← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

مقتل الأسود العنسي، المتنبي الكذاب قال أبو جعفر بن جرير: حدثني عمرو بن شبة (١) النميري، ثنا علي بن محمد - يعني المدائني - عن أبي معشر ويزيد بن عياض عن جعد به، وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء عن مشيختهم قالوا: أمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول، وأتى مقتل الأسود في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة، فكان ذلك أول فتح فتح أبو بكر وهو بالمدينة. صفة خروجه وتمليكه ومقتله قد أسلفنا فيما تقدم أن اليمن كانت لحمير، وكانت ملوكهم يسمون التبابعة، وتكلمنا في أيام الجاهلية على طرف صالح من هذا، ثم إن ملك الحبشة بعث أميرين من قواده، وهما أبرهة الأشرم، وأرياط، فتملكا له اليمن من حمير، وصار ملكها للحبشة، ثم اختلف هذان الأميران، فقتل أرياط واستقل أبرهة بالنيابة، وبني كنيسة سماها العانس (٢)، لارتفاعها، وأورد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة، فجاء بعض قريش فأحدث في هذه الكنيسة، فلما بلغه ذلك حلف ليخربن بيت مكة، فسار إليه ومعه الجنود والفيل محمود، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه … وقد تقدم بسط ذلك في موضعه، فرجع أبرهة ببعض من بقي من جيشه في أسوأ حال وشر خيبة، وما زال تسقط أعضاؤه أنملة أنملة، فلما وصل إلى صنعاء انصدع صدره فمات، فقام بالملك بعده ولده بلسيوم (٣) بن أبرهة ثم أخوه مسروق بن أبرهة، فيقال: إنه استمر ملك اليمن بأيدي الحبشة سبعين سنة، (٤) ثم ثار سيف بن ذي يزن الحميري، فذهب إلى قيصر ملك الروم يستنصره عليهم، فأبى ذلك عليه - لما بينه وبينهم من الاجتماع في دين النصرانية - فسار إلى كسرى ملك الفرس فاستغاث به، وله معه مواقف ومقامات في الكلام تقدم بسط بعضها، ثم اتفق الحال على أن بعث معه ممن بالسجون طائفة تقدمهم رجل منهم يقال له: وهرز، فاستنقذ ملك اليمن من الحبشة، وكسر مسروق بن أبرهة وقتله، ودخلوا إلى صنعاء وقرروا سيف بن ذي يزن في الملك على عادة آبائه، وجاءت العرب تهنئه من كل جانب، غير أن لكسرى نوابا عن البلاد، فاستمر الحال في ذلك حتى بعث رسول الله ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام: ثم هاجر إلى المدينة فلما كتب كتبه إلى الآفاق يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكتب من جملة ذلك إلى كسرى ملك الفرس:

стр. 2382

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلم تسلم، إلى آخره، فلما جاءه الكتاب قال: ما هذا؟ قالوا: هذا كتاب جاء من عند رجل بجزيرة العرب يزعم أنه نبي، فلما فتح الكتاب فوجده قد بدأ باسمه قبل اسم كسرى، غضب كسرى غضبا شديدا، وأخذ الكتاب فمزقه قبل أن يقرأه، وكتب إلى عامله على اليمن - وكان اسمه باذام (١) - أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فابعث من قبلك أميرين إلى هذا الرجل الذي بجزيرة العرب، الذي يزعم أنه نبي، فابعثه إلي في جامعة، فلما جاء الكتاب إلى باذام، بعث من عنده أميرين عاقلين، وقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فانضرا ما هو، فإن كان كاذبا فخذاه في جامعة حتى تذهبا به إلى كسرى، وإن كان غير ذلك فارجعا إلي فأخبراني ما هو، حتى أنظر في أمره، فقدما على رسول الله ﷺ إلى المدينة، فوجداه على أسد الأحوال وأرشدها، ورأيا منه أمورا عجيبة، يطول ذكرها، ومكثا عنده شهرا حتى بلغا ما جاءا له، ثم تقاضاه الجواب بعد ذلك، فقال لهما: ارجعا إلى صاحبكما فأخبراه أن ربي قد قتل الليلة ربه، فأرخا ذلك عندهما ثم رجعا سريعا إلى اليمن فأخبرا باذام بما قال لهما فقال: احصوا تلك الليلة، فإن ظهر الامر كما قال فهو نبي، فجاءت الكتب من عند ملكهم أنه قد قتل كسرى في ليلة كذا وكذا، لتلك الليلة، وكان قد قتله بنوه ولهذا قال بعض الشعراء: وكسرى إذ تقاسمه بنوه … بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم … أنى ولكل حاملة تمام وقام بالملك بعده ولده يزدجرد وكتب إلى باذام أن خذ لي البيعة من قبلك، واعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه وأكرمه، فدخل الاسلام قلب باذام وذريته من أبناء فارس ممن باليمن، وبعث إلى رسول الله ﷺ باسلامه، فبعث إليه رسول الله ﷺ بنيابة اليمن بكمالها، فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استناب ابنه شهر بن باذام على صنعاء وبعض مخاليف، وبعث طائفة من أصحابه نوابا على مخاليف أخر فبعث أولا في سنة عشر، عليا وخالدا، ثم أرسل معاذا وأبا موسى الأشعري وفرق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة، فمنهم شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمداني، على همدان، وأبو موسى على مارب، وخالد بن سعيد بن العاص على عامر نجران ورفع وزبيد، ويعلى بن أمية على الجند، والطاهر بن أبي هالة على عك والأشعريين، وعمرو بن حرام (٢) على نجران، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد، وعلى السكاسك عكاشة بن مور (٣) بن أخضر، وعلى السكون معاوية بن كندة، وبعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين - اليمن

стр. 2383

وحضرموت - يتنقل من بلد إلى بلد، ذكره سيف بن عمر، وذلك كله في سنة عشر، آخر حياة رسول الله ﷺ فبينما هم على ذلك إذ نجم هذا العين الأسود العنسي. خروج الأسود العنسي واسمه عبهلة بن كعب بن غوث (١) - من بلد يقال لها: كهف حنان - في سبعمائة مقاتل، وكتب إلى عمال النبي ﷺ : أيها المتمردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجه إلى نجران فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء، فخرج إليه شهر بن باذام فتقاتلا، فغلبه الأسود وقتله، وكسر جيشه من الأبناء واحتل بلدة صنعاء لخمس وعشرين ليلة من مخرجه، ففر معاذ بن جبل من هنالك واجتاز بأبي موسى الأشعري، فذهبا إلى حضرموت وانحاز عمال رسول الله ﷺ إلى الطاهر، ورجع عمر بن حرام وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، واستوثقت اليمن بكمالها للأسود العنسي، وجعل أمره يستطير استطارة الشرارة، وكان جيشه يوم لقي شهرا سبعمائة فارس، وأمراؤه قيس بن عبد يغوث ومعاوية بن قيس ويزيد بن محرم بن (٢) حصن الحارثي، ويزيد بن الافكل الأزدي، واشتد ملكه، واستغلظ أمره، وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية، وكان خليفته على مذحج عمرو بن معدي كرب واسند أمر الجند إلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز الديلمي وداذويه وتزوج بامرأة شهر بن باذام وهي ابنة عم فيروز الديلمي، واسمها زاذ (٣)، وكانت امرأة حسناء جميلة، وهي مع ذلك مؤمنة بالله ورسوله محمد ﷺ ، ومن الصالحات، قال سيف بن عمر التميمي: وبعث رسول الله ﷺ كتابه، حين بلغه الأسود العنسي مع رجل يقال له: وبر بن يحنس الديلمي: يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العنسي ومصاولته، وقام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام، وكان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها: رملة، فحزبت عليه السكون لصبره فيهم، وقاموا معه في ذلك، وبلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي ﷺ ، ومن قدروا عليه من الناس، واتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند - وكان قد غضب على الأسود، واستخف به، وهم بقتله - وكذلك كان أمر فيروز الديلمي، قد ضعف عنده أيضا، وكذا داذويه، فلما أعلم وبر بن يحنس قيس بن عبد يغوث، وهو قيس بن مكشوح، كان كأنما نزلوا عليه من السماء، ووافقهم على الفتك بالأسود وتوافق المسلمون على ذلك، وتعاقدوا عليه، فلما أيقن ذلك في الباطن اطلع شيطان الأسود للأسود على شئ من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح، فقال له: يا قيس ما يقول

стр. 2384

هذا؟ قال: وما يقول؟ قال يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العز مثلك، مال ميل عدوك، وحاول ملكك، وأضمر على الغدر، إنه يقول يا أسود يا أسود يا سواه يا سواه، فطف به وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك وقطف قبتك (١). فقال له قيس وحلف له فكذب: وذي الخمار (٢) لأنت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي، فقال له الأسود: ما إخالك تكذب الملك فقد صدق الملك وعرف الآن أنك تائب عما أطلع عليك منك، ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز وداذويه، وأخبرهم بما قال له ورد عليه، فقالوا: إنا كلنا على حذر، فما الرأي، فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم بين يديه، فقال: ألم أشرفكم على قومكم؟ قالوا: بلى، قال: فماذا يبلغني عنكم، فقالوا: أقلنا مرتنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم، قال: فخرجنا من عنده ولم نكد، وهو في ارتياب من أمرنا، ونحن على خطر، فبينما نحن على ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر، أمير همدان، وذي ظليم، وذي كلاع، وغيرهم من أمراء اليمن، يبذلون لنا الطاعة والنصر، على مخالفة الأسود، وذلك حين جاءهم كتاب رسول الله ﷺ يحثهم على مصاولة الأسود العنسي، فكتبنا إليهم أن لا يحدثوا شيئا حتى نبرم الامر، قال قيس: فدخلت على امرأته ازاذ، فقلت: يا ابنة عمي قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك: قتل زوجك، وطأطأ في قومك القتل، وفضح النساء، فهل عندك ممالاة عليه؟ قالت: على أي أمر، قلت إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالت: نعم، والله ما خلق الله شخصا هو أبغض إلي منه، فما يقوم لله على حق ولا ينتهي له عن حرمة، فإذا عزمتم أخبروني أعلمكم بما في هذا الامر، قال فأخرج فإذا فيروز وداذويه، ينتظراني يريدون أن يناهضوه، فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث إليه الأسود فدخل في عشرة من قومه، فقال: ألم أخبرك بالحق وتخبرني بالكذابة؟ إنه يقول: يا سوأة يا سوأة، إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا، حتى ظن قيس أنه قاتله، فقال: إنه ليس من الحق، أن أهلك وأنت رسول الله، فقتلي أحب إلي من موتات أموتها كل يوم، فرق له وأمره بالانصراف، فخرج إلى أصحابه فقال: أعملوا عملكم، فبينما هم وقوف بالباب يشتورون، إذ خرج الأسود عليهم وقد جمع له مائة ما بين بقرة وبعير، فقام وخط خطا وأقيمت من ورائه، وقام دونها، فنحرها، غير محبسة ولا معقلة، ما يقتحم الخط منها شئ، فجالت إلى أن زهقت أرواحها، قال قيس: فما رأيت أمرا كان أفظع منه، ولا يوما أوحش منه، ثم قال الأسود: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؟ لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة، وأبدى له الحربة، فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك، وفضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصيبنا منك بشئ، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الآخرة والدنيا؟ فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك، فأنا بحيث تحب، فرضي عنه وأمره

стр. 2385

بقسم لحوم تلك الانعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء، ثم أسرع اللحاق به، فإذا رجل يحرضه على فيروز ويسعى إليه فيه، واستمع له فيروز، فإذا الأسود يقول: أنا قاتله غدا وأصحابه، فاغد علي به، ثم التفت فإذا فيروز، فقال: مه، فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم، فدخل الأسود داره، ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع وبما قال وقيل له، فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره، فدخل أحدهم - وهو فيروز - إليها فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به، غير هذا البيت، فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس، وليس من دون قتله شئ، وإني سأضع في البيت سراجا وسلاحا، فلما خرج من عندها تلقاه الأسود فقال له: ما أدخلك على أهلي؟ ووجأ رأسه، وكان الأسود شديدا، فصاحت المرأة فأدهشته عنه، ولولا ذلك لقتله، وقالت: ابن عمي جاءني زائرا، فقال: اسكتي لا أبا لك، قد وهبته لك، فخرج على أصحابه فقال: النجاء النجاء، وأخبرهم الخبر، فحاروا ماذا يصنعون؟ فبعثت المرأة إليهم تقول لهم: لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه، فدخل عليها فيروز الديلمي فاستثبت منها الخبر، ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا من داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج، ثم جلس عندها جهرة كالزائر، فدخل الأسود فقال: وما هذا؟ فقالت: إنه أخي من الرضاعة، وهو ابن عمي، فنهره وأخرجه، فرجع إلى أصحابه، فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجا تحت جفنة فتقدم إليه فيروز الديلمي والأسود نائم على فراش من حرير، قد غرق رأسه في جسده، وهو سكران يغط، والمرأة جالسة عنده، فلما قام فيروز على الباب أجلسه شيطانه وتكلم على لسانه - وهو مع ذلك يغط - فقال: مالي ومالك يا فيروز؟ فخشي إن رجع يهلك وتهلك المرأة، فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتله، ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم، فأخذت المرأة بذيله وقالت: أين تذهب عن حرمتك. فظنت أنها لم تقتله، فقال: أخرج لأعلمهم بقتله، فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه، فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، وأخذت المرأة بشعره، وجعل يبربر بلسانه فاحتز الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس إلى المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه، فرجعوا، وجلس قيس وداذويه وفيروز يأتمرون كيف يعلمون أشياعهم، فاتفقوا على أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين، فلما كان الصباح قام أحدهم، وهو قيس على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن، فنادى قيس ويقال: وبر بن يحنش، الاذان: أشهد أن محمدا رسول الله، وأن عبهلة كذاب، وألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابه وتبعهم الناس يأخذونهم ويرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، وظهر الاسلام وأهله، وتراجع نواب رسول الله ﷺ إلى أعمالهم وتنارع أولئك الثلاثة في الامارة، ثم اتفقوا على معاذ بن جبل يصلي بالناس، وكتبوا بالخبر إلى رسول الله ﷺ ، وقد أطلعه الله على الخبر من

стр. 2386

ليلته، كما قال سيف بن عمر التميمي عن أبي القاسم الشنوي عن العلاء بن زيد (١) عن ابن عمر: أتى الخبر إلى النبي ﷺ من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا، فقال: قتل العنسي البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: ومن؟ قال: فيروز فيروز، وقد قيل: إن مدة ملكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر، ويقال: أربعة أشهر، فالله أعلم … وقال سيف بن عمر عن المستنير عن عروة عن الضحاك عن فيروز: قال: قتلنا الأسود، وعاد أمرنا في صنعاء كما كان إلا أنا أرسلنا إلى معاذ بن جبل فتراضينا عليه، فكان يصلي بنا في صنعاء، فوالله ما صلى بنا إلا ثلاثة أيام حتى أتانا الخبر بوفاة رسول الله ﷺ ، فانتقضت الأمور، وأنكرنا كثيرا مما كنا نعرف، واضطربت الأرض، وقد قدمنا أن خبر العنسي جاء إلى الصديق في أواخر ربيع الأول بعدما جهز جيش أسامة، وقيل: بل جاءت البشارة إلى المدينة صبيحة توفي رسول الله ﷺ والأول أشهر والله أعلم … والمقصود أنه لم يجئهم فيما يتعلق بمصالحهم واجتماع كلمتهم وتأليف ما بينهم والتمسك بدين الاسلام إلا الصديق ﵁، وسيأتي إرساله إليهم من يمهد الأمور التي اضطربت في بلادهم ويقوي أيدي المسلمين، ويثبت أركان دعائم الاسلام فيهم، ﵃ * فصل في تصدي الصديق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة قد تقدم أن رسول الله ﷺ لما توفي ارتدت احياء كثيرة من الاعراب، ونجم النفاق بالمدينة وانحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة، والتفت على طليحة الأسدي بنو أسد وطئ، وبشر كثير أيضا، وادعى النبوة أيضا كما أدعاها مسيلمة الكذاب، وعظم الخطب واشتدت الحال، ونفذ الصديق جيش أسامة، فقل الجند عند الصديق، فطمعت كثير من الاعراب في المدينة وراموا أن يهجموا عليها، فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها، فمن أمراء الحرس علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وجعلت وفود العرب تقدم المدينة. يقرون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة، ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق، وذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: … (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) … [التوبة: ١٠٣] قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا، وأنشد بعضهم: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا … فواعجبا ما بال ملك أبي بكر وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى

стр. 2387

يتمكن الايمان في قلوبهم: ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك وأباه … وقد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجة عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: علام تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ فقال أبو بكر: والله لو منعوني عناقا، وفي رواية: عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (١) … قلت: وقد قال الله تعالى … (فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) … [التوبة: ٥] وثبت في الصحيحين: بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان … وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبابة بن سوار: ثنا عيسى بن يزيد المديني، حدثني صالح بن كيسان، قال: لما كانت الردة قام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله، والعلم شريد والاسلام غريب طريد، قد رث حبله، وخلق عهده، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرا لشر عندهم، قد غيروا كتابهم، وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشا، وأضلهم دنيا، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب فختمهم الله بمحمد، وجعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم … (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) … [آل عمران: ١٤٤] إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم - وإن رجعوا إليه - أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما قد تقدم من بركة نبيكم صلى الله عليه وآله، وقد وكلكم إلى المولى الكافي، الذي وجده ضالا فهداه، وعائلا فأغناه … (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) … الآية [آل عمران: ١٠٣]، والله لا أدع أن أقاتل على امر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده، ويقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، وبقى من بقي منها خليفته وذريته في أرضه، قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له • (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) … الآية (النور: ٥٥]، ثم نزل … وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى: … (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه

стр. 2388

فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) … الآية، قالوا: المراد بذلك أبو بكر وأصحابه، في قتالهم المرتدين، وما نعي الزكاة … وقال محمد بن إسحاق: ارتدت العرب عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله. ما خلا أهل المسجدين، مكة، والمدينة، وارتدت أسد وغطفان وعليهم طليحة بن خويلد الأسدي الكاهن، وارتدت كندة ومن يليها، وعليهم الأشعث بن قيس الكندي، وارتدت مذحج ومن يليها، وعليهم الأسود بن كعب العنسي الكاهن، وارتدت ربيعة مع المعرور بن النعمان بن المنذر، وكانت حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب … وارتدت سليم مع الفجأة، واسمه أنس بن عبد يا ليل، وارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة … وقال القاسم بن محمد: اجتمعت أسد وغطفان وطئ على طليحة الأسدي، وبعثوا وفودا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس، فحملوا بهم إلى أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم (١)، فردهم فرجعوا إلى عشائرهم، فأخبروهم بقلة أهل المدينة، وطمعوهم فيها، فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد وقال: إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون ليلا يأتون أم نهارا، وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يؤملون أن نقبل منهم ونوادعهم وقد أبينا عليهم، فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة، وخلفوا نصفهم بذي حسي (٢) ليكونوا ردءا لهم، وأرسل الحرس إلى أبي بكر يخبرونه بالغارة، فبعث إليهم: أن ألزموا مكانكم. وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفش العدو واتبعهم المسلمون على إبلهم، حتى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم الردء فالتقوا مع الجمع فكان الفتح وقد قال: أطعنا رسول الله ما كان وسطنا (٣) … فيالعباد الله ما لأبي بكر أيورثنا بكرا إذا مات بعده … وتلك لعمر الله قاصمة الظهر فهلا رددتم وفدنا بزمانه؟ … وهلا خشيتم حس راعية البكر؟ وإن التي سألوكمو فمنعتمو … لكالتمر أو أحلى إلي من التمر وفي جمادى الآخرة ركب الصديق في أهل المدينة وأمراء الأنقاب، إلى من حول المدينة من الاعراب الذين أغاروا عليها، فلما تواجه هو وأعداؤه من بني عبس، وبني مرة، وذبيان، ومن ناصب معهم من بني كنانة، وأمدهم طليحة بابنه حبال، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدة وهي أنهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها ثم أرسلوها من رؤوس الجبال، فلما رأتها إبل أصحاب

стр. 2389

الصديق نفرت وذهبت كل مذهب، فلم يملكوا من أمرها شيئا إلى الليل، وحتى رجعت إلى المدينة، فقال في ذلك الخطيل بن أوس: فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي … عشية يحدى بالرماح أبو بكر ولكن يدهدى بالرجال فهبنه … إلى قدر ما أن تقيم ولا تسرى ولله أجناد تذاق مذاقه … لتحسب فيما عد من عجب الدهر أطعنا رسول الله ما كان بيننا … فيالعباد الله ما لأبي بكر فلما وقع ما وقع ظن القوم بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى عشائرهم من نواحي أخر، فاجتمعوا، وبات أبو بكر ﵁ قائما ليله يعبئ الناس، ثم خرج على تعبئة من آخر الليل، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن، وعلى الميسرة أخوه عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة أخوهما سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حسا ولا همسا، حتى وضعوا فيهم السيوف، فما طلعت الشمس حتى ولوهم الادبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل حبال، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح، وذل بها المشركون، وعز بها المسلمون، ووثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وفعل من وراءهم كفعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي: غداة سعى أبو بكر إليهم … كما يسعى لموتته حلال أراح على نواهقها عليا … ومج لهن مهجته حبال وقال أيضا: أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا … ككبكبة الغزي أناخوا على الوفر فما صبروا للحرب عند قيامها … صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر طرقنا بني عبس بأدنى نباجها … وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الاسلام وأهله، وذلك أنه عز المسلمون في كل قبيلة، وذل الكفار في كل قبيلة، ورجع أبو بكر إلى المدينة، مؤيدا منصورا، سالما غانما، وطرقت المدينة في الليل صدقات عدي بن حاتم (١)، وصفوان والزبرقان، إحداها في أول الليل، والثانية في أوسطه والثالثة في آخره، وقدم بكل واحدة منهن بشير من أمراء الأنقاب، فكان الذي بشر بصفوان سعد بن أبي وقاص، والذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف، والذي بشر بعدي بن حاتم عبد الله بن مسعود، ويقال: أبو قتادة الأنصاري ﵁ … وذلك على رأس

стр. 2390

ستين ليلة من متوفى رسول الله ﷺ … ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليال، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وأمرهم أن يريحوا ظهرهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه، في الوقعة المتقدمة، إلى ذي القصة، فقال له المسلمون: لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلا، فقال: والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبئته، إلى ذي حسي وذي القصة، والنعمان وعبد الله وسويد بنو مقرن على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق (١) وهناك جماعه من بني عبس وذبيان، وطائفة من بني كنانة، فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفا وأخذ الحطيئة أسيرا فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أياما وقد غلب بني ذبيان على البلاد، وقال: حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد، إذ غنمناها الله وحمى الأبرق بخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الربذة. ولما فرت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة وهو نازل على بزاخة (٢)، وقد قال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة: ويوم بالأبارق قد شهدنا … على ذبيان يلتهب التهابا أتيناهم بداهية نسوف … مع الصديق إذ ترك العتابا خروجه إلى ذي القصة حين عقد ألوية الامراء الأحد عشر وذلك بعد ما جم جيش أسامة واستراحوا، ركب الصديق أيضا في الجيوش الاسلامية شاهرا سيفه مسلولا، من المدينة إلى ذي القصة، وهي من المدينة على مرحلة، وعلي بن أبي طالب يقود براحلة الصديق ﵄، كما سيأتي، فسأله الصحابة، منهم علي وغيره، وألحوا عليه أن يرجع إلى المدينة، وأن يبعث لقتال الاعراب غيره ممن يؤمره من الشجعان الابطال، فأجابهم إلى ذلك، وعقد لهم الألوية لاحد عشر أميرا، على ما سنفصله قريبا إن شاء الله … وقد روى الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر إلى القصة واستوى على راحلته، أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للاسلام نظام أبدا، فرجع … هذا حديث غريب من طريق مالك، وقد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب عن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف [و] الزهري أيضا عن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرج أبي شاهرا سيفه راكبا على راحلته إلى وادي

стр. 2391

القصة، فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للاسلام بعدك نظام أبدا، فرجع وأمضى الجيش … وقال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد: لما استراح أسامة وجنده، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث، وعقد الألوية: فعقد أحد عشر لواء، عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له. ولعكرمة بن أبي جهل، وأمره بمسيلمة. وبعث شرحبيل بن حسنة في أثرة إلى مسيلمة الكذاب، ثم إلى بني قضاعة. وللمهاجر بن أبي أمية، وأمره بجنود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن مكشوح (١) … قلت: وذلك لأنه كان قد نزع يده من الطاعة، على ما سيأتي. قال: ولخالد بن سعيد بن العاص (٢) إلى مشارف الشام. ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث. ولحذيفة بن محصن الغطفاني وأمره بأهل دبا وبعرفجة وهرثمة (٣) وغير ذلك. لطرفة بن حاجب (٤) وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن. ولسويد بن مقرن، وأمره بتهامة اليمن. وللعلاء بن الحضرمي، وأمره بالبحرين ﵃ … وقد كتب لكل أمير كتاب عهده على حدته، ففصل كل أمير بجنده من ذي القصة، ورجع الصديق إلى المدينة، وقد كتب معهم الصديق كتابا إلى الربذة (٥) وهذه نسخته. "بسم الله الرحمن الرحيم. من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى من بلغه كتابي هذا، من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من أتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والهوى (٦)، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، نقر بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده. أما بعد فإن الله أرسل [محمدا] بالحق من عنده، إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بأذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله ﷺ [بإذنه] من أدبر عنه، حتى صار إلى الاسلام طوعا أو كرها، ثم توفى الله رسوله، وقد نفذ لأمر الله، ونصح لامته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك، ولأهل الاسلام

стр. 2392

في الكتاب الذي أنزل فقال … (إنك ميت وإنهم ميتون) … [الزمر: ٣٠] وقال: … (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) … [الأنبياء: ٣٤] وقال للمؤمنين … (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) … [آل عمران: ١٤٤] فمن كان إنما يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله [وحده] فإن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لامره، منتقم من عدوه. وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم ﷺ ، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعنه الله مخذول، ومن هداه غير الله كان ضالا (١)، قال الله تعالى … (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) … [الكهف: ١٧] ولن يقبل له في الدنيا عمل حتى يقربه، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل، وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالاسلام، وعمل به، اغترارا بالله وجهلا بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: … (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) … [الكهف: ٥٠] قال: … (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوه حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) … [فاطر: ٦] وإني بعثت إليكم في جيش من المهاجرين والأنصار، والتابعين باحسان، وأمرته أن لا يقبل من أحد إلا الايمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله ، فإن أجاب وأقر وعمل صالحا قبل منه، وأعانه عليه وإن أبى حاربه عليه حتى يفئ إلى أمر الله، ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار وأن يقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري ولا يقبل من أحد غير الاسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابه في كل مجمع لكم، والداعية الاذان فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا حمل منهم على ما ينبغي لهم (٢) … رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. فصل في مسيرة الامراء من ذي القصة على ما عوهدوا عليه وكان سيد الامراء ورأس الشجعان الصناديد أبو سليمان خالد بن الوليد … روى الإمام أحمد من طريق وحشي بن حرب، أن أبا بكر الصديق لما عقد لخالد بن الوليد عل قتال أهل الردة،

стр. 2393

قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم عبد الله وأخو العشيرة، خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين، ولما توجه خالد من ذي القصة وفارقه الصديق، واعده أنه سليقاه من ناحية خيبر بمن معه من الامراء - وأظهروا ذلك ليرعبوا الاعراب - وأمره أن يذهب أولا إلى طليحة الأسدي، ثم يذهب بعده إلى بني تميم، وكان طليحة بن خويلد في قومه بني أسد، وفي غطفان، وانضم إليهم بنو عبس وذبيان، وبعث إلى بني جديلة والغوث وطئ يستدعيهم إليه، فبعثوا أقواما منهم بين أيديهم، ليلحقوهم على أثرهم سريعا، وكان الصديق قد بعث عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد، وقال له: أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم، فذهب عدي إلى قومه بني طئ فأمرهم أن يبايعوا الصديق، وأن يراجعوا أمر الله، فقالوا: لا نبايع أبا الفضل أبدا - يعنون أبا بكر ﵁ فقال: والله ليأتينكم جيش فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الأكبر، ولم يزل عدي يفتل لهم في الذروة والغارب حتى لانوا، وجاء خالد في الجنود وعلى مقدمة الأنصار الذين معه ثابت بن قيس بن شماس، وبعث بين يديه ثابت بن أقرم (١)، وعكاشة بن محصن طليعة، فتلقاهما طليحة وأخوه سلمة فيمن معهما، فلما وجدا ثابتا وعكاشة تبارزوا فقتل عكاشة جبال بن طليحة، وقيل: بل كان قتل جبالا قبل ذلك وأخذ ما معه، وحمل عليه طليحة فقتله وقتل هو وأخوه سلمة، ثابت بن أقوم، وجاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين، فشق ذلك على المسلمين وقد قال طليحة في ذلك: عشية غادرت ابن أقرم ثاويا … وعكاشة العمي تحت مجال أقمت له صدر الحمالة إنها … معودة قبل الكماة نزال فيوم تراها في الجلال مصونة … ويوم تراها في ظلال عوالي وإن يك أولاد أصبن ونسوة … فلم يذهبوا فرغا بقتل حبال ومال خالد إلى بني طئ، فخرج إليه عدي بن حاتم فقال: أنظرني ثلاثة أيام، فأنهم قد استنظروني حتى يبعثوا إلى من تعجل منهم إلى طليحة حتى يرجعوا إليهم، فإنهم يخشون إن تابعوك أن يقتل طليحة من سار إليه منهم، وهذا أحب إليك من أن يعجلهم إلى النار، فلما كان بعد ثلاث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع الحق، فانضافوا إلى جيش خالد وقصد خالد بني جديلة فقال له: يا خالد، أجلني أياما حتى آتيهم فلعل الله أن ينقذهم كما أنقذ طيئا، فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه، فجاء خالدا باسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب، فكان عدي خير مولود وأعظمه بركة على قومه، ﵃، قالوا: ثم سار خالد حتى نزل بأجأ وسلمى (٢)، وعبى جيشه (٣) هنالك والتقى مع طليحة الأسدي بمكان يقال له: بزاخة،

стр. 2394

ووقفت أحياء كثيرة من الاعراب ينظرون على من تكون الدائرة، وجاء طليحة فيمن معه من قومه ومن التف معهم وانضاف إليهم، وقد حضر معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه، بني فزارة، واصطف الناس، وجلس طليحة ملتفا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم، وجعل عيينة يقاتل ما يقاتل، حتى إذا ضجر من القتال يجئ إلى طليحة وهو ملتف في كسائه فيقول: أجاءك جبريل؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل، ثم يرجع فيقول له مثل ذلك ويرد عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريل؟ قال نعم، قال: فما قال لك؟ قال: قال لي إن لك رحاء كرحاه، وحديثا لا تنساه، قال يقول عيينة، أظن أن قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه، ثم قال: يا بني فزارة انصرفوا، وانهزم وانهزم الناس عن طليحة، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له، وأركب امرأته النوار على بعير له، ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه، وقد قتل الله طائفة ممن كان معه، فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع، قالت بنو عامر وسليم وهوازن: ندخل فيما خرجنا منه، ونؤمن بالله ورسوله، ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا … قلت: وقد كان طليحة الأسدي ارتد في حياة النبي ﷺ ، فلما مات رسول الله ﷺ قام بمؤازرته عيينة بن حصن من بدر، وارتد عن الاسلام، وقال لقومه: والله لنبي من بني أسد أحب إلي من نبي من بني هاشم، وقد مات محمد وهذا طليحة فاتبعوه، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك، فلما كسرهما خالد هرب طليحة بامرأته إلى الشام، فنزل على بني كلب (١)، وأسر خالد عيينة بن حصن، وبعث به إلى المدينة مجموعة يداه إلى عنقه، فدخل المدينة وهو كذلك فجعل الولدان والغلمان يطعنونه بأيديهم، ويقولون: أي عدو الله، ارتددت عن الاسلام؟ فيقول: والله ما كنت آمنت قط، فلما وقف بين يدي الصديق استتابه وحقن دمه، ثم حسن إسلامه بعد ذلك، وكذلك من على قرة بن هبيرة، وكان أحد الامراء مع طليحة، فأسره مع عيينة، وأما طليحة فإنه راجع الاسلام بعد ذلك أيضا، وذهب إلى مكة معتمرا أيام الصديق، واستحيى أن يواجهه مدة حياته، وقد رجع فشهد القتال مع خالد، وكتب الصديق إلى خالد: أن استشره في الحرب ولا تؤمره - يعني معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرياسة في الباطن - وهذا من فقه الصديق ﵁ وأرضاه، وقد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طليحة ممن أسلم وحسن إسلامه: أخبرنا عما كان يقول لكم طليحة من الوحي، فقال: إنه كان يقول: الحمام واليمام والصرد والصوام، قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام، إلى غير

стр. 2395

ذلك من الخرافات والهذيانات السمجة … وقد كتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه وقام بنصره فكتب إليه: لنردك ما أنعم الله به خيرا واتق الله في أمرك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، جد في أمرك ولا تلن ولا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين إلا نكلت به، ومن أخذت ممن حاد الله أو ضاده ممن بري أن في ذلك صلاحا فاقتله … فأقام خالد ببزاخة شهرا، يصعد فيها ويصوب ويرجع إليها في طلب الذين وصاه بسلبهم الصديق، فجعل يتردد في طلب هؤلاء شهرا يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدوا، فمنهم من حرقه بالنار، ومنهم من رضخه بالحجارة، ومنهم من رمى به من شواهق الجبال، كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدة العرب، ﵁ * وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم وفد بزاخة - أسد وغطفان - على أبي بكر يسألونه الصلح، خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية حطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما الحطة المخزية؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة والكراع وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين أمرا يعذرونكم به، وتؤدون ما أصبتم منا، ولا نؤدي ما أصبنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: أما قولك: تدون قتلانا، فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم، فامتنع عمر وقال عمر في الثاني: نعم ما رأيت … رواه البخاري من حيث الثوري بسنده مختصرا. وقعة أخرى كان قد اجتمع طائفة كثيرة من الفلال يوم بزاخة من أصحاب طليحة، من بني غطفان فاجتمعوا إلى امرأة يقال لها: أم زمل - سلمى بنت ملك بن (١) حذيفة - وكانت من سيدات العرب، كأمها أم قرفة، وكان يضرب بأمها المثل في الشرف لكثرة أولادها وعزة قبيلتها وبيتها، فلما اجتمعوا إليها ذمرتهم لقتال خالد، فهاجوا لذلك، وناشب إليهم آخرون من بني سليم وطئ وهوازن وأسد، فصاروا جيشا كثيفا وتفحل أمر هذه المرأة، فلما سمع بهم خالد بن الوليد سار إليهم، واقتتلوا قتالا شديدا وهي راكبة على جمل أمها الذي كان يقال له من يمس جملها فله مائة من الإبل وذلك لعزها، فهزمهم خالد وعقر جملها وقتلها وبعث بالفتح إلى الصديق ﵁. قصة الفجاءة واسمه إياس بن عبد الله بن عبد يا ليل بن عميرة بن خفاف من بني سليم، قاله ابن إسحاق،

стр. 2396

وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم، وسأل منه أن يجهز معه جيشا يقاتل به أهل الردة، فجهز معه جيشا، فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشا فرده، فلما أمكنه بعث به إلى البقيع، فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط. قصة سجاح وبني تميم كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة، فمنهم من ارتد ومنع الزكاة، ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة، وهي من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بني تميم دعتهم إلى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي، وعطارد بن حاجب، وجماعة من سادات أمراء بني تميم، وتخلف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم، إلا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عودها، وحرضها على بني يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس، وقالوا: بمن نبدأ؟ فقالت لهم فيما تسجعه: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، ثم إنهم تعاهدوا على نصرها، فقال قائل منهم (١): أتتنا أخت تغلب في رجال (٢) … جلائب من سراة بني أبينا وأرست دعوة فينا سفاها … وكانت من عمائر آخرينا فما كنا لنرزيهم زبالا … وما كانت لتسلم إذ أتينا ألا سفهت حلومكم وضلت … عشية تحشدون لها ثبينا وقال عطارد بن حاجب في ذلك: أمست نبيتنا أنثى نطيف بها … وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا ثم إن سجاح قصدت بجنودها اليمامة، لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب، فهابه قومها، وقالوا: إنه قد استفحل أمره وعظم، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامة … دفوا دفيف الحمامة … فإنها غزوة صرامة … لا تلحقكم بعدها ملامة … قال: فعمدوا لحرب مسيلمة، فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلاده، وذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال، وقد ساعده عكرمة بن أبي جهل بجنود المسلمين، وهم نازلون ببعض بلاده ينتظرون قدوم خالد كما سيأتي، فبعث إليها يستأمنها ويضمن لها أن يعطيها نصف الأرض الذي كان لقريش لو عدلت، فقد رده

стр. 2397

الله عليك فحباك به، وراسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه، فركب إليها في أربعين من قومه، وجاء إليها فاجتمعا في خيمة، فلما خلا بها وعرض عليها ما عرض من نصف الأرض، وقبلت ذلك، قال مسيلمة: سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذا طمع، ولا يزال أمره في كل ما يسر مجتمع، رآكم ربكم فحياكم، ومن وحشته أخلاكم، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم، علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجار، يقومون الليل ويصومون النهار لربكم الكبار، رب الغيوم والأمطار … وقال أيضا: لما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت وأيديهم طفلت، قلت لهم: لا النساء تأتون، ولا الخمر تشربون، ولكنكم معشر أبرار تصومون (١)، فسبحان الله إذا جاءت الحياة كيف تحيون، وإلى ملك السماء كيف ترقون، فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور … وقد كان مسيلمة لعنه الله شرع لمن اتبعه أن الأعزب يتزوج فإذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ، إلا أن يموت ذلك الولد الذكر، فتحل له النساء حتى يولد له ذكر، هذا مما أقترحه لعنه الله، من تلقاء نفسه … ويقال: إنه لما خلا بسجاح سألها ماذا يوحي إليها؟ فقالت: وهل يكون النساء يبتدئن؟ بل أنت ماذا أوحى إليك؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى؟ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. قالت: وماذا؟ فقال: إن الله خلق للنساء أفراجا، وجعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا، فينتجن لنا سخالا إنتاجا. فقالت: أشهد أنك نبي، فقال لها: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم، فقال: ألا قومي إلى النيك … فقد هيئ لك المضجع … فإن شئت ففي البيت … وإن شئت ففي المخدع وإن شئت سلقناك … وإن شئت على أربع … وإن شئت بثلثيه … وإن شئت به أجمع فقالت: بل به أجمع، فقال: بذلك أوحي إلي، وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: ما أصدقك؟ فقالت: لم يصدقني شيئا، فقالوا: إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صداق فبعثت إليه تسأله صداقا، فقال: أرسلي إلى مؤذنك، فبعثته إليه - وهو شبت بن ربعي - فقال: ناد في قومك: إن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد - يعني صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة - فكان هذا صداقها عليه لعنهما الله … ثم انثنت سجاح راجعة إلى بلادها وذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرت راجعة إلى الجزيرة بعدما قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه. فأقامت في قومها بني تغلب، إلى زمان معاوية فأجلاهم منها عام الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه.

стр. 2398

فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة، فلما اتصلت بمسيلمة لعنهما الله، ثم ترحلت إلى بلادها - فلما كان ذلك - ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره، وتلوم في شأنه، وهو نازل بمكان يقال له: البطاح، فقصدها خالد بجنوده وتأخرت عنه الأنصار، وقالوا: إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق، فقال لهم خالد: إن هذا أمر لا بد من فعله، وفرصة لا بد من انتهازها، وإنه لم يأتني فيها كتاب، وأنا الأمير وإلي ترد الاخبار، ولست بالذي أجبركم على المسير، وأنا قاصد البطاح. فسار يومين ثم لحقه رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ما كان مالك بن نويرة فإنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة - الحرث بن ربعي الأنصاري - أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون: إنهم لم يؤذنوا ولا صلوا، فيقال إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد، فنادى منادي خالد: أن أدفئوا أسراكم (١)، فظن القوم أنه أراد القتل، فقتلوهم، وقتل ضرار بن الأزور (٢) مالك بن نويرة، فلما سمع الداعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه … واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة، وهي أم تميم ابنة المنهال، وكانت جميلة، فلما حلت بني بها، ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه، فضربت عنقه، وأمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الاعراب، من المرتدة وغيرهم، ويقال: إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ولم تفرغ الشعر لكثرته، وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق، وتكلم عمر مع أبي قتادة في خالد: وقال للصديق: اعزله فإن في سيفه رهقا، فقال أبو بكر لا أشيم سيفا سله الله على الكفار، وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدا، وعمر يساعده وينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي، فوداه الصديق من عنده، ومن قول متمم في ذلك: وكنا كندمانى جذيمة برهة (٣) … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

стр. 2399

فلما تفرقنا كأني ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقال أيضا: لقد لامني عند العبور على البكى … رفيقي لتذراف الدموع السوافك وقال أتبكي كل قبر رأيته … لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى … فدعني فهذا كله قبر مالك والمقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب ﵁ يحرض الصديق ويذمره على عزل خالد عن الامرة ويقول: إن في سيفه لرهقا، حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة، وقد لبس درعه التي من حديد، وقد صدئ من كثرة الدماء، وغرز في عمامته النشاب المضمخ بالدماء، فلما دخل المسجد قام إليه عمر بن الخطاب فانتزع الأسهم من عمامة خالد فحطمها، وقال: أرياء قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بالجنادل (١). وخالد لا يكلمه، ولا يظن إلا أن رأى الصديق فيه كرأي عمر، حتى دخل على أبي بكر فاعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه ما كان منه في ذلك وودى مالك بن نويرة، فخرج من عنده وعمر جالس في المسجد، فقال خالد: هلم إلي يا ابن أم شملة (٢)، فلم يرد عليه وعرف أن الصديق قد رضي عنه، واستمر أبو بكر بخالد على الامرة، وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطأ في قتله، كما أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى أبي جذيمة فقتل أولئك الأسارى الذين قالوا: صبأنا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فوداهم رسول الله ﷺ حتى رد إليهم مليغة الكلب، ورفع يديه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ومع هذا لم يعزل خالد على الامرة. مقتل مسيلمة الكذاب لعنه الله لما رضي الصديق عن خالد بن الوليد وعذره بما اعتذر به، بعثه (٣) إلى قتال بني حنيفة باليمامة: وأوعب معه المسلمون، وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، فسار لا يمر بأحد من المرتدين إلا نكل بهم، وقد اجتاز بخيول لأصحاب سجاح فشردهم وأمر باخراجهم من جزيرة العرب، وأردف الصديق خالدا بسرية لتكن ردءا له من ورائه وقد كان بعث قبله إلى مسيلمة عكرمة بن أبي جهل، وشرحبيل بن حسنة، فلم يقاوما بني حنيفة، لأنهم في نحو أربعين ألفا من المقاتلة، فجعل عكرمة قبل مجئ صاحبه شرحبيل، فناجزهم فنكب، فانتظر خالدا، فلما سمع

стр. 2400

مسيلمة بقدوم خالد عسكر بمكان يقال له: عقربا في طرف اليمامة والريف وراء ظهورهم، وندب الناس وحثهم، فحشد له أهل اليمامة، وجعل على مجنبتي جيشه المحكم بن الطفيل، والرجال بن عنفوه بن نهشل، وكان الرجال هذا صديقه الذي شهد له أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أنه قد أشرك معه مسيلمة بن حبيب في الامر، وكان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة، حتى أتبعوا مسيلمة، لعنهما الله، وقد كان الرجال هذا قد وفد إلى النبي ﷺ وقرأ البقرة، وجاء زمن الردة إلى أبي بكر فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الاسلام، فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنبوة … قال سيف بن عمر عن طلحة عن عكرمة عن أبي هريرة: كنت يوما عند النبي ﷺ في رهط معنا الرجال بن عنفوة، فقال: إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من واحد، فهلك القوم وبقيت أنا والرجال وكنت متخوفا لها، حتى خرج الرجال مع مسيلمة وشهد له بالنبوة، فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة … رواه ابن إسحاق عن شيخ عن أبي هريرة … وقرب خالد وقد جعل على المقدمة شرحبيل بن حسنة، وعلى المجنبتين زيدا وأبا حذيفة، وقد مرت المقدمة في الليل بنحو من أربعين، وقيل ستين فارسا (١)، عليهم مجاعة بن مرارة، وكان قد ذهب لاخذ ثأر له في بني تميم وبني عامر وهو راجع إلى قومه فأخذوهم فلما جئ بهم إلى خالد عن آخرهم فاعتذروا إليه فلم يصدقهم، وأمر بضرب أعناقهم كلهم، سوى مجاعة فإنه استبقاه مقيدا عنده - لعلمه بالحرب والمكيدة - وكان سيدا في بني حنيفة، شريفا مطاعا، ويقال: إن خالدا لما عرضوا عليه قال لهم: ماذا تقولون يا بني حنيفة؟ قالوا: نقول منا نبي ومنكم نبي، فقتلهم إلا واحدا اسمه سارية، فقال له: أيها الرجل إن كنت تريد عدا بعدول هذا خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل - يعني مجاعة بن مرارة - فاستبقاه خالد مقيدا، وجعله في الخيمة مع امرأته، وقال: استوصى به خيرا، فلما تواجه الجيشان قال مسيلمة لقومه: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيات، وينكحن غير حظيات، فقاتلوا على أحسابكم وامنعوا نساءكم، وتقدم المسلمون حتى نزل بهم خالد على كثيب يشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، وراية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، وراية الأنصار مع ثابت بن قيس ين شماس، والعرب على راياتها، ومجاعة بن مرارة مقيد في الخيمة مع أم تميم امرأة خالد، فاصطدم المسلمون والكفار فكانت جولة وانهزمت الاعراب حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد وهموا بقتل أم تميم، حتى أجارها مجاعة وقال: نعمت الحرة هذه، وقد قتل الرجال بن عنفوة لعنه الله في هذه الجولة، قتله زيد بن الخطاب، ثم تذامر الصحابة بينهم وقال ثابت بن قيس بن شماس: بئس ما عودتم أقرانكم، ونادوا من كل جانب: أخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وحمى البراء بن معرور - وكان إذا رأى الحرب أخذته العرواء فيجلس على ظهر الرجال حتى يبول في سراويله، ثم يثور كما يثور الأسد، وقاتلت بنو حنيفة قتالا لم يعهد مثله،

стр. 2401

وجعلت الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، وحفر ثابت بن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه، وهو حامل لواء الأنصار بعدما تحنط وتكفن، فلم يزل ثابتا حتى قتل هناك، وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا، وقال زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدما، وقال: والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتي، فقتل شهيدا ﵁ … وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، وحمل فيهم حتى أبعدهم وأصيب ﵁، وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم، وسار لجبال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز، وقال: أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين - وكان شعارهم يومئذ يا محمداه - وجعل لا يبرز لهم أحد إلا قتله، ولا يدنو منه شئ إلا أكله، ودارت رحى المسلمين ثم اقترب من مسيلمة فعرض عليه النصف والرجوع إلى الحق، فجعل شيطان مسيلمة يلوي عنقه، لا يقبل منه شيئا، وكلما أراد مسيلمة يقارب من الامر صرفه عنه شيطانه، فانصرف عنه خالد وقد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الاعراب، وكل بني أب على رايتهم، يقاتلون تحتها، حتى يعرف الناس من أين يؤتون، وصبرت الصحابة في هذا الموطن صبرا لم يعهد مثله، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم، وولى الكفار الادبار، واتبعوهم يقتلون في أقفائهم، ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت، وقد أشار عليهم محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل لعنه الله - بدخولها، فدخلوها وفيها عدو الله مسيلمة لعنه الله، وأدرك عبد الرحمن بن أبي بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله (١)، وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم، وأحاط بهم الصحابة، وقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله، وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، وهو يريد يتساند، لا يعقل من الغيظ، وكان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابه وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، فضربه بالسيف فسقط، فنادت امرأة من القصر: وا أمير الوضاءة، قتله العبد الأسود، فكان جملة من قتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبا من عشرة آلاف مقاتل، وقيل: أحد وعشرون ألفا (٢)، وقتل من المسلمين ستمائة، وقيل: خمسمائة (٣)، فالله أعلم، وفيهم من

стр. 2402

سادات الصحابة، وأعيان الناس من يذكر بعد، وخرج خالد وتبعه مجاعة بن مرارة يرسف في قيوده، فجعل يريه القتلى ليعرفه بمسيلمة، فلما مروا بالرجال بن عنفوة قال له خالد: أهذا هو؟ قال: لا، والله هذا خير منه، هذا الرجال بن عنفوة، قال سيف بن عمر: ثم مروا برجل أصفر أخنس (١)، فقال. هذا صاحبكم، فقال خالد: قبحكم الله على اتباعكم هذا، ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال وسبي، ثم عزم على غزو الحصون ولم يكن بقي فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ الكبار، فجدعه مجاعة فقال: إنها ملاى رجالا ومقاتلة فهلم فصالحني عنها، فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد وقد كلوا من كثرة الحروب والقتال، فقال: دعني حتى أذهب إليهم ليوافقوني على الصلح، فقال: اذهب، فسار إليهم مجاعة فأمر النساء أن يلبسن الحديد ويبرزن على رؤوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رؤوس الناس فظنهم كما قال مجاعة فانتظر الصلح، ودعاهم خالد إلى الاسلام فأسلموا عن آخرهم ورجعوا إلى الحق ورد عليهم خالد بعض ما كان أخذ من السبي (٢)، وساق الباقين إلى الصديق، وقد تسرى علي بن أبي طالب بجارية منهم، وهي أم ابنه محمد الذي يقال له: محمد بن الحنفية ﵁، وقد قال ضرار بن الأزور في غزوة اليمامة هذه: فلو سئلت عنا جنوب لأخبرت … عشية سالت عقرباء وملهم وسال بفرع الواد حتى ترقرقت … حجارته فيه من القوم بالدم عشية لا تغني الرماح مكانها … ولا النبل إلا المشرفي المصمم

стр. 2403

فأن تبتغي الكفار غير مسيلمة … جنوب فأني تابع الدين مسلم أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة … ولله بالمرء المجاهد أعلم وقد قال خليفة بن خياط، ومحمد بن جرير، وخلق من السلف: كانت وقعة اليمامة في سنة إحدى عشرة، وقال ابن قانع: في آخرها، وقال الواقدي وآخرون: كانت في سنة ثنتي عشرة، والجمع بينها أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة، والفراغ منها في سنة ثنتي عشرة والله أعلم … ولما قدمت وفود بني حنيفة على الصديق قال لهم: أسمعونا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا بد من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدع بنت الضفدعين نقي لكم نقين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء، وذنبك في الطين (١)، وكان يقول: والمبذرات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، رفيقكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والناعي فواسوه (٢)، وذكروا أشياء من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون، فيقال: إن الصديق قال لهم: ويحكم، أين كان يذهب بقولكم؟ إن هذا الكلام لم يخرج من أل، وكان يقول: والفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، وكان يقول: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب ولا يابس، وتقدم قوله: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي، وأشياء من هذا الكلام السخيف الركيك البارد السميج … وقد أورد أبو بكر بن الباقلاني ﵀ في كتابه إعجاز القرآن أشياء من كلام هؤلاء الجهلة المتنبئين كمسيلمة وطليحة والأسود وسجاح وغيرهم، مما يدل على ضعف عقولهم وعقول من اتبعهم على ضلالهم ومحالهم … وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد إلى مسيلمة في أيام جاهليته، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ قال: أنزل عليه … (والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) … قال: ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هي؟ فقال مسيلمة: يا وبر يا وبر، إنما أنت ايراد وصدر، وسائرك حفر نقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب … وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبي ﷺ ، بلغه أن رسول الله ﷺ بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية: وفي أخرى فصار ماؤه أجاجا، وتوضأ وسقى بوضوئه نخلا فيبست وهلكت، وأتى بولدان يبرك عليهم فجعل يمسح رؤوسهم فمنهم من قرع رأسه، ومنهم من لثغ لسانه، ويقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمى … وقال

стр. 2404

سيف بن عمر عن خليد بن زفر النمري، عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة فقال: أين مسيلمة؟ فقال: مه رسول الله، فقال: لا حتى أراه، فلما جاء قال: أنت مسيلمة؟ فقال: نعم. قال: من يأتيك؟ قال: رجس (١)، قال: أفي نور أم في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال أشهد أنك كذاب وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر (٢)، واتبعه هذا الأعرابي الجلف لعنه الله حتى قتل معه يوم عقربا، لا ﵀. ذكر ردة أهل البحرين وعودهم إلى الاسلام كان من خبرهم أن رسول الله ﷺ كان قد بعث العلاء بن الحضرمي إلى ملكها، المنذر بن ساوي العبدي، وأسلم على يديه وأقام فيهم الاسلام والعدل، فلما توفي رسول الله ﷺ ، توفي المنذر بعده بقليل، وكان قد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو هل كان رسول الله ﷺ يجعل للمريض شيئا من ماله؟ قال: نعم، الثلث، قال: ماذا أصنع به؟ قال: إن شئت تصدقت به على أقربائك، وإن شئت على المحاويج، وإن شئت جعلته صدقة من بعدك حبسا محرما، فقال: إني أكره أن أجعله كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ولكني أتصدق به، ففعل، ومات فكان عمرو بن العاص يتعجب منه، فلما مات المنذر ارتد أهل البحرين وملكوا عليهم الغرور، وهو المنذر بن النعمان بن المنذر. وقال قائلهم: لو كان محمد نبيا ما مات، ولم يبق بها بلدة على الثبات سوى قرية يقال لها جواثا، كانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس، وقد حاصرهم المرتدون وضيقوا عليهم، حتى منعوا من الأقوات وجاعوا جوعا شديدا حتى فرج الله، وقد قال رجل منهم يقال له عبد الله بن حذف، أحد بني بكر بن كلاب، وقد اشتد عليه الجوع: - ألا أبلغ أبا بكر رسولا … وفتيان المدينة أجمعينا فهل لكم إلى قوم كرام … قعود في جواثا محصرينا كأن دماءهم في كل فج … شعاع الشمس يغشى الناظرينا توكلنا على الرحمن إنا … قد وجدنا الصبر للمتوكلينا (٣) وقد قام فيهم رجل من أشرافهم، وهو الجارود بن المعلى - وكان ممن هاجروا إلى رسول الله ﷺ خطيبا وقد جمعهم فقال: يا معشر عبد القيس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتوه، ولا تجيبوني إن لم تعلموه، فقالوا: سل، قال: أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونه أم ترونه؟ قالوا: نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال:

стр. 2405

فإن محمدا ﷺ مات كما ماتوا وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا: ونحن أيضا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنت أفضلنا وسيدنا، وثبتوا على إسلامهم، وتركوا بقية الناس فيما هم فيه، وبعث الصديق ﵁ كما قدمنا إليهم العلاء بن الحضرمي، فلما دنا من البحرين جاء إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير، وجاء كل أمراء تلك النواحي فانضافوا إلى جيش العلاء بن الحضرمي، فأكرمهم العلاء وترحب بهم وأحسن إليهم، وقد كان العلاء من سادات الصحابة العلماء العباد مجابي الدعوة، اتفق له في هذه الغزوة أنه نزل منزلا فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الإبل بما عليها من زاد الجيش وخيامهم وشرابهم، وبقوا على الأرض ليس معهم شئ سوى ثيابهم - وذلك ليلا - ولم يقدروا منها على بعير واحد، فركب الناس من الهم والغم مالا يحد ولا يوصف، وجعل بعضهم يوصي إلى بعض، فنادى منادي العلاء فاجتمع الناس إليه، فقال: أيها الناس ألستم المسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم، ونودي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بالناس، فلما قضى الصلاة جثا على ركبتيه وجثا الناس، ونصب في الدعاء ورفع يديه وفعل الناس مثله حتى طلعت الشمس، وجعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى وهو يجتهد في الدعاء فلما بلغ الثالثة إذا قد خلق الله إلى جانبهم غديرا عظيما من الماء القراح، فمشى الناس إليه فشربوا واغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل من كل فج بما عليها، لم يفقد الناس من أمتعتهم سلكا، فسقوا الإبل عللا بعد نهل. فكان هذا مما عاين الناس من آيات الله بهذه السرية، ثم لما اقترب من جيوش المرتدة - وقد حشدوا وجمعوا خلقا عظيما - نزل ونزلوا، وباتوا متجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتا عالية في جيش المرتدين، فقال: من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء؟ فقام عبد الله بن حذف فدخل فيهم فوجدهم سكارى لا يعقلون من الشراب، فرجع إليه فأخبره، فركب العلاء من فوره والجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلا عظيما، وقل من هرب منهم، واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم، فكانت غنيمة عظيمة جسيمة، وكان الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائما، فقام دهشا حين اقتحم المسلمون عليهم فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول: من يصلح لي ركابي؟ فجاء رجل (١) من المسلمين في الليل فقال: أن أصلحها لك، ارفع رجلك، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه، فقال له: أجهز علي، فقال: لا أفعل، فوقع صريعا كلما مر به أحد يسأله أن يقتله فيأبى، حتى مر به قيس بن عاصم فقال له: أنا الحطم فاقتلني فقتله، فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله وقال: وا سوأتاه، لو أعلم ما به لم أحركه، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين، يقتلونهم بكل مرصد وطريق، وذهب من فر منهم أو أكثرهم في البحر إلى دارين ركبوا إليها السفن، ثم شرع العلاء بن

стр. 2406

الحضرمي في قسم الغنيمة ونقل الأثقال وفرغ من ذلك وقال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دارين لنغزو من بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سريعا، فاسر بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء الله، فاقتحم البحر بفرسه وهو يقول: يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، يا أحد يا صمد، يا حيي يا محي، يا قيوم يا ذا الجلال والاكرام لا إله إلا أنت يا ربنا. وأمر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليج بإذن الله يمشون على مثل رملة دمثة (١) فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل، ولا يصل إلى ركب الخيل، ومسيرته للسفن يوم وليلة، فقطعه إلى الساحل الآخر فقاتل عدوه وقهرهم واحتاز غنائمهم ثم رجع فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الأول، وذلك كله في يوم، ولم يترك من العدو مخبرا، واستاق الذراري والانعام والأموال، ولم يفقد المسلمون في البحر شيئا سوى عليقة فرس لرجل من المسلمين ومع هذا رجع العلاء فجاءه بها، ثم قسم غنائم المسلمين فيهم، فأصاب الفارس ألفين والراجل ألفا (٢)، مع كثرة الجيش، وكتب إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعث الصديق يشكره على ما صنع، وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر، وهو عفيف بن المنذر: ألم تر أن الله ذلل بحره … وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا إلى شق البحار فجاءنا … بأعجب من فلق البحار الأوائل وقد ذكر سيف بن عمر التميمي أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف والمشاهد التي رأوها من أمر العلاء، وما أجرى الله على يديه من الكرامات، رجل من أهل هجر راهب فأسلم حينئذ، فقيل له: ما دعاك إلى الاسلام؟ فقال: خشيت إن لم أفعل أن يمسخني الله (٣)، لما شاهدت من الآيات، قال: وقد سمعت في الهواء وقت السحر دعاء، قالوا: وما هو؟ قال: اللهم أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك والبديع ليس قبلك شئ، والدائم غير الغافل، والذي لا يموت (٤)، وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كل شئ علما، قال: فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله، قال: فحسن إسلامه وكان الصحابة يسمعون منه.

стр. 2407

ذكر ردة أهل عمان ومهرة اليمن أما أهل عمان فنبغ فيهم رجل يقال له: ذو التاج، لقيط بن مالك الأزدي، وكان يسمى في الجاهلية الجلندي، فادعى النبوة أيضا، وتابعه الجهلة من أهل عمان، فتغلب عليها وقهر جيفرا وعبادا وألجأهما إلى أطرافها، من نواحي الجبال والبحر، فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه، فبعث إليه الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميري، وعرفجة البارقي من الأزد، حذيفة إلى عمان، وعرفجة إلى مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا ويبتدئا بعمان، وحذيفة هو الأمير، فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير … وقد قدمنا أن عكرمة بن أبي جهل لما بعثه الصديق إلى مسيلمة وأتبعه بشرحبيل بن حسنة، عجل عكرمة وناهض مسيلمة قبل مجئ شرحبيل ليفوز بالظفر وحده، فناله من مسيلمة قرح والذين معه، فتقهقر حتى جاء خالد بن الوليد، فقهر مسيلمة كما تقدم، وكتب إليه الصديق يلومه على تسرعه، قال: لا أرينك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء، وأمره أن يلحق بحذيفة وعرفجة إلى عمان، وكل منكم أمير على جيشه وحذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس، فإذا فرغتم فاذهبوا إلى مهرة، فإذا فرغتم منها فاذهب إلى اليمن وحضرموت فكن مع المهاجر بن أبي أمية، ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت واليمن فنكل به، فسار عكرمة لما أمره به الصديق، فلحق حذيفة وعرفجة قبل أن يصلا إلى عمان، وقد كتب إليهما الصديق أن ينتهيا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ من السير من عمان أو المقام بها، فساروا فلما اقتربوا من عمان راسلوا جيفرا، وبلغ لقيط بن مالك مجئ الجيش، فخرج في جموعه فعسكر بمكان يقال له: دبا، وهي مصر تلك البلاد وسوقها العظمى، وجعل الذراري والأموال وراء ظهورهم، ليكون أقوى لحربهم، واجتمع جيفر وعباد بمكان ويقال له صحار، فعسكرا به وبعثا إلى أمراء الصديق فقدموا على المسلمين، فتقابل الجيشان هنالك، وتقاتلوا قتالا شديدا، وابتلى المسلمون وكادوا أن يولوا، فمن الله بكرمه ولطفه أن بعث إليهم مددا، في الساعة الراهنة من بني ناجية وعبد القيس، في جماعة من الامراء (١)، فلما وصلوا إليهم كان الفتح والنصر، فولى المشركون مدبرين، وركب المسلمون ظهورهم فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل وسبوا الذراري وأخذوا الأموال والسوق بحذافيرها، وبعثوا بالخمس إلى الصديق ﵁ مع أحد الامراء، وهو عرفجة، ثم رجع إلى أصحابه. وأما مهرة فإنهم لما فرغوا من عمان كما ذكرنا، سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة، بمن معه من الجيوش ومن أضيف إليها، حتى اقتحم على مهرة بلادها، فوجدهم جندين على أحدهما - وهم الأكثر - أمير يقال له: المصبح، أحد بني محارب، وعلى الجند الآخر أمير يقال له: شخريت، وهما مختلفان، وكان هذا الاختلاف رحمة على المؤمنين فراسل عكرمة شخريت فأجابه وانضاف إلى عكرمة فقوي بذلك المسلمون، وضعف

стр. 2408

جأش المصبح، فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى الله وإلى السمع والطاعة، فاغتر بكثرة من معه ومخالفة لشخريت، فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمة بمن معه من الجنود فاقتتلوا مع المصبح أشد من قتال دبا المتقدم، ثم فتح الله بالظفر والنصر، ففر المشركون وقتل المصبح، وقتل خلق كثير من قومه، وغنم المسلمون أموالهم، فكان في جملة ما غنموا ألفا نجيبة فخمس عكرمة ذلك كله وبعث بخمسة إلى الصديق مع شخريت، وأخبره بما فتح الله عليه، والبشارة مع رجل يقال له: السائب، من بني عابد من مخزوم، وقد قال في ذلك رجل يقال له علجوم [المحاربي]: جزي الله شخريتا وأفناء هاشما … وفرضم إذ سارت إلينا الحلائب جزاء مسئ لم يراقب لذمة … ولم يرجها فيما يرجى الأقارب أعكرم لولا جمع قومي وفعلهم … لضاقت عليكم بالفضاء المذاهب وكنا كمن اقتاد كفا بأختها … وحلت علينا في الدهور النوائب وأما أهل اليمن فقد قدمنا أن الأسود العنسي لعنه الله لما نبغ باليمن، أضل خلقا كثيرا من ضعفاء العقول والأديان حتى ارتد كثير منهم أو أكثرهم عن الاسلام، وأنه لما قتله الامراء الثلاثة قيس بن مكشوح وفيروز الديلمي، وداذويه، وكان ما قدمنا ذكره، ولما بلغهم موت رسول الله ﷺ ازداد بعض أهل اليمن فيما كانوا فيه من الحيرة والشك، أجارنا الله من ذلك، وطمع قيس بن مكشوح في الامرة باليمن، فعمل لذلك، وارتد عن الاسلام وتابعه عوام أهل اليمن، وكتب الصديق إلى الامراء والرؤساء (١)، من أهل اليمن أن يكونوا [عونا إلى] فيروز والأبناء على قيس بن مكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعا، وحرص قيس على قتل الأميرين الأخيرين، فلم يقدر إلا على داذويه، واحترز منه فيروز الديلمي، وذلك أنه عمل طعاما وأرسل إلى داذويه أولا، فلما جاءه عجل عليه فقتله، ثم أرسل إلى فيروز ليحضر عنده فلما كان ببعض الطريق سمع امرأة تقول لأخرى: وهذا أيضا والله مقتول كما قتل صاحبه، فرجع من الطريق وأخبر أصحابه بقتل داذويه، وخرج إلى أخواله خولان فتحصن عندهم وساعدته عقيل، وعك وخلق، وعمد قيس إلى ذراري فيروز وداذويه والأبناء فأجلاهم عن اليمن، وأرسل طائفة في البر وطائفة في البحر فاحتد فيروز فخرج في خلق كثير، فتصادف هو وقيس فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم قيسا وجنده من العوام، وبقية جند الأسود العنسي، فهزموا في كل وجه وأسر قيس وعمرو بن معدي كرب، وكان عمرو قد ارتد أيضا، وبايع الأسود العنسي، وبعث بهما المهاجر بن أبي أمية إلى أبي بكر أسيرين، فعنفهما وأنبهما، فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما، ووكل سرائرهما إلى الله ، وأطلق سراحهما وردهما إلى قومهما، ورجعت عمال رسول الله ﷺ الذي كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته ﵇ بعد حروب طويلة، لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها،

стр. 2409

وملخصها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا وحصل في أهلها ردة لبعض الناس، فبعث الصديق إليهم جيوشا وأمراء يكونون عونا لمن في تلك الناحية من المؤمنين فلا يتواجه المشركون والمؤمنون في موطن من تلك المواطن إلا غلب جيش الصديق لمن هناك من المرتدين، ولله الحمد والمنة، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغنموا مغانم كثيرة، فيتقوون بذلك على من هنالك، ويبعثون بأخماس ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوة أيضا ويستعدون به على قتال من يريدون قتالهم من الأعاجم والروم، على ما سيأتي تفصيله … ولم يزل الامر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلا أهل طاعة لله ولرسوله، وأهل ذمة من الصديق، كأهل نجران وما جرى مجراهم، ولله الحمد، وعامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة وأوائل سنة اثنتي عشرة … ولنذكر بعد إيراد هذه الحوادث من توفي في هذه السنة من الأعيان والمشاهير وبالله المستعان، وفيها رجع معاذ بن جبل من اليمن. وفيها استبقى (١)، أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب ﵄. ذكر من توفي في هذه السنة أعني سنة إحدى عشرة من الأعيان والمشاهير وذكرنا معهم من قتل باليمامة لأنها كانت في سنة إحدى عشرة على قول بعضهم، وإن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتي عشرة … توفي فيها رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وذلك في ربيعها الأول يوم الاثنين ثاني عشره على المشهور، كما قدمنا بيانه، وبعده بستة أشهر على الأشهر، توفيت ابنته فاطمة ﵂، وتكنى بأم أبيها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقا به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ وكانت أصغر بنات النبي ﷺ على المشهور ولم يبق بعده سواها، فلهذا عظم أجرها لأنها أصيبت به ﵇ ويقال إنها كانت توأما لعبد الله ابن رسول الله ﷺ وليس له ﵇ نسل إلا من جهتها، قال الزبير بن بكار: وقد روي أنه ﵇ ليلة زفاف علي على فاطمة توضأ وصب عليه وعلى فاطمة ودعا لهما أن يبارك في نسلهما، وقد تزوجها ابن عمها علي بن أبي طالب بعد الهجرة، وذلك بعد بدر وقيل بعد أحد، وقيل بعد تزويج رسول الله ﷺ عائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد ذلك بسبعة أشهر ونصف، فأصدقها درعه الحطمية وقيمتها أربعمائة درهم، وكان عمرها إذ ذاك خمس عشرة (٢) سنة وخمسة أشهر، وكان علي أسن منها بست سنين. وقد وردت أحاديث موضوعة في تزويج علي بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها … فولدت له حسنا وحسينا ومحسنا وأم كلثوم - التي تزوج بها عمر بن الخطاب بعد ذلك - وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنا عطاء بن السائب عن أبيه عن

стр. 2410

علي أن رسول الله لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحى وسقاء وجرتين، قال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى محلت يداي، فأتت النبي ﷺ فقال: ما جاء بك أي بنية؟ قالت جئت لأسلم عليك - واستحيت أن تسأله - ورجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتياه جميعا فقال علي: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى محلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم (١)، فرجعا فأتاهما رسول الله ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما وإذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى، قال، كلمات علمنيهن جبريل تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين قال فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﷺ ، قال: فقال له ابن الكوا: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم ولا ليلة صفين (٢) … وآخر هذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه، فقد كانت فاطمة صابرة مع علي على جهد العيش وضيقه، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ولكنه أراد أن يتزوج في وقت بدرة بنت أبي جهل، فأنف رسول الله ﷺ من ذلك وخطب الناس فقال: لا أحرم حلالا ولا أحل حراما، وإن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها، وإني أخشى أن تفتن عن دمها، ولكن إني أحب ابن أبي طالب أن يطلقها ويتزوج بنت أبي جهل فإنه والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبدا، قال: فترك علي الخطبة … ولما مات رسول الله ﷺ سألت من أبي بكر الميراث فأخبرها أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، فسألت أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة فأبى ذلك وقال: إني أعول من كان رسول الله يعول، وإني أخشى إن تركت شيئا مما كان رسول الله ﷺ يفعله أن أضل، ووالله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك، فلم تزل تبغضه مدة حياتها، فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت، فرضيت ﵄ … رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، ثم قال: وهذا مرسل حسن بأسناد صحيح … ولما حضرتها الوفاة أوصت إلى أسماء بنت عميس - امرأة الصديق - أن تغسلها فغسلتها هي وعلي بن أبي طالب وسلمى أم رافع، قيل والعباس بن عبد المطلب، وما روي من أنها اغتسلت قبل وفاتها وأوصت أن

стр. 2411

لا تغسل بعد ذلك فضعيف لا يعول عليه والله أعلم … وكان الذي صلى عليها زوجها علي، وقيل عمها العباس، وقيل أبو بكر الصديق فالله أعلم، ودفنت ليلا وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة وقيل إنها توفيت بعده ﵇ بشهرين، وقيل بسبعين يوما، وقيل بخمسة وسبعين يوما، وقيل بثلاثة أشهر، وقيل بثمانية أشهر، والصحيح ما ثبت في الصحيح من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر، ودفنت ليلا، ويقال إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده ﵇، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه، وشوقها إليه … واختلف في مقدار سنها يومئذ فقيل سبع وقيل ثمان وقيل تسع وعشرون، وقيل ثلاثون، وقيل خمس وثلاثون سنة، وهذا بعيد وما قبله أقرب منه والله أعلم … ودفنت بالبقيع وهي أول من ستر سريرها، وقد ثبت في الصحيح أن عليا كان له فرجة من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت التمس مبايعة الصديق فبايعه كما هو مروي في البخاري، وهذه البيعة لإزالة ما كان وقع من وحشة حصلت بسبب الميراث ولا ينفي ما ثبت من البيعة المتقدمة عليها كما قررنا والله أعلم * وممن توفي هذه السنة أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن (١) مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان مولاة رسول الله ﷺ ورثها من أبيه، وقيل من أمه، وحضنته وهو صغير، وكذلك بعد ذلك وقد شربت بوله فقال لها: لقد احتضرت بحضار من النار (٢)، وقد أعتقها وزوجها عبيدا فولدت منه ابنها أيمن فعرفت به، ثم تزوجها زيد بن حارثة، مولى رسول الله، فولدت أسامة بن زيد، وقد هاجرت الهجرتين إلى الحبشة والمدينة وكانت من الصالحات، وكان ﵇ يزورها في بيتها ويقول: هي أمي بعد أمي، وكذلك كان أبو بكر وعمر يزورانها في بيتها، كما تقدم ذلك في ذكر الموالي وقد توفيت بعده ﵇ بخمسة أشهر وقيل بستة أشهر (٣). ومنهم ثابت بن أقرم بن ثعلبة ابن عدي بن العجلان البلوي حليف الأنصار شهد بدرا وما بعدها، وكان ممن حضر مؤتة، فلما قتل عبد الله بن رواحة دفعت الراية إليه فسلمها لخالد بن الوليد، وقال: أنت أعلم

стр. 2412

بالقتال مني، وقد تقدم أن طليحة الأسدي قتله وقتل معه عكاشة بن محصن وذلك حين يقول طليحة: عشية غادرت ابن أقرم ساويا … وعكاشة الغنمي تحت مجال وذلك في سنة إحدى عشرة، وقيل سنة ثنتي عشرة، وعن عروة أنه قتل في حياة النبي ﷺ وهذا غريب، والصحيح الأول والله أعلم * ومنهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي أبو محمد خطيب الأنصار ويقال له أيضا خطيب النبي ﷺ وقد ثبت عنه ﵇ أنه بشره بالشهادة، وقد تقدم الحديث في دلائل النبوة، فقتل يوم اليمامة شهيدا، وكانت راية الأنصار يومئذ بيده … وروى الترمذي بأسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، وقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن المعلى الدمشقي: ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس، فأرشدوني إلى ابنته، فسألتها فقالت: سمعت أبي يقول: لما أنزل على رسول الله ﷺ … (إن الله لا يحب كل مختال فخور) … اشتدت على ثابت وغلق عليه بابه، وطفق يبكي فأخبر رسول الله فسأله فأخبره بما كبر عليه منها، وقال: أنا رجل أحب الجمال: وأنا أسود قومي، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير، ويدخلك الله الجنة، فلما أنزل على رسول الله … (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول) … [الحجرات: ٢] فعل مثل ذلك فأخبر النبي ﷺ فأرسل إليه فأخبره بما كبر عليه منها، وأنه جهير الصوت، وأنه يتخوف أن يكون ممن حبط عمله، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا ويدخلك الله الجنة، فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسيلمة الكذاب، سار ثابت فيمن سار: فلما لقوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قتلا، قالت: ورأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعا نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس بتن (١) في طوله، وقد أكفأ على الدرع برمة، وجعل فوق البرمة رحلا، وائت خالد بن الوليد فليبعث إلي درعي فليأخذها، فإذا قدمت على خليفة وسول الله فأعلمه أن علي من الدين كذا ولي من المال كذا وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، قال: فأتى خالدا فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبي بكر فأخبره فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته فلا نعلم أحدا جازت

стр. 2413

وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس (١) … ولهذا الحديث وهذه القصة شواهد أخر، والحديث المتعلق بقوله: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، في صحيح مسلم عن أنس (٢) * وقال حماد بن مسلمة: عن ثابت عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس، جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه وقال (٣): اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فقتل وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: أن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا (٤)، رواه الطبراني أيضا * ومنهم حزن بن أبي وهب ابن عمرو بن عامر بن عمران المخزومي، له هجرة ويقال: أسلم عام الفتح، وهو جد سعيد بن المسيب أراد رسول الله ﷺ أن يسميه سهلا فامتنع وقال: لا أغير اسما سمانيه أبواي، فلم تزل الحزونة فينا. استشهد يوم اليمامة وقتل معه أيضا ابناه عبد الرحمن ووهب، وابن ابنه حكيم بن وهب بن حزن. وممن استشهد في هذه السنة داذويه الفارسي أحد أمراء اليمن الذين قتلوا الأسود العنسي، قتله غيلة قيس بن مكشوح حين ارتد قبل أن يرجع قيس إلى الاسلام فلما عنفه الصديق على قتله أنكر ذلك فقبل علانيته وإسلامه. ومنهم زيد بن الخطاب ابن نفيل القرشي العدوي أبو محمد، وهو أخو عمر بن الخطاب لأبيه، وكان زيدا أكبر من عمر، أسلم قديما، وشهد بدرا، وما بعدها وقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين معن بن عدي الأنصاري وقد قتلا جميعا باليمامة، وقد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده، فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة، وقد قتل زيد يومئذ الرجال بن عنفوة، واسمه نهار، وكان الرجال هذا قد أسلم وقرأ البقرة ثم ارتد ورجع فصدق مسيلمة وشهد له بالرسالة، فحصل به فتنة عظيمة، فكانت وفاته على يد زيد رضي الله عن زيد ثم قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم الحنفي، وقد أسلم بعد ذلك وقال لعمر: يا أمير المؤمنين إن الله أكرم زيدا بيدي ولم يهني

стр. 2414

على يده، وقيل: إنما قتله سلمة بن صبيح ابن عم أبي مريم هذا، ورجحه أبو عمر وقال: لان عمر استقضى أبا مريم، وهذا لا يدل على نفي ما تقدم والله أعلم … وقد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب: سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي، واستشهد قبلي، وقال لمتمم بن نويرة حين جعل يرثي أخاه مالكا بتلك الأبيات المتقدم ذكرها: لو كنت أحسن الشعر لقلت كما قلت، فقال له متمم: لو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه، فقال له عمر: ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به، ومع هذا كان عمر يقول ما هبت الصبا إلا ذكرتني زيد بن الخطاب، ﵁. ومنهم سالم بن عبيد ويقال: ابن يعمل (١) مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وإنما كان معتقا لزوجته ثبيتة بنت يعاد (٢) وقد تبناه أبو حنيفة وزوجه بابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلما أنزل الله … (ادعوهم لآبائهم) … جاءت امرأة أبي حذيفة سهلة بنت سهيل بن عمرو فقالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علي وأنا غفل، فأمرها أن ترضعه فأرضعته فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وكان من سادات المسلمين، أسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله ﷺ ، فكان يصلي بمن بها من المهاجرين، وفيهم عمر بن الخطاب لكثرة حفظه القرآن، وشهد بدرا وما بعدها وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : اسقرئوا القرآن من أربعة (٣)، فذكر منهم سالما مولى أبي حذيفة، وروي عن عمر أنه قال لما أحتضر: لو كان سالما حيا لما جعلتها شورى، قال أبو عمر بن عبد البر: معناه أنه كان يصدر عن رأيه فيمن يوليه الخلافة. ولما أخذ الراية يوم اليمامة بعد مقتل زيد بن الخطاب قال له المهاجرون: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا. انقطعت يده اليمنى فأخذها بيساره، فقطعت فاحتضنها وهو يقول … (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) … فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قالوا: قتل، قال: فما فعل فلان؟ قالوا: قتل، قال: فأضجعوني بينهما. وقد بعث عمر بميراثه إلى مولاته التي أعتقته " بثينة " فردته وقالت: إنما أعتقته سائبة، فجعله عمر في بيت المال (٤).

стр. 2415

ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة ويقال سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي. شهد بدرا وأبلى يوم أحد، وقاتل شديدا وأعطاه رسول الله ﷺ يومئذ سيفا فأعطاه حقه وكان يتبختر عند الحرب، فقال ﵇: إن هذه لمشية يبغضها الله، إلا في هذا الموطن. وكان يعصب رأسه بعصابة حمراء، شعارا له بالشجاعة. وشهد اليمامة ويقال إنه ممن اقتحم على بني حنيفة يومئذ الحديقة فانكسرت رجله، فلم يزل يقاتل حتى قتل يومئذ. وقد قتل مسيلمة مع وحشي بن حرب رماه وحشي بالحربة وعلاه أبو دجانة بالسيف، قال وحشي: فربك أعلم أينا قتله. وقد قيل إنه عاش حتى شهد صفين مع علي، والأول أصح. أما ما يروى عنه من ذكر الحرز المنسوب إلى أبي دجانة فإسناده ضعيف ولا يلتفت إليه والله أعلم. ومنهم شجاع بن وهب ابن ربيعة الأسدي، حليف بني عبد شمس، أسلم قديما وهاجر وشهد بدرا وما بعدها. وكان رسول رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر الغساني فلم يسلم، وأسلم حاجبه سوى. واستشهد شجاع بن وهب يوم اليمامة عن بضع وأربعين سنة، كان رجلا طوالا نحيفا أحنى. ومنهم الطفيل بن عمرو بن طريف ابن العاص بن ثعلبة بن سليم بن [فهر بن] غنم بن دوس الدوسي، أسلم قديما قبل الهجرة، وذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله فهداهم الله على يديه، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة جاءه بتسعين أهل بيت من دوس مسلمين، وقد خرج عام اليمامة مع المسلمين ومعه ابنه عمرو، فرأى الطفيل في المنام كأن رأسه قد حلق، وكأن امرأة أدخلته في فرجها، وكأن ابنه يجتهد أن يلحقه فلم يصل. فأولها بأنه سيقتل ويدفن، وأن ابنه يحرص على الشهادة فلا ينالها عامه ذلك. وقد وقع الامر كما أولها، ثم قتل ابنه شهيدا يوم اليرموك كما سيأتي. ومنهم عباد بن بشر بن وقش الأنصاري أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل الهجرة قبل إسلام معاذ، وأسيد بن الحضير، وشهد بدرا وما بعدها. وكان ممن قتل كعب بن الأشرف، وكانت عصاه تضئ له إذا خرج من عند رسول الله في ظلمة. قال موسى بن عقبة عن الزهري: قتل يوم اليمامة شهيدا عن خمس وأربعين سنة، وكان له بلاء وعناء. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: تهجد رسول الله فسمع صوت عباد فقال: اللهم أغفر له.

стр. 2416

ومنهم السائب بن عثمان بن مظعون بدري من الرماة، أصابه يوم اليمامة سهم فقتله وهو شاب (١)، ﵀. ومنهم السائب بن العوام أخو الزبير بن العوام استشهد يومئذ ﵀. ومنهم عبد الله بن سهيل بن عمرو ابن عبد شمس بن عبد ود القرشي العامري، أسلم قديما وهاجر ثم استضعف بمكة، فلما كان يوم بدر خرج معهم فلما تواجهوا فر إلى المسلمين فشهدها معهم، وقتل يوم اليمامة فلما حج أبو بكر عزى أباه فيه، فقال سهيل: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهله، فأرجو أن يبدأ بي. ومنهم عبد الله بن عبد الله ابن أبي بن سلول الأنصاري الخزرجي، كان من سادات الصحابة وفضلائهم، شهد بدرا وما بعدها وكان أبوه رأس المنافقين، وكان أشد الناس على أبيه، ولو أذن له رسول الله فيه لضرب عنقه، وكان اسمه الحباب فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقد استشهد يوم اليمامة ﵁. ومنهم عبد الله بن أبي بكر الصديق أسلم قديما، ويقال: إنه الذي كان يأتي بالطعام والشراب والاخبار إلى رسول الله ﷺ وإلى أبي بكر وهما في بغار ثور، ويبيت عندهما ويصبح بمكة كبائت، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا أخبرهما به. وقد شهد الطائف فرماه رجل يقال له أبا محجن الثقفي بسهم فذوي منها فاندملت ولكن لم يزل منها حمتا حتى مات (٢) في شوال سنة إحدى عشرة. ومنهم عكاشة بن محصن ابن حرثان بن قيس بن مرة بن كثير (٣) بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس، يكنى أبا محصن، وكان من سادات الصحابة وفضلائهم، هاجر وشهد بدرا

стр. 2417

وأبلى يومئذ بلاء حسنا وانكسر سيفه فأعطاه رسول الله يومئذ عرجونا فعاد في يده سيفا أمضى من الحديد شديد المتن. وكان ذلك السيف يسمى العون. وشهد أحدا والخندق وما بعدها. ولما ذكر رسول الله ﷺ السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فقال عكاشة يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: اللهم اجعله منهم، ثم قام رجل آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة. والحديث مروي من طرق تفيد القطع. وقد خرج عكاشة مع خالد يوم إمرة الصديق بذي القصة فبعثه وثابت بن أقرم بين يدي طليعة، فتلقاهما طليحة الأسدي وأخوه سلمة فقتلاهما، وقد قتل عكاشة قبل مقتله حبال بن طليحة، ثم أسلم طليحة بعد ذلك كما ذكرنا، وكان عمر عكاشة يومئذ أربعا وأربعين سنة وكان من أجمل الناس ﵁. ومنهم معن بن عدي ابن الجعد بن عجلان بن ضبيعة البلوي، حليف بني عمرو بن عوف، وهو أخو عاصم بن عدي شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، وكان قد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن الخطاب فقتلا جميعا يوم اليمامة ﵄، وقال مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: بكى الناس على رسول الله ﷺ حين مات وقالوا: والله وددنا أنا متنا قبله ونخشى أن نفتتن بعده، فقال معن بن عدي: لكني والله ما أحب أن أموت قبله لأصدقه ميتا كما صدقته حيا … ومنهم الوليد وأبو عبيدة ابنا عمارة بن الوليد بن المغيرة، قتلا مع عمهما خالد بن الوليد بالبطاح وأبو هما عمارة بن الوليد وهو صاحب عمرو بن العاص إلى النجاشي، وقضيته مشهورة. ومنهم أبو حذيفة ين عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس القرشي العبشمي أسلم قديما قبل دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عباد بن بشر وقد قتلا شهيدين يوم اليمامة. وكان عمر أبي حذيفة يومئذ ثلاثا أو أربعا وخمسين سنة (١)، وكان طويلا حسن الوجه أثعل، وهو الذي له سن زائدة وكان اسمه هشيم وقيل هاشم. ومنهم أبو دجانة واسمه سماك بن خرشة تقدم قريبا … وبالجملة فقد قتل من المسلمين يوم اليمامة أربعمائة وخمسون من حملة القرآن ومن الصحابة وغيرهم. وإنما أوردنا هؤلاء لشهرتهم وبالله المستعان. قلت: وممن استشهد يومئذ من المهاجرين مالك بن عمرو حليف بني غنم (٢) مهاجري

стр. 2418

بدري، ويزيد بن رقيش بن رباب الأسدي بدري، والحكم بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، وحسن بن مالك بن بحينة أخو عبد الله بن مالك الأزدي، حليف بني المطلب بن عبد مناف، وعامر بن البكر الليثي حليف بني عدي بدري، ومالك بن ربيعة حليف بني عبد شمس، وأبو أمية صفوان بن أمية بن عمرو، ويزيد بن أوس حليف بني عبد الدار، وحيي ويقال معلى بن حارثة الثقفي، وحبيب بن أسيد بن حارثة الثقفي، والوليد بن عبد شمس المخزومي، وعبد الله بن عمرو بن بجرة العدوي، وأبو قيس بن الحارث بن قيس السهمي، وهو من مهاجرة الحبشة، وعبد الله بن الحارث بن قيس، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر العامري، من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وما بعدها، وقتل يومئذ، وعمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح العامري، وسليط بن عمرو العامري، وربيعة بن أبي خرشة العامري، وعبد الله بن الحارث بن رحضة من بني عامر. ومنهم الأنصار غير من ذكرنا تراجمهم عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجاري، وهو أخو عمرو بن حزم، كانت معه راية قومه يوم الفتح، وقد شهد بدرا وقتل يومئذ. وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام السلمي، شهد العقبة الأولى وشهد بدرا وما بعدها. وثابت بن هزال من بني سالم بن عوف بدري. في قول. وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من بني جحجبى، شهد بدرا وما بعدها، فلما كان يوم اليمامة أصابه سهم فنزعه ثم تحزم وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، وقد أصابته جراحات كثيرة. وعبد الله بن عتيك، ورافع بن سهل، وحاجب بن يزيد الأشهلي. وسهل بن عدي. ومالك بن أوس. وعمر بن أوس، وطلحة بن عتبة من بني جحجبى، ورباح مولى الحارث، ومعن بن عدي، وجزء بن مالك بن عامر من بني جحجبى، وورقة بن إياس بن عمرو والخزرجي بدري، ومروان بن العباس، وعامر بن ثابت، وبشر بن عبد الله الخزرجي، وكليب بن تميم، وعبد الله بن عتبان، وإياس بن وديعة، وأسيد بن يربوع، وسعد بن حارثة، وسهل بن حمان، ومحاسن بن حمير، وسلمة بن مسعود، وقيل مسعود بن سنان، وضمرة بن عياض، وعبد الله بن أنيس، وأبو حبة بن غزية المازني، وخباب بن زيد، وحبيب بن عمرو بن محصن، وثابت بن خالد، وفروة بن النعمان، وعائذ بن ماعص، ويزيد بن ثابت بن الضحاك، أخو زيد بن ثابت. قال خليفة بن خياط: فجميع من استشهد من المهاجرين والأنصار يوم اليمامة ثمانية وخمسون رجلا، يعني وبقية الأربعمائة والخمسين من غيرهم والله أعلم … وقد قتل من الكفار فيما سقنا من المواطن التي التقى فيها المسلمون والمشركون في هذه وأوائل التي قبلها، ما ينيف على خمسين ألفا ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة. فمن مشاهيرهم الأسود العنسي لعنه الله، واسمه عبهلة بن كعب بن غوث، خرج أول مخرجه من بلدة باليمن يقال لها كهف خبان ومعه سبعمائة مقاتل، فما مضى شهر حتى تملك صنعاء ثم استوثقت له

стр. 2419

اليمن بحذافيرها في أقصر مدة، وكان معه شيطان يحذق له ولكن خانه أحوج ما كان إليه. ثم لم تمض له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حتى قتله الله على يدي إخوان صدق، وأمراء حق، كما قدمنا ذكره وهم دازويه الفارسي، وفيروز الديلمي، وقيس بن مكشوح المرادي، وذلك في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة. قبل وفاة رسول الله ﷺ بليال، وقيل بليلة فالله أعلم … وقد أطلع الله ورسوله ليلة قتله على ذلك كما أسلفناه. ومنهم مسيلمة بن حبيب اليمامي الكذاب قدم المدينة وافدا إلى رسول الله ﷺ مع قومه بني حنيفة، وقد وقف عليه رسول الله ﷺ فسمعه وهو يقول: إن جعل لي محمد الامر من بعده اتبعته، فقال له: لو سألتني هذا العود - لعرجون في يده - ما أعطيتكه، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت، وكان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام كأن في يده سوارين من ذهب فأهمه شأنهما، فأوحى الله إليه في المنام انفخهما، فنفخهما فطارا، فأولهما بكذابين يخرجان، وهما صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة. وهكذا وقع، فإنهما ذهبا وذهب أمرهما. أما الأسود فذبح في داره، وأما مسيلمة فعقره الله على يدي وحشي بن حرب رماه بالحربة فأنفذه كما تعقر الإبل، وضربه أبو دجانة على رأسه ففلقه وذلك بعقر داره في الحديقة التي يقال لها حديقة الموت. وقد وقف عليه خالد بن الوليد وهو طريح - أراه إياه من بين القتلى مجاعة بن مرارة -، ويقال: كان أصفر أخينس وقيل كان ضخما أسمر اللون كأنه جمل أورق، ويقال إنه مات وعمره مائة وأربعون سنة فالله أعلم. وقد قتل قبله وزيراه ومستشاراه لعنهما الله، وهما محكم بن الطفيل الذي يقال له محكم اليمامة، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر، رماه بسهم وهو يخاطب قومه يأمرهم بمصالح حربهم فقتله، والآخر نهار بن عنفوة الذي يقال له الرجال بن عنفوة، وكان ممن أسلم ثم ارتد وصدق مسيلمة لعنهما الله في هذه الشهادة، وقد رزق الله زيد بن الخطاب قتله قبل أن يقتل زيد ﵁ … ومما يدل على كذب الرجال في هذه الشهادة الضرورة في دين الاسلام، وما رواه البخاري وغيره أن مسيلمة كتب إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك: أما بعد فإني قد أشركت معك في الامر، فلك المدر ولي الوبر، ويروى فلكم نصف الأرض ولنا نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله ﷺ : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ". وقد قدمنا ما كان يتعاطاه مسيلمة ويتعاناه لعنه الله من الكلام الذي هو أسخف من الهذيان، مما كان يزعم أنه وحي من الرحمن تعالى الله عما يقوله وأمثاله علوا كبيرا، ولما مات رسول الله ﷺ زعم أنه استقل بالامر من بعده واستخف قومه فأطاعوه وكان يقول:

стр. 2420

خذي الدف يا هذه والعبي … وبثى محاسن هذا النبي تولى نبي بني هاشم … وقام نبي بنى يعرب فلم يمهله الله بعد وفاة رسول الله ﷺ إلا قليلا حتى سلط عليه سيفا من سيوفه، وحتفا من حتوفه فبعج بطنه، وفلق رأسه وعجل الله بروحه إلى النار فبئس القرار، قال الله تعالى … (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) … [الانعام: ٩٣] فمسيلمة والأسود وأمثالهما لعنهم الله أحق الناس دخولا في هذه الآية الكريمة، وأولاهم بهذه العقوبة العظيمة * سنة ثنتي عشرة من الهجرة النبوية استهلت هذه السنة وجيوش الصديق وأمراؤه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوالون في البلاد يمينا وشمالا، لتمهيد قواعد الاسلام وقتال الطغاة من الأنام، حتى رد شارد الدين بعد ذهابه، ورجع الحق إلى نصابه، وتمهدت جزيرة العرب، وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى، وقد قال جماعة من علماء السير والتواريخ: إن وقعة اليمامة كانت في ربيع الأول من هذه السنة، وقيل: إنها كانت في أواخر التي قبلها، والجمع بين القولين أن ابتداءها كان في السنة الماضية، وانتهاءها وقع في هذه السنة الآتية، وعلى هذا القول ينبغي أن يذكروا في السنة الماضية كما ذكرناه لاحتمال أنهم قتلوا في الماضية، ومبادرة إلى استيفاء تراجمهم قبل أن يذكروا مع من قتل بالشام والعراق في هذه السنة على ما سنذكر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان … وقد قيل: إن وقعة جواثا وعمان ومهرة وما كان من الوقائع التي أشرنا إليها إنما كانت في سنة ثنتي عشرة وفيها كان قتل الملوك الأربعة (١) حمد ومحروس (٢) وأبضعة ومشرحا، وأختهم العمردة الذين ورد الحديث في مسند أحمد بلعنهم. وكان الذي قتلهم زياد بن الأنصاري. بعث خالد بن الوليد إلى العراق لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة، بعث إليه الصديق أن يسير إلى العراق، وأن يبدأ بفرج الهند، وفي الأبلة، ويأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله ، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وأمره أن لا يكره أحدا على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد عن الاسلام وإن كان عاد إليه. وأمره أن يستصحب كل امرئ مر به
следующие страницы →