← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا. فكان أول من قام إليه عبد الله بن همام السلولي وهو يقول: - الله أعطاك التي لا فوقها … وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها … إليك حتى قلدوك طوقها ثم بايعه وبايع الناس بعده. وذكر الواقدي: أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله، وقد كان من قضاء الله وسابقته ما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه في هذه الأمة - يعني بالذي يحق لله عليه - من الشدة على لمريب واللين لأهل الحق والفضل وإقامة ما أقام الله من منار الاسلام وإعلائه (١) من حج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارات على أعداء الله فلم يكن عاجزا ولا مفرطا، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل فنظر ما كان من دواب الخلافة فحازها. وكان جبارا عنيدا. وقد ورد في ولاية الوليد حديث غريب، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي، وكما تقدم تقريره في دلائل النبوة في باب الاخبار عن الغيوب المستقبلة، فيما يتعلق بدولة بني أمية، وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينا في نفسه حازما في رأيه، يقال إنه لا تعرف له صبوة، ومن جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال: لولا أن الله قص لنا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكرا كان يأتي ذكرا كما تؤتى النساء، كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته، وهو باني مسجد جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة، فلم يزل في بنائه وتحسينه مدة خلافته وهي عشر سنين، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته كما سيأتي بيان ذلك مفصلا. وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها كنيسة يوحنا، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحولوه مسجدا، وبقي الجانب الغربي كنيسة بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة، فعزم الوليد على أخذ بقية الكنيسة منهم وعوضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف، وقيل عوضهم عنها كنيسة توما، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى مسجد الصحابة، وجعل الجميع مسجدا واحدا على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرا في البنيان والزينات والآثار والعمارات، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة سبع وثمانين ففيها عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة وولى عليها ابن عمه وزوج أخته فاطمة بنت عبد الملك عمر بن عبد العزيز، فدخلها على ثلاثين بعيرا في ربيع الأول منها، فنزل

стр. 3292

دار مروان وجاء الناس للسلام عليه، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة وهم عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن [أبي] خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأخوه عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت. فدخلوا عليه فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق، إني لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرج على من بلغه ذلك إلا أبلغني. فخرجوا من عنده يجزونه خيرا، وافترقوا على ذلك. وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بأن يوقف هشام بن إسماعيل للناس عند دار مروان - وكان يسئ الرأي فيه - لأنه أساء إلى أهل المدينة في مدة ولايته عليهم، وكانت نحوا من أربع سنين، ولا سيما إلى سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين. قال سعيد بن المسيب لابنه ومواليه: لا يعرض منكم أحد لهذا الرجل في، تركت ذلك لله وللرحم. وأما كلامه فلا أكلمه أبدا، وأما علي بن الحسين فإنه مر به وهو موقوف فلم يتعرض له وكان قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض أحد منهم له، فلما اجتاز به وتجاوزه ناداه هشام (الله يعلم حيث يجعل رسالاته) [الانعام: ١٢٤]. وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل منهم خلقا كثيرا، وفتح حصونا كثيرة وغنم غنائم جمة، ويقال إن الذي غزا بلاد الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح حصن بولق، وحصن الأخرم، وبحيرة الفرمسان، وحصن بولس، وقميقم، وقتل من المستعربة نحوا من ألف وسبى ذراريهم. وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك وصالحه ملكهم نيزك على مال جزيل، وعلى أن يطلق كل من ببلاده من أسارى المسلمين، وفيها غزا قتيبة بيكند فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير وجم غفير، وهي من أعمال بخارى، فلما نزل بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد ومن حولهم من الأتراك، فأتوهم في جمع عظيم فأخذوا على قتيبة الطرق والمضايق، فتواقف هو وهم قريبا من شهرين وهو لا يقدر أن يبعث إليهم رسولا ولا يأتيه منهم رسول، وأبطأ خبره على الحجاج حتى خاف عليه وأشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد وكتب بذلك إلى الأمصار، وقد كان قتيبة ومن معه من المسلمين يقتتلون مع الترك في كل يوم، وكان لقتيبة عين من العجم يقال له تنذر (١)، فأعطاه أهل بخارى مالا جزيلا على أن يأتي قتيبة فيخذله عنهم، فجاء إليه فقال له: أخلني فأخلاه فلم يبق عنده سوى رجل يقال له ضرار بن حصين، فقال له تنذر: هذا عامل يقدم عليك سريعا بعزل الحجاج، فلو انصرفت بالناس إلى مرو، فقال قتيبة لمولاه سياه اضرب عنقه فقتله، ثم قال لضرار: لم يبق أحد سمع هذا غيري وغيرك

стр. 3293

وإني أعطي الله عهدا إن ظهر هذا حتى ينقضي حربنا ألحقتك به، فاملك علينا لسانك، فإن انتشار هذا في مثل هذا الحال ضعف في أعضاد الناس ونصرة للأعداء، ثم نهض قتيبة فحرض الناس على الحرب، ووقف على أصحاب الرايات يحرضهم، فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم أنزل الله على المسلمين الصبر فما انتصف النهار حتى أنزل الله عليهم النصر فهزمت الترك هزيمة عظيمة، واتبعهم المسلمون يقتلون فيهم ويأسرون ما شاؤوا واعتصم من بقي منهم بالمدينة، فأمر قتيبة الفعلة بهدمها فسألوه الصلح على مال عظيم فصالحهم، وجعل عليهم رجلا من أهله وعنده طائفة من الجيش ثم سار راجعا، فلما كان منهم على خمس مراحل (١) نقضوا العهد وقتلوا الأمير وجدعوا أنوف من كان معه، فرجع إليها وحاصرها شهرا. وأمر النقابين والفعلة فعلقوا سورها على الخشب وهو يريد أن يضرم النار فيها، فسقط السور فقتل من الفعلة أربعين نفسا، فسألوه الصلح فأبى، ولم يزل حتى افتتحها فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم الأموال، وكان الذي ألب على المسلمين رجل أعور منهم، فأسر فقال أنا أفتدي نفسي بخمسة آلاف أثواب صينية قيمتها ألف ألف، فأشار الامراء على قتيبة بقبول ذلك منه، فقال قتيبة: لا والله لا أروع بك مسلما مرة ثانية، وأمر به فضربت عنقه. وهذا من الزهد في الدنيا، ثم إن الغنائم سيدخل فيها ما أراد أن يفتدي به نفسه فإن المسلمين قد غنموا من بيكند شيئا كثيرا من آنية الذهب والفضة والأصنام من الذهب، وكان من حملتها صنم سبك فخرج منه مائة ألف وخمسون ألف (٢) دينار من الذهب، ووجدوا في خزائن الملك أموالا كثيرة وسلاحا كثيرا وعددا متنوعة، وأخذوا من السبي شيئا كثيرا، فكتب قتيبة إلى الحجاج يسأله أن يعطي ذلك للجند فأذن له فتمول المسلمون وتقووا على قتال الأعداء، وصار لكل واحد منهم مال مستكثر جدا. وصارت لهم أسلحة وعدد وخيول كثيرة فقووا بذلك قوة عظيمة ولله الحمد والمنة. وقد حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة، وقاضيه بها أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعلى العراق والمشرق بكماله الحجاج، ونائبه على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمي وقاضيه بها عبد الله بن أذينة، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله البجلي، وقاضيه بها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، ونائبه على خراسان وأعمالها قتيبة بن مسلم. وفيها توفي من الأعيان: عتبة بن عبد السلمي صحابي جليل، نزل حمص، يروى أن شهد بني قريظة، وعن العرباض أنه كان يقول هو

стр. 3294

خير مني أسلم قبلي بسنة. قال الواقدي وغيره: توفي في هذه السنة، وقال غيره بعد التسعين والله أعلم. قال أبو سعيد بن الأعرابي: كان عتبة بن عبد السلمي من أهل الصفة. وروى بقية عن بجير ابن سعد عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبد السلمي أن النبي ﷺ قال: " لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله لحقره يوم القيامة ". وقال إسماعيل بن عياش عن عقيل بن مدرك، عن لقمان بن عامر، عن عتبة بن عبد السلمي قال: اشتكيت إلى رسول الله ﷺ العرى فكساني خيشتين فلقد رأيتني وأنا أكسي الصحابة. المقدام بن معدي كرب صحابي جليل، نزل حمص أيضا، له أحاديث، وروى عنه غير واحد من التابعين. قال محمد بن سعد والفلاس وأبو عبيدة: توفي في هذه السنة، وقال غيرهم: توفي بعد التسعين فالله أعلم. أبو أمامة الباهلي واسمه صدي بن عجلان، نزل حمص، وهو راوي حديث " تلقين الميت بعد الدفن " رواه الطبراني في الدعاء، وقد تقدم له ذكر في الوفيات. قبيصة بن ذؤيب أبو سفيان الخزاعي المدني، ولد عام الفتح وأتي به النبي ﷺ ليدعو له، روى عن جماعة كثيرة من الصحابة، وأصيبت عينه يوم الحرة، وكان من فقهاء المدينة، وكانت له منزلة عند عبد الملك، ويدخل عليه بغير إذن، وكان يقرأ الكتب إذا وردت من البلاد ثم يدخل على عبد الملك فيخبره بما ورد من البلاد فيها، وكان صاحب سره، وكان له دار بدمشق بباب البريد، وتوفي بدمشق. عروة بن المغيرة بن شعبة ولي إمرة الكوفة للحجاج، وكان شريفا لبيبا مطاعا في الناس، وكان أحول. توفي بالكوفة (يحيى بن يعمر)، كان قاضي مرو، وهو أول من نقط المصاحف، وكان من فضلاء الناس وعلمائهم وله أحوال ومعاملات، وله روايات، وكان أحد الفصحاء، أخذ العربية عن أبي الأسود الدؤلي. شريح بن الحارث بن قيس القاضي أدرك الجاهلية، واستقضاه عمر على الكوفة فمكث بها قاضيا خمسا وستين سنة، وكان عالما

стр. 3295

عادلا كثير الخير، حسن الأخلاق، فيه دعابة كثيرة، وكان كوسجا لا شعر بوجهه، وكذلك كان عبد الله بن الزبير، والأحنف بن قيس، وقيس بن سعد بن عبادة، وقد اختلف في نسبه وسنه وعام وفاته على أقوال، ورجح ابن خلكان وفاته في هذه السنة. قلت: قد تقدمت ترجمة شريح القاضي في سنة ثمان وسبعين بما فيها من الزيادة الكثيرة غير ما ذكره المؤلف هنا وهناك. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، فافتتحا بمن معهما من المسلمين حصن طوانة في جمادى من هذه السنة - وكان حصينا منيعا - اقتتل الناس عنده قتالا عظيما ثم حمل المسلمون على النصارى فهزموهم حتى أدخلوهم الكنيسة، ثم خرجت النصارى فحملوا على المسلمين فانهزم المسلمون ولم يبق أحد منهم في موقفه إلا العباس بن الوليد ومعه ابن محيريز الجمحي، فقال العباس لابن محيريز: أين قراء القرآن الذين يريدون وجه الله ؟ فقال: نادهم يأتوك، فنادى يا أهل القرآن، فتراجع الناس فحملوا على النصارى فكسروهم ولجأوا إلى الحصن فحاصروهم حتى فتحوه. وذكر ابن جرير: أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله ﷺ ، وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، فمن باعك ملكه فاشتره منه وإلا فقومه له قيمة عدل ثم اهدمه وادفع إليهم أثمان بيوتهم، فإن لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان. فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد، فشق عليهم ذلك وقالوا: هذه حجر قصيرة السقوف، وسقوفها من جريد النخل، وحيطانها من اللبن، وعلى أبوابها المسوح، وتركها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون، وإلى بيوت النبي ﷺ فينتفعوا بذلك ويعتبروا به، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة وهو ما يستر ويكن، ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة، وكل طويل الامل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها. فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذكر، وأن يعلي سقوفه،. فلم يجد عمر بدا من هدمها، ولما شرعوا في الهدم صاح الاشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم، وتباكوا مثل يوم مات النبي ﷺ ، وأجاب من له ملك متاخم للمسجد للبيع فاشترى منهم، وشرع في بنائه وشمر عن إزاره واجتهد في ذلك، وأرسل الوليد إليه فعولا كثيرة، فأدخل فيه الحجرة النبوية - حجرة عائشة - فدخل القبر في المسجد، وكانت

стр. 3296

حده من الشرق وسائر حجر أمهات المؤمنين كما أمر الوليد، وروينا أنهم لما حفروا الحائط الشرقي من حجرة عائشة بدت لهم قدم فخشوا أن تكون قدم النبي ﷺ حتى تحققوا أنها قدم عمر ﵁، ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد - كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدا - والله أعلم. وذكر ابن جرير: أن الوليد كتب إلى ملك الروم يسأله أن يبعث له صناعا للبناء، فبعث إليه بمائة صانع وفصوص كثيرة من أجل المسجد النبوي، والمشهور أن هذا إنما كان من أجل مسجد دمشق فالله أعلم. وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يحفر الفوارة بالمدينة، وأن يجري ماءها ففعل، وأمره أن يحفر الآبار وأن يسهل الطرق والثنايا، وساق إلى الفوارة الماء من ظاهر المدينة، والفوارة بنيت في ظاهر المسجد عند بقعة رآها فأعجبته. وفيها غزا قتيبة بن مسلم ملك الترك كوربغانون (١) ابن أخت ملك الصين، ومعه مائتا ألف مقاتل، من أهل الصغد وفرغانة وغيرهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان مع قتيبة نيزك ملك الترك مأسورا (٢) فكسرهم قتيبة بن مسلم وغنم من أموالهم شيئا كثيرا، وقتل منهم خلقا وسبى وأسر. وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز ومعه جماعات من أشراف قريش، فلما كان بالتنعيم لقيه طائفة من أهل مكة فأخبروه عن قلة الماء بمكة لقلة المطر، فقال لأصحابه: ألا نستمطر؟ فدعا ودعا الناس فما زالوا يدعون حتى سقوا ودخلوا مكة ومعهم المطر، وجاء سيل عظيم حتى خاف أهل مكة من شدة المطر، ومطرت عرفة ومزدلفة (٣) ومنى، وأخصبت الأرض هذه السنة خصبا عظيما بمكة وما حولها، وذلك ببركة دعاء عمر ومن كان معه من الصالحين. وكان النواب على البلدان في هذه السنة هم الذين كانوا قبلها. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الله بن بسر بن أبي بسر المازني: صحابي كأبيه، سكن حمص، وروى عنه جماعة من التابعين، قال الواقدي: توفي في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، زاد غيره وهو آخر من توفي من الصحابة بالشام، وقد جاء في الحديث أنه يعيش قرنا، فعاش مائة سنة. عبد الله بن أبي أوفى [و] علقمة بن خالد الحارث الخزاعي ثم الأسلمي، صحابي جليل،

стр. 3297

وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة، وكانت وفاته فيما قاله البخاري سنة تسع أو ثمان وثمانين، وقال الواقدي وغير واحد: سنة ست وثمانين، وقد جاوز المائة، وقيل قاربها ﵁. وفيها توفي هشام بن إسماعيل ابن هشام بن الوليد المخزومي المدني، وكان حما عبد الملك بن مروان ونائبه على المدينة، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب كما تقدم، ثم قدم دمشق فمات بها، وهو أول من أحدث دراسة القرآن بجامع دمشق فمات فيها في السبع. عمير بن حكيم العنسي الشامي، له رواية، ولم يكن أحد في الشام يستطيع أن يعيب الحجاج علانية إلا هو وابن محيريز أبو الأبيض، قتل في غزوة طوانة من بلاد الروم في هذه السنة. ثم دخلت سنة تسع وثمانين فيها غزا مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بلاد الروم فقتلا خلقا كثيرا وفتحا حصونا كثيرة، منها حصن سورية وعمورية وهرقلة وقمودية (١). وغنما شيئا كثيرا وأسرا جما غفيرا. وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الصغد ونسف وكش، وقد لقيه هنالك خلق من الأتراك فظفر بهم فقتلهم، وسار إلى بخارى فلقيه دونها خلق كثير من الترك فقاتلهم يومين وليلتين عند مكان يقال له خرقان (٢)، وظفر بهم فقال في ذلك نهار بن توسعة: وباتت لهم منا بخرقان ليلة … وليلتنا كانت بخرقان أطولا ثم قصد قتيبة وردان خذاه (٣) ملك بخارى فقاتله وردان قتالا شديدا فلم يظفر به قتيبة، فرجع عنه إلى مرو، فجاءه البريد بكتاب الحجاج يعنفه على الفرار والنكول عن أعداء الاسلام، وكتب إليه أن يبعث بصورة هذا البلد - يعني بخارى - فبعث إليه بصورتها فكتب إليه أن ارجع إليها وتب إلى الله من ذنبك وائتها من مكان كذا وكذا، ورد وردان خذاه، وإياك والتحويط، ودعني وبنيات الطريق. وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك إمرة مكة لخالد بن عبد الله القسري، فحفر بئرا بأمر الوليد عند ثنية طوى وثنية الحجون، فجاءت عذبة الماء طيبة، وكان يستقي منها الناس. وروى

стр. 3298

الواقدي: حدثني عمر بن صالح عن نافع مولى بني مخزوم. قال: سمعت خالد بن عبد الله القسري يقول على منبر مكة وهو يخطب الناس: أيها الناس! أيهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحا أجاجا، واستسقى الخليفة فسقاه عذبا فراتا - يعني البئر التي احتفرها بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون - فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم. قال ثم غارت تلك البئر فذهب ماءها فلا يدرى أين هو إلى اليوم، وهذا الاسناد غريب، وهذا الكلام يتضمن كفرا إن صح عن قائله، وعندي أن خالد بن عبد الله لا يصح عنه هذا الكلام، وإن صح فهو عدو الله، وقد قيل عن الحجاج بن يوسف نحو هذا الكلام من أنه جعل الخليفة أفضل من الرسول الذي أرسله الله، وكل هذه الأقوال تتضمن كفر قائلها. وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم (١) الترك حتى بلغ باب الأبواب من ناحية أذربيجان، وفتح حصونا ومدائن كثيرة هنالك. وحج بالناس فيها عمر بن عبد العزيز. قال شيخنا الذهبي: وفي هذه السنة فتحت صقلية وميورقة وقيل ميرقة، وهما في البحر بين جزيرة صقلية وخدرة من بلاد الأندلس. وفيها سير موسى بن نصير ولده إلى النقريس ملك الفرنج فافتتح بلادا كثيرة. وفيها توفي من الأعيان عبد الله بن ثعلبة بن صعير أحد التابعين العذري الشاعر، وقد قيل إنه أدرك حياة النبي ﷺ ، ومسح على رأسه، وكان الزهري يتعلم منه النسب. والعمال في هذه السنة هم المذكورون في التي قبلها. ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة فيها غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم، ففتحا حصونا وقتلا خلقا من الروم وغنما وأسرا خلقا كثيرا. وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، وذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك. وفيها عزل الوليد أخاه عبد الله بن عبد الملك عن إمرة مصر وولى عليها قرة بن شريك. وفيها قتل محمد بن القاسم ملك السند داهر بن صصة (٢)، وكان محمد بن القاسم هذا على جيش من جهة الحجاج. وفيها فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى وهزم جميع العدو من الترك بها، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها، وقد تقصاها ابن جرير (٣). وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام فأجابه قتيبة إلى ذلك وأخذ منه رهنا عليه. وفيها استنجد وردان خذاه بالترك فأتوه من جميع

стр. 3299

النواحي - وهو صاحب بخارى بعد أخذ قتيبة لها - وخرج وردان خذاه وحمل على المسلمين فحطموهم ثم عاد المسلمون عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وصالح قتيبة ملك الصغد، وفتح بخارى وحصونها، ورجع قتيبة بالجند إلى بلاده فأذن له الحجاج، فلما سار إلى بلاده بلغه أن صاحب الصغد قال لملوك الترك: إن العرب بمنزلة اللصوص فإن أعطوا شيئا ذهبوا، وإن قتيبة هكذا يقصد الملوك، فإن أعطوه شيئا أخذه ورجع عنهم، وإن قتيبة ليس بملك ولا يطلب ملكا. فبلغ قتيبة قوله فرجع إليهم فكاتب نيزك ملك الترك ملوك ما وراء النهر (١) منهم ملك الطالقان، وكان قد صالح قتيبة فنقض الصلح الذي كان بينه وبين قتيبة، واستجاش عليه بالملوك كلها، فأتاه ملوك كثيرة كوا قد عاهدوا قتيبة على الصلح فنقضوا كلهم وصاروا يدا واحدة على قتيبة، واتعدوا إلى الربيع وتعاهدوا وتعاقدوا على أن يجتمعوا فيقاتلوا كلهم في فصل الربيع من السنة الآتية، فقتل منهم قتيبة في ذلك الحين مقتلة عظيمة جدا لم يسمع بمثلها، وصلب منهم سماطين في مسافة أربعة فراسخ في نظام واحد، وذلك مما كسر جموعهم كلهم. وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وأخواه المفضل وعبد الملك من سجن الحجاج، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك فأمنهم من الحجاج، وذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك وعاقبهم عقوبة عظيمة، وأخذ منهم ستة آلاف ألف، وكان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب، كان لا يسمع له صوت ولو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك، وكان ذلك يغيظ الحجاج، قال قائل للحجاج: إن في ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه، وإنه متى أصابها شئ لا يملك نفسه أن يصرخ، فأمر الحجاج: أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب، فصاح فلما سمعت أخته هند بنت المهلب - وكانت تحت الحجاج - صوته بكت وناحت عليه فطلقها الحجاج ثم أودعهم السجن، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشا إلى الأكراد واستصحبهم معه، فخندق حولهم ووكل بهم الحرس، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد بن المهلب بطعام كثير فصنع للحرس، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين وجعل لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال: ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا، ثم تبعه يتحققه، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه، ثم لحقه أخواه فركبوا السفن وساروا نحو الشام، فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك وذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمره بالاستعداد لهم، وأن يرصدهم في كل مكان، ويكتب إلى أمراء الثغور والكور بتحصيلهم وكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بهربهم، وأنه لا يراهم هربوا إلا إلى

стр. 3300

خراسان، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع ابن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس له، وتحقق عنده قول الراهب. وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلب لهذا اليوم، فركبها وسلك بن دليل من بني كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد (١)، فأخذ بهم على السماوة، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك، وسار يزيد حتى نزل الأردن (٢) على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريما على سليمان بن عبد الملك - فسار وهيب إلى سليمان بن عبد الملك فقال له: إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي، قد جاؤوا مستعيذين بك من الحجاج، قال: فاذهب فأتني بهم فهم آمنون ما دمت حيا، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك، فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد: إن آل المهلب قد أمنتهم، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف، وهي عندي. فكتب إليه الوليد: لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي. فكتب إليه: لا والله لا أبعثه حتى أجئ معه، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرني في جواري. فكتب إليه: لا والله لا تجئ معه وابعث به إلي في وثاق. فقال يزيد: ابعث بي إليه فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا، فابعثني إليه وابعث معي ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث معه ابنه أيوب، وقال لابنه: إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة، وادخلا عليه كذلك. فلما رأى الوليد ابن أخيه في السلسلة، قال: والله لقد بلغنا من سليمان. ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه وقال: يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك. ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه: أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إن كنت لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره، بل لم أجر إلا سامعا مطيعا، حسن البلاء والأثر في الاسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثت به إليك فإن كنت إنما تعد قطيعتي واخفار ذمتي والابلاغ في مساءتي فقد قدرت إن أنت فعلت، وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي وانتهاك حرمتي، وترك بري وإجابتي إلى ما سألتك، ووصلتي، فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرق الموت بيني وبينك، فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتي أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤد، وعن مساءتي نازع فليفعل، ووالله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشئ من أمر الدنيا بعد تقوى الله بأسر مني برضاك وسرورك، وإن رضاك

стр. 3301

وسرورك أحب إلي من رضائي وسروري، ومما ألتمس به رضوان الله لصلتي ما بيني وبينك، وإن كنت يا أمير المؤمنين يوما من الدهر تريد صلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو علي. فلما قرأ الوليد كتابه قال: لقد أشفقنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، وتكلم يزيد بن المهلب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ننساه، ومن يكفره بكافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب، ما أن المنة فيه علينا عظيمة. فقال له: اجلس فجلس فأمنه وكف عنه ورده إلى سليمان، فكان عنده حسن الهيئة، ويصف له ألوان الأطعمة الشهية، وكان حظيا عنده لا يهدى إليه بهدية إلا أرسل له بنصفها، وتقرب يزيد بن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا والتحف والتقادم، وكتب الوليد إلى الحجاج إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب وأهل بيته مع أخي سليمان، فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلي فيهم. فكف الحجاج عن آل المهلب وترك ما كان يطالبهم به من الأموال، حتى ترك لأبي عيينة بن المهلب ألف ألف درهم، ولم يزل يزيد بن المهلب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس وتسعين، ثم ولي يزيد بلاد العراق بعد الحجاج كما أخبره الراهب. وفيها توفي من الأعيان: يتاذوق الطبيب الحاذق، له مصنفات في فنه وكان حظيا عند الحجاج، مات في حدود سنة تسعين بواسط. وفيها توفي (عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة) وأبو العالية الرياحي، وسنان بن سلمة بن المحبق أحد الشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح، وتولى غزو الهند، وطال عمره. وتوفي في هذه السنة محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج، وكان أميرا على اليمن، وكان يلعن عليا على المنابر، قيل إنه أمر حجر المنذري أن يلعن عليا فقال: بل لعن الله من يلعن عليا، ولعنة الله على من لعنه الله. وقيل إنه وري في لعنه فالله أعلم. خالد بن يزيد بن معاوية أبو هاشم الأموي الدمشقي، وكانت داره بدمشق تلي دار الحجارة، وكان عالما شاعرا، وينسب إليه شئ من علم الكيمياء، وكان يعرف شيئا من علوم الطبيعة، روى عن أبيه ودحية الكلبي وعنه الزهري وغيره، قال الزهري: كان خالد يصوم الأعياد كلها الجمعة والسبت والأحد - يعني يوم الجمعة وهو عيد المسلمين، ويوم السبت وهو عيد اليهود، والأحد للنصارى - وقال أبو زرعة الدمشقي: كان هو وأخوه معاوية من خيار القوم، وقد ذكر للخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد، وكان ولي العهد من بعد مروان فلم يلتئم له الامر، وكان مروان زوج أمه، ومن كلامه:

стр. 3302

أقرب شئ الاجل، وأبعد شئ الامل، وأرجى شئ العمل، وقد امتدحه بعض الشعراء فقال: سألت الندا والجود حران أنتما … فردا وقالا إننا لعبيد فقلت ومن مولاكما فتطاولا … علي وقالا خالد بن يزيد قال: فأمر له بمائة ألف. قلت: وقد رأيتهما قد أنشدا في خالد بن الوليد ﵁. فقال: وقالا خالد بن وليد. والله أعلم. وخالد بن يزيد هذا كان أميرا على حمص، وهو الذي بنى جامع حمص وكان له فيه أربعمائة عبد يعملون، فلما فرغ منه أعتقهم. وكان خالد يبغض الحجاج، وهو الذي أشار على عبد الملك لما تزوج الحجاج بنت جعفر أن يرسل إليه فيطلقها ففعل. ولما مات مشى الوليد في جنازته وصلى عليه، وكان قد تجدد على خالد اصفرار وضعف، فسأله عبد الملك عن هذا فلم يخبره فما زال حتى أخبره أنه من حب رملة أخت مصعب بن الزبير، فأرسل عبد الملك يخطبها لخالد فقالت: حتى يطلق نساءه فطلقهن وتزوجها وأنشد فيها الشعر. وكانت وفاته في هذا العام، وقيل في سنة أربع وثمانين وقد ذكر هناك، والصحيح الأول. عبد الله بن الزبير ابن سليم الأسدي الشاعر أبو كثير، ويقال أبو سعيد، وهو مشهور، وفد على عبد الله بن الزبير فامتدحه فلم يعطه شيئا فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، يقال إنه مات في زمن الحجاج. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد، وفيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح مدائن وحصونا كثيرة أيضا، وكان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك. وفيه غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ففتح مدنا كثيرة ودخل في تلك البلاد وولج فيها حتى دخل أراضي غابرة قاصية فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارة سائغة، فبادوا جميعا فلا مخبر بها. وفيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة، وذلك بعد قتال شديد وحرب يشيب لها الوليد، وذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدوا في العام الماضي في أول الربيع أن يجتمعوا ويقاتلوا قتيبة، وأن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم، فاجتمعوا اجتماعا هائلا لم يجتمعوا مثله في موقف، فكسرهم قتيبة وقتل منهم أمما كثيرة، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، حتى ذكر أنه صلب منهم في بعض المواضع من جملة من أخذه منهم سماطين طولهما أربعة فراسخ من ههنا وههنا، عن يمينه وشماله، صلب الرجل منهم بجنب الرجل، وهذا شئ كثير، وقتل في

стр. 3303

الكفار قتلا ذريعا، ثم لا يزال يتتبع نيزك خان ملك الترك الأعظم من إقليم، إلى إقليم، ومن كورة إلى كورة، ومن رستاق إلى رستاق، ولم يزل ذلك دأبه ودأبه حتى حصره في قلعة هنالك (١) شهرين متتابعين، حتى نفذ ما عند نيزك خان من الأطعمة، وأشرف هو ومن معه على الهلاك، فبعث إليه قتيبة من جاء به مستأمنا مذموما مخذولا، فسجنه عنده ثم كتب إلى الحجاج في أمره فجاء الكتاب بعد أربعين يوما بقتله، فجمع قتيبة الامراء فاستشارهم فيه فاختلفوا عليه، فقائل يقول: اقتله. وقائل يقول لا تقتله فقال له بعض الامراء: إنك أعطيت الله عهدا أنك إن ظفرت به لتقتلنه، وقد أمكنك الله منه، فقال قتيبة: والله إن لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لقتلته، ثم قال: اقتلوه اقتلوه اقتلوه، فقتل هو وسبعمائة من أصحابه من أمرائه في غداة واحدة وأخذ قتيبة من أموالهم وخيولهم وثيابهم وأبنائهم ونسائهم شيئا كثيرا، وفتح في هذا العام مدنا كثيرة، وقرر ممالك كثيرة، وأخذ حصونا كثيرة مشحونة بالأموال والنساء، ومن آنية الذهب والفضة شيئا كثيرا، ثم سار قتيبة إلى الطالقان - وهي مدينة كبيرة وبها حصون وأقاليم - فأخذها واستعمل عليها (٢)، ثم سار إلى الفارياب وبها مدن ورساتيق، فخرج إليه ملكها سامعا مطيعا، فاستعمل عليها رجلا من أصحابه، ثم سار إلى الجوزجان فأخذها من ملكها واستعمل عليها (٣)، ثم أتى بلخ فدخلها وأقام بها نهارا واحدا، ثم خرج منها وقصد نيزك خان ببغلان، وقد نزل نيزك خان معسكرا على فم الشعب الذي منه يدخل إلى بلاده، وفي فم الشعب قلعة عظيمة تسمى شمسية (٤)، لعلوها وارتفاعها واتساعها. فقدم على قتيبة الرؤب خان ملك الرؤب وسمنجان، فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة، فأمنه وبعث معه رجالا إلى القلعة فأتوها ليلا ففتحوها وقتلوا خلقا من أهلها وهرب الباقي، ودخل قتيبة الشعب وأتى سمنجان - وهي مدينة كبيرة - فأقام بها وأرسل أخاه عبد الرحمن خلف ملك تلك المدن والبلاد نيزك خان في جيش هائل، فسار خلقه إلى بغلان فحصره بها، وأقام بحصاره شهرين حتى نفد ما عنده من الأقوات، فأرسل قتيبة من عنده ترجمانا يسمى الناصح (٥)، فقال له: اذهب فائتني بنيزك خان ولئن عدت إلي وليس هو معك ضربت عنقك. وأرسل قتيبة معه هدايا وأطعمة فاخرة، فسار الترجمان إلى نيزك حتى أتاه وقدم إليه الأطعمة فوقع عليها أصحابه يتخاطفونها - وكانوا قد أجهدهم الجوع - ثم أعطاه الناصح الأمان وحلف له، فقدم به على قتيبة ومعه سبعمائة أمير من أصحابه ومن أهل بيته

стр. 3304

جماعة. وكذلك استأمن قتيبة جماعة من الملوك فأمنهم وولى على بلادهم والله أعلم. قال الواقدي وغيره: وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فلما قرب من المدينة أمر عمر بن عبد العزيز أشراف المدينة فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم، ودخل المدينة النبوية فأخلى له المسجد النبوي، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه، وإنما عليه ثياب لا تساوي خمسة دراهم، فقالوا له: تنح عن المسجد أيها الشيخ، فإن أمير المؤمنين قادم، فقال: والله لا أخرج منه، فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلي ههنا وههنا ويدعو الله ، قال عمر بن عبد العزيز: وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه، فحانت منه التفاتة فقال: من هذا هو سعيد بن المسيب؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ولو علم بأنك قادم لقام إليك وسلم عليك. فقال: قد علمت بغضه لنا، فقلت: يا أمير إنه وإنه، وشرعت أثني عليه، وشرع الوليد يثني عليه بالعلم والدين، فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر - وإنما قلت ذلك لأعتذر له - فقال: نحن أحق بالسعي إليه، فجاء فوقف عليه فسلم عليه فلم يقم له سعيد، ثم قال الوليد: كيف الشيخ؟ فقال: بخير والحمد لله، كيف أمير المؤمنين؟ فقال الوليد: بخير والحمد لله وحده، ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز: هذا فقيه الناس. فقال: أجل يا أمير المؤمنين. قالوا: ثم خطب الوليد على منبر رسول الله ﷺ فجلس في الخطبة الأولى وانتصب في الثانية، قال وقال: هكذا خطب عثمان، ثم انصرف فصرف على الناس من أهل المدينة ذهبا كثيرا وفضة كثيرة، ثم كسا المسجد النبوي كسوة من كسوة الكعبة التي معه، وهي من ديباج غليظ. وتوفي في هذه السنة السائب بن يزيد بن سعد بن تمامة، وقد حج به أبوه مع رسول الله ﷺ وكان عمر السائب سبع سنين، رواه البخاري فلهذا قال الواقدي: إنه ولد سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي سنة إحدى وتسعين. وقال غيره: سنة ست وقيل ثمان وثمانين، فالله أعلم. سهل بن سعد الساعدي صحابي مدني جليل، توفي رسول الله ﷺ وله من العمر خمس عشرة سنة، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه هو وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله في يده، ليذلهم كيلا يسمع الناس من رأيهم، قال الواقدي: توفي سنة إحدى وتسعين عن مائة سنة، وهو آخر من مات في المدينة من الصحابة. قال محمد بن سعد: ليس في هذا خلاف، وقد قال البخاري وغيره: توفي سنة ثمان وثمانين فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين فيها غزا مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم ففتحا حصونا كثيرة وغنما شيئا كثيرا وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم، وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير بلاد الأندلس في

стр. 3305

أثني عشر ألفا (١)، فخرج إليه ملكها أدرينوق (٢) في جحافلة وعليه تاجه ومعه سرير ملكه، فقاتله طارق فهزمه وغنم ما في معسكره، فكان من جملة ذلك السرير، وتملك بلاد الأندلس بكمالها، قال الذهبي: كان طارق بن زياد أمير طنجة وهي أقصى بلاد المغرب، وكان نائبا لمولاه موسى بن نصير، فكتب إليه صاحب الجزيرة الخضراء (٣) يستنجد به على عدوه، فدخل طارق إلى جزيرة الأندلس من زقاق سبتة وانتهز الفرصة لكون الفرنج قد اقتتلوا فيما بينهم، وأمعن طارق في بلاد الأندلس فافتتح قرطبة وقتل ملكها أدرينوق (٤)، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح، فحسده موسى على الانفراد بهذا الفتح، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، ثم سار إليه مسرعا بجيوشه فدخل الأندلس ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فأقام سنين يفتح في بلاد الأندلس ويأخذ المدن والأموال، ويقتل الرجال ويأسر النساء والأطفال، فغنم شيئا لا يحد ولا يوصف ولا يعد، من الجواهر واليواقيت والذهب والفضة، ومن آنية الذهب والفضة والأثاث والخيول والبغال وغير ذلك شيئا كثيرا، وفتح من الأقاليم الكبار والمدن شيئا كثيرا. وكان مما فتح مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد من حصون بلاد الروم حصن سوسنة وبلغا إلى خليج القسطنطينية. وفيها فتح قتيبة بن مسلم شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها، وجهز

стр. 3306

أخاه عبد الرحمن إلى الصغد إلى طرخون خان ملك تلك البلاد، فصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون خان أموالا كثيرة، وقدم على أخيه وهو ببخارى فرجع إلى مرو، ولما صالح طرخون عبد الرحمن ورجل عنه اجتمعت الصغد وقالوا لطرخون: إنك قد بؤت بالذل، وأديت الجزية، وأنت شيخ كبير، فلا حاجة لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك خان - أخا طرخون خان - ثم إنهم عصوا ونقضوا العهد، وكان من أمرهم ما سيأتي. وفيها غزا قتيبة سجستان يريد رتبيل ملك الترك الأعظم، فلما انتهى إلى أول مملكة رتبيل تلقته رسله يريدون منه الصلح على أموال عظيمة، خيول ورقيق ونساء من بنات الملوك، يحمل ذلك إليه، فصالحه. وحج بالناس فيها عمر بن عبد العزيز نائب المدينة. وتوفي فيها من الأعيان مالك بن أوس بن الحدثان النضري، أبو سعيد المدني، مختلف في صحبته، قال بعضهم: ركب الخيل في الجاهلية ورأى أبا بكر، وقال محمد بن سعد: رأى رسول الله ﷺ ولم يحفظ منه شيئا، وأنكر ذلك ابن معين والبخاري وأبو حاتم، وقالوا: لا تصح له صحبة والله أعلم مات في هذه السنة وقيل في التي قبلها فالله أعلم. طويس المغني اسمه عيسى بن عبد الله أبو عبد المنعم المدني مولى بني مخزوم، كان بارعا في صناعته، وكان طويلا مضطربا أحول العين، وكان مشؤوما، لأنه ولد يوم مات رسول الله ﷺ ، وفطم يوم توفي الصديق، واحتلم يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له يوم قتل الحسين بن علي، وقيل ولد له يوم قتل علي. حكاه ابن خلكان وغيره. وكانت وفاته في هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة بالسويد - وهي على مرحلتين من المدينة - الأخطل كان شاعرا مطبقا، فاق أقرانه في الشعر. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصونا كثيرة من بلاد الروم، منها حصن الحديد وغزالة وماسة وغير ذلك. وفيها غزا العباس بن الوليد ففتح سمسطية. وفيها غزا مروان بن الوليد الروم حتى بلغ حنجرة. وفيها كتب خوارزم شاه (١) إلى قتيبة يدعوه إلى الصلح وأن يعطيه من بلاده مدائن، وأن يدفع إليه أموالا ورقيقا كثيرا على أن يقاتل أخاه (٢) ويسلمه إليه، فإنه قد أفسد في الأرض وبغى على الناس وعسفهم، وكان أخوه هذا لا يسمع بشئ حسن عند أحد إلا بعث إليه فأخذه منه، سواء كان مالا أو نساء أو صبيانا أو دواب أو غيره، فأقبل قتيبة نصره الله في الجيوش

стр. 3307

فسلم إليه خوارزم شاه ما صالحه عليه، وبعث قتيبة إلى بلاد أخي خوارزم شاه جيشا فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا أخاه ومعه أربعة آلاف أسير من كبارهم، فدفع أخاه إليه، وأمر قتيبة بالأسارى فضربت أعناقهم بحضرته، قيل ألفا بين يديه وألفا عن يمينه وألفا عن شماله وألفا من وراء ظهره، ليرهب بذلك الأعداء من الأتراك وغيرهم. فتح سمرقند وذلك أن قتيبة لما فرغ من هذا كله وعزم على الرجوع إلى بلاده، قال له بعض الامراء (١): إن أهل الصغد قد أمنوك عامك هذا، فإن رأيت أن تعدل إليهم وهم لا يشعرون، فإنك متى فعلت ذلك أخذتها إن كنت تريدها يوما من الدهر فقال قتيبة لذلك الأمير: هل قلت هذا لاحد؟ قال: لا! قال فلان يسمعه منك أحد أضرب عنقك. ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بين يديه في عشرين ألفا فسبقه إلى سمرقند، ولحقه قتيبة في بقية الجيش، فلما سمعت الأتراك بقدومهم إليهم انتخبوا من بينهم كل شديد السطوة من أبناء الملوك والامراء، وأمروهم أن يسيروا إلى قتيبة في الليل فيكبسوا جيش المسلمين، وجاءت الاخبار إلى قتيبة بذلك فجرد أخاه صالحا في ستمائة (٢) فارس من الابطال الذين لا يطاقون، وقال: خذوا عليهم الطريق، فساروا فوقفوا لهم في أثناء الطريق وتفرقوا ثلاث فرق، فلما اجتازوا بهم بالليل - وهم لا يشعرون بهم - نادوا عليهم فاقتتل المسلمون هم وإياهم، فلم يفلت من أولئك الأتراك إلا النفر اليسير واحتزوا رؤوسهم وغنموا ما كان معهم من الأسلحة المحلاة بالذهب، والأمتعة، وقال لهم بعض أولئك: تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك أو بطل من الابطال المعدودين بمائة فارس أو بألف فارس، فنفلهم قتيبة جميع ما غنموه منهم من ذهب وسلاح، واقترب من المدينة العظمى التي بالصغد - وهي سمرقند - فنصب عليها المجانيق فرماها بها - وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه عليها من بخارى وخوارزم، فقاتلوا أهل الصغد قتالا شديدا، فأرسل إليه غورك (٣) ملك الصغد: إنما تقاتلني بإخواني وأهل بيتي، فأخرج إلي في العرب. فغضب عند ذلك قتيبة وميز العرب من العجم وأمر العجم باعتزالهم، وقدم الشجعان من العرب وأعطاهم جيد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء، وزحف بالابطال على المدينة ورماها بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدها الترك بغرار الدخن، وقام رجل منهم فوقها فجعل يشتم قتيبة فرماه رجل من

стр. 3308

المسلمين بسهم فقلع عينه؟ حتى خرجت من قفاه. فلم يلبث أن مات قبحه الله، فأعطى قتيبة الذي رماه عشرة آلاف، ثم دخل الليل، فلما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم أيضا ثلمة وصعد المسلمون فوقها وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب، فقالت الترك لقتيبة: ارجع عنا يومك هذا ونحن نصالحك غدا، فرجع عنهم وصالحوه من الغد على: ألفي ألف ومائة ألف يحملونها إليه في كل عام، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق (١)، ليس فيهم صغير ولا شيخ ولا عيب، وفي رواية مائة ألف من رقيق، وعلى أن يأخذ حلية الأصنام وما في بيوت النيران، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبني فيها قتيبة مسجدا، ويوضع له فيه منبر يخطب عليه، ويتغدى ويخرج. فأجابوه إلى ذلك، فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الابطال - وذلك بعد أن بنى المسجد ووضع فيه المنبر - فصلى في المسجد وخطب وتغدى وأتي بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، وألقيت بعضها فوق بعض، حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها، فتصارخوا وتباكوا وقال المجوس: إن فيها أصناما قديمة من أحرقها هلك، وجاء الملك غورك فنهى عن ذلك، وقال لقتيبة: إني لك ناصح، فقام قتيبة وأخذ في يده شعلة نار وقال: أنا أحرقها بيدي فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، ثم قام إليها وهو يكبر الله ، وألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان فيها من الذهب خمسون ألف مثقال من ذهب. وكان من جملة ما أصاب قتيبة في السبي جارية من ولد يزدجرد، فأهداها إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد، ثم استدعى قتيبة بأهل سمرقند فقال لهم: إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتكم عليه، ولكن لا بد من جند يقيمون عندكم من جهتنا. فانتقل عنها ملكها غورك خان فتلا قتيبة (وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى) الآية [النجم: ٥٠ - ٥١] ثم ارتحل عنها قتيبة إلى بلاد مرو، واستخلف على سمرقند أخاه عبد الله بن مسلم، وقال له: لا تدع مشركا يدخل باب سمرقند إلا مختوم اليد، ثم لا تدعه بها إلا مقدار ما تجف طينة ختمه، فإن جفت وهو بها فاقتله، ومن رأيت منهم ومعه حديدة أو سكينة فاقتله بها وإذا أغلقت الباب فوجدت بها أحدا فاقتله، فقال في ذلك كعب الأشقري (٢) - ويقال هي لرجل من جعفي: - كل يوم يحوي قتيبة نهبا … ويزيد الأموال مالا جديدا

стр. 3309

باهلي قد ألبس التاج حتى … شاب منه مفارق كن سودا دوخ الصغد بالكتائب حتى … ترك الصغد بالعراء قعودا فوليد يبكي لفقد أبيه … وأب موجع يبكي الوليدا كلما حل بلدة أو أتاها … تركت خيله بها أخدودا وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقا عن الأندلس، وكان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها فوجد فيها مائدة سليمان بن داود ﵉، وفيها من الذهب والجواهر شئ كثير جدا، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك، فما وصلت إليه حتى مات وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، فوصلت مائدة سليمان ﵇ إلى سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه، وكان فيها ما يبهر العقول، لم ير منظر أحسن منها. واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير. وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدنا كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطنجة، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، ومن القرى والرساتيق شئ كثير، وكان لا يأتي مدينة فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه، وجهز البعوث والسرايا غربا وشرقا وشمالا، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدا بلدا، وإقليما إقليما، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة. وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدبا شديدا، فخرج بهم موسى بن نصير يستسقي بهم، فما زال يدعو حتى انتصف النهار، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال: ليس هذا الموضع موضع ذاك، فلما قال هذه المقالة أرسل الله عليهم الغيث فأمطروا مطرا غزيرا وحسن حالهم، وأخصبت بلادهم. وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا بأمر الوليد له في ذلك، وصب فوق رأسه قربة من ماء بارد، في يوم شتاء بارد، وأقامه على باب المسجد يوم ذلك فمات ﵀. وكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، وكان إذا بشر بشئ من أمر الآخرة يقول: وكيف وخبيب لي بالطريق؟ وفي رواية يقول هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق، ثم يصيح صياح المرأة الثكلى، وكان إذا أثنى عليه يقول: خبيب وما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير. وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيبا فمات فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء، وكانت تلك هفوة منه وزلة، ولكن حصل له بسببها خير كثير، من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك.

стр. 3310

وفيها افتتح محمد بن القاسم - وهو ابن عم الحجاج بن يوسف (١). مدينة الدبيل وغيرها من بلاد الهند وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر - وهو ملك الهند - في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلا منتخبة، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جدا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الملك داهر وغالب من معه، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه. ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة، من الجواهر والذهب وغير ذلك. فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الاسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه. فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك، يقتل ويسبي ويغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفا وأموالا كثيرة هدية، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده، بحيث أن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفا منه. ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر. ثم إن قتيبة قتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين. ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، وبنى بها مسلمة جامعا يعبد الله فيه، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعبا. ومحمد بن القاسم ابن أخي الحجاج يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة من جيش العراق وغيرهم. وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم. وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الاسلام وتركوا عبادة الأوثان. وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي ودخلوا في مبانيها، بعد هذه الأقاليم الكبار، مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل بلاد الترك، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند. فكان سوق الجهاد قائما في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بني أمية وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور وأولاده، والرشيد وأولاده، في بلاد الروم والترك والهند. وقد فتح محمود سبكتكين وولده في أيام ملكهم بلادا كثيرة من بلاد الهند، ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها. ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلادا كثيرة، وضعف الاسلام فيها، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية، وضعف الاسلام وقل ناصروه، وجاء الفرنج فأخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من

стр. 3311

البلاد الشامية، فأقام الله سبحانه بني أيوب مع نور الدين، فاستلبوها من أيديهم وطردوهم عنه، فلله الحمد والمنة، وسيأتي ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى. وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة، وكان سبب ذلك، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة ومكة، وهذا وهن وضعف في الولاية، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما. فولى على المدينة عثمان بن حيان، وعلى مكة خالد بن عبد الله القسري، وفعل ما أمره به الحجاج. فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء، وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة. وحج بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أنس بن مالك ابن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة ويقال أبو ثمامة الأنصاري النجاري، خادم رسول الله ﷺ وصاحبه، وأمه أم حرام (١) مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري. روى عن رسول الله ﷺ أحاديث جمة، وأخبر بعلوم مهمة، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم. وحدث عنه خلق من التابعين. قال أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين (٢). وتوفي وأنا ابن عشرين سنة. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن ثمامة قال قيل لانس: أشهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب من بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري: شهدها يخدم رسول الله ﷺ . قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي، قلت: الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المغازي والله أعلم. وقد ثبت أن أمه أتت به - وفي رواية عمه زوج أمه أبو طلحة - إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله، وسألته أن يدعو له فقال، " الهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة " (٣). وثبت عنه أنه قال: كناني رسول الله ﷺ بنخلة كنت

стр. 3312

أجتنيها (١). وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك، وقد انتقل بعد النبي ﷺ فسكن البصرة، وكان له بها أربع دور، وقد ناله أذى من جهة الحجاج، وذلك في فتنة ابن الأشعث، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الامر، وأنه أفتى فيه، فختمه الحجاج في عنقه، هذا عنق الحجاج، وقد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج يعنفه، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسا. وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته، قيل في سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني جامع دمشق، قال مكحول: رأيت أنسا يمشي في مسجد دمشق فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال: لا وضوء. وقال الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر قال: قدم أنس على الوليد فقال له الوليد: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنتم والساعة كهاتين ". ورواه عبد الرزاق بن عمر عن إسماعيل قال: قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين فذكره. وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف مما كان رسول الله ﷺ وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم. وفي رواية وهذه الصلاة قد ضيعت - يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز أيام خلافته كما سيأتي، وقال عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. قال: جاءت بي أمي إلى رسول الله ﷺ وأنا غلام فقالت: يا رسول الله خويدمك أنيس فادع الله له. فقال، " اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة ". قال: فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة، وفي رواية قال أنس: فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة، وفي رواية وإن ولدي لصلبي مائة وستة. ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ منتشرة جدا، وفي رواية قال أنس: وأخبرتني بنتي آمنة أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومائة. وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أنس، وقد أوردنا طرفا من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ولله الحمد. وقال ثابت لانس: هل مست يدك كف رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم! قال فأعطنيها أقبلها، وقال محمد بن سعد عن مسلم بن إبراهيم عن المثنى بن سعيد الذراع (٢) قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي رسول الله ﷺ ثم يبكي. وقال محمد بن سعد عن أبي نعيم (٣) عن يونس بن أبي إسحاق عن المنهال بن عمرو

стр. 3313

قال: كان أنس صاحب نعل رسول الله ﷺ وإداوته، وقال أبو داود: ثنا الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس. قال: إني لأرجو أن ألقى رسول الله ﷺ فأقول: يا رسول الله خويدمك. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، ثنا حرب بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس. قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة: " قال أنا فاعل، قلت فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط، قلت، فإذا لم ألقك؟ قال: فأنا عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاثة المواطن يوم القيامة " (١). ورواه الترمذي وغيره من حديث حرب بن ميمون أبي الخطاب صاحب الأعمش الأنصاري به وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال شعبة: عن ثابت قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم - يعني أنس بن مالك - وقال ابن سيرين: كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر. وقال أنس: خذ مني فأنا أخذت من رسول الله ﷺ عن الله ، ولست تجد أوثق مني. وقال معتمر بن سليمان. عن أبيه (٢) سمعت أنسا يقول: ما بقي أحد صلى إلى القبلتين غيري. وقال محمد بن سعد: حدثنا عفان، حدثني شيخ لنا يكنى أبا جناب سمعت الحريري (٣) يقول: أحرم أنس من ذات عرق فما سمعناه متكلما إلا بذكر الله حتى أحل، فقال لي: يا بن أخي هكذا الاحرام. وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: دخل علينا أنس يوم الجمعة ونحن في بعض أبيات أزواج النبي ﷺ نتحدث فقال: مه، فلما أقيمت الصلاة قال: إني لأخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم: مه. وقال ابن أبي الدنيا: ثنا بشار بن موسى الخفاف، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت قال: كنت مع أنس فجاءت قهرمانة فقالت: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية فصلى ركعتين ثم دعا فرأيت السحاب يلتئم ثم أمطرت حتى خيل إلينا أنها ملأت كل شئ، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيرا. وقال الإمام أحمد: حدثنا معاذ بن معاذ، ثنا ابن عون، عن محمد قال: كان أنس إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثا ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ . وقال الأنصاري عن ابن عوف عن محمد قال: بعث أمير من الامراء إلى أنس شيئا من الفئ فقال أخمس؟ قال: لا، فلم

стр. 3314

يقبله: وقال النضر بن شداد عن أبيه: مرض أنس فقيل له ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني. وقال حنبل بن إسحاق: ثنا أبو عبد الله الرقاشي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا علي بن يزيد قال: كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث، جوال في الفتن، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضب. قال: يقول أنس: إياي يعني الأمير؟ قال إياك أعني، أصم الله سمعك، قال: فاسترجع أنس، وشغل الحجاج فخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال: لولا أني ذكرت ولدي - وفي رواية لولا أني ذكرت أولادي الصغار - وخفته عليهم ما باليت أي قتل أقتل، ولكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستخفني بعده أبدا. وقد ذكر أبو بكر بن عياش: أن أنسا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: والله لو أن اليهود والنصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه، وأنا قد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين. فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابا فيه كلام جد وفيه: إذا جاءك كتابي هذا فقم إلى أبي حمزة فترضاه وقبل يده ورجله، وإلا حل بك مني ما تستحقه. فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة والشدة، هم أن ينهض إليه فأشار عليه إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجاج بالمصالحة (١) - وكان إسماعيل صديق الحجاج - فجاء أنس فقام إليه الحجاج يتلقاه، وقال: إنما مثلي ومثلك إياك أعني واسمعي يا جارة. أردت أن لا يبقى لاحد علي منطق. وقال ابن قتيبة (٢): كتب عبد الملك إلى الحجاج - لما قال لانس ما قال -: يا بن المستقرمة بعجم (٣) الزبيب لقد هممت أن أركلك ركلة تهوى بها إلى نار جهنم، قاتلك الله أخيفش العينين، أفيتل الرجلين، أسود العاجزين - ومعنى قوله المستقرمة عجم (٣) الزبيب - أي تضيق فرجها عند الجماع به، ومعنى أركلك أي أرفسك برجلي، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين. وقال أحمد بن صالح العجلي: لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين، معيقيب كان به الجذام، وأنس بن مالك كان به وضح. وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال: رأيت أنسا يأكل فرأيته يلقم لقما عظاما، ورأيت به وضحا شديدا. وقال أبو يعلى: ثنا عبد الله بن معاذ بن يزيد عن أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم فصنع طعاما ودعا ثلاثين

стр. 3315

مسكينا فأطعمهم. وذكره البخاري تعليقا. وقال شعبه عن موسى السنبلاوي قلت لانس: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: قد بقي قوم من الاعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي، وقيل له في مرضه: ألا ندعوا لك طبيبا؟ فقال: الطبيب أمرضني، وجعل يقول: لقنوني لا إله إلا الله وهو محتضر، فلم يزل يقولها حتى قبض. وكانت عنده عصية من رسول الله ﷺ فأمر بها فدفنت معه. قال عمر بن شبة وغير واحد: مات وله مائة وسبع سنين، وقال الإمام أحمد في مسنده: ثنا معتمر بن سليمان عن حميد: أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة، قال الواقدي: وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكذا قال علي بن المديني والفلاس وغير واحد. وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقيل سنة تسعين، وقيل إحدى وتسعين، وقيل ثنتين وتسعين وقيل ثلاث وتسعين، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثني أبو نعيم قال: توفي أنس بن مالك وجابر بن زيد في جمعة واحدة سنة ثلاث وتسعين. وقال قتادة: لما مات أنس قال مؤرق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له وكيف ذاك يا أبا المعتمر؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله ﷺ قلنا لهم: تعالوا إلى من سمعه منه. عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الشاعر المشهور، يقال إنه ولد يوم توفي عمر بن الخطاب، وختن يوم مقتل عثمان، وتزوج يوم مقتل علي، فالله أعلم، وكان مشهورا بالتغزل المليح البليغ، كان يتغزل في امرأة يقال لها الثريا (١) بنت علي بن عبد الله الأموية، وقد تزوجها سهل (٢) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة: - أيها المنكح الثريا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية (٣) إذا ما استقلت … وسهيل إذا استقل يمان ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خلكان: حي طيفا من الأحبة زارا … بعد ما برح (٤) الكرى السمارا

стр. 3316

طارقا في المنام بعد دجى … الليل خفيا (١) بأن يزور نهارا قلت ما بالنا جفينا وكنا … قبل ذاك الاسماع والأبصارا قال: إنا كما عهدت ولكن … شغل الحلي أهله أن يعارا بلال بن أبي الدرداء ولي إمرة دمشق ثم ولي القضاء بها، ثم عزله عبد الملك بأبي إدريس الخولاني. كان بلال حسن السيرة، كثير العبادة، والظاهر أن هذا القبر الذي بباب الصغير الذي يقال له قبر بلال، إنما هو قبر بلال بن أبي الدرداء، لا قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله ﷺ ، فإن بلالا المؤذن دفن بداريا والله أعلم. بشر بن سعيد المزني السيد العابد الفقيه، كان من العباد المنقطعين، الزهاد المعروفين، توفي بالمدينة. زرارة بن أوفى ابن حاجب العامري، قاضي البصرة، كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها، له روايات كثيرة، قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر فلما بلغ (فإذا نقر في الناقور) [الآية: ٨] خر ميتا. توفي بالبصرة وعمره نحو سبعين سنة. خبيب بن عبد الله ابن عبد الله بن الزبير، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد له في ذلك فمات، ثم عزل عمر بعده بأيام قليلة، فكان يتأسف على ضربه له ويبكي. مات بالمدينة. حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب المدني، له روايات كثيرة، وكان من الصالحين. توفي بالمدينة. سعيد بن عبد الرحمن ابن عتاب بن أسيد الأموي، أحد الاشراف بالبصرة، كان جوادا ممدحا، وهو أحد الموصوفين بالكرم، قيل إنه أعطى بعض الشعراء ثلاثين.

стр. 3317

فروة بن مجاهد قيل إنه كان من الابدال، أسر مرة وهو في غزوة هو وجماعة معه فأتوا بهم الملك فأمر بتقييدهم وحبسهم في المكان والاحتراز عليهم إلى أن يصبح فيرى فيهم رأيه، فقال لهم فروة: هل لكم في المضي إلى بلادنا؟ فقالوا: وما ترى ما نحن فيه من الضيق؟ فلمس قيودهم بيده فزالت عنهم، ثم أتى باب السجن فلمسه بيده فانفتح، فخرجوا منه ومضوا، فأدركوا جيش المسلمين قبل وصولهم إلى البلد. أبو الشعثاء جابر بن زيد كان لا يماكس في ثلاث، في الكرى إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها لتعتق، وفي الأضحية. وقال: لا تماكس في شئ يتقرب به إلى الله. وقال ابن سيرين: كان أبو الشعثاء مسلما عبد الدينار والدرهم، قلت، كما قيل: - إني رأيت فلا تظنوا غيره … أن التورع عند هذا الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركه … فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم وقال أبو الشعثاء: لان أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إلي من حجة بعد حجة الاسلام. كان أبو الشعثاء من الذين أوتوا العلم، وكان يفتي في البصرة، وكان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسألة يقول: كيف تسألونا وفيكم أبو الشعثاء؟ وقال له جابر بن عبد الله: يا بن زيد إنك من فقهاء البصرة وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أعلم بفتيا من جابر بن زيد. وقال إياس بن معاوية: أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان. وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد: اليوم دفن أعلم أهل الأرض. وقال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال أبو الشعثاء: كتب الحكم بن أيوب نفرا للقضاء أنا أحدهم - أي عمرو - فلو أني ابتليت بشئ منه لركبت راحلتي وهربت من الأرض. وقال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك. وأخذ مرة قبضة تراب من حائط، فلما أصبح رماها في الحائط، وكان الحائط لقوم قالوا: لو كان كلما مر به أخذ منه قبضة لم يبق منه شئ. وقال أبو الشعثاء: إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب وقل: اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك ورغب إليك. وقال سيار: حدثنا حماد بن زيد ثنا الحجاج بن أبي عيينة. قال: كان جابر بن زيد يأتينا في مصلانا، قال: فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان، فقال: مضى من

стр. 3318

عمري ستون سنة نعلاي هاتان أحب إلي مما مضى منه إلا أن يكون خير قدمته. وقال صالح الدهان: كان جابر بن زيد إذا وقع في يده ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم. الستوق الدرهم المغاير أو الدغل وقيل: هو المغشوش. وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الصمد العمي، حدثنا مالك بن دينار قال: دخل علي جابر بن زيد وأنا أكتب المصحف فقلت له: كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء؟ قال: نعم الصنعة صنعتك، تنقل كتاب الله ورقة إلى ورقة، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به وقال مالك بن دينار: سألته عن قوله تعالى (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) [الاسراء: ٧٥] قال ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة (ثم لا تجد لك نصيرا) [الاسراء: ٧٥] وقال سفيان: حدثني أبو عمير الحارث بن عمير قال: قالوا لجابر بن زيد عند الموت: ما تشتهي وما تريد؟ قال: نظرة إلى الحسن. وفي رواية عن ثابت قال: لما ثقل على جابر بن زيد قيل له: ما تشتهي؟ قال نظرة إلى الحسن. قال ثابت: فأتيت الحسن فأخبرته فركب إليه، فلما دخل عليه قال لأهله: أقعدوني، فجلس فما زال يقول: أعوذ بالله من النار وسوء الحساب. وقال حماد بن زيد: حدثنا حجاج بن أبي عيينة قال: سمعت هندا بنت المهلب بن أبي صفرة - وكانت من أحسن النساء - وذكروا عندها جابر بن زيد فقالوا: إنه كان إباضيا، فقالت: كان جابر بن زيد أشد الناس انقطاعا إلي وإلى أمي، فما أعلم عنه شيئا، وكان لا يعلم شيئا يقربني إلى الله إلا أمرني به، ولا شيئا يباعدني عن الله إلا نهاني عنه، وما دعاني إلى الأباضية (١) قط ولا أمرني بها، وكان ليأمرني أين أضع الخمار - ووضعت يدها على الجبهة - أسند عن جماعة من الصحابة، ومعظم روايته عن ابن عمر وابن عباس. ثم دخلت سنة أربع وتسعين فيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم، فقيل إنه فتح أنطاكية، وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام، وبلغ يزيد بن أبي كبشة أرض

стр. 3319

سورية. وفيها كانت الرجفة بالشام، وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك سندرة من أرض الروم. وفيها فتح الله على الاسلام فتوحات عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك، على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه حتى عاد الجهاد شبيها بأيام عمر بن الخطاب ﵁. وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند وغنم أموالا لا تعد ولا توصف، وقد ورد في غزو الهند حديث رواه الحافظ ابن عساكر وغيره. وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش وفرغانة حتى بلغ خجندة، وكشان مدينتي فرغانة، وذلك بعد فراغه من الصغد وفتح سمرقند، ثم خاض تلك البلاد يفتح فيها حتى وصل إلى كابل فحاصرها وافتتحها، وقد لقيه المشركون في جموع هائلة من الترك فقاتلهم قتيبة عند خجندة فكسرهم مرارا وظفر بهم، وأخذ البلاد منهم، وقتل منهم خلقا وأسر آخرين (١)، وغنم أموالا كثيرة جدا. قال ابن جرير: وقد قال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة التي هي قريبة من بلاد الصين أبياتا في ذلك: - فسل الفوارس في خجندة … تحت مرهفة العوالي هل كنت أجمعهم إذا … هزموا وأقدم في قتالي أم كنت أضرب هامة … العاتي وأصبر للنزال (٢) هذا وأنت قريع قيس … كلها ضخم النوال وفضلت قيسا في الندى … وأبوك في الحجج الخوالي تمت مروءتكم وناغى … عزكم غلب الجبال ولقد تبين حكمك … فيهم في كل مال هكذا ذكر ابن جرير هذا من شعر سحبان وائل في هذه الغزوة. وقد ذكرنا ما أورده ابن الجوزي في منتظمه أن سحبان وائل مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعد الخمسين فالله أعلم. مقتل سعيد بن جبير ﵀. قال ابن جرير: وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، وكان سبب ذلك أن الحجاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رتبيل ملك الترك، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه، فلما سمع بذلك سعيد هرب

стр. 3320

منها، ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها فقال سعيد: والله لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره؟ وتولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود، فتعلم منه خالد بن الوليد القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبير، وعمرو بن دينار، وطلق ابن حبيب (١). ويقال إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواما من أهل الشقاق، فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة، وبعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد بن جبير فلما أوقف بين يدي الحجاج قال له: يا سعيد ألم أشركك في أمانتي! ألم أستعملك؟ ألم أفعل ألم أفعل؟ كل ذلك يقول: نعم، حتى ظن من عنده أنه سيخلي سبيله، حتى قال له: فما حملك على الخروج علي وخلعت بيعة أمير المؤمنين؟ فقال سعيد: إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك وعزم علي، فغضب عند ذلك الحجاج غضبا شديدا وانتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه، وقال له: ويحك ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: بلى، قال: ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية؟ قال: بلى! قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك؟ يا حرسي اضرب عنقه. قال: فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لاطئة صغيرة بيضاء، وقد ذكر الواقدي نحو هذا، وقال له: أما أعطيتك مائة ألف؟ أما فعلت أما فعلت. قال ابن جرير: فحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال: لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا، مرة يفصح بها، وفي الثنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها. وذكر أبو بكرة الباهلي قال: سمعت أنس بن أبي شيخ يقول: لما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال: لعن ابن النصرانية - يعني خالد القسري وكان هو الذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه، بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة، ثم أقبل عليه فقال: يا سعيد ما أخرجك علي؟ فقال: أصلح الله الأمير، أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب أخرى، فطابت نفس الحجاج وانطلق وجهه، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره، ثم عاوده في شئ فقال سعيد، إنما كانت بيعة في عنقي، فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله. وذكر عتاب بن

стр. 3321

بشر عن سالم الأفطس قال: أتي الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز، فقال: والله أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار، اضربوا عنقه، فضربت عنقه. قال: والتبس الحجاج في عقله مكانه، فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه يريد القيود التي على سعيد، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود: وقال محمد بن أبي حاتم: ثنا عبد الملك بن عبد الله [عن هلال] بن خباب، قال: جئ بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال: كتبت إلى مصعب بن الزبير؟ فقال: بلى كتبت إلى مصعب، قال: لا والله لأقتلنك قال: إني إذا لسعيد كما سمتني أمي. قال فقتله، فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما، وكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيقول الحجاج: مالي ولسعيد بن جبير، مالي ولسعيد بن جبير؟ قال ابن خلكان (١): كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بني والبة (٢) كوفيا أحد الاعلام من التابعين، وكان أسود اللون، وكان لا يكتب على الفتيا، فلما عمي ابن عباس كتب، فغضب ابن عباس من ذلك، وذكر مقتله كنحو ما تقدم، وذكر أنه كان في شعبان، وأن الحجاج مات بعده في رمضان، وقيل قبل بستة أشهر. وذكر عن الإمام أحمد أنه قال: قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج - أو قال مفتقر - إلى علمه. ويقال ان الحجاج لم يسلط بعده على أحد، وسيأتي في ترجمة الحجاج أيضا من هذا. قال ابن جرير: وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة، مات في أولها علي ابن الحسين، زين العابدين، ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيب، وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن جبير من أهل مكة، وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا التكميل، وسنذكر طرفا صالحا ها هنا إن شاء الله تعالى. قال ابن جرير: واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن صرد (٣) وحج بالناس فيها العباس (٤) بن الوليد، ويقال مسلمة بن عبد الملك، وكان على نيابة مكة خالد القسري، وعلى المدينة عثمان بن حيان، وعلى المشرق بكماله الحجاج، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى قضائها عبد الله (٥) بن أذينة، والله أعلم.

стр. 3322

ذكر من توفي فيها من المشاهير والأعيان سعيد بن جبير الأسدي الوالبي مولاهم أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، الكوفي المكي، من أكابر أصحاب ابن عباس، كان من أئمة الاسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم، وكثرة العمل الصالح، ﵀، وقد رأى خلقا من الصحابة، وروى عن جماعة منهم، وعنه خلق من التابعين، يقال إنه كان يقرأ القرآن في الصلاة فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة، وكان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة، وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة. وروي عنه أنه ختم القرآن مرتين ونصفا في الصلاة في ليلة في الكعبة. وقال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فلما ظفر [الحجاج] هرب سعيد إلى أصبهان، ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين، مرة للعمرة ومرة للحج، وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدث بها، وكان بخراسان لا يتحدث لأنه كان لا يسأله أحد عن شئ من العلم هناك، وكان يقول: إن مما يهمني ما عندي من العلم، وددت أن الناس أخذوه. واستمر في هذا الحال مختفيا من الحجاج قريبا من ثنتي عشرة سنة، ثم أرسله خالد القسري من مكة إلى الحجاج وكان من مخاطبته له ما ذكرناه قريبا. وقال أبو نعيم في كتابه الحلية (١): ثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، ثنا شعبان عن سالم بن أبي حفصة. وقال: لما أتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له: أنت الشقي بن كسير؟ قال: لا! إنما أنا سعيد بن جبير، قال لأقتلنك، قال: أنا إذا كما سمتني أمي سعيدا! قال شقيت وشقيت أمك، قال: الامر ليس إليك. ثم قال: اضربوا عنقه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، قال: (فأينما تولوا فثم وجه الله) [مريم: ١٧] قال: إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم، قال: وما عاذت به؟ قال: قالت (إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) [البقرة: ١١٥] قال سفيان: لم يقتل بعده إلا واحدا. وفي رواية أنه قال له: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. وفي رواية أنه لما أراد قتله قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، فقال: (أينما تولوا فثم وجه الله) فقال: اجلدوا به الأرض، فقال: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) [طه: ٥٥] فقال: اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم. فقال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي. وقد ذكر أبو نعيم هنا كلاما كثيرا في مقتل سعيد بن جبير، أحسنه هذا والله أعلم.

стр. 3323

وقد ذكرنا صفة مقتله إياه، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله، أكثرها لا يصح، وقد عوقب الحجاج بعده وعوجل بالعقوبة، فلم يلبث بعده إلا قليلا ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما سنذكر وفاته في السنة الآتية، فقيل إنه مكث بعده خمسة عشر يوما، وقيل أربعين يوما، وقيل ستة أشهر والله أعلم. واختلفوا في عمر سعيد بن جبير ﵀ حين قتل، فقيل تسعا وأربعين سنة، وقيل سبعا وخمسين فالله أعلم. قال أبو القاسم اللالكائي: كان مقتله في سنة خمس وتسعين، وذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة - سنة أربع وتسعين - فالله أعلم. قلت: ها هنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها. قال: إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته، وتحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة. والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر له، وإن كثر منه التسبيح وتلاوة القرآن. قيل له: من أعبد الناس؟ قال: رجل اقترف (١) من الذنوب، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله، وقال له الحجاج: ويلك؟ فقال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، فقال: اضربوا عنقه، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا خصمك عند الله، فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن فقال: اللهم يا قاصم الجبابرة أقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات. وقال سعيد للحجاج لما أمر بقتله وضحك فقال له: ما أضحكك؟ فقال: أضحك من غيراتك علي (٢) وحلم الله عنك. سعيد بن المسيب ابن حزن بن أبي وهب (٣) بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدنف، سيد التابعين على الاطلاق، ولد لسنتين مضتا وقيل بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل لأربع مضين منها، وقول الحاكم أبي عبد الله إنه أدرك العشرة وهم منه والله أعلم. ولكن أرسل عنهم كما أرسل كثيرا عن النبي ﷺ ، وروى عن عمر كثيرا، فقيل سمع منه، وعن عثمان وعلي وسعيد وأبي هريرة، وكان زوج ابنته، وأعلم الناس بحديثه، وروى عن جماعة من الصحابة، وحدث عن جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم، قال ابن عمر: كان سعيد أحد المتقنين، وقال الزهري: جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علما غيره، وقال محمد بن إسحاق: عن مكحول قال: طفت

стр. 3324

الأرض كلها في طلب العلم. فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب. وقال الأوزاعي: سئل الزهري ومكحول من أفقه من لقيتما؟ قالا: سعيد بن المسيب. وقال غيره: كان يقال له فقيه الفقهاء. وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد، قال مالك: وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر وأحكامه، وقال الربيع عن الشافعي أنه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن. وقال الإمام أحمد بن حنبل هي صحاح: قال: وسعيد بن المسيب أفضل التابعين. قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به، وهو عندي أجل التابعين. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كان سعيد رجلا صالحا فقيها، كان لا يأخذ العطاء، وكانت له بضاعة أربعمائة دينار، وكان يتجر في الزيت، وكان أعور. وقال أبو زرعة: كان مدنيا ثقة إماما. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبي هريرة، قال الواقدي: توفي في سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين، عن خمس وسبعين سنة، ﵀. وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا، والكلام فيما لا يعني، ومن أكثر الناس أدبا في الحديث، جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعن، فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع، وقال برد مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد. وقال ابن إدريس: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة. وقال سعيد: لا تملؤا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالانكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة. وقال: ما يئس الشيطان من شئ إلا أتاه من قبل النساء. وقال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى. وقال: كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله. وقال: من استغنى بالله افتقر الناس إليه. وقال: الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها. وقال: إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه. وقال: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله (١): وقد زوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين لكثير (٢) بن أبي وداعة - وكانت من أحسن النساء وأكثرهم أدبا وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيرا، فأرسل إليه بخمسة آلاف، وقيل: بعشرين ألفا، وقال: استنفق هذه. وقصته في ذلك مشهورة،

стр. 3325

وقد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبي سعيد أن يزوجه بها، فاحتال عليه حتى ضربه بالسياط كما تقدم، لما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيام عبد الملك، ضربه نائبه على المدينة هشام بن إسماعيل وأطافه المدينة، وعرضوه على السيف فمضى ولم يبايع، فلما رجفوا به رأته امرأة فقالت: ما هذا الخزي يا سعيد؟ فقال: من الخزي فررنا إلى ما ترين، أي لو أحببناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة. وكان يجعل على ظهره إهاب الشاة، وكان له مال يتجر فيه ويقول: اللهم إنك تعلم أني لم أمسكه بخلا ولا حرصا عليه، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم في وفيهم، وأصل منه رحمي، وأؤدي منه الحقوق التي فيه، وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار. والله أعلم. طلق بن حبيب العنزي تابعي جليل، روى عن أنس وجابر وابن الزبير وابن عباس، وعبد الله بن عمر وغيرهم، وعنه حميد الطويل والأعمش وطاووس، وهو من أقرانه وأثنى عليه عمرو بن دينار، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة، ولكن تكلموا فيه من جهة أنه كان يقول بالارجاء، وقد كان ممن خرج مع ابن الأشعث، وكان يقول تقووا بالتقوى، فقيل له: صف لنا التقوى، فقال: التقوى هي العمل بطاعة الله على نور من الله يرجو رحمة الله، وترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله. وقال أيضا: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، أو يقوم بشكرها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين. وكان طلق لا يخرج إلى صلاة إلا ومعه شئ يتصدق به، وإن لم يجد إلا بصلا، ويقول: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) [المجادلة: ١٢] فتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الله أعظم وأعظم. قال مالك: قتله الحجاج وجماعة من القراء منهم سعيد بن جبير. وقد ذكر ابن جرير فيما سبق أن خالد بن عبد الله القسري بعث من مكة ثلاثة إلى الحجاج، وهم مجاهد، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد، وكان من أمر سعيد ما كان والله أعلم. عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أبو عبد الله المدني، تابعي جليل، روى عن أبيه وعن العبادلة ومعاوية والمغيرة وأبي هريرة، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وأم سلمة. وعنه جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم. قال محمد بن سعد: كان عروة ثقة كثير الحديث عالما مأمونا ثبتا. وقال العجلي: مدني تابعي رجل صالح لم يدخل في شئ من الفتن. وقال الواقدي: كان فقيها عالما حافظا ثبتا حجة عالما بالسير، وهو أول من صنف المغازي، وكان من فقهاء المدينة المعدودين، ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه، وكان أروى الناس للشعر، وقال ابنه هشام: العلم لواحد من ثلاثة، لذي حسب يزين به حسبه، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختلط بسلطان يتحفه بنعمه ويتخلص

стр. 3326

منه بالعلم، فلا يقع في هلكة، وقال: ولا أعلم أحدا اشترطه لهذه الثلاثة إلا عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز. وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به في الليل، وكان أيام الرطب يثلم حائطه للناس فيدخلون ويأكلون، فإذا ذهب الرطب أعاده، وقال الزهري: كان عروة بحرا لا ينزف ولا تكدره الدلاء. وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أعلم من عروة وما أعلمه يعلم شيئا أجهله، وقد ذكره غير واحد في فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهي إلى قولهم، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق، فلما رجع أصابته في رجله الآكلة فأرادوا قطعها، فعرضوا عليه أن يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها، فقال: ما ظننت أن أحدا يؤمن بالله يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه ، ولكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم، ولا يعرف أنه أن، وروى أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة فالله أعلم. ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله ولد له يسمى محمدا كان أحب أولاده من سطح فمات، فدخلوا عليه فعزوه فيه، فقال: اللهم لك الحمد، كانوا سبعة فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت. قلت: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجها إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الاكلة في رجله في واد قرب المدينة وكان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه. وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له: ألا نسقيك مرقدا حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر؟ فقال: لا! والله ما كنت أظن أن أحدا يشرب شرابا ويأكل شيئا يذهب عقله، ولكن إن كنتم لابد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإني لا أحسن بذلك، ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الاكلة، من المكان الحي، احتياطا أنه لا يبقى منها شئ، وهو نائم يصلي، فما تضور ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت. قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزوه فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت. فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال: فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الذي أصابته الاكلة فيه قال: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) [الكهف: ٦٣] فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض

стр. 3327

الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه. فأنشد عروة في ذلك والابيات لمعن بن أوس: - لعمرك ما أهويت كفى لريبة … ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها … ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي ولست بماش ما حييت لمنكر … من الامر لا يمشي إلى مثله مثلي ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة … وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة … من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي وفي رواية: اللهم إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة. كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام. وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة الاكلة فقطعت ولم يمسكه أحد، ولم يدع في تلك الليلة ورده. وقال الأوزاعي: لما نشرت رجل عروة قال: اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها إلى سوء قط. وأنشد البيتين المتقدمين. رأى عروة رجلا يصلي صلاة خفيفة فدعاه فقال: يا أخي أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك؟ إني لأسأل الله في صلاتي حتى أسأله الملح. قال عروة: رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزا طويلا. وقال لبنيه: إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، والسيئة تدل على أختها. وكان عروة إذا دخل حائطه ردد هذه الآية (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) [الكهف: ٣٩] حتى يخرج منه والله أعلم. قيل إنه ولد في حياة عمر، والصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث وعشرين، وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين على المشهور، وقيل سنة تسعين، وقيل سنة مائة، وقيل إحدى وتسعين، وقيل إحدى ومائة، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، وقيل تسع وتسعين فالله أعلم. علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المشهور بزين العابدين، وأمه أم ولد اسمها سلامة (١)، وكان له أخ أكبر منه يقال له علي أيضا، قتل مع أبيه، روى علي هذا الحديث عن أبيه وعمه الحسن بن علي، وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة، أمهات المؤمنين. وعنه جماعة منهم بنوه زيد وعبد الله وعمر، وأبو جعفر محمد بن علي بن قر، وزيد بن أسلم، وطاووس وهو من أقرانه، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة وهو من أقرانه، وخلق.

стр. 3328

قال ابن خلكان: كانت أم سلمة (١) بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أن يزدجرد كان له ثلاث بنات سبين في زمن عمر بن الخطاب، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالما، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولدها القاسم، والأخرى للحسين بن علي فأولدها عليا زين العابدين هذا، فكلهم بنو خالة. قال ابن خلكان: ولما قتل قتيبة بن مسلم فيروز بن يزدجرد بعث بابنتيه إلى الحجاج فأخذ إحداهما وبعث بالأخرى إلى الوليد، فأولدها الوليد يزيد الناقص. وذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن زين العابدين هذا كانت أمه سندية، يقال لها سلامة (٢)، ويقال غزالة، وكان مع أبيه بكربلاء، فاستبقي لصغره، وقيل لمرضه، فإنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وقد هم بقتله عبيد الله بن زياد، ثم صرفه الله عنه، وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضا فمنعه الله منه، ثم كان يزيد بعد ذلك يكرمه ويعظمه ويجلسه معه، ولا يأكل إلا وهو عنده، ثم بعثهم إلى المدينة، وكان علي بالمدينة محترما معظما. قال ابن عساكر: ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف. قلت: وهو مشهد علي بالناحية الشرقية من جامع دمشق. وقد استقدمه عبد الملك بن مروان مرة أخرى إلى دمشق فاستشاره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكة وطراز القراطيس، قال الزهرمي: ما رأيت قرشيا أورع منه، ولا أفضل. وكان مع أبيه يوم قتل ابن ثلاث وعشرين سنة وهو مريض، فقال عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض. وقال الواقدي: كان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله ، وكان إذا مشى لا يخطر بيده، وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه، وكان كنيته أبا الحسن، وقيل أبا محمد، وقيل أبا عبد الله. وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا، وأمه غزالة خلف عليها بعد الحسين مولاه زبيد فولدت له عبد الله بن زبيد، وهو علي الأصغر، فأما الأكبر فقتل مع أبيه. وكذا قال غير واحد، وقال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وأبو حازم: لم يكن في أهل البيت مثله. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: سمعت علي بن الحسين وهو أفضل هاشمي أدركته يقول: يا أيها الناس أحبونا حب الاسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا. وفي رواية: حتى بغضتمونا إلى الناس. وقال الأصمعي: لم يكن للحسين عقب إلا من علي بن الحسين، ولم يكن لعلي بن الحسين نسل إلا من ابن عمه الحسن، فقال له مروان بن الحكم: لو اتخذت السراري يكثر أولادك، فقال: ليس لي ما أتسرى به، فأقرضه مائة ألف فاشترى له السراري فولدت له وكثر نسله، ثم لما مرض مروان أوصى أن لا يؤخذ من علي بن الحسين شئ مما كان أقرضه، فجميع الحسينيين من نسله ﵀. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلها الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده، وذكروا أنه

стр. 3329

احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي، فلما انصرف قالوا له: مالك لم تنصرف؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى، وكان إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أقوام ولمن أناجي؟ ولما حج أراد أن يلبي فارتعد وقال: أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة. وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة. وقال طاووس: سمعته وهو ساجد عند الحجر يقول: عبيدك بفنائك. سائلك بفنائك. فقيرك بفنائك، قال طاووس: فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني. وذكروا أنه كان كثير الصدقة بالليل، وكان يقول صدقة الليل تطفئ غضب الرب، وتنور القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة، وقاسم الله تعالى ماله مرتين. وقال محمد بن إسحاق: كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به. ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل. وقيل إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات. ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له ما يبكيك؟ قال: علي دين، قال: وكم هو؟ قال خمسة عشر ألف دينار - وفي رواية سبعة عشر ألف دينار - فقال: هي علي وقال علي بن الحسين: كان أبو بكر وعمر من رسول الله ﷺ في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته. ونال منه رجل يوما فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له علي: وعنك أغضي. وخرج يوما من المسجد فسبه رجل فانتدب الناس إليه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه فقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول: إنك من أولاد الأنبياء. قالوا: واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن وهو ساكت، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله فقال: يا بن عم إن كنت صادقا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبا يغفر الله لك والسلام عليك، ثم رجع، فلحقه فصالحه. وقيل له من أعظم الناس خطرا؟ فقال: من لم ير الدنيا لنفسه قدرا، وقال أيضا: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته، وقال: فقد الأحبة غربة، وكان يقول: إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرون عبدوه محبة وشكرا فتلك عبادة الأحرار الأخيار. وقال لابنه: يا بني لا تصحب فاسقا فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا بخيلا فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، ولا كذابا فإنه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب، ولا أحمق

стр. 3330

فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب الله (١). قال تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) [محمد: ٢٢ - ٢٣]. وكان علي بن الحسين إذا دخل المسجد تخطى الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: غفر الله لك، أنت سيد الناس تأتي تخطي حلق أهل العلم وقريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود؟ فقال له علي بن الحسين: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، وإن العلم يطلب حيث كان. وقال الأعمش عن مسعود بن مالك قال: قال لي علي بن الحسين: أتستطيع أن تجمع بيني وبين سعيد بن جبير؟ فقلت: ما تصنع به؟ قال أريد أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ولا منقصة، إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء - وأشار بيده إلى العراق - وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن زر بن عبيد (٢) قال: كنت عند ابن عباس فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب. وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: ثنا العلاء ثنا إبراهيم بن بشار عن سفيان بن عيينة عن أبي الزبير قال: كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه علي بن الحسين فقال: كنت عند رسول الله ﷺ فدخل عليه الحسين بن علي فضمه إليه وقبله وأقعده إلى جنبه، ثم قال: " يولد لا بني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ليقم سيد العابدين، فيقوم هو " هذا حديث غريب جدا أورده ابن عساكر. وقال الزهري: كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أفقه منه، وكان قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وابنه عبد الملك، وكان يسمى زين العابدين. وقال جويرية بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله ﷺ درهما قط. ﵀ ورضي عنه. وقال محمد بن سعد: أنبأ علي بن محمد، عن سعيد بن خالد، عن المقبري قال: بعث المختار إلى علي بن الحسين بمائة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها، فاحتبسها عنده، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان: إن المختار بعث إلي بمائة ألف فكرهت أن أقبلها وكرهت أن أردها، فابعث من يقبضها. فكتب إليه عبد الملك: يا بن عم! خذها فقد طيبتها لك، فقبلها. وقال علي بن الحسين: سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء، وفي الآخرة أهل الدين وأهل الفضل والعلم الأتقياء. لان العلماء ورثة الأنبياء. وقال
следующие страницы →