← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

منه بالعلم، فلا يقع في هلكة، وقال: ولا أعلم أحدا اشترطه لهذه الثلاثة إلا عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز. وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به في الليل، وكان أيام الرطب يثلم حائطه للناس فيدخلون ويأكلون، فإذا ذهب الرطب أعاده، وقال الزهري: كان عروة بحرا لا ينزف ولا تكدره الدلاء. وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أعلم من عروة وما أعلمه يعلم شيئا أجهله، وقد ذكره غير واحد في فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهي إلى قولهم، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق، فلما رجع أصابته في رجله الآكلة فأرادوا قطعها، فعرضوا عليه أن يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها، فقال: ما ظننت أن أحدا يؤمن بالله يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه ، ولكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم، ولا يعرف أنه أن، وروى أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة فالله أعلم. ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله ولد له يسمى محمدا كان أحب أولاده من سطح فمات، فدخلوا عليه فعزوه فيه، فقال: اللهم لك الحمد، كانوا سبعة فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت. قلت: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجها إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الاكلة في رجله في واد قرب المدينة وكان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه. وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له: ألا نسقيك مرقدا حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر؟ فقال: لا! والله ما كنت أظن أن أحدا يشرب شرابا ويأكل شيئا يذهب عقله، ولكن إن كنتم لابد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإني لا أحسن بذلك، ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الاكلة، من المكان الحي، احتياطا أنه لا يبقى منها شئ، وهو نائم يصلي، فما تضور ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت. قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزوه فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت. فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال: فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الذي أصابته الاكلة فيه قال: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) [الكهف: ٦٣] فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض

стр. 3327

الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه. فأنشد عروة في ذلك والابيات لمعن بن أوس: - لعمرك ما أهويت كفى لريبة … ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها … ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي ولست بماش ما حييت لمنكر … من الامر لا يمشي إلى مثله مثلي ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة … وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة … من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي وفي رواية: اللهم إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة. كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام. وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة الاكلة فقطعت ولم يمسكه أحد، ولم يدع في تلك الليلة ورده. وقال الأوزاعي: لما نشرت رجل عروة قال: اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها إلى سوء قط. وأنشد البيتين المتقدمين. رأى عروة رجلا يصلي صلاة خفيفة فدعاه فقال: يا أخي أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك؟ إني لأسأل الله في صلاتي حتى أسأله الملح. قال عروة: رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزا طويلا. وقال لبنيه: إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، والسيئة تدل على أختها. وكان عروة إذا دخل حائطه ردد هذه الآية (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) [الكهف: ٣٩] حتى يخرج منه والله أعلم. قيل إنه ولد في حياة عمر، والصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث وعشرين، وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين على المشهور، وقيل سنة تسعين، وقيل سنة مائة، وقيل إحدى وتسعين، وقيل إحدى ومائة، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، وقيل تسع وتسعين فالله أعلم. علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المشهور بزين العابدين، وأمه أم ولد اسمها سلامة (١)، وكان له أخ أكبر منه يقال له علي أيضا، قتل مع أبيه، روى علي هذا الحديث عن أبيه وعمه الحسن بن علي، وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة، أمهات المؤمنين. وعنه جماعة منهم بنوه زيد وعبد الله وعمر، وأبو جعفر محمد بن علي بن قر، وزيد بن أسلم، وطاووس وهو من أقرانه، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة وهو من أقرانه، وخلق.

стр. 3328

قال ابن خلكان: كانت أم سلمة (١) بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أن يزدجرد كان له ثلاث بنات سبين في زمن عمر بن الخطاب، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالما، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولدها القاسم، والأخرى للحسين بن علي فأولدها عليا زين العابدين هذا، فكلهم بنو خالة. قال ابن خلكان: ولما قتل قتيبة بن مسلم فيروز بن يزدجرد بعث بابنتيه إلى الحجاج فأخذ إحداهما وبعث بالأخرى إلى الوليد، فأولدها الوليد يزيد الناقص. وذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن زين العابدين هذا كانت أمه سندية، يقال لها سلامة (٢)، ويقال غزالة، وكان مع أبيه بكربلاء، فاستبقي لصغره، وقيل لمرضه، فإنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وقد هم بقتله عبيد الله بن زياد، ثم صرفه الله عنه، وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضا فمنعه الله منه، ثم كان يزيد بعد ذلك يكرمه ويعظمه ويجلسه معه، ولا يأكل إلا وهو عنده، ثم بعثهم إلى المدينة، وكان علي بالمدينة محترما معظما. قال ابن عساكر: ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف. قلت: وهو مشهد علي بالناحية الشرقية من جامع دمشق. وقد استقدمه عبد الملك بن مروان مرة أخرى إلى دمشق فاستشاره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكة وطراز القراطيس، قال الزهرمي: ما رأيت قرشيا أورع منه، ولا أفضل. وكان مع أبيه يوم قتل ابن ثلاث وعشرين سنة وهو مريض، فقال عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض. وقال الواقدي: كان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله ، وكان إذا مشى لا يخطر بيده، وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه، وكان كنيته أبا الحسن، وقيل أبا محمد، وقيل أبا عبد الله. وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا، وأمه غزالة خلف عليها بعد الحسين مولاه زبيد فولدت له عبد الله بن زبيد، وهو علي الأصغر، فأما الأكبر فقتل مع أبيه. وكذا قال غير واحد، وقال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وأبو حازم: لم يكن في أهل البيت مثله. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: سمعت علي بن الحسين وهو أفضل هاشمي أدركته يقول: يا أيها الناس أحبونا حب الاسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا. وفي رواية: حتى بغضتمونا إلى الناس. وقال الأصمعي: لم يكن للحسين عقب إلا من علي بن الحسين، ولم يكن لعلي بن الحسين نسل إلا من ابن عمه الحسن، فقال له مروان بن الحكم: لو اتخذت السراري يكثر أولادك، فقال: ليس لي ما أتسرى به، فأقرضه مائة ألف فاشترى له السراري فولدت له وكثر نسله، ثم لما مرض مروان أوصى أن لا يؤخذ من علي بن الحسين شئ مما كان أقرضه، فجميع الحسينيين من نسله ﵀. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلها الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده، وذكروا أنه

стр. 3329

احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي، فلما انصرف قالوا له: مالك لم تنصرف؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى، وكان إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أقوام ولمن أناجي؟ ولما حج أراد أن يلبي فارتعد وقال: أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة. وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة. وقال طاووس: سمعته وهو ساجد عند الحجر يقول: عبيدك بفنائك. سائلك بفنائك. فقيرك بفنائك، قال طاووس: فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني. وذكروا أنه كان كثير الصدقة بالليل، وكان يقول صدقة الليل تطفئ غضب الرب، وتنور القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة، وقاسم الله تعالى ماله مرتين. وقال محمد بن إسحاق: كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به. ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل. وقيل إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات. ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له ما يبكيك؟ قال: علي دين، قال: وكم هو؟ قال خمسة عشر ألف دينار - وفي رواية سبعة عشر ألف دينار - فقال: هي علي وقال علي بن الحسين: كان أبو بكر وعمر من رسول الله ﷺ في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته. ونال منه رجل يوما فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له علي: وعنك أغضي. وخرج يوما من المسجد فسبه رجل فانتدب الناس إليه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه فقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول: إنك من أولاد الأنبياء. قالوا: واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن وهو ساكت، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله فقال: يا بن عم إن كنت صادقا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبا يغفر الله لك والسلام عليك، ثم رجع، فلحقه فصالحه. وقيل له من أعظم الناس خطرا؟ فقال: من لم ير الدنيا لنفسه قدرا، وقال أيضا: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته، وقال: فقد الأحبة غربة، وكان يقول: إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرون عبدوه محبة وشكرا فتلك عبادة الأحرار الأخيار. وقال لابنه: يا بني لا تصحب فاسقا فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا بخيلا فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، ولا كذابا فإنه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب، ولا أحمق

стр. 3330

فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب الله (١). قال تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) [محمد: ٢٢ - ٢٣]. وكان علي بن الحسين إذا دخل المسجد تخطى الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: غفر الله لك، أنت سيد الناس تأتي تخطي حلق أهل العلم وقريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود؟ فقال له علي بن الحسين: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، وإن العلم يطلب حيث كان. وقال الأعمش عن مسعود بن مالك قال: قال لي علي بن الحسين: أتستطيع أن تجمع بيني وبين سعيد بن جبير؟ فقلت: ما تصنع به؟ قال أريد أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ولا منقصة، إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء - وأشار بيده إلى العراق - وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن زر بن عبيد (٢) قال: كنت عند ابن عباس فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب. وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: ثنا العلاء ثنا إبراهيم بن بشار عن سفيان بن عيينة عن أبي الزبير قال: كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه علي بن الحسين فقال: كنت عند رسول الله ﷺ فدخل عليه الحسين بن علي فضمه إليه وقبله وأقعده إلى جنبه، ثم قال: " يولد لا بني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ليقم سيد العابدين، فيقوم هو " هذا حديث غريب جدا أورده ابن عساكر. وقال الزهري: كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أفقه منه، وكان قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وابنه عبد الملك، وكان يسمى زين العابدين. وقال جويرية بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله ﷺ درهما قط. ﵀ ورضي عنه. وقال محمد بن سعد: أنبأ علي بن محمد، عن سعيد بن خالد، عن المقبري قال: بعث المختار إلى علي بن الحسين بمائة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها، فاحتبسها عنده، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان: إن المختار بعث إلي بمائة ألف فكرهت أن أقبلها وكرهت أن أردها، فابعث من يقبضها. فكتب إليه عبد الملك: يا بن عم! خذها فقد طيبتها لك، فقبلها. وقال علي بن الحسين: سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء، وفي الآخرة أهل الدين وأهل الفضل والعلم الأتقياء. لان العلماء ورثة الأنبياء. وقال

стр. 3331

أيضا: إني لأستحي من الله أن أرى الأخ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لي فإذا كانت الجنة بيدك كنت بها أبخل، وأبخل وأبخل. وذكروا أنه كان كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال: إن يعقوب ﵇ بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، ولم يعلم أنه مات، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا؟ وقال عبد الرزاق: سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماء ليتوضأ فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله يقول (والكاظمين الغيظ) [آل عمران: ١٣٤]، فقال: وقد كظمت غيظي، قالت (والعافين عن الناس) فقال: عفا الله عنك. فقالت (والله يحب المحسنين) قال: أنت حرة لوجه الله تعالى. وقال الزبير بن بكار: ثنا عبد الله بن إبراهيم بن قدامة اللخمي، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي عن أبيه قال: جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدأوا في عثمان فقال لهم: أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الذين (أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله) [الحشر: ٨]؟ قالوا: لا قال: فأنتم من الذين (تبوأ والدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم) [الحشر: ٩]؟ قالوا: لا! فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله فيهم (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) [الحشر: ١٠] الآية، فقوموا عني لا بارك الله فيكم، ولا قرب دوركم، أنتم مستهزئون بالاسلام، ولستم من أهله. وجاء رجل فسأله متى يبعث علي؟ فقال: يبعث والله يوم القيامة وتهمه نفسه. وقال ابن أبي الدنيا: حدثت عن سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم، عن أبي حمزة الثمالي: أن علي بن الحسين كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني أتصدق اليوم - أو أهب عرضي اليوم - من استحله. وروى ابن أبي الدنيا أن غلاما سقط من يده سفود وهو يشوي شيئا في التنور على رأس صبي لعلي بن الحسين فقتله، فنهض علي بن الحسين مسرعا، فلما نظر إليه قال للغلام: إنك لم تتعمد، أنت حر، ثم شرع في جهاز ابنه. وقال المدائني: سمعت سفيان يقول: كان علي بن الحسين يقول: ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم: ورواه الزبير بن بكار من غير وجه عنه. ومات لرجل ولد مسرف على نفسه فجزع عليه من أجل إسرافه، فقال له علي بن الحسين: إن من وراء ابنك خلالا ثلاثا، شهادة أن لا إله إلا الله، وشفاعة رسول الله، ورحمة الله . وقال المدائني: قارف الزهري ذنبا فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله. فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له: يا زهري قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شئ أعظم من ذنبك، فقال الزهري: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) [الانعام: ١٢٤] وفي رواية أنه كان أصاب دما حراما خطأ فأمره علي بالتوبة والاستغفار

стр. 3332

وأن يبعث الدية إلى أهله، ففعل ذلك، وكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس علي منة. وقال سفيان بن عيينة كان علي بن الحسين يقول: لا يقول رجل في رجل من الخير مالا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم، وما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة. وذكروا أنه زوج أمه من مولى له وأعتق أمة فتزوجها فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك، فكتب إليه (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) [الأحزاب: ٢٢] وقد أعتق صفية فتزوجها، وزوج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمه زينب بنت جحش. قالوا: وكان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين دينارا، فإذا جاء الصيف تصدق بها، ويلبس في الصيف الثياب المرقعة ودونها ويتلو قوله تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) [الأعراف: ٣١]. (وقد روي من طرق ذكرها الصولي والجريري وغير واحد أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه وأخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه، وقام أهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين، فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالا له وهيبة واحتراما، وهو في بزة حسنة، وشكل مليح، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ فقال لا أعرفه - استنقاصا به واحتقارا لئلا يرغب فيه أهل الشام - فقال الفرزدق - وكان حاضرا - أنا أعرفه، فقالوا: ومن هو؟ فأشار الفرزدق يقول: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم … هذا التقي النقي الطاهر العلم (١) إذا رأته قريش قال قائلها … إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت … عن نيلها عرب الاسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته … ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضي حياء ويغضى من مهابته … فما يكلم إلا حين يبتسم بكفه خيزران ريحها عبق … من كف أروع في عرنينه شمم مشتقة من رسول الله نبعته … طابت عناصرها (٢) والخيم والشيم

стр. 3333

ينجاب نور الهدى (١) من نور غرته … كالشمس ينجاب عن إشراقها الغيم حمال أثقال أقوام إذا فدحوا … حلو الشمائل تحلو عنده نعم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله … بجده أنبياء الله قد ختموا من جده دان فضل الأنبياء له … وفضل أمته دانت لها الأمم عم البرية بالاحسان فانقشعت … عنها الغواية والاملاق والظلم كلتا يديه غياث عم نفعهما … يستوكفان ولا يعروهما العدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره … يزينه اثنتان الحلم والكرم لا يخلف الوعد ميمون بغيبته … رحب الفناء أريب حين يعتزم من معشر حبهم دين وبغضهم … كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع السوء (٢) والبلوى بحبهم … ويستزاد (٣) به الاحسان والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم … في كل حكم ومختوم به الكلم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم … أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم … ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت … والأسد أسد الشرى والبأس محتدم يأبى لهم ان يحل الذم ساحتهم … خيم كرام وأيد بالندى هضم لا ينقص العدم بسطا من أكفهم … سيان ذلك إن اثروا وإن عدموا أي الخلائق ليست في رقابهم … لأولية هذا أوله نعم (٤) فليس قولك من هذا بضائره … العرب تعرف من أنكرت والعجم من يعرف الله يعرف أولية ذا … فالدين من بيت هذا ناله الأمم (٥)

стр. 3334

قال: فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكة والمدينة، فلما بلغ ذلك علي بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، فلم يقبلها وقال: إنما قلت ما قلت لله ونصرة للحق، وقياما بحق رسول الله ﷺ في ذريته، ولست أعتاض من ذلك بشئ. فأرسل إليه علي بن الحسين يقول: قد علم الله صدق نيتك في ذلك، وأقسمت عليك بالله لتقبلنها فتقبلها منه ثم جعل يهجو هشاما وكان مما قال فيه: تحبسني بين المدينة والتي … إليها قلوب الناس تهوى (١) منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد … وعينين حولاوين (٢) باد عيوبها وقد روينا عن علي بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين: نراع إذا الجنائز قابلتنا … ونلهو حين تمضي ذاهبات كروعة ثلة لمغار سبع … فلما غاب عادت راتعات وروى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله المقري: حدثني سفيان بن عيينة عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين سيد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه: - يا نفس حتام إلى الدنيا سكونك، وإلى عمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من الإفك؟ ومن فجعت به من إخوانك، ونقل إلى الثرى من أقرانك؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها، محاسنهم فيها بوال دواثر. خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم … وساقتهم نحو المنايا المقادر وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها … وضمهم تحت التراب الحفائر كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيرت الأرض ببلائها، وغيبت في ترابها، ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس، ثم رجعت عنهم إلى عمل أهل الافلاس: - وأنت على الدنيا مكب منافس … لخطابها فيها حريص مكاثر على خطر تمشي وتصبح لاهيا … أتدري بماذا لو عقلت تخاطر

стр. 3335

وإن امرءا يسعى لدنياه دائبا … ويذهل عن أخراه لا شك خاسر فحتام على الدنيا إقبالك؟ وبشهواتها اشتغالك؟ وقد وخطك القتير، وأتاك النذير، وأنت عما يراد بك ساه وبلذة يومك وغدك لاه، وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات، وعاينت ما حل بهم من المصيبات: وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى … عن اللهو واللذات للمرء زاجر أبعد اقتراب الأربعين تربص … وشيب قذال منذر للكابر كأنك معنى بما هو ضائر … لنفسك عمدا وعن الرشد حائر انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف اختطفتهم عقبان الأيام، ووافاهم الحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها أخبارهم، وأضحوا رمما في التراب، إلى يوم الحشر والمآب: أمسحوا رميما في التراب وعطلت … مجالسهم منهم وأخلى مقاصر وحلوا بدار لا تزاور بينهم … وأنى لسكان القبور التزاور فما أن ترى الا قبورا قد ثووا بها … مسطحة تسفى عليها الأعاصر كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان، تمكن من دنياه، ونال فيها ما تمناه، وبنى فيها القصور والدساكر، وجمع فيها الأموال والذخائر، وملح السراري والحرائر. فما صرفت كف المنية إذا أتت … مبادرة تهوي إليه الذخائر ولا دفعت عنه الحصون التي بنى … وحف بها أنهاره والدساكر ولا قارعت عنه المنية حيلة … ولا طمعت في الذب عنه العساكر أتاه من الله ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، فتعالى الله الملك الجبار، المتكبر العزيز القهار، قاصم الجبارين، ومبيد المتكبرين، الذي ذل لعزه كل سلطان، وأباد بقوته كل ديان. مليك عزيز لا يرد قضاؤه … حكيم عليم نافذ الامر قاهر عنى كل عز لعزة وجهه … فكم من عزيز للمهيمن صاغر لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت … لعزة ذي العرش الملوك الجبابر فالبدار البدار والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها، وما نصبت لك من مصايدها، وتحلت لك من زينتها، وأظهرت لك من بهجتها، وأبرزت لك من شهواتها، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها:

стр. 3336

وفي دون ما عاينت من فجعاتها … إلى دفعها داع وبالزهد آمر فجد ولا تغفل وكن متيقظا … فعما قليل يترك الدار عامر فشمر ولا تفتر فعمرك زائل … وأنت إلى دار الإقامة صائر ولا تطلب الدنيا فإن نعيمها … وإن نلت منها غبه لك ضائر فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب؟ وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات: ألا لا ولكنا نغر نفوسنا … وتشغلنا اللذات عما نحاذر وكيف يلذ العيش من هو موقف … بموقف عدل يوم تبلى السرائر كأنا نرى أن لا نشور وأننا … سدى مالنا بعد الممات مصادر وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها، وكثرة عذابه في مصابها وفي طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها. أما قد نرى في كل يوم وليلة … يروح علينا صرفها ويباكر تعاورنا آفاتها وهمومها … وكم قد ترى يبقى لها المتعاور فلا هو مغبوط بدنياه آمن … ولا هو عن تطلا بها النفس قاصر كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من عثرته، ولم تنقذه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه، ولم تخلصه من وصمه. بل أوردته بعد عز ومنعة … موارد سوء ما لهن مصادر فلما رأى أن لا نجاة وأنه … هو الموت لا ينجيه منه التحاذر تندم إذ لم تغن عنه ندامة … عليه وأبكته الذنوب الكبائر إذ بكى على ما سلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه، واستغفر حتى لا ينفعه الاستغفار ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية ونزول البلية. أحاطت به أحزانه وهمومه … وأبلس لما أعجزته المقادر فليس له من كربة الموت فارج … وليس له مما يحاذر ناصر وقذ جشأت خوف المنية نفسه … ترددها منه اللها والحناجر هنالك خف عواده، وأسلمه أهله وأولاده، وارتفعت البرية بالعويل، وقد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، ومد عند خروج روحه رجليه، وتخلى عنه الصديق، والصاحب الشفيق.

стр. 3337

فكم موجع يبكي عليه مفجع … ومستنجد صبرا وما هو صابر ومسترجع داع له الله مخلصا … يعدد منه كل ما هو ذاكر وكم شامت مستبشر بوفاته … وعما قليل للذي صار صائر فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمروا لابرازه. كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدى. وحل أحب القوم كان بقربه … يحث على تجهيزه ويبادر وشمر من قد أحضروه لغسله … ووجه لما فاض للقبر حافر وكفن في ثوبين واجتمعت له … مشيعة إخوانه والعشائر فلو رأيت الأصغر من أولاده، قد غلب الحزن على فؤاده، ويخشى من الجزع عليه، وخضبت الدموع عينيه، وهو يندب أباه ويقول: يا ويلاه وا حراباه: - لعاينت من قبح المنية منظرا … يهال لمرآة ويرتاع ناظر أكابر أولاد يهيج اكتئابهم … إذا ما تناساه البنون الأصاغر وربة نسوان عليه جوازع … مدامعهم فوق الخدود غوازر ثم أخرج من سعة قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللحد وهيئ عليه اللبن، احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه، وضاق ذرعا بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، وأيسوا من النظر إليه، وتركوه رهنا بما كسب وطلب. فولوا عليه معولين وكلهم … لمثل الذي لاقى أخوه محاذر كشاء رتاع آمنين بدا لها … بمدينة بادي الذراعين حاسر فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت … فلما نأى عنها الذي هو جازر عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال الانعام اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى. ثوى مفردا في لحده وتوزعت … مواريثه أولاده والأصاهر وأحنوا على أمواله يقسمونها … فلا حامد منهم عليها وشاكر فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها … ويا آمنا من أن تدور الدوائر كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة؟ أم كيف ضيعت حياتك وهي مطيتك إلى

стр. 3338

مماتك؟ أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك؟ أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي مطية الآفات. ولم تتزود للرحيل وقد دنا … وأنت على حال وشيك مسافر فيا لهف نفسي كم أسوف توبتي … وعمري فان والردى لي ناظر وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت … يجازي عليه عادل الحكم قادر فكم ترقع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا نزل القرآن؟ أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر المآب أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بورا، ومساكنهم قبورا: تخرب ما يبقى وتعمر فانيا … فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر وهل لك إن وافاك حتفك بغتة … ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر أترضى بان تفنى الحياة وتنقضي … ودينك منقوص ومالك وافر وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين، زين العابدين، فالمشهور عن الجمهور أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة أربع وتسعين - في أولها عن ثمان وخمسين سنة، وصلي عليه بالبقيع، ودفن به، قال الفلاس: مات علي بن الحسين وسعيد بن المسيب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين، وقال بعضهم: توفي سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين، وأغرب المدائني في قوله: إنه توفي سنة تسع وتسعين والله أعلم. انتهى ما ذكره المؤلف [من ترجمة علي بن الحسين. وقد رأيت له كلاما متفرقا وهو من جيد الحكمة، فأحببت أن أذكره لعل الله أن ينفع به من وقف عليه: قال حفص بن غياث: عن حجاج، عن أبي جعفر عن علي بن الحسين قال: إن الجسد إذا لم يمرض أشر وبطر، ولا خير في جسد يأشر ويبطر. وقال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا أحمد بن الصلت حدثنا قاسم بن إبراهيم العلوي، حدثنا أبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال علي بن الحسين: فقد الأحبة غربة. وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبح في خفيات الغيوب سريرتي، اللهم كما أسأت وأحسنت إلي، فإذا عدت فعد إلي. اللهم ارزقني مواساة من قترت عليه رزقك بما وسعت علي من فضلك. وقال لابنه: يا بني اتخذ ثوبا للغائط فإني رأيت الذباب يقع على الشئ ثم يقع على الثوب. ثم انتبه فقال: وما كان لرسول الله ﷺ وأصحابه إلا ثوب واحد، فرفضه. وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتيت باب علي بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت على الباب حتى خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد علي السلام

стр. 3339

ودعا لي، ثم انتهى إلى حائط فقال، يا حمزة ترى هذا الحائط؟ قلت: نعم! قال: فإني اتكأت عليه يوما وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا علي بن الحسين! مالي أراك كئيبا حزينا على الدنيا! فهي رزق حاضر يأخذ منها البر والفاجر. فقلت: ما عليها أحزن لأنها كما تقول، فقال على الآخرة؟ فهي وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، فقلت: ما على هذا أحزن لأنه كما تقول. فقال: فعلام حزنك؟ فقلت: ما أتخوف من الفتنة - يعني فتنة ابن الزبير - فقال لي: يا علي! هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا! قال ويخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا! ثم غاب عني فقيل لي: يا علي إن هذا الخضر الذي جاءك لفظ الخضر مزاد فيه من بعض الرواة. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الخضري، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن عمر بن حارث. قال: لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره. فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة. وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين. وروى عبد الله بن حنبل: عن ابن اشكاب، عن محمد بن بشر، عن أبي المنهال الطائي أن علي بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله. وقال الطبري. حدثنا يحيى بن زكريا الغلابي، حدثنا العتبي حدثني أبي قال: قال علي بن الحسين - وكان من أفضل بني هاشم الأربعة - يا بني اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تخيب أخاك إلا في الامر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك. وروى الطبراني باسناده عنه: أنه كان جالسا في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له. أمن حدث كانت الداعية؟ قال: نعم! فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله فيما نحبه، ونحمده على ما نكره. وروى الطبراني عنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة. فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون قبل الحساب؟ قالوا: نعم: قالوا: من أنتم؟ قالوا نحن أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حملنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسئ إلينا غفرنا، قالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العالمين. ثم ينادي مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: فما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصية الله، وصبرناها على البلاء. فقالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادي المنادي: ليقم جيران الله في داره! فيقوم ناس من الناس وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون: بم استحققتم مجاورة الله في داره؟ فيقولون: كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله . فيقال لهم، ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.

стр. 3340

وقال علي بن الحسين: إن الله يحب المؤمن المذنب التواب. وقال: التارك للامر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي منهم تقاة. قالوا: وما تقاه؟ قال: يخاف جبارا عنيدا أن يسطو عليه وأن يطغى. وقال رجل لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحدا أورع من فلان. فقال له سعيد: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا! قال: ما رأيت أورع منه. وروى سفيان بن عيينة عن الزهري قال: دخلت على علي بن الحسين فقال: يا زهري فيم كنتم؟ قلت: كنا نتذاكر الصوم، فأجمع رأيي ورأي أصحابي على أنه ليس من الصوم شئ واجب، إلا شهر رمضان فقال! يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجها، عشرة منها واجب كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب، قال الزهري قلت: فسرهن يا بن رسول الله ﷺ ، قال: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، وصيام ثلاثة أيام كفارة اليمين لمن لم يجد إلا طعام، وصيام حلق الرأس، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي وصوم جزاء الصيد، يقوم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة. وأما الذي صاحبه بالخيار فصوم الاثنين والخميس، وستة أيام من شوال بعد رمضان، وصوم عرفة ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار. فأما صوم الاذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة، وأما صوم الحرام فصوم يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك، نهينا أن نصومه لرمضان. وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر، وصوم الضيف لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه، قال رسول الله ﷺ : " من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم ". وأما صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسيا أجزأه صومه، وأما صوم المريض والمسافر فقال قوم: يصوم، وقال قوم لا يصوم، وقال قوم إن شاء صام وإن شاء أفطر " واما نحن فنقول: يفطر في الحالين، فإن صام في السفر والمرض فعليه القضاء] (١). أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة (٢)، قيل اسمه محمد، وقيل اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وله من الأولاد والاخوة كثير، وهو تابعي جليل، روى عن عمار وأبي هريرة وأسماء بنت أبي بكر،

стр. 3341

وعائشة وأم سلمة وغيرهم، وعنه جماعة منهم بنوه سلمة وعبد الله وعبد الملك وعمر، ومولاه سمي، وعامر الشعبي وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، ومجاهد، والزهري، ولد في خلافة عمر، وكان يقال له راهب قريش (١)، لكثرة صلاته، وكان مكفوفا، وكان يصوم الدهر، وكان من الثقة والأمانة والفقه وصحة الرواية على جانب عظيم، قال أبو داود: وكان قد كف وكان إذا سجد يضع يده في طست لعلة كان يجدها. والصحيح أنه مات في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. والله أعلم. قلت: ونظم بعض الشعراء بيتين ذكر فيهما الفقهاء السبعة فقال: - ألا كل من لا يقتدي بأئمة … فقسمته حبرا (٢) عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم … سعيد أبو بكر سليمان خارجه وفيها توفي الفضيل (٣) بن زيد الرقاشي، أحد زهاد أهل البصرة، وله مناقب وفضائل كثيرة جدا، قال: لا يلهينك الناس عن ذات نفسك، فإن الامر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكيت وكيت، فإنه محفوظ عليك ما قلت. وقال: لم أر شيئا أحسن طلبا، ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم. أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري (٤)، كان أحد فقهاء المدينة، وكان إماما عالما، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان واسع العلم. توفي بالمدينة. عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، له روايات كثيرة، وكان عالما، وخلف كتبا كثيرة من علمه، روى عن جماعة من الصحابة، وأسر يوم وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج. عبد الرحمن بن معاوية بن خزيمة، قاضي مصر لعمر بن عبد العزيز بن مروان وصاحب شرطته كان عالما فاضلا، روى الحديث وعنه جماعة. ثم دخلت سنة خمس وتسعين فيها غزا العباس بن الوليد بلاد الروم، وافتتح حصونا كثيرة. وفيها فتح مسلمة بن

стр. 3342

عبد الملك مدينة في بلاد الروم، ثم حرقها ثم بناها بعد ذلك بعشر سنين، وفيها افتتح محمد بن القاسم مدينة المولينا (١) من بلاد الهند، وأخذ منها أموالا جزيلة، وفيها قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية ومعه الأموال على العجل تحمل من كثرتها، ومعه ثلاثون ألف رأس من السبي، وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش، ففتح مدنا وأقاليم كثيرة، فلما كان هناك جاءه الخبر بموت الحجاج بن يوسف فقمعه ذلك ورجع بالناس إلى مدينة مرو وتمثل بقول بعض الشعراء: لعمري لنعم المرء من آل جعفر … بحوران أمسى أعلقته الحبائل فإن تحي لا أملك (٢) حياتي وإن تمت … فما في حياتي بعد موتك طائل وفيها كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء، ويعده على ذلك ويجزيه خيرا، ويثني عليه بما صنع من الجهاد وفتح البلاد وقتال أهل الكفر والعناد. وقد كان الحجاج استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، فولى الوليد الصلاة والحرب بالمصرين - الكوفة والبصرة - يزيد بن أبي كبشة، وولى خراجهما يزيد بن مسلم، وقيل كان الحجاج يستخلفهما على ذلك فأقرهما الوليد، واستمر سائر نواب الحجاج على ما كانوا عليه. وكانت وفاة الحجاج لخمس، وقيل لثلاث بقين من رمضان، وقيل مات في شوال من هذه السنة. وحج بالناس فيها بشر بن الوليد بن عبد الملك، قاله أبو معشر والواقدي. وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ومعه ألف من أصحابه، وفي هذه السنة كان مولد أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وهذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته هو الحجاج بن يوسف (٣) بن أبي عقيل بن (٤) مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، أبو محمد الثقفي، سمع ابن عباس وروى عن أنس وسمرة بن جندب وعبد الملك بن مروان وأبي بردة بن أبي موسى، وروى عنه أنس بن مالك، وثابت البناني، وحميد الطويل، ومالك بن دينار، وجواد بن مجالد، وقتيبة بن مسلم، وسعيد بن أبي عروبة. قاله ابن عساكر، قال: وكانت له بدمشق دور منها دار الراوية بقرب قصر ابن أبي الحديد، وولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير، ثم عزله عنها وولاه العراق. وقدم دمشق وافدا على عبد الملك، ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم، سمعت أبي يقول: خطبنا

стр. 3343

الحجاج بن يوسف فذكر القبر، فما زال يقول: إنه بيت الوحدة، وبيت الغربة، حتى بكى وأبكى من حوله، ثم قال: سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول: سمعت مروان يقول في خطبته: خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته: " ما نظر رسول الله ﷺ إلى قبر أو ذكره إلا بكى ". وهذا الحديث له شاهد في سنن أبي داود وغيره، وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار: ثنا يسار عن جعفر عن مالك بن دينار قال: دخلت يوما على الحجاج فقال لي: يا أيا يحيى ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله ﷺ ؟ فقلت: بلى! فقال: حدثني أبو بردة عن أبي موسى. قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة ". وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد وغيره في السنن والمسانيد والله أعلم. قال الشافعي: سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة (١) دخل على امرأته وهي تتخلل - أي تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذى - وكان ذلك في أول النهار، فقال: والله لئن كنت باكرت الغداء إنك لرعينة دنية، وإن كان الذي تخللين منه شئ بقي في فيك من البارحة إنك لقذرة، فطلقها فقالت: والله ما كان شئ مما ذكرت، ولكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لاخرجها. فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج: تزوجها فإنها لخليفة بأن تأتي برجل يسود، فتزوجها يوسف أبو الحجاج. قال الشافعي: فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم: ما أسرع ما ألقحت بالمبير. قال ابن خلكان: واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، وكان زوجها الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب، وذكر عنه هذه الحكاية في السواك. وذكر صاحب العقد (٢) ان الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف، ثم قدم دمشق فكان عند روح بن زنباع وزير عبد الملك، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله، فقال روح: عندي رجل توليه ذلك، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش، فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل، حتى اجتاز إلى فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوف بهم وأحرق الفسطاط، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك، فقال للحجاج: لم صنعت هذا؟ فقال: لم أفعله إنما فعله أنت، فإن يدي يدك، وسوطي سوطك، وما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرني في الذي وليتني؟ ففعل ذلك وتقدم الحجاج عنده. قال: وبنى واسط في سنة أربع وثمانين، وفرغ منها في سنة ست وثمانين، وقيل قبل ذلك قال: وفي أيامه نقطت

стр. 3344

المصاحف، وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولا يسمى كليبا، ثم سمي الحجاج. وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج، وأنه لم يرتضع أياما حتى سقوه دم جدي ثم دم سالخ (١) ولطخ وجهه بدمه فارتضع، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لطخ به وجهه، ويقال إنه أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط (٢)، وقيل إنها أم أبيه والله أعلم. وكانت فيه شهامة عظيمة، وفي سيفه رهق، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة، وكان يغضب غضب الملوك، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه، وكان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضا، ولا سواء ولا قريب. وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سليم بن عنز التجيبي قاضي مصر، وكان من كبار التابعين. وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها. والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها فاجتاز بهما سليم بن عنز هذا فنهض إليه أبو الحجاج فسلم عليه، وقال له: إني ذاهب إلى أمير المؤمنين، فهل من حاجة لك عنده؟ قال: نعم! تسأله أن يعزلني عن القضاء. فقال: سبحان الله! والله لا أعلم قاضيا اليوم خيرا منك. ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه: يا أبة أتقوم إلى رجل من تجيب وأنت ثقفي؟ فقال له: يا بني والله إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله. فقال: والله ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله، فقال: ولم يا بني؟ قال: لان هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين ولا يرونها شيئا عند سيرتهما فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه، ولا يرون طاعته، والله لو خلص لي من الامر شئ لأضربن عنق هذا وأمثاله. فقال له أبوه: يا بني والله إني لأظن أن الله خلقك شقيا. وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة (٣) وأنه كان ذا فراسة صحيحة، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك. قالوا: وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين، وقيل في سنة أربعين، وقيل في سنة إحدى وأربعين، ثم نشأ شابا لبيبا فصيحا بليغا حافظا للقرآن، قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة، وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري، وكان الحسن أفصح منه. وقال الدارقطني: ذكر سليمان بن أبي منيح عن صالح بن سليمان قال قال

стр. 3345

عقبة بن عمرو: ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض، إلا الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس. وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها وأقام للناس الحج عامئذ، ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت، ولا تمكن ابن الزبير ومن عنده من الوقوف، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن، ثمن نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر، فدخل الكوفة كما ذكرنا، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلا، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة. وفتح فيها فتوحات كثيرة، هائلة منتشرة، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم، ووصلت خيوله أيضا إلى قريب من بلاد الصين، وجرت له فصول قد ذكرناها. ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والاقدام، والتهاون في الأمور العظام، مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله، مما ساقه الحافظ ابن عساكر وغيره: فروى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن كثير ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه: أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب - وذلك قبل أن يلي شيئا - فجعل يرفع قبل الامام ويقع قبله في السجود، فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه - وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة - فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه سعيد فقال له: يا سارق يا خائن، تصلي هذه الصلاة، لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك. فلم يرد عليه ثم مضى الحجاج إلى الحج، ثم رجع فعاد إلى الشام، ثم جاء نائبا على الحجاز. فلما قتل ابن الزبير كر راجعا إلى المدينة نائبا عليها، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيب، فقصده الحجاج فخشي الناس على سعيد منه، فجاء حتى جلس بين يديه فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال: نعم! قال: فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرا، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك. ثم قام ومضى. وروى الرياشي عن الأصمعي وأبي زيد عن معاذ بن العلاء - أخي أبي عمرو بن العلاء - قال: لما قتل الحجاج ابن الزبير ارتجت مكة بالبكاء، فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه: يا أهل مكة! بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله، ولو كان شئ مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الله، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة، اذكروا الله يذكركم. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، ثنا عون، عن أبي الصديق الناجي: أن الحجاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت،

стр. 3346

وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل. فقالت: كذبت، كان برا بوالديه، صواما قواما، والله لقد أخبرنا رسول الله ﷺ " أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير) (١). ورواه أبو يعلى عن وهب بن بقية، عن خالد، عن عون، عن أبي الصديق. قال: بلغني أن الحجاج دخل على أسماء فذكر مثله. وقال أبو يعلى: ثنا زهير: ثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن قيس بن الأحنف، عن أسماء بنت أبي بكر. قالت: سمعت رسول الله نهى عن المثلة. وسمعته يقول: " يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير ". قالت فقلت للحجاج: أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو يا حجاج. وقال عبيد بن حميد: أنبأ يزيد بن هارون أنبأ العوام بن حوشب حدثني من سمع أسماء بنت أبي بكر الصديق تقول للحجاج حين دخل عليها يعزيها في ابنها: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: " يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب ". فأما الكذاب فابن أبي عبيد - تعني المختار - وأما المبير فأنت. وتقدم في صحيح مسلم من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله، وقد رواه غير أسماء عن النبي ﷺ فقال أبو يعلى: ثنا أحمد بن عمر الوكيعي ثنا وكيع حدثتنا أم عراب عن امرأة يقال لها عقيلة عن سلامة بنت الحر قالت قال رسول الله ﷺ : " في ثقيف كذاب ومبير ". تفرد به أبو يعلى. وقد روى الإمام أحمد: عن وكيع عن أم عراب - واسمها طلحة - عن عقيلة عن سلامة حديثا آخر في الصلاة، وأخرجه أبو داود وابن ماجة، وروى من حديث ابن عمر فقال أبو يعلى: ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن ربيع، ثنا إسرائيل ثنا عبد الله بن عصمة قال: سمعت ابن عمر " أنبأنا رسول الله ﷺ أن في ثقيف مبيرا وكذابا " وأخرجه الترمذي من حديث شريك عن عبد الله بن عاصم ويقال عصمة. وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. وقال الشافعي: ثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن نافع: أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير ووالحجاج بمنى، فكان يصلي مع الحجاج. وقال الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه دخل على الحجاج فلم يسلم عليه ولم يكن يصلي وراءه. وقال إسحاق بن راهويه: أنبأ جرير عن القعقاع بن الصلت قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير غير كتاب الله، فقال ابن عمر: ما سلطه الله على ذلك، ولا أنت معه ولو شئت أقول: كذبت لفعلت. وروى عن شهر بن حوشب وغيره أن الحجاج أطال الخطبة فجعل ابن عمر يقول: الصلاة الصلاة مرارا، ثم قال فأقام الصلاة فقام الناس، فصلى الحجاج بالناس، فلما انصرف قال لابن عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنما نجئ للصلاة فصل الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه. وقال الأصمعي: سمعت عمي يقول: بلغني أن الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم المدينة لقي شيخا خارجا من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة، فقال: بشر حال، قتل ابن حواري رسول الله ﷺ ، فقال الحجاج: ومن قتله؟ فقال: الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله

стр. 3347

وتهلكته، من قليل المراقبة لله. فغضب الحجاج غضبا شديدا ثم قال: أيها الشيخ! أتعرف الحجاج إذا رأيته؟ قال: نعم! فلا عرفه الله خيرا ولا وقاه ضرا. فكشف الحجاج عن لثامه وقال: ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة. فلما تحقق الشيخ الجد قال: والله إن هذا لهو العجب يا حجاج، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة، أنا العباس بن أبي داود، أصرع كل يوم خمس مرات، فقال الحجاج: انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا حماد بن سلمة، عن ابن أبي رافع، عن عبد الله بن جعفر (١)، قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك: أتمكنه من ذلك؟ فقال: وما بأس من ذلك. قال: أشد الناس والله، قال: كيف؟ قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت (٢) رملة بنت الزبير، قال: وكأنه كان نائما فأيقظه، فكتب إلى الحجاج يعزم عليه بطلاقها فطلقها. وقال سعيد بن أبي عروبة: حج الحجاج مرة فمر بين مكة والمدينة فأتي بغدائه فقال لحاجبه: انظر ما يأكل معي، فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله وقال: أجب الأمير، فقام فلما دخل على الحجاج قال له: اغسل يديك ثم تغد معي، فقال: إنه

стр. 3348

دعاني من هو خير منك، قال: ومن؟ قال الله دعاني إلى الصوم فأجبته، قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حرا منه، قال: فأفطر وصم غدا، قال: إن ضمنت لي البقاء لغد. قال: ليس ذلك لي، قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: إن طعامنا طعام طيب، قال: لم تطيبه أنت ولا الطباخ، إنما طيبته العافية. فصل قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة، وتهديده ووعيده إياهم، وأنهم خافوه مخافة شديدة، وأنه قتل عمير بن ضابئ، وكذلك قتل كميل بن زياد صبرا، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا، ثم تسلط على من كان معه من الرؤساء والامراء والعباد والقراء، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير. قال القاضي المعافى زكريا: ثنا أحمد بن محمد بن سعد الكلبي، ثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا محمد - يعني ابن عبد الله بن عباس - عن عطاء - يعني ابن مصعب - عن عاصم قال: خطب الحجاج أهل العراق بعد دير الجماجم، فقال: يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والمسامع، والأطراف (١)، ثم أفضى إلى الاسماخ (٢) والامخاخ، والأشباح والأرواح، ثم ارتع فعشش، ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج، فحشاكم نفاقا وشقاقا، وأشعركم خلافا، اتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤتمنا تشاورونه وتستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان (٣)؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر واجتمعتم على الغدر، واتفقتم على الكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا والله أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا، وتنهزمون سراعا. ويوم الزاوية وما يوم الزاوية، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، ونختعكم (٤) الرماح. ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم، بها كانت المعارك والملاحم: بضرب يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله يا أهل العراق يا أهل الكفران بعد الفجران، والغدران بعد الخذلان (٥)، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا

стр. 3349

تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفا، ما استخفكم ناكث، ولا استغواكم غاو، ولا استنقذكم عاص، ولا استنصركم ظالم، ولا استعضدكم خالع، إلا لبيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافا وثقالا، وفرسانا ورجالا. يا أهل العراق هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ألم يشدد الله عليكم وطأته، ويذقكم حر سيفه، وأليم بأسه ومثلاته؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها القذر (١)، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذباب. يا أهل الشام! أنتم (٢) الجنة والبرد، وأنتم الملاءة والجلد، أنتم الأولياء والأنصار، والشعار والدثار، بكم يذب عن البيضة والحوذة، وبكم ترمى كتائب الأعداء ويهزم من عاند وتولى. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين، حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي: سمعت شيخا من قريش يكنى أبا بكر التيمي قال: كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لسنا - إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها وشربوا أنهارها وهتكوها بالمساحي والمرور، ثم أدال الله الأرض منهم فردهم إليها فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دماءهم كما شربوا أنهارها، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور. ومما رواه غير واحد عن الحجاج أنه قال في خطبته في المواعظ: الرجل وكلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وكفها بزمامها عن معاصي الله، رحم الله امرءا رد نفسه، امرءا اتهم نفسه، امرءا اتخذ نفسه عدوة امرءا حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرءا نظر إلى ميزانه، امرءا نظر إلى حسابه، امرءا وزن عمله، امرءا فكر فيما يقرأ غدا في صحيفته ويراه في ميزانه، وكان عند قلبه زاجرا، وعند همه آمرا، امرءا أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فان قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كف، امرءا عقل عن الله أمره، امرءا فاق واستفاق، وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق. فما زال يقول امرءا امرءا، حتى بكى مالك بن دينار (٣). وقال المدائني: عن عوانة بن الحكم قال: قال الشعبي: سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول: أما بعد فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء ولا بقاء لما كتب عليه الفناء. فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الامل بقصر الاجل (٤). وقال المدائني عن أبي عبد الله الثقفي، عن عمه قال: سمعت

стр. 3350

الحسن البصري يقول: وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرءا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة. وقال شريك القاضي عن عبد الملك بن عمير، قال، قال الحجاج يوما: من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال: أعطني فإني قتلت الحسين، فقال: وكيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرا، وهبرته بالسيف هبرا، وما أشركت معي في قتله أحدا. فقال: اذهب فوالله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد، ولم يعطه شيئا. وقال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان ومنعت العطاء وقد هدمت داري، فقال الحجاج، أما سمعت قول الشاعر: حنانيك من تجنى عليك وقد … تعدى الصحاح مبارك الجرب ولرب مأخوذ بذنب قريبه … ونجا المقارف صاحب الذنب؟ فقال الرجل: أيها الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا، وقول الله أصدق من هذا، قال: وما قال؟ قال (قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين، قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) [يوسف: ٧٨ - ٧٩] قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره، واعطه عطاءه، ومر مناديا ينادي: صدق الله وكذب الشاعر. وقال الهيثم بن عدي عن ابن عباس: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إلي برأس أسلم بن عبد البكري، لما بلغني عنه، فأحضره الحجاج فقال: أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب، وقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [الحجرات: ٦] وما بلغه باطل، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهن بالباب، فأمر الحجاج باحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول: أنا خالته، وهذه أنا عمته، وهذه أنا أخته، وهذه أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة، فقال لها الحجاج: من أنت؟ فقالت: أنا ابنته، ثم قالت: أصلح الله الأمير، وجثت على ركبتيها وقالت: - أحجاج لم تشهد مقام بناته … وعماته يندبنه الليل أجمعا أحجاج كم تقتل به إن قتلته … ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا أحجاج من هذا يقوم مقامه … علينا فمهلا إن تزدنا تضعضعا أحجاج إما أن تجود بنعمة … علينا وإما أن تقتلنا معا قال: فبكى الحجاج وقال: والله لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرجل، وبما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره باطلاقه وحسن صلته وبالاحسان إلى هذه الجارية وتفقدها في كل وقت. وقيل إن الحجاج خطب يوما فقال: أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. فقام إليه رجل فقال له:

стр. 3351

ويحك يا حجاج ما أصفق وجهك وأقل حياءك، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام؟ خبث وضل سعيك، فقال للحرس خذوه، فلما فرغ من خطبته قال له: ما الذي جرأك علي؟ فقال: ويحك يا حجاج، أنت تجترئ على الله ولا اجترئ أنا عليك، ومن أنت حتى لا أجترئ عليك وأنت تجترئ على الله رب العالمين، فقال: خلوا سبيله، فأطلق. وقال المدائني: أتي الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن الأشعث فأمر بقتلهما، فقال أحدهما: إن لي عندك يدا، قال: وما هي؟ قال: ذكر ابن الأشعث يوما أمك فرددت عليه، فقال: ومن يشهد لك؟ قال: صاحبي هذا! فسأله فقال: نعم! فقال: ما منعك أن تفعل كما فعل؟ قال: بغضك، قال أطلقوا هذا لصدقه، وهذا لفعله. فأطلقوهما. وذكر محمد بن زياد عن ابن الأعرابي فيما بلغه أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك وكان فاتكا بأرض اليمامة، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره وبعث به إلى الحجاج، فقال له الحجاج: ما حملك على ما كنت تصنعه؟ فقال: جراءة الجنان، وجفاء السلطان، وكلب الزمان، ولو اختبرني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وشهم الفرسان، ولوجدني من أصلح رعيته، ذلك أني ما لقيت فارسا قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدرا، فقال له الحجاج: إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر فإن قتلك كفافا مؤونتك، وإن قتلته خلينا سبيلك. ثم أودعه السجن مقيدا مغلولة يده اليمنى إلى عنقه، وكتب الحجاج إلى نائبه بكسكر أن يبعث بأسد عظيم ضار، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعارا يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو ويقول في بعضها: أليس الليل يجمع أم عمرو … وإيانا فذاك بنا تداني بلى وترى الهلال كما نراه … ويعلوها النهار إذا علاني إذا جاوزتما نخلات نجد … وأودية اليمامة فانعياني وقولا حجدر أمسى رهينا … يحاذر وقع مصقول يماني فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوع ثلاثة أيام، ثم أبرز إلى حائر - وهو البستان - وأمر بجحدر فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها، وأعطي سيفا في يده اليسرى وخلى بينه وبين الأسد وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة، وأقبل جحدر نحو الأسد وهو يقول: ليث وليث في مجال ضنك … كلاهما ذو أنف ومحك وشدة في نفسه وفتك … إن يكشف الله قناع الشك • فهو أحق منزل بترك * فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة وتمطى وأقبل نحوه فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد على جحدر وثبة شديدة فتلقاه جحدر بالسيف فضربه ضربة خالط ذباب السيف لهواته، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، من شدة الضربة، وسقط جحدر من شدة وثبة الأسد

стр. 3352

وشدة موضع القيود عليه، فكبر الحجاج وكبر أصحابه وأشار جحدر يقول: يا جمل إنك لو رأيت كريهتي … في يوم هول مسدف وعجاج وتقدمي لليث أرسف موثقا … كيما أساوره على الاخراج شثن براثنه؟ كأن نيوبه … زرق المعاول أو شباة زجاج يسمو بناظرتين تحسب فيهما … لهبا أحدهما شعاع سراج وكأنما خيطت عليه عباءة … برقاء أو خرقا من الديباج لعلمت أني ذو حفاظ ماجد … من نسل أقوام ذوي أبراج فعند ذلك خيره الحجاج إن شاء أقام عنده، وإن شاء انطلق إلى بلاده، فاختار المقام عند الحجاج، فأحسن جائزته وأعطاه أموالا. وأنكر يوما أن يكون الحسين من ذرية رسول الله ﷺ لأنه ابن بنته، فقال له يحيى بن يعمر: كذبت! فقال الحجاج: لتأتيني على ما قلت بينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك، فقال قال الله (ومن ذريته داود وسليمان) [الانعام: ٨٤] إلى قوله (وزكريا ويحيى وعيسى) [الانعام: ٨٥] فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ . فقال الحجاج: صدقت، ونفاه إلى خراسان. وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه، وكان يقرأ [قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم] إلى قوله [أحب إليكم] فيقرأها برفع أحب. وقال الأصمعي وغيره: كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فقال للرسول: أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده؟ قال: نعم! فكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غدا فأمل. وقال ابن دريد عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عبيدة معمر بن المثنى. قال: لما قتل الحجاج ابن الأشعث وصفت له العراق، وسع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع وتنفق في الأسبوع مالا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشدا: عليك بتقوى الله في الامر كله … وكن يا عبيد الله تخشى وتضرع ووفر خراج المسلمين وفيأهم … وكن لهم حصنا تجير وتمنع فكتب إليه الحجاج: لعمري لقد جاء الرسول بكتبكم … قراطيس تملأ ثم تطوى فتطبع كتاب أتاني فيه لين وغلظة … وذكرت والذكرى لذي اللب تنفع وكانت أمور تعتريني كثيرة … فأرضخ أو اعتل حينا فأمنع إذا كنت سوطا من عذاب عليهم … ولم يك عندي بالمنافع مطمع

стр. 3353

أيرضي بذاك الناس أو يسخطونه … أم احمد فيهم أم ألام فأقذع وكان بلاد جئتها حين جئتها … بها كل نيران العداوة تلمع فقاسيت منها ما علمت ولم أزل … أصارع حتى كدت بالموت أصرع وكم أرجفوا من رجفة قد سمعتها … ولو كان غيري طار مما يروع وكنت إذا هموا بإحدى نهاتهم … حسرت لهم رأسي ولا أتقنع فلو لم يذد عني صناديد منهم … تقسم أعضائي ذئاب وأضبع قال: فكتب إليه عبد الملك: أن أعمل برأيك. وقال الثوري عن محمد بن المستورد الجمحي قال: أتي الحجاج بسارق فقال له: لقد كنت غنيا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضوا من أعضائك، فقال الرجل: إذا قل ذات اليد سخت النفس بالمتالف. قال: صدقت والله لو كان حسن اعتذار يبطل حدا لكنت له موضعا. يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يده. وقال أبو بكر بن مجاهد عن محمد بن الجهم عن الفراء قال: تغدى الحجاج يوما مع الوليد بن عبد الملك فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ (١) فقال: يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) [هود: ٨٨] وقال عمر بن شبة عن أشياخه قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، وسفك الدماء، ويقول: إنما المال مال الله ونحن خزانه، وسيان منع حق أو إعطاء باطل (٢). وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات: - إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها … وتطلب (٣) رضائي في الذي أنا طالبه وتخشى الذي يخشاه مثلك هاربا … إلى الله منه ضيع الدر حالبه (٤) فان تر مني غفلة قرشية (٥) … فيا ربما قد غص بالماء شاربه وإن تر مني وثبة أموية … فهذا وهذا كله أنا صاحبه

стр. 3354

فلا تعد ما يأتيك مني فان تعد … تقم فاعلمن يوما عليك نوادبه (١) فلما قرأه الحجاج كتب: أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في الأموال، والدماء، فوالله ما بالغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضيت حق أهل الطاعة، فإن كان ذلك سرفا فليحد لي أمير المؤمنين حدا أنتهي إليه ولا أتجاوزه (٢)، وكتب في أسفل الكتاب: إذا أنا لم أطلب رضاك وأتقي … أذاك فيومي لا توارث (٣) كواكبه إذا قارف الحجاج فيك خطيئة … فقامت عليه في الصباح نوادبه أسالم من سالمته من ذي هوادة … ومن لا تسالمه فإني محاربه إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه … وأقص الذي تسري إلي عقاربه فمن يتقي يومي ويرجو إذا عدى … على ما أرى والدهر جم عجائبه (٤) وعن الشافعي أنه قال: قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه: هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئا؟ فسأله كما أمره، فقال: والله ما أحب أن لي لبنان أو سبير ذهبا أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلاني الله من الطاعة، والله أعلم. فصل فيما روي عنه من الكلمات النافعة والجراءة البالغة قال أبو داود: ثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو بكر، عن عاصم قال: سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول: اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنوية، واسمعوا وأطعيوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالا، وما عذيري من عبد

стр. 3355

هذيل يزعم أن قرآنه من عند الله، والله ما هي إلا أرجز من رجز الاعراب ما أنزلها الله على نبيه ﷺ ، وعذيري من هذه الحمراء، يزعم أحدهم يرمي بالحجر فيقول لي إن تقع الحجر حدث أمر، فوالله لأدعنهم كالأمس الدابر. قال: فذكرته للأعمش فقال: وأنا والله سمعته منه. ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة عن محمد بن يزيد، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش أنهما سمعا الحجاج فبحه الله يقول ذلك، وفيه والله ولو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلت لي دماؤكم، ولا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير. ورواه غير واحد عن أبي بكر بن عياش بنحوه، وفي بعض الروايات: والله لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه. وهذا من جراءة الحجاج قبحه الله، وإقدامه على الكلام السئ، والدماء الحرام. وإنما نقم على قراءة ابن مسعود ﵁ لكونه خالف القراءة على المصحف الامام الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه والله أعلم. وقال علي بن عبد الله بن مبشر، عن عباس الدوري، عن مسلم بن إبراهيم: ثنا الصلت بن دينار سمعت الحجاج على منبر واسط يقول: عبد الله بن مسعود رأس المنافقين، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه. قال وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية (هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) [ص: ٣٥] قال: والله ان كان سليمان لحسودا. وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر: قبحه الله وأخزاه، وأبعده وأقصاه. قال أبو نعيم: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة. قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني جئتك من عند رجل يملي المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمر وغضب وقال: ويحك، انظر ما تقول. قال: ما جئتك إلا بالحق، قال: من هو؟ قال عبد الله بن مسعود. قال: ما أعلم أحدا أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك. " إنا سهرنا ليلة في بيت عند أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي ﷺ ثم خرجنا ورسول الله ﷺ يمشي بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ فقام النبي ﷺ يستمع إليه، فقلت: يا رسول الله اعتمت، فغمزني بيده - يعني اسكت - قال: فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي ﷺ : سل نفطه ثم قال: من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد، فعلمت أنا وصاحبي أنه عبد الله بن مسعود، فلما أصبحت غدوت إليه لا بشره فقال: سبقك بها أبو بكر، وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه " وهذا الحديث قد روي من طرق، فرواه حبيب بن حسان عن زيد بن وهب عن عمر مثله، ورواه شعبة وزهير وخديج عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله، ورواه عاصم عن عبد الله، ورواه الثوري وزائدة عن الأعمش نحوه. وقال أبو داود: حدثنا عمر بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن حمير بن مالك قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: " أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لصبي مع الصبيان، فأنا لا أدع ما أخذت من في رسول الله

стр. 3356

ﷺ ، وقد رواه الثوري وإسرافيل، عن أبي إسحاق به. وفي رواية ذكرها الطبراني عنه قال: " لقد تلقيت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت، وله ذؤابة يلعب مع الغلمان ". وقد روى أبو داود عنه وذكر قصة رعيه الغنم لعقبة بن أبي معيط، وأنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : " إنك غلام معلم، قال: فأخذت من فيه سبعين سورة من ينازعني فيها أحد ". ورواه أبو أيوب الإفريقي وأبو عوانة عن عاصم عن زر عنه نحوه. وقال له النبي ﷺ : " إذنك أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك ". وقد روي هذا عنه من طرق. وروى الطبراني: عن عبد الله بن شداد بن الهاد: أن عبد الله كان صاحب الوساد والسواد والسواك والنعلين. وروى غيره عن علقمة قال: قدمت الشام فجلست إلى أبي الدرداء فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: أليس فيكم صاحب الوساد والسواك؟ وقال الحارث بن أبي أسامة: حدثنا عبد العزيز بن أبان حدثنا قطر بن خليفة حدثنا أبو وائل قال سمعت حذيفة يقول وابن مسعود قائم: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ ، من أقربهم وسيلة يوم القيامة. وقد روي هذا عن حذيفة من طرق، فرواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي وائل عن حذيفة ورواه عن أبي وائل فاضل الأحدب وجامع بن أبي راشد، وعبيدة، وأبو سنان الشيباني، وحكيم بن جبير، ورواه عبد الرحمن بن يزيد عن حذيفة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: قلنا لحذيفة أخبرنا برجل قريب الهدى والسمت من رسول الله ﷺ حتى نلزمه، فقال: ما أعلم أحدا أقرب هديا وسمتا من رسول الله ﷺ حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب النبي ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة. قلت: فهذا حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ ، وهذا قوله في عبد الله بن مسعود ﵁. فكذب الحجاج وفجر، ولقم النار والحجر فيما يقوله فيه، وفي رميه له بالنفاق، وفي قوله عن قراءته: إنها شعر من شعر هذيل، وإنه لا بد أن يحكها من المصحف ولو بضلع خنزير، وأنه لو أدركه لضرب عنقه، فحصل على إثم ذلك كله بنيته الخبيثة. وقال عفان: حدثنا حماد: حدثنا عاصم، عن زر عن عبد الله قال: كنت أجتني لرسول الله ﷺ سواكا من أراك، فكانت الريح تكفوه، وكان في ساقة دقة، فضحك القوم، فقال النبي ﷺ : " ما يضحككم؟ قالوا: من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد ". ورواه جرير وعلي بن عاصم عن مغيرة عن أم موسى عن علي بن أبي طالب، وروى سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " تمسكوا بعهد عبد الله بن أم مسعود " ورواه الترمذي والطبراني. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق. قال: سمعت أبا الأحوص قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين توفي ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله. قال: إن قلت ذاك إنه كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا. وقال الأعمش:

стр. 3357

يعني عبد الله بن مسعود. وقال أبو معاوية: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب. قال: أقبل عبد الله بن مسعود ذات يوم وعمر جالس فقال: كيف ملئ فقها. وقال عمر بن حفص: حدثنا عاصم بن علي حدثنا المسعودي، عن أبي حصين، عن أبي عطية أن أبا موسى الأشعري قال: لا تسألونا عن شئ ما دام هذا الحبر بين أظهرنا من أصحاب محمد ﷺ - يعني ابن مسعود - وروى جرير عن الأعمش عن عمرو بن عروة، عن أبي البختري قال: قالوا لعلي: حدثنا عن أصحاب محمد ﷺ ، قال: عن أيهم؟ قالوا: حدثنا عن ابن مسعود. قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علما. وفي رواية عن علي قال: علم القرآن ثم وقف عنده وكفى به. فهداتنا والصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتباع وأصدق أقوالا من أصحاب الأهواء الحائدين عن الحق، بل أقوال الحجاج وغيره من أهل الأهواء: هذيانات وكذب وافتراء وبعضها كفر وزندقة، فإن الحجاج كان عثمانيا أمويا، يميل إليهم ميلا عظيما. ويرى أن خلافهم كفر. ويستحل بذلك الدماء ولا تأخذه في ذلك لومة لائم. من الطامات أيضا ما رواه أبو داود: ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ثنا جرير. وحدثنا زهير بن حرب، ثنا جرير، عن المغيرة، عن بزيع بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله علي أن لا أصلي خلفك صلاة أبدا، وإن وجدت قوما يجاهدونك لأجاهدنك معهم. زاد إسحاق فقاتل في الجماجم حتى قتل. فإن صح هذا عنه فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بني أمية أفضل من الرسول. وقال الأصمعي: ثنا أبو عاصم النبيل ثنا أبو حفص الثقفي قال: خطب الحجاج يوما فأقبل عن يمينه فقال: ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال: إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال: ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مرارا، ثم قال: كافر يا أهل العراق باللات والعزى. وقال حنبل بن إسحاق: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا ابن شوذب عن مالك بن دينار قال: بينما الحجاج يخطبنا يوما إذ قال: الحجاج كافر، قلنا: ماله؟ أي شئ يريد؟ قال: الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء. وقال الأصمعي قال عبد الملك يوما للحجاج: ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه. فصف عيب نفسك، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فأبى، فقال: أنا لجوج حقود حسود، فقال عبد الملك: ما في الشيطان شر مما ذكرت، وفي رواية أنه قال: إذا بينك وبين إبليس نسب. وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب والخروج على الأئمة، وخذلانهم لهم، وعصيانهم، ومخالفتهم، والافتيات عليهم، قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح، عن شريح بن عبيد عمن حدثه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها، حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله سبحان الله، فلما سلم أقبل على الناس

стр. 3358

فقال: من ههنا من أهل الشام؟ فقام رجل ثم قام آخر ثم قمت أنا ثالثا أو رابعا، فقال: يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم (١). وقد رويناه في كتاب مسند عمر بن الخطاب من طريق أبي عذبة الحمصي عن عمر مثله. وقال عبد الرزاق: ثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار، عن الحسن قال علي بن أبي طالب: اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيها بحكم الجاهلية. قال يقول الحسن: وما خلق الحجاج يومئذ (٢). ورواه معتمر بن سليمان عن أبيه عن أيوب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن علي أنه قال: الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته. وقال الحافظ البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي: ثنا سعيد بن مسعود، ثنا يزيد بن هارون أنبأ العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت. قال قال علي لرجل: لامت حتى تدرك فتى ثقيف، قال: وما فتى ثقيف؟ قال: ليقالن له يوم القيامة: أكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة، أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة، وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه (٣). وقال الطبراني: حدثنا القاسم بن زكريا ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي، ثنا علي بن مسهر، عن الأجلح عن الشعبي، عن أم حكيم بنت عمر بن سنان الجدلية قالت: استأذن الأشعث بن قيس على علي فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج علي فقال: مالك وله يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لاقشعرت شعيرات استك، قيل له: يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلا، قيل كم يملك؟ قال عشرين إن بلغ. وقال البيهقي أنبأنا الحاكم: أنبأ الحسن (٤) بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو حاتم الرازي، ثنا عبد الله بن يوسف التنيسي، ثنا ابن يحيى الغاني (٥) قال قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم. وقال أبو بكر بن عياش: عن عاصم بن أبي

стр. 3359

النجود أنه قال: ما بقيت لله حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج. وقد تقدم الحديث " إن في ثقيف كذابا ومبيرا " وكان المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرفض أولا ويبطن الكفر المحض، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا، وقد كان ناصبيا يبغض عليا وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جبارا عنيدا، مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة. وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا. فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدا لوجوه، وربما حرفوا عليه بعض الكلم. وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات. وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شئ من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعا في سفك الدماء فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها، وخفيات الصدور وضمائرها: قلت: الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله ، وقد كان حريصا على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيرا، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلاثمائة درهم. والله أعلم. وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طرار البغدادي: ثنا محمد بن القاسم الأنباري، ثنا أبي، ثنا أحمد بن عبيد، ثنا هشام أبو محمد بن السائب الكلبي، ثنا عوانة بن الحكم الكلبي. قال: دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له إيه إيه يا أنيس، يوم لك مع علي، ويوم لك مع ابن الزبير، ويوم لك مع ابن الأشعث، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشاة. ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة (١). فقال أنس: إياي يعني الأمير أصلحه الله؟ قال: إياك أعني صك الله سمعك. قال أنس: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت. ولا أي ميتة مت، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبا، وشفق عجبا، وتعاظم ذلك من الحجاج، وكان كتاب أنس إلى عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد: فان الحجاج قال لي هجرا، وأسمعني نكرا، ولم أكن لذلك أهلا، فخذ لي على يديه، فإني أمت بخدمتي رسول الله ﷺ وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مصادقا للحجاج فقال له: دونك كتابي هذين فخذهما

стр. 3360

واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله ﷺ فارفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام، وقل له: يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابا إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك: بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك، فإن عاد لمثلها اكتب إلي بذلك أنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتي. والسلام. فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال: جزى الله أمير المؤمنين عني خيرا، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة، فهذا كان ظني به والرجاء منه. فقال إسماعيل بن عبيد الله لانس: يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنى، ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، فقاربه وداره تعش معه بخير وسلام. فقال أنس: أفعل إن شاء الله. ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فقال الحجاج: مرحبا برجل أحبه وكنت أحب لقاه، فقال إسماعيل: أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به، فتغير لون الحجاج وخاف وقال: ما أتيتني به؟ قال: فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضبا عليك، ومنك بعدا، قال: فاستوى الحجاج جالسا مرعوبا، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أخرى، فلما فضه قال: قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه، فقال له إسماعيل: لا تعجل! فقال: كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة؟ وكان في الطومار. بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت داهية إدا، وأردت أن تبدو لي فإن سوغتكها مضيت قدما، وإن لم أسوغها رجعت القهقرى، فلعنك الله من عبد أخفش العينين، منقوص (١) الجاعرتين. أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الآبار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا بن المستفرية (٢) بعجم الزبيب، والله لأغمرنك غمر الليث الثعلب، والصقر الأرنب. وثبت على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بين أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب ، واستخفافا منك بالعهد، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلا خدم عزير بن عزرى، وعيسى بن مريم، لعظمته وشرفته وأكرمته وأحبته، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ثماني سنين (٣)، يطلعه على سره، ويشاوره في

стр. 3361

أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك مني سهم بكل حتف قاض، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون وقد تكلم ابن طرار على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة والله أعلم. وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن الزبير - يعني ابن عدي - قال: أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم ، سمعته من نبيكم ﷺ (١) وهذا رواه البخاري عن محمد بن يوسف، عن سفيان وهو الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس قال: " لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه " الحديث. قلت: ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول: كل عام ترذلون. وهذا اللفظ لا أصل له، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، والله أعلم. قلت: قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعا وموقوفا: كل يوم ترذلون. ورأيت للإمام أحمد كلاما قال فيه: وروي في الحديث كل يوم ترذلون نسما خبيثا. فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعا، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل، وقد روي عن الحسن مثل ذلك، والله أعلم. فدل على أن له أصلا إما مرفوعا وإما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، وهو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، ولا سيما من بعد فتنة تمرلنك، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شئ، وهذا ظاهر لمن تأمله، والله أعلم. وقد قال سفيان الثوري: عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي. قال: يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج. وقال أبو نعيم عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر. قال: قال الشعبي: والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج. وقال الأصمعي: قيل للحسن: إنك تقول: الآخر شر من الأول، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج. فقال الحسن: لا بد للناس من تنفيسات. وقال ميمون بن مهران: بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به، فلما قام بين يديه قال: يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير، قال: فأين هم؟ قال: ماتوا قال: فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن. وقال أيوب السختياني: إن الحجاج أراد قتل الحسن مرارا فعصمه الله منه، وقد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك، وإنما خرج معهم مكرها كما قدمنا، وكان الحسن يقول: إنما هو نقمة فلا تقابل نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع. وقال ابن دريد عن الحسن بن الخضر

стр. 3362

عن ابن عائشة، قال: أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج فقيل له: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرا، قال فعثمان؟ فأثنى خيرا، قيل له: فما تقول في علي؟ فأثنى خيرا، فذكر له الخلفاء واحدا بعد واحد، فيثني على كل بما يناسبه، حتى قيل له: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه؟ وقال الأصمعي عن علي بن مسلم الباهلي قال: أتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاما، فقال لها بعض الشرط: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت: إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت. وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة. وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا أبو ظفر، ثنا جعفر بن سليمان، عن بسطام بن مسلم، عن قتادة قال قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحجاج؟ قال: إني والله ما خرجت عليه حتى كفر، ويقال إنه لم يقتل بعده إلا رجلا واحدا اسمه ماهان، وكان قد قتل قبله خلقا كثيرا، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث. وقال أبو عيسى الترمذي: ثنا أبو داود سليمان بن مسلم البلخي، ثنا النضر بن شميل، عن هشام بن حسان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا. قال الأصمعي: ثنا أبو صم، عن عباد بن كثير، عن قحدم قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدا وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل إنه لبث في سجنه ثمانون ألفا منهم ثلاثون ألف امرأة وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق فأنشأ يقول: إذا نحن جاوزنا مدينة واسط … خرينا وصلينا بغير حساب (١) وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر، قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي: ثنا سليمان بن أبي سنح، ثنا صالح بن سليمان قال قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخس به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إلي عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدى إلى ما أدي إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف. وقال أبو بكر بن المقري: ثنا أبو عروبة ثنا عمرو بن عثمان، ثنا أبي: سمعت جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: بلغني أنك تستن بسنن الحجاج فلا تستن بسننه، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ

стр. 3363

الزكاة من غير حقها وكان لما سوى ذلك أضيع. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا سعيد بن أسد، ثنا ضمرة، عن الريان بن مسلم. قال: بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه: أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شر بيت في العمل، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا، وعليك السلام. وإنما نفاهم. وقال الأوزاعي: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: كان الحجاج ينقض عرى الاسلام، وذكر حكاية. وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم: لم يبق لله حرمة إلا ارتكبها الحجاج بن يوسف، وقال يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش: اختلفوا في الحجاج فسألوا مجاهدا فقال: تسألون عن الشيخ الكافر. وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم. كذا قال والله أعلم. وقال الثوري عن معمر، عن ابن طاووس عن أبيه قال: عجبا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنا؟! وقال الثوري عن ابن عوف: سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج أتشهد أنه من أهل النار؟ قال أتأمروني أن أشهد على (١) الله العظيم، وقال الثوري عن منصور: سألت إبراهيم عن الحجاج أو بعض الجبابرة فقال: أليس الله يقول (ألا لعنة الله على الظالمين) [هود: ١٨] وبه قال إبراهيم وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج. وقال سلام بن أبي مطيع لأنا بالحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد، لان الحجاج قتل الناس على الدنيا، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضا، وقال الزبير: سببت الحجاج يوما عند أبي وائل فقال: لا تسبه لعله قال يوما اللهم ارحمني فيرحمه، إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت أرأيت. وقال عوف: ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين فقال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئا له، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه فقيل له ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم الله تعالى منه الحياء والايمان، وأن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وقال أبو قاسم البغوي: ثنا أبو سعيد، ثنا أبو أسامة قال: قال رجل لسفيان الثوري: أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم الخراساني أنهما في النار؟ قال: لا! إن أقرا بالتوحيد. وقال الرياشي: حدثنا عباس الأزرق عن السري بن يحيى قال: مر الحجاج في يوم جمعة فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ فقيل أهل السجون يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم احساوا فيها ولا تكلمون. قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة حتى قصمه الله قاصم كل جبار. وقال بعضهم: رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة. وقال الأصمعي: لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته: إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم (٢) فقالوا: مات الحجاج، ومات

стр. 3364

الحجاج فمه؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون (١) خلقه عليه إبليس، قال الله له (إنك من المنظرين) [الأعراف: ١٤] فأنظره إلى يوم الدين، ولقد دعا الله العبد الصالح فقال (هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) [ص: ٣٥] فأعطاه الله ذلك إلا البقاء (٢)، ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) [يوسف: ١٠١] فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني والله بكل حي منكم ميتا، وبكل رطب يابسا، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع (٣) طولا في ذراع عرضا، فأكلت لحمه، ومصت صديده، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون ما أقول، ثم نزل. وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسدت الحجاج عدو الله على شئ حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر. قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل. قال: وحدثني بعض أهل العلم قال قيل للحسن: إن الحجاج قال عند الموت كذا وكذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال فما عسى. وقال أبو العباس المري عن الرياشي عن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول: يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا … بأنني رجل من ساكني النار أيحلفون عن عمياء ويحهم … ما علمهم بعظيم العفو غفار قال فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله إن نجا لينجون بهما. وزاد بعضهم في ذلك: - إن الموالي إذا شابت عبيدهم … في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرما … قد شبت في الرق فأعتقني من النار وقال ابن أبي الدنيا: ثنا أحمد بن عبد الله التيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول: -

стр. 3365

اليوم يرحمنا من كان يبغضنا … واليوم يأمننا من كان يخشانا وروى عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاووس عن أبيه: أنه أخبر بموت الحجاج مرارا فلما تحقق وفاته قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الانعام: ٤٥] وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرا لله تعالى، وكان مختفيا فظهر، وقال اللهم أمته فأذهب عنا سنته. وقال حماد بن أبي سليمان: لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا سليمان بن أبي شيخ، ثنا صالح بن سليمان قال: قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحا، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، وقيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل في شوال من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمسا وخمسين سنة (١)، لان مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل بعدها بسنة، وقيل قبلها بسنة، مات بواسط وعفى قبره، وأجري عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق والله أعلم. وقال الأصمعي: ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم. وقال الواقدي: ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق: ثنا عمي قال: زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم ومصحفا وسيفا وسرجا ورحلا ومائة درع موقوفة، وقال شهاب بن خراش: حدثني عمي يزيد بن حوشب قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور فقال: حدثني بوصية الحجاج بن يوسف، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فقال: حدثني بها، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيى، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمائة درع حديد، ستمائة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمائة للترك. قال: فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائما على رأسه - فقال: هذه والله الشيعة لا شيعتكم. وقال الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانا، قال: ثم رأيته بعد الحول فقلت: يا أبا محمد ما صنع الله بك؟ فقال: يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول؟ وقال القاضي أبو يوسف: كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال. يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال: في أي زي رأيته؟ قال: في زي قبيح. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: ما أنت وذاك يا ماص بظر أمه! فقال هارون: صدق والله، أنت رأيت الحجاج حقا، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حيا وميتا. وقال حنبل بن إسحاق: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة بن أبي شوذب عن أشعث الخراز.
следующие страницы →