبة السبعين، وحضر بدرا وما بعدها، ومن أكبر مناقبه رؤيته الأذان والإقامة في النوم، وعرضه ذلك على رسول الله وتقريره عليه، وقوله له " إنها لرؤيا حق فألقه على بلال، فإنه أندى صوتا منك " وقد قدمنا الحديث بذلك في موضعه. وقد روى الواقدي بأسانيده عن ابن عباس أنه كتب كتابا لمن أسلم من جرش فيه، الامر لهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإعطاء خمس المغنم. وقد توفي ﵁ سنة اثنتين وثلاثين عن أربع وستين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ﵁.
ومنهم ﵃ عبد الله بن سعد بن أبي سرح، القرشي العامري، أخو عثمان لامه من الرضاعة. أرضعته أم عثمان. وكتب الوحي ثم ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله ﷺ وكان قد أهدر دمه فيمن أهدر من الدماء - فجاء إلى عثمان بن عفان فاستأمن له، فأمنه رسول الله ﷺ كما قدمنا في غزوة الفتح، ثم حسن إسلام عبد الله بن سعد جدا. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب للنبي ﷺ ، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله أن يقتل، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله ﷺ . ورواه النسائي من حديث علي بن الحسين بن واقد به.
قلت: وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين افتتح عمرو مصر سنة عشرين في الدولة العمرية فاستناب عمر بن الخطاب عمرا عليها، فلما صارت الخلافة إلى عثمان عزل عنها عمرو بن العاص وولي عليها عبد الله بن سعد سنة خمس وعشرين، وأمره بغزو بلاد أفريقية فغزاها ففتحها، وحصل للجيش منها مال عظيم كان قسم الغنيمة لكل فارس من الجيش ثلاثة آلاف مثقال من ذهب، وللراجل ألف مثقال. وكان معه في جيشه هذا ثلاثة من العبادلة، عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ثم غزا عبد الله بن سعد بعد أفريقية الأساود من أرض النوبة فهادنهم فهي إلى اليوم، وذلك سنة إحدى وثلاثين. ثم غزا غزوة الصواري في البحر إلى الروم وهي غزوة عظيمة كما سيأتي بيانها في موضعها إن شاء الله. فلما اختلف الناس على عثمان خرج من مصر واستناب عليها ليذهب إلى عثمان لينصره. فلما قتل عثمان أقام بعسقلان - وقيل بالرملة -
стр. 2041
ودعا الله أن يقبضه في الصلاة، فصلى يوما الفجر وقرأ في الأولى منها بفاتحة الكتاب والعاديات، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورة، ولما فرغ من التشهد سلم التسليمة الأولى، ثم أراد أن يسلم الثانية فمات بينهما ﵁، وذلك في سنة ست وثلاثين، وقيل سنة سبع، وقيل إنه تأخر إلى سنة تسع وخمسين، والصحيح الأول.
قلت: ولم يقع له رواية في الكتب الستة ولا في المسند للإمام أحمد.
ومنهم ﵃ عبد الله بن عثمان، أبو بكر الصديق. وقد تقدم الوعد بأن ترجمته ستأتي في أيام خلافته إن شاء الله وبه الثقة. وقد جمعت مجلدا في سيرته وما رواه من الأحاديث وما روي عنه من الآثار، والدليل على كتابته ما ذكره موسى بن عقبة عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه عن سراقة بن مالك، في حديثه حين اتبع رسول الله حين خرج هو وأبو بكر من الغار فمروا على أرضهم، فلما غشيهم - وكان من أمر فرسه ما كان - سأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتاب أمان، فأمر أبا بكر فكتب له كتابا ثم ألقاه إليه. وقد روى الإمام أحمد من طريق الزهري بهذا السند أن عامر بن فهيرة كتبه، فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه ثم أمر مولاه عامرا فكتب باقيه والله أعلم.
ومنهم ﵃ عثمان بن عفان أمير المؤمنين، وستأتي ترجمته في أيام خلافته وكتابته بين يديه ﵇ مشهورة. وقد روى الواقدي بأسانيده أن نهشل بن مالك الوائلي لما قدم على رسول الله ﷺ أمر رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فكتب له كتابا فيه شرائع الاسلام.
ومنهم ﵃ علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وستأتي ترجمته في خلافته، وقد تقدم أنه كتب الصلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش يوم الحديبية أن يأمن الناس، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وعلى وضع الحرب عشر سنين. وقد كتب غير ذلك من الكتب بين يديه ﷺ . وأما ما يدعيه طائفة من يهود خيبر أن بأيديهم كتاب من النبي ﷺ بوضع الجزية عنهم وفي آخره وكتب علي بن أبي طالب، وفيه شهادة جماعة من الصحابة منهم سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان فهو كذب وبهتان مختلق موضوع مصنوع، وقد بين جماعة من العلماء بطلانه، واغتر بعض الفقهاء المتقدمين فقالوا بوضع الجزية عنهم وهذا ضعيف جدا. وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه بطلانه وأنه موضوع، اختلقوه وصنعوه وهم أهل لذلك، وبينته وجمعت مفرق كلام الأئمة فيه ولله الحمد والمنة.
ومن الكتاب بين يديه ﷺ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وستأتي ترجمته في موضعها. وقد أفردت له مجلدا على حدة، ومجلدا ضخما في الأحاديث التي رواها عن رسول الله ﷺ والآثار والاحكام المروية عنه ﵁، وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة عبد الله بن الأرقم.
стр. 2042
ومنهم ﵃ العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عباد، ويقال عبد الله بن عباد (١) بن أكبر بن ربيعة بن عريقة (٢) بن مالك بن الخزرج بن أياد بن الصدق بن زيد بن مقنع بن حضرموت بن قحطان، وقيل غير ذلك في نسبه وهو من حلفاء بني أمية. وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة أبان بن سعيد بن العاص، وكان له من الاخوة عشرة غيره فمنهم، عمرو بن الحضرمي أول قتيل من المشركين قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش، وهي أول سرية كما تقدم، ومنهم عامر بن الحضرمي الذي أمره أبو جهل لعنه الله فكشف عن عورته وناداه وا عمراه حين اصطف المسلمون والمشركون يوم بدر فهاجت الحرب وقامت على ساق وكان ما كان مما قدمناه مبسوطا في موضعه. ومنهم شريح بن الحضرمي، وكان من خيار الصحابة. قال فيه رسول الله " ذاك رجل لا يتوسد القرآن " يعني لا ينام ويتركه، بل يقوم به آناء الليل والنهار ولهم كلهم أخت واحدة وهي الصعبة بنت الحضرمي أم طلحة بن عبيد الله. وقد بعث النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، ثم ولاه عليها أميرا حين افتتحها. وأقره عليها الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ولم يزل بها (٣) حتى عزله عنها عمر بن الخطاب وولاه البصرة. فلما كان في أثناء الطريق توفي وذلك في سنة إحدى وعشرين، وقد روى البيهقي عنه وغيره كرامات كثيرة منها أنه سار بجيشه على وجه البحر ما يصل إلى ركب خيولهم، وقيل إنه ما بل أسافل نعال خيولهم، وأمرهم كلهم فجعلوا يقولون يا حليم يا عظيم، وأنه كان في جيشه فاحتاجوا إلى ماء فدعا الله فأمطرهم قدر كفايتهم، وأنه لما دفن لم ير له أثر بالكلية، وكان قد سأل الله ذلك، وسيأتي هذا في كتاب دلائل النبوة قريبا إن شاء الله . وله عن رسول الله ﷺ ثلاثة أحاديث الأول، قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي أن رسول الله ﷺ . قال: " يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا " وقد أخرجه الجماعة من حديثه. والثاني: قال أحمد: حدثنا هشيم ثنا منصور، عن ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي أن أباه كتب إلى النبي ﷺ فبدأ بنفسه، وكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل. والحديث الثالث: رواه أحمد وابن ماجة من طريق محمد بن زيد عن حبان الأعرج عنه. أنه كتب إلى رسول الله ﷺ من البحرين في الحائط - يعني البستان - يكون بين الاخوة فيسلم أحدهم؟ فأمره أن يأخذ العشر ممن أسلم. والخراج - يعني ممن لم يسلم -.
стр. 2043
ومنهم العلاء بن عقبة، قال الحافظ ابن عساكر: كان كاتبا للنبي ﷺ ، ولم أجد أحدا ذكره إلا فيما أخبرنا. ثم ذكر إسناده إلى عتيق بن يعقوب حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم أن هذه قطائع أقطعها رسول الله ﷺ هؤلاء القوم فذكرها، وذكر فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى النبي محمد عباس بن مرداس السلمي أعطاء مدمورا (١) فمن خافه فيها فلا حق له، وحقه حق، وكتب العلاء بن عقبة وشهد. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله عوسجة بن حرملة الجهني، من ذي المروة وما بين بلكثه إلى الظبية إلى الجعلات إلى جبل القبلية (٢) فمن خافه فلا حق له وحقه حق، وكتبه العلاء بن عقبة. وروى الواقدي بأسانيده أن رسول الله ﷺ أقطع لبني سيح من جهينة وكتب كتابهم بذلك العلاء بن عقبة، وشهد. وقد ذكر ابن الأثير في الغابة هذا الرجل مختصرا فقال: العلاء بن عقبة كتب للنبي ﷺ ، ذكره في حديث عمرو بن حزم، ذكره جعفر أخرجه أبو موسى - يعني المديني - في كتابه.
ومنهم ﵃ محمد بن مسلمة (٣) بن جريس بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي أبو عبد الله، ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال أبو سعيد المدني حليف بني عبد الأشهل. أسلم على يدي مصعب بن عمير، وقيل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وآخى رسول الله حين قدم المدينة بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، واستخلفه رسول الله على المدينة عام تبوك. قال ابن عبد البر في الاستيعاب:
стр. 2044
كان شديد السمرة طويلا أصلع ذا جثة (١) وكان من فضلاء الصحابة، وكان ممن اعتزل الفتنة واتخذ سيفا من خشب. ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين على المشهور عند الجمهور، وصلى عليه مروان بن الحكم. وقد روى حديثا كثيرا عن النبي ﷺ . وذكر محمد بن سعد: عن علي بن محمد المدايني بأسانيده أن محمد بن مسلمة هو الذي كتب لوفد مرة كتابا عن أمر رسول الله ﷺ .
ومنهم ﵃ معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي وستأتي ترجمته في أيام إمارته إن شاء الله. وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه ﵇. وقد روى مسلم في صحيحه: من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن؟ قال " نعم "؟ قال تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال " نعم "؟ قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال " نعم "؟ الحديث. وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة بسبب ما وقع فيه من ذكر طلبه تزويج أم حبيبة من رسول الله ﷺ ، ولكن فيه من المحفوظ تأمير أبي سفيان وتوليته معاوية منصب الكتابة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة، فأما الحديث قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة معاوية ها هنا أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الله العطشي، حدثنا أحمد بن محمد البوراني، ثنا السري بن عاصم، ثنا الحسن بن زياد، عن القاسم بن بهرام، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال: استكتبه فإنه أمين، فإنه حديث غريب بل منكر. والسري بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهمذاني وكان يؤدب المعتز بالله، كذبه في الحديث ابن خراش. وقال ابن حبان وابن عدي: كان يسرق الحديث. زاد ابن حبان ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به. وقال الدارقطني كان ضعيف الحديث وشيخه الحسن بن زياد - إن كان اللؤلؤي - فقد تركه غير واحد من الأئمة، وصرح كثير منهم بكذبه، وإن كان غيره فهو مجهول العين والحال. وأما القاسم بن بهرام فاثنان، أحدهما يقال له القاسم بن بهرام الأسدي الواسطي الأعرج أصله من أصبهان، روى له النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حديث القنوت بطوله، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان. والثاني القاسم بن بهرام أبو حمدان قاضي هيت. قال ابن معين كان كذابا. وبالجملة فهذا الحديث من هذا الوجه ليس بثابت ولا يغتر به، والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره - بل ومن تقدمه بدهر - كيف يورد في تاريخه هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط ثم لا يبين حالها، ولا يشير إلى شئ من ذلك إشارة لا ظاهرة ولا خفية، ومثل هذا الصنيع فيه نظر والله أعلم.
ومنهم ﵃ المغيرة بن شعبة الثقفي، وقد قدمت ترجمته فيمن كان يخدمه عليه
стр. 2045
السلام من بين أصحابه من غير مواليه، وأنه كان سيافا على رأس رسول الله ﷺ وقد روى ابن عساكر بسنده عن عتيق بن يعقوب بإسناده المتقدم غير مرة أن المغيرة بن شعبة هو الذي كتب اقطاع حصين بن نضلة الأسدي الذي أقطعه إياه رسول الله ﷺ بأمره (١)، فهؤلاء كتابه الذين كانوا يكتبون بأمره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه.
فصل
وقد ذكر ابن عساكر من أمنائه أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري أحد العشرة ﵁، وعبد الرحمن بن عوف الزهري. أما أبو عبيدة فقد روى البخاري من حديث أبي قلابة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال " لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " وفي لفظ أن رسول الله قال لوفد عبد القيس نجران " لأبعثن معكم أمينا حق أمين " فبعث معهم أبا عبيدة. قال ومنهم معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي مولى بني عبد الشمس، كان على خاتمه، ويقال كان خادمه، وقال غيره أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة في الناس، ثم إلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، وكان على الخاتم واستعمله الشيخان على بيت المال، قالوا وكان قد أصابه الجذام فأمر عمر بن الخطاب فدووي بالحنظل فتوقف المرض. وكانت وفاته في خلافة عثمان وقيل سنة أربعين. فالله أعلم.
قال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير (٢) عن أبي سلمة حدثني معيقيب أن رسول الله ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال " إن كنت لا بد فاعلا فواحدة " وأخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان النحوي، زاد مسلم وهشام، الدستوائي. زاده الترمذي والنسائي وابن ماجة والأوزاعي ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير به، وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: ثنا خلف بن الوليد، ثنا أيوب، عن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن معيقيب قال: قال رسول الله ﷺ " ويل للأعقاب من النار " وتفرد به الإمام أحمد. وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عتاب سهل بن حماد الدلال، عن أبي مكين نوح بن ربيعة عن إياس بن الحارث بن المعيقيب عن جده - وكان على خاتم النبي ﷺ قال: كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه فضة، قال فربما كان في يدي.
قلت: أما خاتم النبي ﷺ فالصحيح أنه كان من فضة فصه منه كما سيأتي في الصحيحين وكان قد اتخذ قبله خاتم ذهب فلبسه حينا ثم رمى به وقال " والله لا ألبسه " ثم اتخذ هذا الخاتم من فضة فصه منه ونقشه محمد رسول الله، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، فكان في يده عليه
стр. 2046
السلام ثم كان في يد أبي بكر من بعده ثم في يد عمر ثم كان في يد عثمان فلبث في يده ست سنين، ثم سقط منه في بئر أريس فاجتهد في تحصيله فلم يقدر عليه، وقد صنف أبو داود رحمة الله عليه كتابا مستقلا في سننه في الخاتم وحده، وسنورد منه إن شاء الله قريبا ما نحتاج إليه وبالله المستعان. وأما لبس معيقيب لهذا الخاتم فيدل على ضعف ما نقل أنه أصابه الجذام، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، لكنه مشهور فلعله أصابه ذلك بعد النبي ﷺ ، أو كان به وكان مما لا يعدى منه، أو كان ذلك من خصائص النبي ﷺ . لقوة توكله كما قال لذلك المجذوم - ووضع يده في القصعة - " كل ثقة بالله، وتوكلا عليه " رواه أبو داود. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال " فر من المجذوم فرارك من الأسد " والله أعلم.
وأما أمراؤه ﵇ فقد ذكرناهم عند بعث السرايا منصوصا على أسمائهم ولله الحمد والمنة.
وأما جملة الصحابة فقد اختلف الناس في عدتهم، فنقل عن أبي زرعة أنه قال: يبلغون مائة ألف وعشرين ألف، وعن الشافعي ﵀ أنه قال: توفي رسول الله ﷺ والمسلمون ممن سمع منه ورآه زهاء عن ستين ألف، وقال الحاكم أبو عبد الله: يروى الحديث عن قريب من خمسة آلاف صحابي.
قلت: والذي روى عنهم الإمام أحمد مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته فمن الصحابة تسعمائة وسبعة وثمانون نفسا. ووضع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك قريب من ثلاثمائة صحابي أيضا. وقد اعتنى جماعة من الحفاظ ﵏ بضبط أسمائهم وذكر أيامهم ووفياتهم، من أجلهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتابه الاستيعاب، وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، وأبو موسى المديني، ثم نظم جميع ذلك الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الصحابية، صنف كتابه (١) الغابة في ذلك فأجاد وفاد، وجمع وحصل، ونال ما رام وأمل، فرحمه الله وأثابه وجمعه والصحابة آمين يا رب العالمين
стр. 2047
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب آثار النبي ﷺ التي كان يختص بها في حياته من ثياب وسلاح ومراكب
ذكر الخاتم الذي كان يلبسه ﵇
وقد أفرد له أبو داود في كتابه السنن كتابا على حدة (١)، ولنذكر عيون ما ذكره في ذلك مع ما نضيفه إليه، والمعول في أصل ما نذكره عليه.
قال أبو داود (٢): حدثنا عبد الرحيم بن مطرف الرؤاسي، حدثنا عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى بعض الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرؤن كتابا إلا بخاتم، فاتخذ خاتما من فضة، ونقش فيه: محمد رسول الله ﷺ ، وهكذا رواه البخاري عن عبد الأعلى بن حماد عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به (٣)، ثم قال أبو داود (٤): حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن سعيد، عن قتادة عن أنس بمعنى حديث عيسى بن يونس، زاد: فكان في يده حتى قبض، وفي يد أبي بكر حتى قبض، وفي يد عمر حتى قبض، وفي يد عثمان، فبينما هو عند بئر إذ سقط في البئر فأمر بها فنزحت، فلم يقدر عليه. تفرد به أبو داود من هذا الوجه، ثم قال أبو داود ﵀: حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن صالح قالا: أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال حدثني أنس قال: كان خاتم
стр. 2048
النبي ﷺ من ورق فصه حبشي (١)، وقد روى هذا الحديث البخاري من حديث الليث، ومسلم من حديث ابن وهب، وطلحة عن يحيى الأنصاري، وسليمان بن بلال، زاد النسائي وابن ماجة وعثمان عن عمر خمستهم عن يونس بن يزيد الأيلي به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان خاتم النبي ﷺ من فضة كله فصه منه، وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث زهير بن معاوية الجعفي أبي خيثمة الكوفي به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز بن صهيب. عن أنس بن مالك قال: اصطنع رسول الله ﷺ خاتما، فقال: إنا اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا فلا ينقش عليه أحد، قال: فإني أرى بريقه في خنصره. ثم قال أبو داود: حدثنا نصير بن الفرج، ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر [قال] (٢): اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونقش فيه " محمد رسول الله "، فاتخذ الناس خواتم الذهب، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال: لا ألبسه أبدا، ثم اتخذ خاتما من فضة نقش فيه: " محمد رسول الله "، ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر، ثم لبسه بعد أبي بكر عمر، ثم لبسه بعده عثمان حتى وقع في بئر أريس، وقد رواه البخاري عن يوسف بن موسى، عن أبي أسامة حماد بن أسامة به، ثم قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي ﷺ فنقش فيه " محمد رسول الله "، وقال: لا ينقش أحد على [نقش] (٣) خاتمي هذا، وساق الحديث، وقد رواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث سفيان بن عيينة به نحوه، ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا أبو عاصم، عن المغيرة بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي ﷺ قال: فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ عثمان خاتما ونقش فيه " محمد رسول الله "، قال: فكان يختم به أو يتختم به، ورواه النسائي عن محمد بن معمر عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل به، ثم قال أبو داود:
باب ما جاء (٤) في ترك الخاتم
حدثنا محمد بن سليمان لوين، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك
стр. 2049
أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتما من ورق يوما واحدا، فصنع الناس فلبسوا، وطرح النبي ﷺ فطرح الناس، ثم قال: رواه عن الزهري زياد بن سعد وشعيب وابن مسافر كلهم قال من ورق (١)، قلت: وقد رواه البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال حدثني أنس بن مالك أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم، ثم علقه البخاري عن إبراهيم بن سعد الزهري المدني وشعيب بن أبي حمزة، وزياد بن سعد الخراساني، وأخرجه مسلم من حديثه، وانفرد أبو داود بعبد الرحمن بن خالد بن مسافر كلهم عن الزهري كما قال أبو داود: خاتما من ورق، والصحيح أن الذي لبسه يوما واحدا ثم رمى به، إنما هو خاتم الذهب، لا خاتم الورق، لما ثبت في الصحيحين عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان رسول الله يلبس خاتما من ذهب، فنبذه وقال: لا ألبسه أبدا، فنبذ الناس خواتيمهم، وقد كان خاتم الفضة يلبسه كثيرا، ولم يزل في يده حتى توفي صلوات الله وسلامه عليه، وكان فصه منه يعني ليس فيه فص ينفصل عنه، ومن روى أنه كان فيه صورة شخص فقد أبعد وأخطأ، بل كان فضة كله وفصه منه، ونقشه محمد رسول الله ثلاثة أسطر: محمد سطر. رسول سطر، الله سطر، وكأنه والله أعلم كان منقوشا وكتابته مقلوبة ليطبع على الاستقامة كما جرت العادة بهذا، وقد قيل: إن كتابته كانت مستقيمة، وتطبع كذلك، وفي صحة هذا نظر، ولست أعرف لذلك إسنادا لا صحيحا ولا ضعيفا، وهذه الأحاديث التي أوردناها أنه ﵇ كان له خاتم من فضة، ترد الأحاديث التي قدمناها في سنني أبي داود والنسائي من طريق أبي عتاب سهل بن حماد الدلال عن أبي مكين نوح بن ربيعة، عن إياس بن الحارث بن معيقيب بن أبي فاطمة عن جده قال: كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه فضة، ومما يزيده ضعفا الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث أبي طيبة عبد الله بن مسلم السلمي المروزي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ وعليه خاتم من شبه (٢) فقال: مالي أجد منك ريح الأصنام؟ فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه، ثم قال: يا رسول الله من أي شئ أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق، ولا تنمه مثقالا، وقد كان ﵇ يلبسه في يده اليمنى كما رواه أبو داود والترمذي في الشمائل، والنسائي من حديث شريك، وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن القاضي، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسن، عن أبيه، عن علي ﵁، عن رسول الله. قال شريك: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن رسول الله كان بتختم في يمينه، وروى في اليسرى، رواه أبو داود من حديث عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع
стр. 2050
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يساره، وكان فصه في باطن كفه، قال أبو داود: رواه أبو إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع في يمينه، وحدثنا هناد، عن عبدة، عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر كان يلبس خاتمه في يده اليسرى، ثم قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن سعيد، ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: رأيت على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب خاتما في خنصره اليمنى، فقلت: ما هذا؟ فقال رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا وجعل نصه على ظهرها، قال: ولا يخال ابن عباس إلا قد كان يذكر أن رسول الله ﷺ كان يلبس خاتمه كذلك، وهكذا رواه الترمذي من حديث محمد بن إسحاق به، ثم قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري: حديث ابن إسحاق عن الصلت حديث حسن، وقد روى الترمذي في الشمائل: عن أنس، وعن جابر، وعن عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ كان يتختم في اليمين، وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا أبي، عن ثمامة، عن أنس بن مالك أن أبا بكر لما استخلف كتب له وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر. ورسول سطر. والله سطر، قال أبو عبد الله: وزاد أبو أحمد: ثنا الأنصاري حدثني أبي ثنا ثمامة، عن أنس قال: كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر، وفي يد عمر بعد أبي بكر، قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخذ الخاتم فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فنزح البئر فلم يجده، فأما الحديث الذي رواه الترمذي في الشمائل، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن أبي يسر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه، فإنه حديث غريب جدا. وفي السنن من حديث ابن جريج عن الزهري عن أنس قال كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه.
ذكر سيفه ﵇
قال الإمام أحمد: ثنا شريح، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعمى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر (١)، وهو الذي رأى الرؤيا يوم أحد، قال: رأيت في سيفي ذا الفقار فلا فأولته فلا يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشا، فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة، ورأيت بقرا تذبح، فبقر والله خير فبقر والله خير، فكان الذي قال رسول الله ﷺ ، وقد رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه به. وقد ذكر أهل السنن أنه سمع قائل يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، وروى الترمذي من حديث هود بن عبد الله بن سعيد، عن جده مزيدة بن جابر العبدي العصري ﵁، قال: دخل
стр. 2051
رسول الله ﷺ مكة وعلى سيفه ذهب وفضة، الحديث، ثم قال: هذا حديث غريب، وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا محمد بن بشار، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كانت قبيعة (١) سيف رسول الله ﷺ من فضة، وروى أيضا من حديث عثمان بن سعد عن ابن سيرين قال: صنعت سيفي على سيف سمرة، وزعم سمرة أنه صنع سيفه على سيف رسول الله ﷺ وكان حنفيا (٢) وقد صار إلى آل علي سيف من سيوف رسول الله ﷺ فلما قتل الحسين بن علي ﵄ بكربلاء عند الطف كان معه فأخذه علي بن الحسين بن زين العابدين فقدم معه دمشق حين دخل على يزيد بن معاوية، ثم رجع معه إلى المدينة، فثبت في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أنه تلقاه إلى الطريق، فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ قال فقال: لا، فقال: هل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ فإني أخشى أن يغلبك عليه القوم، وأيم الله إن أعطيتنيه لا يخلص إليه أحد حتى يبلغ نفسي.
وقد ذكر للنبي ﷺ غير ذلك من السلاح، من ذلك الدروع (٣) كما روى غير واحد منهم السائب بن يزيد، وعبد الله بن الزبير، أن رسول الله ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين (٤)، وفي الصحيحين من حديث مالك، عن الزهري عن أنس، أن رسول الله ﷺ دخل يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه قيل له: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه، وعند مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وقال وكيع عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وعليه عمامة دسماء، ذكرهما الترمذي في الشمائل، وله من حديث الدراوردي، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا اعتم سدلها بين كتفيه، وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن محمد، ثنا مخول بن إبراهيم، ثنا إسرائيل، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك أنه كانت عنده عصية لرسول الله ﷺ فمات فدفنت معه بين جنبه وبين قميصه، ثم قال البزار: لا نعلم رواه إلا مخول بن راشد، وهو صدوق فيه شيعية. واحتمل على ذلك، وقال
стр. 2052
الحافظ البيهقي بعد روايته هذا الحديث من طريق مخول هذا قال: وهو من الشيعة يأتي بأفراد عن إسرائيل لا يأتي بها غيره، والضعف على رواياته بين ظاهر.
ذكر نعله التي كان يمشي فيها
ثبت في الصحيح عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يلبس النعال السبتية (١)، وهي التي لا شعر عليها، وقد قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد هو ابن مقاتل، حدثنا عبد الله، يعني ابن المبارك، أنا عيسى بن طهمان، قال: خرج إلينا أنس بن مالك بنعلين لهما قبالان، فقال ثابت البناني: هذه نعل النبي ﷺ وقد رواه في كتاب الخمس: عن عبد الله بن محمد، عن أبي أحمد الزبيري، عن عيسى بن طهمان عن أنس، قال: أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس أنهما نعلا النبي ﷺ . وقد رواه الترمذي في الشمائل: عن أحمد بن منيع، عن أبي أحمد الزبيري به، وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو كريب، ثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان مثني شراكهما (٢)، وقال أيضا: ثنا إسحاق بن منصور، أنا عبد الرزاق عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان، وقال الترمذي: ثنا محمد بن مرزوق أبو عبد الله: ثنا عبد الرحمن بن قيس أبو معاوية، ثنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان وأبي بكر وعمر وأول من عقد عقدا واحدا عثمان. قال الجوهري: قبال النعل بالكسر: الزمام الذي يكون بين الإصبع الوسطى والتي تليها. قلت: واشتهر في حدود سنة ستمائة وما بعدها عند رجل من التجار يقال له: ابن أبي الحدرد، نعل مفردة ذكر أنها نعل النبي ﷺ فسامها الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب منه بمال جزيل فأبى أن يبيعها، فاتفق موته بعد حين، فصارت إلى الملك الأشرف المذكور، فأخذها إليه وعظمها، ثم لما بنى دار الحديث الأشرفية إلى جانب القلعة، جعلها في خزانة منها، وجعل لها خادما، وقرر له من المعلوم كل شهرا أربعون درهما، وهي موجودة إلى الآن في الدار المذكورة، وقال الترمذي في الشمائل: ثنا محمد بن رافع وغير واحد قالوا: نثا أبو أحمد الزبيري، ثنا شيبان، عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: كانت لرسول الله ﷺ سلة (٣) يتطيب منها.
стр. 2053
صفة قدح النبي ﷺ
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن عاصم قال: رأيت عند أنس قدح النبي ﷺ فيه ضبة من فضة، وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله، أخبرني أحمد بن محمد النسوي، ثنا حماد بن شاكر، ثنا محمد بن إسماعيل هو البخاري، ثنا الحسن بن مدرك، حدثني يحيى بن حماد أنا أبو عوانة، عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نضار (١)، قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله ﷺ ، فتركه، وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، ثنا حجاج بن حسان قال: كنا عند أنس فدعا بإناء فيه ثلاث ضبات حديد وحلقة من حديد، فأخرج من غلاف أسود وهو دون الربع وفوق نصف الربع، وأمر أنس بن مالك فجعل لنا فيه ماء فأتينا به فشربنا وصببنا على رؤوسنا ووجوهنا وصلينا على النبي ﷺ انفرد به أحمد
المكحلة التي كان ﵇ يكتحل منها
قال الإمام أحمد: ثنا يزيد، أنا عبد الله بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت لرسول الله ﷺ مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين (٢)، وقد رواه الترمذي وابن ماجة من حديث يزيد بن هارون، قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لعباد بن مصور: سمعت هذا الحديث من عكرمة، فقال: أخبرنيه ابن أبي يحيى، عن داود بن الحصين عنه، قلت: وقد بلغني أن بالديار المصرية مزارا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي ﷺ اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مكحلة وقيل ومشط وغير ذلك. فالله أعلم.
البردة
قال الحافظ البيهقي: وأما البرد الذي عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن إسحاق بن يسار في قصة تبوك أن رسول الله ﷺ ، أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراه أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار - يعني بذلك أول خلفاء بني العباس وهو السفاح رحمه
стр. 2054
الله - وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفا عن سلف كان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه (صلوات الله وسلامه عليه) في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الابصار، ويلبسون السواد في أيام الجمع والأعياد، وذلك اقتداء منهم بسيد أهل البدو والحضر، ممن يسكن الوبر والمدر، لما أخرجه البخاري ومسلم إماما أهل الأثر، من حديث عن مالك عن الزهري، عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، وفي رواية وعليه عمامة سوداء، وفي رواية قد أرخى طرفها بين كتفيه، صلوات الله وسلامه عليه، وقد قال البخاري: ثنا مسدد، ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن محمد، عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض روح النبي ﷺ في هذين، وللبخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا أغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، قلت: وهذه الأبواب الثلاثة لا يدري ما كان من أمرها بعد هذا، وقد تقدم أنه ﵇ طرحت تحته في قبره الكريم قطيفة حمراء كان يصلي عليها، ولو تقصينا ما كان يلبسه في أيام حياته لطال الفصل وموضعه كتاب اللباس من كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
أفراسه ومراكيبه ﵊
قال ابن إسحاق عن يزيد بن حبيب، عن مرثد بن عبد الله المزني، عن عبد الله بن رزين، عن علي قال: كان للنبي ﷺ فرس يقال له المرتجز، وحمار يقال له عفير، وبغلة يقال لها دلدل، وسيفه ذو الفقار، ودرعه ذو الفضول. ورواه البيهقي من حديث الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي نحوه، قال البيهقي: وروينا في كتاب السنن أسماء أفراسه التي كانت عند الساعد بين، لزاز واللحيف وقيل اللخيف والظرب (١)، والذي ركبه لأبي طلحة يقال له المندوب، وناقته القصواء والعضباء والجدعاء (٢)، وبغلته الشهباء (٣)، والبيضاء. قال البيهقي: وليس في شئ
стр. 2055
من الروايات أنه مات عنهن إلا ما روينا في بغلته البيضاء، وسلاحه وأرض جعلها صدقة، ومن ثيابه، وبغلته، وخاتمه ما روينا في هذا الباب. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا زمعة بن صالح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: توفي رسول الله ﷺ وله جبة صوف في الحياكة، وهذا إسناد جيد، وقد روى الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا مجاهد، عن موسى، ثنا علي بن ثابت، ثنا غالب الجزري عن أنس قال: لقد قبض رسول الله ﷺ وإنه لينسج له كساء من صوف، وهذا شاهد لما تقدم. وقال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا سعدان بن نصير، ثنا سفيان بن عيينة، عن الوليد بن كثير، عن حسين، عن فاطمة بنت الحسين أن رسول الله ﷺ قبض وله بردان في الجف يعملان، وهذا مرسل. وقال أبو القاسم الطبراني: ثنا الحسن بن إسحاق التستري، ثنا أبو أمية عمرو بن هشام الحراني، ثنا عثمان بن عبد الرحمن بن علي بن عروة، عن عبد الله بن أبي سليمان، عن عطاء وعمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ سيف قائمته من فضة وقبيعته، وكان يسميه ذا الفقار، وكان له قوس تسمى السداد (١) وكانت له كنانة تسمى الجمع وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى ذات الفضول، وكانت له حربة تسمى السغاء، وكان له مجن يسمى الذقن، وكان له ترس أبيض يسمى الموجز (٢)، وكان له فرس أدهم يسمى السكب وكان له سرج يسمى الداج، وكان له بغلة شهباء يقال لها دلدل، وكانت له ناقة تسمى القصواء، وكان له حمار يقال له: يعفور، وكان له بساط يسمى الكرة، وكان له نمرة تسمى النمر، وكانت له ركوة تسمى الصادر، وكانت له مرآة تسمى المرآة، وكان له مقراض يسمى الجاح، وكان له قضيب شوحط (٣) يسمى الممشوق، قلت: قد تقدم عن غير واحد من الصحابة أن رسول الله ﷺ لم يترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة سوى بغلة وأرض - جعلها صدقة، وهذا يقتضي أنه ﵇ نجز العتق في جميع ما ذكرناه من العبيد، والإماء، والصدقة في جميع ما ذكر من السلاح، والحيوانات، والأثاث، والمتاع مما أوردناه وما لم نورده، وأما بغلته فهي الشهباء، وهي البيضاء أيضا والله أعلم، وهي التي أهداها له المقوقس، صاحب الإسكندرية واسمه، جريج بن ميناء فيما أهدى من التحف، وهي التي كان رسول الله ﷺ راكبها يوم حنين وهو في نحور العدو ينوه باسمه الكريم شجاعة وتوكلا على الله ، فقد قيل إنها عمرت بعده حتى كانت عند علي بن أبي طالب في أيام خلافته وتأخرت أيامها حتى كانت بعد علي عند عبد الله بن جعفر، فكان يحبش لها الشعير حتى تأكله من ضعفها بعد ذلك، وأما حماره يعفور، ويصغر فيقال له عفير، فقد كان ﵇ يركبه في بعض الأحايين، وقد روى أحمد: من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن عبد الله العوفي، عن
стр. 2056
عبد الله بن رزين، عن علي قال: كان رسول الله ﷺ يركب حمارا يقال له عفير (١)، ورواه أبو يعلى من حديث عون بن عبد الله عن ابن مسعود، وقد ورد في أحاديث عدة أنه ﵇ ركب الحمار، وفي الصحيحين أنه ﵇ مر وهو راكب حمارا بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وأخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فنزل ودعاهم إلى الله ، ذلك قبل وقعة بدر، وكان قد عزم على عيادة سعد بن عبادة، فقال له عبد الله: لا أحسن مما تقول أيها المرء فإن كان حقا فلا تغشنا به في مجالسنا، وذلك قبل أن يظهر الاسلام، ويقال إنه خمر أنفه لما غشيتهم عجاجة الدابة وقال: لا تؤذنا بنتن حمارك، فقال له عبد الله ابن رواحة: والله لريح حمار رسول الله ﷺ أطيب من ريحك. وقال عبد الله: بل يا رسول الله اغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فتثاور الحيان وهموا أن يقتتلوا فسكنهم رسول الله، ثم ذهب إلى سعد بن عبادة فشكى إليه عبد الله بن أبي. فقال: ارفق به يا رسول الله، فوالذي أكرمك بالحق لقد بعثك الله بالحق، وإنا لننظم له الخدر لنملكه علينا، فلما جاء الله بالحق شرق بريقه، وقد قدمنا أنه ركب الحمار في بعض أيام خيبر، وجاء أنه أردف معاذا على حمار، ولو أوردناها بألفاظها وأسانيدها لطال الفصل والله أعلم، فأما ما ذكره القاضي عياض بن موسى السبتي في كتابه الشفا، وذكره قبل إمام الحرمين في كتابه الكبير في أصول الدين وغيرهما أنه كان لرسول الله ﷺ حمار يسمى زياد بن شهاب وأن رسول لله ﷺ كان يبعثه ليطلب له بعض أصحابه فيجئ إلى باب أحدهم فيقعقعه فيعلم أن رسول الله ﷺ يطلبه، وأنه ذكر للنبي ﷺ أنه سلالة سبعين حمارا كل منها ركبه نبي، وأنه لما توفي رسول الله ﷺ ذهب فتردى في بئر فمات، فهو حديث لا يعرف له إسناد بالكلية، وقد أنكره غير واحد من الحفاظ منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم وأبوه رحمهما الله، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي ﵀ ينكره غير مرة إنكارا شديدا، وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى العنبري، ثنا أحمد بن محمد بن يوسف، ثنا إبراهيم ابن سويد الجذوعي، حدثني عبد الله بن أذين الطائي، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: أتى النبي ﷺ وهو بخيبر حمار أسود فوقف بين يديه، فقال: من أنت؟ قال: أنا عمرو بن فلان كنا سبعة إخوة كلنا ركبنا الأنبياء وأنا أصغرهم، وكنت لك فملكني رجل من اليهود، فكنت إذا ذكرتك به فيوجعني ضربا. فقال رسول الله ﷺ : فأنت يعفور، هذا الحديث غريب جدا.
فصل
وهذا أوان ما بقي علينا من متعلقات السيرة الشريفة، وذلك أربعة كتب: الأول في
стр. 2057
الشمائل. الثاني في الدلائل. الثالث في الفضائل. الرابع في الخصائص، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
كتاب الشمائل
شمائل رسول الله ﷺ وبيان خلقه الطاهر
قد صنف الناس في هذا قديما وحديثا، كتبا كثيرة مفردة وغير مفردة، ومن أحس من جمع في ذلك فأجاد وأفاد الامام (أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي) ﵀، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل، ولنا به سماع متصل إليه، ونحن نورد عيون ما أورده فيه، ونزيد عليه أشياء مهمة لا يستغني عنها المحدث والفقيه، ولنذكر أولا بيان حسنه الباهر الجميل، ثم نشرع بعد ذلك في إيراد الجمل والتفاصيل، فنقول الله حسبنا ونعم الوكيل.
باب ما ورد في حسنه الباهر
قال البخاري: ثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق: قال سمعت البراء بن عازب يقول: كان النبي ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير (١). وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب عن إسحاق بن منصور، وقال البخاري: حدثنا جعفر بن عمر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ابن عازب. قال: كان النبي ﷺ مربوعا بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه (٢). قال يوسف بن أبي إسحاق: عن أبيه إلى منكبيه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق: عن البراء قال: ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ ، له شعر يضرب منكبيه بعيد ما بين المنكبين، ليس بالطويل ولا بالقصير، وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث وكيع به. وقال الإمام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، أنا أبو إسحاق، ح وحدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: ما رأيت أحدا من خلق الله أحس في حلة حمراء من رسول الله ﷺ وإن جمته لتضرب إلى منكبيه، قال ابن أبي بكير، لتضرب قريبا من منكبيه. قال - يعني ابن إسحاق - وقد سمعته يحدث به مرارا ما
стр. 2058
حدث به قط إلا ضحك. وقد رواه البخاري في اللباس، والترمذي في الشمائل، والنسائي في الزينة من حديث إسرائيل به. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، ثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: سئل البراء بن عازب أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر (١)، ورواه الترمذي من حديث زهير بن معاوية الجعفي الكوفي عن أبي إسحاق السبيعي واسمه عمرو بن عبد الله الكوفي عن البراء بن عازب به وقال: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان ببغداد، أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، ثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان، ثنا أبو نعيم وعبد الله (٢)، عن إسرائيل، عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة قال له رجل: أكان رسول الله ﷺ وجهه مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل الشمس والقمر مستديرا، وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى به، وقد رواه الإمام أحمد مطولا فقال: ثنا عبد الرزاق، أنا إسرائيل، عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، فإذا أدهن ومشطهن لم ينبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير الشعر واللحية، فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل الشمس والقمر مستديرا، قال: ورأيت خاتمه عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده. وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو طاهر الفقيه (٣)، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا المحاربي، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة أضحيان (٤) وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو عندي أحسن من القمر، هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن هناد بن اليسري عن عيثر بن القاسم، عن أشعث بن سوار، قال النسائي: وهو ضعيف، وقد أخطأ والصواب أبو إسحاق عن البراء، وقال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث أشعث بن سوار، وسألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - قلت: حديث أبي إسحاق عن البراء أصح أم حديثه عن جابر؟ فرأى كلا الحديثين صحيحا، وثبت في صحيح البخاري عن كعب بن مالك في حديث التوبة قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وقد تقدم الحديث بتمامه، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد، ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي (٥)، عن ابن إسحاق
стр. 2059
الهمداني، عن امرأة من همدان سماها. قالت: حججت مع رسول الله ﷺ فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة بيده محجن عليه بردان أحمران يكاد يمس منكبه، إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إليه فيقبله، قال أبو إسحاق: فقلت لها: شبهته؟ قالت: كالقمر ليلة البدر لم أر قبله ولا بعده مثله، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا عبد الله بن موسى التيمي، ثنا أسامة بن زيد، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوذ: صفي لي رسول الله ﷺ ، قالت: يا بني لو رأيته رأيت الشمس طالعة، ورواه البيهقي من حديث يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد الله بن موسى التيمي بسنده فقالت: لو رأيته لقلت الشمس طالعة (١)، وثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ مسرورا تبرق أسارير وجهه. الحديث (٢).
صفة لون رسول الله ﷺ
قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن خالد هو ابن يزيد، عن سعيد - يعني ابن أبي هلال - عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت أنس بن مالك يصف النبي ﷺ قال: كان ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا بآدم، ليس بجعد قطط ولا سبط رجل، أنزل عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه وبالمدينة عشر سنين وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعره فإذا هو أحمر، فسألت فقيل: أحمر من الطيب (٣)، ثم قال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك ﵁ أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، وليس بالجعد القطط، ولا بالسبط، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، فتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، وكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك، ورواه أيضا عن قتيبة ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر، وعن القاسم بن زكريا، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن
стр. 2060
؟ لآل ثلاثتهم عن ربيعة به، ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن مالك به، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الحافظ البيهقي: ورواه ثابت عن أنس فقال: كان أزهر اللون، قال: ورواه حميد كما أخبرنا، ثم ساق بإسناده عن يعقوب بن سفيان، حدثني عمرو بن عون وسعيد بن منصور قالا: حدثنا خالد بن عبد الله، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ أسمر اللون، وهكذا روى هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار عن علي عن خالد بن عبد الله عن حميد عن أنس، قال: وحدثناه محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا حميد عن أنس قال: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل ولا بالقصير، وكان إذا مشى تكفأ وكان أسمر اللون، ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن حميد إلا خالد وعبد الوهاب، ثم قال البيهقي ﵀: وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو جعفر البزار (١)، ثنا يحيى بن جعفر، ثنا علي بن عاصم، ثنا حميد سمعت أنس بن مالك يقول فذكر الحديث في صفة النبي ﷺ : قال: كان أبيض بياضه إلى السمرة، قلت: وهذا السياق أحس من الذي قبله، وهو يقتضي أن السمرة التي كانت تعلو وجهه ﵇ من كثرة أسفاره وبروزه للشمس والله أعلم، فقد قال يعقوب بن سفيان الفسوي أيضا: حدثني عمرو بن عون وسعيد بن منصور قالا: ثنا خالد بن عبد الله، عن (٢) الجريري، عن أبي الطفيل قال: رأيت النبي ﷺ ولم يبق أحد رآه غيري، فقلنا له: صف لنا رسول الله ﷺ فقال: كان أبيض مليح الوجه. ورواه مسلم عن سعيد بن منصور به. ورواه أيضا أبو داود من حديث سعيد بن أياس الجريري. عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي. قال: كان رسول الله ﷺ أبيض مليحا، إذا مشى كأنما ينحط في صبوب، لفظ أبي داود، وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون [حدثنا] (٣) الجريري، قال: كنت أطوف مع أبي الطفيل فقال: ما بقي أحد رأى رسول الله ﷺ غيري. قلت: ورأيته؟ قال: نعم، قال: قلت: كيف كانت صفته؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا (٤)، وقد رواه الترمذي عن سفيان بن وكيع ومحمد بن بشار كلاهما عن يزيد بن هارون به. وقال البيهقي (٥): أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد الله بن جعفر، أو أبو الفضل محمد بن
стр. 2061
إبراهيم، ثنا أحمد ابن سلمة، ثنا واصل بن عبد الأعلى الأسدي، ثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب، وكان الحسن بن علي يشبهه، ثم قال: رواه مسلم عن واصل بن عبد الأعلى، ورواه البخاري عن عمرو بن علي عن محمد بن فضيل، وأصل الحديث كما ذكر في الصحيحين، ولكن بلفظ آخر كما سيأتي، وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه أن سراقة بن مالك قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فلما دنوت منه وهو على ناقته، جعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق: والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزة كأنها جمارة، قلت: يعني من شدة بياضها كأنها جمارة طلع النخل، وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن مولى لهم - مزاحم بن أبي مزاحم - عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، عن رجل من خزاعة يقال له: محرش أو مخرش، لم يكن سفيان يقف على اسمه، وربما قال مخرش ولم أسمعه أنا، أن النبي ﷺ خرج من الجعرانة ليلا فاعتمر ثم رجع فأصبح بها كبائت فنظرت إلى ظهره كأنها سبيكة فضة، تفرد به أحمد (١)، وهكذا رواه يعقوب بن سفيان، عن الحميدي عن سفيان بن عيينة، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيري، أخبرني محمد بن مسلم، عن سعيد بن المسيب: أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله ﷺ فقال: كان شديد البياض، وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، وقال الإمام أحمد: ثنا حسن، ثنا عبد الله بن لهيعة، ثنا أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة يقول: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، كان كأن الشمس تجري في جبهته، وما رأيت أحدا أسرع في في مشيته من رسول الله ﷺ ، كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث (٢)، ورواه الترمذي عن قتيبة عن ابن لهيعة به وقال: كأن الشمس تجري في وجهه وقال: غريب، ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد المصري، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة، وقال: كأنما الشمس تجري في وجهه، وكذلك رواه ابن عساكر من حديث حرملة عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي يونس عن أبي هريرة فذكره وقال: كأنما الشمس تجري في وجهه، وقال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا حجاج، ثنا حماد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي - يعني ابن الحنفية - عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، عن نافع بن جبير، عن علي بن أبي طالب
стр. 2062
قال: كان رسول الله ﷺ مشربا وجهه حمرة، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا ابن الأصبهاني، ثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير، قال: وصف لنا علي النبي ﷺ فقال: كان أبيض مشرب الحمرة، وقد رواه الترمذي بنحوه من حديث المسعودي عن عثمان بن مسلم عن هرمز، وقال: هذا حديث صحيح، قال البيهقي: وقد روي هكذا عن علي من وجه آخر، قلت: رواه ابن جريج عن صالح بن سعيد عن نافع بن جبير، عن علي، قال البيهقي: ويقال: إن المشرب فيه حمرة ما ضحا للشمس والرياح، وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر (١).
صفة وجه رسول الله ﷺ وذكر محاسنه: فرقه وجبينه وحاجبيه وعينيه وأنفه وقد تقدم قول أبي الطفيل كان أبيض مليح الوجه، وقول أنس كان أزهر اللون، وقول البراء وقد قيل له: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ - يعني في صقاله - فقال: لا، بل مثل القمر، وقول جابر بن سمرة وقد قيل له مثل ذلك، فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر مستديرا، وقول الربيع بنت معوذ: لو رأيته لقلت الشمس طالعة، وفي رواية لرأيت الشمس طالعة، وقال أبو إسحاق السبيعي عن امرأة من همدان حجت مع رسول الله ﷺ فسألها عنه فقالت: كان كالقمر ليلة البدر لم أر قبله ولا بعده مثله، وقال أبو هريرة: كأن الشمس تجري في وجهه، وفي رواية في جبهته، وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان وحسن بن موسى قالا: ثنا حماد وهو ابن سلمة، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس، عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العينين بحمرة، كث اللحية أزهر اللون، شثن (٢) الكفين والقدمين، إذا مشى كأنما يمشي في صعد، وإذا التفت التفت جميعا. تفرد به أحمد، وقال أبو يعلى: حدثنا زكريا ويحيى الواسطي، ثنا عباد بن العوام، ثنا الحجاج، عن سالم المكي، عن ابن الحنفية، عن علي أنه سئل عن صفة النبي ﷺ فقال: كان لا قصيرا ولا طويلا، حسن الشعر رجله مشربا وجهه حمرة، ضخم الكراديس (٣)، شثن الكعبين والقدمين، عظيم الرأس، طويل المسربة (٤)، لم أر قبله ولا بعده مثله، إذا مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب (٥). وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فإني
стр. 2063
لأخطب يوما على الناس وحبر من أحبار يهود واقف في يد سفر ينظر فيه، فلما رآني قال: صف لنا أبا القاسم، فقال علي: رسول الله ليس بالقصير ولا بالطويل البائن، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، هو رجل الشعر أسوده، ضخم الرأس، مشربا لونه حمرة، عظيم الكراديس، شثن الكفين والقدمين، طويل المسربة، وهو الشعر الذي يكون من النحر إلى السرة، أهدب الأشفار، مقرون (١) الحاجبين، صلت الجبين، بعيد ما بين المنكبين إذا مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب، لم أر قبله مثله، ولا بعده مثله، قال: علي: ثم سكت فقال لي الحبر: وماذا؟ قال علي: هذا ما يحضرني، قال الحبر في عينيه حمرة، حسن اللحية، حسن الفم تام الاذنين، يقبل جميعا ويدبر جميعا، فقال علي: والله هذه صفته، قال الحبر: [وشئ آخر] (٢) قال علي: وما هو؟ قال الحبر وفيه جناء، قال علي: هو الذي قلت لك كأنما ينزل من صبب، قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي (٣) ونجده يبعث في حرم الله وأمنه وموضع بيته، ثم يهاجر إلى حرم يحرمه هو ويكون له حرمة كحرمة الحرم الذي حرم الله، ونجد أنصاره الذين هاجر إليهم قوما من ولد عمرو بن عامر أهل نخل وأهل الأرض قبلهم يهود، قال علي: هو هو، وهو رسول الله ﷺ ، قال الحبر: فإني أشهد أنه نبي وأنه رسول الله إلى الناس كافة، فعلى ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله. قال: فكان يأتي عليا فيعلمه القرآن ويخبره بشرائع الاسلام، ثم خرج علي والحبر من هنالك، حتى مات في خلافة أبي بكر وهو مؤمن برسول الله ﷺ مصدق به، وهذه الصفة قد وردت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من طرق متعددة سيأتي ذكرها، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا خالد بن عبد الله، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده قال: سئل أو قيل لعلي: انعت لنا رسول الله، فقال: كان أبيض مشربا بياضه حمرة، وكان أسود الحدقة أهدب الأشفار، قال يعقوب: وحدثنا عبد الله بن سلمة وسعيد بن مصور قالا: ثنا عيسى بن يونس، ثنا عمر بن عبد الله مولى عفرة، عن إبراهيم بن محمد عن ولد علي قال: كان علي إذا نعت رسول الله قال: كان في الوجه تدوير أبيض أدعج العينين أهدب الأشفار. قال الجوهري: الدعج شدة سواد العينين مع سعتها، وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، أخبرني سماك، سمعت جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ أشهل العينين منهوس العقب ضليع الفم (٤). كذا رواه في رواية أبي
стр. 2064
داود عن شعبة أشهل العينين، قال أبو عبيد: والشهلة حمرة في سواد العين، والشكلة حمرة في بياض العين، قلت: وقد روى هذا الحديث مسلم في صحيحه عن أبي موسى وبندار كلاهما عن أحمد بن منيع عن أبي قطن عن شعبه به. وقال أشكل العينين، وقال حسن صحيح، ووقع في صحيح مسلم تفسير الشكلة بطول أشفار العينين، وهو من بعض الرواة، وقول أبي عبيد: حمرة في بياض العين أشهر وأصح وذلك يدل على القوة والشجاعة والله تعالى أعلم، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني عمرو بن الحرث، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي حدثني الزهري، عن سعد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله فقال: كان مفاض (١) الجبين أهدب الأشفار، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو غسان، ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، حدثني رجل بمكة عن ابن لأبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي، عن خاله قال: كان رسول الله واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، سهل الخدين، ضليع الفم أشنب، مفلج الأسنان. وقال يعقوب، ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، عن كريب عن ابن عباس قال: كان رسول الله أفلج الثنيتين، وكان إذا تكلم رئي كالنور بين ثناياه (٢). ورواه الترمذي: عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن إبراهيم بن المنذر به. قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عباد بن حجاج، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كنت إذا نظرت إلى رسول الله ﷺ قلت: أكحل العينين وليس بأكحل، وكان في ساقي رسول الله حموشة وكان لا يضحك إلا تبسما، وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع، حدثني مجمع بن يحيى، عن عبد الله بن عمران الأنصاري، عن علي، والمسعودي عن عثمان بن عبد الله، عن هرمز، عن نافع بن جبير عن علي قال: كان رسول الله ليس بالقصير ولا بالطويل ضخم الرأس واللحية شثن الكفين
стр. 2065
والقدمين والكراديس مشربا وجهه حمرة طويل المسربة إذا مشى تكفأ كأنما يقلع من صخر لم أر قبله ولا بعده مثله. قال ابن عساكر: وقد رواه عبد الله بن داود الخريبي عن مجمع فأدخل بين ابن عمران وبين علي رجلا غير مسمى ثم أسند من طريق عمرو بن علي الفلاس، عن عبد الله بن داود، نثا مجمع بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن عمران عن رجل من الأنصار قال: سألت علي بن أبي طالب وهو محتب بحمالة سيفه في مسجد الكوفة عن نعت رسول الله فقال: كان أبيض اللون مشربا حمرة أدعج العينين، سبط الشعر، دقيق المسربة، سهل الخد، كث اللحية، ذا وفرة كأن عنقه إبريق فضة، له شعر من لبته إلى سرته كالقضيب ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره شثن الكفين والقدم، إذا مشى كأنما ينحدر من صبب وإذا مشى كأنما يقتلع من صخر وإذا التفت التفت جميعا ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالعاجز ولا اللام (١) كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ ولريح عرقه أطيب من المسك الأذفر لم أر قبله ولا بعده … وقال يعقوب بن سفيان، ثنا سعيد بن منصور: ثنا نوح بن قيس الحراني، ثنا خالد بن خالد التميمي، عن يوسف بن مازن المازني أن رجلا قال لعلي: يا أمير المؤمنين أنعت لنا رسول الله، قال: كان أبيض مشربا حمرة ضخم الهامة أغر أبلج أهدب الأشفار … وقال الإمام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن ابن عمير قال شريك: قلت له عمن يا أبا عمير (عمن حدثه) قال: عن نافع بن جبير عن أبيه عن علي قال: كان رسول الله ضخم الهامة مشربا حمرة، شثن الكفين والقدمين، ضخم اللحية، طويل لم أر قبله مثله ولا بعده، وقد روى لهذا شواهد كثيرة عن علي، وروى عن عمر نحوه … وقال الواقدي، ثنا بكير بن مسمار عن زياد بن سعد (٢) قال: سألت سعد بن أبي وقاص هل خضب رسول الله؟ قال: لا ولا هم به، كان شيبة في عنفقته وناصيته لو أشاء أن أعدها لعددتها * قلت: فما صفته؟ قال: كان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالأدم ولا بالسبط ولا بالقطط، وكانت لحيته حسنة وجبينه صلتا، مشربا بحمرة، شثن الأصابع، شديد سواد الرأس واللحية … وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: ثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا يحيى بن حاتم العسكري، ثنا بسر بن مهران، ثنا شريك، عن عثمان بن المغير، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود قال: إن أول شئ علمته من رسول الله قدمت مكة في عمومة لي فأرشدونا إلى العباس بن المطلب فانتهينا إليه، وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه، أقنى الانف، براق الثنايا أدعج العينين، كث اللحية، دقيق المسربة، شثن الكفين والقدمين، عليه ثوبان أبيضان كأنه القمر ليلة بدر. وذكر تمام الحديث وطوافه ﵇
стр. 2066
بالبيت وصلاته عنده هو وخديجة وعلي بن أبي طالب، وأنهم سألوا العباس عنه فقال: هذا هو ابن أخي محمد بن عبد الله وهو يزعم أن الله أرسله إلى الناس … وقال الإمام أحمد: ثنا جعفر، ثنا عوف بن أبي جميلة، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله في النوم في زمن ابن عباس قال: وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله في النوم، قال ابن عباس: فإن رسول الله ﷺ كان يقول: " إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني فقد رآني " هل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قلت: نعم:، رأيت رجلا بين الرجلين جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، حسن الضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحميته من هذه إلى هذه، حتى كادت تملأ نحره … قال عوف: لا أدري ما كان مع هذا من النعت، قال: فقال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا … وقال محمد بن يحيى الذهلي: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، قال: سئل أبو هريرة عن صفة رسول الله فقال: أحسن الصفة وأجملها كان ربعة إلى الطول، ما هو بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العين، أهدب الأشفار، إذ وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس لها أخمص إذا وضع رداءه على منكبيه فكأنه سبيكة فضة، وإذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر، لم أر قبله ولا بعده مثله (١) … وقد رواه محمد بن يحيى من وجه آخر متصل فقال: ثنا إسحاق بن إبراهيم - يعني الزبيدي - حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكر نحو ما تقدم … ورواه الذهلي عن إسحاق ابن راهويه، عن النضر بن شميل، عن صالح، عن أبي الأخضر، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين، يطأ بقدمه جميعا، إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا … ورواه الواقدي: حدثني عبد الملك عن سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله شثن القدمين والكفين، ضخم الساقين عظيم الساعدين، ضخم العضدين والمنكبين بعيد ما بينهما، رحب الصدر، رجل الرأس، أهدب العينين، حسن الفم، حسن اللحية، تام الاذنين، ربعة من القوم، لا طويل ولا قصير، أحسن الناس لونا، يقبل معا ويدبر معا، لم أر مثله ولم أسمع بمثله (٢) … وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو الحسن المحمودي المروزي، ثنا أبو عبد الله محم بن علي الحافظ، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عثمان بن عمر (٣)، ثنا حرب بن سريج، صاحب الحلواني، حدثني رجل بلعدويه حدثني جدي قال: انطلقت إلى
стр. 2067
المدينة أذكر الحديث في رؤية رسول الله قال: فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجمة (١)، دقيق الانف، دقيق الحاجبين، وإذا من لدن نحره إلى سرته كالخيط المدود، شعره ورأسه من طمرين فدنا مني وقال: السلام عليك.
ذكر شعره ﵇
قد ثبت في الصحيحين من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان رسول الله يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشئ، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم. فسدل رسول الله ﷺ ثم فرق بعده (٢)، وقال الإمام أحمد: ثنا حماد بن خالد، ثنا مالك، ثنا زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: أن رسول الله ﷺ سدل ناصيته ما شاء أن يسدل ثم فرق بعد (٣)، تفرد به من هذا الوجه، وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة عن عائشة قالت: أنا فرقت لرسول الله رأسه، صدعت فرقة عن يافوخه وأرسلت ناصيته بين عينيه … قال ابن إسحاق: وقد قال محمد بن جعفر بن الزبير وكان فقيها مسلما: ما هي إلا سيما من سيما النصارى تمسكت بها النصارى من الناس (٤) … وثبت في الصحيحين: عن البراء أن رسول الله كان يضرب شعره إلى منكبيه، وجاء في الصحيح عنه وعن غيره إلى أنصاف أذنيه، ولا منافاة بين الحالين، فإن الشعر تارة يطول وتارة يقصر منه فكل حكى بحسب ما رأى، وقال أبو داود: ثنا ابن نفيل ثنا [عبد الرحمن بن أبي الزناد] (٥)، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوفرة ودون الجمة (٦) … وقد ثبت أنه ﵇ حلق جميع رأسه في حجة الوداع وقد مات بعد ذلك بأحد وثمانين يوما صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين … وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد الله بن مسلم ويحيى بن عبد الحميد قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم هانئ: قدم النبي ﷺ مكة قدمة وله أربع غدائر - تعني ضفائر - وروى الترمذي من حديث سفيان بن عيينة … وثبت في الصحيحين من حديث ربيعة،
стр. 2068
عن أنس قال بعد ذكره شعر رسول الله ﷺ إنه ليس بالسبط ولا بالقطط قال: وتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. وفي صحيح البخاري من حديث أيوب عن ابن سيرين أنه قال: قلت لانس أخضب رسول الله؟ قال: إنه لم ير من الشيب إلا قليلا … وكذا روى هو ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس وقال حماد بن سلمة، عن ثابت قيل لانس: هل كان شاب رسول الله؟ فقال: ما شانه الله بالشيب ما كان في رأسه إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة شعرة … وعند مسلم، من طريق المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله لم يختضب إنما كان شمط عند العنفقة يسيرا، وفي الصدغين يسيرا، وفي الرأس يسيرا … وقال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا همام عن قتادة قال: سألت أنسا هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: لا إنما كان شئ في صدغيه … وروى البخاري عن عصام بن خالد، عن جرير بن عثمان، قال: قلت لعبد الله بن بسر السلمي رأيت رسول الله أكان شيخا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض … وتقدم عن جابر بن سمرة مثله، وفي الصحيحين من حديث أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله هذه منه بيضاء - يعني عنفقته - وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد الله بن عثمان، عن أبي حمزة السكري، عن عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي قال: دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا من شعر رسول الله فإذا هو أحمر مصبوغ بالحناء والكتم (١)، رواه البخاري عن إسماعيل بن موسى، عن سلام بن أبي مطيع، عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن أم سلمة به، وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إسرائيل عن عثمان [بن عبد الله] (٢) بن موهب قال: كان عند أم سلمة جلجل من فضة ضخم، فيه من شعر رسول الله، فكان إذا أصاب إنسانا الحمى بعث إليها فحضحضته فيه، ثم ينضحه الرجل على وجهه، قال: فبعثني أهلي إليها فأخرجته، فإذا هو هكذا - وأشار إسرائيل بثلاث أصابع - وكان فيه خمس شعرات حمر … رواه البخاري عن مالك بن إسماعيل عن إسرائيل … وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عبيد الله بن إياد، حدثني إياد عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﷺ فلما رأيته قال: هل تدري من هذا؟ قلت: لا، قال: إن هذا رسول الله، فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظن أن رسول الله ﷺ شئ لا يشبه الناس، فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران … ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عبيد الله بن إياد بن لقيط عن أبيه عن أبي رمثة واسمه حبيب بن حيان، ويقال رفاعة بن يثربي، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا
стр. 2069
من حديث إياد كذا قال … وقد رواه النسائي أيضا من حديث سفيان الثوري، وعبد الملك بن عمير، كلاهما عن إياد بن لقيط به ببعضه، ورواه يعقوب بن سفيان أيضا عن محمد بن عبد الله المخرمي عن أبي سفيان الحميري، عن الضحاك بن حمزة، عن غيلان بن جامع، عن إياد بن لقيط عن أبي رمثة قال: كان رسول الله ﷺ يخضب بالحناء والكتم، وكان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه … وقال أبو داود: ثنا عبد الرحيم بن مطرف أبو سفيان (١)، ثنا عمرو بن محمد، أنا ابن أبي داود، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته بالورس والزعفران، وكان ابن عمر يفعل ذلك … ورواه النسائي عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي عن عمرو بن محمد المنقري به … وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا الحسين (٢) بن محمد بن زياد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا يحيى بن آدم، ح وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، أنا يعقوب بن سفيان، حدثني أبو جعفر محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، ثنا يحيى ابن آدم، ثنا شريك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر قال: كان شيب رسول الله ﷺ نحوا من عشرين شعرة، وفي رواية إسحاق: رأيت شيب رسول الله نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه … قال البيهقي: وحدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أحمد بن سليمان (٣) الفقيه، ثنا هلال بن العلاء الرقي، ثنا حسين بن عياش (٤) الرقي، ثنا جعفر بن برقان، ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز وال عليها، فبعث إليه عمر وقال للرسول: سله هل خضب رسول الله ﷺ ، فإني رأيت شعرا من شعره قد لون، فقال أنس: إن رسول الله ﷺ قد متع بالسواد ولو عددت ما أقبل علي من شيبه في رأسه ولحيته ما كنت أزيد على إحدى عشرة شيبة، وإنما هو الذي لون من الطيب الذي كان يطيب به شعر رسول الله ﷺ هو الذي غير لونه. قلت: ونفي أنس للخضاب معارض بما تقدم عن غيره من إثباته، والقاعدة المقررة أن الاثبات مقدم على النفي لان المثبت معه زيادة علم ليست عند النافي … وهكذا إثبات غيره لزيادة ما ذكر من السبب مقدم لا سيما عن ابن عمر الذي المظنون أنه تلقى ذلك عن أخته أم المؤمنين حفصة، فإن إطلاعها أتم من اطلاع أنس لأنها ربما أنها فلت رأسه الكريم ﵊.
ما ورد في منكبيه وساعديه وإبطيه وقدميه وكعبيه ﷺ
قد تقدم ما أخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب
стр. 2070
قال: كان رسول الله ﷺ مربوعا بعيدا ما بين المنكبين، وروى البخاري عن أبي النعمان عن جرير عن قتادة عن أنس قال: كان النبي ﷺ ضخم الرأس والقدمين سبط الكفين، وتقدم من غير وجه أنه ﵇ كان شثن الكفين والقدمين، وفي رواية، ضخم الكفين والقدمين، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا آدم وعاصم بن علي قالا: ثنا ابن أبي ذئب، ثنا صالح مولى التوأمة قال: كان أبو هريرة ينعت رسول الله ﷺ قال: كان شبح الذراعين بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين … وفي حديث نافع بن جبير عن علي قال: كان رسول الله ﷺ شثن الكفين والقدمين ضخم الكراديس طويل المسربة، وتقدم في حديث حجاج عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان في ساقي رسول الله ﷺ حموشة أي لم يكونا ضخمين، وقال سراقة بن مالك بن جعشم: فنظرت إلى ساقيه، وفي رواية قدميه في الغرز - يعني الركاب - كأنهما جمارة أي جمارة النخل من بياضهما … وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة كان ضليع الفم، وفسره بأنه عظيم الفم، أشكل العينين، وفسره بأنه طويل شق العينين، منهوس العقب، وفسره بأنه قليل لحم العقب، وهذا أنسب وأحسن في حق الرجال … وقال الحارث بن أبي أسامة: ثنا عبد الله بن بكر، ثنا حميد، عن أنس قال: أخذت أم سليم بيدي مقدم رسول الله ﷺ المدينة فقالت: يا رسول الله هذا أنس غلام كاتب يخدمك، قال: فخدمته تسع سنين فما قال لشئ صنعت: أسأت، ولا بئس ما صنعت، ولا مسست شيئا قط خزا ولا حريرا ألين من كف رسول الله، ولا شممت رائحة قط مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة رسول الله ﷺ … وهكذا رواه معتمر بن سليمان، وعلي بن عاصم، ومروان بن معاوية الفزاري، وإبراهيم بن طهمان، كلهم عن حميد، عن أنس في لين كفه ﵇، وطيب رائحته صلاة الله وسلامه عليه … وفي حديث الزبيدي: عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة أن رسول الله كان يطأ بقدمه كلها ليس لها أخمص، وقد جاء خلاف هذا كما سيأتي … وقال يزيد بن هارون: حدثني عبد الله بن يزيد بن مقسم قال: حدثتني عمتي سارة بنت مقسم، عن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول الله بمكة وهو على ناقة وأنا مع أبي وبيد رسول الله درة كدرة الكتاب، فدنا منه أبي فأخذ يقدمه، فأقر له رسول الله ﷺ قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه (١) … ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون مطولا، ورواه أبو داود من حديث يزيد بن هارون ببعضه … وعن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة عن خالته عنها، ورواه ابن ماجة من وجه آخر عنها والله أعلم … وقال البيهقي (٢): أنا علي بن أحمد بن عبد الله بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا محمد بن إسحاق أبو بكر، ثنا مسلمة بن حفص السعدي، ثنا يحيى بن