عبد الله بن حنطب قال: بينا رسول الله ﷺ في المدينة إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه، فقال: هذا وافد السباع إليكم فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه واحترزتم منه فما أخذ فهو رزقه، فقالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشئ، فأومأ إليه بأصابعه الثلاث أن خالسهم، قال: فولى وله عواء. وقال أبو نعيم: ثنا سليمان بن أحمد، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، ثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجل من مزينة أن جهينة قال: أتت وفود الذئاب قريب من مائة ذئب حين صلى رسول الله ﷺ فأقعين، فقال رسول الله ﷺ : هذه وفود الذئاب، جئنكم يسألنكم لتفرضوا لهن من قوت طعامكم وتأمنوا على ما سواه، فشكوا إليه الحاجة، قال: فأدبروهم قال: فخرجن ولهن عواء.
وقد تكلم القاضي عياض على حديث الذئب فذكر عن أبي هريرة وأبي سعيد وعن أهبان بن أوس وأنه كان يقال له: مكلم الذئب، قال: وقد روى ابن وهب أنه جرى مثل هذا لأبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، مع ذئب وجداه أخذ صبيا فدخل الصبي الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: واللات والعزى لان ذكرت هذا بمكة ليتركنها أهلوها.
قصة الوحش الذي كان في بيت النبي وكان يحترمه ﵇ ويوقره ويجله
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، ثنا يونس عن مجاهد قال: قالت عائشة ﵂: كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت كراهية أن يؤذيه (١). ورواه أحمد أيضا عن وكيع وعن قطن كلاهما عن يونس - وهو ابن أبي إسحاق السبيعي -. وهذا الاسناد على شرط الصحيح. ولم يخرجوه وهو حديث مشهور. والله أعلم.
قصة الأسد
وقد ذكرنا في ترجمة سفينة مولى رسول الله ﷺ حديثه حين انكسرت بهم السفينة فركب لوحا منها حتى دخل جزيرة في البحر فوجد فيها الأسد، فقال له: يا أبا الحارث إني سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: فضرب منكبي وجعل يحاذيني حتى أقامني على الطريق، ثم همهم ساعة
стр. 2207
فرأيت أنه يودعني … وقال عبد الرزاق ثنا معمر عن الحجبي عن محمد بن المنكدر: أن سفينة مولى رسول الله ﷺ أخطأ الجيش بأرض الروم، أو أسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد، فقال: يا أبا الحارث إني مولى رسول الله ﷺ ، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد يبصبصه حتى قام إلى جنبه، كلما سمع صوته أهوى إليه، ثم أقبل يمشي إلى جنبه، فلم يزل كذلك حتى أبلغه الجيش ثم رجع الأسد عنه … رواه البيهقي (١).
حديث الغزالة
قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ﵀ في كتابه دلائل النبوة: حدثنا سليمان بن أحمد - إملاء - ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، ثنا عبد الكريم بن هلال الجعفي عن صالح المري، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: مر رسول الله ﷺ على قوم قد اصطادوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط، فقالت: يا رسول الله، إني أخذت ولي خشفان، فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم، فقال: أين صاحب هذه؟ فقال القوم: نحن يا رسول الله، قال: خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما وترجع إليكم. فقالوا: من لنا بذلك؟ قال أنا: فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها، فمر بهم رسول الله ﷺ فقال: أين أصحاب هذه؟ فقالوا: هو ذا نحن يا رسول الله، فقال: تبيعونيها؟ فقالوا: هي لك يا رسول الله، فقال: خلو عنها، فأطلقوها فذهبت. وقال أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي - من أصله -، ثنا أحمد بن موسى بن أنس بن نصر بن عبيد الله بن محمد بن سيرين بالبصرة، ثنا زكريا بن يحيى بن خلاد، ثنا حبان بن أغلب بن تميم، ثنا أبي، عن هشام بن حبان عن الحسن، عن ضبة بن محصن، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: بينا رسول الله ﷺ في حجر من الأرض إذا هاتف يهتف: يا رسول الله، يا رسول الله، قال فالتفت فلم أر أحدا، قال: فمشيت غير بعيد فإذا الهاتف: يا رسول الله، يا رسول الله، قال: فالتفت فلم أر أحدا، وإذا الهاتف يهتف بي، فاتبعت الصوت وهجمت على ظبية مشدودة في وثاق، وإذا أعرابي منجدل في شملة نائم في الشمس، فقالت الظبية: يا رسول الله، إن هذا الأعرابي صادني قبل، ولي خشفان في هذا الجبل، فإن رأيت أن تطلقني حتى أرضعهما ثم أعود إلى وثاقي؟ قال: وتفعلين؟ قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل، فأطلقها رسول الله ﷺ . فمضت فأرضعت الخشفين وجاءت، قال: فبينا رسول الله ﷺ يوثقها إذا انتبه الأعرابي، فقال: بأبي أنت وأمي يا، رسول الله، إني أصبتها قبيلا. فلك فيها من حاجة؟ قال: قلت: نعم، قال: هي لك، فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء فرحا وهي تضرب برجليها في الأرض وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله … قال أبو نعيم: وقد رواه آدم بن أبي إياس فقال: حدثني حبي
стр. 2208
الصدوق، نوح بن الهيثم، عن حبان بن أغلب، عن أبيه، عن هشام بن حبان ولم يجاوزه به، وقد رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه دلائل النبوة من حديث إبراهيم بن مهدي، عن ابن أغلب بن تميم عن أبيه عن هشام بن حبان، عن الحسن بن ضبة بن أبي سلمة به … وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأني أبو عبد الله الحافظ - إجازة - أنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني: ثنا أحمد بن حازم بن أبي عروة (١) الغفاري، ثنا علي بن قادم، ثنا أبو العلاء خالد بن طهمان، عن عطية عن أبي سعيد، قال: مر النبي ﷺ بظبية مربوطة إلى خباء فقالت: يا رسول الله خلني حتى أذهب فأرضع خشفي ثم أرجع فتربطني، فقال رسول الله ﷺ : صيد قوم وربيطة قوم، قال: فأخذ عليها فحلفت له، قال: فحلها، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول الله ﷺ ثم أتى خباء أصحابها، فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها، ثم قال رسول الله ﷺ لو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون، ما أكلتم منها سمينا أبدا … قال البيهقي: وروى من وجه آخر ضعيف: أخبرنا أبو بكر محمد (٢) بن الحسن القاضي، أنا أبو علي حامد بن محمد الهروي، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو حفص عمر بن علي، ثنا يعلى بن إبراهيم الغزالي (٣)، ثنا الهيثم بن حماد عن أبي كثير عن يزيد بن أرقم قال: كنت مع النبي ﷺ في بعض سكك المدينة، قال: فمررنا بخباء أعرابي، فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء فقالت: يا رسول الله، إن هذا الأعرابي اصطادني، وإن لي خشفين في البرية. وقد تعقد اللبن في أخلافي، فلا هو يذبحني فأستريح، ولا هو يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية، فقال لها رسول الله ﷺ : إن تركتك ترجعين؟ قالت: نعم وإلا عذبني الله عذاب العشار، قال: فأطلقها رسول الله ﷺ فلم تلبث أن جاءت تلمض، فشدها رسول الله ﷺ إلى الخباء، وأقبل الأعرابي ومعه قربة فقال له رسول الله ﷺ : أتبيعنيها؟ قال: هي لك يا رسول الله، فأطلقها رسول الله ﷺ … قال زيد بن أرقم: فأنا والله رأيتها تسبح في البرية. وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله (٤). ورواه أبو نعيم: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن بن مطر، ثنا بشر بن موسى فذكره … قلت: وفي بعضه نكارة والله أعلم … وقد ذكرنا في باب تكثيره ﵇ اللبن حديث تلك الشاة التي جاءت وهي في البرية، فأمر رسول الله ﷺ الحسن بن سعيد مولى أبي بكر يحلبها فحلبها، وأمره أن يحفظها فذهبت وهو لا يشعر، فقال رسول الله ﷺ : ذهب بها الذي جاء بها … وهو مروي من
стр. 2209
طريقين عن صحابيين كما تقدم. والله أعلم.
حديث الضب على ما فيه من النكارة والغرابة
قال البيهقي: أنا أبو منصور أحمد بن علي الدامغاني من ساكني قرية نامين من ناحية بيهق - قراءة عليه من أصل كتابه - ثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ - في شعبان سنة اثنتين [وستين] وثلاثمائة -[بجرجان] ثنا محمد [بن علي] بن الوليد السلمي، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا معمر بن سليمان، ثنا كهمس، عن داود بن أبي هند، عن عامر [عن] ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ كان في محفل من أصحابه إذا جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبا وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلما رأى الجماعة قال: ما هذا؟ قالوا: هذا الذي يذكر أنه نبي، فجاء فشق الناس فقال: واللات والعزى ما شملت السماء على ذي لهجة أبغض إلي منك، ولا أمقت منك، ولولا أن يسميني قومي عجولا لعجلت عليك فقتلتك فسررت بقتلك: الأسود والأحمر والأبيض وغيرهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فأقوم فاقتله، قال: يا عمر! أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا؟ ثم أقبل على الأعرابي وقال: ما حملك على أن قلت ما قلت؟ وقلت غير الحق؟ ولم تكرمني في مجلسي؟ فقال: وتكلمني أيضا؟ - استخفافا برسول الله ﷺ واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب - وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : يا ضب، فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة قال: من تعبد يا ضب؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه، قال: فمن أنا يا ضب؟ فقال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك، فقال الأعرابي: والله لا أتبع أثرا بعد عين، والله لقد جئتك وما على ظهر الأرض أبغض إلي منك، وإنك اليوم أحب إلي من والدي، ومن عيني ومني، وإني لأحبك بداخلي وخارجي، وسري وعلانيتي، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال رسول الله: الحمد لله الذي هداك بي، إن هذا الدين يعلو ولا يعلى، ولا يقبل إلا بصلاة، ولا تقبل الصلاة إلا بقرآن، قال: فعلمني، فعلمه: قل هو الله أحد، قال: زدني فما سمعت في البسيط ولا في الوجيز (١) أحسن من هذا، قال: يا أعرابي: إن هذا كلام الله، ليس بشعر، إنك إن قرأت: قل هو الله أحد مرة كان لك كأجر من قرأ ثلث القرآن، وإن قرأتها مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله، قال الأعرابي: نعم الاله إلهنا. يقبل اليسير ويعطي الجزيل. فقال رسول الله ﷺ : ألك مال؟
стр. 2210
فقال: ما في بني سليم قاطبة رجل هو أفقر مني، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه. أعطوه، فأعطوه حتى أبطروه، قال: فقام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، إن له عندي ناقة عشراء، دون البختية وفوق الأعرى، تلحق ولا تلحق أهديت إلي يوم تبوك، أتقرب بها إلى الله فأدفعها إلى الأعرابي؟ فقال رسول الله ﷺ : وصفت ناقتك، فأصف مالك عند الله يوم القيامة؟ قال: نعم، قال: لك ناقة من درة جوفاء قوائمها من زبرجد أخضر، وعنقها من زبرجد أصفر، عليها هودج، وعلى الهودج السندس والإستبرق، وتمر بك على الصراط كالبرق الخاطف. يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة " فقال عبد الرحمن: قد رضيت. فخرج الأعرابي فلقيه ألف أعرابي من بني سليم على ألف دابة، معهم ألف سيف وألف رمح، فقال لهم: أين تريدون؟ قالوا: نذهب إلى هذا الذي سفه آلهتنا فنقتله. قال: لا تفعلوا، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وحدثهم الحديث، فقالوا بأجمعهم: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم دخلوا، فقيل لرسول الله، فتلقاهم بلا رداء، ونزلوا عن ركبهم يقبلون حيث ولوا عنه وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم قالوا: يا رسول الله: مرنا بأمرك. قال: كونوا تحت راية خالد بن الوليد … فلم يؤمن من العرب ولا من غيرهم ألف غيرهم. قال البيهقي: قد أخرجه شيخنا أو عبد الله الحافظ في المعجزات بالإجازة عن أبي أحمد بن عدي الحافظ (١). قلت، ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل عن أبي القاسم بن أحمد الطبراني - إملاء وقراءة - حدثنا محمد بن علي بن الوليد السلمي البصري أبو بكر بن كنانة: فذكر مثله. ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن محمد بن علي بن الوليد السلمي. قال البيهقي: روي في ذلك عن عائشة وأبي هريرة: وما ذكرناه هو أمثل الأسانيد فيه وهو أيضا ضعيف، والحمل فيه على هذا السلمي، والله أعلم.
حديث الحمار
وقد أنكره غير واحد من الحفاظ الكبار فقال أبو محمد بن عبد الله بن حامد: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن حمدان السحر كي، حدثنا عمر بن محمد بن بجير، حدثنا أبو جعفر محمد بن يزيد - إملاء -، أنا أبو عبد الله محمد بن عقبة بن أبي الصهباء، حدثنا أبو حذيفة عن عبد الله بن حبيب الهذلي، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي منظور قال: لما فتح الله على نبيه ﷺ خيبر أصابه من سهمه أربعة أزواج بغال وأربعة أزواج خفاف، وعشر أواق ذهب وفضة، وحمار أسود، ومكتل، قال: فكلم النبي ﷺ الحمار فكلمه الحمار، فقال له: ما اسمك، قال: يزيد بن
стр. 2211
شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا كلهم لم يركبهم إلا نبي، لم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، قد كنت قبلك لرجل يهودي، وكنت أعثر به عمدا، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال النبي ﷺ : سميتك يعفور، يا يعفور، قال: لبيك، قال: تشتهي الإناث؟ قال: لا، فكان النبي ﷺ يركبه لحاجته، فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله ﷺ ، فلما قبض النبي ﷺ جاء إلى بئر كان لأبي الهيثم بن النبهان فتردى فيها فصارت قبره جزعا منه على رسول الله ﷺ .
حديث الحمرة وهو طائر مشهور
قال أبو داود الطيالسي: ثنا المسعودي عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود [عن عبد الله] (١)، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فدخل رجل غيظة فأخرج بيضة حمرة فجاءت الحمرة ترف على رسول الله وأصحابه، فقال: أيكم فجع هذه؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضتها، فقال: رده رده رحمة بها (٢). وروى البيهقي: عن الحاكم وغيره (٣) عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار: ثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق الشيباني عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: كنا مع رسول الله في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخا حمرة فأخذناهما، قال: فجاءت الحمرة إلى رسول الله ﷺ وهي تفرش، فقال: من فجع هذه بفرخيها؟ قال: فقلنا: نحن، قال: ردوهما، فرددناهما إلى موضعهما فلم ترجع (٤).
حديث آخر في ذلك وفيه غرابة
قال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن الحسين بن داود العلوي قالا: ثنا: أبو العباس محمد بن يعقوب الأموي، ثنا محمد بن عبيد بن عتبة الكندي، ثنا محمد بن الصلت، ثنا حبان، ثنا أبو سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد، قال: فذهب يوما فقعد تحت سمرة ونزع خفيه، قال: ولبس أحدهما، فجاء طير فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء. فانسلت منه أسود سالح، فقال رسول الله ﷺ : هذه كرامة أكرمني الله بها، اللهم إني أعوذ بك من شر ما مشى على رجليه، ومن شر ما يمشي على بطنه.
стр. 2212
حديث آخر
قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ، حدثني أبي عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله (١). وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن ثابت، عن أنس: أن أسيد بن حضير الأنصاري ورجلا آخر (٢) من الأنصار تحدثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، حتى خرجا من عند رسول الله ﷺ ينقلبان، وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصى أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه حتى مشى في ضوئها حتى أتى كل منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله (٣). وقد علقه البخاري. فقال: وقال معمر فذكره. وعلقه البخاري أيضا عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ ، فذكر مثله (٤). وقد رواه النسائي عن أبي بكر بن نافع، عن بشر بن أسيد، وأسنده البيهقي من طريق يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة به.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله (٥) الأصبهاني، ثنا أحمد بن مهران، ثنا عبيد الله بن موسى، أنا كامل بن العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء وكان يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا، فإذا عاد عادا، فلما صلى جعل واحدا ههنا وواحدا ههنا، فجئته فقلت يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما؟ [قال: لا] (٦) فبرقت برقة فقال: الحقا بأمكما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا (٧).
حديث آخر
قال البخاري في التاريخ: حدثني أحمد بن الحجاج، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن
стр. 2213
زيد (١) عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فتفرقنا في ليلة ظلماء دحمسة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير. ورواه البيهقي من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي. عن سفيان بن حمزة. ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن حمزة الزهري عن سفيان بن حمزة به.
حديث آخر
قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمد: أحمد بن عبد الله المدني، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو كريب، ثنا زيد بن الحباب، ثنا عبد الحميد بن أبي عبس الأنصاري من بني حارثة، أخبرني ميمون بن زيد بن أبي عبس، أخبرني أبي أن أبا عبس، كان يصلي مع رسول الله ﷺ الصلوات ثم يرجع إلى بني حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنور له في عصاه حتى دخل دار بني حارثة … قال البيهقي: أبو عبس ممن شهد بدرا (٢). قلت: وروينا عن يزيد بن الأسود وهو من التابعين أنه كان يشهد الصلاة بجامع دمشق من جسرين فربما أضاءت له إبهام قدمه في الليلة المظلمة … وقد قدمنا في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي بمكة قبل الهجرة، وأنه سأل رسول الله ﷺ آية يدعو قومه بها، فلما ذهب إليهم وانهبط من الثنية أضاء له نور بين عينيه. فقال: اللهم [لا] يقولوا: هو مثله. فحوله الله إلى طرف سوطه حتى جعلوا يرونه مثل القنديل.
حديث آخر فيه كرامة لتميم الداري
روى الحافظ البيهقي: من حديث عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن الجريري، [عن أبي العلاء] (٣) عن معاوية بن حرمل قال: خرجت نار بالحرة فجاء عمر إلى تميم الداري فقال: قم إلى هذه النار، قال: يا أمير المؤمنين ومن أنا وما أنا؟ قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال: وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيديه حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها، قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير، قالها ثلاثا.
حديث فيه كرامة لولي من هذه الأمة
وهي معدودة من المعجزات لان كل ما يثبت لولي فهو معجزة لنبيه.
قال الحسن بن عروة: ثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي سبرة
стр. 2214
النخعي، قال: أقبل رجل من اليمن فلما كان ببعض الطريق، نفق حماره فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال: اللهم إني جئت من الدفينة (١) مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لاحد علي اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه، قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة. قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره عن محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل عنهما. والله أعلم (٢).
طريق أخرى
قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب " من عاش بعد الموت ": حدثنا إسحاق بن إسماعيل وأحمد بن بجير وغيرهما قالوا: ثنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن قوما أقبلوا من اليمن متطوعين في سبيل الله فنفق حمار رجل منهم فأرادوه أن ينطلق معهم فأبى، فقام فتوضأ وصلى ثم قال: اللهم إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وإني أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لاحد علي منة، فإني أطلب إليك أن تبعث لي حماري، ثم قام إلى الحمار [فضربه] فقام الحمار ينفض أذنيه، فأسرجه وألجمه، ثم ركبه وأجراه فلحق بأصحابه، فقالوا له: ما شأنك؟ قال: شأني أن الله بعث حماري … قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة - يعني بالكوفة -. قال ابن أبي الدنيا: وأخبرني العباس بن هشام عن أبيه عن جده عن مسلم بن عبد الله بن شريك النخعي، أن صاحب الحمار رجل من النخع، يقال له نباتة بن يزيد، خرج في زمن عمر غازيا، حتى إذا كان يلقى عميرة نفق حماره فذكر القصة، غير أنه قال: فباعه بعد بالكناسة، فقيل له: تبيع حمارك وقد أحياه الله لك؟ قال: فكيف أصنع؟ وقد قال رجل من رهطه ثلاث أبيات فحفظت هذا البيت:
ومنا الذي أحيا الاله حماره … وقد مات منه كل عضو ومفصل (٣)
وقد ذكرنا في باب رضاعه ﵇، ما كان من حمارة حليمة السعدية وكيف كانت تسبق الركب في رجوعها لما ركب معها عليها رسول الله ﷺ وهو رضيع، وقد كانت أدمت بالركب في مسيرهم إلى مكة، وكذلك ظهرت بركته عليهم في شارفهم - وهي الناقة التي كانوا يحلبونها - وشياههم وسمنهم وكثرة ألبانها، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 2215
قصة أخرى مع قصة العلاء بن الحضرمي
قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني خالد بن خداش بن عجلان المهلبي وإسماعيل بن بشار (١) قالا: ثنا صالح المري عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: عدنا شابا من الأنصار، فما كان بأسرع من أن مات، فأغمضناه ومددنا عليه الثوب، وقال بعضنا لامه: احتسبيه، قالت: وقد مات؟ قلنا: نعم، فمدت يديها إلى السماء وقالت: اللهم إني آمنت بك، وهاجرت إلى رسولك، فإذا نزلت بي شدة دعوتك ففرجتها، فأسألك اللهم لا تحمل على هذه المصيبة، قال: فكشف الثوب عن وجهه، فما برحنا حتى أكلنا وأكل معنا. وقد رواه البيهقي عن أبي سعد (٢) الماليني عن ابن عبدي، عن محمد بن طاهر بن أبي [الدميك عن عبيد الله] (٣) بن عائشة عن صالح بن بشير المري (٤) - أحد زهاد البصرة وعبادها - مع لين في حديثه عن أنس فذكر القصة وفيه أن أم السائب كانت عجوزا عمياء … قال البيهقي: وقد روي من وجه آخر مرسل - يعني فيه انقطاع - عن ابن عدي وأنس بن مالك … ثم ساقه من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن عون، عن أنس قال: أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كانت في بني إسرائيل لما تقاسمها الأمم، قلنا: ما هي يا أبا حمزة؟ قال: كنا في الصفة عند رسول الله ﷺ فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة، فمرض أياما ثم قبض، فغمضه النبي ﷺ وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله، قال: يا أنس ائت أمه فأعلمها، فأعلمتها، قال: فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك طوعا، وخالفت الأوثان زهدا، وهاجرت لك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة مالا طاقة لي بحملها، قال: فوالله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه وعاش حتى قبض الله رسوله ﷺ ، وحتى هلكت أمه … قال: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا (٥) بنا فعفوا آثار الماء، والحر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة، فما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء، وما نرى في السماء شيئا. قال: فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا، وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا، واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا علي، يا عظيم، يا حليم، يا كريم، ثم قال:
стр. 2216
أجيزوا بسم الله، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو غيلة (١) فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، قال: فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمى في جنازته، قال: فحفرنا له وغسلناه ودفناه، فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال: من هذا؟ فقلنا: هذا خير البشر، هذا ابن الحضرمي، فقال: إن هذه الأرض تلفظ الموتى، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين، إلى أرض تقبل الموتى، فقلنا: ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله، قال: فاجتمعنا على نبشه، فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه، وإذا اللحد مد البصر نور يتلألأ، قال: فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا … قال البيهقي ﵀: وقد روي عن أبي هريرة في قصة العلاء بن الحضرمي في استسقائه ومشيهم على الماء دون قصة الموت بنحو من هذا … وذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسنادا آخر، وقد أسنده ابن أبي الدنيا عن أبي كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجلي عن عبد الملك بن سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي، فذكره. وقال في الدعاء: يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك، اسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ، فإذا تركناه فلا تجعل لاحد فيه نصيبا غيرنا، وقال في البحر: اجعل لنا سبيلا إلى عدوك، وقال في الموت: أخف جثتي ولا تطلع على عورتي أحدا فلم يقدر عليه (٢) والله أعلم.
قصة أخرى
قال البيهقي: أنا الحسين بن بشران، أنا إسماعيل الصفار، ثنا الحسن بن علي بن عثمان (٣)، ثنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم اقتحم بفرسه، فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم الله ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء فنظر إليهم الأعاجم وقالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم … قال: فما فقد الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها فجعل الرجل يقول: من يبادل صفراء ببيضاء (٤).
قصة أخرى
قال البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا أبو عبد الله بن محمد السمري، ثنا أبو العباس السراج، ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله قالا: ثنا أبو النضر، ثنا سليمان بن
стр. 2217
المغيرة: أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها، فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله ؟ قال البيهقي: هذا إسناد صحيح (١). قلت: وستأتي قصة مسلم الخولاني - واسمه عبد الله بن ثوب - مع الأسود العنسي حين ألقاه في النار فكانت عليه بردا وسلاما كما كانت على الخليل إبراهيم ﵇.
قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت
وشهادته بالرسالة لمحمد ﷺ وبالخلافة لأبي بكر الصديق ثم لعمر ثم لعثمان ﵃.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنا جدي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أبو علي: محمد بن عمرو بن كشمرد، أنا القعنبي، أنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من بني الحارث بن الخزرج توفي زمن عثمان بن عفان فسجي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم ثم قال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوي في أمر الله، في الكتاب الأول، صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت بالفتن، وأكل الشديد الضعيف وقامت الساعة وسيأتيكم عن جيشكم خبر، بئر أريس، وما بئر أريس. قال يحيى: قال سعيد: ثم هلك رجل من بني خطمة فسجي بثوبه، فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدق صدق … ثم رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، عن موسى (٢) بن الحسن عن القعنبي فذكره وقال: هذا إسناد صحيح وله شواهد … ثم ساقه من طريق أبي بكر: عبد الله بن أبي الدنيا في كتاب " من عاش بعد الموت ": حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، ثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد. قال: جاء يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير - يعني إلى أمه - بسم الله الرحمن الرحيم من النعمان بن بشير إلى أم عبد الله بنت أبي هاشم، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، فإنك كتبت إلي لأكتب إليك بشأن، زيد بن خارجة، وأنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه - وهو يومئذ من أصح الناس أو أهل المدينة - فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعناه لظهره وغشيناه ببردين وكساء، فأتاني آت في مقامي، وأنا أسبح بعد المغرب (٣) فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا،
стр. 2218
وقد حضره قوم من الأنصار، وهو يقول أو يقال على لسانه: الأوسط أجلد الثلاثة الذي كان لا يبالي في الله لومة لائم، كان لا يأمر الناس، أن يأكل قويهم ضعيفهم، عبد الله أمير المؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس، من ذنوب كثيرة، خلت اثنتان وبقي أربع، ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضا فلا نظام [وأبيحت الأحماء، ثم ارعوى المؤمنون] (١) وقال: كتاب الله وقدره، أيها الناس: أقبلوا على أمير كم واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدن دما وكان أمر الله قدرا مقدورا، الله أكبر هذه الجنة وهذه النار، ويقولن النبيون والصديقون: سلام عليكم: يا عبد الله بن رواحة هل أحسست لي خارجة لأبيه، وسعدا اللذين قتلا يوم أحد؟ … (كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى) … [المعارج: ١٦ - ١٩] ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظر بعضنا إلى بعض فإذا الصوت من تحت الثياب، قال: فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول الله، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول الله كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر الله صدق صدق وكان في الكتاب الأول. ثم رواه الحافظ البيهقي: عن أبي نصر بن قتادة، عن أبي عمرو بن بجير (٢) عن علي بن الحسين [بن الجنيد] عن المعافى بن سليمان، عن زهير بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد فذكره وقال: هذا إسناد صحيح … وقد روى هشام بن عمار في كتاب البعث عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عمير بن هانئ، حدثني النعمان بن بشير قال: توفي رجل منا يقال له: خارجة بن زيد فسجينا عليه ثوبا، فذكر نحو ما تقدم … قال: البيهقي: وروي ذلك عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير وذكر بئر أريس، كما ذكرنا في رواية المسيب. قال البيهقي: والامر فيها أن النبي ﷺ اتخذ خاتما فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس بعدما مضى من خلافته ست سنين فعند ذلك تغيرت عماله، وظهرت أسباب الفتن كما قيل على لسان زيد بن خارجة. قلت: وهي المرادة من قوله مضت اثنتان وبقي أربع أو مضت أربع وبقي اثنتان، على اختلاف الرواية والله أعلم. وقد قال البخاري في التاريخ (٣): زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا، توفي زمن عثمان وهو الذي تكلم بعد الموت * قال البيهقي: وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة والله أعلم … قال ابن أبي الدنيا: ثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد الطحان عن حصين عن عبد الله بن عبيد
стр. 2219
الأنصاري: أن رجلا من بني سلمة (١) تكلم فقال: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم، قال: ولا أدري إيش قال في عمر … كذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه، وقد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنا علي بن عاصم، أنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عبيد الأنصاري قال: بينما هم يثورون القتلى يوم صفين أو يوم الجمل، إذ تكلم رجل من الأنصار من القتلى، فقال: محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الشهيد، عثمان الرحيم ثم سكت (٢) … وقال هشام بن عمار في كتاب البعث.
باب في كلام الأموات وعجائبهم
حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثنا عبد الحكم بن عمير، عن ربعي بن خراش العبسي قال: مرض أخي الربيع بن خراش فمرضته ثم مات فذهبنا نجهزه، فلما جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال: السلام عليكم، قلنا: وعليك السلام، قدمت، قال: بلى ولكن لقيت بعدكم ربي ولقيني بروح وريحان ورب غير غضبان، ثم كساني ثيابا من سندس أخضر، وإني سألته أن يأذن لي أن أبشركم فأذن لي، وإن الامر كما ترون، فسددوا وقاربوا، وبشروا ولا تنفروا، فلما قالها كانت كحصاة وقعت في ماء … ثم أورد بأسانيد كثيرة في هذا الباب وهي آخر كتابه.
حديث غريب جدا
قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن يونس الكديمي، ثنا شاصونة بن عبيد أبو محمد اليماني (٣) - وانصرفنا من عدن بقرية يقال لها الحردة - حدثني معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليماني، عن أبيه، عن جده قال: حججت حجه الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله ﷺ ووجهه مثل دارة القمر، وسمعت منه عجبا، جاءه رجل بغلام يوم ولد، فقال له رسول الله ﷺ : من أنا؟ قال: أنت رسول الله، قال صدقت، بارك الله فيك، ثم قال: إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، قال أبي: فكنا
стр. 2220
نسميه مبارك اليمامة، قال شاصونة: وقد كنت أمر على معمر فلا أسمع منه (١). قلت: هذا الحديث مما تكلم الناس في محمد بن يونس الكديمي بسببه وأنكروه عليه واستغربوا شيخه هذا، وليس هذا مما ينكر عقلا ولا شرعا، فقد ثبت في الصحيح في قصة جريج العابد أنه استنطق ابن تلك البغي، فقال له: يا أبا يونس، ابن من أنت؟ قال: ابن الراعي، فعلم بنو إسرائيل براءة عرض جريج مما كان نسب إليه … وقد تقدم ذلك. على أنه قد روي هذا الحديث من غير طريق الكديمي إلا أنه باسناد غريب أيضا … قال البيهقي: أنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جميع الغساني - بثغر صيدا -، ثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد أبو الفضل، ثنا أبي، ثنا جدي شاصونة بن عبيد، حدثني معرض بن عبد الله بن معيقيب، عن أبيه، عن جده. قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله ﷺ وجهه كدارة القمر، فسمعت منه عجبا أتاه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، وقد لفه في خرقة، فقال له رسول الله ﷺ : يا غلام من أنا؟ قال: أنت رسول الله، فقال له: بارك الله فيك، ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها، قال البيهقي: وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ عن أبي الحسن علي بن العباس الوراق، عن أبي الفضل أحمد بن خلف بن محمد المقري القزويني عن أبي الفضل العباس بن محمد (٢) بن شاصونة به … قال الحاكم: وقد أخبرني الثقة من أصحابنا عن أبي عمر الزاهد قال: لما دخلت اليمن دخلت حردة. فسألت عن هذا الحديث فوجدت فيها لشاصونة عقبا، وحملت إلى قبره فزرته … قال البيهقي: ولهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين بإسناد مرسل يخالفه في وقت الكلام (٣). ثم أورد من حديث وكيع، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن بعض أشياخه: أن النبي ﷺ أتي بصبي قد شب لم يتكلم قط، قال: من أنا؟ قال: أنت رسول الله (٤). ثم روى عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن الأعمش، عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال: جاءت امرأة بابن لها قد تحرك فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا لم يتكلم منذ ولد، فقال رسول الله ﷺ : ادنيه مني، فأدنته منه، فقال: من أنا؟ فقال: أنت رسول الله (٥).
قصة الصبي الذي كان يصرع فدعا له ﵇ فبرأ
قد تقدم ذلك من رواية أسامة بن زيد وجابر بن عبد الله ويعلى بن مرة الثقفي مع قصة
стр. 2221
الجمل الحديث بطوله. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن فرقد السنجي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن به لمما وانه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال: فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا له فثع ثعة فخرج منه مثل الجرو الأسود يسعى، تفرد به أحمد. وفرقد السنجي رجل صالح ولكنه سئ الحفظ، وقد روى عنه شعبة وغير واحد واحتمل حديثه ولما رواه ههنا شاهد مما تقدم والله أعلم. وقد تكون هذه القصة هي كما سبق إيرادها ويحتمل أن تكون أخرى غيرها. والله أعلم.
حديث آخر في ذلك
قال أبو بكر البزار: ثنا محمد بن مرزوق، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا صدقة - يعني ابن موسى - ثنا فرقد - يعني السنجي - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: إن تصبري على ما أنت عليه تجيئين يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب، قالت: والذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى الله، قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردني، فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتعلق بها وتقول له: أخسأ، فيذهب عنها. قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وصدقة ليس به بأس، وفرقد حدث عنه جماعة من أهل العلم، منهم شعبة وغيره واحتمل حديثه على سوء حفظه فيه.
طريق أخرى عن ابن عباس
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن عمران أبي بكر، ثا عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه السوداء أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني أصرع وانكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر فادع الله ألا انكشف ولا ينكشف عني، قال: فدعا لها (١) … وهكذا رواه البخاري عن مسدد عن يحيى - وهو ابن سعيد القطان - وأخرجه مسلم عن القواريري عن يحيى القطان وبشر بن الفضل كلاهما عن عمران بن مسلم أبي بكر الفقيه البصري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس فذكر مثله. ثم قال البخاري: حدثنا محمد، ثنا مخلد عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة (٢). وقد ذكر الحافظ ابن الأثير في الغابة أن أم زفر هذه كانت مشاطة خديجة بنت خويلد
стр. 2222
حديث آخر
قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا محمد بن يونس، ثنا قرة بن حبيب الغنوي (١)، ثنا إياس بن أبي تميمة، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: جاءت الحمى إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ابعثني إلى أحب قومك إليك، أو أحب أصحابك إليك، شك قرة، فقال: اذهبي إلى الأنصار، فذهبت إليهم فصرعتهم، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله قد أتت الحمى علينا فادع الله لنا بالشفاء فدعا لهم، فكشفت عنهم، قال: فاتبعته امرأة فقالت: يا رسول الله ادع الله لي، فإن لمن الأنصار فادع الله لي كما دعوت لهم، فقال: أيهما أحب إليك أن أدعو لك فيكشف عنك، أو تصبرين وتجب لك الجنة؟ فقالت: لا والله يا رسول الله بل أصبر ثلاثا ولا أجعل والله لجنته خطرا (٢) … محمد بن يونس الكديمي ضعيف … وقد قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، ثنا هشام بن لاحق - سنة خمس وثمانين ومائة - ثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ ، فقال: من أنت؟ قالت: أنا الحمى، أبري اللحم، وأمص الدم، قال: اذهبي إلى أهل قباء، فأتتهم فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ وقد اصفرت وجوههم، فشكوا إليه الحمى فقال لهم: ما شئتم؟ إن شئتم دعوت الله فيكشف عنكم، وإن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم، قالوا: بل ندعها يا رسول الله (٣) … وهذا الحديث ليس هو في مسند الإمام أحمد ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة. وقد ذكرنا في أول الهجرة دعاءه ﵇ لأهل المدينة أن يذهب حماها إلى الجحفة. فاستجاب الله له ذلك فإن المدينة كانت من أوبأ أرض الله فصححها الله مبركة حلوله بها، ودعائه لأهلها صلوات الله وسلامه عليه.
حديث آخر في ذلك
قال الإمام أحمد: ثنا روح، ثنا شعبة عن أبي جعفر المديني (٤)، سمعت عمارة (٥) بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضريرا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك
стр. 2223
قال: لا، بل ادع الله لي، قال: فأمر رسول الله ﷺ أن يتوضأ ويصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك في حاجتي هذه فتقضي وتشفعني فيه وتشفعه في. قال: فكان يقول هذا مرارا. ثم قال بعد: أحسب أن فيها أن تشفعني فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ. وقد رواه أحمد أيضا عن عثمان بن عمرو بن شعبة به. وقال: اللهم شفعه في، ولم يقل الأخرى، وكأنها غلط من الراوي والله أعلم. وهكذا رواه الترمذي والنسائي عن محمود بن غيلان، وابن ماجة عن أحمد بن منصور بن سيار، كلاهما عن عثمان بن عمرو. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخطمي. ثم رواه أحمد أيضا عن مؤمل بن حماد بن سلمة بن أبي جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف فذكر الحديث. وهكذا رواه النسائي عن محمد بن معمر عن حبان عن حماد بن سلمة به. ثم رواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف … وهذه الرواية تخالف ما تقدم، ولعله عند أبي جعفر الخطمي من الوجهين والله أعلم (١) … وقد روى البيهقي والحاكم من (٢) حديث يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب، عن سعيد الحنطبي، عن أبيه، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاءه رجل ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال رسول الله ﷺ ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فينجلي بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي. قال عثمان: فوالله ما تفرقنا، ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط … قال البيهقي: ورواه أيضا هشام الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل عن عمه عثمان بن حنيف (٣).
حديث آخر
قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا محمد بن بشر، ثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بني
стр. 2224
سلامان وبني سعد عن أبيه (١) عن خاله أو أن خاله أو خالها حبيب بن مريط (٢) حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا أصلا، فسأله: ما أصابك؟ فقال كنت أرعى جملا لي فوقعت رجلي على بطن حية فأصبت ببصري، قال: فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان. قال البيهقي: كذا في كتابه: وغيره يقول، حبيب بن مدرك، قال: وقد مضى في هذا المعنى حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته فردها رسول الله إلى موضعها، فكان لا يدري أيهما أصيبت، قلت: وقد تقدم ذلك في غزوة أحد، وقد ذكرنا في مقتل أبي رافع مسحه بيده الكريمة على رجل جابر بن عتيك - وقد انكسر ساقه - فبرأ من ساعته، وذكر البيهقي بإسناده: أنه ﷺ مسح يد محمد بن حاطب - وقد احترقت يده بالنار - فبرأ من ساعته، وأنه ﵇ نفث في كف شرحبيل الجعفي فذهبت من كفه سلعة كانت به (٣). قلت: وتقدم في غزوة خيبر تفله في عيني علي وهو أرمد فبرأ. وروى الترمذي عن علي حديثه في تعليمه ﵇ ذلك الدعاء لحفظ القرآن فحفظه … وفي الصحيح أنه قال لأبي هريرة وجماعة: من يبسط رداءه اليوم فإنه لا ينسى شيئا من مقالتي، قال: فبسطته فلم أنس شيئا من مقالته تلك: فقيل: كان ذلك حفظا من أبي هريرة لكل ما سمعه منه في ذلك اليوم، وقيل: وفي غيره فالله أعلم. ودعا لسعد بن أبي وقاص فبرأ. وروى البيهقي أنه دعا لعمه أبي طالب في مرضة مرضها وطلب من رسول الله ﷺ أن يدعو له ربه فدعا له فبرأ من ساعته. والأحاديث في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها. وقد أورد البيهقي من هذا النوع كثيرا طيبا أشرنا إلى أطراف منه وتركنا أحاديث ضعيفة الاسناد واكتفينا بما وردنا عما تركنا وبالله المستعان.
حديث آخر
ثبت في الصحيحين من حديث زكريا بن أبي زائدة، زاد مسلم والمغيرة كلاهما عن شراحيل الشعبي، عن جابر بن عبد الله: أنه كان يسير على جمل قد أعيا. فأراد أن يسيبه. قال: فلحقني رسول الله ﷺ فضربه ودعا لي، فسار سيرا لم يسر مثله، وفي رواية فما زال بين يدي الإبل قدامها حتى كنت أحبس خطامه فلا أقدر عليه، فقال: كيف ترى جملك؟ فقلت: قد أصابته بركتك يا رسول الله، ثم ذكر أن رسول الله ﷺ اشتراه منه (٤)، واختلف الرواة في مقدار ثمنه على روايات كثيرة، وأنه استثنى حملانه إلى المدينة، ثم لما قدم المدينة جاءه بالجمل فنقده ثمنه وزاده ثم أطلق له الجمل أيضا، الحديث بطوله.
стр. 2225
حديث آخر
روى البيهقي واللفظ له، وهو في صحيح البخاري من حديث حسن بن محمد المروزي، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك. قال: فزغ الناس. فركب رسول الله ﷺ فرسا لأبي طلحة بطيئا ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلف رسول الله ﷺ . فقال: لن تراعوا إنه لبحر، قال فوالله ما سبق بعد ذلك اليوم (١).
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو بكر القاضي، أنا حامد بن محمد الهروي، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، ثنا رافع بن سلمة بن زياد، حدثني عبد الله بن أبي الجعد، عن جعيل الأشجعي، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته وأنا على فرس لي عجفاء (٢) ضعيفة، قال: فكنت في أخريات الناس، فلحقني رسول الله ﷺ . وقال: سر يا صاحب الفرس، فقلت: يا رسول الله عجفاء ضعيفة، قال: فرفع رسول الله ﷺ مخفقة معه فضربها بها وقال: اللهم بارك له، قال: فلقد رأيتني أمسك برأسها أن تقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا (٣) … ورواه النسائي عن محمد بن رافع، عن محمد بن عبد الله الرقاشي فذكره، وهكذا رواه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن عبيد بن يعيش عن زيد بن الخباب، عن رافع بن سلمة الأشجعي فذكره … وقال البخاري في التاريخ: وقال رافع بن زياد بن الجعد بن أبي الجعد: حدثني أبي عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم عن جعيل فذكره.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنا أبو سهل بن زياد القطان، ثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا زكريا بن عدي (٤)، ثنا مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: هلا نظرت إليها فإن في أعين الأنصار شيئا؟ قال: قد نظرت إليها، قال: على كم تزوجتها؟ فذكر شيئا، قال: كأنهم ينحتون الذهب والفضة من عرض هذه الجبال: ما عندنا اليوم شئ نعطيكه، ولكن سأبعثك في وجه تصيب فيه، فبعث بعثا إلى بني عبس وبعث الرجل فيهم، فأتاه فقال: يا رسول الله أعيتني ناقتي أن تنبعث، قال: فناوله رسول الله ﷺ يده كالمعتمد
стр. 2226
عليه للقيام، فأتاها فضربها برجله، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق به القائد (١). رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن معين عن مروان.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو بكر بن أبي إسحاق المزني (٢)، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنا أبو جعفر بن عون (٣)، أنا الأعمش عن مجاهد أن رجلا اشترى بعيرا فاتى رسول الله ﷺ فقال: إني اشتريت بعيرا فادع الله أن يبارك لي فيه، فقال: اللهم بارك له فيه، فلم يلبث إلا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا آخر فأتى به رسول الله ﷺ فقال: إني اشتريت بعيرا فادع الله أن يبارك لي فيه، فقال: اللهم بارك له فيه، فلم يلبث حتى نفق، ثم اشترى بعيرا آخر فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد اشتريت بعيرين فدعوت الله أن يبارك لي فيهما فادع الله أن يحملني عليه، فقال: اللهم أحمله عليه، فمكث عنده عشرين سنة. قال البيهقي، وهذا مرسل ودعاؤه ﵇ صار إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين.
حديث آخر
قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا إسماعيل بن عبد الله الميكالي، ثنا علي بن سعد العسكري، أنا أبو أمية عبد الله بن محمد بن خلاد الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، أنا المستلم بن سعيد، ثنا خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن أساف عن أبيه عن جده خبيب بن أساف قال: أتيت رسول الله ﷺ ، أنا ورجل من قومي في بعض مغازيه فقلنا: إنا نشتهي أن نشهد معك مشهدا، قال: أسلمتم؟ قلنا: لا، قال فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا، وشهدت مع رسول الله ﷺ فأصابتني ضربة على عاتقي فجافتني، فتعلقت يدي، فأتيت رسول الله ﷺ فتفل فيها وألزقها، فالتأمت وبرأت وقتلت الذي ضربني، ثم تزوجت ابنة الذي قتلته وضربني، فكانت تقول: لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح، فأقول: لا عدمت رجلا أعجل أباك إلى النار (٤) … وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن يزيد بن هارون بإسناده مثله ولم يذكر فتفل فيها فبرأت.
стр. 2227
حديث آخر
ثبت في الصحيحين (١) من حديث أبي النضر: هاشم بن القاسم، عن ورقاء بن عمر السكري، عن عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله ﷺ الخلاء فوضعت له وضوءا فلما خرج قال: من صنع هذا؟ قالوا: ابن عباس، قال: اللهم فقهه في الدين … وروى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن عباس الدورقي (٢) عن الحسن بن موسى الأشيب (٣) عن زهير، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وضع يده على كتفي - أو قال: منكبي، شك سعيد - ثم قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (٤)، وقد استجاب الله لرسوله ﷺ هذه الدعوة في ابن عمه، فكان إماما يهتدى بهداه ويقتدى بسناه في علوم الشريعة، ولا سيما في علم التأويل وهو التفسير، فإنه انتهت إليه علوم الصحابة قبله، وما كان عقله من كلام ابن عمه رسول الله ﷺ . وقد قال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره أحد منا، وكان يقول لهم: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (٥). هذا وقد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد الله بن مسعود ببضع وثلاثين سنة، فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة؟ وقد روينا عن بعض أصحابه أنه قال: خطب الناس ابن عباس في عشية عرفة ففسر لهم سورة البقرة، أو قال سورة، ففسرها تفسيرا لو سمعه الروم والترك والديلم لأسلموا، ﵁ وأرضاه.
حديث آخر
ثبت في الصحيح أنه ﵇ دعا لانس بن مالك بكثرة المال والولد (٦)، فكان كذلك حتى روى الترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي خلدة، قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ ؟ فقال: خدمه عشر سنين ودعا له، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجئ منه ريح المسك (٧). وقد روينا في الصحيح أنه ولد
стр. 2228
له لصلبه قريب من مائة أو ما ينيف عليها، وفي رواية: أنه ﷺ ، قال: اللهم أطل عمره، فعمر مائة، وقد دعا ﷺ لام سليم ولأبي طلحة في غابر ليلتهما، فولدت له غلاما سماه رسول الله ﷺ عبد الله، فجاء من صلبه تسعة كلهم قد حفظ القرآن، ثبت ذلك في الصحيح … وثبت في صحيح مسلم من حديث عكرمة بن عمار عن أبي كثير الغبري (١) عن أبي هريرة: أنه سأل من رسول الله ﷺ أن يدعو لامه فيهديها الله فدعا لها، فذهب أبو هريرة فوجد أمه تغتسل خلف الباب فلما فرغت قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فجعل أبو هريرة يبكي من الفرح، ثم ذهب فأعلم بذلك رسول الله، وسأل منه أن يدعو لهما أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين فدعا لهما، فحصل ذلك. قال أبو هريرة: فليس مؤمن ولا مؤمنة إلا وهو يحبنا، وقد صدق أبو هريرة في ذلك ﵁ وأرضاه، ومن تمام هذه الدعوة أن الله شهر ذكره في أيام الجمع حيث يذكره الناس بين يدي خطبة الجمعة، وهذا من التقييض القدري والتقدير المعنوي. وثبت في الصحيح أنه ﵇، دعا لسعد بن أبي وقاص وهو مريض فعوفي، ودعا له أن يكون مجاب الدعوة، فقال: اللهم أجب دعوته، وسدد رميته، فكان كذلك، فنعم أمير السرايا والجيوش كان. وقد دعا على أبي سعدة أسامة بن قتادة حين شهد فيه بالزور بطول العمر وكثرة الفقر والتعرض للفتن، فكان ذلك، فكان إذا سئل ذلك الرجل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد (٢) وثبت في صحيح البخاري وغيره أنه ﷺ دعا للسائب بن يزيد ومسح بيده على رأسه فطال عمره حتى بلغ أربعا وتسعين سنة وهو تام القامة معتدل، ولم يشب منه موضع أصابت يد رسول الله ﷺ ومتع بحواسه وقواه (٣) … وقال أحمد (٤): ثنا جرير بن عمير، ثنا عروة بن ثابت ثنا علي بن أحمد، حدثني أبو زيد الأنصاري، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ادن مني، فمسح بيده على رأسي ثم قال: اللهم جمله وأدم جماله قال: فبلغ بضعا ومائة - يعني سنة - وما في لحيته بياض إلا نبذة يسيرة، ولقد كان منبسط الوجه لم ينقبض وجهه حتى مات. قال السهيلي إسناد صحيح
стр. 2229
موصول. ولقد أورد البيهقي لهذا نظائر كثيرة في هذا المعنى، تشفي القلوب، وتحصل المطلوب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، ثنا معتمر، وقال يحيى بن معين: ثنا عبد الأعلى، ثنا معتمر - هو ابن سليمان -. قال: سمعت أبي يحدث عن أبي العلاء قال: كنت عند قتادة بن ملحان في موضعه الذي مات فيه، قال: فمر رجل في مؤخر الدار، قال: فرأيته في وجهه قتادة، وقال: كان رسول الله ﷺ قد مسح وجهه، قال: وكنت قبل ما رأيته إلا ورأيت كأن على وجهه الدهان (١). وثبت في الصحيحين (٢) أنه ﵇ دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة حين رأى عليه ذلك الدرع من الزعفران لأجل العرس، فاستجاب الله لرسوله ﷺ ففتح له في المتجر والمغانم حتى حصل له مال جزيل بحيث إنه لما مات صولحت امرأة من نسائه الأربع عن ربع الثمن على ثمانين ألفا. وثبت في الحديث من طريق شبيب بن غرقد أنه سمع الحي يخبرون عن عروة بن أبي الجعد المازني، أن رسول الله ﷺ أعطاه دينارا ليشتري له به شاة فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة ودينار، فقال له: بارك الله لك في صفقة يمينك، وفي رواية: فدعا له بالبركة في البيع، فكان لو اشترى التراب لربح فيه (٣). وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنا ابن وهب، ثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي عقيل أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن الزبير وابن عمر فيقولان: أشركنا في بيعك فإن رسول الله ﷺ قد دعا لك بالبركة فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فبعث بها إلى المنزل (٤). وقال البيهقي: أنا أبو سعد الماليني، أنا ابن عدي، ثنا علي بن محمد بن سليمان الحليمي (٥)، ثنا محمد بن يزيد المستملي، ثنا شبابة بن عبد الله، ثنا أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر، عن جابر عن أبي كبر عن بلال قال: أذنت في غداة باردة، فخرج النبي ﷺ فلم ير في المسجد واحدا، فقال: أين الناس؟ فقلت: منعهم البرد، فقال: اللهم أذهب عنهم البرد، فرأيتهم يتروحون … ثم قال البيهقي: تفرد به أيوب بن سيار، ونظيره قد مضى في الحديث المشهور عن حذيفة في قصة الخندق (٦).
стр. 2230
حديث آخر
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد العزيز بن عبد الله (١) عن محمد بن عبد الله الأصبهاني - إملاء - أنا أبو إسماعيل الترمذي محمد بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا علي بن أبي علي اللهبي، عن أبي ذئب عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج وعمر بن الخطاب معه، فعرضت له امرأة، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة مسلمة محرمة ومعي زوج لي في بيتي مثل المرأة، فقال لها رسول الله ﷺ : ادعي لي زوجك، فدعته وكان خرازا، فقال له: ما تقول في امرأتك يا عبد الله؟ فقال الرجل: والذي أكرمك ما جف رأسي منها، فقالت امرأته: جاء مرة واحدة في الشهر، فقال لها رسول الله ﷺ : أتبغضينه؟ قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : ادنيا رؤوسكما، فوضع جبهتها على جبهة زوجها ثم قال: اللهم ألف بينهما وحبب أحدهما إلى صاحبه … ثم مر رسول الله ﷺ بسوق النمط ومعه عمر بن الخطاب فطلعت المرأة تحمل أدما على رأسها، فلما رأت رسول الله ﷺ طرحته وأقبلت فقبلت رجليه، فقال: كيف أنت وزوجك؟ فقالت: والذي أكرمك ما طارف ولا تالد أحب إلي منه، فقال رسول الله ﷺ : أشهد أني رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد أنك رسول الله … قال أبو عبد الله: تفرد به علي بن أبي اللهبي وهو كثير الرواية للمناكير. قال البيهقي: وقد روى يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله - يعني هذه القصة - إلا أنه لم يذكر عمر بن الخطاب.
حديث آخر
قال أبو القاسم البغوي: ثنا كامل بن طلحة، ثنا حماد بن سلمة، ثنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي الطفيل: أن رجلا ولد له غلام فأتى به رسول الله ﷺ ، فدعا له بالبركة وأخذ بجبهته فنبتت شعرة في جبهته كأنها هلبة فرس، فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أجابهم فسقطت الشعرة عن جبهته، فأخذه أبوه فحبسه وقيده مخافة أن يلحق بهم، قال: فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له: ألم تر إلى بركة رسول الله ﷺ وقعت؟ فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم، قال: فرد الله تلك الشعرة إلى جبهته إذ تاب. وقد وراه الحافظ أبو بكر البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن أبي أسامة الكلبي، عن سريج بن مسلم (٢)، عن أبي يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي، حدثني سيف بن وهب عن أبي الطفيل أن رجلا من بني ليث يقال له: فراس بن عمرو أصابه صداع شديد فذهب به أبوه إلى رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه، وأخذ بجلدة بين عينيه
стр. 2231
فجذبها حتى تبعصت (١) فنبتت في موضع أصابع رسول الله ﷺ شعرة، وذهب عنه الصداع فلم يصدع. وذكر بقية القصة في الشعرة كنحو ما تقدم.
حديث آخر
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هاشم بن القاسم الحراني، ثنا يعلى بن الأشدق، سمعت عبد الله بن حراد العقيلي، حدثني النابغة - يعني الجعدي - قال: أتيت رسول الله ﷺ فأنشدته من قولي:
بلغنا السماء عفة وتكرما … وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: قلت: أي الجنة، قال: أجل إن شاء الله، قال: أنشدني، فأنشدته من قولي:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له … بوادر تحمى صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له … حليم إذا ما أورد الامر أصدرا
قال: أحسنت لا يفضض الله فاك … هكذا رواه البزار إسنادا ومتنا، وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق أخرى فقال: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، أنا أبو بكر بن محمد بن المؤمل، ثنا جعفر بن محمد بن سوار، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري الرقي، حدثني يعلى بن الأشدق قال: سمعت النابغة - نابغة بني جعدة - يقول: أنشدت رسول الله ﷺ هذا الشعر، فأعجبه:
بلغنا السما مجدنا وتراثنا (٢) … وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال [لي: إلى]: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت: [إلى] (٣) الجنة. قال: كذلك إن شاء
الله.
ولا خير في حلم إذا لم يكن له … بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له … حليم إذا ما أورد الامر أصدرا
فقال النبي ﷺ : أجدت لا يفضض الله فاك، قال يعلى: فلقد رأيته أتى عليه نيف
ومائة سنة وما ذهب له سن … قال البيهقي: وروي عن مجاهد بن سليم عن عبد الله بن حراد
سمعت نابغة يقول: سمعني رسول الله ﷺ وأنا أنشد من قولي:
بلغنا السماء عفة وتكرما … وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
стр. 2232
ثم ذكر الباقي بمعناه، قال: فلقد رأيت سنه كأنها البرد المنهل ما سقط له سن ولا انفلت (١)
حديث آخر
قال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد (٢) بن يوسف أبي عمرو، قالا: ثنا الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا علي بن بحر القطان، ثنا هشام بن يوسف، ثنا معمر، ثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس أن رسول الله ﷺ ، نظر قبل العراق والشام واليمن - لا أدري بأيتهن بدأ - ثم قال: اللهم أقبل بقلوبهم إلى طاعتك وحط من أوزارهم … ثم رواه عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصغاني عن علي بن بحر بن بري فذكره بمعناه (٣) … وقال أبو داود الطيالسي: ثنا عمران القطان عن قتادة عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال: نظر رسول الله ﷺ قبل اليمن فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل الشام فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل العراق فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صاعنا ومدنا (٤) … وهكذا وقع الامر، أسلم أهل اليمن قبل أهل الشام، ثم كان الخير والبركة قبل العراق، ووعد أهل الشام بالدوام على الهداية والقيام بنصرة الدين إلى آخر الامر … وروى أحمد في مسنده: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق.
فصل
وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن عكرمة بن عمار: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال له: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما يمنعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه (٥) … وقد رواه أبو داود الطيالسي عن عكرمة عن إياس عن أبيه قال: أبصر رسول الله ﷺ
стр. 2233
بشر بن راعي العير وهو يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، قال: فما وصلت يده إلى فيه بعد … وثبت في صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فجاء رسول الله ﷺ فاختبأت منه، فجاءني فحطاني حطوة أو حطوتين وأرسلني إلى معاوية في حاجة، فأتيته وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل، فأرسلني الثانية فأتيته وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه (١) * وقد روى البيهقي عن الحاكم، عن علي بن حمشاد، عن هشام بن علي، عن موسى بن إسماعيل: حدثني أبو عوانة عن أبي حمزة، سمعت ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فذهبت فاختبأت على باب، فجاء فحطاني حطوة وقال: اذهب فادع لي معاوية - وكان يكتب الوحي - قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه لي، فأتيته الثانية، فقيل إنه يأكل، فأتيت رسول الله فأخبرته فقال في الثانية: لا أشبع الله بطنه، قال: فما شبع بعدها (٢)، قلت: وقد كان معاوية ﵁ لا يشبع بعدها، ووافقته هذه الدعوة في أيام إمارته، فيقال: إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاما بلحم، وكان يقول: والله لا أشبع وإنما أعيى … وقدمنا في غزوة تبوك أنه مر بين أيديهم وهم يصلون غلام فدعا عليه فأقعد فلم يقم بعدها. وجاء من طرق أوردها البيهقي أن رجلا حاكى النبي ﷺ في كلام واختلج بوجهه، فقال رسول الله ﷺ : كن كذلك، فلم يزل يختلج ويرتعش مدة عمره حتى مات … وقد ورد في بعض الروايات أنه الحكم بن أبي العاص، أبو مروان بن الحكم فالله أعلم (٣) … وقال مالك عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار، فذكر الحديث في الرجل الذي عليه ثوبان قد خلقا، وله ثوبان في القنية، فأمره رسول الله ﷺ فلبسهما ثم ولى، فقال رسول الله: ماله؟ ضرب الله عنقه، فقال الرجل: في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : في سبيل الله، فقتل الرجل في سبيل الله (٤) … وقد ورد من هذا النوع كثير. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة تفيد القطع كما سنوردها قريبا في باب فضائله ﷺ أنه قال: اللهم من سببته أو جلدته أو لعنته وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك قربة له تقربه بها عندك يوم القيامة. وقد قدمنا في أول البعثة حديث ابن مسعود في دعائه ﷺ على أولئك النفر السبعة،
стр. 2234
الذين أحدهم أبو جهل بن هشام وأصحابه، حين طرحوا على ظهره ﵇ سلا الجذور، وألقته عنه ابنته فاطمة، فلما انصرف قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ثم سمى بقية السبعة، قال ابن مسعود: فوالذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى في القليب قليب بدر، الحديث. وهو متفق عليه.
حديث آخر
قال الإمام أحمد: حدثني هشام، ثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن ثابت عن أنس بن مالك قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه وقالوا: هذا كان يكتب لمحمد، وأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له وواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا. ورواه مسلم عن محمد بن راضي عن أبي النضر هاشم بن القاسم به.
طريق أخرى عن أنس
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا حميد عن أنس: أن رجلا كان يكتب للنبي ﷺ وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران عز فينا - يعني عظم - فكان رسول الله ﷺ يملي عليه: غفورا رحيما، فيكتب: عليما حكيما، فيقول له النبي ﷺ : اكتب كذا وكذا فيقول: اكتب كيف شئت، ويملي عليه: عليما حكيما، فيكتب: سميعا بصيرا، فيقول: اكتب كيف شئت، قال فارتد ذلك الرجل عن الاسلام فلحق بالمشركين، وقال: أنا أعلمكم بمحمد، وإني كنت لا أكتب إلا ما شئت، فمات ذلك الرجل، فقال النبي ﷺ : إن الأرض لا تقبله، قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل: قالوا: قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض (١) … وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجوه.
طريق أخرى عن أنس
وقال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الرزاق، ثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: كان رجل نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيا، وكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه - لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه -، فحفروا له فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه.
стр. 2235
باب المسائل التي سئل عنها رسول الله ﷺ فأجاب عنها بما يطابق الحق الموافق لها في الكتب الموروثة عن الأنبياء
قد ذكرنا في أول البعثة ما تعنتت به قريش وبعثت إلى يهود المدينة يسألونهم عن أشياء يسألون عنها رسول الله ﷺ ، فقالوا: سلوه عن الروح، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدري ما صنعوا، وعن رجل طواف في الأرض بلغ المشارق والمغارب، فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله قوله تعالى: … (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قيلا) … [الاسراء: ٨٥] وأنزل سورة الكهف يشرح فيها خبر الفتية الذين فارقوا دين قومهم وآمنوا بالله العزيز الحميد، وأفردوه بالعبادة، واعتزلوا قومهم، ونزلوا غارا وهو الكهف، فناموا فيه، ثم أيقظهم الله بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وكان من أمرهم ما قص الله علينا في كتابه العزيز، ثم قص خبر الرجلين المؤمن والكافر، وما كان من أمرهما، ثم ذكر خبر موسى والخضر وما جرى لهما من الحكم والمواعظ، ثم قال: … (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا) … [الكهف: ٨٣]، ثم شرح، ثم ذكر خبره وما وصل إليه من المشارق والمغارب، وما عمل من المصالح في العالم، وهذا الاخبار هو الواقع في الواقع، وإنما يوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب، ما كان منها حقا، وأما ما كان محرفا مبدلا فذاك مردود، فإن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما اختلفوا فيه من الاخبار والاحكام، قال الله تعالى بعد ذكر التوراة والإنجيل: … (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) … [المائدة ٤٨] وذكرنا في أول الهجرة قصة إسلام عبد الله بن سلام، وأنه قال لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه قلت (١): إن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. وثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث إسماعيل بن عطية وغيره عن حميد عن أنس قصة سؤاله رسول الله ﷺ : ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ : أخبرني بهن جبريل آنفا، ثم قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه (٢). وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم، عن
стр. 2236
أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، فذكر مسألة عبد الله بن سلام إلا أنه قال: فسأله عن السواد الذي في القمر، بدل أشراط الساعة، فذكر الحديث إلى أن قال: وأما السواد الذي في القمر فإنهما كانا شمسين فقال الله : … (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل) … [الاسراء: ١٢] فالسواد الذي رأيت هو المحو، فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (١).
حديث آخر في معناه
قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، أنا أبو الحسن - أحمد بن محمد بن عيدروس (٢) - ثنا عثمان بن سعيد، أنا الربيع بن نافع، أبو توبة، ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: أخبرني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان حدثه قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، قال: لم تدفعني؟ قال: قلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ قال: إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : إن اسمي الذي سماني به أهلي محمد، فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول الله ﷺ : ينفعك شئ إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، فنكت بعود معه، فقال له: سل، فقال له اليهودي: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : في الظلمة دون الجسر (٣)، قال: فمن أول الناس إجازة؟ فقال: فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد الحوت، قال: وما غذاؤهم على إثره؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا، قال: صدقتك، قال: وجئت أسألك عن شئ لا يعلمه أحد من الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: ينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد، قال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله، فقال اليهودي: صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف، فقال النبي ﷺ : إنه سألني عنه وما أعلم شيئا منه حتى أتاني الله به (٤). وهكذا رواه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني، عن أبي توبة الربيع بن نافع به، وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو عبد الله بن سلام، ويحتمل أن يكون غيره والله أعلم.
стр. 2237
حديث آخر
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود يوما عند رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي، قال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشئ تعرفونه صدقا لتتابعني علي الاسلام، قالوا: لك ذلك، قال سلوا عما شئتم، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال ثم نسألك، أخبرنا عن الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا، وكيف تكون الأنثى حتى تكون الأنثى، وأخبرنا عن هذا النبي في النوم ومن وليك من الملائكة، قال: فعليكم عهد الله لئن أنا حدثتكم لتتابعني، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضا شديدا طال سقمه فيه، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الشراب إليه ألبان الإبل، وأحب الطعام إليه لحمان الإبل؟ قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله: اللهم أشهد عليهم، قال: فأنشدكم الله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، وإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله؟ قالوا: اللهم نعم، قال رسول الله: اللهم أشهد عليهم، قال: وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا، اللهم نعم، قال: اللهم أشهد عليهم، قالوا: أنت الآن حدثنا عن وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك، قال: وليي جبريل ﵇، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه، فقالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره من الملائكة لبايعناك وصدقناك، قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا من الملائكة، فأنزل الله … (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) … الآية، [البقرة: ٩٧] ونزلت … (فباءوا بغضب على غضب) … الآية (١).
حديث آخر
قال الإمام أحمد، ثنا يزيد، ثنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية، … (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) … [الاسراء: ١٠١] فقال: لا تقل له شيئا،
стр. 2238
فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه، فقال النبي ﷺ لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة، أو قال: لا تفروا من الزحف - شعبة الشاك - وأنتم يا معشر يهود عليكم خاصة أو لا تعدوا في السبت، قال: فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تتبعاني؟ قالا: إن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود (١). وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم والبيهقي من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي: حسن صحيح … قلت: وفي رجاله من تكلم فيه، وكأنه اشتبه على الراوي التسع الآيات بالعشر الكلمات، وذلك أن الوصايا التي أوصاها الله إلى موسى وكلمه بها ليلة القدر بعدما خرجوا من ديار مصر وشعب بني إسرائيل حول الطور حضور، وهارون ومن معه وقوف على الطور أيضا، وحينئذ كلم الله موسى تكليما آمرا له بهذه العشر كلمات، وقد فسرت في هذا الحديث، وأما التسع الآيات فتلك دلائل وخوارق عادات أيد بها موسى ﵇، وأظهرها الله على يديه بديار مصر، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والجدب ونقص الثمرات، وقد بسطت القول على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية. والله أعلم.
فصل
وقد ذكرنا في التفسير عند قوله تعالى في سورة البقرة … (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين … ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) … [البقرة: ٩٤ - ٩٥] ومثلها في سورة الجمعة وهي قوله: … (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين … ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) … [الجمعة: ٦ - ٧] وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك وأن الصواب أنه دعاهم إلى المباهلة وأن يدعو بالموت على المبطل منهم أو المسلمين، فنكلوا عن ذلك لعلمهم بظلم أنفسهم، وأن الدعوة تنقلب عليهم، ويعود وبالها إليهم، وهكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجوه في عيسى بن مريم، فأمره الله أن يدعوهم إلى المباهلة في قوله … (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) … [آل عمران: ٦١] وهكذا دعا على المشركين على وجه المباهلة في قوله … (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) … [مريم: ٧٥] وقد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
стр. 2239
حديث آخر يتضمن اعتراف اليهود بأنه رسول الله ويتضمن تحاكمهم ولكن بقصد منهم مذموم
وذلك أنهم ائتمروا بينهم أنه إن حكم بما يوافق هواهم اتبعوه، وإلا فاحذروا ذلك، وقد ذمهم الله في كتابه العزيز على هذا القصد … قال عبد الله بن المبارك: ثنا معمر عن الزهري قال: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب وعند سعيد رجل وهو يوقره، وإذا هو رجل من مزينة، كان أبوه شهد الحديبية وكان من أصحاب أبي هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ، إذ جاء نفر من اليهود - وقد زنا رجل منهم وامرأة - فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا حدا دون الرجم فعلناه واحتججنا عند الله حين نلقاه بتصديق نبي من أنبيائه، قال مرة عن الزهري، وإن أمرنا بالرجم عصيناه فقد عصينا الله فيما كتب علينا من الرجم في التوراة، فأتوا رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل منا زنا بعد ما أحصن؟ فقام رسول الله ﷺ ولم يرجع إليهم شيئا، وقام معه رجال من المسلمين، حتى أتوا بيت مدراس اليهود فوجدوهم يتدارسون التوراة، فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود، أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة من العقوبة على من زنا إذا أحصن؟ قالوا: نجبيه، والتجبية أن يحملوا اثنين على حمار فيولوا ظهر أحدهما ظهر الآخر، قال: وسكت حبرهم وهو فتى شاب، فلما رآه رسول الله ﷺ صامتا ألظ به النشدة، فقال حبرهم: أما إذ نشدتهم فإنا نجد في التوراة الرجم على من أحصن، قال النبي ﷺ : فما أول ما ترخصتم أمر الله ؟ فقال: زنا رجل منا ذو قرابة بملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، فزنا بعده آخر في أسرة من الناس فأراد ذلك الملك أن يرجمه فقام قومه دونه، فقالوا: لا والله لا نرجمه حتى يرجم فلانا ابن عمه، فاصطلحوا بينهم على هذه العقوبة، فقال رسول الله ﷺ : فإني أحكم بما حكم في التوراة، فأمر رسول الله ﷺ بهما فرجما (١) … قال الزهري: وبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم … (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) … [المائدة: ٤٤] وله شاهد في الصحيح عن ابن عمر، قلت: وقد ذكرنا ما ورد في هذا السياق من الأحاديث عند قوله تعالى … (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) … [المائدة: ٤١] يعني الجلد والتحميم الذي اصطلحوا عليه وابتدعوه من عند أنفسهم، يعين إن حكم لكم محمد بهذا فخذوه، … (وإن لم تؤتوه فاحذروا) *، يعني وإن لم يحكم لكم بذلك فاحذروا قبوله، قال الله تعالى … (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا
стр. 2240
أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * [المائدة: ٤٣] إلى أن قال … (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) … فذمهم الله تعالى على سوء ظنهم وقصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم، وأن فيه حكم الله بالرجم، وهم مع ذلك يعلمون صحته، ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من التحميم والتجبيه. وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم فذكره، وعنده فقال رسول الله ﷺ لابن صوريا: أنشدك بالله وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنا بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم يعرفون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله ﷺ فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بني تميم عند مالك بن النجار، قال: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله … (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) … الآيات (١) … وقد ورد ذكر عبد الله بن صوريا الأعور في حديث ابن عمير وغيره بروايات صحيحة قد بيناها في التفسير.
حديث آخر
قال حماد بن سلمة: ثنا ثابت عن أنس أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله ﷺ : يا يهودي، أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون في التوراة نعتي وصفتي ومخرجي؟ فقال: لا، فقال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنا نجد في التوراة نعتك وصفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي لأصحابه: أقيموا هذا من عند رأسه، ولوا أخاكم (٢). ورواه البيهقي من هذا الوجه بهذا اللفظ.
حديث آخر
قال أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: إن الله ابتعث نبيه ﷺ لادخال رجل الجنة، فدخل النبي ﷺ كنيسة وإذا يهودي يقرأ التوراة، فلما أتى على صفته أمسك، قال: وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبي ﷺ : ما لكم أمسكتم؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة وقال: ارفع يدك، فقرأ حتى أتى على صفته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم مات، فقال النبي ﷺ : لوا أخاكم (٣).
стр. 2241
حديث آخر
إن النبي ﷺ : وقف على مدراس اليهود فقال: يا معشر يهود أسلموا، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله إليكم، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: ذلك أريد.
فصل
فالذي يقطع به من كتاب الله وسنة رسوله، ومن حيث المعنى، أن رسول الله ﷺ قد بشرت به الأنبياء قبله، وأتباع الأنبياء يعلمون ذلك، ولكن أكثرهم يكتمون ذلك ويخفونه، قال الله تعالى … (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم، بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون … قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) … [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى: … (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) … [الانعام: ١١٤] وقال تعالى: … (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) … [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى: … (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ) … [آل عمران: ٢٠] وقال تعالى: … (هذا بلاغ للناس ولينذروا به) … [إبراهيم: ٥٢] وقال تعالى: • (لأنذركم به ومن بلغ) … [الانعام: ١٩] وقال تعالى: … (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) … [هود: ١٧] وقال تعالى: … (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) … [يس: ٧٠] فذكر تعالى بعثته إلى الأميين وأهل الكتاب وسائر الخلق من عربهم وعجمهم، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له، قال ﷺ : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار (١). رواه مسلم، وفي الصحيحين: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، " نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت السماحة (٢)، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة، وفيهما: بعثت إلى الأسود والأحمر، قيل: إلى العرب والعجم، وقيل: إلى
стр. 2242
الإنس والجن، والصحيح أعم من ذلك، والمقصود أن البشارات به ﷺ موجودة في الكتب الموروثة عن الأنبياء قبله حتى تناهت النبوة إلى أخر أنبياء بني إسرائيل، وهو عيسى بن مريم، وقد قام بهذه البشارة في بني إسرائيل، وقص الله خبره في ذلك فقال تعالى: … (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) … [الصف: ٦] فأخبار محمد صلوات الله وسلامه عليه بأن ذكره موجود في الكتب المتقدمة، فيما جاء به من القرآن، وفيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة كما تقدم، وهو مع ذلك من أعقل الخلق باتفاق الموافق والمفارق، يدل على صدقه في ذلك قطعا، لأنه لو لم يكن واثقا بما أخبر به من ذلك، لكان ذلك من أشد المنفرات عنه، ولا يقدم على ذلك عاقل، والغرض أنه من أعقل الخلق حتى عند من يخالفه، بل هو أعقلهم في نفس الامر. ثم إنه قد انتشرت دعوته في المشارق والمغارب، وعمت دولة أمته في أقطار الآفاق عموما لم يحصل لامة من الأمم قبلها، فلو لم يكن محمد ﷺ نبيا، لكان ضرره أعظم من كل أحد، ولو كان كذلك لحذر عنه الأنبياء أشد التحذير، ولنفروا أممهم منه أشد التنفير، فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم، ونهوا أممهم عن أتباعهم والاقتداء بهم، ونصوا على المسيح الدجال، الأعور الكذاب، حتى قد أنذر نوح - وهو أول الرسل - قومه، ومعلوم أنه لم ينص نبي من الأنبياء على التحذير من محمد، ولا التنفير عنه، ولا الاخبار عنه بشئ خلاف مدحه، والثناء عليه، والبشارة بوجوده، والامر باتباعه، والنهي عن مخالفته، والخروج من طاعته، قال الله تعالى: … (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) … [آل عمران: ٨١] قال ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه، رواه البخاري. وقد وجدت البشارات به ﷺ في الكتب المتقدمة وهي أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر. وقد قدمنا قبل مولده ﵇ طرفا صالحا من ذلك، وقررنا في كتاب التفسير عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة، ونحن نورد ههنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها، ويتدينون بتلاوتها، مما جمعه العلماء قديما وحديثا ممن آمن منهم، واطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم، ففي السفر الأول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل ﵇ ما مضمونه وتعريبه: إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇، بعدما سلمه من نار النمروذ: أن قم فاسلك الأرض مشارقها ومغاربها لولدك، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، وحرصت على إبعاد هاجر وولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران، وظن إبراهيم ﵇ أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق.، حتى أوحى الله إليه ما مضمونه: أما ولدك فإنه يرزق ذرية
стр. 2243
عظيمة، وأما ولدك إسماعيل فإني باركته وعظمته، وكثرت ذريته، وجعلت من ذريته ماذ ماذ، يعني محمدا ﷺ وجعلت في ذريته اثنا عشر إماما، وتكون له أمة عظيمة، وكذلك بشرت هاجر حين وضعها الخليل عند البيت فعطشت وحزنت على ولدها، وجاء الملك فأنبع زمزم، وأمرها بالاحتفاظ بهذا الولد، فإنه سيولد له منه عظيم، له ذرية عدد نجوم السماء. ومعلوم أنه لم يولد من ذرية إسماعيل، بل من ذرية آدم، أعظم قدرا ولا أوسع جاها، ولا أعلى منزلة، ولا أجل منصبا، من محمد ﷺ ، وهو الذي استولت دولة أمته على المشارق والمغارب، وحكموا على سائر الأمم. وهكذا في قصة إسماعيل من السفر الأول: أن ولد إسماعيل تكون يده على كل الأمم، وكل الأمم تحت يده وبجميع مساكن إخوته يسكن، وهذا لم يكن لاحد يصدق على الطائفة إلا لمحمد ﷺ … وأيضا في السفر الرابع في قصة موسى، أن الله أوحى إلى موسى ﵇: أن قل لبني إسرائيل: سأقيم لهم نبيا من أقاربهم مثلك يا موسى، وأجعل وحيى بفيه وإياه تسمعون. وفي السفر الخامس - وهو سفر الميعاد - أن موسى ﵇ خطب بني إسرائيل في آخر عمره - وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سني التيه - وذكرهم بأيام الله وأياديه عليهم، وإحسانه إليهم، وقال لهم فيما قال: واعملوا أن الله سيبعث لكم نبيا من أقاربكم مثل ما أرسلني إليكم، يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ويحل لكم الطيبات، ويحرم عليكم الخبائث، فمن عصاه فله الخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة … وأيضا في آخر السفر الخامس وهو آخر التوراة التي بأيديهم: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران: وظهر من ربوات قدسه، عن يمينه نور، وعن شماله نار، عليه تجتمع الشعوب. أي جاء أمر الله وشرعه من طور سيناء - وهو الجبل الذي كلم الله موسى ﵇ عنده - وأشرق من ساعير وهي جبال بيت المقدس - المحلة التي كان بها عيسى بن مريم ﵇ واستعلن أي ظهر وعلا أمره من جبال فاران، وهي جبال الحجاز بلا خلاف، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد ﷺ * فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي، ذكر محلة موسى، ثم عيسى، ثم بلد محمد ﷺ ، ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولا، ثم الأفضل منه، ثم الأفضل منه، على قاعدة القسم فقال تعالى: … (والتين والزيتون) … [التين: ١ - ٣] والمراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى ﵇ … (وطور سينين) … وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى • (وهذا البلد الأمين] وهو البلد الذي ابتعث منه محمدا ﷺ … قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات. وفي زبور داود ﵇ صفة هذه الأمة بالجهاد والعبادة، وفيه مثل ضربه لمحمد ﷺ ، بأنه ختام القبة المبنية، كما ورد به الحديث في الصحيحين (١): " مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون بها
стр. 2244
ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ " ومصداق ذلك أيضا في قوله تعالى … (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) … [الأحزاب: ٤٠] وفي الزبور صفة محمد ﷺ بأنه ستنبسط نبوته ودعوته وتنفذ كلمته من البحر إلى البحر، وتأتيه الملوك من سائر الأقطار طائعين بالقرابين والهدايا، وأنه يخلص المضطر، ويكشف الضر عن الأمم، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويصلي عليه في كل وقت، ويبارك الله عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الأبد. وهذا إنما ينطبق على محمد ﷺ … وفي صحف شعيا في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل، وفيه فإني أبعث إليكم وإلى الأمم نبيا أميا ليس بفظ ولا غليظ القلب ولا سخاب في الأسواق، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى في ضميره، والحكمة معقولة، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى ملته، والاسلام دينه، والقرآن كتابه، أحمد اسمه، أهدي به من الضلالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين القلوب المختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، قرابينهم دماؤهم، أنا جيلهم في صدورهم، رهبانا بالليل، ليوثا بالنهار … (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) * [الحديد: ٢١] وفي الفصل الخامس من كلام شعيا: يدوس الأمم كدوس البيادر، وينزل البلاء بمشركي العرب، وينهزمون قدامه. وفي الفصل السادس والعشرين منه: ليفرح أرض البادية العطشى، ويعطي أحمد محاسن لبنان، ويرون جلال الله بمهجته … وفي صحف إلياس ﵇: أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحا، فلما رأى العرب بأرض الحجاز قال لمن معه: انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة، فقالوا: يا نبي الله فما الذي يكون معبودهم؟ فقال: يعظمون رب العزة فوق كل رابية عالية. ومن صحف حزقيل: إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي، يظهر في الأمم عدلي، اخترته واصطفيته لنفسي، وأرسلته إلى الأمم بأحكام صادقة. ومن كتاب النبوات: أن نبيا من الأنبياء مر بالمدينة فأضافه بنو قريظة والنضير، فلما رآهم بكى، فقالوا له: ما الذي يبكيك يا نبي الله؟ فقال: نبي يبعثه الله من الحرة، يخرب دياركم ويسبي حريمكم، قال: فأراد اليهود قتله فهرب منهم. ومن كلام حزقيل ﵇: يقول الله: من قبل أن صورتك في الأحشاء قدستك وجعلتك نبيا، وأرسلتك إلى سائر الأمم. وفي صحف شعيا أيضا، مثل مضروب لمكة شرفها الله: افرحي يا عاقر بهذا الولد الذي يهبه لك ربك، فإن ببركته تتسع لك الأماكن، وتثبت أوتادك في الأرض وتعلو أبواب مساكنك، ويأتيك ملوك الأرض عن يمينك وشمالك بالهدايا والتقادم، وولدك هذا يرث جميع الأمم، ويملك سائر المدن والأقاليم، ولا تخافي ولا تحزني فما بقي يلحقك ضيم من عدو أبدا، وجميع أيام ترملك تنسيها. وهذا كله إنما حصل على يدي محمد ﷺ . وإنما المراد بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذكر في هذا الكلام لا محالة. ومن أراد من أهل الكتاب أن يصرف هذا ويتأوله على بيت المقدس وهذا لا يناسبه من كل وجه والله أعلم … وفي صحف أرميا: كوكب ظهر من الجنوب، أشعته
стр. 2245
صواعق (؟؟؟)، سهامه خوارق، دكت له الجبال. وهذا المراد به محمد ﷺ … وفي الإنجيل يقول عيسى ﵇: إني مرتق إلى جنات العلى، ومرسل إليكم الفارقليط روح الحق يعلمكم كل شئ، ولم يقل شيئا للقاء نفسه. والمراد بالفارقليط محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال … (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) … [الصف: ٦] … وهذا باب متسع، ولو تقصينا جميع ما ذكره الناس لطال هذا الفصل جدا، وقد أشرنا إلى نبذ من ذلك يهتدي بها من نور الله بصيرته وهداه إلى صراطه المستقيم، وأكثر هذه النصوص يعلمها كثير من علمائهم وأحبارهم، وهم مع ذلك يتكاتمونها ويخفونها. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن [الفضل، ومحمد بن أحمد الصيدلاني. قالوا] (١): ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود المنادي، ثنا يونس بن محمد المؤدب، ثنا صالح بن عمر، ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الغليان (٢) بن عاصم قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، إذ شخص ببصره إلى رجل فدعاه، فأقبل رجل من اليهود مجتمع عليه قميص وسراويل ونعلان، فجعل يقول: يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فجعل لا يقول شيئا إلا قال: يا رسول الله، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيأبى، فقال رسول الله ﷺ : أتقرأ التوراة؟ قال: نعم، قال: والإنجيل؟ قال: نعم، والفرقان ورب محمد لو شئت لقرأته، قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة والإنجيل وأنشأ (٣) خلقه بها، تجدني فيهما؟ قال: نجد مثل نعتك، يخرج من مخرجك، كنا نرجو أن يكون فينا، فلما خرجت رأينا أنك هو، فلما نظرنا إذا أنت لست به، قال: من أين؟ قال: نجد من أمتك سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وإنما أنتم قليل، قال: فهلل رسول الله ﷺ وكبر، وهلل وكبر، ثم قال: والذي نفس محمد بيده إنني لأنا هو، وإن من أمتي لأكثر من سبعين ألفا وسبعين وسبعين (٤).
جوابه ﷺ لمن سأل عما سأل قبل أن يسأله عن شئ منه
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا الزبير: أبو (٥) عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز - ولم يسمعه منه - قال: حدثني جلساؤه وقد رأيته عن وابصة الأسدي، وقال عفان: ثنا غير مرة ولم يقل: حدثني جلساؤه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والاثم إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك وابصة عن رسول الله، فقلت: دعوني فأدنو منه، فإنه أحب الناس إلي