← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

حديث آخر إن النبي ﷺ : وقف على مدراس اليهود فقال: يا معشر يهود أسلموا، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله إليكم، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: ذلك أريد. فصل فالذي يقطع به من كتاب الله وسنة رسوله، ومن حيث المعنى، أن رسول الله ﷺ قد بشرت به الأنبياء قبله، وأتباع الأنبياء يعلمون ذلك، ولكن أكثرهم يكتمون ذلك ويخفونه، قال الله تعالى … (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم، بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون … قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) … [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى: … (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) … [الانعام: ١١٤] وقال تعالى: … (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) … [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى: … (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ) … [آل عمران: ٢٠] وقال تعالى: … (هذا بلاغ للناس ولينذروا به) … [إبراهيم: ٥٢] وقال تعالى: • (لأنذركم به ومن بلغ) … [الانعام: ١٩] وقال تعالى: … (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) … [هود: ١٧] وقال تعالى: … (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) … [يس: ٧٠] فذكر تعالى بعثته إلى الأميين وأهل الكتاب وسائر الخلق من عربهم وعجمهم، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له، قال ﷺ : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار (١). رواه مسلم، وفي الصحيحين: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، " نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت السماحة (٢)، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة، وفيهما: بعثت إلى الأسود والأحمر، قيل: إلى العرب والعجم، وقيل: إلى

стр. 2242

الإنس والجن، والصحيح أعم من ذلك، والمقصود أن البشارات به ﷺ موجودة في الكتب الموروثة عن الأنبياء قبله حتى تناهت النبوة إلى أخر أنبياء بني إسرائيل، وهو عيسى بن مريم، وقد قام بهذه البشارة في بني إسرائيل، وقص الله خبره في ذلك فقال تعالى: … (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) … [الصف: ٦] فأخبار محمد صلوات الله وسلامه عليه بأن ذكره موجود في الكتب المتقدمة، فيما جاء به من القرآن، وفيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة كما تقدم، وهو مع ذلك من أعقل الخلق باتفاق الموافق والمفارق، يدل على صدقه في ذلك قطعا، لأنه لو لم يكن واثقا بما أخبر به من ذلك، لكان ذلك من أشد المنفرات عنه، ولا يقدم على ذلك عاقل، والغرض أنه من أعقل الخلق حتى عند من يخالفه، بل هو أعقلهم في نفس الامر. ثم إنه قد انتشرت دعوته في المشارق والمغارب، وعمت دولة أمته في أقطار الآفاق عموما لم يحصل لامة من الأمم قبلها، فلو لم يكن محمد ﷺ نبيا، لكان ضرره أعظم من كل أحد، ولو كان كذلك لحذر عنه الأنبياء أشد التحذير، ولنفروا أممهم منه أشد التنفير، فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم، ونهوا أممهم عن أتباعهم والاقتداء بهم، ونصوا على المسيح الدجال، الأعور الكذاب، حتى قد أنذر نوح - وهو أول الرسل - قومه، ومعلوم أنه لم ينص نبي من الأنبياء على التحذير من محمد، ولا التنفير عنه، ولا الاخبار عنه بشئ خلاف مدحه، والثناء عليه، والبشارة بوجوده، والامر باتباعه، والنهي عن مخالفته، والخروج من طاعته، قال الله تعالى: … (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) … [آل عمران: ٨١] قال ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه، رواه البخاري. وقد وجدت البشارات به ﷺ في الكتب المتقدمة وهي أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر. وقد قدمنا قبل مولده ﵇ طرفا صالحا من ذلك، وقررنا في كتاب التفسير عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة، ونحن نورد ههنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها، ويتدينون بتلاوتها، مما جمعه العلماء قديما وحديثا ممن آمن منهم، واطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم، ففي السفر الأول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل ﵇ ما مضمونه وتعريبه: إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇، بعدما سلمه من نار النمروذ: أن قم فاسلك الأرض مشارقها ومغاربها لولدك، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، وحرصت على إبعاد هاجر وولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران، وظن إبراهيم ﵇ أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق.، حتى أوحى الله إليه ما مضمونه: أما ولدك فإنه يرزق ذرية

стр. 2243

عظيمة، وأما ولدك إسماعيل فإني باركته وعظمته، وكثرت ذريته، وجعلت من ذريته ماذ ماذ، يعني محمدا ﷺ وجعلت في ذريته اثنا عشر إماما، وتكون له أمة عظيمة، وكذلك بشرت هاجر حين وضعها الخليل عند البيت فعطشت وحزنت على ولدها، وجاء الملك فأنبع زمزم، وأمرها بالاحتفاظ بهذا الولد، فإنه سيولد له منه عظيم، له ذرية عدد نجوم السماء. ومعلوم أنه لم يولد من ذرية إسماعيل، بل من ذرية آدم، أعظم قدرا ولا أوسع جاها، ولا أعلى منزلة، ولا أجل منصبا، من محمد ﷺ ، وهو الذي استولت دولة أمته على المشارق والمغارب، وحكموا على سائر الأمم. وهكذا في قصة إسماعيل من السفر الأول: أن ولد إسماعيل تكون يده على كل الأمم، وكل الأمم تحت يده وبجميع مساكن إخوته يسكن، وهذا لم يكن لاحد يصدق على الطائفة إلا لمحمد ﷺ … وأيضا في السفر الرابع في قصة موسى، أن الله أوحى إلى موسى ﵇: أن قل لبني إسرائيل: سأقيم لهم نبيا من أقاربهم مثلك يا موسى، وأجعل وحيى بفيه وإياه تسمعون. وفي السفر الخامس - وهو سفر الميعاد - أن موسى ﵇ خطب بني إسرائيل في آخر عمره - وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سني التيه - وذكرهم بأيام الله وأياديه عليهم، وإحسانه إليهم، وقال لهم فيما قال: واعملوا أن الله سيبعث لكم نبيا من أقاربكم مثل ما أرسلني إليكم، يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ويحل لكم الطيبات، ويحرم عليكم الخبائث، فمن عصاه فله الخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة … وأيضا في آخر السفر الخامس وهو آخر التوراة التي بأيديهم: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران: وظهر من ربوات قدسه، عن يمينه نور، وعن شماله نار، عليه تجتمع الشعوب. أي جاء أمر الله وشرعه من طور سيناء - وهو الجبل الذي كلم الله موسى ﵇ عنده - وأشرق من ساعير وهي جبال بيت المقدس - المحلة التي كان بها عيسى بن مريم ﵇ واستعلن أي ظهر وعلا أمره من جبال فاران، وهي جبال الحجاز بلا خلاف، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد ﷺ * فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي، ذكر محلة موسى، ثم عيسى، ثم بلد محمد ﷺ ، ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولا، ثم الأفضل منه، ثم الأفضل منه، على قاعدة القسم فقال تعالى: … (والتين والزيتون) … [التين: ١ - ٣] والمراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى ﵇ … (وطور سينين) … وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى • (وهذا البلد الأمين] وهو البلد الذي ابتعث منه محمدا ﷺ … قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات. وفي زبور داود ﵇ صفة هذه الأمة بالجهاد والعبادة، وفيه مثل ضربه لمحمد ﷺ ، بأنه ختام القبة المبنية، كما ورد به الحديث في الصحيحين (١): " مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون بها

стр. 2244

ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ " ومصداق ذلك أيضا في قوله تعالى … (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) … [الأحزاب: ٤٠] وفي الزبور صفة محمد ﷺ بأنه ستنبسط نبوته ودعوته وتنفذ كلمته من البحر إلى البحر، وتأتيه الملوك من سائر الأقطار طائعين بالقرابين والهدايا، وأنه يخلص المضطر، ويكشف الضر عن الأمم، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويصلي عليه في كل وقت، ويبارك الله عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الأبد. وهذا إنما ينطبق على محمد ﷺ … وفي صحف شعيا في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل، وفيه فإني أبعث إليكم وإلى الأمم نبيا أميا ليس بفظ ولا غليظ القلب ولا سخاب في الأسواق، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى في ضميره، والحكمة معقولة، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى ملته، والاسلام دينه، والقرآن كتابه، أحمد اسمه، أهدي به من الضلالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين القلوب المختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، قرابينهم دماؤهم، أنا جيلهم في صدورهم، رهبانا بالليل، ليوثا بالنهار … (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) * [الحديد: ٢١] وفي الفصل الخامس من كلام شعيا: يدوس الأمم كدوس البيادر، وينزل البلاء بمشركي العرب، وينهزمون قدامه. وفي الفصل السادس والعشرين منه: ليفرح أرض البادية العطشى، ويعطي أحمد محاسن لبنان، ويرون جلال الله بمهجته … وفي صحف إلياس ﵇: أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحا، فلما رأى العرب بأرض الحجاز قال لمن معه: انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة، فقالوا: يا نبي الله فما الذي يكون معبودهم؟ فقال: يعظمون رب العزة فوق كل رابية عالية. ومن صحف حزقيل: إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي، يظهر في الأمم عدلي، اخترته واصطفيته لنفسي، وأرسلته إلى الأمم بأحكام صادقة. ومن كتاب النبوات: أن نبيا من الأنبياء مر بالمدينة فأضافه بنو قريظة والنضير، فلما رآهم بكى، فقالوا له: ما الذي يبكيك يا نبي الله؟ فقال: نبي يبعثه الله من الحرة، يخرب دياركم ويسبي حريمكم، قال: فأراد اليهود قتله فهرب منهم. ومن كلام حزقيل ﵇: يقول الله: من قبل أن صورتك في الأحشاء قدستك وجعلتك نبيا، وأرسلتك إلى سائر الأمم. وفي صحف شعيا أيضا، مثل مضروب لمكة شرفها الله: افرحي يا عاقر بهذا الولد الذي يهبه لك ربك، فإن ببركته تتسع لك الأماكن، وتثبت أوتادك في الأرض وتعلو أبواب مساكنك، ويأتيك ملوك الأرض عن يمينك وشمالك بالهدايا والتقادم، وولدك هذا يرث جميع الأمم، ويملك سائر المدن والأقاليم، ولا تخافي ولا تحزني فما بقي يلحقك ضيم من عدو أبدا، وجميع أيام ترملك تنسيها. وهذا كله إنما حصل على يدي محمد ﷺ . وإنما المراد بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذكر في هذا الكلام لا محالة. ومن أراد من أهل الكتاب أن يصرف هذا ويتأوله على بيت المقدس وهذا لا يناسبه من كل وجه والله أعلم … وفي صحف أرميا: كوكب ظهر من الجنوب، أشعته

стр. 2245

صواعق (؟؟؟)، سهامه خوارق، دكت له الجبال. وهذا المراد به محمد ﷺ … وفي الإنجيل يقول عيسى ﵇: إني مرتق إلى جنات العلى، ومرسل إليكم الفارقليط روح الحق يعلمكم كل شئ، ولم يقل شيئا للقاء نفسه. والمراد بالفارقليط محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال … (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) … [الصف: ٦] … وهذا باب متسع، ولو تقصينا جميع ما ذكره الناس لطال هذا الفصل جدا، وقد أشرنا إلى نبذ من ذلك يهتدي بها من نور الله بصيرته وهداه إلى صراطه المستقيم، وأكثر هذه النصوص يعلمها كثير من علمائهم وأحبارهم، وهم مع ذلك يتكاتمونها ويخفونها. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن [الفضل، ومحمد بن أحمد الصيدلاني. قالوا] (١): ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود المنادي، ثنا يونس بن محمد المؤدب، ثنا صالح بن عمر، ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الغليان (٢) بن عاصم قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، إذ شخص ببصره إلى رجل فدعاه، فأقبل رجل من اليهود مجتمع عليه قميص وسراويل ونعلان، فجعل يقول: يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فجعل لا يقول شيئا إلا قال: يا رسول الله، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيأبى، فقال رسول الله ﷺ : أتقرأ التوراة؟ قال: نعم، قال: والإنجيل؟ قال: نعم، والفرقان ورب محمد لو شئت لقرأته، قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة والإنجيل وأنشأ (٣) خلقه بها، تجدني فيهما؟ قال: نجد مثل نعتك، يخرج من مخرجك، كنا نرجو أن يكون فينا، فلما خرجت رأينا أنك هو، فلما نظرنا إذا أنت لست به، قال: من أين؟ قال: نجد من أمتك سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وإنما أنتم قليل، قال: فهلل رسول الله ﷺ وكبر، وهلل وكبر، ثم قال: والذي نفس محمد بيده إنني لأنا هو، وإن من أمتي لأكثر من سبعين ألفا وسبعين وسبعين (٤). جوابه ﷺ لمن سأل عما سأل قبل أن يسأله عن شئ منه قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا الزبير: أبو (٥) عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز - ولم يسمعه منه - قال: حدثني جلساؤه وقد رأيته عن وابصة الأسدي، وقال عفان: ثنا غير مرة ولم يقل: حدثني جلساؤه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والاثم إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك وابصة عن رسول الله، فقلت: دعوني فأدنو منه، فإنه أحب الناس إلي

стр. 2246

أن أدنو منه، قال: دعوا وابصة، ادن يا وابصة، مرتين أو ثلاثا، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال: يا وابصة أخبرك أم تسألني؟ فقلت: لا، بل أخبرني: فقال: جئت تسأل عن البر والاثم، فقلت: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك (ثلاث مرات) البر ما اطمأنت إليه النفس، والاثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس أفتوك (١). باب ما أخبر به ﷺ من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده وهذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها، ولكن نحن نشير إلى طرف منها وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وذلك منتزع من القرآن ومن الأحاديث، أما القرآن فقال تعالى في سورة المزمل - وهي من أوائل مما نزل بمكة - • (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) … [المزمل: ٢٠] ومعلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة. وقال تعالى في سورة اقترب - وهي مكية - … (أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر) * [القمر: ٤٤] ووقع هذا يوم بدر، وقد تلاها رسول الله ﷺ وهو خارج من العريش ورماهم بقبضة من الحصباء فكان النصر والظفر، وهذا مصداق ذاك … وقال تعالى: … (تبت يدا أبي لهب وتب … ما أغنى عنه ماله وما كسب … سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد) … [المسد: ١ - ٥] فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وامرأته، فقدر الله أنهما ماتا على شركهما لم يسلما، حتى ولا ظاهرا، وهذا من دلائل النبوة الباهرة، وقال تعالى: … (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) … [الاسراء: ٨٨] وقال تعالى في سورة البقرة: … (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) … الآية [البقرة: ٢٣]، فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته، وحلاوته وإحكام أحكامه، وبيان حلاله وحرامه، وغير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، ولما قدروا عليه، ولا على عشر سور منه، بل ولا سورة، وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا، ولن لنفي التأبيد في المستقبل، ومثل هذا التحدي، وهذا القطع، وهذا الاخبار الجازم، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به، عالم بما يقوله، قاطع أن أحدا لا يمكنه أن يعارضه، ولا يأتي بمثل ما جاء به عن

стр. 2247

ربه ، وقال تعالى: … (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * الآية [النور: ٥٥]، وهكذا وقع سواء بسواء، مكن الله هذا الدين وأظهره، وأعلاه ونشره في سائر الآفاق، وأنفذه وأمضاه، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بخلافة الصديق، ولا شك في دخوله فيها، ولكن لا تختص به، بل تعمه كما تعم غيره، كما ثبت في الصحيح (١) " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لننفقن كنوزهما في سبيل الله "، وقد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وأرضاهم، وقال تعالى: … (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) … [التوبة: ٣٣] وهكذا وقع وعم هذا الدين، وغلب وعلا على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمته في زمن الصحابة ومن بعدهم، وذلت لهم سائر البلاد، ودان لهم جميع أهلها، على اختلاف أصنافهم، وصار الناس إما مؤمن داخل في الدين، وإما مهادن باذل الطاعة والمال، وإما محارب خائف وجل من سطوة الاسلام وأهله. وقد ثبت في الحديث: إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها (٢). وقال تعالى: … (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون) * الآية [الفتح: ١٦]، وسواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مسيلمة، أو الروم، فقد وقع ذلك، وقال تعالى … (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فجعل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما … وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا) … [الفتح: ٢٠] وسواء كانت هذه الأخرى خيبر أو مكة فقد فتحت وأخذت كما وقع به الوعد سواء بسواء، وقال تعالى: … (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) … [الفتح: ٢٧] فكان هذا الوعد في سنة الحديبية عام ست، ووقد إنجازه في سنة سبع عام عمرة القضاء كما تقدم، وذكرنا هناك الحديث بطوله، وفيه أن عمر قال: يا رسول الله ألم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا، قال فإنك تأتيه وتطوف به. وقال تعالى: … (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) … [الأنفال: ٧] وهذا الوعد كان في وقعة بدر لما خرج رسول الله ﷺ من المدينة ليأخذ عير قريش، فبلغ قريش خروجه إلى عيرهم، فنفروا في

стр. 2248

قريب من ألف مقاتل، فلما تحقق رسول الله ﷺ وأصحابه قدومهم وعده الله إحدى الطائفتين أن سيظفره بها، إما العير وإما النفير، فود كثير من الصحابة - ممن كان معه - أن يكون الوعد للعير، لما فيه من الأموال وقلة الرجال، وكرهوا لقاء النفير لما فيه من العدد والعدد، فخار الله لهم وأنجز لهم وعده في النفير فأوقع بهم بأسه الذي لا يرد، فقتل من سراتهم سبعون وأسر سبعون وفادوا أنفسهم بأموال جزيلة، فجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: … (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين) … [الأنفال: ٧] وقد تقدم بيان هذا في غزوة بدر، وقال تعالى: … (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى (١) إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) … [الأنفال: ٧٠] وهكذا وقع فإن الله عوض من أسلم منهم بخير الدنيا والآخرة. ومن ذلك ما ذكره البخاري أن العباس جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلا، فقال له: خذ، فأخذ في ثوب مقدارا لم يمكنه أن يقله، وثم وضع منه مرة بعد مرة حتى أمكنه أن يحمله على كاهله، وانطلق به كما ذكرناه في موضعه مبسوطا … وهذا من تصديق هذه الآية الكريمة، وقال تعالى: … (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) … الآية [التوبة: ٢٨]، وهكذا وقع عوضهم الله عما كان يغدو إليهم مع حجاج المشركين، بما شرعه لهم من قتال أهل الكتاب، وضرب الجزية عليهم، وسلب أموال من قتل منهم على كفره، كما وقع بكفار أهل الشام من الروم ومجوس الفرس، بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشر الاسلام على أرجائها، وحكم على مدائنها وفيفائها، قال تعالى: … (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) … [التوبة: ٣٣] وقال تعالى: … (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس) … الآية [التوبة: ٩٥]، وهكذا وقع، لما رجع ﷺ من غزوة تبوك كان قد تخلف عنه طائفة من المنافقين، فجعلوا يحلفون بالله لقد كانوا معذورين في تخلفهم، وهم في ذلك كاذبون، فأمر الله رسوله أن يجري أحوالهم على ظاهرها، لا يفضحهم عند الناس، وقد أطلعه الله على أعيان جماعة منهم أربعة عشر رجلا كما قدمناه لك في غزوة تبوك، فكان حذيفة بن اليمان ممن يعرفهم بتعريفه إياه ﷺ . وقال تعالى: … (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) … [الاسراء: ٧٦] وهكذا وقع، لما اشتوروا عليه ليثبتوه: أو يقتلوه أو يخرجوه من بين أظهرهم، ثم وقع الرأي على القتل، فعند ذلك أمر الله رسوله بالخروج من بين أظهرهم، فخرج هو وصديقه أبو بكر، فكمنا في غار ثور ثلاثا، ثم ارتحلا بعدها كما قدمنا، وهذا هو المراد بقوله … (إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) *

стр. 2249

[التوبة: ٤٠] وهو المراد من قوله … (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) … [الأنفال: ٣٠] ولهذا قال: … (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) … [الاسراء: ٧٦] وقد وقع كما أخبر فإن الملأ الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته ﷺ إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة وتابعه المهاجرون والأنصار، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس، وكسرت تلك الرؤوس، وقد كان ﷺ يعلم ذلك قبل كونه من إخبار الله له بذلك، ولهذا قال سعد بن معاذ لأمية بن خلف: أما إني سمعت محمدا ﷺ يذكر أنه قاتلك، فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فإنه والله لا يكذب، وسيأتي الحديث في بابه. وقد قدمنا أنه ﵇ جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى، فما تعدى أحد منهم موضعه الذي أشار إليه، صلوات الله وسلامه. وقال تعالى: … (آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم … وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * [الروم: ١ - ٦] وهذا الوعد وقع كما أخبر به، وذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون، واغتنم بذلك المؤمنون، لان النصارى أقرب إلى الاسلام من المجوس، فأخبر الله رسوله ﷺ بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة بسبع سنين، وكان من أمر مراهنة الصديق رؤوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة، ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا التفسير، فوقع الامر كما أخبر به القرآن، غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا، وقصتهم في ذلك يطول بسطها، وقد شرحناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة. وقال تعالى: … (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) … [فصلت: ٥٣] وكذلك وقع، أظهر الله من آياته ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة، ومخالفي الشرع ممن كذب به من أهل الكتابين، والمجوس والمشركين، ما دل ذوي البصائر والنهى على أن محمدا رسول الله حقا، وأن ما جاء به من الوحي عن الله صدق، وقد أوقع له في صدور أعدائه وقلوبهم رعبا ومهابة وخوفا، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: نصرت بالرعب مسيرة شهر (١)، وهذا من التأييد والنصر الذي آتاه الله ، وكان عدوه يخافه وبينه وبينه مسيرة شهر، وقيل: كان إذا عزم على غزوة قوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم، ووروده عليهم بشهر، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. فصل وأما الأحاديث الدالة على إخباره بما وقع كما أخبر، فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة

стр. 2250

التي تعاقدت فيها بطون قريش، وتمالأوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يؤووهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، فدخلت بنو هاشم وبنو المطلب، بمسلمهم وكافرهم شعب أبي طالب أنفين لذلك ممتنعين منه أبدا، ما بقوا دائما، ما تناسلوا وتعاقبوا، وفي ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها: كذبتم وبيت الله نبزي محمدا … ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل وما ترك قوم لا أبا لك سيدا … يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل وكانت قريش قد علقت صحيفة الزعامة في سقف الكعبة، فسلط الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من أسماء الله، لئلا يجتمع بما فيها من الظلم والفجور، وقيل: إنها أكلت ما فيها إلا أسماء الله ، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ عمه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال: إن ابن أخي قد أخبرني بخبر عن صحيفتكم، فإن الله قد سلط عليها الأرضة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء الله، أو كما قال: فأحضروها، فأن كان كما قال وإلا أسلمته إليكم، فأنزلوها ففتحوها فإذا الامر كما أخبر به رسول الله ﷺ ، فعند ذلك نقضوا حكمها ودخلت بنو هاشم وبنو المطلب مكة، ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، كما أسلفنا ذكره ولله الحمد … ومن ذلك حديث خباب بن الأرت، حين جاء هو وأمثاله من المستضعفين يستنصرون النبي ﷺ ، وهو يتوسد رداءه في ظل الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب والإهانة، فجلس محمرا وجهه وقال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الامر ولكنكم تستعجلون … ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري: ثنا محمد بن العلاء (١)، ثنا حماد بن أسامة، عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن جده أبي بردة عن أبي موسى، أراه عن النبي ﷺ قال: رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هحر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا بعد يوم بدر (٢) … ومن ذلك قصة سعد بن معاذ مع

стр. 2251

أمية بن خلف حين قدم عليه مكة. قال البخاري: ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف، أبي صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، فبينا سعد يطوف فإذا أبو جهل، فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فإني سمعت محمدا ﷺ يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ، قالت له امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم فقتله الله … وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد تقدم بأبسط من هذا السياق … ومن ذلك قصة أبي بن خلف الذي كان يعلف حصانا له، فإذا مر برسول الله ﷺ يقول: إني سأقتلك عليه، فيقول له رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله، فقتله يوم أحد كما قدمنا بسطه … ومن ذلك إخباره عن مصارع القتلى يوم بدر كما تقدم الحديث في الصحيح أنه جعل يشير قبل الوقعة إلى محلها ويقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان، قال: فوالذي بعثه بالحق ما حاد أحد منهم عن مكانه الذي أشار إليه رسول الله ﷺ … ومن ذلك قوله لذلك الرجل الذي كان لا يترك للمشركين شاذة ولا فادة إلا اتبعها ففراها بسيفه، وذلك يوم أحد، وقيل: خيبر وهو الصحيح، وقيل: في يوم حنين، فقال الناس: ما أغنى أحد اليوم ما أغنى فلان، يقال: إنه قرمان، فقال: إنه من أهل النار، فقال بعض الناس: أنا صاحبه، فاتبعه فجرح فاستعجل الموت فوضع ذباب سيفه في صدره ثم تحامل عليه حتى أنفذه، فرجع ذلك الرجل فقال: أشهد أن لا إلا إلا الله وأنك رسول الله، فقال: وما ذاك؟ فقال: إن الرجل الذي ذكرت آنفا كان من أمره كيت وكيت، فذكر الحديث كما تقدم *

стр. 2252

ومن ذلك إخباره عن فتح مدائن كسرى وقصور الشام وغيرها من البلاد يوم حفر الخندق، لما ضرب بيده الكريمة تلك الصخرة فبرقت من ضربه، ثم أخرى، ثم أخرى كما قدمناه … ومن ذلك إخباره ﷺ عن ذلك الذراع أنه مسموم، فكان كما أخبر به، اعترف اليهود بذلك، ومات من أكل معه - بشر بن البراء بن معرور - … ومن ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: اللهم نج أصحاب السفينة، ثم مكث ساعة، ثم قال: قد استمرت * والحديث بتمامه في دلائل النبوة للبيهقي (١)، وكانت تلك السفينة قد أشرفت على الغرق وفيها الأشعريون الذين قدموا عليه وهو بخيبر … ومن ذلك إخباره عن قبر أبي رغال، حين مر عليه وهو ذاهب إلى الطائف وأن معه غصنا من ذهب، فحفروه فوجدوه كما أخبر، صلوات الله وسلامه عليه … رواه أبو داود من حديث أبي إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن بحر بن أبي بحر عن عبد الله بن عمرو به … ومن ذلك قوله ﵇ للأنصار، لما خطبهم تلك الخطبة مسليا لهم عما كان وقع في نفوس بعضهم من الايثار عليهم في القسمة لما تألف قلوب من تألف من سادات العرب، ورؤوس قريش، وغيرهم، فقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟ … وقال: إنكم ستجدون بعدي أثره فاصبروا حتى تلقوني على الحوض … وقال: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار … وقال لهم في الخطبة قبل هذه على الصفا: بل المحيا محياكم، والممات مماتكم … وقد وقع جميع ذلك كما أخبر به سواء بسواء. وقال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: وأخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (٢) * ورواه مسلم عن حرملة عن ابن وهب عن يونس به … وقال البخاري: ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رفعه: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وقال: لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (٣) … وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث جرير، وزاد البخاري وابن عوانة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير به، وقد وقع مصداق ذلك بعده في أيام الخلفاء الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان، استوثقت هذه الممالك فتحا على أيدي المسلمين، وأنفقت أموال قيصر ملك الروم، وكسرى ملك الفرس، في سبيل الله، على ما سنذكره بعد إن شاء الله. وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين، وهي أن ملك فارس قد انقطع فلا عودة له، وملك الروم للشام قد زال عنها، فلا يملكوها بعد ذلك، ولله الحمد

стр. 2253

والمنة … وفيه دلالة على صحة خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، والشهادة لهم بالعدل، حيث أنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل الله على الوجه المرضي الممدوح … وقال البخاري، ثنا محمد بن الحكم، ثنا النضر، ثنا إسرائيل، ثنا سعد الطائي، أنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ما تخاف أحدا إلا الله قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار (١) طئ الذين قد سعروا البلاد؟ - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فيقولن له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا وأفضلت عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة فلا تخاف إلا الله ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفه (٢) ثم رواه البخاري عن عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - عن أبي عاصم النبيل، عن سعدان بن بشر، عن أبي مجاهد - سعد الطائي - عن محل عنه به، وقد تفرد به البخاري من هذين الوجهين، ورواه النسائي من حديث شعبة عن محل عنه: اتقوا النار ولو بشق تمرة … وقد رواه البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث زهير، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مغفل، عن عدي مرفوعا. اتقوا النار ولو بشق تمرة … وكذلك أخرجاه في الصحيحين: من حديث الأعمش عن خيثمة عن عبد الرحمن عن عدي، وفيها من حديث شعبة عن عمرو بن مرة، عن خيثمة عن عدي به * وهذه كلها شواهد لأصل هذا الحديث الذي أوردناه، وقد تقدم في غزوة الخندق الاخبار بفتح مدائن كسرى وقصوره وقصور الشام وغير ذلك من البلاد … وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل، عن قيس عن خباب قال: أتينا رسول الله ﷺ وهو في ظل الكعبة متوسدا بردة له، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله لنا واستنصره، قال: فأحمر لونه أو تغير، فقال: لقد كان من قبلكم تحفر له الحفيرة ويجاء بالميشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه، ويمشط

стр. 2254

بأمشاط الحديد ما دون عظم أو لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون (١) * وهكذا رواه البخاري عن مسدد، ومحمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد به … ثم قال البخاري في كتاب علامات النبوة: حدثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الحسين، عن عتبة (٢) عن النبي ﷺ أنه خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: أنا فرطكم، وأنا شهيد عليكم، إني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا، ولكني أخاف أن تنافسوا فيها (٣) … وقد رواه البخاري أيضا من حديث حياة بن شريح، ومسلم من حديث يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب كرواية الليث عنه … ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء، منها أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم، أي المتقدم عليهم في الموت، وهكذا وقع، فإن هذا كان في مرض موته ﵇، ثم أخبر أنه شهيد عليهم وإن تقدم وفاته عليهم، وأخبر أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض، أي فتحت له البلاد كما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تفتحونها كفرا كفرا، أي بلدا بلدا، وأخبر أن أصحابه لا يشركون بعده، وهكذا وقع والله الحمد والمنة، ولكن خاف عليهم أن ينافسوا في الدنيا، وقد وقع هذا في زمان علي ومعاوية ﵄ ثم من بعدهما، وهلم جرا إلى وقتنا هذا … ثم قال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، أنا أزهر بن سعد، أنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس بن مالك عن أنس أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أعلم لك علمه؟ فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ، فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة (٤)، تفرد به البخاري … وقد قتل ثابت بن قيس بن شماس شهيدا يوم اليمامة كما سيأتي تفصيله، وهكذا ثبت في الحديث الصحيح البشارة لعبد الله بن سلام أنه يموت على الاسلام، ويكون من أهل الجنة، وقد مات ﵁ على أكمل أحواله وأجملها، وكان الناس يشهدون له بالجنة في حياته لاخبار الصادق عنه بأنه يموت على الاسلام، وكذلك وقع … وقد ثبت في الصحيح الاخبار عن العشرة بأنهم من أهل الجنة، بل

стр. 2255

ثبت أيضا الاخبار عنه صلوات الله وسلامه عليه بأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، ولم ينقل أن أحدا من هؤلاء ﵁ عاش إلا حميدا، ولا مات إلا على السداد والاستقامة والتوفيق، ولله الحمد والمنة … وهذا من أعلام النبوات، ودلالات الرسالة. فصل في الاخبار بغيوب ماضية ومستقبلة روى البيهقي من حديث إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن فلانا مات، فقال: لم يمت، فعاد الثانية فقال: إن فلانا مات، فقال: لم يمت، فعاد الثالثة فقال: إن فلانا نحر نفسه بمشقص عنده، فلم يصل عليه … ثم قال البيهقي تابعه زهير عن سماك … ومن ذلك الوجه رواه مسلم مختصرا في الصلاة (١) … وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا هريم بن سفيان عن سنان (٢) بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم قال: مرت بي جارية بالمدينة فأخذت بكشحها، قال: وأصبح الرسول ﷺ يبايع الناس، قال: فأتيته فلم يبايعني، فقال: صاحب الجبيذة؟ قال: قلت: والله لا أعود، قال: فبايعني (٣) * ورواه النسائي عن محمد بن عبد الرحمن الحربي عن أسود بن عامر به، ثم رواه أحمد عن سريج عن يزيد بن عطاء عن بيان بن بشر عن قيس عن أبي شهم فذكره … وفي صحيح البخاري: عن أبي نعيم، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا في عهد رسول الله ﷺ خشية أن ينزل فينا شئ، فلما توفي تكلمنا وانبسطنا (٤) … وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحرث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه قال: والله لقد كان أحدنا يكف عن الشئ مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفا أن ينزل فيه شئ من القرآن (٥) … وقال أبو داود: ثنا محمد بن العلاء، ثنا ابن إدريس، ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت رسول

стр. 2256

الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء وجئ بالطعام، فوضع يده فيه ووضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فيه، ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، قال فأرسلت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة: أن أرسل بها إلي بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله ﷺ : أطعميه الأسارى (١). فصل في ترتيب الاخبار بالغيوب المستقبلة بعده ﷺ ثبت في صحيح البخاري ومسلم: من حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان: قال: قام رسول الله ﷺ فينا مقاما ما ترك فيه شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله، وقد كنت أرى الشئ قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه (٢) … وقال البخاري: ثنا يحيى بن موسى، حدثنا الوليد، حدثني ابن جابر، حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك لشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن (٣)، قلت: وما دخنه؟ فقال: قوم يهدون بغير هديي يعرف منهم ينكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويكلمون بألسنتنا، قلت: فما أمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (٤) … وقد رواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى عن الوليد عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر به … قال البخاري، ثنا

стр. 2257

محمد بن مثنى، ثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل عن قيس عن حذيفة قال: تعلم أصحابي الخير: وتعلمت الشر (١) … تفرد به البخاري، وفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن حذيفة قال: لقد حدثني رسول الله ﷺ بما يكون حتى تقوم الساعة، غير أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة منها (٢) … وفي صحيح مسلم من حديث علياء بن أحمر عن أبي يزيد - عمرو بن أخطب - قال: أخبرنا رسول الله ﷺ بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظنا (٣) … وفي الحديث الآخر: حتى دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار (٤) … وقد تقدم حديث خباب بن الأرت: والله ليتمن الله هذا الامر ولكنكم تستعجلون … وكذا حديث عدي بن حاتم في ذلك، وقال الله تعالى: … (ليظهره على الدين كله) … [التوبة: ٣٣] وقال تعالى … (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) … الآية [النور: ٥٥] … وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (٥) … وفي حديث آخر (٦): ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء … وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن المسور، عن عمرو بن عوف، فذكر قصة بعث أبي عبيدة إلى البحرين قال: وفيه قال: قال رسول الله ﷺ : أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تنبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم (٧) … وفي الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : هل لكم من أنماط؟ قال: قلت يا رسول الله: وأنى يكون لنا أنماط؟ فقال: أما إنها ستكون لكم أنماط، قال: فأنا أقول لامرأتي، نحي عني أنماطك، فتقول: ألم يقل رسول الله: إنها ستكون لكم أنماط؟

стр. 2258

فأتركها (١) … وفي الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن أبي زهير قال: قال رسول الله ﷺ : تفتح اليمن فيأتي قوم يبثون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون (٢) … كذلك رواه عن هشام بن عروة جماعة كثيرون وقد أسنده الحافظ ابن عساكر من حديث مالك وسفيان بن عيينة وابن جريج وأبو معاوية ومالك بن سعد بن الحسن وأبو ضمرة أنس بن عياض وعبد العزيز بن أبي حازم وسلمة بن دينار وجرير بن عبد الحميد … ورواه أحمد عن يونس عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة … وعبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام، ومن حديث مالك بن هشام به بنحوه … ثم روى أحمد عن سليمان بن داود الهاشمي عن إسماعيل بن جعفر: أخبرني يزيد بن خصيفة أن بسر بن سعيد أخبره أنه سمع في مجلس المكيين (٣) يذكرون أن سفيان أخبرهم، فذكر قصة وفيها: أن رسول الله ﷺ قال له: ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من هذا البلد - يعني المدينة - فيعجبهم ربعهم ورخاؤه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم يفتح العراق فيأتي قوم يثبون (٤) فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون … وأخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل، ورواه الحافظ ابن عساكر من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ بنحوه، وكذا حديث ابن حوالة ويشهد لذلك: منعت الشام مدها ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم (٥) … وهو في الصحيح، وكذا حديث: المواقيت لأهل الشام واليمن، وهو في الصحيحين وعند مسلم: ميقات أهل العراق، ويشهد لذلك أيضا حديث: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله … وفي صحيح البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: أعدد ستا بين يدي الساعة، فذكر موته ﵇، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان - وهو الوباء - ثم كثرة المال،

стр. 2259

ثم فتنة، ثم هدنة بين المسلمين والروم، وسيأتي الحديث فيما بعد (١) … وفي صحيح مسلم: من حديث عبد الرحمن بن شماسة عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما، فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة فأخرج منها. قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة يختصمان في موضع لبنة فخرج منها (٢) - يعني ديار مصر على يدي عمرو بن العاص في سنة عشرين كما سيأتي … وروى ابن وهب عن مالك والليث عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما … رواه البيهقي من حديث إسحاق بن راشد (٣) عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه … وحكى أحمد بن حنبل (٤) عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله: ذمة ورحما، فقال: من الناس من قال: إن أم إسماعيل - هاجر - كانت قبطية، ومن الناس من قال: أم إبراهيم قلت: الصحيح الذي لا شك فيه أنهما قبطيتان كما قدمنا ذلك، ومعنى قوله: ذمة، يعني بذلك هدية المقوقس إليه وقبوله ذلك منه، وذلك نوع ذمام ومهادنة، والله تعالى أعلم … وتقدم ما رواه البخاري من حديث محل بن خليفة عن عدي بن حاتم في فتح كنوز كسرى وانتشار الامن، وفيضان المال حتى لا يتقبله أحد، وفي الحديث أن عديا شهد الفتح ورأى الظعينة ترتحل من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، قال: ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم ﷺ ، من كثرة المال حتى لا يقبله أحد … قال البيهقي: وقد كان ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز (٥)، قلت: ويحتمل أن يكون ذلك متأخرا إلى زمن المهدي كما جاء في صفته، أو إلى زمن نزول عيسى بن مريم ﵇ بعد قتله الدجال، فإنه قد ورد في الصحيح أنه يقتل الخنزيز، ويكسر الصليب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد والله تعالى أعلم … وفي صحيح مسلم من حديث ابن أبي ذئب عن مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، وليفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر الأبيض، قصر كسرى، وأنا فرطكم على الحوض، الحديث بمعناه (٦) … وتقدم حديث

стр. 2260

عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة مرفوعا: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله … أخرجاه، وقال البيهقي: المراد زوال ملك قيصر، عن الشام، ولا يبقى فيها ملكه على الروم، لقوله ﵇، لما عظم كتابه: ثبت ملكه، وأما ملك فارس فزال بالكلية، لقوله: مزق الله ملكه (١)، وقد روى أبو داود: عن محمد بن عبيد، عن حماد عن يونس، عن الحسن أن عمر بن الخطاب - وروينا في طريق أخرى عن عمر بن الخطاب ﵁ لما جئ بفروة كسرى وسيفه ومنطقته وتاجه وسواريه، ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم، وقال: قل الحمد لله الذي ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابي من البادية، قال الشافعي: إنما ألبسه ذلك لان النبي ﷺ قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه -: كأني بك وقد لبست سواري كسرى، والله أعلم (٢) * وقال سفيان بن عيينة: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وإنكم ستفتحونها، فقام رجل فقال: يا رسول الله هب لي ابنته نفيلة (٣)، قال: هي لك، فأعطوه إياها، فجاء أبوها فقال: أتبيعها؟ قال: نعم، قال: فبكم؟ أحكم ما شئت، قال: ألف درهم، قال: قد أخذتها، فقالوا له: لو قلت ثلاثين ألفا لاخذها، فقال: وهل عدد أكثر من ألف؟ … وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية، عن ضمرة بن حبيب أن ابن زغب الأيادي حدثه قال: نزل علي عبد الله بن حوالة الأزدي فقال لي: بعثنا رسول الله ﷺ حول المدينة على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: اللهم لا تكلهم إلي فأضعف، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم، ثم قال: لتفتحن لكم الشام والروم وفارس، أو الروم وفارس، وحتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم كذا وكذا، وحتى يعطي أحدكم مائة دينار فيسخطها، ثم وضع يده على رأسي أو على هامتي فقال: يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك (٤) … ورواه أبو داود من حديث معاوية بن صالح … وقال أحمد: حدثنا حياة بن شريح، ويزيد بن عبد ربه قالا: ثنا بقية، حدثني بجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي قتيلة (٥) عن ابن حوالة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : سيصير الامر إلى أن تكون جنود مجندة،

стр. 2261

جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق، فقال ابن حوالة، خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام فإنه خيرة الله من أرضه يجئ إليه خيرته من عباده، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم واسعوا من غدره. فإن الله تكفل لي بالشام وأهله (١) … وهكذا رواه أبو داود عن حياة بن شريح به. وقد رواه أحمد أيضا عن عصام بن خالد وعلي بن عياش كلاهما عن حريز بن عثمان، عن سليمان بن شمير، عن عبد الله بن حوالة، فذكر نحوه، ورواه الوليد بن مسلم الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول، وربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عبد الله بن حوالة به … وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو علقمة - نصر بن علقمة - يروي (٢) الحديث إلى جبير بن نفير. قال: قال عبد الله بن حوالة: كنا عند رسول الله ﷺ فشكونا إليه العري والفقر، وقلة الشئ، فقال: أبشروا فوالله لأنا بكثرة الشئ أخوفني عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الامر فيكم حتى يفتح الله عليكم أرض الشام، أو قال: أرض فارس وأرض الروم وأرض حمير، وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة، جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن، وحتى يعطى الرجل المائة فيسخطها، قال ابن حوالة: قلت: يا رسول الله ومن يستطيع الشام وبه الروم ذوات القرون؟ قال: والله ليفتحها الله عليكم، وليستخلفنكم فيها حتى تطل العصابة البيض منهم، قمصهم الملحمية. أقباؤهم قياما على الرويحل، الأسود منكم المحلوق ما أمرهم من شئ فعلوه، وذكر الحديث (٣)، قال أبو علقمة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي (٤) يقول: فعرف أصحاب رسول الله نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي (٥)، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قياما حوله فيعجبون لنعت رسول الله ﷺ فيه وفيهم … وقال أحمد: حدثنا حجاج، ثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط النجيبي عن عبد الله بن حوالة الأزدي أن رسول الله ﷺ قال: من نجا من ثلاث فقد نجا، قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: موتي، ومن قتال خليفة مصطبر بالحق يعطيه، والدجال (٦) … وقال أحمد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل

стр. 2262

دومة، وهو عنده كاتب يملي عليه، فقال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: فيم يا رسول الله؟ فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله؟ فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه، قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت: لا يكتب عمر إلا في خير، ثم قال: أنكبتك يا ابن حوالة؟ قلت: نعم، فقال: يا ابن حوالة، كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي نفر (١)؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: فكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الأولى منها انتفاجة أرنب؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: ابتغوا هذا، قال: ورجل مقفى حينئذ، قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبه فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: هذا؟ قال: نعم، قال: فإذا هو عثمان بن عفان ﵁ (٢) * وثبت في صحيح مسلم من حديث يحيى بن آدم عن زهير بن معاوية عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه … وقال يحيى بن آدم وغيره من أهل العلم: هذا من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم والقفزان، وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك، صلوات الله وسلامه عليه … وقد اختلف الناس في معنى قوله ﵇: منعت العراق الخ، فقيل: معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج، ورجحه البيهقي (٣)، وقيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، ولهذا قال: وعدتم من حيث بدأتم، أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك، كما ثبت في صحيح مسلم: إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء (٤) … ويؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريري عن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجئ إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجئ إليهم دينار ولا مد، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذلك، قال: ثم سكت هنيهة، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا، لا يعده عدا، قال الجريري: فقلت لأبي نضرة وأبي

стр. 2263

العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا (١) … وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطفة العبدي عن جابر كما تقدم، والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه … وثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الخليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، وفي صحيح مسلم عن جابر: ولأهل العراق ذات عرق، فهذا من دلائل النبوة، حيث أخبر عما وقع من حج أهل الشام واليمن والعراق، صلوات الله وسلامه عليه … وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام (٢) من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح الله لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب من صاحبهم؟ فيقال: نعم، فيفتح الله لهم (٣) … وثبت في الصحيحين: من حديث ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة … (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) … [الجمعة: ٣] فقال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال: لو كان الايمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء (٤)، وهكذا وقع كما أخبر به ﵇ … وروى الحافظ البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن بشر (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لتفتحن عليكم فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر عليه اسم الله … وروى الإمام أحمد والبيهقي وابن عدي وغير واحد: من حديث أوس بن عبد الله بن بريدة: عن أخيه سهل، عن أبيه عبد الله بن بريدة بن الخصيب مرفوعا: ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان، ثم أسكن مدينة مرو، فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، وقال: لا يصيب أهلها سوء (٦) … وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من

стр. 2264

يجعله موضوعا، فالله أعلم … وقد تقدم حديث أبي هريرة، من جميع طرقه في قتال الترك، وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء، وسيقع أيضا … وفي صحيح البخاري من حديث شعبة، عن فرات القزاز، عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء: كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم (١) … وفي صحيح مسلم من حديث أبي رافع عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ما كان نبي إلا كان له حواريون يهدون بهديه، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويعملون ما ينكرون (٢) … وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن الحرث بن محمد بن حاطب الجمحي، عن سهيل (٣) بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يكون بعد الأنبياء خلفاء يعملون بكتاب الله، ويعدلون في عباد الله، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر، ويقتلون الرجال، ويصطفون الأموال، فمغير بيده، ومغير بلسانه، وليس وراء ذلك من الايمان شئ … وقال أبو داود الطيالسي: ثنا جرير بن حازم، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: إن الله بدأ هذا الامر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عزة وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله ، وهذا كله واقع (٤) … وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وحسنه - والنسائي من حديث سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله أن رسول الله ﷺ قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا … وفي رواية: ثم يؤتي ملكه من يشاء (٥)، وهكذا وقع سواء، فأن أبا بكر ﵁ كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال، وكانت خلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة إلا إثنا عشر يوما، وكانت خلافة علي بن أبي طالب

стр. 2265

خمس سنين إلا شهرين، قلت: وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي نحوا من ستة أشهر، حتى نزل عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة، كما سيأتي بيانه وتفصيله … وقال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن فضيل، ثنا مؤمل، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتي الله ملكه من يشاء، فقال معاوية: رضينا بالملك (٢) … وهذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، وعلى النواصب من بني أمية ومن تبعهم من أهل الشام، في إنكار خلافة علي بن أبي طالب، فإن قيل: فما وجه الجمع بين حديث سفينة هذا وبين حديث جابر بن سمرة المتقدم في صحيح مسلم: لا يزال هذا الدين قائما ما كان في الناس إثنا عشر خليفة كلهم من قريش؟ فالجواب: إن من الناس من قال: إن الدين لم يزل قائما حتى ولي إثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بني أمية، وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش، وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كانت بعد ذلك خلفاء راشدون، فيهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي ﵁، وقد نص على خلافته وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين، غير واحد من الأئمة، حتى قال أحمد بن حنبل ﵁: ليس قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، ومنهم من ذكر من هؤلاء المهدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضا بالنص على كونه من أهل البيت، واسمه محمد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامرا، فإن ذاك ليس بموجود بالكلية، وإنما ينتظره الجهلة من الروافض … وقد تقدم في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: لقد هممت أن أدعو أباك وأخاك وأكتب كتابا لئلا يقول قائل، أو يتمنى متمن، ثم قال رسول الله ﷺ : يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (٣) … وهكذا وقع، فإن الله ولاه وبايعه المؤمنون قاطبة كما تقدم … وفي صحيح البخاري: أن امرأة قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ - كأنها تعرض بالموت - فقال: إن لم تجديني فأت أبا بكر … وثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيتني على قليب، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا (٤)، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن (٥)، قال الشافعي رحمه

стр. 2266

الله: رؤيا الأنبياء وحي، وقوله: وفي نزعه ضعف، قصر مدته، وعجلة موته، واشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الذي ناله عمر بن الخطاب في طول مدته، قلت: وهذا فيه البشارة بولايتهما على الناس، فوقع كما أخبر سواء، ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان: من حديث ربعي بن خراش، عن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ أنه قال: اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر ﵄، وقال الترمذي: حسن، وأخرجه من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ ، وتقدم من طريق الزهري عن رجل عن أبي ذر حديث تسبيح الحصى في يد رسول الله، ثم يد أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقوله ﵇: هذه خلافة النبوة … وفي الصحيح عن أبي موسى قال: دخل رسول الله ﷺ حائطا فدلى رجليه في القف فقلت: لأكونن اليوم بواب رسول الله ﷺ ، فجلست خلف الباب فجاء رجل فقال: افتح، فقلت: من أنت؟ قال: أبو بكر، فأخبرت رسول الله ﷺ ، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال كذلك، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل وهو يقول: الله المستعان (١) … وثبت في صحيح البخاري من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال: صعد رسول الله ﷺ أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل، فضربه رسول الله ﷺ برجله وقال: أثبت، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان (٢) * وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن حراء ارتج وعليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال النبي ﷺ : أثبت ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان، قال معمر: قد سمعت قتادة عن النبي ﷺ مثله (٣)، وقد روى مسلم عن قتيبة عن الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة فقال النبي ﷺ : اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد (٤) … وهذا من دلائل النبوة، فإن هؤلاء كلهم أصابوا الشهادة، واختص رسول الله ﷺ بأعلى مراتب الرسالة والنبوة، واختص أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية … وقد ثبت في الصحيح

стр. 2267

الشهادة للعشرة بالجنة بل لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبية، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: وثلاثمائة، وقيل: وخمسمائة، وكلهم استمر على السداد والاستقامة حتى مات ﵃ أجمعين … وثبت في صحيح البخاري البشارة لعكاشة بأنه من أهل الجنة فقتل شهيدا يوم اليمامة … وفي الصحيحين من حديث يونس عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، تضئ وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، فقام عكاشة بن محصن الأسدي يجر نمرة عليه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال النبي ﷺ : اللهم أجعله منهم، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة (١) … وهذا الحديث قد روي من طرق متعددة تفيد القطع، وسنورده في باب صفة الجنة، وسنذكر في قتال أهل الردة أن طلحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن شهيدا ﵁، ثم رجع طلحة الأسدي عما كان يدعيه من النبوة وتاب إلى الله، وقدم على أبي بكر الصديق واعتمر وحسن إسلامه … وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيت كأنه وضع في يدي سواران فقطعتهما، فأوحى إلي في المنام: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة … وقد تقدم في الوفود أنه قال لمسيلمة حين قدم مع قومه وجعل يقول: إن جعل لي محمد الامر من بعده اتبعته، فوقف عليه رسول الله ﷺ وقال له: والله لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت … وهكذا وقع، عقره الله وأهانه وكسره وغلبه يوم اليمامة، كما قتل الأسود العنسي بصنعاء، على ما سنورده إن شاء الله تعالى … وروى البيهقي من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال: لقي رسول الله ﷺ مسيلمة فقال له مسيلمة: أتشهد أني رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : آمنت بالله وبرسله، ثم قال رسول الله ﷺ : إن هذا رجل أخر لهلكة قومه (٢) … وقد ثبت في الحديث الآخر أن مسيلمة كتب بعد ذلك إلى النبي ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركت في الامر بعدك، فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. وقد جعل الله العاقبة لمحمد وأصحابه، لأنهم هم المتقون وهم العادلون المؤمنون، لا من عداهم … وقد وردت الأحاديث المروية من طرق عنه ﷺ في الاخبار عن الردة التي وقعت في زمن الصديق فقاتلهم الصديق بالجنود المحمدية حتى رجعوا إلى دين الله أفواجا، وعذب

стр. 2268

ماء الايمان كما كان بعد ما صار أجاجا، وقد قال الله تعالى … (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) … الآية، قال المفسرون: هم أبو بكر وأصحابه ﵃ … وثبت في الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة في قصة مسارة النبي ﷺ ابنته فاطمة وإخباره إياها بأن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، وأنه عارضني العام مرتين، وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي، فبكت، ثم سارها فأخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وأنها أول أهله لحوقا به (١) … وكان كما أخبر، قال البيهقي: واختلفوا في مكث فاطمة بعد رسول الله ﷺ فقيل: شهران، وقيل: ثلاثة، وقيل: ستة، وقيل: ثمانية، قال: وأصح الروايات رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: مكثت فاطمة بعد وفاة رسول الله ﷺ ستة أشهر … وأخرجاه في الصحيحين (٢). ومن كتاب دلائل النبوة في باب إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إنه قد كان في الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب … (٣) وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد الله بن موسى، أنا أبو إسرائيل - كوفي - عن الوليد بن العيزار، عن عمر بن ميمون عن علي ﵁. قال: ما كنا ننكر ونحن متوافرون أصحاب محمد ﷺ ، أن السكينة تنطق على لسان عمر، قال البيهقي: تابعه زر بن حبيش والشعبي عن علي … (٤) وقال يعقوب بن سفيان: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك … (٥) وقد ذكرنا في سيرة عمر بن الخطاب ﵁ أشياء كثيرة، ومن مكاشفاته وما كان يخبر به من المغيبات كقصة سارية بن زنيم، وما شاكلها ولله الحمد والمنة … ومن ذلك ما رواه البخاري: من حديث فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أن نساء النبي ﷺ اجتمعن عنده فقلن يوما: يا رسول الله أيتنا أسرع بك لحوقا؟ فقال: أطولكن يدا، وكانت سودة أطولنا ذراعا، فكانت أسرعنا به لحوقا … (٦) هكذا وقع في الصحيحين عند

стр. 2269

البخاري أنها سودة، وقد رواه يونس بن بكير عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي فذكر الحديث مرسلا وقال: فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة، والذي رواه مسلم عن محمود بن غيلان عن الفضل بن موسى، عن طلحة بن يحيى بن طلحة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ﵂، فذكرت الحديث وفيه: فكانت زينب أطولنا يدا، لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق، وهذا هو المشهور عن علماء التاريخ أن زينب بنت جحش كانت أول أزواج النبي ﷺ وفاة … قال الواقدي: توفيت سنة عشرين، وصلى عليها عمر بن الخطاب، قلت: وأما سودة فإنها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضا، قاله ابن أبي خيثمة … ومن ذلك ما رواه مسلم من حديث أسيد بن جابر، عن عمر بن الخطاب في قصة أويس القرني، وإخباره ﵇ عنه بأنه خير التابعين وأنه كان به برص فدعا الله فأذهبه عنه، إلا موضعا قدر الدرهم من جسده، وأنه بار بأمه وأمره لعمر بن الخطاب أن يستغفر له، وقد وجد هذا الرجل في زمان عمر بن الخطاب على الصفة والنعت الذي ذكره في الحديث سواء … وقد ذكرت طرق هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطولا في الذي جمعته من مسند عمر بن الخطاب ﵁ ولله الحمد والمنة … ومن ذلك ما رواه أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، حدثني جرير بن عبد الله وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت نوفل: أن رسول الله ﷺ لما غزا بدرا قالت: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله يرزقني بالشهادة، فقال لها: قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة، فكانت تسمى الشهيدة، وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في بيتها مؤذنا يؤذن لها، وكانت دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغماها في قطيفة لها حتى مات وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس وقال: من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما، فجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، وكانا أول مصلوبين بالمدينة … (١) وقد رواه البيهقي من حديث أبي نعيم: ثنا الوليد بن جميع، حدثني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث وكان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، فذكر الحديث وفي آخره فقال عمر: صدق رسول الله ﷺ كان يقول: انطلقوا بنا نزور الشهيدة … (٢) ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك في

стр. 2270

حديثه عنه في الآيات الست بعد موته وفيه: ثم موتان بأحدكم كقصاص الغنم (١)، وهذا قد وقع في أيام عشر، وهو طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة، منهم معاذ بن جبل، وأبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وأبو جندل سهل بن عمر وأبوه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، ﵃ أجمعين … وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا النهاس بن قهم، ثنا شداد أبو عمار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : ست من أشراط الساعة، موتي، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقصاص الغنم، وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، وأن يغزو الروم فيسيرون إليه بثمانين نبدا تحت كل نبد اثنا عشر ألفا … (٢) وقد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن حبان أنه سمع سليمان بن موسى يذكر أن الطاعون وقع بالناس يوم جسر عموسة فقام عمرو بن العاص فقال: يا أيها الناس، إنما هذا الوجع رجس فتنحوا عنه، فقام شرحبيل بن حسنة فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبكم، وإني والله لقد أسلمت وصليت، وإن عمرا لأضل من بعير أهله، وإنما هو بلاء أنزله الله ، فاصبروا، فقام معاذ بن جبل فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين، وإن هذا الطاعون رحمة ربكم ودعوة نبيكم ﷺ ، وإني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم ستقدمون الشام فتنزلون أرضا يقال لها: أرض عموسة، فيخرج بكم فيها خرجان له ذباب كذباب الدمل. يستشهد الله به أنفسكم وذراريكم ويزكي به أموالكم (٣)، اللهم إن كنت تعلم أني قد سمعت هذا من رسول الله ﷺ فارزق معاذا وآل معاذ منه الحظ الأوفى ولا تعافه منه، قال: فطعن في السبابة فجعل ينظر إليها ويقول: اللهم بارك فيها، فإنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا، ثم طعن ابنه فدخل عليه فقال: … (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) … [البقرة: ١٤٧] فقال … (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) (٤) وثبت في الصحيحين: من حديث الأعمس وجامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سلمة عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا، قال هات، إنك لجرئ، فقلت: ذكر

стр. 2271

فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والامر بالمعروف والنهي المنكر، فقال: ليس هذا أعني إنما أعني التي تموج موج البحر، فقلت: يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: ويحك، يفتح الله أم يكسر؟ قلت: بل يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلت: أجل، فقلنا لحذيفة: فكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، وإني حدثته حديثا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق فسأله، فقال من بالباب؟ قال: عمر (١)، وهكذا وقع من بعد مقتل عمر، وقعت الفتن في الناس، وتأكد ظهورها بمقتل عثمان بن عفان ﵄ … وقد قال يعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن سفيان، عن عروة بن قيس قال خطبنا خالد بن الوليد فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني إلى الهند، فقال رجل من تحته: اصبر أيها الأمير، فإن الفتن قد ظهرت، فقال خالد: أما وابن الخطاب حي فلا، وإنما ذاك بعده … (٢) وقد روى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: أبصر رسول الله ﷺ على عمر ثوبا فقال: أجديد ثوبك أم غسيل؟ قال: بل غسيل، قال: البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا، وأظنه قال: ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة … (٣) وهكذا رواه النسائي وابن ماجة من حديث عبد الرزاق به، ثم قال النسائي، هذا حديث منكر، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق، وقد روي عن الزهري من وجه آخر مرسلا، قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: لا أعلم أحدا رواه عن الزهري غير معمر، وما أحسبه بالصحيح، والله أعلم … قلت: رجال إسناده واتصاله على شرط الصحيحين وقد قيل الشيخان، تفرد معمر عن الزهري في غير ما حديث، ثم قد روى البزار هذا الحديث من طريق جابر الجعفي - وهو ضعيف - عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله مرفوعا مثله سواء، وقد وقع ما أخبر به في هذا الحديث فإنه ﵁ قتل شهيدا وهو قائم يصلي الفجر في محرابه من المسجد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام … وقد تقدم حديث أبي ذر في تسبيح الحصا في يد أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، وقوله ﵇: هذه خلافة النبوة … وقال نعيم بن حماد: ثنا عبد الله بن المبارك، أنا خرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: لما بنى رسول الله ﷺ مسجد المدينة جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال رسول الله ﷺ : هؤلاء يكونون خلفاء بعدي … وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة قوله ﷺ : ثلاث من نجا منهن فقد نجا، موتي، وقتل خليفة مصطبر، والدجال، وفي حديثه الآخر، الامر باتباع عثمان عند وقع الفتنة … وثبت في الصحيحين من

стр. 2272

حديث سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر عن سعيد بن المسيب عن أبي موسى قال: توضأت في بيتي، ثم خرجت فقلت: لأكونن اليوم مع رسول الله ﷺ ، فجئت المسجد فسألت عنه فقالوا: خرج وتوجه ههنا، فخرجت في أثره حتى جئت بئر أريس - وما بها من جريد - فمكثت عند بابها حتى علمت أن النبي ﷺ قد قضى حاجته وجلس، فجئته فسلمت عليه فإذا هو قد جلس على قف بئر أريس فتوسطه ثم دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه، فرجعت إلى الباب وقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ ، فلم أنشب أن دق الباب فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، قلت: على رسلك، وذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن لي وبشره بالجنة، قال: فخرجت مسرعا حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، قال: فدخل حتى جلس إلى جنب النبي ﷺ في القف على يمينه ودلى رجليه وكشف عن ساقيه كما صنع النبي ﷺ ، قال: ثم رجعت وقد كنت تركت أخي يتوضأ وقد كان قال لي: أنا على إثرك، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، قال: فسمعت تحريك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عمر، قلت: على رسلك، قال: وجئت النبي ﷺ ، فسلمت عليه وأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فجئت وأذنت له وقلت له: رسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، قال: فدخل حتى جلس مع رسول الله ﷺ على يساره، وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ وأبو بكر، قال: ثم رجعت فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، يريد أخاه، فإذا تحريك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان بن عفان، قلت: على رسلك، وذهبت إلى رسول الله فقلت: هذا عثمان يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، قال: فجئت فقلت: رسول الله ﷺ يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى أو بلاء يصيبك، فدخل وهو يقول: الله المستعان، فلم يجد في القف مجلسا فجلس وجاههم من شق البئر، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، كما صنع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، ﵄، قال سعيد بن المسيب، فأولتها قبورهم (١)، اجتمعت وانفرد عثمان … وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور، عن إبراهيم بن محمد بن حاطب، عن عبد الرحمن بن بجير، عن زيد بن أرقم قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: انطلق حتى تأتي أبا بكر فتجده في داره جالسا محتبيا فقل: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة، ثم انطلق حتى تأتي الثنية فتلقى عمر راكبا على حمار تلوح صلعته، فقل: إن رسول الله يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة، ثم انصرف حتى تأتي عثمان فتجده في السوق يبيع ويبتاع، فقل: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام. ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد، فذكر الحديث في ذهابه إليهم فوجد كلا منهم كما

стр. 2273

ذكر رسول الله ﷺ ، وكلا منهم يقول: أين رسول الله؟ فيقول: في مكان كذا وكذا، فيذهب إليه، وأن عثمان لما رجع قال: يا رسول الله وأي بلاء يصيبني؟ والذي بعثك بالحق ما تغيب ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك فأي بلاء يصيبني؟ فقال: هو ذاك ثم قال البيهقي: عبد الأعلى ضعيف، فإن كان حفظ هذا الحديث فيحتمل أن رسول الله ﷺ بعث إليهم زيد بن أرقم فجاء وأبو موسى الأشعري جالس على الباب كما تقدم (١) … وهذا البلاء الذي أصابه هو ما اتفق وقوعه على يدي من أنكر عليه من رعاع أهل الأمصار بلا علم، فوقع ما سنذكره في دولته إن شاء الله من حصرهم إياه في داره حتى آل الحال بعد ذلك كله إلى اضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أياما، لا يصلى عليه ولا يلتفت إليه، حتى غسل بعد ذلك وصلى عليه ودفن بحش كوكب - بستان في طريق البقيع ﵁ وأرضاه وجعل جنات الفردوس متقلبة ومثواه … كما قال الإمام أحمد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل عن قيس، عن أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ادعوا لي بعض أصحابي، قلت: أبو بكر؟ قال: لا، قلت: عمر؟ قال: لا، قلت: ابن عمك علي؟ قال: لا، قلت: عثمان؟ قال: نعم، فلما جاء عثمان قال: تنحى، فجعل يساره ولون عثمان يتغير، قال أبو سهلة: فلما كان يوم الدار وحضر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي عليه (٢) … تفرد به أحمد، ثم قد رواه أحمد عن وكيع عن إسماعيل عن قيس عن عائشة فذكر مثله، وأخرجه ابن ماجة من حديث وكيع … وقال نعيم بن حماد في كتابه الفتن والملاحم: حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على رسول الله ﷺ وعثمان بين يديه يناجيه، فلم أدرك من مقالته شيئا إلا قول عثمان: ظلما وعدوانا يا رسول الله؟ فما دريت ما هو حتى قتل عثمان، فعلمت أن رسول الله ﷺ إنما عنى قتله، قالت عائشة: وما أحببت أن يصل إلى عثمان شئ إلا وصل إلي مثله غيره إن شاء الله علم أني لم أحب قتله، ولو أحببت قتله لقتلت، وذلك لما رمى هودجها من النبل حتى صار مثل القنفذ … وقال أبو داود الطيالسي: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب (٣) عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم (٤) … وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا علي بن محمد المصري، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن

стр. 2274

أبي هلال، عن ربيعة بن سيف أنه حدثه أنه جلس يوما مع شفي الأصبحي فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون فيكم اثنا عشر خليفة، أبو بكر الصديق، لا يلبث خلفي إلا قليلا، وصحاب رحى العرب يعيش حميدا ويموت شهيدا، فقال رجل: ومن هو يا رسول الله؟ قال: عمر بن الخطاب، ثم التفت إلى عثمان فقال: وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصا كساكه الله، والذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (١) … ثم روى البيهقي من حديث موسى بن عقبة: حدثني جدي أبو أمي، أبو حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافا، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ أو ما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان بذلك (٢) … وقد رواه الإمام أحمد عن عفان، عن وهيب عن موسى بن عقبة به، وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة شاهدان له بالصحة والله أعلم … وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية، عن عبد الله - هو ابن مسعود - عن النبي ﷺ قال: تدور رحى الاسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن هلكوا فسبيل من قد هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما (٣)، قال: قلت: أمما مضى أو مما بقي؟ … ورواه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري عن عبد الرحمن بن مهدي به، ثم رواه أحمد عن إسحاق، وحجاج عن سفيان عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية الكاهلي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إن رحى الاسلام ستزول لخمس وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن تهلك فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال. قال عمر: يا رسول الله أبما مضى أو بما بقي؟ قال: بل بما بقي … وهكذا رواه يعقوب بن سفيان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل عن منصور به، فقال له عمر فذكره، قال البيهقي: وقد تابع إسرائيل الأعمش وسفيان الثوري عن منصور، قال: وبلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان منها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام علي، وأراد بالسبعين ملك بني أمية، فإنه بقي بين ما استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيه، نحوا من سبعين سنة (٤) … قلت: ثم انطوت هذه الحروب أيام صفين، وقاتل علي الخوارج في أثناء ذلك، كما تقدم الحديث المتفق

стр. 2275

على صحته، في الاخبار بذلك، وفي صفتهم وصفة الرجل المخدج فيهم * حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه عن أم ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ومالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يد لي بدفنك، وليس عندي ثوب يسعك فأكفنك فيه، قال فلا تبكي وابشري، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليموتن رجل منك بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وإني أنا الذي أموت بالفلاة، والله ما كذب ولا كذبت (١) * تفرد به أحمد ﵀، وقد رواه البيهقي من حديث علي بن المديني، عن يحيى بن سليم الطائفي به مطولا، والحديث مشهور في موته ﵁ بالربذة سنة ثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان بن عفان، وكان في النفر الذين قدموا عليه [وهو] في السياق عبد الله بن مسعود وهو الذي صلى الله عليه ثم قدم المدينة فأقام بها عشر ليال ومات ﵁. حديث آخر قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا عمر بن سعيد الدمشقي، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي عبد الله الأشعري عن أبي الدرداء. قال: قلت: يا رسول الله بلغني أنك تقول: ليرتدن أقوام بعد إيمانهم، قال: أجل، ولست منهم. قال: فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان (٢) … وقال يعقوب بن سفيان: ثنا صفوان، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله أبو عبد الغفار بن إسماعيل بن عبيد الله عن أبيه أنه حدثه عن شيخ من السلف قال: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : إني فرطكم على الحوض، أنتظر من يرد علي منكم، فلا ألفين أنازع أحدكم، فأقول: إنه من أمتي، فيقال: هل تدري ما أحدثوا بعدك (٣)؟ قال أبو الدرداء: فتخوفت أن أكون منهم، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إنك لست منهم، قال فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان، وقبل أن

стр. 2276

تقع الفتن … قال البيهقي: تابعه يزيد بن أبي مريم عن أبي عبيد الله (١) مسلم بن مشكم (٢) عن أبي الدرداء إلى قوله: لست منهم، قلت: قال سعيد بن عبد العزيز توفي أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال الواقدي وأبو عبيد وغير واحد: توفي سنة ثنتين وثلاثين، ﵁. ذكر إخباره ﷺ عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان وخلافة علي ﵄ ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر (٣) … وروى الإمام أحمد ومسلم من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: والله إني لاعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما ذاك أن يكون رسول الله ﷺ حدثني من ذلك شيئا أسره إلي لم يكن حدث به غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال: - وهو يحدث مجلسا أنا فيه - سئل عن الفتن وهو يعد الفتن فيهن ثلاث لا تذوق شيئا منهن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري (٤)، وهذا لفظ أحمد … قال البيهقي: مات حذيفة بعد الفتنة الأولى بقتل عثمان، وقيل الفتنتين الآخرتين في أيام علي، قلت: قال العجلي وغير واحد من علماء التاريخ: كانت وفاة حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يوما، وهو الذي قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالة فاحتلبت به الأمة دما، وقال: لو أن أحدا ارتقص لما صنعتم بعثمان لكان جديرا أن يرقص … وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قال سفيان أربع نسوة، قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - وحلق بأصبعه الابهام والتي تليها - قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث (٥) … هكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة به،

стр. 2277

وكذلك رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعد بن عمرو والأشعثي وزهير بن حرب وابن أبي عمر كلهم عن سفيان بن عيينة به سواء … ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد: كلهم عن سفيان بن عيينة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الترمذي: قال الحميدي عن سفيان: حفظت من الزهري في هذا الاسناد أربع نسوة، قلت وقد أخرجه البخاري عن مالك بن إسماعيل ومسلم عن عمرو الناقد عن الزهري عن عروة عن زينب عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش فلم يذكروا حبيبة في الاسناد، وكذلك رواه عن الزهري شعيب وصالح بن كيسان وعقيل ومحمد بن إسحاق ومحمد بن أبي عتيق، ويونس بن يزيد فلم يذكروا عنه في الاسناد حبيبة والله أعلم … فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه عن سفيان بن عيينة، يكون قد اجتمع في هذا الاسناد تابعيان، وهما الزهري وعروة بن الزبير، وأربع صحابيات وبنتان وزوجتان وهذا عزيز جدا … ثم قال البخاري بعد رواية الحديث المتقدم: عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري فذكره إلى آخره، ثم قال: وعن الزهري حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمة قالت: استيقظ رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟! … وقد أسنده البخاري في مواضع أخر من طرق عن الزهري به … ورواه الترمذي من حديث معمر عن الزهري وقال: حسن صحيح … وقال أبو داود الطيالسي: ثنا الصلت بن دينار، ثنا عقبة بن صهبان وأبو رجاء العطاردي قالا: سمعنا الزبير وهو يتلو هذه الآية … (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) … [الأنفال: ٢٥] قال: لقد تلوت هذه الآية زمنا وما أراني من أهلها، فأصبحنا من أهلها (١) … وهذا الاسناد ضعيف، ولكن روي من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا جرير قال: سمعت أنسا قال: قال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النبي ﷺ … (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) … فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة؟ وما نشعر أنها تقع حيث وقعت … ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم، عن مهدي، عن جرير بن حازم به، وقد قتل الزبير بوادي السباع مرجعه من قتال يوم الجمل على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى … وقال أبو داود السجستاني في سننه: ثنا مسدد، ثنا أبو الأحوص - سلام بن سليم - عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد، قال: كنا عند النبي ﷺ فذكر فتنة وعظم أمرها، فقلنا: يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لتهلكنا؟ فقال: كلا إن بحسبكم القتل، قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا (٢) … تفرد به أبو داود، وقال أبو داود السجستاني: حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد، أنا هشام عن محمد. قال قال: حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 2278

لا تضرك الفتنة (١)، وهذا منقطع … وقال أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة عن أشعث بن أبي أشعث: سمعت أبا بردة يحدث عن ثعلبة بن أبي ضبيعة سمعت حذيفة يقول: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة، فأتينا المدينة فإذا فسطاط مضروب، وإذا محمد بن مسلمة الأنصاري، فسألته فقال: لا أستقر بمصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه الفتنة عن جماعة المسلمين (٢) … قال البيهقي: ورواه أبو داود - يعني السجستاني - عن عمرو بن مرزوق عن شعبة به … وقال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة عن أشعث بن سليم عن أبي بردة … عن ضبيعة بن حصين الثعلبي عن حذيفة بمعناه (٣)، قال البخاري في التاريخ: هذا عندي أولى … وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي بردة قال: مررت بالربذة فإذا فسطاط، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لمحمد بن مسلمة، فاستأذنت عليه فدخلت عليه فقلت: رحمك الله إنك من هذا الامر بمكان، فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضرب به عرضه، وكسر نبلك، واقطع وترك، واجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله، فقد كان ما قال رسول الله ﷺ ، وفعلت ما أمرني به، ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط واخترطه فإذا سيف من خشب فقال قد فعلت ما أمرني به واتخذت هذا أرهب به الناس، تفرد به أحمد … وقال البيهقي: أنا الحاكم، ثنا علي بن عيسى المدني، أنا أحمد بن بحرة القرشي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، أنا إبراهيم بن سعد، ثنا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن محمود بن لبيد عن محمد بن مسلمة أنه قال: يا رسول الله كيف أصنع إذا اختلف المضلون؟ قال: اخرج بسيفك إلى الحرة فتضربها به ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة … وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا زياد بن مسلم أبو عمر، ثنا أبو الأشعث الصنعاني قال: بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير، فلما قدمت المدينة دخلت على فلان - نسي زياد اسمه - فقال: إن الناس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى؟ قال: أوصاني خليلي أبو القاسم إن أدركت شيئا من هذه الفتن فاعمد إلى أحد فأكسر به حد سيفك ثم اقعد في بيتك، فإن دخل عليك أحد البيت فقم إلى المخدع، فإن دخل عليك المخدع فأجثو على ركبتيك وقل: بؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فقد كسرت سيفي وقعدت في بيتي (٤) … هكذا وقع إيراد هذا الحديث في مسند محمد بن مسلمة عند الإمام أحمد، ولكن وقع إبهام اسمه، وليس هو لمحمد بن مسلمة بل صحابي آخر، فإن محمد بن مسلمة ﵁ لا خلاف عند أهل التاريخ أنه توفي فيما بين

стр. 2279

الأربعين إلى الخمسين، فقيل سنة ثنتين وقيل: ثلاث، وقيل، سبع وأربعين، ولم يدرك أيام يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير بلا خلاف، فتعين أنه صحابي آخر خبره كخبر محمد بن مسلمة … وقال نعيم بن حماد في الفتن والملاحم: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، ثنا أبو عمرو السلمي عن بنت أهبان الغفاري أن عليا أتى أهبان فقال: ما يمنعك أن تتبعنا؟ فقال: أوصاني خليلي وابن عمك ﷺ : أن ستكون فرقة وفتنة واختلاف، فإذا كان ذلك فاكسر سيفك واقعد في بيتك واتخذ سيفا من خشب … وقد وراه أحمد عن عفان وأسود بن عامر ومؤمل ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به، وزاد مؤمل في روايته بعد قوله: واتخذ سيفا من خشب واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية … ورواه الإمام أحمد أيضا والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبيد الديلي عن عديسة بنت أهبان بن صيفي عن أبيها به، قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد، كذا قال، وقد تقدم من غير طريقه … وقال البخاري: ثنا عبد العزيز الأويسي، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به (١) … وعن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية مثل حديث أبي هريرة هذا (٢)، وقد روى مسلم حديث أبي هريرة من طريق إبراهيم بن سعد كما رواه البخاري، وكذلك حديث نوفل بن معاوية بإسناده البخاري ولفظه، ثم قال البخاري: ثنا محمد بن كثير، أخبرني سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ستكون أثرة وأمور تنكرونها، فقالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم (٣) … ورواه مسلم من حديث الأعمش به … وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، ثنا عثمان الشحام، ثنا سلمة (٤) بن أبي بكرة عن أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: إنها ستكون فتنة ثم تكون فتنة، ألا فالماشي فيها خير من الساعي إليها، والقاعد فيها خير من القائم فيها، ألا والمضطجع فيها خير من القاعد، ألا فإذا نزلت فمن كان له غنم فليلحق بغنمه، ألا ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ألا ومن كانت له إبل فليلحق بإبله، فقال رجل من القوم: يا نبي الله جعلني الله فداك، أرأيت من ليست له غنم ولا أرض ولا إبل كيف يصنع؟

стр. 2280

قال: ليأخذ سيفه ثم ليعمد به إلى صخرة، ثم ليدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ إذ قال رجل: يا رسول الله جعلني الله فداك، أرأيت إن أخذ بيدي مكرها حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين؟ - شك عثمان - فيحذفني رجل بسيفه فيقتلني، ماذا يكون من شأني؟ قال: يبوء بإثمك وإثمه ويكون من أصحاب النار … وهكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشحام بنحوه، وهذا إخبار عن إقبال الفتن، وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا … وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل، ثنا قيس قال: لما أقبلت عائشة - يعني في مسيرها إلى وقعة الجمل - وبلغت مياه بني عامر ليلا، نبحت الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله ﷺ قال لنا ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب (١) … ورواه أبو نعيم بن حماد في الملاحم عن يزيد بن هارون عن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم به … ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما أتت على الحوأب فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب، فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس (٢) … وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه * وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد الله بن موسى، عن عصام بن قدامة البجلي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل إلا دبب تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها خلق كثير … ثم قال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الاسناد … وقال الطبراني: ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، ثنا نوح بن دراج عن الأجلح بن عبد الله، عن زيد بن علي، عن أبيه عن ابن الحسين عن ابن عباس قال: لما بلغ أصحاب علي، حين ساروا إلى البصرة، أن أهل البصرة قد اجتمعوا لطلحة والزبير، شق عليهم، ووقع في قلوبهم، فقال علي: والذي لا إله غيره ليظهرنه على أهل البصرة، وليقتلن طلحة والزبير، وليخرجن إليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا، أو خمسة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا، شك الأجلح، قال ابن عباس: فوقع ذلك في نفسي، فلما أتى الكوفة خرجت فقلت: لأنظرن، فإن كان كما يقول فهو أمر سمعه، وإلا فهو خديعة الحرب، فلقيت رجلا من الجيش فسألته، فوالله ما عتم أن قال ما قال علي، قال ابن عباس: وهو ما كان رسول الله ﷺ يخبره … وقال البيهقي: أنا عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد (٣)، ثنا أحمد بن نصر، ثنا أبو نعيم الفضل،
следующие страницы →