أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك مني سهم بكل حتف قاض، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون وقد تكلم ابن طرار على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن الزبير - يعني ابن عدي - قال: أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم ، سمعته من نبيكم ﷺ (١) وهذا رواه البخاري عن محمد بن يوسف، عن سفيان وهو الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس قال: " لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه " الحديث. قلت: ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول: كل عام ترذلون. وهذا اللفظ لا أصل له، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، والله أعلم.
قلت: قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعا وموقوفا: كل يوم ترذلون. ورأيت للإمام أحمد كلاما قال فيه: وروي في الحديث كل يوم ترذلون نسما خبيثا. فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعا، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل، وقد روي عن الحسن مثل ذلك، والله أعلم. فدل على أن له أصلا إما مرفوعا وإما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، وهو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، ولا سيما من بعد فتنة تمرلنك، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شئ، وهذا ظاهر لمن تأمله، والله أعلم.
وقد قال سفيان الثوري: عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي. قال: يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج. وقال أبو نعيم عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر. قال: قال الشعبي: والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج. وقال الأصمعي: قيل للحسن: إنك تقول: الآخر شر من الأول، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج. فقال الحسن: لا بد للناس من تنفيسات. وقال ميمون بن مهران: بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به، فلما قام بين يديه قال: يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير، قال: فأين هم؟ قال: ماتوا قال: فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن. وقال أيوب السختياني: إن الحجاج أراد قتل الحسن مرارا فعصمه الله منه، وقد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك، وإنما خرج معهم مكرها كما قدمنا، وكان الحسن يقول: إنما هو نقمة فلا تقابل نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع. وقال ابن دريد عن الحسن بن الخضر
стр. 3362
عن ابن عائشة، قال: أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج فقيل له: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرا، قال فعثمان؟ فأثنى خيرا، قيل له: فما تقول في علي؟ فأثنى خيرا، فذكر له الخلفاء واحدا بعد واحد، فيثني على كل بما يناسبه، حتى قيل له: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه؟
وقال الأصمعي عن علي بن مسلم الباهلي قال: أتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاما، فقال لها بعض الشرط: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت: إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت. وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة. وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا أبو ظفر، ثنا جعفر بن سليمان، عن بسطام بن مسلم، عن قتادة قال قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحجاج؟ قال: إني والله ما خرجت عليه حتى كفر، ويقال إنه لم يقتل بعده إلا رجلا واحدا اسمه ماهان، وكان قد قتل قبله خلقا كثيرا، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث. وقال أبو عيسى الترمذي: ثنا أبو داود سليمان بن مسلم البلخي، ثنا النضر بن شميل، عن هشام بن حسان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا. قال الأصمعي: ثنا أبو صم، عن عباد بن كثير، عن قحدم قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدا وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل إنه لبث في سجنه ثمانون ألفا منهم ثلاثون ألف امرأة وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق فأنشأ يقول:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط … خرينا وصلينا بغير حساب (١)
وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر، قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي: ثنا سليمان بن أبي سنح، ثنا صالح بن سليمان قال قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخس به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إلي عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدى إلى ما أدي إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف. وقال أبو بكر بن المقري: ثنا أبو عروبة ثنا عمرو بن عثمان، ثنا أبي: سمعت جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: بلغني أنك تستن بسنن الحجاج فلا تستن بسننه، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ
стр. 3363
الزكاة من غير حقها وكان لما سوى ذلك أضيع. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا سعيد بن أسد، ثنا ضمرة، عن الريان بن مسلم. قال: بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه: أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شر بيت في العمل، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا، وعليك السلام. وإنما نفاهم. وقال الأوزاعي: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: كان الحجاج ينقض عرى الاسلام، وذكر حكاية. وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم: لم يبق لله حرمة إلا ارتكبها الحجاج بن يوسف، وقال يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش: اختلفوا في الحجاج فسألوا مجاهدا فقال: تسألون عن الشيخ الكافر.
وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم. كذا قال والله أعلم. وقال الثوري عن معمر، عن ابن طاووس عن أبيه قال: عجبا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنا؟! وقال الثوري عن ابن عوف: سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج أتشهد أنه من أهل النار؟ قال أتأمروني أن أشهد على (١) الله العظيم، وقال الثوري عن منصور: سألت إبراهيم عن الحجاج أو بعض الجبابرة فقال: أليس الله يقول (ألا لعنة الله على الظالمين) [هود: ١٨] وبه قال إبراهيم وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج. وقال سلام بن أبي مطيع لأنا بالحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد، لان الحجاج قتل الناس على الدنيا، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضا، وقال الزبير: سببت الحجاج يوما عند أبي وائل فقال: لا تسبه لعله قال يوما اللهم ارحمني فيرحمه، إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت أرأيت. وقال عوف: ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين فقال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئا له، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه فقيل له ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم الله تعالى منه الحياء والايمان، وأن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور.
وقال أبو قاسم البغوي: ثنا أبو سعيد، ثنا أبو أسامة قال: قال رجل لسفيان الثوري: أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم الخراساني أنهما في النار؟ قال: لا! إن أقرا بالتوحيد. وقال الرياشي: حدثنا عباس الأزرق عن السري بن يحيى قال: مر الحجاج في يوم جمعة فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ فقيل أهل السجون يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم احساوا فيها ولا تكلمون. قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة حتى قصمه الله قاصم كل جبار. وقال بعضهم: رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة. وقال الأصمعي: لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته: إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم (٢) فقالوا: مات الحجاج، ومات
стр. 3364
الحجاج فمه؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون (١) خلقه عليه إبليس، قال الله له (إنك من المنظرين) [الأعراف: ١٤] فأنظره إلى يوم الدين، ولقد دعا الله العبد الصالح فقال (هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) [ص: ٣٥] فأعطاه الله ذلك إلا البقاء (٢)، ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) [يوسف: ١٠١] فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني والله بكل حي منكم ميتا، وبكل رطب يابسا، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع (٣) طولا في ذراع عرضا، فأكلت لحمه، ومصت صديده، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون ما أقول، ثم نزل.
وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسدت الحجاج عدو الله على شئ حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر. قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل. قال: وحدثني بعض أهل العلم قال قيل للحسن: إن الحجاج قال عند الموت كذا وكذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال فما عسى. وقال أبو العباس المري عن الرياشي عن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول:
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا … بأنني رجل من ساكني النار
أيحلفون عن عمياء ويحهم … ما علمهم بعظيم العفو غفار
قال فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله إن نجا لينجون بهما. وزاد بعضهم في ذلك: -
إن الموالي إذا شابت عبيدهم … في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرما … قد شبت في الرق فأعتقني من النار
وقال ابن أبي الدنيا: ثنا أحمد بن عبد الله التيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول: -
стр. 3365
اليوم يرحمنا من كان يبغضنا … واليوم يأمننا من كان يخشانا
وروى عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاووس عن أبيه: أنه أخبر بموت الحجاج مرارا فلما تحقق وفاته قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الانعام: ٤٥] وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرا لله تعالى، وكان مختفيا فظهر، وقال اللهم أمته فأذهب عنا سنته. وقال حماد بن أبي سليمان: لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا سليمان بن أبي شيخ، ثنا صالح بن سليمان قال: قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحا، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، وقيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل في شوال من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمسا وخمسين سنة (١)، لان مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل بعدها بسنة، وقيل قبلها بسنة، مات بواسط وعفى قبره، وأجري عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق والله أعلم.
وقال الأصمعي: ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم. وقال الواقدي: ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق: ثنا عمي قال: زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم ومصحفا وسيفا وسرجا ورحلا ومائة درع موقوفة، وقال شهاب بن خراش: حدثني عمي يزيد بن حوشب قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور فقال: حدثني بوصية الحجاج بن يوسف، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فقال: حدثني بها، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيى، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمائة درع حديد، ستمائة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمائة للترك. قال: فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائما على رأسه - فقال: هذه والله الشيعة لا شيعتكم. وقال الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانا، قال: ثم رأيته بعد الحول فقلت: يا أبا محمد ما صنع الله بك؟ فقال: يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول؟ وقال القاضي أبو يوسف: كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال. يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال: في أي زي رأيته؟ قال: في زي قبيح. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: ما أنت وذاك يا ماص بظر أمه! فقال هارون: صدق والله، أنت رأيت الحجاج حقا، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حيا وميتا. وقال حنبل بن إسحاق: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة بن أبي شوذب عن أشعث الخراز.
стр. 3366
قال: رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة فقلت: يا أبا محمد ما صنع بك ربك قال: ما قتلت أحدا قتلة إلا قتلني بها. قال ثم أمر بي إلى النار، قلت ثم مه، قال ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله. قال: وكان ابن سيرين يقول: إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال: أما والله ليخلفن الله رجاءه فيه. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: كان الحسن البصري لا يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال له: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج، قال: ما فعل الله بك؟ قال: قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه والله أعلم.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، أنبأ ابن المبارك، أنبأنا سفيان. قال: قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافدا ومعه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحجاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله ، فنظر إلهي الحجاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف.
وممن توفي فيها من الأعيان
إبراهيم بن يزيد النخعي قال: كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عرف ذلك فينا أياما، لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيره إلى الجنة أو إلى النار، وإنكم تتحدثون في جنائزكم بأحاديث دنياكم. وقال: لا يستقيم رأي إلا بروية، ولا روية إلا برأي. وقال: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك من فلاحه. وقال: إني لأرى الشئ مما يعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أبتلي به. وبكى عند موته فقيل له ما يبكيك؟ فقال: انتظار ملك الموت، ما أدرى يبشرني بجنة أو بنار.
الحسن بن محمد بن الحنفية
كنيته أبو محمد، كان المقدم على إخوته، وكان عالما فقيها عارفا بالاختلاف والفقه، قال أيوب السختياني وغيره: كان أول من تكلم في الارجاء، وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها. وقال غيرهم: كان يتوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا يتولاهم ولا يذمهم، فلما بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه وقال: ويحك ألا تتولى أباك عليا؟ وقال أبو عبيد: توفي سنة خمس وتسعين، وقال خليفة: توفي في أيام عمر بن عبد العزيز والله أعلم.
حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري
وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أخت عثمان بن عفان لامه، وكان حميد فقيها نبيلا عالما، له روايات كثيرة.
стр. 3367
مطرف بن عبد الله بن الشخير
تقدمت ترجمته، وهؤلاء كلهم لهم تراجم في كتاب التكميل. وفيها كان موت الحجاج بواسط ما تقدم ذلك مبسوطا مستقصى ولله الحمد. وفيها كان مقتل سعيد بن جبير في قول علي بن المدائني وجماعة، والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين كما ذكره ابن جرير وغير واحد والله أعلم.
ثم دخلت سنة ست وتسعين
وفيها فتح قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى كاشغر (١) من أرض الصين وبعث إلى ملك الصين رسلا (٢) يتهدده ويتوعده ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية منهم أو يدخلوا في الاسلام. فدخل الرسل على الملك الأعظم فيهم، وهو في مدينة عظيمة، يقال إن عليها تسعين بابا في سورها المحيط بها يقال لها خان بالق، من أعظم المدن وأكثرها ريعا ومعاملات وأموالا، حتى قيل إن بلاد الهند مع اتساعها كالشامة في ملك الصين لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم لكثرة أموالهم ومتاعهم، وغيرهم محتاج إليهم لما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج، لقهره وكثرة جنده وعدده. والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظيمة حصينة ذات أنهار وأسواق وحسن وبهاء، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة، بقدر مدينة كبيرة، فقال لهم ملك الصين: ما أنتم؟ - وكانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة - فقال الملك لترجمانه: قل لهم: ما أنتم وما تريدون؟ فقالوا: نحن رسل قتيبة بن مسلم، وهو يدعوك إلى الاسلام، فإن لم تفعل فالجزية، فإن لم تفعل فالحرب. فغضب الملك وأمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم: كيف تكونون في عبادة إلهكم؟ فصلوا الصلاة على عادتهم فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم، فقال: كيف تكونون في بيوتكم؟ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف، فلما كان من الغد أرسل إليهم فقال: كيف تدخلون على ملوككم؟ فلبسوا الوشي والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك، فقال لهم: ارجعوا فرجعوا، فقال الملك لأصحابه، كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا، هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، وهم أولئك. فلما كان اليوم الثالث: أرسل إليهم فقال لهم كيف تلقون عدوكم؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبيض وتقلدوا السيوف ونكبوا (٣) القسي وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا،
стр. 3368
فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمرين، فقيل لهم: ارجعوا - وذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم - فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا كهؤلاء قط. فلما أمسوا بعث إليهم الملك أن ابعثوا إلي زعيمكم وأفضلكم، فبعثوا إليه هبيرة، فقال له الملك حين دخل عليه: قد رأيتم عظم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني، وأنتم بمنزلة البيضة في كفي، وأنا سائلك عن أمر فإن تصدقني وإلا قتلتك، فقال: سل! فقال الملك: لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث؟ فقال: أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم، وأما ما فعلنا ثاني يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا. فقال الملك: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إلى صاحبكم - يعني قتيبة - وقولوا له ينصرف راجعا عن بلادي، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم. فقال له هبيرة: تقول لقتيبة هذا؟! فكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها، وغزاك في بلادك؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلا إذا حضر فأكرمها عندنا القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه. فقال الملك: فما الذي يرضي صاحبكم؟ فقال: قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك ويختم ملوكك ويجبي الجزية من بلادك، فقال أنا أبر يمينه وأخرجه منها، أرسل إليه بتراب من أرضي، وأربع غلمان من أبناء الملوك، وأرسل إليه ذهبا كثيرا وحريرا وثيابا صينية لا تقوم ولا يدرى قدرها، ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم اتفق الحال على أن بعث صحافا من ذهب متسعة فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم، وبعث بمال جزيل ليبر بيمين قتيبة، وقيل إنه بعث أربعمائة من أولاده وأولاد الملوك، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين (١)، فانكسرت همته لذلك، وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على ترك مبايعة سليمان بن عبد الملك، وأراد الدعوة إلى نفسه لما تحت يده من العساكر، ولما فتح من البلاد والأقاليم فلم يمكنه ذلك، ثم قتل في آخر هذه السنة رحمه الله تعالى، فإنه يقال إنه ما كسرت له راية، وكان من المجاهدين في سبيل الله، واجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة، وغزا العباس بن الوليد الروم، ففتح طولس والمرز بانين من بلاد الروم.
стр. 3369
وفيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بانيه (١) أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى وجزاه خيرا، وكان أصل موضع هذا الجامع قديما معبدا بنته اليونان الكلدا نيون الذين كانوا يعمرون دمشق (٢)، وهم الذين وضعوها وعمروها أولا، فهم أول من بناها، وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة، وهي القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في السماء الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة. وقد كانوا صوروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلا لكوكب من هذه الكواكب السبعة، وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصدا لذلك، فنصبوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل، وكان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة، وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها، وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين، وصرفوه أنهارا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وسلكوا الماء في أفناء أبنية الدور بدمشق، فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن، بل هي أحسنها، لما فيها من التصاريف العجيبة، وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم في جهة القطب، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وكانت محاريبهم إلى جهته، وكان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة، خلف المحراب اليوم، كما شاهدنا ذلك عيانا، ورأينا محاريبهم إلى جهة القطب، ورأينا الباب وهو باب حسن مبني بحجارة منقوشة، وعليه كتاب بخطهم، وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه، وكان غربي المعبد قصر منيف جدا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد، وشرقي المعبد قصر جيرون الملك، الذي كان ملكهم (٣)، وكان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديما منهم،
стр. 3370
ويقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك، ويحيط بهذه الدور والمعبد سور واحد عال منيف، بحجارة كبار منحوتة، وهن دار المطبق، ودار الخيل، ودار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية.
قال ابن عساكر فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل: إن اليونان مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق وهذه الأماكن ثماني عشرة سنة، وقد حفروا أساس الجدران حتى واتاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن هذا المعبد لا يخرب أبدا ولا تخلو منه العبادة، وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك والسلطنة. قلت: أما المعبد فلم يخل من العبادة. قال كعب الأحبار: لا يخلو منها حتى تقوم الساعة، وأما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية، ثم أحرقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة كما سنذكره، فبادت وصارت مساكن ضعفاء الناس وأراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا. والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مددا طويلة، تزيد على أربعة آلاف سنة، حتى أنه يقال إنه أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود ﵊، وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة، وقد ورد إبراهيم الخليل دمشق ونزل شمالها عند برزة (١)، وقاتل هناك قوما من أعدائه فظفر بهم، ونصره الله عليهم، وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة، فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة يأثرونه كابرا عن كابر وإلى زماننا والله أعلم.
وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان، وكانوا خلقا لا يحصيهم إلا الله، وهم خصماء الخليل، وقد ناظرهم الخليل في عبادتهم الأصنام والكواكب وغيرها في غير موضع، كما قررنا ذلك في التفسير، وفي قصة الخليل من كتابنا هذا " البداية والنهاية " ولله الحمد وبالله المستعان.
والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من أرض حوران والبقاع وبعلبك وغيرها، البنايات الهائلة الغريبة العجيبة، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمائة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين، الذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم وهي القسطنطينية، وهو الذي وضع لهم القوانين، وقد كان أولا هو وقومه وغالب أهل الأرض يونانا، ووضعت له بطاركته النصارى دينا مخترعا مركبا من أصل دين النصرانية، ممزوجا بشئ من عبادة الأوثان، وصلوا به إلى الشرق، وزادوا في الصيام، وأحلوا الخنزير، وعلموا أولادهم الأمانة الكبيرة فما يزعمون، وإنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة، وجناية كثيرة حقيرة، وهي مع ذلك في الحجم صغيرة. وقد تكلمنا على ذلك فيما سلف وبيناه. فبنى لهم هذا الملك الذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى، كنائس كبيرة في دمشق وفي غيرها، حتى يقال إنه بنى اثنتي عشرة
стр. 3371
الف كنيسة، وأوقف عليها أوقافا دارة، من ذلك كنيسة بيت لحم، وقمامة في القدس، بنتها أم هيلانة الغندقانية، وغير ذلك.
والمقصود أنهم - يعني النصارى - حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظما عند اليونان فجعلوه كنيسة يوحنا، وبنوا بدمشق كنائس كثيرة غيرها مستأنفة، واستمر النصارى على دينهم بدمشق وغيرها نحوا من ثلاثمائة سنة، حتى بعث الله محمدا ﷺ ، فكان من شأنه ما تقدم بعضه في كتاب السيرة من هذا الكتاب، وقد بعث إلى ملك الروم في زمانه - وهو قيصر ذلك الوقت - واسمه هرقل يدعوه إلى الله ، وكان من مراجعته ومخاطبته إلى أبي سفيان ما تقدم، ثم بعث أمراءه الثلاثة، زيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، إلى البلقاء من تخوم الشام، فبعث الروم إليهم جيشا كبيرا فقتلوا هؤلاء الامراء وجماعة ممن معهم من الجيش، فعزم النبي ﷺ على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك، ثم رجع عام ذلك لشدة الحر، وضعف الحال، وضيقه على الناس. ثم لما توفي بعث الصديق الجيوش إلى الشام بكمالها، ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها، وقد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها، فلما استقرت اليد الاسلامية عليها وأنزل الله رحمته فيها، وساق بره إليها، وكتب أمير الحرب أبو عبيدة إذ ذاك، وقيل خالد بن الوليد، لأهل دمشق كتاب أمان، أقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة، وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة، وكان على باب الجابية الصلح، فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا ونصفه عنوة، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدا يصلي فيه المسلمون، وكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه، التي يقال لها محراب الصحابة. ولكن لم يكن الجدار مفتوحا بمحراب محنى، وإنما كانوا يصلون عند هذه البقعة المباركة، والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي قلت: هذه المحاريب متجددة ليست من فتق الوليد، وإنما فتق الوليد محرابا واحدا، إن كان قد فعل، ولعله لم يفعل شيئا منها، فكان يصلي فيه الخليفة، وبقيتها فتقت قريبا، لكل إمام محراب، شافعي وحنفي ومالكي وحنبلي، وهؤلاء إنما حدثوا بعد الوليد بزمان. وقد كره كثير من السلف مثل هذه المحاريب، وجعلوه من البدع المحدثة، وكان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد، وهو باب المعبد الاعلى من جهة القبلة، مكان المحراب الكبير الذي في المقصورة اليوم، فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، ولا يضربوا بناقوسهم، إجلالا للصحابة ومهابة وخوفا. وقد بنى معاوية في أيام ولايته على الشام دار الامارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة، وبنى فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها بها، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا. ثم لم يزل الامر على ما ذكرنا من أمر هذه الكنيسة شطرين بين المسلمين والنصارى، من سنة أربع عشرة، إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها، وقد صارت الخلافة
стр. 3372
إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها، وجعل الجميع مسجدا واحدا، وذلك لان بعض المسلمين كان يتأذى بسماع قراءة النصارى للإنجيل، ورفع أصواتهم في صلواتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا، فيصير كله معبدا للمسلمين، ويتسع المسجد لكثرة المسلمين، فعند ذلك طلب النصارى وسأل منهم أن يخرجوا له عن هذا المكان، ويعوضهم إقطاعات كثيرة، وعرضها عليهم، وأن يبقى بأيديهم أربع كنائس لم تدخل في العهد، وهي كنيسة مريم، وكنيسة المصلبة داخل باب شرقي، وكنيسة تل الجبن، وكنيسة حميد بن درة التي بدرب الصقل، فأبوا ذلك أشد الاباء، فقال: ائتوني بعهودكم التي بأيديكم من زمن الصحابة، فأتوا بها فقرئت بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما - التي كانت خارج باب توما على حافة النهر - لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا، فقال الوليد: أنا أهدمها وأجعلها مسجدا، فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس ونحن نرضى ونطيب له نفسا ببقية هذه الكنيسة، فأقرهم على تلك الكنائس، وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة. هذا قول (١)، ويقال إن الوليد لما أهمه ذلك وعرض ما عرض على النصارى فأبوا من قبوله. دخل عليه بعض الناس فأرشده إلى أن يقيس من باب شرقي ومن باب الجابية، فوجدوا أن الكنيسة قد دخلت في العنوة وذلك أنهم قاسوا من باب شرقي ومن باب الجابية فوجدوا منتصف ذلك عند سوق الريحان تقريبا، فإذا الكنيسة قد دخلت في العنوة، فأخذها، وحكي عن المغيرة (٢) مولى الوليد قال: دخلت على الوليد فوجدته مهموما فقلت: مالك يا أمير المؤمنين مهموما؟ فقال: إنه قد كثر المسلمون وقد ضاق بهم المسجد، فأحضرت النصارى وبذلت لهم الأموال في بقية هذه الكنيسة لأضيفها إلى المسجد فيتسع على المسلمين فأبوا، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين عندي ما يزيل همك، قال: وما هو؟ قلت: الصحابة لما أخذوا دمشق دخل خالد بن الوليد من الباب شرقي بالسيف، فلما سمع أهل البلد بذلك فزعوا إلى أبي عبيدة يطلبون منه الأمان فأمنهم، وفتحوا له باب الجابية، فدخل منه أبو عبيدة بالصلح، فنحن نماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف أخذناه، وما بالصلح تركناه بأيديهم، وأرجو أن تدخل الكنيسة كلها في العنوة، فتدخل في المسجد. فقال الوليد: فرجت عني، فتول أنت ذلك بنفسك، فتولاه المغيرة ومسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية إلى سوق الريحان فوجد السيف لم يزل عمالا حتى جاوز القنطرة الكبيرة بأربع أذرع وكسر، فدخلت الكنيسة في المسجد، فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم
стр. 3373
وقال: إن هذه الكنيسة كلها دخلت في العنوة فهي لنا دونكم، فقالوا: إنك أولا دفعت إلينا الأموال وأقطعتنا الاقطاعات فأبينا، فمن إحسان أمير المؤمنين أن يصالحنا فيبقى لنا هذه الكنائس الأربع بأيدينا، ونحن نترك له بقية هذه الكنيسة، فصالحهم على إبقاء هذه الأربع الكنائس والله أعلم.
وقيل إنه عوضهم منها كنيسة عند حمام القاسم عند باب الفراديس داخله فسموها مريحنا باسم تلك الكنيسة التي أخذت منهم، وأخذوا شاهدها فوضعوه فوق التي أخذوها بدلها، فالله أعلم. ثم أمر الوليد بإحضار آلات الهدم واجتمع إليه الامراء والكبراء، وجاء إليه أساقفة النصارى وقساوستهم فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن (١)، فقال الوليد: أنا أحب أن أجن في الله، ووالله لا يهدم فيها أحد شيئا قبلي، ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وكانت صومعة هائلة فيها راهب عندهم، فأمره الوليد بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك، فأخذ الوليد بقفاه فلم يزل يدفعه حتى أنزله منها، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر منها، الذي يسمونه الشاهد، وهو تمثال في أعلى الكنيسة، فقال له الرهبان: احذر الشاهد، فقال: أنا أول ما أضع فأسي في رأس الشاهد، ثم كبر وضربه فهدمه، وكان على الوليد قباء أصفر لونه سفر جلي قد غرز أذياله في المنطقة، ثم أخذ فأسا بيده فضرب بها في أعلى حجر فألقاه، فتبادر الامراء إلى الهدم، وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون، وكانوا قد اجتمعوا هنالك، فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رياح الغساني، أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك، ففعل ذلك، فهدم الوليد والامراء جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المعبد من المذابح والأبنية والحنايا، حتى بقي المكان صرحة مربعة، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة الأنيقة، التي لم يشتهر مثلها قبلها كما سنذكره.
وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقا كثيرا من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك، ويقال إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صناعا في الرخام وغير ذلك، ليستعين بهم على عمارة هذا المسجد على ما يريد، وأرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزون بلاده بالجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده، حتى كنيسة القدس، وهي قمامة، وكنيسة الرها، وسائر آثار الروم، فبعث ملك الروم إليه صناعا كثيرة جدا، مائتي صانع (٢)، وكتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمت أنت لوصمة عليه، فلما وصل ذلك إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك،
стр. 3374
واجتمع الناس عنده لذلك، فكان فيهم الفرزدق الشاعر، فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله. قال الوليد: وما هو ويحك؟ فقال: قال الله تعالى (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) [الأنبياء: ٧٩] وسليمان هو ابن داود، ففهمه الله ما لم يفهمه أبوه. فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابا إلى ملك الروم. وقد قال الفرزدق في ذلك: -
فرقت بين النصارى في كنائسهم … والعابدين مع الأسحار والعتم
وهم جميعا إذا صلوا وأوجههم … شتى إذا سجدوا لله والصنم
وكيف يجتمع الناقوس يضربه … أهل الصليب مع القراء لم تنم
فهمت تحويلها عنهم كما فهما … إذ يحكمان لهم في الحرث والغنم
داود والملك المهدي إذ جزءا … ولادها واجتزاز الصوف بالجلم
فهمك الله تحويلا لبيعتهم … عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم
ما من أب حملته الأرض نعلمه … خير بنين ولا خير من الحكم
قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي: بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد وزاد في سمك الحيطان. وقال الحسن بن يحيى الخشني: إن هودا ﵇ هو الذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق. وقال غيره: لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات - وهي قبة النسر وهو اسم حادث لها، وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لان الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها - حفر لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماء عذبا زلالا، ثم إنهم وضعوا فيه زيادة الكرم، وبنوا فوقها بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت، فقال الوليد لبعض المهندسين: أريد أن تبني لي أنت هذه القبة، فقال: على أن تعطيني عهد الله وميثاقه على أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل. فبنى الأركان ثم غلفها بالبواري، وغاب عنها سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر، فهم به الوليد فأخذه ومعه رؤوس الناس، فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض، فقال له: من هذا أتيت، ثم بناها فانعقدت.
وقال بعضهم: أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن هذا البناء، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك، فضربه خمسين سوطا، وقال له: ويلك! أنا لا أقدر على ذلك وتزعم أني أعجز عنه؟ وخراج الأرض وأموالها تجبي إلي؟ قال: نعم أنا أبين لك ذلك، قال: فبين ذلك، قال: اضرب لبنة واحدة من الذهب وقس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك، فأمر الوليد فأحضر من الذهب ما ضرب منه لبنة فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نريد مثل هذه اللبنة كذا وكذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي من ذلك عملناه، فلما تحقق صحة قوله أطلق له الوليد خمسين دينارا، وقال إني لا أعجز عما قلت، ولكن فيه
стр. 3375
إسراف وضياع مال في غير وجهه اللائق به، ولإن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل الله، وردا على ضعفاء المسلمين خير من ذلك. ثم عقدها على ما أشار به المعمار. ولما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات، وباطنها مسطحا مقرنصا بالذهب، فقال له بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في طين أسطحتهم، لما يريد هذا المسجد في كل عام من الطين الكثير - يشير إلى أن التراب يغلو والفعلة تقل لأجل العمل في هذا المسجد في كل عام - فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعله عوض الطين، ويكون أخف على السقوف. فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم، فعازوا فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة، فساوموها فيه، فقالت: لا أبيعه إلا بوزنه فضة (١)، فكتبوا إلى الوليد فقال: اشتروه منها ولو بوزنه فضة (٢)، فلما بذلوا لها ذلك قالت: أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة لله يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع " لله " ويقال إنها كانت إسرائيلية، وإنه كتب على الألواح التي أخذت منها: هذا ما أعطته الإسرائيلية.
وقال محمد بن عائذ: سمعت المشايخ يقولون: ما تم بناء مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة، لقد كان يفضل عند الرجل من القوم أو الفعلة الفلس ورأس المسمار فيأتي به حتى يضعه في الخزانة. وقال بعض مشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شئ إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس والباقي كله مرمر. وقال بعضهم: اشترى الوليد العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر (٣)، من حرب خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار. وقال دحيم عن الوليد بن مسلم: ثنا مروان بن جناح عن أبيه قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم، وقال أبو قصي عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن عمرو بن مهاجر الأنصاري: إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة (٤) التي في قبلي المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار.
وقال أبو قصي: أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق من الذهب، في كل صندوق أربعة
стр. 3376
عشر ألف دينار، وفي رواية في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار. قلت: فعلى الأول يكون ذلك خمسة آلاف دينار، وستمائة ألف دينار، وعلى الثاني يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار. وقيل إنه صرف أكثر من ذلك بكثير، والله أعلم.
قال أبو قصي: وأتى الحرسي إلى الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق أمير المؤمنين بيوت الأموال في غير حقها. فنودي في الناس الصلاة جامعة. فاجتمع الناس فصعد الوليد المنبر وقال: إنه بلغني عنكم أنكم قلتم أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها، ثم قال: يا عمرو بن مهاجر، قم فأحضر أموال بيت المال، فحملت على البغال إلى الجامع، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر، ثم أفرغ عليها المال ذهبا صبيبا، وفضة خالصة، حتى صارت كوما، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الرجل من الجانب الآخر، وهذا شئ كثير، ثم جئ بالقبانين فوزنت الأموال فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة، وفي رواية ست (١) عشرة سنة مستقبلة، لو لم يدخل للناس شئ بالكلية، فقال لهم الوليد: والله ما أنفقت في عمارة هذا المسجد درهما من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي. ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله على ذلك، ودعوا للخليفة وانصرفوا شاكرين داعين. فقال لهم الوليد: يا أهل دمشق، والله ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئا من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي، لم أرزأكم من أموالكم شيئا. ثم قال الوليد: يا أهل دمشق، إنكم تفخرون على الناس بأربع، بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع (٢). وقال بعضهم: كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلازورد، في كل منها: بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه، ربنا الله وحده، وديننا الاسلام، ونبينا محمد ﷺ أمر ببنيان هذا المسجد وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله أمير المؤمنين الوليد، في ذي القعدة سنة ست وثمانين، وفي صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم إلى آخر الفاتحة، ثم النازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت، قالوا: ثم محيت بعد مجئ المأمون إلى دمشق. وذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلها، وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب، وفوق الكرمة الفصوص المذهبة والخضر والحمر والزرق والبيض، قد صوروا بها سائر البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب، وسائر الأقاليم يمنة ويسرة، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك، وسقفه مقرنص بالذهب، والسلاسل المعلقة فيها جميعها من ذهب وفضة، وأنوار الشموع
стр. 3377
في أماكنه مفرقة. قال: وكان في محراب الصحابة برنية حجر من بلور، ويقال بل كانت حجرا من جوهر وهي الدرة، وكانت تسمى القليلة، وكانت إذا طفئت القناديل تضئ لمن هناك بنورها، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد - وكان يحب البلور وقيل الجوهر - بعث إلى سليمان والي شرطة دمشق أن يبعث بها إليه، فسرقها الوالي خوفا من الناس وأرسلها إليه، فلما ولي المأمون ردها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين. قال ابن عساكر: ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج، قال: وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شئ، قالوا: وكانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق، وإنما كان عليها الستور مرخاة، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة، ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير، وعملوا له شرفات تحيط به، وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مأذنة العروس، فأما الشرقية والغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا، بنتها اليونان للرصد، ثم بعد ذلك سقطت الشماليتان وبقيت القبليتان إلى الآن، وقد أحرق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمائة، فنقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى، حيث اتهموا بحريقها، فقامت على أحسن الاشكال (١)، بيضاء بذاتها وهي والله أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان.
قلت: ثم أحرق أعلى هذه المنارة وجددت (٢)، وكان أعلاها من خشب فبنيت بحجارة كلها في آخر السبعين وسبعمائة، فصارت كلها مبنية بالحجارة.
والمقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه، ولا أبهى ولا أجمل منه، بحيث إنه إذا نظر الناظر إليه أو إلى جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيها نظره لحسنه وجماله ولا يمل ناظره، بل كلما أدمن النظر بانت له أعجوبة ليست كالأخرى، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شئ من الحشرات بالكلية، لا من الحيات ولا من العقارب، ولا الخنافس ولا العناكيب، ويقال ولا العصافير أيضا نعشش فيه، ولا الحمام ولا شئ مما يتأذى به الناس، وأكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف هذا المعبد، مما يلي السبع،
стр. 3378
فأحرقت لما أحرق ليلة النصف من شعبان بعد العصر، سنة إحدى وستين وأربعمائة (١)، في دولة الفاطميين كما سيأتي ذلك في موضعه. وقد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان بعضها باق إلى يومنا هذا والله أعلم.
فمن ذلك العمود الذي في رأسه مثل الكرة في سوق الشعير عند قنطرة أم حكيم وهذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين، ذكر أهل دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق باطنه فبال، وذلك مجرب من عهد اليونان.
قال ابن تيمية عن هذا العمود: إن تحته مدفون جبار عنيد، كافر يعذب، فإذا داروا بالحيوان حوله سمع العذاب فراث وبال من الخوف، قال: ولهذا يذهبون بالدواب إلى قبور النصارى واليهود والكفار، فإذا سمعت أصوات المعذبين انطلق بولها. والعمود المشار إليه ليس له سر، ومن اعتقد أن فيه منفعة أو مضرة فقد أخطأ خطأ فاحشا. وقيل إن تحته كنزا وصاحبه عنده مدفون، وكان ممن يعتقد الرجعة إلى الدنيا كما قال تعالى (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين) [المؤمنون: ٣٧] والله أعلم.
وما زال سليمان بن عبد الملك يعمل في تكملة الجامع الأموي بعد موت أخيه مدة ولايته، وجددت له فيه المقصورة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزم على أن يجرده مما فيه من الذهب، ويقلع السلاسل والرخام والفسيفساء، ويرد ذلك كله إلى بيت المال، ويجعل مكان ذلك كله طينا، فشق ذلك على أهل البلد واجتمع أشرافهم إليه، وقال خالد بن عبد الله القسري: أنا أكمله لكم، فقال له: يا أمير المؤمنين بلغنا عنك كذا وكذا، قال: نعم! فقال خالد: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ولم يا بن الكافرة؟ - وكانت أمه نصرانية رومية أم ولد - فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلا مؤمنا، فقال: صدقت، واستحيا عمر ثم قال له: فلم قلت ذلك؟ قال: يا أمير المؤمنين لان غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم، وليس هو لبيت المال، فأطرق عمر. قالوا: واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من بلاد الروم رسلا من عند ملكهم، فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر، ورأوا ما بهر عقولهم من حسن الجامع الباهر، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها، صعق كبيرهم وخر مغشيا عليه، فحملوه إلى منزلهم، فبقي أياما مدنفا، فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال: ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء، وكنت أعتقد أن مدتهم تكون أقصر من هذا، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال: أو إن الغيظ أهلك الكفار، دعوه. وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم
стр. 3379
مجلسا في شأن ما كان أخذه الوليد منهم، وكان عمر عادلا، فأراد أن يرد عليهم ما كان أخذه الوليد منهم فأدخله في الجامع، ثم حقق عمر القضية، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة، مثل كنيسة دير مران بسفح قاسيون، وهي بقرية المعظمية، وكنيسة الراهب، وكنيسة توما خارج باب توما، وسائر الكنائس التي بقرى الحواجز، فخيرهم بين رد ما سألوه وتخريب هذه الكنائس كلها، أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفسا للمسلمين بهذه البقعة، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس، ويكتب لهمه كتاب أمان بها، ويطيبوا نفسا بهذه البقعة، فكتب لهم كتاب أمان بها.
والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدنيا مثيل في حسنه وبهجته، قال الفرزدق: أهل دمشق في بلادهم في قصر من قصور الجنة - يعني الجامع - وقال أحمد بن أبي الحواري عن الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان: ما ينبغي لاحد من أهل الأرض أن يكون أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها. قالوا: ولما دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق يريد زيارة القدس نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري: سبقنا بنو أمية بثلاث، بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا. ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة - وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها - قال لكاتبه: وهذه رابعة. ولما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم، وقاضيه يحيى بن أكثم، قال: ما أعجب ما فيه؟ فقال أخوه: هذه الا ذهاب التي فيه، وقال يحيى بن أكثم: الرخام وهذه العقد، فقال المأمون: إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم، ثم قال المأمون لقاسم الثمار: أخبرني باسم حسن أسمي به جاريتي هذه، فقال: سمها مسجد دمشق، فإنه أحسن شئ. وقال عبد الرحمن عن ابن عبد الحكم عن الشافعي قال: عجائب الدنيا خمسة: أحدها منارتكم هذه - يعني منارة ذي القرنين باسكندرية - والثانية أصحاب الرقيم وهم بالروم اثنا عشر رجلا، والثالثة مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها، يجلس الرجل تحتها فينظر فيها صاحبه من مسافة مائة فرسخ. وقيل ينظر من بالقسطنطينية، والرابع مسجد دمشق وما يوصف من الانفاق عليه، والخامس الرخام والفسيفساء، فإنه لا يدري لها موضع، ويقال إن الرخام معجون، والدليل على ذلك أنه يذوب على النار.
قال ابن عساكر: وذكر إبراهيم بن أبي الليث الكاتب - وكان قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة - في رسالة له قال: ثم أمرنا بالانتقال فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه، ووافق ظاهره باطنه، أزقته أرجة، وشوارعه فرجة، فحيث ما مشيت شممت طيبا، وأين سعيت رأيت منظرا عجيبا، وإن أفضيت إلى جامعه شاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه، ولا الرائي أن يعرفه، وجملته أنه كنز الدهر ونادرة الوقت، وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات، ولقد أثبت الله عز
стр. 3380
وجل به ذكرا يدرس، وخلف به أمرا لا يخفى ولا يدرس. قال ابن عساكر: وأنشدني بعض المحدثين في جامع دمشق عمره الله بذكره وفي دمشق فقال: (١)
دمشق قد شاع حسن جامعها … وما حوته ربى مرابعها
بديعة الحسن في الكمال لما … يدركه الطرف من بدائعها
طيبة أرضها مباركة … باليمن والسعد أخذ طالعها
جامعها جامع المحاسن قد … فاقت به المدن في جوامعها
بنية بالاتقان قد وضعت … لا ضيع الله سعي واضعها
تذكر في فضله ورفعته … آثار صدق راقت لسامعها
قد كان قبل الحريق مدهشة … فغيرت ناره بلاقعها
فأذهبت بالحريق بهجته … فليس يرجى إياب راجعها
إذا تفكرت في الفصوص وما … فيها تيقنت حذق راصعها
أشجارها لا تزال مثمرة … لا ترهب الريح من مدافعها
كأنها من زمرد غرست … في أرض تبر تغشى بنافعها
فيها ثمار تخالها ينعت … وليس يخشى فساد يانعها
تقطف باللحظ لا بجارحة ال … أيدي ولا تجتني لبايعها
وتحتها من رخامة قطع … لا قطع الله كف قاطعها
احكم ترخيمها المرخم قد … بان عليها إحكام صانعها
وإن تفكرت في قناطره … وسقفه بان حذق رافعها
وإن تبينت حسن قبته … تحير اللب في أضالعها (٢)
تخترق الريح في منافذها … عصفا فتقوى على زغازعها
وأرضه بالرخام قد فرشت … ينفسح الطرف في مواضعها
مجالس العلم فيه مؤنقة … ينشرح الصدر في مجامعها
وكل باب عليه مطهرة … قد أمن الناس دفع مانعها
يرتفق الناس من مرافقها … ولا يصدون عن منافعها
ولا تزال المياه جارية … فيها لما شق من مشارعها
وسوقها لا تزال آهلة … يزدحم الناس في شوارعها
لما يشاؤون من فواكهها … وما يريدون من بضائعها
стр. 3381
كأنها جنة معجلة … في الأرض لولا مسرى فجائعها
دامت برغم العدى مسلمة … وحاطها الله من قوارعها
فصل فيما روي في جامع دمشق من الآثار وما ورد في فضله من الاخبار عن جماعة من السادة الأخيار
روي عن قتادة أنه قال في قوله تعالى (والتين) قال: هو مسجد دمشق (والزيتون) قال: هو مسجد بيت المقدس (وطور سينين) حيث كلم الله موسى (وهذا البلد الأمين) [التين: ١ - ٣] وهو مكة (١). رواه ابن عساكر. وقال صفوان بن صالح، عن عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه، عن عطية بن قيس الكلابي قال: قال كعب الأحبار: ليبنين في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الدنيا أربعين عاما. وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن زيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى الله تعالى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك إلى جبل بيت المقدس، قال ففعل فأوحى الله إليه أما إذا فعلت فإني سأبني لي في خطتك بيتا أعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاما، ولا تذهب الأيام والليالي حتى أرد عليك ظلك وبركتك، قال فهو عند الله بمنزلة الرجل الضعيف المتضرع. وقال دحيم: حيطان المسجد الأربعة من بناء هود ﵇، وما كان من الفسيفساء إلى فوق فهو من بناء الوليد بن عبد الملك - يعني أنه رفع الجدار فعلاه من حد الرخام والكرمة إلى فوق - وقال غيره: إنما بنى هود الجدار القبلي فقط. ونقل عثمان بن أبي العاتكة عن أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى (والتين) قالوا: هو مسجد دمشق.
وقال أبو بكر أحمد بن عبد الله بن الفرج المعروف بابن البرامي الدمشقي: ثنا إبراهيم بن مروان، سمعت أحمد بن إبراهيم بن ملاس يقول: سمعت عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر قال: كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان، فما تقبل منه جاءت نار فأكلته، وما لم يتقبل منه بقي على حاله. قلت: وهذه الصخرة نقلت إلى داخل باب الساعات، وهي موجودة الآن، وبعض العامة يزعم أنها الصخرة التي وضع عليها ابنا آدم قربانهما فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فالله أعلم (٢).
وقال هشام بن عمار: ثنا الحسن بن يحيى الخشني (٣) أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به " صلى في
стр. 3382
موضع مسجد دمشق " قال ابن عساكر: وهذا منقطع ومنكر جدا، ولا يثبت أيضا لا من هذا الوجه ولا من غيره. وقال أبو بكر البرامي: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقري، حدثني أبي، عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك تقدم إلى القوام ليلة من الليالي فقال: إني أريد أن أصلي الليلة في المسجد، فلا تتركوا أحدا يصلي الليلة، فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي في المسجد في كل ليلة، وفي رواية أنه قال لهم: لا تتركوا أحدا يدخله، ثم إن الوليد أتى باب الساعات فاستفتح الباب ففتح له، فإذا رجل قائم بين الساعات وباب الخضراء الذي يلي المقصورة يصلي، وهو أقرب إلى باب الخضراء منه إلى باب الساعات، فقال الوليد للقوام: ألم آمركم أن لا تتركوا أحدا الليلة يصلي في المسجد؟ فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي كل ليلة في المسجد ". في إسناد هذه الحكاية وصحتها نظر، ولا يثبت بمثلها وجود الخضر بالكلية، ولا صلاته في المكان المذكور والله أعلم.
وقد اشتهر في الأعصار المتأخرة أن الزاوية القبلية عند باب المأذنة الغربية تسمى زاوية الخضر، وما أدري ما سبب ذلك، والذي ثبت بالتواتر صلاة الصحابة فيه، وكفى بذلك شرفا له ولغيره من المساجد التي صلوا فيها، وأول من صلى فيه إماما أبو عبيدة بن الجراح، وهو أمير الامراء بالشام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمين هذه الأمة، وصلى فيه خلق من الصحابة مثل معاذ بن جبل وغيره لكن قبل أن يغيره الوليد إلى هذه الصفة، فأما بعد أن غير إلى هذا الشكل فلم يره أحد من الصحابة كذلك إلا أنس بن مالك، فإنه ورد دمشق سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني فيه الوليد، فصلى فيه أنس ورأى الوليد وأنكر أنس على الوليد تأخير الصلاة إلى آخر وقتها كما قدمنا ذلك في ترجمة أنس، عند ذكر وفاته سنة ثلاث وتسعين، وسيصلي فيه عيسى بن مريم إذا نزل في آخر الزمان، إذا خرج الدجال وعمت البلوى به، وانحصر الناس منه بدمشق، فينزل مسيح الهدى فيقتل مسيح الضلالة، ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق وقت صلاة الفجر (١)، فيأتي وقد أقيمت الصلاة فيقول له إمام الناس: تقدم يا روح الله، فيقول: إنما أقيمت لك، فيصلي عيسى تلك الصلاة خلف رجل من هذه الأمة، يقال إنه المهدي فالله أعلم.
ثم يخرج عيسى بالناس فيدرك الدجال عنه عقبة أفيق، وقيل بباب لد فيقتله بيده هنالك. وقد ذكرنا ذلك مبسوطا عند قوله تعالى (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته) [النساء: ١٥٨] وفي الصحيح عن النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا، وإماما عادلا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الاسلام) (٢)
стр. 3383
والمقصود أن عيسى ينزل على المنارة الشرقية بدمشق، والبلد محصور محصن من الدجال، فينزل على المنارة - وهي هذه المنارة المبنية في زماننا من أموال النصارى (١) - ثم يكون نزول عيسى حتفا لهم وهلاكا ودمارا عليهم، ينزل بين ملكين واضعا يديه على مناكبهما، وعليه مهروذتان، وفي رواية ممصرنان (٢) يقطر رأسه ماء كأنما خرج من ديماس، وذلك وقت الفجر، فينزل على المنارة وقد أقيمت الصلاة، وهذا إنما يكون في المسجد الأعظم بدمشق، وهو هذا الجامع. وما وقع في صحيح مسلم من رواية النواس بن سمعان الكلابي: فينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، كأنه والله أعلم مروي بالمعنى بحسب ما فهمه الراوي، وإنما هو ينزل على المنارة الشرقية بدمشق، وقد أخبرت ولم أقف عليه إلى الآن أنه كذلك، في بعض ألفاظ هذا الحديث، في بعض المصنفات، والله المسؤول المأمول أن يوفقني فيوقفني على هذه اللفظة، وليس في البلد منارة تعرف بالشرقية سوى هذه، وهي بيضاء بنفسها، ولا يعرف في بلاد الشام منارة أحسن منها، ولا أبهى ولا أعلى منها، ولله الحمد والمنة.
قلت: نزول عيسى على المنارة التي بالجامع الأموي غير مستنكر، وذلك أن البلاء بالدجال يكون قد عم فينحصر الناس داخل البلد، ويحصرهم الدجال بها، ولا يتخلف أحد عن دخول البلد إلا أن يكون متبعا للدجال، أو مأسورا معه، فإن دمشق في آخر الزمان تكون معقل المسلمين وحصنهم من الدجال، فإذا كان الامر كذلك فمن يصلي خارج البلد، والمسلمون كلهم داخل البلد، وعيسى إنما ينزل وقد أقيمت الصلاة فيصلي مع المسلمين، ثم يأخذهم ويطلب الدجال ليقتله، وبعض العوام يقول: إن المراد بالمنارة الشرقية بدمشق، منارة مسجد بلاشو، خارج باب شرقي. وبعضهم يقول: المنارة التي على نفس باب شرقي. فالله أعلم بمراد رسول الله ﷺ ، وهو سبحانه العالم بكل شئ، المحيط بكل شئ، القادر على كل شئ، القاهر فوق كل شئ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا ﵉
وروى ابن عساكر عن زيد بن واقد قال: وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق، فوجدنا مغارة فعرفنا الوليد ذلك، فلما كان الليل وافانا وبين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة
стр. 3384
لطيفة، ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، وإذا فيها صندوق، ففتح الصندوق فإذا فيه سفط وفي السفط رأس يحيى بن زكريا ﵉. مكتوب عليه هذا رأس يحيى بن زكرياء، فأمر به الوليد فرد إلى مكانه، وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من بين الأعمدة، فجعل عليه عمود مسفط الرأس، وفي رواية عن زيد بن واقد: أن ذلك الموضع كان تحت ركن من أركان القبة - يعني قبل أن تبنى - قال: وكان على الرأس شعر وبشر. وقال الوليد بن مسلم على زيد بن واقد قال: حضرت رأس يحيى بن زكريا وقد أخرج من الليطة القبلية الشرقية التي عند مجلس بجيلة، فوضع تحت عمود الكاسة، قال الأوزاعي والوليد بن مسلم: هو العمود الرابع المسفط. وروى أبو بكر بن البرامي: عن أحمد بن أنس بن مالك، عن حبيب المؤذن، عن أبي زياد وأبي أمية الشعناييين عن سفيان الثوري أنه قال: صلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة. وهذا غريب جدا. وروى ابن عساكر من طريق أبي مسهر عن المنذر بن نافع - مولى أم عمرو بنت مروان - عن أبيه - وفي رواية عن رجل قد سماه - أن واثلة بن الأسقع خرج من باب المسجد الذي يلي باب جيرون فلقيه كعب الأحبار فقال: أين تريد؟ قال واثلة: أريد بيت المقدس. فقال: تعال أريك موضعا في المسجد من صلى فيه فكأنما صلى في بيت المقدس، فذهب به فأراه ما بين الباب الأصفر الذي يخرج منه الوالي - يعني الخليفة - إلى الحنية - يعني القنطرة الغربية - فقال: من صلى فيما بين هذين فكأنما صلى في بيت المقدس، فقال واثلة: إنه لمجلسي ومجلس قومي. قال كعب: هو ذاك. وهذا أيضا غريب جدا ومنكر ولا يعتمد على مثله.
وعن الوليد بن مسلم قال: لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحا من حجر فيه كتاب نقش، فبعثوا به إلى الوليد فبعثه إلى الروم فلم يستخرجوه، ثم بعث إلى من كان بدمشق من بقية الأسبان فلم يستخرجوه، فدل على وهب بن منبه فبعث إليه، فلما قدم عليه أخبره بموضع ذلك اللوح فوجدوه في ذلك الحائط - ويقال ذلك الحائط بناه هود ﵇ فلما نظر إليه وهب حرك رأسه وقرأه فإذا هو:
بسم الله الرحمن الرحيم، ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك،. لزهدت في طول ما ترجو من أملك، وإنما تلقى ندمك لو قد زل بك قدمك. وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب وأسلمك الصاحب والقريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا إلا عملك زائد، فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، قبل أن يحل بك أجلك، وتنزع منك روحك، فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد ولدته، ولا أخ تركته، ثم تصير إلى برزخ الثرى، ومجاور الموتى، فاغتنم الحياة قبل الممات، والقوة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم ويحال بينك وبين العمل، وكتب في زمن (١) داود ﵉.
стр. 3385
وقال ابن عساكر: قرأت على أبي محمد السلمي، عن عبد العزيز التميمي، أنبأ تمام الرازي، ثنا ابن البرامي سمعت أبا مروان عبد الرحمن بن عمر المازني يقول: لما كان في أيام الوليد بن عبد الملك وبنائه المسجد احتفروا فيه موضعا فوجدوا بابا من حجارة مغلقا، فلم يفتحوه وأعلموا به الوليد، فخرج حتى وقف عليه، وفتح بين يديه، فإذا داخله مغارة فيها تمثال إنسان من حجارة، على فرس من حجارة، في يد التمثال الواحدة الدرة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة، فأمر بها فكسرت، فإذا فيها حبتان، حبة قمح وحبة شعير، فسأل عن ذلك فقيل له لو تركت الكف لم تكسرها لم يسوس في هذا البلد قمح ولا شعير. وقال الحافظ أبو حمدان الوراق - وكان قد عمر مائة سنة -: سمعت بعض الشيوخ يقول: لما دخل المسلمون دمشق وجدوا على العمود الذي على المقسلاط - على السفود الحديد الذي في أعلاه - صنما مادا يده بكف مطبقة، فكسروه فإذا في يده حبة قمح، فسألوا عن ذلك فقيل لهم: هذه الحبة قمح جعلها حكماء اليونان في كف هذا الصنم طلسما، حتى لا يسوس القمح في هذه البلاد، ولو أقام سنين كثيرة. قال ابن عساكر: وقد رأيت أنا في هذا السفود على قناطر كنيسة المقسلاط كانت مبنية فوق القناطر التي في السوق الكبير، عند الصابونيين والعطارين اليوم، وعندها اجتمعت جيوش الاسلام يوم فتح دمشق، أبو عبيدة من باب الجابية، وخالد من باب الشرقي، ويزيد بن أبي سفيان من باب الجابية الصغير. وقال عبد العزيز التميمي عن أبي نصر عبد الوهاب بن عبد الله المري: سمعت جماعة من شيوخ أهل دمشق يقولون: إن في سقف الجامع طلاسم عملها الحكماء في السقف مما يلي الحائط القبلي، فيها طلاسم للصنونيات، لا تدخله ولا تعشش فيه من جهة الأوساخ التي تكون منها، ولا يدخله غراب، وطلسم للفأر والحيات والعقارب، فما رأى الناس من هذا شيئا إلا الفأر، ويشك أن يكون قد عدم طلسمها، وطلسم للعنكبوت حتى لا ينسج فيه، وفي رواية فيركبه الغبار والوسخ. قال الحافظ ابن عساكر: وسمعت جدي أبا الفضل يحيى بن علي يذكر أنه أدرك في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات، معلقة في السقف فوق البطائن مما يلي السبع، وأنه لم يكن يوجد في الجامع شئ من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلسمات حين أحرق الجامع ليلة النصف من شعبان بعد العصر سنة إحدى وستين وأربعمائة، وقد كانت بدمشق طلسمات كثيرة، ولو يبق منها سوى العمود الذي بسوق العلبيين الذي في أعلاه مثل الكرة العظيمة، وهي لعسر بول الدواب، إذا داروا بالدابة حوله ثلاث مرات انطلق باطنها. وقد كان شيخنا ابن تيمية ﵀ يقول: إنما هذا قبر مشرك مفرد مدفون هنالك يعذب، فإذا سمعت الدابة صراخه فزعت فانطلق باطنها وطبعها، قال: ولهذا يذهبون بالدواب إلى مقابر اليهود والنصارى إذا مغلت فتنطلق طباعها وتروث، وما ذاك إلا أنها تسمع أصواتهم وهم يعذبون والله أعلم.
стр. 3386
ذكر الساعات التي على بابه
قال القاضي عبد الله بن أحمد بن زبر: إنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه عمل هناك بلشكار الساعات، كان يعمل بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها عصافير من نحاس، وحية من نحاس وغراب، فإذا تمت الساعة خرجت الحية فصفرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة في الطست فيعلم الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة، وكذلك سائرها. قلت: هذا يحتمل أحد شيئين إما أن تكون الساعات كانت في الباب القبلي من الجامع، وهو الذي يسمى باب الزيادة، ولكن قد قيل إنه محدث بعد بناء الجامع، ولا ينفي ذلك أن الساعات كانت عنده في زمن القاضي ابن زبر، وإما أنه قد كان في الجامع في الجانب الشرقي منه في الحائط القبلي باب آخر في محاكاة باب الزيادة، وعنده الساعات ثم نقلت بعد هذا كله إلى باب الوراقين اليوم، وهو باب الجامع من الشرق والله أعلم.
قلت: باب الوراقين قبلي أيضا، فيضاف إلى الجامع نسبة إلى من يدخل منه إلى الجامع والله أعلم، أو لمجارته للجامع ولبابه.
قلت: فأما القبة التي في وسط صحن الجامع التي فيها الماء الجاري، ويقول العامة لها قبة أبي نواس فكان بناؤها في سنة تسع وستين وثلاثمائة أرخ ذلك ابن عساكر عن خط بعض الدماشقة. وأما القبة الغربية العالية التي في صحن الجامع التي يقال لها قبة عائشة، فسمعت شيخنا الذهبي يقول: إنها إنما بنيت في حدود سنة ستين ومائة في أيام المهدي بن منصور العباسي، وجعلوها لحواصل الجامع وكتب أوقافه، وأما القبة الشرقية التي على باب مسجد علي فيقال: إنها بنيت في زمن الحاكم العبيدي في حدود سنة أربع مائة، وأما الفوارة التي تحت درج جيرون فعملها الشريف فخر الدولة أبو علي حمزة بن الحسين بن العباس الحسني، وكأنه كان ناظرا بالجامع، وجر إليها قطعة من حجر كبير من فصر حجاج، وأجرى منها الماء ليلة الجمعة لسبع ليال خلون من ربيع الأول سنة سبع عشرة وأربعمائة وعملت حولها قناطر، وعقد عليها قبة، ثم سقطت القبة بسبب جمال تحاكت عندها وازدحمت، وذلك في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة، فأعيدت ثم سقطت أعمدتها وما عليها من حريق اللبادين والحجارة في شوال سنة اثنتين وستين وخمسمائة، ذكر ذلك كله الحافظ ابن عساكر.
قلت: وأما القصعة التي كانت في الفوارة، فما زالت وسطها، وقد أدركتها كذلك، ثم رفعت بعد ذلك. وكان بطهارة جيرون قصعة أخرى مثلها، فلم تزل بها إلى أن تهدمت اللبادين بسبب حريق النصارى في سنة إحدى وأربعين (١) وسبعمائة، ثم استؤنف بناء الطهارة على وجه آخر
стр. 3387
أحسن مما كانت، وذهبت تلك القصعة فلم يبق لها أثر، ثم عمل الشاذروان الذي شرقي فوارة جيرون، بعد الخمسمائة - أظنه سنة أربع عشرة وخمسمائة والله أعلم.
ذكر ابتداء أمر السبع بالجامع الأموي
قال أبو بكر بن أبي داود: ثنا أبو عباس موسى بن عامر المري ثنا الوليد - هو ابن مسلم - قال قال أبو عمر الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: الدراسة محدثة أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي، في قدمة قدمها على عبد الملك، فحجبه عبد الملك فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق فسمع قراءة فقال: ما هذا؟ فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء، فقرأ هشام بن إسماعيل، فجعل عبد الملك يقرأ بقراءة هشام، فقرأ بقراءته مولى له، فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد فقرأوا بقراءته. وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: ثنا أيوب بن حسان ثنا الأوزاعي ثنا خالد بن دهقان قال: أول من أحدث القراءة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل بن المغيرة المخزومي، وأول من أحدث القراءة بفلسطين الوليد بن عبد الرحمن الجرشي. قلت: هشام بن إسماعيل كان نائبا على المدينة النبوية، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب لما امتنع من البيعة للوليد بن عبد الملك، قبل أن يموت أبوه، ثم عزله عنها الوليد وولى عليها عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا.
وقد حضر هذا السبع جماعات من سادات السلف من التابعين بدمشق، منهم هشام بن إسماعيل ومولاه رافع وإسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، وكان مكتبا لأولاد عبد الملك بن مروان، وقد ولى إمرة إفريقية لهشام بن عبد الملك وابنيه عبد الرحمن ومروان. وحضره من القضاة أبو إدريس الخولاني، ونمير بن أوس الأشعري، ويزيد بن أبي الهمداني، وسالم بن عبد الله المحاربي، ومحمد بن عبد الله بن لبيد الأسدي. ومن الفقهاء والمحدثين والحفاظ المقرئين أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى معاوية ومكحول وسليمان بن موسى الأشدق، وعبد الله بن العلاء بن زبر، وأبو إدريس الأصغر عبد الرحمن بن عراك، وعبد الرحمن بن عامر اليحصبي - أخو عبد الله بن عامر - ويحيى بن الحارث الدماري، وعبد الملك بن نعمان المري، وأنس بن أنس العذري، وسليمان بن بذيغ القاري، وسليمان بن داود الخشني، وعران - أو هران - بن حكيم القرشي، ومحمد بن خالد بن أبي ظبيان الأزدي، ويزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر، وعباس بن دينار وغيرهم. وهكذا أوردهم ابن عساكر. قال: وقد روى عن بعضهم أنه كره اجتماعهم وأنكره، ولا وجه لانكاره. ثم ساق من طريق أبي بكر بن أبي داود: ثنا عمرو بن عثمان ثنا الوليد - هو ابن سلم - عن عبد الله بن العلاء قال: سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عروب ينكر الدراسة ويقول: ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب النبي ﷺ ، قال ابن عساكر: وكان الضحاك بن
стр. 3388
عبد الرحمن أميرا على دمشق في أواخر سنة ست وثمانين (١) في خلافة عمر بن العزيز.
فصل
كان ابتداء عمارة جامع دمشق في أواخر سنة ست وثمانين، هدمت الكنيسة التي كانت موضعه في ذي القعدة منها، فلما فرغوا من الهدم شرعوا في البناء، وتكامل في عشر سنين (٢)، فكان الفراغ منه في هذه السنة - أعني سنة ست وتسعين - وفيها توفي بانيه الوليد بن عبد الملك، وقد بقيت فيه بقايا فكملها أخوه سليمان كما ذكرنا. فأما قول يعقوب بن سفيان: سألت هشام بن عمار عن قصة مسجد دمشق وهذه الكنيسة قال: كان الوليد قال للنصارى: ما شئتم أنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة صلحا، فأنا أهدم كنيسة توما - قال هشام وتلك أكبر من هذه الداخلة - قال فرضوا أن يهدم كنيسة الداخلة وأدخلها في المسجد، قال: وكان بابها قبلة المسجد اليوم، وهو المحراب الذي يصلى فيه، قال: وهدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين، ومكثوا في بنائها سبع سنين حتى مات الوليد ولمت يتم بناءه، فأتمه هشام من بعده ففيه فوائد وفيه غلط، وهو قوله إنهم مكثوا في بنائه سبع سنين، والصواب عشر سنين، فإنه لا خلاف أن الوليد بن عبد الملك توفي في هذه السنة - أعني سنة ست وتسعين - وقد حكى أبو جعفر بن جرير على ذلك إجماع أهل السير، والذي أتم ما بقي من بنائه أخوه سليمان لا هشام والله أعلم.
قلت: نقل من خط ابن عساكر وقد تقدم، وقد جددت فيه بعد ذلك أشياء، منها القباب الثلاث التي في صحنه. وقد تقدم ذكرها. وقيل إن القبة الشرقية عمرت في أيام المستنصر العبيدي في سنة خمسين وأربعمائة وكتب عليه اسمه واسم الاثني عشر الذين تزعم الرافضة أنهم أئمتهم، وأما العمودان الموضوعان في صحنه فجعلا للتنوير ليالي الجمع، وصنعا في رمضان سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، بأمر قاضي البلد أبي محمد.
وهذه ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق وذكر وفاته في هذا العام
هو الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو العباس الأموي، بويع له بالخلافة بعد أبيه بعهد منه في شوال (٣) سنة ست وثمانين، وكان أكبر ولده، والولي من بعده، وأمه ولادة بنت العباس بن حزن بن الحارث بن زهير العبسي.
стр. 3389
وكان مولده سنة خمسين، وكان أبواه يترفانه، فشب بلا أدب، وكان لا يحسن العربية، وكان طويلا أسمر (١) به أثر جدري خفي، أفطس الانف سائله، وكان إذا مشى يتوكف في المشية - أي يتبختر - وكان جميلا وقيل دميما، قد شاب في مقدم لحيته، وقد رأى سهل بن سعد وسمع أنس بن مالك لما قدم عليه سأله ما سمع في أشراط الساعة، كما تقدم في ترجمة أنس، وسمع سعيد بن المسيب وحكى عن الزهري وغيره.
وقد روي أن عبد الملك أراد أن يعهد إليه ثم توقف لأنه لا يحسن العربية فجمع الوليد جماعة من أهل النحو عنده فأقاموا سنة، وقيل ستة أشهر، فخرج يوم خرج أجهل مما كان، فقال عبد الملك: قد أجهد وأعذر، وقيل إن أباه عبد الملك أوصاه عند موته فقال له: لا ألفينك إذا مت تجلس تعصر عينيك، وتحن حنين الأمة، ولكن شمر واتزر، ودلني في حفرتي، وخلني وشأني، وادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا. وقال الليث: وفي سنة ثمان وتسعين (٢) غزا الوليد بلاد الروم، وفيها حج بالناس أيضا. وقال غيره: غزا في التي قبلها وفي التي بعدها بلاد ملطية وغيرها، وكان نقش خاتمه أو من بالله مخلصا. وقيل كان نقشه يا وليد إنك ميت، ويقال إن آخر ما تكلم به سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وقال إبراهيم بن أبي عبلة قال لي الوليد بن عبد الملك يوما: في كم تختم القرآن؟ قلت في كذا وكذا، فقال: أمير المؤمنين على شغله يختمه في كل ثلاث، وقيل في كل سبع، قال: وكان يقرأ في شهر رمضان سبع عشرة ختمة. قال إبراهيم ﵀: الوليد وأين مثله؟ بنى مسجد دمشق، وكان ويعطيني قطع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس.
وروى ابن عساكر بإسناد رجاله كلهم ثقات عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبيه قال: خرج الوليد يوما من الباب الأصغر فرأى رجلا عند المئذنة الشرقية يأكل شيئا، فأتاه فوقف عليه فإذا هو يأكل خبزا وترابا، فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: القنوع يا أمير المؤمنين، فذهب إلى مجلسه ثم استدعى به فقال: إن لك لشأنا فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك، فقال: نعم يا أمير المؤمنين كنت رجلا حمالا، فبينما أنا أسير من مرج الصفر قاصدا إلى الكسوة، إذ زرمني البول فعدلت إلى خربة لأبول، فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب، فملأت منه غرائري، ثم انطلقت أقود برواحلي وإذا بمخلاة معي فيها طعام فألقيته منها، وقلت: إني سآتي الكسوة، ورجعت إلى الخربة لأملأ تلك المخلاة من ذلك المال فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد في الطلب، فلما أيست رجعت إلى الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام، فآليت على نفسي أني لا آكل إلا خبزا وترابا. قال: فهل لك عيال؟ قال نعم، ففرض له في بيت المال.
стр. 3390
قال ابن جرير: وبلغنا أن تلك الرواحل سارت حتى أتت بيت المال فتسلمها حارسه فوضعها في بيت المال، وقيل إن الوليد قال له: ذلك المال وصل إلينا واذهب إلى إبلك فخذها، وقيل إنه دفع إليه شيئا من ذلك المال يقيته وعياله. وقال نمير بن عبد الله الشعناني عن أبيه قال: قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرا يفعل هذا بذكر.
قلت: فنفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة، والفاحشة المذمومة، التي عذب الله أهلها بأنواع العقوبات، وأحل بهم أنواعا من المثلات، التي لم يعاقب بها أحدا من الأمم السالفات وهي فاحشة اللواط التي قد ابتلى بها غالب الملوك والامراء، والتجار والعوام والكتاب، والفقهاء والقضاة ونحوهم، إلا من عصم الله منهم، فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد، ولهذا تنوعت عقوبات فاعليه، ولإن يقتل المفعول به خير من أن يؤتى في دبره، فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا، إلا أن يشاء الله ويذهب خبر المفعول به. فعلى الرجل حفظ ولده في حال صغره وبعد بلوغه، وأن يجنبه مخالطة هؤلاء الملاعين، الذين لعنهم رسول الله ﷺ .
وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين، والصحيح في المسألة أن يقال إن المفعول به إذا تاب توبة صحيحة نصوحا، ورزق إنابة إلى الله وصلاحا، وبدل سيئاته بحسنات، وغسل عنه ذلك بأنواع الطاعات، وغض بصره وحفظ فرجه، وأخلص معاملته لربه، فهذا إن شاء الله مغفور له، وهو من أهل الجنة، فإن الله يغفر الذنوب للتائبين إليه (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) [الحجرات: ١١] (ومن تاب وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم) [المائدة: ٣٩] وأما مفعول به صار في كبره شرا منه في صغره، فهذا توبته متعذرة، وبعيد أن يؤهل لتوبة صحيحة، أو لعمل صالح يمحو به ما قد سلف، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، كما قد وقع ذلك لخلق كثير ماتوا بأدرانهم وأوساخهم، لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدنيا، وبعضهم ختم له بشر خاتمة، حتى أوقعه عشق الصور في الشرك الذي لا يغفره الله. وفي هذا الباب حكايات كثيرة وقعت للوطية وغيرهم من أصحاب الشهوات يطول هذا الفصل بذكرها.
والمقصود أن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له. فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الايمان. فيقع في سوء الخاتمة. قال الله تعالى (وكان الشيطان للانسان خذولا) [الفرقان: ٢٩] بل قد وقع سوء الخاتمة لخلق لم يفعلوا فاحشة اللواط، وقد كانوا متلبسين بذنوب أهون منها. وسوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع الله، وصدق في أقواله وأعماله، فإن هذا لم يسمع به كما ذكره عبد الحق الإشبيلي، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه عقدا، وظاهره عملا، ولمن له جرأة على الكبائر، وإقدام على الجرائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة.
стр. 3391
والمقصود أن مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، وكانت لا تعرف بين العرب قديما كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم. فلهذا قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله قص علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا. وفي حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (١). رواه أهل السنن وصححه ابن حيان وغيره. وقد لعن النبي ﷺ من عمل عمل قوم لوط ثلاث مرات، ولم يلعن على ذنب ثلاث مرات إلا عليه، وإنما أمر بقتل الفاعل والمفعول به لأنه لا خير في بقائهما بين الناس، لفساد طويتهما، وخبث بواطنهما، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه، فإذا أراح الله الخلق منهما صلح لهم أمر معاشهم ودينهم. وأما اللعنة فهي الطرد والبعد، ومن كان مطرودا مبعدا عن الله وعن رسوله وعن كتابه وعن صالح عباده فلا خير فيه ولا في قربه. ومن رزقه الله تعالى توسما وفراسة، ونورا وفرقانا عرف من سحن الناس ووجوههم أعمالهم، فإن أعمال العمال بائنة ولائحة على وجوههم وفي أعينهم وكلامهم.
وقد ذكر الله اللوطية وجعل ذلك آيات للمتوسمين فقال تعالى: (فأخذتهم الصيحة مشرقين، فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجين إن في ذلك لآيات للمتوسمين) [الحجر: ٧٣ - ٧٥] وما بعدها. وقال تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لم يخرج الله أضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) [محمد: ٢٩ - ٣١] ونحو ذلك من الآيات والأحاديث. فاللوطي قد عكس الفطرة، وقلب الامر، فأتى ذكرا فقلب الله قلبه، وعكس عليه أمره، بعد صلاحه وفلاحه، إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.
وخصال التائب قد ذكرها الله في آخر سورة براءة، فقال: (التائبون العابدون) [التوبة: ١١٣] فلا بد للتائب من العبادة والاشتغال بالعمل للآخرة، وإلا فالنفس همامة متحركة، إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل، فلا بد للتائب من أن يبدل تلك الأوقات التي مرت له في المعاصي بأوقات الطاعات، وأن يتدارك ما فرط فيها وأن يبدل تلك الخطوات بخطوات إلى الخير، ويحفظ لحظاته وخطواته، ولفظاته وخطراته. قال رجل للجنيد: أوصني، قال: توبة تحل الاصرار، وخوف يزيل العزة، ورجاء مزعج إلى طرق الخيرات، ومراقبة الله في خواطر القلب. فهذه صفات التائب. ثم قال الله تعالى (الحامدون السائحون الراكعون الساجدون) الآية [التوبة: ١١٣] فهذه خصال التائب كما قال تعالى: (التائبون) فكأن قائلا يقول: من هم؟ قيل هم العابدون السائحون إلى آخر الآية، وإلا فكل تائب لم يتلبس بعد توبته بما يقربه إلى من
стр. 3392
تاب إليه فهو في بعد وإدبار، لا في قرب وإقبال، كما يفعل من اغتر بالله من المعاصي المحظورات، ويدع الطاعات، فإن ترك الطاعات وفعل المعاصي أشد وأعظم من ارتكاب المحرمات بالشهوة النفسية. فالتائب هو من اتقى المحذورات، وفعل المأمورات، وصبر على المقدورات، والله هو المعين الموفق، وهو عليم بذات الصدور.
قالوا: وكان الوليد لحانا كما جاء من غير وجه أن الوليد خطب يوما فقرأ في خطبته (يا ليتها كانت القاضية) فضم التاء من ليتها، فقال عمر بن عبد العزيز: يا ليتها كانت عليك وأراحنا الله منك، وكان يقول: يا أهل المدينة. وقال عبد الملك يوما لرجل من قريش (١): إنك لرجل لولا أنك تلحن، فقال: وهذا ابنك الوليد يلحن، فقال: لكن ابني سليمان لا يلحن، فقال الرجل: وأخي أبو فلان لا يلحن. وقال ابن جرير: حدثني عمر ثنا علي - يعني ابن محمد المدائني - قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد بدمشق (٢)، ووضع المنائر، وأعطى الناس، وأعطى المجذومين، وقال لهم: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا (٣)، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاما، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم، ففتح الهند والسند والأندلس وأقاليم بلاد العجم، حتى دخلت جيوشه إلى الصين وغير ذلك، قال: وكان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البقل بيده ويقول: بكم تبيع هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها فإنك تربح. وذكروا أنه كان يبر حملة القرآن ويكرمهم ويقضي عنهم ديونهم، قالوا: وكانت همة الوليد في البناء، وكان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل فيقول: ماذا بنيت؟ ماذا عمرت؟ وكانت همة أخيه سليمان في النساء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن، وفي الصلاة والعبادة، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة؟
والناس يقولون: الناس على دين مليكهم، إن كان خمارا كثر الخمر. وإن كان لوطيا فكذلك وإن كان شحيحا حريصا كان الناس كذلك، وإن كان جوادا كريما شجاعا كان الناس كذلك، وإن كان طماعا ظلوما غشوما فكذلك، وإن كان ذا دين وتقوى وبر وإحسان كان الناس كذلك وهذا يوجد في بعض الأزمان وبعض الأشخاص، والله أعلم.
стр. 3393
وقال الواقدي: كان الوليد جبارا ذا سطوة شديدة لا يتوقف إذا غضب، لجوجا كثير الاكل والجماع مطلاقا، يقال إنه تزوج ثلاثا وستين امرأة غير الإماء. قلت: يراد بهذا الوليد بن يزيد الفاسق لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع والله أعلم.
قلت: بنى الوليد الجامع على الوجه الذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة (١)، وبنى مسجد النبي ﷺ ، ووسعه حتى دخلت الحجرة التي فيها القبر فيه (٢)، وله آثار حسان كثيرة جدا، ثم كانت وفاته في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة، قال ابن جرير: هذا قول جميع أهل السير، وقال عمر بن علي الفلاس وجماعة: كانت وفاته يوم السبت للنصف من ربيع الأول من هذه السنة، عن ست وقيل ثلاث وقيل تسع وقيل أربع وأربعين سنة، وكانت وفاته بدير مران، فحمل على أعناق الرجال حتى دفن بمقابر باب الصغير، وقيل بمقابر باب الفراديس، حكاه ابن عساكر. وكان الذي صلى عليه عمر بن عبد العزيز لان أخاه سليمان كان بالقدس الشريف، وقيل صلى عليه ابنه عبد العزيز. وقيل بل صلى عليه أخوه سليمان، والصحيح عمر بن عبد العزيز والله أعلم. وهو الذي أنزله إلى قبره وقال حين أنزله: لننزلنه غير موسد ولا ممهد، قد خلفت الأسلاب وفارقت الأحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب، فقيرا إلى ما قدمت، غنيا عما أخرت. وجاء من غير وجه عن عمر أنه أخبره أنه لما وضعه - يعني الوليد - في لحده ارتكض في أكفانه، وجمعت رجلاه إلى عنقه. وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور. والله أعلم.
قال المدائني: وكان له من الولد تسعة عشر (٣) ولدا ذكرا، وهم عبد العزيز، ومحمد، والعباس، وإبراهيم، وتمام وخالد وعبد الرحمن ومبشر ومسرور وأبو عبيدة وصدقة ومنصور ومروان وعنبسة وعمر وروح وبشر ويزيد ويحيى. فأم عبد العزيز ومحمد أم البنين بنت عمه عبد العزيز بن مروان، وأم أبي عبيدة فزارية، وسائرهم من أمهات أولاد شتى. قال المدائني: وقد رثاه جرير فقال: -
يا عين جودي بدمع هاجه الذكر … فما لدمعك بعد اليوم مدخر
стр. 3394
إن الخليفة قد وارت شمائله … غبراء ملحدة في جولها زور
أضحى بنوه وقد جلت مصيبتهم … مثل النجوم هوى من بينها القمر
كانوا جميعا فلم يدفع منيته … عبد العزيز ولا روح ولا عمر
وممن هلك أيام الوليد بن عبد الملك زياد بن حارث التميمي الدمشقي، كانت داره غربي قصر الثقفيين، روى عن حبيب بن مسلمة الفهري في النهي عن المسألة لمن له ما يغديه ويعشيه، وفي النفل. ومنهم من زعم أن له صحبة، والصحيح أنه تابعي. روى عنه عطية بن قيس ومكحول ويونس بن ميسرة بن حلبس، ومع هذا قال فيه أبو حاتم: شيخ مجهول، ووثقه النسائي وابن حيان، روى ابن عساكر أنه دخل يوم الجمعة إلى مسجد دمشق وقد أخرت الصلاة، فقال: والله ما بعث الله نبيا بعد محمد ﷺ أمركم بهذه الصلاة هذا الوقت، قال. فأخذ فأدخل الخضراء فقطع رأسه، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك.
عبد الله بن عمر بن عثمان
أبو محمد، كان قاضي المدينة، وكان شريفا كثير المعروف جوادا ممدحا والله أعلم.
خلافة سليمان بن عبد الملك
بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الوليد يوم مات، وكان يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكان سليمان بالرملة، وكان ولي العهد من بعد أخيه عن وصية أبيهما عبد الملك.
وقد كان الوليد قد عزم قبل موته على خلع أخيه سليمان، وأن يجعل ولاية العهد من بعده لولده عبد العزيز بن الوليد، وقد كان الحجاج طاوعه على ذلك وأمره به، وكذلك قتيبة بن مسلم وجماعة، وقد أنشد في ذلك جرير وغيره من الشعراء قصائد، فلم ينتظم ذلك له حتى مات، وانعقدت البيعة إلى سليمان، فخافه قتيبة بن مسلم وعزم على أن لا يبايعه، فعزله سليمان وولى على إمرة العراق ثم خراسان يزيد بن المهلب (١)، فأعاده إلى إمرتها بعد عشر سنين، وأمره بمعاقبة آل
стр. 3395
الحجاج بن يوسف، وكان الحجاج هو الذي عزل يزيد عن خراسان. ولسبع بقين من رمضان من هذه السنة عزل سليمان عن إمرة المدينة عثمان بن حيان وولى عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان أحد العلماء، وقد كان قتيبة بن مسلم حين بلغه ولاية سليمان الخلافة كتب إليه كتابا يعزيه في أخيه، ويهنئه بولايته، ويذكر فيه بلاءه وعناه وقتاله وهيبته في صدور الأعداء، وما فتح الله من البلاد والمدن والأقاليم الكبار على يديه، وأنه له على مثل ما كان للوليد من الطاعة والنصيحة، إن لم يعزله عن خراسان، ونال في هذا الكتاب من يزيد بن المهلب، ثم كتب كتابا ثانيا يذكر ما فعل من القتال والفتوحات وهيبته في صدور الملوك والأعاجم، ويذم يزيد بن المهلب أيضا، ويقسم فيه لئن عزله وولى يزيد ليخلعن سليمان عن الخلافة، وكتب كتابا ثالثا فيه خلع سليمان بالكلية، وبعث بها مع البريد (١) وقال له: ادفع إليه الكتاب الأول، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثاني، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثالث، فلما قرأ سليمان الكتاب الأول - واتفق حضور يزيد عند سليمان - دفعه إلى يزيد فقرأه، فناوله البريد الكتاب الثاني فقرأه ودفعه إلى يزيد، فناوله البريد الكتاب الثالث فقرأه فإذا فيه التصريح بعزله وخلعه، فتغير وجهه، ثم ختمه وامسكه بيده ولم يدفعه إلى يزيد، وأمر بانزال البريد في دار الضيافة، فلما كان من الليل بعث إلى البريد فأحضره ودفع إليه ذهبا وكتابا فيه ولاية قتيبة على خراسان، وأرسل مع ذلك البريد بريدا آخر من جهته (٢) ليقرره عليها، فلما وصلا بلاد خراسان (٣) بلغهما أن قتيبة قد خلع الخليفة، فدفع بريد سليمان الكتاب الذي معه إلى بريد قتيبة، ثم بلغهما مقتل قتيبة قبل أن يرجع بريد سليمان.
مقتل قتيبة بن مسلم ﵀
وذلك أنه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته، وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلما فرغ من مقالته لم يجبه أحد منهم إلى مقالته، فشرع في تأنيبهم وذمهم، قبيلة قبيلة، وطائفة طائفة، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرقوا، وعملوا على مخالفته، وسعوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له وكيع بن أبي سود (٤)، فجمع جموعا كثيرة، ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله في ذي الحجة من هذه السنة،
стр. 3396
وقتل معه أحد عشر رجلا من إخوته وأبناء إخوته، ولم يبق منهم سوى ضرار بن مسلم، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن سعد بن زرارة، فحمته أخواله، وعمرو بن مسلم كان عامل الجوزجان وقتل قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله وصالح ويسار (١)، وهؤلاء أبناء مسلم، وأربعة من أبنائهم (٢) فقتلهم كلهم وكيع بن سود.
وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفص الباهلي، من سادات الامراء وخيارهم، وكان من القادة النجباء الكبراء، والشجعان وذوي الحروف والفتوحات السعيدة، والآراء الحميدة، وقد هدى الله على يديه خلقا لا يحصيهم إلا الله، فأسلموا ودانوا لله ، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئا كثيرا كما تقدم ذلك مفصلا مبينا، والله سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيب تعبه وجهاده.
ولكن زل زلة كان فيها حتفه، وفعل فعلة رغم فيها أنفه، وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه، وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته، ويضاعف به حسناته، والله يسامحه ويعفو عنه، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، وكانت وفاته بفرغاته من أقصى بلاد خراسان، في ذي الحجة من هذه السنة، وله من العمر ثمان وأربعون سنة، وكان أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزبير، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين، واستفاد وأفاد فيها خيرا كثيرا، وقد رثاه عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال: -
كأن أبا حفص قتيبة لم يسر … بجيش إلى جيش ولم يعمل منبرا
ولم تخفق الرايات والقوم حوله … وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا
دعته المنايا فاستجاب لربه … وراح إلى الجنات عفا مطهرا
فما رزئ الاسلام بعد محمد … بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا
ولقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير. وعبهر (٣) ولد له. وقال الطرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها على يد وكيع بن سود:
لولا فوارس مذحج ابنة مذحج … والأزد زعزع واستبيح العسكر
وتقطعت بهم البلاد ولم يؤب … منهم إلى أهل العراق مخبر
واستضلعت عقد الجماعة وازدرى … أمر الخليفة واستحل المنكر
стр. 3397
قوم همو قتلوا قتيبة عنوة … والخيل جامحة عليها العثير (١)
بالمرج مرج الصين حيث تبينت … مضر العراق من الأعز الأكبر
إذ حالفت جزعا ربيعة كلها … وتفرقت مضر ومن يتمضر
وتقدمت أزد العراق ومذحج … للموت يجمعها أبوها الأكبر
قحطان تضرب رأس كل مدجج … تحمى بصائرهن إذ لا تبصر
والأزد تعلم أن تحت لوائها … ملكا قراسية وموت أحمر
فبعزنا نصر النبي محمد … وبنا تثبت في دمشق المنبر
وقد بسط ابن جرير هذه القصيدة بسطا كثيرا وذكر أشعارا كثيرة جدا. وقال ابن خلكان وقال جرير يرثي قتيبة بن مسلم ﵀ وسامحه، وأكرم مثواه وعفا عنه:
ندمتم على قتل الأمير (٢) ابن مسلم … وأنتم إذا لاقيتم الله أندم
لقد كنتم من غزوه في غنيمة … وأنتم لمن لاقيتم اليوم مغنم
على أنه أفضى إلى حور جنة … وتطبق بالبلوى عليكم جهنم
قال: وقد ولي من أولاده وذريته جماعة الامرة في البلدان، فمنهم عمر (٣) بن سعيد بن قتيبة بن مسلم وكان جوادا ممدحا، رثاه حين مات أبو عمر وأشجع بن عمرو السلمي المري (٤) نزيل البصرة يقول:
مضى ابن سعيد حيث (٥) لم يبق مشرق … ولا مغرب إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفه … على الناس حتى غيبته الصفائح (٦)
وأصبح في لحد من الأرض ضيق (٧) … وكانت به حيا تضيق الضحاضح
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض … فحسبك مني ما تجر (٨) الجوانح
فما أنا من رزئي وإن جل جازع … ولا بسرور بعد موتك فارح
стр. 3398
كأن لم يمت حي سواك ولم تقم … على أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها … لقد حسنت من قبل فيك المدائح
قال ابن خلكان: وهي من أحسن المراثي وهي في الحماسة، ثم تكلم على باهلة وأنها قبيلة مرذولة عند العرب، قال: وقد رأيت في بعض المجاميع أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله أتتكافأ دماؤنا؟ قال: " نعم! ولو قتلت رجلا من باهلة لقتلتك ". وقيل لبعض العرب: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة بذلك. وسأل بعض الاعراب رجلا ممن أنت؟ فقال: من باهلة، فجعل يرثي له قال: وأزيدك أني لست من الصميم وإنما أنا من مواليهم. لجعل يقبل يديه ورجليه، فقال: ولم تفعل هذا؟ فقال: لان الله تعالى ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ليعوضك الجنة في الآخرة.
ثم قال ابن جرير: وفي هذه السنة توفي قرة بن شريك العبسي أمير مصر وحاكمها. قلت: هو قرة بن شريك أمير مصر من جهة الوليد، وهو الذي بنى جامع الفيوم. وفيها حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وكان هو الأمير على المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن، وعلى نيابة البصرة ليزيد بن المهلب سفيان بن عبد الله الكندي، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي سود والله أعلم.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين
وفيها جهز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية، وفيها أمر ابنه داود على الصائفة، ففتح حصن المرأة، قال الواقدي: وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الوضاحية ففتح الحصن الذي [بناه] الوضاح صاحب الوضاحية. وفيها غزا مسلمة أيضا برجمة ففتح حصونا وبرجمة وحصن الحديد وسررا، وشتى بأرض الروم. وفيها غزا عمر بن هبيرة الفزاري في البحر أرض الروم وشتى بها. وفيها قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، وقدم برأسه على سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين. مع حبيب بن أبي عبيد الفهري، وفيها ولى سليمان نيابة خراسان ليزيد بن المهلب مضافا إلى ما بيده من إمرة العراق، وكان سبب ذلك أن وكيع بن أبي سود لما قتل قتيبة بن مسلم وذريته، بعث برأس قتيبة إلى سليمان فحظي عنده وكتب له بإمرة خراسان، فبعث يزيد بن المهلب عبد الرحمن (١) ابن الأهتم إلى سليمان بن عبد الملك ليحسن عنده أمر يزيد بن المهلب في إمرة
стр. 3399
خراسان، وينتقص عنده وكيع بن [أبي] سود، فسار ابن الأهتم - وكان ذا دهاء ومكر - إلى سليمان بن عبد الملك، فلم يزل به حتى عزل وكيعا عن خراسان وولى عليها يزيد مع إمرة العراق، وبعث بعهده مع ابن الأهتم، فسار في سبع حتى جاء يزيد، فأعطاه عهد خراسان مع العراق، وكان يزيد وعده بمائة ألف فلم يف بها، وبعث يزيد ابنه مخلدا بين يديه إلى خراسان، ومعه كتاب أمير المؤمنين مضمونه أن قيسا زعموا أن قتيبة بن مسلم لم يكن خلع الطاعة، فإن كان وكيع قد تعرض له وثار عليه بسبب أنه خلع ولم يكن خلع فقيده وابعث به إلي، فتقدم مخلد فأخذ وكيعا فعاقبه وحبسه قبل أن يجئ أبوه، فكانت إمرة وكيع بن أبي سود الذي قتل قتيبة تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ثم قدم يزيد بن المهلب فتسلم خراسان وأقام بها، واستناب في البلاد نوابا ذكرهم ابن جرير (١).
قال: ثم سار يزيد بن المهلب فغزا جرجان، ولم يكن يومئذ مدينة بأبواب وصور، وإنما هي جبال وأودية، وكان ملكها يقال له صول، فتحول عنها إلى قلعة هناك، وقيل إلى جزيرة في بحيرة هناك، ثم أخذوه من البحيرة وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا وأسروا وغنموا. قال: وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الملك، ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها، غير أن خراسان عزل عنها وكيع بن [أبي] سود، ووليها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة مع العراق. وممن توفي فيها من الأعيان:
الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب
أبو محمد القرشي الهاشمي، روى عن أبيه عن جده مرفوعا: " من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له ذنوبه ". وعن عبد الله بن جعفر عن علي في دعاء الكرب، وعن زوجته فاطمة بنت الحسين، وعنه ابنه عبد الله وجماعة، وفد على عبد الملك بن مروان فأكرمه ونصره على الحجاج، وأقره وحده على ولاية صدقة علي، وقد ترجمه ابن عساكر فأحسن، وذكر عنه آثارا تدل على سيادته، قيل إن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة: إن الحسن بن الحسن كاتب أهل العراق، فإذا جاءك كتابي هذا فاجلده مائة ضربة، وقفه للناس، ولا تراني إلا قاتله. فأرسل
стр. 3400
خلفه فعلمه علي بن الحسين (١) كلمات الكرب فقالها حين دخل عليه فنجاه الله منهم، وهي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش العظيم. توفي بالمدينة، وكانت أمه خولة بنت منظور الفزاري. وقال يوما لرجل من الرافضة: والله إن قتلك لقربة إلى الله ، فقال له الرجل: إنك تمزح، فقال: الله ما هذا مني بمزح ولكنه الجد. وقال له آخر منهم: ألم يقل رسول الله ﷺ : " من كنت مولاه فعلي مولاه "؟. فقال: بلى، ولو أراد الخلافة لخطب الناس فقال: أيها الناس اعلموا أن هذا ولي أمركم من بعدي، وهو القائم عليكم، فاسمعوا له وأطيعوا، والله لئن كان الله ورسوله اختار عليا لهذا الامر ثم تركه علي لكان أول من ترك أمر الله ورسوله، وقال لهم أيضا: والله لئن ولينا من الامر شيئا لنقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ثم لا نقبل لكم توبة، ويلكم غررتمونا من أنفسنا، ويلكم لو كانت القرابة تنفع بلا عمل لنفعت أباه وأمه، لو كان ما تقولون فينا حقا لكان آباؤنا إذ لم يعلمونا بذلك قد ظلمونا وكتموا عنا أفضل الأمور، والله إني لأخشى أن يضاعف العذاب للعاصي منا ضعفين، كما أني لأرجو للمحسن منا أن يكون له الاجر مرتين، ويلكم أحبونا إن أطعنا الله على طاعته، وأبغضونا إن عصينا الله على معصيته.
موسى بن نصير (٢) أبو عبد الرحمن اللخمي
مولاهم، كان مولى لامرأة منهم، وقيل كان مولى لبني أمية، افتتح بلاد المغرب، وغنم منها أموالا لا تعد ولا توصف، وله بها مقامات مشهورة هائلة، ويقال إنه كان أعرج، ويقال إنه ولد في سنة تسع عشرة، وأصله من عين التمر، وقيل إنه من أراشة من بلي، سبي أبوه من جبل الخليل من الشام في أيام الصديق، وكان اسم أبيه نصرا فصغر، روى عن تميم الداري، وروى عنه ابنه عبد العزيز، ويزيد بن مسروق اليحصبي، وولي غزو البحر لمعاوية، فغزا قبرص، وبنى هنالك حصونا كالماغوصة وحصن بأنس وغير ذلك من الحصون التي بناها بقبرص، وكان نائب معاوية عليها بعد أن فتحها معاوية في سنة سبع وعشرين، وشهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس، فلما قتل الضحاك لجأ موسى بن نصير لعبد العزيز بن مروان، ثم لما دخل مروان بلاد مصر كان معه فتركه عند ابنه عبد العزيز، ثم لما أخذ عبد الملك بلاد العراق جعله وزيرا عند أخيه بشر بن مروان.
وكان موسى بن نصير هذا ذا رأي وتدبير وحزم وخبرة بالحرب، قال البغوي: ولي موسى ابن نصير إمرة بلاد إفريقية سنة تسع وسبعين فافتتح بلادا كثيرة جدا مدنا وأقاليم، وقد ذكرنا أنه