← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

اللقاء، ويقال: الخليل الذي يصل بالواسطة من قوله: … (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) … [الانعام: ٧٥] والحبيب الذي يصل إليه من غير واسطة، من قوله: … (فكان قاب قوسين أو أدنى) … [النجم: ٩] وقال الخليل: … (الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) … [الشعراء: ٨٢] وقال الله للحبيب محمد: … (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) … [الفتح: ٢] وقال الخليل: … (ولا تخزني يوم يبعثون) … [الشعراء: ٨٧] وقال الله للنبي: … (يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه) … [التحريم: ٨] وقال الخليل حين ألقي في النار: … (حسبي الله ونعم الوكيل) … [آل عمران: ١٧٣] وقال الله لمحمد: … (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) … [الأنفال: ٦٤] وقال الخليل: … (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) … [الصافات: ٩٩] وقال الله لمحمد: … (ووجدك ضالا فهدى) … [الضحى: ٧] وقال الخليل: … (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) … [الشعراء: ٨٤] وقال لمحمد: • (رفعنا لك ذكرك) … [الشرح: ٤] وقال الخليل: … (واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام) * [إبراهيم: ٣٥] وقال الله للحبيب: … (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) … [الأحزاب: ٣٣] وقال الخليل: … (واجعلني من ورثة جنة النعيم) … [الشعراء: ٨٥] وقال الله لمحمد: … (إنا أعطيناك الكوثر) … [الكوثر: ١] … وذكر أشياء أخر، وسيأتي الحديث في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: إني سأقوم مقاما يوم القيامة يرغب إلى الخلق كلهم حتى أبو هم إبراهيم الخليل … فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إليه في ذلك المقام، ودل على أن إبراهيم أفضل الخلق بعده، ولو كان أحد أفضل من إبراهيم بعده لذكره * ثم قال أبو نعيم: فإن قيل: إن إبراهيم ﵇ حجب عن نمروذ بحجب ثلاثة، قيل: فقد كان كذلك وحجب محمد ﷺ عمن أرادوه بخمسة حجب، قال الله تعالى في أمره: … (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) … [يس: ٩] فهذه ثلاث، ثم قال: … (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) * [الاسراء: ٤٥] ثم قال: … (فهي إلى الأذقان فهم مقمحون) … [يس: ٨] فهذه خمس حجب … وقد ذكر مثله سواء الفقيه أبو محمد بن حامد، وما أدري أيهما أخذ من الآخر والله أعلم … وهذا الذي قاله غريب، والحجب التي ذكرها لإبراهيم ﵇ لا أدري ما هي، كيف وقد ألقاه في النار التي نجاه الله منها، وأما ما ذكره من الحجب التي استدل عليها بهذه الآيات، فقد قيل: إنها جميعها معنوية لا حسية، بمعنى أنهم مصرفون عن الحق، لا يصل إليهم، ولا يخلص إلى قلوبهم، كما قال تعالى: … (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) … [فصلت: ٥] وقد حررنا ذلك في التفسير، وقد ذكرنا في السيرة وفي التفسير أن أم جميل امرأة أبي لهب، لما نزلت السورة في ذمها وذم زوجها، ودخولهما النار، وخسارهما، جاءت بفهر - وهو الحجر الكبير - لترجم النبي ﷺ ، فانتهت إلى أبي بكر وهو جالس عند النبي ﷺ

стр. 2347

فلم تر رسول الله ﷺ ، وقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ فقال: وماله؟ فقالت: إنه هجاني، فقال: ما هجاك، فقالت: والله لئن رأيته لأضربنه بهذا الفهر، ثم رجعت وهي تقول: مذمما أتينا … ودينه قلينا … وكذلك حجب ومنع أبا جهل حين هم أن يطأ برجله رأس النبي ﷺ وهو ساجد، فرأى جدثا من نار وهولا عظيما وأجنحة الملائكة دونه، فرجع القهقري وهو يتقي بيديه، فقالت له قريش: مالك، ويحك؟ فأخبرهم بما رأى، وقال النبي ﷺ ، لو أقدم لاختطفته الملائكة عضوا عضوا … وكذلك لما خرج رسول الله ﷺ ليلة الهجرة وقد أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بيته رجلا يحرسونه لئلا يخرج، ومتى عاينوه قتلوه، فأمر عليا فنام على فراشه، ثم خرج عليهم وهم جلوس، فجعل يذر على رأس كل إنسان منهم ترابا ويقول: شاهت الوجوه، فلم يروه حتى صار هو وأبو بكر الصديق إلى غار ثور، كما بسطنا ذلك في السيرة، وكذلك ذكرنا أن العنكبوت سد على باب الغار ليعمي الله عليهم مكانه، وفي الصحيح أن أبا بكر قال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك بإثنين الله ثالثهما (١)؟ وقد قال بعض الشعراء في ذلك: نسج داود ما حمى صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت وكذلك حجب ومنع من سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعهم، بسقوط قوائم فرسه في الأرض حتى أخذ منه أمانا كما تقدم بسطه في الهجرة … وذكر ابن حامد في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم ﵇ ولده للذبح مستسلما لأمر الله تعالى، ببذل رسول الله ﷺ نفسه للقتل يوم أحد وغيره حتى نال منه العدو ما نالوا، من هشم رأسه، وكسر ثنيته اليمنى السفلى، كما تقدم بسط ذلك في السيرة … ثم قال: قالوا: كان إبراهيم ﵇ ألقاه قومه في النار فجعلها الله بردا وسلاما، قلنا: وقد أوتي رسول الله ﷺ مثله، وذلك أنه لما نزل بخيبر سمته الخيبرية، فصير ذلك السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، والسم عرق إذ لا يستقر في الجوف كما تحرق النار … قلت: وقد تقدم الحديث بذلك في فتح خيبر، ويؤيد ما قاله أن بشر بن البراء بن معرور مات سريعا من تلك الشاة المسمومة، وأخبر ذراعها رسول الله ﷺ بما أودع فيه من السم، وكان قد نهش منه نهشة، وكان السم فيه أكثر، لأنهم كانوا يفهمون أنه ﷺ يحب الذراع، فلم يضره السم الذي حصل في باطنه بإذن الله ، حتى انقضى أجله ﷺ ، فذكر أنه وجد حينئذ من ألم ذلك السم الذي كان في تلك الاكلة، ﷺ … وقد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المخزومي، فاتح بلاد الشام، أنه أتي بسم فحثاه بحضرة الأعداء ليرهبهم بذلك، فلم ير بأسا، ﵁ … ثم قال أبو نعيم: فإن قيل: فإن إبراهيم خصم نمروذ ببرهان نبوته فبهته، قال الله تعالى:

стр. 2348

* (فبهت الذي كفر) … [البقرة: ٢٥٨] قيل: محمد ﷺ أتاه الكذاب بالبعث، أبي بن خلف، بعظم بال ففركه وقال: … (من يحيى العظام وهي رميم) … [يس: ٧٨] فأنزل الله تعالى البرهان الساطع … (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) … [يس: ٧٩] فانصرف مبهوتا ببرهان نبوته … قلت: وهذا أقطع للحجة، وهو استدلاله للمعاد بالبداءة، فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، قادر على إعادتهم كما قال: … (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم) … [يس: ٨١] أي يعيدهم كما بدأهم كما قال في الآية الأخرى: … (بقادر على أن يحيى الموتى) … [الأحقاف: ٣٣] وقال: … (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) … [الروم: ٢٧] هذا وأمر المعاد نظري لا فطري ضروري في قول الأكثرين، فأما الذي حاج إبراهيم في ربه فإنه معاند مكابر، فإن وجود الصانع مذكور في الفطر، وكل واحد مفطور على ذلك، إلا من تغيرت فطرته، فيصير نظريا عنده، وبعض المتكلمين يجعل وجود الصانع من باب النظر لا الضروريات، وعلى كل تقدير فدعواه أنه هو الذي يحيى الموتى، لا يقبله عقل ولا سمع، وكل واحد يكذبه بعقله في ذلك، ولهذا ألزمه إبراهيم بالاتيان بالشمس من المغرب إن كان كما أدعى … (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) * [البقرة: ٢٥٨] وكان ينبغي أن يذكر مع هذا أن الله تعالى سلط محمدا على هذا المعاند لما بارز النبي ﷺ يوم أحد، فقتله بيده الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا، فقالوا له: ويحك مالك؟ فقال: والله أن بي لما لو كان بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين: ألم يقل: بل أنا أقتله؟ والله لو بصق علي لقتلني - وكان هذا لعنه الله أعد فرسا وحربة ليقتل بها رسول الله ﷺ ، فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله - فكان كذلك يوم أحد، … ثم قال أبو نعيم: فإن قيل: فإن إبراهيم ﵇ كسر أصنام قومه غضبا لله، قيل: فإن محمدا ﷺ كسر ثلاثمائة وستين صنما، قد ألزمها الشيطان بالرصاص والنحاس، فكان كلما دنا منها بمخصرته تهوي من غير أن يمسها، ويقول: … (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) … [الاسراء: ٨١] فتساقط لوجوهها، ثم أمر بهن فأخرجن إلى الميل، وهذا أظهر وأجلى من الذي قبله، وقد ذكرنا هذا في أول دخول النبي ﷺ مكة عام الفتح بأسانيده وطرقه من الصحاح وغيرها، بما فيه كفاية * وقد ذكر غير واحد من علماء السير أن الأصنام تساقطت أيضا لمولده الكريم، وهذا أبلغ وأقوى في المعجز من مباشرة كسرها، وقد تقدم أن نار فارس التي كانوا يعبدونها خمدت أيضا ليلتئذ، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وأنه سقط من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة، مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة، وكان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة، وأما إحياء الطيور الأربعة لإبراهيم ﵇، فلم يذكره أبو نعيم ولا أبن حامد، وسيأتي في إحياء الموتى على يد عيسى ﵇ ما وقع من المعجزات المحمدية من هذا النمط ما هو مثل ذلك كما سيأتي التنبه عليه إذا انتهينا إليه، من إحياء أموات بدعوات أمته، وحنين

стр. 2349

الجذع، وتسليم الحجر والشجر والمدر عليه، وتكليم الذراع له وغير ذلك … وأما قوله تعالى: • (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) … [الانعام: ٧٥] والآيات بعدها، فقد قال الله تعالى: … (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) … [الاسراء: ١] وقد ذكر ذلك ابن حامد فيما وقفت عليه بعد، وقد ذكرنا في أحاديث الاسراء من كتابنا هذا، ومن التفسير ما شاهده رسول الله ﷺ ليلة أسري به من الآيات فيما بين مكة إلى بيت المقدس، وفيما بين ذلك إلى سماء الدنيا، ثم عاين من الآيات في السماوات السبع وما فوق ذلك، وسدرة المنتهى، وجنة المأوى، والنار التي هي بئس المصير والمثوى، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام في حديث المنام - وقد رواه أحمد والترمذي وصححه، وغيرهما - فتجلى لي كل شئ لي وعرفت … وذكر ابن حامد في مقابلة ابتلاء الله يعقوب ﵇ بفقده ولده يوسف ﵇ وصبره واستعانته ربه ، موت إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وصبره عليه، وقوله: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون … قلت: وقد مات بناته الثلاثة: رقية، وأم كلثوم، وزينب، وقتل عمه الحمزة، أسد الله وأسد رسوله يوم أحد، فصبر واحتسب … وذكر في مقابلة حسن يوسف ﵇ ما ذكر من جمال رسول الله ﷺ ، ومهابته وحلاوته شكلا ونفعا وهديا، ودلا، ويمنا، كما تقدم في شمائله من الأحاديث الدالة على ذلك، كما قالت الربيع بنت مسعود: لو رأيته لرأيت الشمس طالعة … وذكر في مقابلة ما ابتلى به يوسف ﵇ من الفرقة والغربة، هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، ومفارقته وطنه وأهله وأصحابه الذين كانوا بها * القول فيما أوتي موسى ﵇ من الآيات وأعظمهن تسع آيات كما قال تعالى: … (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) … [الاسراء: ١٠١] وقد شرحناها في التفسير، وحكينا قول السلف فيها، واختلافهم فيها، وأن الجمهور على أنها هي العصا في انقلابها حية تسعى، واليد، إذا أدخل يده في جيب درعه أخرجها تضئ كقطعة قمر يتلألأ إضاءة، ودعاؤه على قوم فرعون حين كذبوه فأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات، كما بسطنا ذلك في التفسير، وكذلك أخذهم الله بالسنين، وهي نقص الحبوب: وبالجدب وهو نقص الثمار، وبالموت الذريع وهو نقص الأنفس، وهو الطوفان في قول، ومنها فلق البحر لانجاء بني إسرائيل وإغراق آل فرعون، ومنها تضليل بني إسرائيل في التيه، وإنزال المن والسلوى عليهم واستسقاؤه لهم، فجعل الله ماءهم يخرج من حجر يحمل معهم على دابة، له أربعة وجوه، إذا ضربه موسى بعصاه يخرج من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين، ثم يضربه فينقلع، إلى غير ذلك من الآيات الباهرات، كما بسطنا ذلك في التفسير، وفي قصة موسى ﵇ من كتابنا هذا في قصص الأنبياء منه، ولله الحمد

стр. 2350

والمنة، وقيل: كل من عبد العجل أماتهم ثم أحياهم الله تعالى، وقصة البقرة … أما العصا فقال شيخنا العلامة ابن الزملكاني: وأما حياة عصا موسى، فقد سبح الحصا في كف رسول الله ﷺ وهو جماد، والحديث في ذلك صحيح، وهذا الحديث مشهور عن الزهري عن رجل عن أبي ذر، وقد قدمنا ذلك مبسوطا في دلائل النبوة بما أغنى عن إعادته، وقيل: إنهن سبحن في كف أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، كما سبحن في كف رسول الله ﷺ ، فقال هذه خلافة النبوة … وقد روى الحافظ بسنده إلى بكر بن حبيش عن رجل سماه قال: كان بيد أبي مسلم الخولاني سبحة يسبح بها، قال: فنام والسبحة في يده، قال: فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات، ويا دائم الثبات، فقال: هلم يا أم مسلم وانظري إلى أعجب الأعاجيب، قال: فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت … وأصح من هذا كله وأصرح حديث البخاري عن ابن مسعود قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (١) … قال شيخنا: وكذلك قد سلمت عليه الأحجار، قلت: وهذا قد رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن (٢) … قال بعضهم: هو الحجر الأسود، وقال الترمذي: حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد بن يزيد عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله (٣)، ثم قال: غريب. ورواه أبو نعيم في الدلائل من حديث السدي عن أبي عمارة الحيواني عن علي قال: خرجت مع رسول الله ﷺ فجعل لا يمر بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شئ إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، قال: وأقبلت الشجرة عليه بدعائه، وذكر اجتماع تينك الشجرتين لقضاء حاجته من ورائهما ثم رجوعهما إلى منابتهما … وكلا الحديثين في الصحيح، ولكن لا يلزم من ذلك حلول حياة فيهما، إذ يكونان ساقهما سائق، ولكن في قوله: انقادا علي بإذن الله، ما يدل على حصول شعور منهما لمخاطبته، ولا سيما مع امتثالهما ما أمرهما به، قال: وأمر عذقا من نخلة أن ينزل فنزل يبقر في الأرض حتى وقف بين يديه فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فشهد بذلك ثلاثا ثم عاد إلى مكانه، وهذا أليق وأظهر في المطابقة من الذي قبله، ولكن هذا السياق فيه غرابة، والذي رواه الإمام أحمد وصححه الترمذي، ورواه البيهقي والبخاري في التاريخ من رواية أبي

стр. 2351

ظبيان حصين بن المنذر عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال، بم أعرف أنك رسول الله؟ قال: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، قال: فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقز حتى أتى رسول الله ﷺ ثم قال له: ارجع، فرجع إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وآمن به (١) … هذا لفظ البيهقي، وهو ظاهر في أن الذي شهد بالرسالة هو الأعرابي، وكان رجلا من بني عامر، ولكن في رواية البيهقي من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: ما هذا الذي يقول أصحابك؟ قال وحول رسول الله ﷺ أعذاق وشجر، فقال: هل أن أريك آية؟ قال: نعم، فدعا غصنا منها فأقبل يخد الأرض حتى وقف بين يديه وجعل يسجد ويرفع رأسه، ثم أمره فرجع، قال: فرجع العامري وهو يقول، يا آل عامر بن صعصعة: والله لا أكذبه بشئ يقوله أبدا (٢) … وتقدم فيما رواه الحاكم في مستدركه متفردا به عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دعا رجلا إلى الاسلام فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول الله ﷺ وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه وقال: إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك (٣) … قال: وأما حنين الجذع الذي كان يخطب إليه النبي ﷺ ، فعمل له المنبر، فلما رقي عليه وخطب حن الجذع إليه حنين العشار والناس يسمعون بمشهد الخلق يوم الجمعة، ولم يزل يئن ويحن حتى نزل إليه النبي ﷺ فاعتنقه وسكنه وخيره بين أن يرجع غصنا طريا أو يغرس في الجنة يأكل منه أولياء الله، فأختار الغرس في الجنة وسكن عند ذلك … فهو حديث مشهور معروف، قد رواه من الصحابة عدد كثير متواتر، وكان بحضور الخلائق، وهذا الذي ذكره من تواتر حنين الجذع كما قال، فإنه قد روى هذا الحديث جماعة من الصحابة، وعنهم أعداد من التابعين، ثم من بعدهم آخرون عنهم لا يمكن تواطؤهم على الكذب فهو مقطوع به في الجملة، وأما تخيير الجذع كما ذكره شيخنا فليس بمتواتر، بل ولا يصح إسناده، وقد أوردته في الدلائل عن أبي بن كعب، وذكر في مسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وعن أنس من خمس طرق إليه، صحح الترمذي إحداها، وروى ابن ماجة أخرى، وأحمد ثالثة، والبزار رابعة، وأبو نعيم خامسة. وعن جابر بن عبد الله في صحيح البخاري. من طريقين عنه، والبزار من ثالثة ورابعة، وأحمد من خامسة وسادسة، وهذه

стр. 2352

على شرط مسلم، وعن سهل بن سعد في مصنف ابن أبي شيبة على شرط الصحيحين، وعن ابن عباس في مسند أحمد وسنن ابن ماجة بأسناد على شرط مسلم، وعن ابن عمر في صحيح البخاري، ورواه أحمد من وجه آخر عن ابن عمر، وعن أبي سعيد في مسند عبد بن حميد بأسناد على شرط مسلم، وقد رواه أبو يعلى الموصلي من وجه آخر عنه، وعن عائشة رواه الحافظ أبو نعيم من طريق علي بن أحمد الخوارزمي، عن قبيصة بن حبان بن علي، عن صالح بن حبان، عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، فذكر الحديث بطوله، وفيه أنه خيره بين الدنيا والآخرة فاختار الجذع الآخرة وغار حتى ذهب فلم يعرف، وهذا غريب إسنادا ومتنا، وعن أم سلمة رواه أبو نعيم بأسناد جيد، وقدمت الأحاديث ببسط أسانيدها وتحرير ألفاظها وغررها بما فيه كفاية عن إعادته ههنا، ومن تدبرها حصل له القطع بذلك ولله الحمد والمنة … قال القاضي عياض بن موسى السبتي المالكي في كتابه الشفا: وهو حديث مشهور متواتر خرجه أهل الصحيح. ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم أبي وأنس وبريدة وسهل بن سعد، وابن عباس، وابن عمر والمطلب بن أبي وداعة وأبو سعيد وأم سلمة ﵃ أجمعين، قال شيخنا: فهذه جمادات ونباتات وقد حنت وتكلمت، وفي ذلك ما يقابل انقلاب العصا حية … قلت: وسنشير إلى هذا عند ذكر معجزات عيسى ﵇ في إحيائه الموتى بإذن الله تعالى في ذلك كما رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي أحمد بن أبي الحسن عن عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن سوار قال: قال لي الشافعي: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ ، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمد الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هئ له المنبر، فلما هئ له حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك … وهذا إسناد صحيح إلى الشافعي ﵀، وهو مما كنت أسمع شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي ﵀ يذكره عن الشافعي ﵀ وأكرم مثواه، وإنما قال: فهذا أكبر من ذلك لان الجذع ليس محلا للحياة ومع هذا حصل له شعور ووجد لما تحول عنه إلى المنبر فأن وحن حنين العشار حتى نزل إليه رسول الله ﷺ فاحتضنه وسكنه حتى سكن، قال الحسن البصري: فهذا الجذع حن إليه، فأنهم أحق أن يحنوا إليه، وأما عود الحياة إلى جسد كانت فيه بإذن الله فعظيم، وهذا أعجب وأعظم من إيجاد حياة وشعور في محل ليس مألوفا لذلك لم تكن فيه قبل بالكلية فسبحان الله رب العالمين (تنبيه) وقد كان لرسول الله ﷺ لواء يحمل معه في الحرب يخفق في قلوب أعدائه مسيرة شهر بين يديه، وكانت له عنزة تحمل بين يديه فإذا أراد الصلاة إلى غير جدار ولا حائل ركزت بين يديه، وكان له قضيب يتوكأ عليه إذا مشى، وهو الذي عبر عنه سطيح في قوله لابن أخيه عبد المسيح بن نفيلة: يا عبد المسيح، إذا أكثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة وغاضت بحيرة ساوة، فليست الشام لسطيح شاما، ولهذا كان ذكر هذه الأشياء عند إحياء عصا موسى وجعلها حية أليق، إذ هي مساوية لذلك، وهذه متعددة في محال متفرقة بخلاف عصا موسى فإنها وإن

стр. 2353

تعدد جعلها حية، فهي ذات واحدة والله أعلم … ثم ننبه على ذلك عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى لأن هذه أعجب وأكبر وأظهر وأعلم، قال شيخنا: وأما أن الله كلم موسى تكليما، فقد تقدم حصول الكلام للنبي ﷺ ليلة الاسراء مع الرؤية وهو أبلغ … هذا أورده فيما يتعلق بمعجزات موسى ﵇ ليلة الاسراء فيشهد له: فنوديت يا محمد قد كلفت فريضتين وخففت عن عبادي، وسياق بقية القصة يرشد إلى ذلك، وقد حكى بعض العلماء الاجماع على ذلك، لكن رأيت في كلام القاضي عياض نقل خلاف فيه والله أعلم … وأما الرؤية ففيها خلاف مشهور بين الخلف والسلف، ونصرها من الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المشهور بإمام الأئمة، واختار ذلك القاضي عياض والشيخ محي الدين النووي، وجاء عن ابن عباس تصديق الرؤية، وجاء عنه تفنيدها، وكلاهما في صحيح مسلم، وفي الصحيحين عن عائشة إنكار ذلك، وقد ذكرنا في الاسراء عن ابن مسعود وأبي هريرة وأبي ذر وعائشة ﵃ أن المرئي في المرتين المذكورتين في أول سورة النجم، إنما هو جبريل ﵇، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: نورا لي أراه، وفي رواية: رأيت نورا … وقد تقدم بسط ذلك في الاسراء في السيرة وفي التفسير في أول سورة بني إسرائيل، وهذا الذي ذكره شيخنا فيما يتعلق بالمعجزات الموسوية عليه أفضل الصلاة والسلام … وأيضا فإن الله تعالى كلم موسى وهو بطور سينا، وسأل الرؤية فمنعها، وكلم محمدا ﷺ ليلة الاسراء وهو بالملأ الأعلى حين رفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، وحصلت له الرؤية في قول طائفة كبيرة من علماء السلف والخلف والله أعلم … ثم رأيت ابن حامد قد طرق هذا في كتابه وأجاد وأفاد وقال ابن حامد: قال الله تعالى لموسى: … (وألقيت عليك محبة منى) … [طه: ٣٩] وقال لمحمد … (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) … [آل عمران: ٣١] … وأما اليد التي جعلها الله برهانا وحجة لموسى على فرعون وقومه كما قال تعالى بعد ذكر صيرورة العصا حية: • (أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه) * [القصص: ٣٢] وقال في سورة طه: … (آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى) … [طه: ٢٣] فقد أعطى الله محمدا انشقاق القمر بإشارته إليه فرقتين، فرقة من وراء جبل حراء، وأخرى أمامه، كما تقدم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة مع قوله تعالى: … (اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) … [القمر: ١ - ٢] ولا شك أن هذا أجل وأعظم وأبهر في المعجزات وأعم وأظهر وأبلغ من ذلك … وقد قال كعب بن مالك في حديثه الطويل في قصة توبته: وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه كأنه فلقة قمر، وذلك في صحيح البخاري * وقال ابن حامد: قالوا: فإن موسى أعطي اليد البيضاء، قلنا لهم: فقد أعطي محمد ﷺ ما هو أفضل من ذلك نورا كان يضئ عن يمينه حيث ما جلس، وعن يساره حيث ما جلس وقام، يراه الناس كلهم، وقد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة، ألا ترى أنه يرى النور الساطع من قبره ﷺ

стр. 2354

من مسيرة يوم وليلة؟ هذا لفظه، وهذا الذي ذكره من هذا النور غريب جدا، وقد ذكرنا في السيرة عند إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي أنه طلب من النبي ﷺ آية تكون له عونا على إسلام قومه من بيته هناك، فسطع نور بين عينيه كالمصباح، فقال: اللهم في غير هذا الموضع فإنهم يظنونه مثله، فتحول النور إلى طرف سوطه فجعلوا ينظرون إليه كالمصباح فهداهم الله على يديه ببركة رسول الله ﷺ وبدعائه لهم في قوله: اللهم اهد دوسا، وآت بهم، وكان يقال للطفيل: ذو النور لذلك … وذكر أيضا حديث أسيد بن حضير وعباد بن بشر في خروجهما من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما طرف عصا أحدهما، فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما طرف عصاه، وذلك في صحيح البخاري وغيره … وقال أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت بن أنس بن مالك أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة ظلماء حندس فأضاءت عصا أحدهما مثل السراج وجعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرقا إلى منزلهما أضاءت عصا ذا وعصا ذا … ثم روى عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام، وعن يعقوب بن حميد المدني، كلاهما عن سفيان بن حمزة بن يزيد الأسلمي، عن كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال: سرنا في سفر مع رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتستنير … وروى هشام بن عمار في البعث: حدثنا عبد الأعلى بن محمد البكري، حدثنا جعفر بن سليمان البصري، حدثنا أبو التياح الضبعي قال: كان مطرف بن عبد الله يبدر فيدخل كل جمعة فربما نور له في سوطه، فأدلج ذات ليلة وهو على فرسه حتى إذا كان عند المقابر هدم به، قال: فرأيت صاحب كل قبر جالسا على قبره، فقال: هذا مطرف يأتي الجمعة، فقلت لهم: وتعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير، قلت: وما يقول فيه الطير؟ قالوا: يقول: رب سلم سلم قوم صالح … وأما دعاؤه ﵇ بالطرفان، وهو الموت الذريع في قول، وما بعده من الآيات والقحط والجدب، فإنما كان ذلك لعلهم يرجعون إلى متابعته ويقلعون عن مخالفته، فما زادهم إلا طغيانا كبيرا، قال الله تعالى: … (وما نرينهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون … وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون) … [الزخرف: ٤٨ - ٤٩] (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين … فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين … ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عنك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل … فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا ينكثون … فانتقمنا منهم فأغرقناهم في أليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) … [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٦] وقد دعا رسول الله ﷺ على قريش حين تمادوا على مخالفته بسبع كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا كل

стр. 2355

شئ، وكان أحدهم يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجوع. وقد فسر ابن مسعود قوله تعالى: … (فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين) … [الدخان: ١٠] بذلك كما رواه البخاري عنه في غير ما موضع من صحيحه، ثم توسلوا إليه، صلوات الله وسلامه عليه، بقرابتهم منه مع أنه بعث بالرحمة والرأفة، فدعا لهم فأقلع عنهم ورفع عنهم العذاب، وأحيوا بعد ما كانوا أشرفوا على الهلكة … وأما فلق البحر لموسى ﵇ حين أمره الله تعالى - حيث تراءى الجمعان - أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فإنه معجزة عظيمة باهرة، وحجة قاطعة قاهرة، وقد بسطنا ذلك في التفسير وفي قصص الأنبياء من كتابنا هذا، وفي إشارته ﷺ بيده الكريمة إلى قمر السماء فانشق القمر فلقتين وفق ما سأله قريش، وهم معه جلوس في ليلة البدر، أعظم آية، وأيمن دلالة وأوضح حجة وأبهر برهان على نبوته وجاهه عند الله تعالى، ولم ينقل معجزة عن نبي من الأنبياء من الآيات الحسيات أعظم من هذا، كما قررنا ذلك بأدلته من الكتاب والسنة، في التفسير في أول البعثة، وهذا أعظم من حبس الشمس قليلا ليوشع بن نون حتى تمكن من الفتح ليلة السبت، كما سيأتي في تقرير ذلك مع ما يناسب ذكره عنده، وقد تقدم من سيرة العلاء بن الحضرمي، وأبي عبيد الثقفي وأبي مسلم الخولاني، وسير الجيوش التي كانت معهم على تيار الماء ومنها دجلة وهي جارية عجاجة تقذف الخشب من شدة جريها، وتقدم تقرير أن هذا أعجب من فلق البحر لموسى من عدة وجوه والله أعلم … وقال ابن حامد: فإن قالوا: فإن موسى ﵇ ضرب بعصاه البحر فانفلق فكان ذلك آية لموسى ﵇، قلنا: فقد أوتي رسول الله ﷺ مثلها، قال علي ﵁: لما خرجنا إلى خيبر فإذا نحن بواد سحت وقدرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول الله العدو من ورائنا والوادي من أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنا لمدركون. فنزل رسول الله ﷺ فعبرت الخيل لا تبدي حوافرها والإبل لا تبدي أخفافها، فكان ذلك فتحا، وهذا الذي ذكره بلا إسناد ولا أعرفه في شئ من الكتب المعتمدة بإسناد صحيح ولا حسن بل ضعيف فالله أعلم … وإما تظليله بالغمام في التيه، فقد تقدم ذكر حديث الغمامة التي رآها بحيرا تظله من بين أصحابه، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، صحبة عمه أبي طالب وهو قادم إلى الشام في تجارة، وهذا أبهر من جهة أنه كان وهو قبل أن يوحى إليه، وكانت الغمامة تظلله وحده من بين أصحابه، فهذا أشد في الاعتناء، وأظهر من غمام بني إسرائيل وغيرهم، وأيضا فإن المقصود من تظليل الغمام إنما كان لاحتياجهم إليه من شدة الحر، وقد ذكرنا في الدلائل حين سئل النبي ﷺ أن يدعو لهم ليسقوا لما هم عليه من الجوع والجهد والقحط، فرفع يديه وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فأنشأت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال أنس: فلا والله ما رأينا الشمس سبتنا (١)، ولما

стр. 2356

سألوه أن يستصحي لهم رفع يده وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما جعل يشير بيديه إلى ناحية إلا انحاز السحاب إليها حتى صارت المدينة مثل الإكليل يمطر ما حولها ولا تمطر … فهذا تظليل عام محتاج إليه، آكد من الحاجة إلى ذلك، وهو أنفع منه والتصرف فيه وهو يشير أبلغ في المعجز وأظهر في الاعتناء والله أعلم … وأما إنزال المن والسلوى عليهم فقد كثر رسول الله ﷺ الطعام والشراب في غير ما موطن كما تقدم بيانه في دلائل النبوة من إطعام الجم الغفير من الشئ اليسير، كما أطعم يوم الخندق من شويهة جابر بن عبد الله وصاعه الشعير، أزيد من ألف نفس جائعة صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين … وأطعم من حفنة قوما من الناس وكانت تمد من السماء، إلى غير ذلك من هذا القبيل مما يطول ذكره … وقد ذكر أبو نعيم وابن حامد أيضا ههنا أن المراد بالمن والسلوى إنما هو رزق رزقوه من غير كد منهم ولا تعب، ثم أورد في مقابلته حديث تحليل المغنم ولا يحل لاحد قبلنا، وحديث جابر في سيره إلى عبيدة وجوعهم حتى أكلوا الخبط فحسر البحر لهم عن دابة تسمى العنبر فأكلوا منها ثلاثين من يوم وليلة حتى سمنوا وتكسرت عكن بطونهم، والحديث في الصحيح كما تقدم، وسيأتي عند ذكر المائدة في معجزات المسيح بن مريم. قصة أبي موسى الخولاني أنه خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الحج وأمرهم أن لا يحملوا زادا ولا مزادا فكانوا إذا نزلوا منزلا صلى ركعتين فيؤتون بطعام وشراب وعلف يكفيهم ويكفي دوابهم غداء وعشاء مدة ذهابهم وإيابهم، وأما قوله تعالى: … (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم) … [البقرة: ٦٠] الآية فقد ذكرنا بسط ذلك في قصة موسى ﵇ وفي التفسير. وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في وضع النبي ﷺ يده في ذلك الاناء الصغير الذي لم يسع بسطها فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه أمثال العيون، وكذلك كثر الماء في غير ما موطن، كمزادتي تلك المرأة، ويوم الحديبية، وغير ذلك، وقد استسقى الله لأصحابه في المدينة وغيرها فأجيب طبق السؤال وفق الحاجة لا أزيد ولا أنقص وهذا أبلغ في المعجز، ونبع الماء من بين أصابعه من نفس يده، على قول طائفة من العلماء، أعظم من نبع الماء من الحجر فإنه محل لذلك … قال أبو نعيم الحافظ: فإن قيل: إن موسى كان يضرب بعصاه الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا في التيه، قد علم كل أناس مشربهم. قيل: كان لمحمد ﷺ مثله أو أعجب، فإن نبع الماء من الحجر مشهور في العلوم والمعارف، وأعجب من ذلك نبع الماء من بين اللحم والدم والعظم، فكان يفرج بين أصابعه في محصب فينبع من بين أصابعه الماء فيشربون ويسقون ماء جاريا عذبا، يروي العدد الكثير من الناس والخيل والإبل … ثم روى من طريق المطلب بن عبد الله بن أبي حنطب: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، حدثني أبي. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، فبات الناس في مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه، ثم دعا بماء فصبه فيها، ثم مج فيها وتكلم ما شاء الله أن يتكلم، ثم أدخل إصبعه

стр. 2357

فيها، فأقسم بالله لقد رأيت أصابع رسول الله ﷺ تتفجر منها ينابيع الماء، ثم أمر الناس فسقوا وشربوا وملأوا قربهم وأداواتهم … وأما قصة إحياء الذين قتلوا بسبب عبادة العجل وقصة البقرة، فسيأتي ما يشابههما من إحياء حيوانات وأناس، عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى بن مريم والله أعلم … وقد ذكر أبو نعيم ههنا أشياء أخر تركناها اختصارا واقتصادا * وقال هشام ابن عمارة في كتابه المبعث: باب ما أعطي رسول ا صلى الله عليه وآله وما أعطي الأنبياء قبله حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا روح بن مدرك، أخبرني عمر بن حسان التميمي أن موسى ﵇ أعطي آية من كنوز العرش، رب لا تولج الشيطان في قلبي وأعذني منه ومن كل سوء، فإن لك اليد والسلطان والملك والملكوت، دهر الداهرين وأبد الآبدين آمين آمين، قال: وأعطي محمد ﷺ آيتان من كنوز العرش، آخر سورة البقرة: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إلى آخرها. قصة حبس الشمس على يوشع بن نون بن أفرائم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ﵈، وقد كان نبي بني إسرائيل بعد موسى ﵇، وهو الذي خرج ببني إسرائيل من التيه ودخل بهم بيت المقدس بعد حصار ومقاتلة، وكان الفتح قد ينجز بعد العصر يوم الجمعة وكادت الشمس تغرب ويدخل عليهم السبت فلا يتمكنون معه من القتال، فنظر إلى الشمس فقال: إنك مأمورة وأنا مأمور، ثم قال: اللهم احبسها علي، فحبسها الله عليه حتى فتح البلد ثم غربت، وقد قدمنا في قصة من قصص الأنبياء الحديث الوارد في صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر بن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: غزا نبي من الأنبياء فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم أمسكها علي شيئا، فحبست عليه حتى فتح الله عليه، الحديث بطوله، وهذا النبي هو يوشع بن نون، بدليل ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن هشام، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ﵇ ليالي سار إلى بيت المقدس (١) … تفرد به أحمد وإسناده على شرط البخاري … إذا علم هذا فانشقاق القمر

стр. 2358

فلقتين حتى صارت فلقة من وراء الجبل - أعني حراء - وأخرى من دونه، أعظم في المعجزة من حبس الشمس قليلا. وقد قدمنا في الدلائل حديث رد الشمس بعد غروبها، وذكرنا ما قيل فيه من المقالات فالله أعلم … قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكاني: وأما حبس الشمس ليوشع في قتال الجبارين، فقد انشق القمر لنبينا ﷺ وانشقاق القمر فلقتين أبلغ من حبس الشمس عن مسيرها، وصحت الأحاديث وتواترت بانشقاق القمر، وأنه كان فرقة خلف الجبل وفرقة أمامه، وأن قريشا قالوا: هذا سحر أبصارنا، فوردت المسافرون وأخبروا أنهم رأوه مفترقا، قال الله تعالى: … (اقتربت الساعة وانشق القمر … وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) * [القمر: ١] قال: وقد حبست الشمس لرسول الله ﷺ مرتين، إحداهما ما رواه الطحاوي وقال: رواته ثقات، وسماهم وعدهم واحدا واحدا، وهو أن النبي ﷺ كان يوحي إليه ورأسه في حجر علي ﵁ فلم يرفع رأسه حتى غربت الشمس، ولم يكن علي صلى العصر، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، فرد الله عليه الشمس حتى رؤيت، فقام علي فصلى العصر، ثم غربت … والثانية صبيحة الاسراء فإنه ﷺ أخبر قريشا عن مسراه من مكة إلى بيت المقدس، فسألوه عن أشياء من بيت المقدس فجلاه الله له حتى نظر إليه ووصفه لهم، وسألوه عن عير كانت لهم في الطريق فقال: إنها تصلى إليكم مع شروق الشمس، فتأخرت فحبس الله الشمس عن الطلوع حتى كانت العصر … روى ذلك ابن بكير في زياداته على السنن، أما حديث رد الشمس بسبب علي ﵁، فقد تقدم ذكرنا له من طريق أسماء بنت عميس، وهو أشهرها، وابن سعيد وأبي هريرة وعلي نفسه، وهو مستنكر من جميع الوجوه، وقد مال إلى تقويته أحمد بن صالح المصري الحافظ، وأبو حفص الطحاوي، والقاضي عياض، وكذا صححه جماعة من العلماء الرافضة كابن المطهر وذويه، ورده وحكم بضعفه آخرون من كبار حفاظ الحديث ونقادهم، كعلي بن المديني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وحكاه عن شيخه محمد ويعلى بن عبيد الطنافسيين، وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه أحد الحفاظ، والحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر، وذكره الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات، وكذلك صرح بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجاج المزي، وأبو عبد الله الذهبي … وأما ما ذكره يونس بن بكير في زياداته على السيرة من تأخر طلوع الشمس عن إبان طلوعها، فلم ير لغيره من العلماء، على أن هذا ليس من الأمور المشاهدة، وأكثر ما في الباب أن الراوي روى تأخير طلوعها ولم نشاهد حبسها عن وقته … وأغرب من هذا ما ذكره ابن المطهر في كتابه المنهاج، أنها ردت لعلي مرتين، فذكر الحديث المتقدم، كما ذكر، ثم قال: وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل، اشتغل كثير من أصحابه بسبب دوابهم، وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر، وفاتت كثير منهم فتكلموا في ذلك، فسأل الله رد الشمس فردت … قال: وذكر أبو نعيم بعد موسى إدريس ﵇ وهو

стр. 2359

عند كثير من المفسرين من أنبياء بني إسرائيل، وعند محمد بن إسحاق بن يسار وآخرين من علماء النسب قبل نوح ﵇، في عمود نسبه إلى آدم ﵇، كما تقدم التنبيه على ذلك. فقال: القول فيما أعطي إدريس ﵇ من الرفعة التي نوه الله بذكرها فقال: … (ورفعناه مكانا عليا) … قال: والقول فيه أن نبينا محمدا ﷺ أعطي أفضل وأكمل من ذلك، لان الله تعالى رفع ذكره في الدنيا والآخرة فقال: … (ورفعنا لك ذكرك) … [الشرح: ٤] فليس خطيب ولا شفيع ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقرن الله اسمه باسمه، في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك مفتاحا للصلاة المفروضة، ثم أورد حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهشيم عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ في قوله: … (ورفعنا لك ذكرك) … قال: قال جبريل: قال الله: إذا ذكرت ذكرت … ورواه ابن جرير وابن أبي عاصم من طريق دراج. ثم قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجوني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتي، حدثنا نصر بن حماد، عن عثمان بن عطاء، عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لما فرغت مما أمرني الله تعالى به من أمر السماوات والأرض قلت: يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد كرمته، جعلت إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال: أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله، أن لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤن القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة، وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم ابن بنت منيع البغوي عن سليمان بن داود المهراني، عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا بنحوه … وقد رواه أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة بسياق آخر، وفيه انقطاع، فقال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن زريق أنه سمع عطاء الخراساني يحدث عن أبي هريرة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ من حديث ليلة أسرى به. قال، لما أراني الله من آياته فوجدت ريحا طيبة فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال، هذه الجنة، قلت: يا ربي ائتني بأهلي، قال الله تعالى: لك ما وعدتك، كل مؤمن ومؤمنة لم يتخذ من دوني أندادا، ومن أقرضني قربته، ومن توكل علي كفيته، ومن سألني أعطيته، ولا ينقص نفقته، ولا ينقص ما يتمنى، لك ما وعدتك، فنعم دار المتقين أنت، قلت: رضيت، فلما انتهينا إلى سدرة المنتهى خررت ساجدا فرفعت رأسي فقلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وآتيت داود زبورا، وآتيت سليمان ملكا عظيما، قال: فإني قد رفعت لك ذكرك، ولا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك رسولي، وجعلت قلوب أمتك أناجيل، وآتيتك خواتيم سورة

стр. 2360

البقرة من تحت عرشي … ثم روي من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، حديث الاسراء بطوله، كما سقناه من طريق ابن جرير في التفسير، وقال أبو زرعة في سياقه: ثم لقي أرواح الأنبياء ﵈ فأثنوا على ربهم ، فقال إبراهيم: الحمد لله الذي اتخذني خليلا، وأعطاني ملكا عظيما، وجعلني أمة قانتا لله محياي ومماتي، وأنقذني من النار، وجعلها علي بردا وسلاما. ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليما، واصطفاني برسالته وبكلامه، وقربني نجيا، وأنزل علي التوراة، وجعل هلاك فرعون على يدي. ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني ملكا وأنزل علي الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن معه والطير، وآتاني الحكمة وفصل الخطاب. ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح والجن والانس، وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وأسال لي عين القطر، وأعطاني ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي. ثم إن عيسى أثنى على الله فقال: الحمد لله الذي علمني التوراة والإنجيل، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، وطهرني ورفعني من الذين كفروا، وأعاذني من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل. ثم إن محمدا ﷺ أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه، وأنا مثن على ربي، الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين. وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شئ، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطا، وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما. فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد ﷺ … ثم أورد إبراهيم الحديث المتقدم فيما رواه الحاكم والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب مرفوعا في قول آدم: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله: وما أدراك ولم أخلقه بعد؟ فقال: لأني رأيت مكتوبا مع اسمك على ساق العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، ولولا محمد ما خلقتك … وقال بعض الأئمة: رفع الله ذكره، وقرنه باسمه في الأولين والآخرين، وكذلك يرفع قدره ويقيمه مقاما محمودا يوم القيامة، يغبطه به الأولون والآخرون، ويرغب إليه الخلق كلهم حتى إبراهيم الخليل، كما ورد في صحيح مسلم فيما سلف وسيأتي أيضا، فأما التنويه بذكره في الأمم الخالية، والقرون السابقة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: ما بعث لله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وليتبعنه ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته العهد والميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه، وقد بشرت بوجوده الأنبياء حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكذلك بشرت به الأحبار الرهبان والكهان، كما قدمنا ذلك مبسوطا، ولما كانت ليلة الاسراء رفع من سماء إلى سماء حتى سلم على إدريس ﵇، وهو في السماء

стр. 2361

الرابعة، ثم جاوزه إلى الخامسة ثم إلى السادسة فسلم على موسى بها، ثم جاوزه إلى السابعة فسلم على إبراهيم الخليل عند البيت المعمور، ثم جاوز ذلك المقام، فرفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، وجاء سدرة المنتهى ورأى الجنة والنار وغير ذلك من الآيات الكبرى، وصلى بالأنبياء، وشيعه من كل مقربوها، وسلم عليه رضوان خازن الجنان، وملك خازن النار، فهذا هو الشرف، وهذه هي الرفعة، وهذا هو التكريم والتنويه والاشهار والتقديم والعلو والعظمة. صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين، وأما رفع ذكره في الآخرين، فإن دينه باق ناسخ لكل دين، ولا ينسخ هو أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى يوم الدين، ولا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، والنداء في كل يوم خمس مرات على كل مكان مرتفع من الأرض: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وهكذا كل خطيب يخطب لا بد أن يذكره في خطبته، وما أحسن قول حسان. أغر عليه للنبوة خاتم … من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الاله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد وقال الصرصري ﵀: ألم تر أنا لا يصح أذاننا … ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما القول فيما أوتي داود ﵇ قال الله تعالى: … (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب … إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق … والطير محشورة كل له أواب) … [ص: ١٧] وقال تعالى: … (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن أعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير) … [سبأ: ١٠] وقد ذكرنا قصته ﵇ في التفسير، وطيب صوته ﵇، وأن الله تعالى كان قد سخر له الطير تسبح معه، وكانت الجبال أيضا تجيبه وتسبح معه، وكان سريع القراءة، يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ الزبور بمقدار ما يفرغ من شأنها ثم يركب، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان نبينا ﷺ حسن الصوت طيبه بتلاوة القرآن، قال جبير بن مطعم: قرأ رسول الله ﷺ في المغرب بالتين والزيتون، فما سمعت صوتا أطيب من صوته ﷺ ، وكان يقرأ ترتيلا كما أمره الله بذلك … وأما تسبيح الطير مع داود، فتسبيح الجبال الصم أعجب من ذلك، وقد تقدم في الحديث أن الحصا سبح في كف رسول الله ﷺ . قال ابن حامد: وهذا حديث معروف مشهور، وكانت الأحجار والأشجار والمدر تسلم عليه ﷺ . وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل - يعني بين يدي النبي ﷺ وكلمه ذراع الشاة المسمومة، وأعلمه بما فيه من السم،

стр. 2362

وشهدت بنبوته الحيوانات الانسية والوحشية، والجمادات أيضا، كما تقدم بسط ذلك كله، ولا شك أن صدور التسبيح من الحصا الصغار الصم التي لا تجاويف فيها، أعجب من صدور ذلك من الجبال: لما فيها التجاويف والكهوف، فإنها وما شاكلها تردد صدى الأصوات العالية غالبا، كما قال عبد الله بن الزبير: كان إذا خطب - وهو أمير المدينة بالحرم الشريف - تجاوبه الجبال، أبو قبيس وزرود، ولكن من غير تسبيح، فإن ذلك من معجزات داود ﵇. ومع هذا كان تسبيح الحصا في كف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، أعجب … وأما أكل داود من كسب يده، فقد كان رسول الله ﷺ يأكل من كسبه أيضا، كما كان يرعى غنما لأهل مكة على قراريط. وقال: وما من نبي إلا وقد رعى الغنم. وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة مضاربة، وقال الله تعالى: … (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) … [الفرقان: ٧] إلى قوله: … (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) … [الفرقان: ٢٠] أي للتكسب والتجارة طلبا للربح الحلال. ثم لما شرع الله الجهاد بالمدينة، كان يأكل مما أباح له من المغانم التي لم تبح قبله، ومما أفاء الله عليه من أموال الكفار التي أبيحت له دون غيره، كما جاء في المسند والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم … وأما إلانة الحديد بغير نار كما يلين العجين في يده، فكان يصنع هذه الدروع الداوودية، وهي الزرديات السابغات، وأمره الله تعالى بنفسه بعملها، وقدر في السرد، أي ألا يدق المسمار فيعلق، ولا يعظله فيقصم، كما جاء في البخاري، وقال تعالى: • (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) … [الأنبياء: ٨٠] وقد قال بعض الشعراء في معجزات النبوة: نسيج داود ما حمى صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت والمقصود المعجز في إلانة الحديد، وقد تقدم في السيرة عند ذكر حفر الخندق عام الأحزاب، في سنة أربع، وقيل: خمس، أنهم عرضت لهم كدية - وهي الصخرة في الأرض - فلم يقدروا على كسرها ولا شئ منها، فقام إليها رسول الله ﷺ وقد ربط حجرا على بطنه من شدة الجوع - فضربها ثلاث ضربات، لمعت الأولى حتى أضاءت له منها قصور الشام، وبالثانية قصور فارس، وثالثة، ثم انسالت الصخرة كأنها كثيب من الرمل، ولا شك أن انسيال الصخرة التي لا تنفعل ولا بالنار، أعجب من لين الحديد الذي إن أحمى لأنه كما قال بعضهم: فلو أن ما عالجت لين فؤادها … بنفسي للان الجندل [الصلد] (١)

стр. 2363

والجندل الصخر، فلو أن شيئا أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ، قال الله تعالى: … (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) … الآية [البقرة: ٧٤] وأما قوله تعالى: … (قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم) … الآية [الاسراء: ٥٠] فذلك لمعنى آخر في التفسير، وحاصله أن الحديد أشد امتناعا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يعالج، فإذا عولج انفعل الحديد ولا ينفعل الحجر والله أعلم … وقال أبو نعيم: فإن قيل: فقد لين الله لداود ﵇ الحديد حتى سرد منه الدروع السوابغ، قيل: لينت لمحمد ﷺ الحجارة وصم الصخور، فعادت له غارا استتر به من المشركين، يوم أحد، مال إلى الجبل ليخفي شخصه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه، وهذا أعجب لان الحديد تلينه النار، ولم نر الناس تلين الحجر، قال: وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس. قال: وكذلك في بعض شعاب مكة حجر من جبل في صلايه (١) إليه فلان الحجر حتى أدرأ فيه بذراعيه وساعديه، وذلك مشهور يقصده الحجاج ويرونه. وعادت الصخرة ليلة أسري به كهيئة العجين، فربط بها دابته - البراق - وموضعه يمسونه الناس إلى يومنا هذا. وهذا الذي أشار إليه، من يوم أحد وبعض شعاب مكة غريب جدا، ولعله قد أسنده هو فيما سلف، وليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة. وأما ربط الدابة في الحجر فصحيح، والذي ربطها جبريل كما هو في صحيح مسلم ﵀ … وأما قوله: وأوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقد كانت الحكمة التي أوتيها محمد ﷺ والشرعة التي شرعت له، أكمل من كل حكمة وشرعة كانت لمن قبله من الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، فإن الله جمع له محاسن من كان قبله، وفضله، وأكمله [وآتاه] ما لم يؤت أحدا قبله، وقد قال ﷺ : أوتيت جوامع الكلم، واختصرت لي الحكمة اختصارا … ولا شك أن العرب أفصح الأمم، وكان النبي ﷺ أفصحهم نطقا، وأجمع لكل خلق جميل مطلقا * القول فيما أوتي سليمان بن داود ﵇ قال الله تعالى: … (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب … والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد … هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب … وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) … [ص: ٣٦ - ٤٠] وقال تعالى: … (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين … ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين) … [الأنبياء: ٨١] وقال تعالى: … (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير … يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) … [سبأ: ١٢] وقد بسطنا ذلك في قصته، وفي التفسير أيضا، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وصححه الترمذي وابن حبان

стр. 2364

والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : أن سليمان ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا، سأل الله حكما يوافق حكمه، وملكا لا ينبغي لاحد من بعده، وأنه لا يأتي هذا المسجد أحد إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. أما تسخير الريح لسليمان فقد قال الله تعالى في شأن الأحزاب: … (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا) … [الأحزاب: ٩] وقد تقدم في الحديث الذي رواه مسلم، من طريق شعبة، عن الحاكم، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور … ورواه مسلم من طريق الأعمش عن مسعود بن مالك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ مثله. وثبت في الصحيحين: نصرت بالرعب مسيرة شهر. ومعنى ذلك أنه ﷺ كان إذا قصد قتال قوم من الكفار ألقى الله الرعب في قلوبهم قبل وصوله إليهم بشهر، ولو كان مسيره شهرا، فهذا في مقابلة: غدوها شهر ورواحها شهر، بل هذا أبلغ في التمكن والنصر والتأييد والظفر، وسخرت الرياح تسوق السحاب لانزال المطر الذي أمتن الله به حين استسقى رسول الله ﷺ في غير ما موطن كما تقدم … وقال أبو نعيم: فإن قيل: فإن سليمان سخرت له الريح فسارت به في بلاد الله وكان غدوها شهرا ورواحها شهرا. قيل: ما أعطي محمد ﷺ أعظم وأكبر، لأنه سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف سنة، في أقل من ثلث ليلة، فدخل السماوات سماء سماء، ورأى عجائبها، ووقف علي الجنة والنار، وعرض عليه أعمال أمته، وصلى بالأنبياء وبملائكة السماوات، واخترق الحجب، وهذا كله في ليلة قائما، أكبر وأعجب. وأما تسخير الشياطين بين يديه تعمل ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، فقد أنزل الله الملائكة المقربين لنصرة عبده ورسوله محمد ﷺ في غير ما موطن، يوم أحد وبدر، ويوم الأحزاب ويوم حنين، كما تقدم ذكرناه ذلك مفصلا في مواضعه. وذلك أعظم وأبهر، وأجل وأعلا تسخير الشياطين. وقد ذكر ذلك ابن حامد في كتابه. وفي الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة، أو كلمة نحوها، ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى يصبحوا وينظروا إليه، فذكرت دعوة أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي، قال روح فرده الله خاسئا (١). لفظ البخاري * ولمسلم عن أبي الدرداء نحوه، قال: ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح يلعب به ولدان أهل المدينة. وقد روى الإمام أحمد بسند جيد عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني

стр. 2365

وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أختنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين، الابهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان أهل المدينة (١) … وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين، وفي رواية: مردة الجن … فهذا من بركة ما شرعه الله له من صيام شهر رمضان وقيامه، وسيأتي عند إبراء الأكمه والأبرص من معجزات المسيح عيسى بن مريم ﵇، دعاء رسول الله ﷺ لغير ما واحد ممن أسلم من الجن فشفي، وفارقهم خوفا منه ومهابة له، وامتثالا لامره. صلوات الله وسلامه عليهم، وقد بعث الله نفرا من الجن يستمعون القرآن فآمنوا به وصدقوه ورجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى دين محمد ﷺ وحذروهم مخالفته، لأنه كان مبعوثا إلى الإنس والجن، فآمنت طوائف من الجن كثيرة كما ذكرنا، ووفدت إليه منهم وفود كثيرة وقرأ عليهم سورة الرحمن، وخبرهم بما لمن آمن منهم من الجنان، وما لمن كفر من النيران، وشرع لهم ما يأكلون وما يطعمون دوابهم، فدل على أنه بين لهم ما هو أهم من ذلك وأكبر … وقد ذكر أبو نعيم ها هنا حديث الغول التي كانت تسرق التمر من جماعة من أصحابه ﷺ ، ويريدون إحضارها إليه فتمتنع كل الامتناع خوفا من المثول بين يديه، ثم افتدت منهم بتعليمهم قراءة آية الكرسي التي لا يقرب قارئها الشيطان، وقد سقنا ذلك بطرقه وألفاظه عند تفسير آية الكرسي من كتابنا التفسير ولله الحمد … والغول هي الجن المتبدي بالليل في صورة مرعبة … وذكر أبو نعيم ها هنا حماية جبريل له ﵇ غير ما مرة من أبي جهل كما ذكرنا في السيرة، وذكر مقاتلة جبريل وميكائيل عن يمينه وشماله يوم أحد … وأما ما جمع الله تعالى لسليمان من النبوة والملك كما كان أبوه من قبله، فقد خير الله عبده محمدا ﷺ بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا، فاستشار جبريل في ذلك فأشار إليه وعليه أن يتواضع، فاختار أن يكون عبدا رسولا، وقد روى ذلك من حديث عائشة وابن عباس، ولا شك أن منصب الرسالة أعلى. وقد عرضت على نبينا ﷺ كنوز الأرض فأباها، قال: ولو شئت لأجرى الله معي جبال الأرض ذهبا، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما، وقد ذكرنا ذلك كله بأدلته وأسانيده في التفسير وفي السيرة أيضا ولله الحمد والمنة … وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا طرفا منها من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : بينا أنا نائم جئ بمفاتيح خزائن الأرض فجعلت في يدي … ومن حديث الحسين بن واقد عن الزبير عن جابر مرفوعا أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه قطيفة من سندس … ومن حديث القاسم عن أبي لبابة مرفوعا: عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك … قال أبو نعيم:

стр. 2366

فإن قيل: سليمان ﵇ كان يفهم كلام الطير والنملة كما قال تعالى: … (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير) … [النمل: ١٦] الآية وقال: … (فلما أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون … فتبسم ضاحكا من قولها) … [النمل: ١٨] الآية. قيل: قد أعطي محمد ﷺ مثل ذلك وأكثر منه، فقد تقدم ذكرنا لكلام البهائم والسباع وحنين الجذع ورغاء البعير وكلام الشجر وتسبيح الحصا والحجر، ودعائه إياه واستجابته لامره، وإقرار الذئب بنبوته، وتسبيح الطير لطاعته، وكلام الظبية وشكواها إليه، وكلام الضب وإقراره بنبوته، وما في معناه، كل ذلك قد تقدم في الفصول بما يغني عن إعادته. انتهى كلامه. قلت: وكذلك أخبره ذراع الشاة بما فيه من السم وكان ذلك باقرار من وضعه فيه من اليهود، وقال إن هذه السحابة لتبتهل بنصرك يا عمرو بن سالم - يعني الخزاعي - حين أنشده تلك القصيدة يستعديه فيها على بني بكر الذين نقضوا صلح الحديبية، وكان ذلك سبب فتح مكة كما تقدم وقال ﷺ : إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن … فهذا إن كان كلاما مما يليق بحاله ففهم عنه الرسول ذلك، فهو من هذا القبيل وأبلغ، لأنه جماد بالنسبة إلى الطير والنمل، لأنهما من الحيوانات ذوات الأرواح، وإن كان سلاما نطقيا وهو الأظهر، فهو أعجب من هذا الوجه أيضا، كما قال علي: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض شعاب مكة، فما مر بحجر ولا شجر ولا مدر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فهذا النطق سمعه رسول الله ﷺ وعلي ﵁ … ثم قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن محمد بن الحارث العنبري، حدثنا أحمد بن يوسف بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن سويد النخعي، حدثنا عبد الله بن أذينة الطائي، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معلاة بن جبل قال: أتى النبي ﷺ وهو بخيبر - حمار أسود فوقف بين يديه فقال: من أنت؟ فقال: أنا عمرو بن فهران، كنا سبعة إخوة ولكنا ركبنا الأنبياء وأنا أصغرهم، وكنت لك فملكني رجل من اليهود، وكنت إذ أذكرك عثرت به فيوجعني ضربا، فقال النبي ﷺ فأنت يعفور … وهذا الحديث فيه نكارة شديدة ولا يحتاج إلى ذكره مع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة التي فيها غنية عنه. وقد روي على غير هذه الصفة، وقد نص على نكارته ابن أبي حاتم عن أبيه، والله أعلم. القول فيما أوتي عيسى بن مريم ﵇ ويسمى المسيح، فقيل: لمسحه الأرض، وقيل: لمسح قدمه، وقيل، لخروجه من بطن أمه ممسوحا بالدهان، وقيل: لمسح جبريل بالبركة، وقيل: لمسح الله الذنوب عنه، وقيل: لأنه كان لا يمسح أحدا إلا برأ. حكاها كلها الحافظ أبو نعيم ﵀. ومن خصائصه أنه ﵇ مخلوق بالكلمة من أنثى بلا ذكر، كما خلقت حواء من ذكر بلا أنثى، وكما خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وإنما خلقه الله تعالى من تراب ثم قال له: كن فيكون. وكذلك يكون عيسى

стр. 2367

بالكلمة وبنفخ جبريل مريم فخلق منها عيسى … ومن خصائصه وأمه أن إبليس لعنه الله حين ولد ذهب يطعن فطعن في الحجاب كما جاء في الصحيح، ومن خصائصه أنه حي لم يمت، وهو الآن بجسده في السماء الدنيا، وسينزل قبل يوم القيامة على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، ويحكم بهذه الشريعة المحمدية ثم يموت ويدفن بالحجرة النبوية، كما رواه الترمذي وقد بسطنا ذلك في قصته … وقال شيخنا العلامة ابن الزملكاني ﵀: وأما معجزات عيسى ﵇، فمنها إحياء الموتى، وللنبي ﷺ من ذلك كثير، وإحياء الجماد أبلغ من إحياء الميت، وقد كلم النبي ﷺ الذراع المسمومة، وهذا الاحياء أبلغ من إحياء الانسان الميت من وجوه. أحدها، أنه إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، وهذا معجز لو كان متصلا بالبدن، الثاني: أنه أحياه وحده منفصلا عن بقية أجزاء ذلك الحيوان مع موت البقية، الثالث: أنه أعاد عليه الحياة مع الادراك والعقل، ولم يكن هذا الحيوان يعقل في حياته الذي هو جزؤه مما يتكلم (١)، وفي هذا ما هو أبلغ من حياة الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ﵇ … قلت: وفي حلول الحياة والادراك والعقل في الحجر الذي كان يخاطب النبي ﷺ بالسلام عليه، كما روي في صحيح مسلم، من المعجز ما هو أبلغ من إحياء الحيوان في الجملة، لأنه كان محلا للحياة في وقت: بخلاف هذا حيث لا حياة له بالكلية قبل ذلك، وكذلك تسليم الأحجار والمدر عليه، وكذلك الأشجار والأغصان وشهادتها بالرسالة، وحنين الجذع … وقد جمع ابن أبي الدنيا كتابا فيمن عاش بعد الموت، وذكر منها كثيرا، وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه قال: دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض يعقل فلم نبرح حتى قبض، فبسطنا عليه ثوبه وسجيناه، وله أم عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا وقال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند الله فقالت: وما ذاك؟ أمات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدت يدها إلى الله تعالى فقالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدة ورخاء، فلا تحملني هذه المصيبة اليوم. قال: فكشف الرجل عن وجهه وقعد، وما برحنا حتى أكلنا معه * وهذه القصة قد تقدم التنبيه عليها في دلائل النبوة. وقد ذكر معجز الطوفان مع قصة العلاء بن الحضرمي … وهذا السياق الذي أورده شيخنا ذكر بعضه بالمعنى، وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، والحافظ أبو بكر البيهقي من غير وجه عن صالح بن بشير المري - أحد زهاد البصرة وعبادها - وفي حديثه لين عن ثابت عن أنس فذكره. وفي رواية البيهقي أن أمه كانت عجوزا عمياء ثم ساقه البيهقي من طريق عيسى بن يونس، عن عبد الله بن عون عن أنس كما تقدم (٢)، وسياقه أتم، وفيه

стр. 2368

أن ذلك كان بحضرة رسول الله ﷺ ، وهذا بإسناد رجاله ثقات، ولكن فيه انقطاع بين عبد الله بن عون وأنس والله أعلم. قصة أخرى قال الحسن بن عوفة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي سبرة النخعي قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في بعض الطريق نفق حماره فقام وتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال: اللهم إني جئت من المدينة (١) مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لاحد علي اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة. قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي، عن محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل من الوجهين (٢). والله أعلم … قلت: كذلك رواه ابن أبي الدنيا: من طريق إسماعيل عن الشعبي فذكره قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة - يعني بالكوفة - وقد أوردها ابن أبي الدنيا من وجه آخر، وأن ذلك كان في زمن عمر بن الخطاب، وقد قال بعض قومه في ذلك: ومنا الذي أحي الاله حماره … وقد مات منه كل عضو ومفصل وأما قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته للنبي ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة. قال البخاري في التاريخ الكبير: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا وتوفي في زمن عثمان، وهو الذي تكلم بعد الموت … وروى الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائله وصححه كما تقدم من طريق العتبي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من الحارث بن الخزرج، توفي زمن عثمان بن عفان فسجي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: أحمد في الكتاب الأول صدق صدق، أبو بكر الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله، وفي الكتاب الأول صدق صدق، عمر بن الخطاب القوي في الكتاب الأول، صدق صدق، عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان، أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم عن جيشكم خير … قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: ثم هلك رجل من بني حطمة فسجى بثوبه فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بني حارث بن الخزرج صدق صدق، ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي أيضا من وجهه آخر بأبسط من هذا وأطول، وصححه البيهقي. قال: وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعه

стр. 2369

بأسانيد صحيحة والله أعلم … قلت: قد ذكرت في قصة سخلة جابر يوم الخندق وأكل الألف منها ومن قليل شعير ما تقدم. وقد أورد الحافظ محمد بن المنذر المعروف بيشكر، في كتابه الغرائب والعجائب بسنده، كما سبق أن رسول الله ﷺ جمع عظامها ثم دعا الله تعالى فعادت كما كانت فتركها في منزله والله أعلم … قال شيخنا: ومن معجزات عيسى الابراء من الجنون. وقد أبرأ النبي ﷺ يعني من ذلك - هذا آخر ما وجدته فيما حكيناه عنه. فأما إبراء عيسى من الجنون. فما أعرف فيه نقلا خاصا، وإنما كان يبرئ الأكمه والأبرص والظاهر ومن جميع العاهات والأمراض المزمنة … وأما إبراء النبي ﷺ من الجنون، فقد روى الإمام أحمد والحافظ البيهقي من غير وجه عن يعلى بن مرة أن امرأة أتت بابن لها صغير به لمم ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول الله ابني هذا كما ترى أصابه بلاء، وأصابنا منه بلاء، يوجد منه في اليوم ما يؤذي، ثم قالت: مرة، فقال رسول الله ﷺ : ناولينيه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغرفاه ونفث فيه ثلاثا وقال: بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله، ثم ناولها إياه فذكرت أنه برئ من ساعته وما رابهم شئ بعد ذلك … وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلامة، عن فرقد السبخي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن به لمما، وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا له فسغ (١) سغة فخرج منه مثل الجور الأسود فشفي … غريب من هذا الوجه، وفرقد فيه كلام وإن كان من زهاد البصرة، لكن ما تقدم له شاهد وإن كانت القصة واحدة والله أعلم … وروى البزار من طريق فرقد أيضا عن سعد بن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: تصبري على ما أنت عليه وتجيئي يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب؟ فقالت، والذي بعثك بالحق لا صبرن حتى ألقى الله، ثم قالت، إني أخاف الخبيث أن يجردني، فدعا لها، وكانت إذا أحست أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها وتقول له: أخسأ، فيذهب عنها … وهذا دليل على أن فرقد قد حفظ، فإن هذا له شاهد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال، هذه السوداء أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني أصرع وأنكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر، فادع الله أن لا أنكشف، قال: فدعا لها فكانت لا تنكشف … ثم قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا مخلد عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر - امرأة طويلة سوداء - على ستر الكعبة (٢) … وذكر الحافظ ابن الأثير في كتاب أسد الغابة في أسماء

стр. 2370

الصحابة، أن أم زفر هذه كانت ماشطة لخديجة بنت خويلد، وأنها عمرت حتى رآها عطاء بن أبي راح رحمهما الله تعالى … وأما إبراء عيسى الأكمه وهو الذي يولد أعمى، وقيل هو الذي لا يبصر في النهار ويبصر في الليل، وقيل: غير ذلك كما بسطنا ذلك في التفسير، والأبرص الذي به بهق، فقد رد رسول الله ﷺ يوم أحد عين قتادة بن النعمان إلى موضعها بعد ما سالت على خده، فأخذها في كفه الكريم وأعادها إلى مقرها فاستمرت بحالها وبصرها، وكانت أحسن عينيه ﵁، كما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة وغيره، وكذلك بسطناه ثم ولله الحمد والمنة، وقد دخل بعض ولده وهو عاصم بن عمر بن قتادة على عمر بن عبد العزيز فسأله عنه فأنشأ يقول: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه … فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها … فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد فقال عمر بن عبد العزيز: تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبو الا ثم أجازه فأحسن جائزته … وقد روى الدارقطني أن عينيه أصيبتا معا حتى سالتا على خديه، فردهما رسول الله ﷺ إلى مكانهما. والمشهور الأول كما ذكر ابن إسحاق. قصة الأعمى الذي رد الله عليه بصره بدعاء الرسول قال الإمام أحمد: حدثنا روح وعثمان بن عمر قالا: حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضريرا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت: قال: بل ادع الله لي، قال: فأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ ويصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني أتوجه به في حاجتي هذه فتقضي، وقال في رواية عثمان بن عمر: فشفعه في، قال: ففعل الرجل فبرأ * ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخطمي. وقد رواه البيهقي عن الحاكم بسنده إلى أبي جعفر الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف فذكر نحوه، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضر قط (١).

стр. 2371

قصة أخرى قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بني سلامان بن سعد عن أمه عن خاله، أو أن خاله أو خالها حبيب بن قريط (١) حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا، فقال له، ما أصابك؟ قال: كنت (٢) حملا لي فوقعت رجلي على بيض حية فأصيب بصري، فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان، قال البيهقي: وغيره يقول حبيب بن مدرك … وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ نفث في عيني علي يوم خيبر وهو أرمد فبرأ من ساعته، ثم لم يرمد بعدها أبدا، ومسح رجل جابر بن عتيك وقد انكسرت رجله ليلة قتل أبا رافع - تاجر أهل الحجاز الخيبري - فبرأ من ساعته أيضا … وروى البيهقي أنه ﷺ مسح (٣) يد محمد بن حاطب وكانت قد احترقت بالنار فبرأ من ساعته، ومسح رجل سلمة بن الأكوع وقد أصيبت يوم خيبر فبرأت من ساعتها، ودعا لسعد بن أبي وقاص أن يشفى من مرضه ذلك فشفى … وروى البيهقي أن عمه أبا طالب مرض فسأل منه ﷺ أن يدعو له ربه فدعا له فشفى من مرضه ذلك، وكم له من مثلها وعلى مسلكها، من إبراء آلام، وإزالة أسقام، مما يطول شرحه وبسطه … وقد وقع في كرامات الأولياء إبراء الأعمى بعد الدعاء عليه بالعمى أيضا، كما وراه الحافظ ابن عساكر من طريق أبي سعيد بن الأعرابي عن أبي داود: حدثنا عمر بن عثمان، حدثنا بقية، عن محمد بن زياد، عن أبي مسلم: أن امرأة خبثت عليه امرأته، فدعا عليها فذهب بصرها فأتته فقالت: يا أبا مسلم، إني كنت فعلت وفعلت، وإني لا أعود لمثلها، فقال: اللهم إن كانت صادقة فاردد عليها بصرها، فأبصرت … ورواه أيضا من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن واقد، حدثنا ضمرة حدثنا عاصم، حدثنا عثمان بن عطاء قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل منزله .. فإذا بلغ وسط الدار كبر وكبرت امرأته فإذا دخل البيت كبر وكبرت امرأته فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه بطعام يأكل، فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه، ثم جاء إلى باب البيت فكبر وسلم فلم تجبه، وإذا البيت ليس فيه سراج، وإذا هي جالسة بيدها عود تنكت في الأرض به، فقال لها: مالك؟ فقالت الناس بخير، وأتت لو أتيت معاوية فيأمر لنا بخادم ويعطيك شيئا تعيش به، فقال: اللهم من أفسد علي أهلي فأعم بصره، قال: وكانت أتتها امرأة فقالت لامرأة أبي مسلم: لو كلمت زوجك ليكلم معاوية فيخدمكم ويعطيكم؟ قال:

стр. 2372

فبينما هذه المرأة في منزلها والسراج مزهر، إذ أنكرت بصرها، فقالت: سراجكم طفئ؟ قالوا: لا، قالت: إن الله أذهب بصري، فأقبلت كما هي إلى أبي مسلم فلم تزل تناشده وتتلطف إليه، فدعا الله فرد بصرها، ورجعت امرأته على حالها التي كانت عليها … وأما قصة المائدة التي قال الله تعالى: … (إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين … قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين … قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين … قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني معذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) … [المائدة: ١١٢] وقد ذكرنا في التفسير بسط ذلك واختلاف المفسرين فيها هل نزلت أم لا على قولين، والمشهور عن الجمهور أنها نزلت، واختلفوا فيما كان عليها من الطعام على أقوال، وذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير، الذي فتح البلاد المغربية أيام بني أمية وجد المائدة، ولكن قيل: إنها مائدة سليمان بن داود مرصعة بالجواهر وهي من ذهب فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك فكانت عنده حتى مات، فتسلمها أخوه سليمان، وقيل: إنها مائدة عيسى … لكن يبعد هذا أن النصارى لا يعرفون المائدة كما قاله غير واحد من العلماء والله أعلم … والمقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل (١) وقد كانت موائد رسول الله ﷺ تمد من السماء وكانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يديه، وكم قد أشبع من طعام يسير ألوفا ومئات وعشرات ﷺ ما تعاقبت الأوقات، وما دامت الأرض والسماوات … وهذا أبو مسلم الخولاني، وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمرا عجيبا وشأنا غريبا، حيث روى من طريق إسحاق بن يحيى الملطي عن الأوزاعي قال: أتى أبا مسلم الخولاني نفر من قومه فقالوا: يا أبا مسلم أما تشتاق إلى الحج؟ قال: بلى لو أصبت لي أصحابا، فقالوا: نحن أصحابك، قال: لستم لي بأصحاب إنما أصحابي قوم لا يريدون الزاد ولا المزاد، فقالوا: سبحان الله، وكيف يسافر أقوام بلا زاد ولا مزاد؟ قال لهم: إلا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد والله يرزقها؟ وهي لا تبيع ولا تشتري، ولا تحرث ولا تزرع والله يرزقها؟ قال: فقالوا: فإنا نسافر معك، قال: فهبوا على بركة الله تعالى، قال: فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم طعام لنا وعلف لدوابنا، قال: فقال لهم: نعم، فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلى فيه ركعتين، ثم جثى على ركبتيه فقال: إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي، وإنما خرجت آمرا لك، وقد رأيت البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى، وإنا أضيافك وزوارك، فأطعمنا، واسقنا، واعلف دوابنا، قال: فأتي بسفرة مدت بين أيديهم، وجئ بجفنة من ثريد، وجئ بقلتين من ماء، وجئ بالعلف لا يدرون من يأتي به، فلم تزل تلك حالهم منذ

стр. 2373

خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا، لا يتكلفون زادا ولا مزادا … فهذه حال ولي من هذه الأمة نزل عليه وعلى أصحابه مائدة كل يوم مرتين مع ما يضاف إليها من الماء والعلوفة لدواب أصحابه. وهذا اعتناء عظيم، وإنما نال ذلك ببركة متابعته لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم * وأما قوله في عيسى بن مريم ﵇: إنه قال لبني إسرائيل … (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) … الآية، [آل عمران: ٤٩] فهذا شئ يسير على الأنبياء، بل وعلى كثير من الأولياء، وقد قال يوسف الصديق لذينك الفتيين المحبوسين معه: … (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي) … الآية. [يوسف: ٣٧] وقد أخبر رسول الله ﷺ بالاخبار الماضية طبق ما وقع وعن الاخبار الحاضرة سواء بسواء كما أخبر عن أكل الأرضة لتلك الصحيفة الظالمة التي كانت بطون قريش قديما كتبتها على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة، فأرسل الله الأرضة فأكلتها إلا مواضع اسم الله تعالى، وفي رواية: فأكلت اسم الله منها تنزيها لها أن تكون مع الذي فيها من الظلم والعدوان، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ عمه أبا طالب وهم بالشعب، فخرج إليهم أبو طالب وقال لهم عما أخبرهم به، فقالوا: إن كان كما قال وإلا فسلموه إلينا، فقالوا: نعم، فأنزلوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر عنها رسول الله ﷺ سواء بسواء، فأقلعت بطون قريش عما كانوا عليه لبني هاشم وبني المطلب، وهدى الله بذلك خلقا كثيرا، وكم له مثلها كما تقدم بسطه وبيانه في مواضع من السيرة وغيرها ولله الحمد والمنة … وفي يوم بدر لما طلب من العباس عمه فداء ادعى أنه لا مال له، فقال له: فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل تحت أسكفة الباب، وقلت لها: إن قتلت فهو للصبية؟ فقال: والله يا رسول الله إن هذا شئ لم يطلع عليه غيري وغير أم الفضل إلا الله … وأخبر بموت النجاشي يوم مات وهو بالحبشة، وصلى عليه، وأخبر عن قتل الامراء يوم مؤتة واحدا بعد واحد وهو على المنبر وعيناه تذرفان، وأخبر عن الكتاب الذي أرسل به حاطب بن بلتعة مع شاكر مولى بني عبد المطلب، وأرسل في طلبها عليا والزبير والمقداد، فوجدوها قد جعلته في عقاصها، وفي رواية في حجزتها، وقد تقدم ذلك في غزوة الفتح، وقال لأميري كسرى اللذين بعث بهما نائب اليمن لكسرى ليستعلما أمر رسول الله ﷺ : إن ربي قد قتل الليلة ربكما، فأرخا تلك الليلة، فإذا كسرى قد سلط الله عليه ولده فقتله، فأسلما وأسلم نائب اليمن، وكان سبب ملك اليمن لرسول الله ﷺ … وأما إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جدا كما تقدم بسط ذلك، وسيأتي في أنباء التواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء … وذكر ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى ﵊ جهاد رسول الله ﷺ ، وفي مقابلة زهد عيسى ﵊، زهادة رسول الله ﷺ عن كنوز الأرض حين عرضت عليه فأباها، وقال، أجوع يوما وأشبع يوما وأنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضي عليهن الشهر والشهران لا توقد عندهن نار ولا مصباح إنما هو الأسودان التمر والماء، وربما ربط على بطنه الحجر الجوع، وما شبعوا من خبز

стр. 2374

بر ثلاث ليال تباعا، وكان فراشه من أدم وحشوه ليف، وربما اعتقل الشاة فيحلبها، ورقع ثوبه، وخصف نعله بيده الكريمة، صلوات الله وسلامه عليه، ومات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام اشتراه لأهله، هذا وكم آثر بآلاف مؤلفة والإبل والشاء والغنائم والهدايا، على نفسه وأهله للفقراء والمحاويج والأرامل والأيتام والأسرى والمساكين … وذكر أبو نعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصديقة بوضع عيسى ما بشرت به آمنة أم رسول الله ﷺ حين حملت به في منامها، وما قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فسميه محمدا، وقد بسطنا ذلك في المولد كما تقدم * وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حديثا غريبا مطولا بالمولد أحببنا أن نسوقه ليكون الختام نظير الافتتاح، وبالله المستعان، وعليه التكلان ولله الحمد … فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حفص بن عمرو بن الصباح، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي، أنا أبو بكر بن أبي مريم عن سعيد بن عمر الأنصاري عن أبيه. قال: قال ابن عباس: فكان من دلالات حمل محمد ﷺ أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة: قد حمل رسول الله ﷺ ورب الكعبة، وهو أمان الدنيا وسراج أهلها، ولم يبق كاهن في قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، وانتزع علم الكهنة منها، ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، والملك مخرسا لا ينطق يومه لذلك، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضا، وفي كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السماوات: أبشروا فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا قال: وبقي في بطن أمه تسعة أشهر، وهلك أبوه عبد الله وهو في بطن أمه، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا، بقي نبيك هذا يتيما، فقال الله تعالى للملائكة: أنا له ولي وحافظ ونصير، فتبركوا بمولده ميمونا مباركا. وفتح الله لمولده أبواب السماء وجناته، وكانت آمنة تحدث عن نفسها وتقول: أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام وقال: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا، فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي، شأنك. قال: وكانت تحدث عن نفسها وتقول: لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم، ذكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافة، قالت: فسمعت وجبة شديدة، وأمرا عظيما، فهالني ذلك، وذلك يوم الاثنين، ورأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كنت أجد، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا، وكنت عطشانة، فتناولتها فشربتها فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال، كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بي، فبينا أنا أعجب وأقول: وا غوثاه، من أين علمن بي؟ واشتد بي الامر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول، وإذا أنا بديباج أبيض قد مد بين الأرض، وإذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس، قالت: رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح مني عرق كالجمان، أطيب ريحا من المسك الأذفر، وأنا أقول: يا ليت عبد المطلب قد دخل علي، قالت: ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرد، وأجنحتها من اليواقيت، فكشف الله لي عن بصيرتي، فأبصرت

стр. 2375

من ساعتي مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاث علامات مضروبات، علم بالمشرق، وعلم بالمغرب، وعلم على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض واشتد بي الطلق جدا، فكنت كأني مسندة إلى أركان النساء، وكثرن علي حتى كأني مع البيت وأنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فإذا هو ساجد وقد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيب عن عيني، فسمعت مناديا ينادي يقول: طوفوا بمحمد ﷺ شرق الأرض وغربها، وأدخلوه البحار كلها، ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلموا أنه سمي الماحي، لا يبقى شئ من الشرك إلا محي به، قالت، ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فإذا أنابه مدرج في ثوب صوف أبيض، أشد بياضا من اللبن، وتحته حريرة خضراء، وقد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض، وإذا قائل يقول، قبض محمد مفاتيح النصر، ومفاتيح الريح، ومفاتيح النبوة … هكذا أورده وسكت عليه، وهو غريب جدا … وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصرصري (١)، الماهر الحافظ للأحاديث واللغة، ذو المحبة الصادقة لرسول الله ﷺ ، فلذلك يشبه في عصره بحسان بن ثابت ﵁، وفي ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول الله ﷺ ، وقد كان ضرير البصر، بصير البصيرة، وكانت وفاته ببغداد في سنة ست وخمسين وستمائة، قتله التتار في كل بنة (٢) بغداد كما سيأتي ذلك في موضعه، في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة، وعليه التكلان، قال في قصيدته من حرف الحاء المهملة من ديوانه: محمد المبعوث للناس رحمة … يشيد ما أوهى الضلال ويصلح لئن سبحت صم الجبال مجيبة … لداود أو لان الحديد المصفح فإن الصخور الصم لانت بكفه … وإن الحصا في كفه ليسبح وإن كان موسى أنبع الماء من العصا … فمن كفه قد أصبح الماء يطفح وإن كانت الريح الرخاء مطيعة … سليمان لا تألو تروح وتسرح فإن الصبا كانت لنصر نبينا … برعب على شهر به الخصم يكلح وإن أوتي الملك العظيم وسخرت … له الجن تشفي مارضيه وتلدح (٣) فإن مفاتيح الكنوز بأسرها … أتته فرد الزاهد المترجح وإن كان إبراهيم أعطي خلة … وموسى بتكليم على الطور يمنح فهذا حبيب بل خليل مكلم … وخصص بالرؤيا وبالحق أشرح

стр. 2376

وخصص بالحوض العظيم وباللوا … ويشفع للعاصين والنار تلفح وبالمقعد الاعلى المقرب عنده … عطاء ببشراه أقر وأفرح وبالرتبة العليا الأسيلة دونها (١) … مراتب أرباب المواهب تلمح وفي جنة الفردوس أو داخل … له سائر الأبواب بالخار تفتح (٢) وهذا آخر ما يسر الله جمعه من الاخبار بالمغيبات التي وقعت إلى زماننا مما يدخل في دلائل النبوة والله الهادي، وإذا فرغنا إن شاء الله من إيراد الحادثات من بعد موته ﵇ إلى زماننا، نتبع ذلك بذكر الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان ثم نسوق بعد ذلك أشراط الساعة ثم نذكر البعث والنشور، ثم ما يقع يوم القيامة من الأهوال وما فيه من العظمة ونذكر الحوض والميزان والصراط ثم نذكر صفة النار ثم صفة الجنة. كتاب تاريخ الاسلام الأول من الحوادث الواقعة في الزمان، ووفيات المشاهير والأعيان سنة إحدى عشرة من الهجرة تقدم ما كان في ربيع الأول منها من وفاة رسول الله ﷺ في يوم الاثنين وذلك لثاني عشر منه على المشهور وقد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفاية وبالله التوفيق. خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وما فيها من الحوادث قد تقدم أن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين وذلك ضحى فاشتغل الناس ببيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدم ذلك بطوله ثم أخذوا في غسل رسول الله ﷺ وتكفينه والصلاة عليه ﷺ تسليما بقية يوم الثلاثاء ودفنوه ليلة الأربعاء كما تقدم ذلك مبرهنا في موضعه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه لما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله ﷺ ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسول الله ﷺ ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة

стр. 2377

السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم عندي حتى أرجع (١) عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف [عندي] (٢) حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله … وهذا إسناد صحيح وقد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق في ذلك الوقت، حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال: أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن علي الحافظ الأسفراييني، ثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، ثنا أبو بكر بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب قالا: ثنا بندار بن يسار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وهيب، ثنا داود بن أبي هند، ثنا أبو نصرة عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أنا أنصار رسول الله ﷺ فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم فأخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصار، وقال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، قال: فدعا الزبير فجاء قال: قلت: ابن عمة رسول الله ﷺ أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا بعلي بن أبي طالب قال: قلت: ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه، هذا أو معناه قال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت ابن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأت عليه، فقال: هذا حديث يساوي بدنة، فقلت: يسوي بدنة، بل هذا يسوي بدرة … وقد رواه الإمام أحمد عن الثقة عن وهيب مختصرا، وأخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عفان بن مسلم عن وهيب مطولا كنحو ما تقدم … وروينا من طريق المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب، عن علي بن عاصم، عن الحريري عن أبي نصرة، عن أبي سعيد فذكره مثله في مبايعة علي والزبير ﵄ يومئذ … وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: والله ما كنت حريصا على الامارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، فقبل المهاجرون مقالته، وقال علي والزبير ما تأخرنا إلا

стр. 2378

لأننا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها. إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي، وهذا اللائق بعلي ﵁ والذي يدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله ﷺ ، كما سنورده، وبذله له النصيحة والمشورة، بين يديه، وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها ﵇ بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله ﷺ في قوله: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، كما تقدم إيراد أسانيده وألفاظه ولله الحمد … وقد كتبنا هذه الطرق مستقصاة في الكتاب الذي أفردناه في سيرة الصديق ﵁ وما أسنده من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وما روى عنه من الاحكام مبوبة على أبواب العلم ولله الحمد والمنة، وقال سيف بن عمر التميمي عن أبي ضمرة عن أبيه عن عاصم بن عدي، قال نادى منادي أبي بكر من الغد من متوفي رسول الله ﷺ ليتمم بعث أسامة: ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جيش أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف، وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إنما أنا مثلكم وإني لعلكم تكلفونني ما كان رسول الله ﷺ يطيق، إن الله اصطفى محمدا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فبايعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله ﷺ قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها، وإن لي شيطانا يعتريني فإذا أتاني فاجتذوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، وإن استطعتم أن لا يمضي إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، وسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم بعدهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد، النجاة النجاة، الوحا الوحا فإن وراءكم طالبا حثيثا، وأجلا أمره سريع، احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تطيعوا الاحياء إلا بما تطيعوا به الأموات، قال: وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، فإنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، وأين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب، قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميما، قد تولت عليهم العالات، الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم، وصاروا كلا شئ، إلا أن الله قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبعثنا خلفا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابا، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم، أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور،

стр. 2379

هل [تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا]؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموت، إلا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا، ولا يصرف به عنه سوءا، إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تبعد عنه الجنة؟. فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيد الذين كانوا قد أمرهم رسول الله ﷺ بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشام، حيث قتل زيد بن حارثة، وجعفر وابن رواحة: فيغتزوا على تلك الأراضي، فخرجوا إلى الجرف فخيموا به، وكان بينهم عمر بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة، فلما ثقل رسول الله ﷺ أقاموا هنالك، فلما مات عظم الخطب واشتد الحال ونجم النفاق بالمدينة، وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق كما في صحيح البخاري عن ابن عباس كما سيأتي، وقد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الاسلام، لم يفروا ولا ارتدوا، والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لان ما جهز بسببه في حال السلامة، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصديق من ذلك، وأبى أشد الاباء، إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ ، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة وآمر الحرس يكونون حول المدينة فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة، فقاموا أربعين يوما ويقال سبعين يوما، ثم أتوا سالمين غانمين، ثم رجعوا فجهزهم حينئذ مع الاحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة، وما نعي الزكاة على ما سيأتي تفصيله، قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما بويع أبو بكر وجمع الأنصار في الامر الذي افترقوا فيه، قال، ليتم بعث أسامة وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة، في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم ﷺ ، وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو لم يبق في

стр. 2380

القرى غيري لأنفذته، وقد روي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومن حديث القاسم وعمرة عن عائشة قالت، لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب قاطبة (١) واشرأبت النفاق، والله لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد صلى الله عليه سلم كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخطلها وعنانها وفصلها، ثم ذكرت عمر فقالت: من رأى عمر علم أنه خلق غنى للاسلام، كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها … وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن علي الميموني، ثنا الفريابي، ثنا عباد بن كثير عن أبي الأعرج عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله ﷺ ، وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله. فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الاسلام - عباد بن كثير هذا أظنه البرمكي - لرواية الفريابي عنه، وهو متقارب الحديث، فأما البصري الثقفي فمتروك الحديث والله أعلم … وروى سيف بن عمر عن أبي ضمرة وأبي عمرو وغيرهما عن الحسن البصري: أن أبا بكر لما صمم على تجهيز جيش أسامة قال بعض الأنصار لعمر: قل له فليؤمر علينا غير أسامة، فذكر له عمر ذلك، فيقال: إنه أخذ بلحيته وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أؤمر غير أمير رسول الله ﷺ ؟ ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة وأمرهم بالمسير، وسار معهم ماشيا، وأسامة راكبا، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق، فقال أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: والله لست بنازل ولست براكب، ثم استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب - وكان مكتتبا في جيشه - فأطلقه له، فلهذا كان عمر لا يلقاه بعد ذلك إلا قال: السلام عليك أيها الأمير.

стр. 2381

مقتل الأسود العنسي، المتنبي الكذاب قال أبو جعفر بن جرير: حدثني عمرو بن شبة (١) النميري، ثنا علي بن محمد - يعني المدائني - عن أبي معشر ويزيد بن عياض عن جعد به، وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء عن مشيختهم قالوا: أمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول، وأتى مقتل الأسود في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة، فكان ذلك أول فتح فتح أبو بكر وهو بالمدينة. صفة خروجه وتمليكه ومقتله قد أسلفنا فيما تقدم أن اليمن كانت لحمير، وكانت ملوكهم يسمون التبابعة، وتكلمنا في أيام الجاهلية على طرف صالح من هذا، ثم إن ملك الحبشة بعث أميرين من قواده، وهما أبرهة الأشرم، وأرياط، فتملكا له اليمن من حمير، وصار ملكها للحبشة، ثم اختلف هذان الأميران، فقتل أرياط واستقل أبرهة بالنيابة، وبني كنيسة سماها العانس (٢)، لارتفاعها، وأورد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة، فجاء بعض قريش فأحدث في هذه الكنيسة، فلما بلغه ذلك حلف ليخربن بيت مكة، فسار إليه ومعه الجنود والفيل محمود، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه … وقد تقدم بسط ذلك في موضعه، فرجع أبرهة ببعض من بقي من جيشه في أسوأ حال وشر خيبة، وما زال تسقط أعضاؤه أنملة أنملة، فلما وصل إلى صنعاء انصدع صدره فمات، فقام بالملك بعده ولده بلسيوم (٣) بن أبرهة ثم أخوه مسروق بن أبرهة، فيقال: إنه استمر ملك اليمن بأيدي الحبشة سبعين سنة، (٤) ثم ثار سيف بن ذي يزن الحميري، فذهب إلى قيصر ملك الروم يستنصره عليهم، فأبى ذلك عليه - لما بينه وبينهم من الاجتماع في دين النصرانية - فسار إلى كسرى ملك الفرس فاستغاث به، وله معه مواقف ومقامات في الكلام تقدم بسط بعضها، ثم اتفق الحال على أن بعث معه ممن بالسجون طائفة تقدمهم رجل منهم يقال له: وهرز، فاستنقذ ملك اليمن من الحبشة، وكسر مسروق بن أبرهة وقتله، ودخلوا إلى صنعاء وقرروا سيف بن ذي يزن في الملك على عادة آبائه، وجاءت العرب تهنئه من كل جانب، غير أن لكسرى نوابا عن البلاد، فاستمر الحال في ذلك حتى بعث رسول الله ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام: ثم هاجر إلى المدينة فلما كتب كتبه إلى الآفاق يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكتب من جملة ذلك إلى كسرى ملك الفرس:

стр. 2382

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلم تسلم، إلى آخره، فلما جاءه الكتاب قال: ما هذا؟ قالوا: هذا كتاب جاء من عند رجل بجزيرة العرب يزعم أنه نبي، فلما فتح الكتاب فوجده قد بدأ باسمه قبل اسم كسرى، غضب كسرى غضبا شديدا، وأخذ الكتاب فمزقه قبل أن يقرأه، وكتب إلى عامله على اليمن - وكان اسمه باذام (١) - أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فابعث من قبلك أميرين إلى هذا الرجل الذي بجزيرة العرب، الذي يزعم أنه نبي، فابعثه إلي في جامعة، فلما جاء الكتاب إلى باذام، بعث من عنده أميرين عاقلين، وقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فانضرا ما هو، فإن كان كاذبا فخذاه في جامعة حتى تذهبا به إلى كسرى، وإن كان غير ذلك فارجعا إلي فأخبراني ما هو، حتى أنظر في أمره، فقدما على رسول الله ﷺ إلى المدينة، فوجداه على أسد الأحوال وأرشدها، ورأيا منه أمورا عجيبة، يطول ذكرها، ومكثا عنده شهرا حتى بلغا ما جاءا له، ثم تقاضاه الجواب بعد ذلك، فقال لهما: ارجعا إلى صاحبكما فأخبراه أن ربي قد قتل الليلة ربه، فأرخا ذلك عندهما ثم رجعا سريعا إلى اليمن فأخبرا باذام بما قال لهما فقال: احصوا تلك الليلة، فإن ظهر الامر كما قال فهو نبي، فجاءت الكتب من عند ملكهم أنه قد قتل كسرى في ليلة كذا وكذا، لتلك الليلة، وكان قد قتله بنوه ولهذا قال بعض الشعراء: وكسرى إذ تقاسمه بنوه … بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم … أنى ولكل حاملة تمام وقام بالملك بعده ولده يزدجرد وكتب إلى باذام أن خذ لي البيعة من قبلك، واعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه وأكرمه، فدخل الاسلام قلب باذام وذريته من أبناء فارس ممن باليمن، وبعث إلى رسول الله ﷺ باسلامه، فبعث إليه رسول الله ﷺ بنيابة اليمن بكمالها، فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استناب ابنه شهر بن باذام على صنعاء وبعض مخاليف، وبعث طائفة من أصحابه نوابا على مخاليف أخر فبعث أولا في سنة عشر، عليا وخالدا، ثم أرسل معاذا وأبا موسى الأشعري وفرق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة، فمنهم شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمداني، على همدان، وأبو موسى على مارب، وخالد بن سعيد بن العاص على عامر نجران ورفع وزبيد، ويعلى بن أمية على الجند، والطاهر بن أبي هالة على عك والأشعريين، وعمرو بن حرام (٢) على نجران، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد، وعلى السكاسك عكاشة بن مور (٣) بن أخضر، وعلى السكون معاوية بن كندة، وبعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين - اليمن

стр. 2383

وحضرموت - يتنقل من بلد إلى بلد، ذكره سيف بن عمر، وذلك كله في سنة عشر، آخر حياة رسول الله ﷺ فبينما هم على ذلك إذ نجم هذا العين الأسود العنسي. خروج الأسود العنسي واسمه عبهلة بن كعب بن غوث (١) - من بلد يقال لها: كهف حنان - في سبعمائة مقاتل، وكتب إلى عمال النبي ﷺ : أيها المتمردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجه إلى نجران فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء، فخرج إليه شهر بن باذام فتقاتلا، فغلبه الأسود وقتله، وكسر جيشه من الأبناء واحتل بلدة صنعاء لخمس وعشرين ليلة من مخرجه، ففر معاذ بن جبل من هنالك واجتاز بأبي موسى الأشعري، فذهبا إلى حضرموت وانحاز عمال رسول الله ﷺ إلى الطاهر، ورجع عمر بن حرام وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، واستوثقت اليمن بكمالها للأسود العنسي، وجعل أمره يستطير استطارة الشرارة، وكان جيشه يوم لقي شهرا سبعمائة فارس، وأمراؤه قيس بن عبد يغوث ومعاوية بن قيس ويزيد بن محرم بن (٢) حصن الحارثي، ويزيد بن الافكل الأزدي، واشتد ملكه، واستغلظ أمره، وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية، وكان خليفته على مذحج عمرو بن معدي كرب واسند أمر الجند إلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز الديلمي وداذويه وتزوج بامرأة شهر بن باذام وهي ابنة عم فيروز الديلمي، واسمها زاذ (٣)، وكانت امرأة حسناء جميلة، وهي مع ذلك مؤمنة بالله ورسوله محمد ﷺ ، ومن الصالحات، قال سيف بن عمر التميمي: وبعث رسول الله ﷺ كتابه، حين بلغه الأسود العنسي مع رجل يقال له: وبر بن يحنس الديلمي: يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العنسي ومصاولته، وقام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام، وكان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها: رملة، فحزبت عليه السكون لصبره فيهم، وقاموا معه في ذلك، وبلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي ﷺ ، ومن قدروا عليه من الناس، واتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند - وكان قد غضب على الأسود، واستخف به، وهم بقتله - وكذلك كان أمر فيروز الديلمي، قد ضعف عنده أيضا، وكذا داذويه، فلما أعلم وبر بن يحنس قيس بن عبد يغوث، وهو قيس بن مكشوح، كان كأنما نزلوا عليه من السماء، ووافقهم على الفتك بالأسود وتوافق المسلمون على ذلك، وتعاقدوا عليه، فلما أيقن ذلك في الباطن اطلع شيطان الأسود للأسود على شئ من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح، فقال له: يا قيس ما يقول

стр. 2384

هذا؟ قال: وما يقول؟ قال يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العز مثلك، مال ميل عدوك، وحاول ملكك، وأضمر على الغدر، إنه يقول يا أسود يا أسود يا سواه يا سواه، فطف به وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك وقطف قبتك (١). فقال له قيس وحلف له فكذب: وذي الخمار (٢) لأنت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي، فقال له الأسود: ما إخالك تكذب الملك فقد صدق الملك وعرف الآن أنك تائب عما أطلع عليك منك، ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز وداذويه، وأخبرهم بما قال له ورد عليه، فقالوا: إنا كلنا على حذر، فما الرأي، فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم بين يديه، فقال: ألم أشرفكم على قومكم؟ قالوا: بلى، قال: فماذا يبلغني عنكم، فقالوا: أقلنا مرتنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم، قال: فخرجنا من عنده ولم نكد، وهو في ارتياب من أمرنا، ونحن على خطر، فبينما نحن على ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر، أمير همدان، وذي ظليم، وذي كلاع، وغيرهم من أمراء اليمن، يبذلون لنا الطاعة والنصر، على مخالفة الأسود، وذلك حين جاءهم كتاب رسول الله ﷺ يحثهم على مصاولة الأسود العنسي، فكتبنا إليهم أن لا يحدثوا شيئا حتى نبرم الامر، قال قيس: فدخلت على امرأته ازاذ، فقلت: يا ابنة عمي قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك: قتل زوجك، وطأطأ في قومك القتل، وفضح النساء، فهل عندك ممالاة عليه؟ قالت: على أي أمر، قلت إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالت: نعم، والله ما خلق الله شخصا هو أبغض إلي منه، فما يقوم لله على حق ولا ينتهي له عن حرمة، فإذا عزمتم أخبروني أعلمكم بما في هذا الامر، قال فأخرج فإذا فيروز وداذويه، ينتظراني يريدون أن يناهضوه، فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث إليه الأسود فدخل في عشرة من قومه، فقال: ألم أخبرك بالحق وتخبرني بالكذابة؟ إنه يقول: يا سوأة يا سوأة، إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا، حتى ظن قيس أنه قاتله، فقال: إنه ليس من الحق، أن أهلك وأنت رسول الله، فقتلي أحب إلي من موتات أموتها كل يوم، فرق له وأمره بالانصراف، فخرج إلى أصحابه فقال: أعملوا عملكم، فبينما هم وقوف بالباب يشتورون، إذ خرج الأسود عليهم وقد جمع له مائة ما بين بقرة وبعير، فقام وخط خطا وأقيمت من ورائه، وقام دونها، فنحرها، غير محبسة ولا معقلة، ما يقتحم الخط منها شئ، فجالت إلى أن زهقت أرواحها، قال قيس: فما رأيت أمرا كان أفظع منه، ولا يوما أوحش منه، ثم قال الأسود: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؟ لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة، وأبدى له الحربة، فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك، وفضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصيبنا منك بشئ، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الآخرة والدنيا؟ فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك، فأنا بحيث تحب، فرضي عنه وأمره

стр. 2385

بقسم لحوم تلك الانعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء، ثم أسرع اللحاق به، فإذا رجل يحرضه على فيروز ويسعى إليه فيه، واستمع له فيروز، فإذا الأسود يقول: أنا قاتله غدا وأصحابه، فاغد علي به، ثم التفت فإذا فيروز، فقال: مه، فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم، فدخل الأسود داره، ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع وبما قال وقيل له، فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره، فدخل أحدهم - وهو فيروز - إليها فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به، غير هذا البيت، فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس، وليس من دون قتله شئ، وإني سأضع في البيت سراجا وسلاحا، فلما خرج من عندها تلقاه الأسود فقال له: ما أدخلك على أهلي؟ ووجأ رأسه، وكان الأسود شديدا، فصاحت المرأة فأدهشته عنه، ولولا ذلك لقتله، وقالت: ابن عمي جاءني زائرا، فقال: اسكتي لا أبا لك، قد وهبته لك، فخرج على أصحابه فقال: النجاء النجاء، وأخبرهم الخبر، فحاروا ماذا يصنعون؟ فبعثت المرأة إليهم تقول لهم: لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه، فدخل عليها فيروز الديلمي فاستثبت منها الخبر، ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا من داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج، ثم جلس عندها جهرة كالزائر، فدخل الأسود فقال: وما هذا؟ فقالت: إنه أخي من الرضاعة، وهو ابن عمي، فنهره وأخرجه، فرجع إلى أصحابه، فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجا تحت جفنة فتقدم إليه فيروز الديلمي والأسود نائم على فراش من حرير، قد غرق رأسه في جسده، وهو سكران يغط، والمرأة جالسة عنده، فلما قام فيروز على الباب أجلسه شيطانه وتكلم على لسانه - وهو مع ذلك يغط - فقال: مالي ومالك يا فيروز؟ فخشي إن رجع يهلك وتهلك المرأة، فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتله، ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم، فأخذت المرأة بذيله وقالت: أين تذهب عن حرمتك. فظنت أنها لم تقتله، فقال: أخرج لأعلمهم بقتله، فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه، فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، وأخذت المرأة بشعره، وجعل يبربر بلسانه فاحتز الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس إلى المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه، فرجعوا، وجلس قيس وداذويه وفيروز يأتمرون كيف يعلمون أشياعهم، فاتفقوا على أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين، فلما كان الصباح قام أحدهم، وهو قيس على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن، فنادى قيس ويقال: وبر بن يحنش، الاذان: أشهد أن محمدا رسول الله، وأن عبهلة كذاب، وألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابه وتبعهم الناس يأخذونهم ويرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، وظهر الاسلام وأهله، وتراجع نواب رسول الله ﷺ إلى أعمالهم وتنارع أولئك الثلاثة في الامارة، ثم اتفقوا على معاذ بن جبل يصلي بالناس، وكتبوا بالخبر إلى رسول الله ﷺ ، وقد أطلعه الله على الخبر من
следующие страницы →