← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

رسول الله ﷺ يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك، قال الأصمعي: وما أدري ما قال في عثمان، قال: ثم إن مروان أقطعها فحصل لي منها نصيب، ووهبني الوليد وسليمان نصيبهما، ولم يكن من مالي شئ أرده أغلى منها، وقد رددتها في بيت المال على ما كانت عليه في زمان رسول الله ﷺ . قال: فيئس الناس عند ذلك من المظالم، ثم أمر بأموال جماعة من بني أمية فردها إلى بيت المال وسماها أموال المظالم، فاستشفعوا إليه بالناس، وتوسلوا إليه بعمته فاطمة بنت مروان فلم ينجع فيه شئ، وقال لهم: لتدعني وإلا ذهبت إلى مكة فنزلت عن هذا الامر لاحق الناس به، وقال: والله لو أقمت فيكم خمسين عاما ما أقمت فيكم إلا ما أريد من العدل، وإني لأريد الامر فما أنفذه إلا من طمع من الدنيا حتى تسكن قلوبهم. وقال الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز، ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المسيب وغير واحد. وقال طاووس: هو مهدي وليس به، إنه لم يستكمل العدل كله، إذا كان المهدي ثبت على المسئ من إساءته، وزيد المحسن في إحسانه، سمح بالمال شديد على العمال رحيم بالمساكين. وقال مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال: الخلفاء أبو بكر والعمران، فقيل له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن عمر الآخر؟ قال: يوشك إن عشت أن تعرفه، يريد عمر بن عبد العزيز، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو أشج بني مروان. وقال عباد السماك وكان يجالس سفيان الثوري: سمعت الثوري يقول: الخلفاء خمسة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز. وهكذا روي عن أبي بكر بن عياش والشافعي وغير واحد. وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. وذكره غير واحد في الأئمة الاثني عشر، الذين جاء فيهم الحديث الصحيح: " لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يكون فيهم اثني عشر خليفة كلهم من قريش " (١). وقد اجتهد ﵀ في مدة ولايته - مع قصرها - حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلا من هؤلاء. وقد اختلف العلماء أيهم أفضل هو أو معاوية بن أبي سفيان؟ ففضل بعضهم عمر لسيرته ومعدلته وزهده وعبادته، وفضل آخرون معاوية لسابقته وصحبته، حتى قال بعضهم: ليوم شهده معاوية من رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز وأيامه وأهل بيته. وذكر ابن عساكر في تاريخه: أن عمر بن عبد العزيز كان يعجبه جارية من جواري زوجته فاطمة بنت عبد الملك، فكان سألها إياها إما بيعا أو هبة، فكانت تأبى عليه ذلك، فلما ولي الخلافة ألبستها

стр. 3432

وطيبتها وأهدتها إليه ووهبتها منه، فلما أخلتها به أعرض عنها، فتعرضت له فصدف عنها، فقالت له: يا سيدي فأين ما كان يظهر لي من محبتك إياي؟ فقال: والله إن محبتك لباقية كما هي، ولكن لا حاجة لي في النساء، فقد جاءني أمر شغلني عنك وعن غيرك، ثم سألها عن أصلها ومن أين جلبوها، فقالت: يا أمير المؤمنين إن أبي أصاب جناية ببلاد المغرب فصادره موسى بن نصير فأخذت في الجناية، وبعث بي إلى الوليد فوهبني الوليد إلى أخته فاطمة زوجتك، فأهدتني إليك. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، كدنا والله نفتضح ونهلك، ثم أمر بردها مكرمة إلى بلادها وأهلها. وقالت زوجته فاطمة: دخلت يوما عليه وهو جالس في مصلاه واضعا خده على يده ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة والمظلوم المقهور. والغريب والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد ﷺ ، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت. وقال ميمون بن مهران: ولاني عمر بن عبد العزيز عمالة ثم قال لي: إذا جاءك كتاب مني على غير الحق فاضرب به الأرض. وكتب إلى بعض عماله: إذا دعتك قدرتك على الناس إلى مظلمة، فاذكر قدرة الله عليك ونفاد ما تأتي إليهم، وبقاء ما يأتون إليك. وقال عبد الرحمن بن مهدي: عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للاسلام سننا وفرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الايمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الايمان، فإن أعش أبينها لكم لتعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. وذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به. وذكر الصولي: أن عمر كتب إلى بعض عماله: عليك بتقوى الله فإنها هي التي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثاب إلا عليها، وإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل. وقال: من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه، ومن أكثر ذكر الموت اجتزأ من الدنيا باليسير. وقال: من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. وكلمه رجل يوما حتى أغضبه فهم به عمر ثم أمسك نفسه، ثم قال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك ما تناله مني غدا؟ قم عافاك الله لا حاجة لنا في مقاولتك. وكان يقول: إن أحب الأمور إلى الله القصد في الجد، والعفو في المقدرة، والرفق في الولاية، وما رفق بعبد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة. وخرج ابن له وهو صغير يلعب مع الغلمان فشجه صبي منهم، فاحتملوا الصبي الذي شج ابنه وجاؤوا به إلى عمر، فسمع الجلبة فخرج إليهم، فإذا مريئة تقول: إنه ابني وإنه يتيم، فقال لها عمر: هوني عليك، ثم قال لها عمر: أله عطاء في الديوان؟

стр. 3433

قالت: لا! قال: فاكتبوه في الذرية. فقالت زوجته فاطمة: أتفعل هذا به وقد شج ابنك؟ فعل الله به وفعل، المرة الأخرى يشج ابنك ثانية. فقال: ويحك، إنه يتيم وقد أفزعتموه. وقال مالك بن دينار: يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها جملة. قالوا: ولم يكن له سوى قميص واحد فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس، وقد وقف مرة على راهب فقال له: ويحك عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر: - تجرد من الدنيا فإنك إنما … خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد قال: وكان يعجبه ويكرره وعمل به حق العمل. قالوا: ودخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهما أو فلوسا يشتري له بها عنبا، فلم يجد عندها شيئا، فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنبا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكل غدا في نار جهنم. قالوا: وكان سراج بيته على ثلاث قصبات في رأسهن طين، قالوا: وبعث يوما غلامه ليشوي له لحمة فجاءه بها سريعا مشوية، فقال: أين شويتها؟ قال: في المطبخ، فقال: في مطبخ المسلمين؟ قال: نعم. فقال: كلها فإني لم أرزقها، هي رزقك. وسخنوا له الماء في المطبخ العام فرد بدل ذلك بدرهم حطبا. وقالت زوجته: ما جامع ولا احتلم وهو خليفة. قالوا: وبلغ عمر بن عبد العزيز عن أبي سلام الأسود أنه يحدث عن ثوبان بحديث الحوض فبعث إليه فأحضره على البريد وقال له، كالمتوجع له: يا أبا سلام ما أردنا المشقة عليه، ولكن أردت أن تشافهني بالحديث مشافهة، فقال: سمعت ثوبان يقول قال رسول الله ﷺ : " حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين، الشعث رؤوسا، الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد ". فقال عمر: لكني نكحت المتنعمات، فاطمة بنت عبد الملك، فلا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ألقي ثوبي حتى يتسخ. قالوا: وكان له سراج يكتب عليه حوائجه، وسراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفا. وكان يقرأ في الصحف كل يوم أول النهار، ولا يطيل القراءة، وكان له ثلاثمائة شرطي، وثلاثمائة حرسي، وأهدى له رجل من أهل بيته تفاحا فاشتمه ثم رده مع الرسول، وقال له: قل له قد بلغت محلها، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية، وهذا رجل من أهل بيتك، فقال: إن الهدية كانت لرسول الله ﷺ هدية، فأما نحن فهي لنا رشوة. قالوا: وكان يوسع على عماله في النفقة، يعطي الرجل منهم في الشهر مائة دينار، ومائتي دينار، وكان يتأول أنهم إذا كانوا في كفاية تفرغوا لاشغال المسلمين، فقالوا له: لو أنفقت على عيالك كما تنفق على عمالك؟ فقال: لا أمنعهم حقا لهم، ولا أعطيهم حق غيرهم. وكان أهله قد بقوا في جهد عظيم فاعتذر بأن معهم سلفا كثيرا من قبل ذلك، وقال يوما لرجل من ولد علي: إني

стр. 3434

لأستحي من الله أن تقف ببابي ولا يؤذن لك، وقال لآخر منهم: إني لأستحي من الله وأرغب بك أن أدنسك بالدنيا لما أكرمك الله به. وقال أيضا: كنا نحن وبنو عمنا بنو هاشم مرة لنا ومرة علينا، نلجأ إليهم ويلجئون إلينا، حتى طلعت شمس الرسالة فأكسدت كل نافق، وأخرست كل منافق، وأسكتت كل ناطق. وقال أحمد بن مروان: ثنا أبو بكر ابن أخي خطاب، ثنا خالد بن خداش، ثنا حماد بن زيد عن موسي بن أيمن الراعي - وكان يرعى الغنم لمحمد بن عيينة - قال: كانت الأسد والغنم والوحش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز في موضع واحد، فعرض ذات يوم لشاة منها ذئب فقلت: إنا لله، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك. قال فحسبناه فوجدناه قد هلك في تلك الليلة. ورواه غيره عن حماد فقال: كان يرعى الشاة بكرمان فذكر نحوه، وله شاهد من وجه آخر، ومن دعائه: اللهم إن رجالا أطاعوك فيما أمرتهم وانتهوا عما نهيتهم، اللهم وإن توفيقك إياهم كان قبل طاعتهم إياك، فوفقني. ومنه: اللهم إن عمر ليس بأهل أن تناله رحمتك، ولكن رحمتك أهل أن تنال عمر. وقال له رجل: أبقاك الله ما كان البقاء خيرا لك، فقال: هذا شئ قد فرغ منه، ولكن قل: أحياك الله حياة طيبة، وتوفاك مع الأبرار. وقال له رجل: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال: أصبحت بطيئا بطينا، متلوثا بالخطايا، أتمنى على الله . ودخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك كانت الخلافة لهم زين، وأنت زين الخلافة، وإنما مثلك يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر: وإذا الدر زان حسن وجوه … كان للدر حسن وجهك زينا قال: فأعرض عنه عمر. وقال رجاء بن حياة: سمرت عند عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فعشى السراج فقلت: يا أمير المؤمنين: ألا أنبه هذا الغلام يصلحه؟ فقال: لا! دعه ينام، لا أحب أن أجمع عليه عملين. فقلت: أفلا أقوم أصلحه؟ فقال: لا! ليس من المروءة استخدام الضيف، ثم قام بنفسه فأصلحه وصب فيه زيتا ثم جاء وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، وجلست وأنا عمر بن عبد العزيز، وقال: أكثروا ذكر النعم فإن ذكرها شكرها. وقال: إنه ليمنعني من كثرة ذكرها مخافة المباهاة، وبلغه أن رجلا من أصحابه توفي، فجاء إلى أهله ليعزيهم فيه، فصرخوا في وجهه بالبكاء عليه، فقال: مه، إن صاحبكم لم يكن يرزقكم، وإن الذي يرزقكم حي لا يموت، وإن صاحبكم هذا، لم يسد شيئا من حفركم، وإنما سد حفرة نفسه، ألا وإن لكل امرئ منكم حفرة لا بد والله أن يسدها، إن الله لما خلق الدنيا حكم عليها بالخراب، وعلى أهلها بالفناء وما امتلأت دار خبرة إلا امتلأت عبرة، ولا اجتمعوا إلا تفرقوا، حتى يكون الله هو الذي يرث الأرض ومن عليها، فمن كان منكم باكيا فليبك على نفسه، فإن الذي صار إليه صاحبكم كل الناس يصيرون إليه غدا.

стр. 3435

وقال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر إلى القبور فقال لي: يا أبا أيوب! هذه قبور آبائي بني أمية، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشهم، أما تراهم صرعى قد خلت بهم المثلاث، واستحكم فيهم البلاء؟ ثم بكى حتى غشي عليه، ثم أفاق فقال: انطلقوا بنا فوالله لا أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور، وقد أمن من عذاب الله، ينتظر ثواب الله. وقال غيره: خرج عمر بن عبد العزيز في جنازة فلما دفنت قال لأصحابه: قفوا حتى آتي قبور الأحبة: فأتاهم فجعل يبكي ويدعو، إذ هتف به التراب فقال: يا عمر ألا تسألني ما فعلت في الأحبة؟ قال قلت: وما فعلت بهم؟ قال: مزقت الأكفان، وأكلت اللحوم، وشدخت المقلتين، وأكلت الحدقتين، ونزعت الكفين من الساعدين، والساعدين من العضدين والعضدين من المنكبين، والمنكبين من الصلب، والقدمين من الساقين، والساقين من الفخذين، والفخذين من الورك، والورك من الصلب. فلما أراد أن يذهب قال له: يا عمر أدلك على أكفان لا تبلى؟ قال: وما هي؟ قال: تقوى الله والعمل الصالح. وقال مرة لرجل من جلسائه: لقد أرقت الليلة مفكرا، قال: وفيم يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث في قبره، وما صار إليه، لاستوحشت من قربه بعد طول الانس منك بناحيته، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام، وتخترق فيه الديدان، ويجري فيه الصديد، مع تغير الريح، وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح، ونقاء الثوب، قال: ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه. وقال مقاتل بن حيان: صليت وراء عمر بن عبد العزيز فقرأ (وقفوهم إنهم مسؤولون) [الصافات: ٢٤] فجعل يكررها وما يستطيع أن يتجاوزها. وقالت امرأته فاطمة: ما رأيت أحدا أكثر صلاة وصياما منه، ولا أحد أشد فرقا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشئ من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سرورا منذ دخلنا فيها. وقال علي بن زيد: ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز. وقال بعضهم: رأيته يبكي حتى بكى دما، قالوا: وكان إذا أوى إلى فراشه قرأ (إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) الآية، ويقرأ (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون) [الأعراف: ٥٣] ونحو هذه الآيات، وكان يجتمع كل ليلة إليه أصحابه من الفقهاء فلا يذكرون إلا الموت والآخرة، ثم يبكون حتى كأن بينهم جنازة، وقال أبو بكر الصولي: كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بقول الشاعر: فما تزود مما كان يجمعه … سوى حنوط غداة البين في خرق

стр. 3436

وغير نفحة أعواد تشب له … وقل ذلك من زاد لمنطلق بأيما بلد كانت منيته … إن لا يسر طائعا في قصدها يسق ونظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازة إلى قوم قد تلثموا من الغبار والشمس وانحازوا إلى الظل فبكى وأنشد: من كان حين تصيب (١) الشمس جبهته … أو الغبار يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشته … فسوف يسكن يوما راغما جدثا في قعر مظلمة غبراء موحشة … يطيل في قعرها تحت الثرى اللبثا (٢) تجهزي بجهاز تبلغين به … يا نفس قبل الردى (٣) لم تخلقي عبثا هذه الأبيات ذكرها الآجري في أدب النفوس بزيادة فيها فقال: أخبرنا أبو بكر، أنبأنا أبو حفص عمر بن سعد القراطيسي، حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي الدنيا، حدثني محمد بن صالح القرشي، أخبرني عمر بن الخطاب الأزدي، حدثني ابن لعبد الصمد بن عبد الأعلى بن أبي عمرة قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يبعثه رسولا إلى إليون طاغية الروم يدعوه إلى الاسلام، فقال له عبد الأعلى: يا أمير المؤمنين! إئذن لي في بعض بني يخرج معي - وكان عبد الأعلى له عشرة من الذكور - فقال له: انظر من يخرج معك من ولدك. فقال: عبد الله، فقال له عمر: إني رأيت ابنك عبد الله يمشي مشية كرهتها منه ومقته عليها، وبلغني أنه يقول الشعر. فقال عبد الأعلى: أما مشيته تلك فغريزة فيه، وأما الشعر فإنما هو نواحة ينوح بها على نفسه، فقال له: مر عبد الله يأتيني وخذ معك غيره، فراح عبد الأعلى بابنه عبد الله إليه، فاستنشده فأنشده ذلك الشعر المتقدم: تجهزي بجهاز تبلغين به … يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا ولا تكدي لمن يبقى وتفتقري … إن الردى وارث الباقي وما ورثا واخشي حوادث صرف الدهر في مهل … واستيقظي لا تكوني كالذي بحثا عن مدية كان فيها قطع مدته … فوافت الحرث موفورا كما حرثا لا تأمني فجع دهر مترف ختل … قد استوى عنده من طاب أو خبثا يا رب ذي أمل فيه على وجل … أضحى به آمنا أمسى وقد حدثا من كان حين تصيب الشمس جبهته … أو الغبار يخاف الشين والشعثا

стр. 3437

ويألف الظل كي تبقى بشاشته … فكيف يسكن يوما راغما جدثا قفراء موحشة غبراء مظلمة … يطيل تحت الثرى من قعرها اللبثا وقد ذكرها ابن أبي الدنيا فعمر أنشدها عنه، والله أعلم. وكان عمر يتمثل بها كثيرا ويبكي. وقال الفضل بن عباس الحلبي: كان عمر بن عبد العزيز لا يجف فوه من هذا البيت: ولا خير في عيش امرئ لم يكن له … من الله في دار القرار نصيب وزاد غيره معه بيتا حسنا وهو قوله: فإن تعجب الدنيا أناسا فإنها … متاع قليل والزوال قريب ومن شعره الذي أنشده ابن الجوزي: أنا ميت وعز من لا يموت … قد تيقنت أنني سأموت ليس ملك يزيله الموت ملكا … إنما الملك ملك من لا يموت وقال عبد الله بن المبارك: كان عمر بن عبد العزيز يقول: تسر بما يفنى وتفرح بالمنى … كما اغتر باللذات في النوم حالم (١) نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والردى لك لازم وسعيك فيما سوف تكره غبه … كذلك في الدنيا تعيش البهائم وقال محمد بن كثير: قال عمر بن عبد العزيز يلوم نفسه: أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم … وكيف يطبق النوم حيران هائم فلو كنت يقظان الغداة لحرقت … محاجر (٢) عينيك الدموع السواجم أصبحت في النوم الطويل وقد دنت … إليك أمور مفظعات عظائم وتكدح (٣) فيما سوف تكره غبه … كذلك في الدنيا تعيش البهائم

стр. 3438

فلا أنت في النوام يوما بسالم … ولا أنت في الايقاظ يقظان حازم وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبد الملك قالت: انتبه عمر ذات ليلة وهو يقول: لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة، فقلت: أخبرني بها، فقال: حتى نصبح، فلما صلى بالمسلمين دخل فسألته فقال: رأيت كأني دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر وإذا فيها قصر كأنه الفضة فخرج منه خارج فنادى أين محمد بن عبد الله، أين رسول الله؟ إذ أقبل رسول الله ﷺ ، حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن الخطاب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عثمان بن عفان؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين علي بن أبي طالب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت فجلست إلى جانب عمر بن الخطاب، وهو عن يسار رسول الله ﷺ ، وأبو بكر عن يمينه، وبينه وبين رسول الله ﷺ رجل، فقلت: لأبي: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ثم سمعت هاتفا يهتف بيني وبينه نور لا أراه، وهو يقول: يا عمر بن عبد العزيز تمسك بما أنت عليه، وأثبت على ما أنت عليه، ثم كأنه أذن لي في الخروج فخرجت، فالتفت فإذا عثمان بن عفان وهو خارج من القصر وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني ربي، وإذا علي في إثره وهو يقول: الحمد لله الذي غفر لي ربي. فصل وقد ذكرنا في دلائل لنبوة الحديث الذي رواه أبو داود في سننه أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ". فقال جماعة من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل فيما ذكره ابن الجوزي وغيره: إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى، وإن كان هو أولى من دخل في ذلك وأحق، لامامته وعموم ولايته، وقيامه واجتهاده في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب، وكان كثيرا ما تشبه به. وقد جمع الشيخ أبو الفرج بن الجوزي سيرة لعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وقد أفادنا سيرة عمر بن الخطاب في مجلد على حدة، ومسنده في مجلد ضخم، وأما سيرة عمر بن عبد العزيز فقد ذكرنا منها طرفا صالحا هنا، يستدل به على ما لم نذكره. وقد كان عمر ﵀ يعطي من انقطع إلى المسجد الجامع من بلده وغيرها، للفقه ونشر العلم وتلاوة القرآن، في كل عام من بيت المال مائة دينار، وكان يكتب إلى عماله أن يأخذوا بالسنة، ويقول: إن لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم الله، وكتب إلى سائر البلاد أن لا يركب ذمي من اليهود والنصارى وغيرهم على سرج، ولا يلبس قباء ولا طيلسانا ولا السراويل، ولا يمشين أحد منهم إلا بزنار من جلد، وهو مقرون الناصية، ومن وجد منهم في منزله سلاح أخذ منه. وكتب أيضا أن لا

стр. 3439

يستعمل على الأعمال إلا أهل القرآن، فإن لم يكن عندهم خير فغيرهم أولى أن لا يكون عنده خير. وكان يكتب إلى عماله: اجتنبوا الاشغال عند حضور الصلاة، فإن من أضاعها فهو لما سواها من شرائع الاسلام أشد تضييعا. وقد كان يكتب الموعظة إلى العامل من عماله فينخلع منها، وربما عزل بعضهم نفسه عن العمالة وطوى البلاد من شدة ما تقع موعظته منه، وذلك أن الموعظة إذا خرجت من قلب الواعظ دخلت قلب الوعوظ. وقد صرح كثير من الأئمة بأن كل من استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة، وقد كتب إليه الحسن البصري بمواعظ حسان ولو تقصينا ذلك لطال هذا الفصل. ولكن قد ذكرنا ما فيه إشارة إلى ذلك، وكتب إلى بعض عماله: أذكر ليلة تمخض بالساعة فصباحها القيامة، فيالها من ليلة ويا له من صباح، وكان يوما على الكافرين عسيرا. وكتب إلى آخر: أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد بك، وانقطاع الرجاء منك، قالوا: فخلع هذا العامل نفسه من العمالة وقدم على عمر فقال له: مالك؟ فقال: خلعت قلبي بكتابك يا أمير المؤمنين، والله لا أعود إلى ولاية أبدا. فصل وقد رد جميع المظالم كما قدمنا، حتى إنه رد فص خاتم كان في يده، قال: أعطانيه الوليد من غير حقه، وخرج من جميع ما كان فيه من النعيم في الملبس والمأكل والمتاع، حتى إنه ترك التمتع بزوجته الحسناء، فاطمة بنت عبد الملك، يقال كانت من أحسن النساء، ويقال إنه رد جهازها إلى بيت المال، والله أعلم. وقد كان دخله في كل سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة، وكان حاصله في خلافته ثلاثمائة درهم، وكان له من الأولاد جماعة، وكان ابنه عبد الملك أجلهم، فمات في حياته في زمن خلافته، حتى يقال إنه كان خيرا من أبيه، فلما مات لم يظهر عليه حزن، وقال: أمر رضيه الله فلا أكرهه، وكان قبل الخلافة يؤتي بالقميص الرفيع اللين جدا فيقول: ما أحسنه لولا خشونة فيه، فلما ولي الخلافة كان بعد ذلك يلبس القميص الغليظ المرقوع ولا يغسله حتى يتسخ جدا، ويقول: ما أحسنه لولا لينه. وكان يلبس الفروة الغليظة، وكان سراجه على ثلاث قصبات في رأسهن طين، ولم يبن شيئا في أيام خلافته، وكان يخدم نفسه بنفسه، وقال: ما ترك شيئا من الدنيا إلا عوضني الله ما هو خير منه، وكان يأكل الغليظ ولا يبالي بشئ من النعيم، ولا يتبعه نفسه ولا يوده. حتى قال أبو سليمان الداراني: كان عمر بن عبد العزيز أزهد من أويس القرني، لان عمر ملك الدنيا بحذافيرها وزهد فيها، ولا ندري حال أويس لو ملك ما ملكه عمر كيف يكون؟ ليس من جرب كمن لم يجرب. وتقدم قول مالك بن دينار: إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز. وقال عبد الله بن دينار: لم يكن عمر يرتزق من بيت المال شيئا، وذكروا أنه أمر جارية تروحه حتى ينام فروحته، فنامت هي، فأخذ

стр. 3440

المروحة من يدها وجعل يروحها ويقول: أصابك من الحر ما أصابني. وقال له رجل: جزاك الله عن الاسلام خيرا. فقال: بل جزى الله الاسلام عني خيرا. ويقال إنه كان يلبس تحت ثيابه مسحا غليظا من شعر، ويضع في رقبته غلا إذا قام يصلي من الليل، ثم إذا أصبح وضعه في مكان وختم عليه فلا يشعر به أحد، وكانوا يظنونه مالا أو جوهرا من حرصه عليه، فلما مات فتحوا ذلك المكان فإذا فيه غسل ومسخ. وكان يبكي حتى يبكي الدم من الدموع، ويقال إنه بكى فوق سطح حتى سال دمعه من الميزاب، وكان يأكل من العدس ليرق قلبه وتغزر دمعته، وكان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله، وقرأ رجل عنده (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين) الآية [الفرقان: ١٣]، فبكى بكاء شديدا ثم قام فدخل منزله وتفرق الناس عنه، وكان يكثر أن يقول: اللهم سلم سلم، وكان يقول: اللهم أصلح من كان في صلاحه صلاح لامة محمد ﷺ ، وأهلك من كان في هلاكه صلاح أمة محمد ﷺ وقال: أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم. وقال: لو أن المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر حتى يحكم أمر نفسه لتواكل الناس الخير، ولذهب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة. وقال: الدنيا عدوة أولياء الله، وولية أعداء الله، أما الأولياء فغمتهم وأحزنتهم، وأما الأعداء فغرتهم وشتتتهم وأبعدتهم عن الله. وقال: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع. وقال لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا، قال: لو كنت كذلك لم تقله. وقال: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب. وقال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها سؤال ربه، أعطي أو منع. وقال: قيدوا العلم بالكتاب، وقال لرجل: علم ولدك الفقه الأكبر: القناعة وكف الأذى. وتكلم رجل عنده فأحسن فقال: هذا هو السحر الحلال. وقصته مع أبي حازم مطولة حين رآه خليفة وقد شحب وجهه من التقشف، وتغير حاله، فقال له: ألم يكن ثوبك نقيا؟ ووجهك وضيا؟ وطعامك شهيا؟ ومركبك وطيا؟ فقال له: ألم تخبرني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن من ورائكم عقبة كؤودا لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول "؟ ثم بكى حتى غشي عليه، ثم أفاق فذكر أنه لقي في غشيته تلك أن القيامة قد قامت، وقد استدعى بكل من الخلفاء الأربعة، فأمر بهم إلى الجنة، ثم ذكر من بينه وبينهم فلم يدر ما صنع بهم، ثم دعي هو فأمر به إلى الجنة، فلما انفصل لقيه سائل فسأله عما كان من أمره فأخبره، ثم قال للسائل، فمن أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف، قتلني ربي كل قتلة قتلة، ثم ها أنا أنتظر ما ينتظره الموحدون. وفضائله ومآثره كثيرة جدا، وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد والمنة، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة لنا إلا به. ذكر سبب وفاته ﵀ كان سببها السل، وقيل سببها أن مولى له سمه في طعام أو شراب، وأعطي على ذلك ألف

стр. 3441

دينار، فحصل له بسبب ذلك مرض، فأخبر أنه مسموم (١)، فقال: لقد علمت يوم سقيت السم، ثم استدعى مولاه الذي سقاه، فقال له: ويحك!! ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ألف دينار أعطيتها. فقال: هاتها، فأحضرها فوضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك. ثم قيل لعمر: تدارك نفسك، فقال: والله لو أن شفائي أن أمس شحمة أذني أو أوتى بطيب فأشمه ما فعلت، فقيل له: هؤلاء بنوك - وكانوا اثني عشر - ألا توصي لهم بشئ فإنهم فقراء؟ فقال: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) [الأعراف: ١٩٥] والله لا أعطيتهم حق أحد وهم بين رجلين إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لاعينه على فسقه. وفي رواية فلا أبالي في أي واد هلك. وفي رواية أفأدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت؟ ما كنت لافعل. ثم استدعى بأولاده فودعهم وعزاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام ثم قال: انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم (٢). قال: فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك - مع كثرة ما ترك لهم من الأموال - يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز، لان عمر وكل ولده إلى الله ، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب قال قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة، فإن قضى الله موتا دفنت في القبر الرابع مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فقال: والله لان يعذبني الله بكل عذاب، إلا النار فإنه لا صبر لي عليها، أحب إلي من أن يعلم الله من قلبي أني لذلك الموضع أهل. قالوا: وكان مرضه بدير سمعان من قرى حمص وكانت مدة مرضه عشرين يوما، ولما احتضر قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاثا، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحد النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جان، ثم قبض من ساعته. وفي رواية أنه قال لأهله: اخرجوا عني، فخرجوا وجلس على الباب مسلمة بن عبد الملك وأخته فاطمة، فسمعوه يقول: مرحبا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جان ثم قرأ (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) [القصص: ٨٣] ثم هدأ الصوت فدخلوا عليه فوجدوه قد غمض وسوي إلى القبلة وقبض.

стр. 3442

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن الدراوردي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة أن عمر بن عبد العزيز لما وضع عند قبره هبت ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب فقرأوها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم براءة من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. فأدخلوها بين أكفانه ودفنوها معه. وروى نحو هذا من وجه آخر ابن عساكر في ترجمة عبد الصمد بن إسماعيل بسنده عن عمير بن حبيب السلمي، قال: أسرت أنا وثمانية في زمن بني أمية، فأمر ملك الروم بضرب رقابنا، فقتل أصحابي وشفع في بطريق من بطارقة الملك، فأطلقني له، فأخذني إلى منزله، وإذا له ابنة مثل الشمس، فعرضها علي على أن يقاسمني نعمته وأدخل معه في دينه فأبيت، وخلت بي ابنته فعرضت نفسها علي فامتنعت، فقالت: ما يمنعك من ذلك؟ فقلت: يمنعني ديني، فلا أترك ديني لامرأة ولا لشئ. فقالت: تريد الذهاب إلى بلادك؟ قلت: نعم، فقالت: سر على هذا النجم بالليل واكمن بالنهار، فإنه يلقيك إلى بلادك، قال: فسرت كذلك، قال فبينا أنا في اليوم الرابع مكمن إذا بخيل مقبلة فخشيت أن تكون في طلبي، فإذا أنا بأصحابي الذين قتلوا ومعهم آخرون على دواب شهب، فقالوا: عمير؟ فقلت: عمير. فقلت: لهم أوليس قد قتلتم؟ قالوا: بلى، ولكن الله نشر الشهداء وأذن لهم أن يشهدوا جنازة عمر بن عبد العزيز، قال: ثم قال لي بعضهم: ناولني يدك يا عمير، فأردفني فسرنا يسيرا ثم قذف بي قذفة وقعت قرب منزلي بالجزيرة، من غير أن يكون لحقني شر. وقال رجاء بن حياة: كان عمر بن عبد العزيز قد أوصى إلي أن أغسله وأكفنه، فإذا حللت عقدة الكفن أن أنظر في وجهه فأدلى، ففعلت فإذا وجهه مثل القراطيس بياضا، وكان قد أخبرني أنه كل من دفنه قبله من الخلفاء وكان يحل عن وجوههم فإذا هي مسودة. وروى ابن عساكر في ترجمة يوسف بن ماهك قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا من السماء كتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار، ساقه من طريق إبراهيم بن بشار، عن عباد بن عمرو، عن محمد بن يزيد البصري، عن يوسف بن ماهك فذكره، وفيه غرابة شديدة والله أعلم. وقد رئيت له منامات صالحة، وتأسف عليه الخاصة والعامة، لا سيما العلماء والزهاد والعباد، ورثاه الشعراء، فمن ذلك ما أنشده أبو عمرو الشيباني لكثير (١) عزة يرثي عمر: -

стр. 3443

عمت صنائعه فعم هلاكه (١) … فالناس فيه كلهم مأجور والناس مأتمهم عليه واحد … في كل دار رنة وزفير يثني عليك لسان من لم توله … خيرا لأنك بالثناء جدير ردت صنائعه عليه (٢) حياته … فكأنه من نشرها منشور وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز ﵀: - ينعي النعاة أمير المؤمنين لنا … يا خير من حج بيت الله واعتمرا حملت أمرا عظيما فاضطلعت به … وسرت فيه بأمر الله يا عمرا (٣) الشمس كاسفة ليست بطالعة (٤) … تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وقال محارب بن دثار ﵀ يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: - لو أعظم الموت خلقا أن يواقعه … لعدله لم يصبك الموت يا عمر كم من شريعة عدل قد نعشت لهم … كادت تموت وأخرى منك تنتظر يا لهف نفسي ولهف الواجدين معي … على العدول التي تغتالها الحفر ثلاثة ما رأت عيني لهم شبها … تضم أعظمهم في المسجد الحفر وأنت تتبعهم لم تأل مجتهدا … سقيا لها سنن بالحق تفتقر لو كنت أملك والاقدار غالبة … تأتي رواحا وتبيانا وتبتكر صرفت عن عمر الخيرات مصرعه … بدير سمعان لكن يغلب القدر قالوا: وكانت وفاته بدير سمعان من أرض حمص، يوم الخميس، وقيل الجمعة لخمس مضين، وقيل بقين من رجب، وقيل لعشر بقين منه، سنة إحدى وقيل ثنتين ومائة، وصلى عليه ابن عمه مسلمة بن عبد الملك، وقيل صلى عليه يزيد بن عبد الملك، وقيل ابنه عبد العزيز بن عمر بن

стр. 3444

عبد العزيز، وكان عمره يوم مات تسعا وثلاثين سنة وأشهرا، وقيل إنه جاوز الأربعين بأشهر، وقيل بستة. وقيل بأكثر، وقيل إنه عاش ثلاثا وستين سنة، وقيل ستا وثلاثين، وقيل سبعا وثلاثين، وقيل ثمانيا وثلاثين سنة، وقيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين ولم يبلغها. وقال أحمد عن عبد الرزاق عن معمر: مات على رأس خمس وأربعين سنة. قال ابن عساكر: وهذا وهم، والصحيح الأول تسعا وثلاثين سنة وأشهرا. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وقيل أربعة عشر يوما، وقيل سنتان ونصف. وكان ﵀ أسمر دقيق الوجه حسنه نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين، بجبهته أثر شجة وكان قد شاب وخضب ﵀، والله سبحانه أعلم. فصل لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة جاءه صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة على عادته مع الخلفاء قبله، فقال له عمر: ما لي ولك؟ تنح عني، إنما أنا رجل من المسلمين. ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع الناس إليه فقال: أيها الناس! إني قد ابتليت بهذا الامر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم ولأمركم من تريدون. فصاح المسلمون صيحة واحدة: قد اخترناك لأنفسنا وأمرنا، ورضينا كلنا بك. فلما هدأت أصواتهم حمد الله وأثنى عليه وقال: أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شئ، وليس من تقوى الله خلف (١)، وأكثروا من ذكر الموت فإنه هادم اللذات، وأحسنوا الاستعداد له قبل نزوله، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها ولا في كتابها ولا في نبيها، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أعطي أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا، ثم رفع صوته فقال: أيها الناس! من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهتكت والثياب التي كانت تبسط للخلفاء أمر بها فبيعت، وأدخل أثمانها في بيت المال، ثم ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين ماذا تريد أن تصنع؟ قال: يا بني أقيل، قال: تقيل ولا ترد المظالم إلى أهلها؟ فقال: إني سهرت البارحة في أمر سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم. فقال له ابنه: ومن لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: ادن مني أي بني، فدنا منه فقبل بين عينيه وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني. ثم قام وخرج وترك القائلة وأمر مناديه

стр. 3445

فنادى: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي من أهل حمص (١) فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله، قال: ما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي. والعباس جالس، فقال له عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم! أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد وكتب لي بها سجلا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى. فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد، قم فاردد عليه ضيعته، فردها عليه. ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه. فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها، سواء كانت في يده أو في يد غيره حتى أخذ أموال بني مروان وغيرهم، مما كان في أيديهم بغير استحقاق، فاستغاث بنو مروان بكل واحد من أعيان الناس، فلم يفدهم ذلك شيئا، فأتوا عمتهم فاطمة بنت مروان - وكانت عمته - فشكوا إليها ما لقوا من عمر، وأنه قد أخذ أموالهم ويستنقصون عنده، وأنه لا يرفع بهم رأسا، وكانت هذه المرأة لا تحجب عن الخلفاء، ولا ترد لها حاجة، وكانوا يكرمونها ويعظمونها، وكذلك كان عمر يفعل معها قبل الخلافة، وقامت فركبت إليه، فلما دخلت عليه عظمها وأكرمها، لأنها أخت أبيه، وألقى لها وسادة، وشرع يحادثها، فرآها غضبى وهي على غير العادة، فقال لها عمر: يا عمة مالك؟ فقالت: بنو أخي عبد الملك وأولادهم يهانون في زمانك وولايتك؟ وتأخذ أموالهم فتعطيها لغيرهم، ويسبون عندك فلا تنكر؟ فضحك عمر وعلم أنها متحملة، وأن عقلها قد كبر، ثم شرع يحادثها والغضب لا يتحيز عنها، فلما رأى ذلك أخذ معها في الجد، فقال: يا عمه! اعلمي أن النبي ﷺ مات وترك الناس على نهر مورود، فولى ذلك النهر بعده رجل فلم يستنقص منه شيئا حتى مات، ثم ولى ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فلم يستنقص منه شيئا حتى مات، ثم ولى ذلك النهر رجل آخر فكرى منه ساقية، ثم لم يزل الناس بعده يكرون السواقي حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه، وأيم الله لئن أبقاني الله لأردنه إلى مجراه الأول، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وإذا كان الظلم من الأقارب الذين هم بطانة الوالي، والوالي لا يزيل ذلك، فكيف يستطيع أن يزيل ما هو ناء عنه في غيرهم؟ فقالت: فلا يسبوا عندك؟ قال: ومن يسبهم؟ إنما يرفع الرجل مظلمته فآخذ له بها. ذكر ذلك ابن أبي الدنيا وأبو نعيم وغيرهما، وقد أشار إليه المؤلف إشارة خفية. وقال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر في مرضه فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة: ألا تغسلوا قميص أمير المؤمنين؟ فقالت: والله ماله قميص غيره، وبكى فبكت فاطمة فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما انجلت عنهم العبرة قالت فاطمة: ما أبكاك

стр. 3446

يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني ذكرت منصرف الخلائق من بين يدي الله، فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه. وعرض عليه مرة مسك من بيت المال فسد أنفه حتى وضع، فقيل له في ذلك فقال: وهل ينتفع من المسك إلا بريحه؟ ولما احتضر دعا بأولاده وكانوا بضعة عشر ذكرا، فنظر إليهم فذرفت عيناه ثم قال: بنفسي الفتية. وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل كثيرا بهذه الأبيات: - يرى مستكينا وهو للقول ماقت … به عن حديث القوم ما هو شاغله وأزعجه علم عن الجهل كله … وما عالم شيئا كمن هو جاهله عبوس عن الجهال حين يراهم … فليس له منهم خدين يهازله تذكر ما يبقى من العيش فارعوى … فأشغله عن عاجل العيش آجله وروى ابن أبي الدنيا عن ميمون بن مهران قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده سابق البربري وهو ينشده شعرا، فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات: - فكم من صحيح بات للموت آمنا … أتته المنايا بغتة بعد ما هجع فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة … فرارا ولا منه بقوته امتنع فأصبح تبكيه النساء مقنعا … ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع وقرب من لحد فصار مقيله … وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع فلا يترك الموت الغني لماله … ولا معدما في المال ذا حاجة يدع وقال رجا بن حياة: لما مات أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وقام يزيد بن عبد الملك بعده في الخلافة، أتاه عمر بن الوليد بن عبد الملك فقال ليزيد يا أمير المؤمنين! إن هذا المرائي - يعني عمر بن عبد العزيز - قد خان من المسلمين كل ما قدر عليه من جوهر نفيس ودر ثمين، في بيتين في داره مملوءين، وهما مقفولان على ذلك الدر والجوهر. فأرسل يزيد إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر: بلغني أن عمر خلف جوهرا ودرا في بيتين مقفولين. فأرسلت إليه: يا أخي ما ترك عمر من سبد ولا لبد، إلا ما في هذا المنديل. وأرسلت إليه به، فحله فوجد فيه قميصا غليظا مرقوعا، ورداء قشبا، وجبة محشوة غليظة واهية البطانة. فقال يزيد للرسول: قل لها: ليس عن هذا أسأل، ولا هذا أريد، إنما أسأل عما في البيتين. فأرسلت تقول له: والذي فجعني بأمير المؤمنين ما دخلت هذين البيتين منذ ولي الخلافة، لعلمي بكراهته لذلك، وهذه مفاتيحهما فتعال فحول ما فيهما لبيت مالك. فركب يزيد ومعه عمر بن الوليد حتى دخل الدار ففتح أحد البيتين فإذا فيه كرسي من أدم وأربع آجرات مبسوطات عند الكرسي، وقمقم. فقال عمر بن الوليد: أستغفر الله، ثم فتح البيت الثاني فوجد فيه مسجدا مفروشا بالحصا، وسلسلة معلقة بسقف البيت، فيها كهيئة الطوق

стр. 3447

بقدر ما يدخل الانسان رأسه فيها إلى أن تبلغ العنق، كان إذا فتر عن العبادة أو ذكر بعض ذنوبه وضعها في رقبته، وربما كان يضعها إذا نعس لئلا ينام، ووجدوا صندوقا مقفلا ففتح فوجدوا فيه سفطا ففتحه فإذا فيه دراعة وتبان، كل ذلك من مسوح غليظ، فبكى يزيد ومن معه وقال: يرحمك الله يا أخي، إن كنت لنقي السريرة، نقي العلانية. وخرج عمر بن الوليد وهو مخذول وهو يقول: أستغفر الله، إنما قلت ما قيل لي. وقال رجاء: لما احتضر جعل يقول: اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب لما عجلت تأخيرا، ولا لما أخرت تعجيلا. فلا زال يقول ذلك حتى مات. وكان يقول: لقد أصبحت ومالي في الأمور هوى إلا في مواضع قضاء الله فيها. وقال شعيب بن صفوان: كتب سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة: أما بعد يا عمر فإنه قد ولي الخلافة والملك قبلك أقوام، فماتوا على ما قد رأيت، ولقوا الله فرادى بعد الجموع والحفدة والحشم، وعالجوا نزع الموت الذي كانوا منه يفرون، فأنفقأت عينهم التي كانت لا تفتأ تنظر لذاتها، واندفنت رقابهم غير موسدين بعد لين الوسائد، وتظاهر الفرش والمرافق والسرر والخدم، وانشقت بطونهم التي كانت لا تشبع من كل نوع ولون من الأموال والأطعمة، وصاروا جيفا بعد طيب الروائح العطرة، حتى لو كانوا إلى جانب مسكين ممن كانوا يحقرونه وهم أحياء لتأذى بهم، ولنفر منهم، بعد إنفاق الأموال على أغراضهم من الطيب والثياب الفاخرة اللينة، كانوا ينفقون الأموال إسرافا في أغراضهم وأهوائهم، ويقترون في حق الله وأمره، فإن استطعت أن تلقاهم يوم القيامة وهم محبوسون مرتهنون بما عليهم، وأنت غير محبوس ولا مرتهن بشئ فافعل، واستعن بالله ولا قوة إلا بالله سبحانه: وما ملك عما قليل بسالم … ولو كثرت أحراسه ومواكبه (١) ومن كان ذا باب شديد وحاجب (٢) … فعما قليل يهجر الباب حاجبه وما كان غير الموت حتى تفرقت … إلى غيره أعوانه وحبائبه (٣) فأصبح مسرورا به كل حاسد (٤) … وأسلمه أصحابه وحبائبه (٥)

стр. 3448

وقيل إن هذه الأبيات لغيره. وقال ابن أبي الدنيا في كتاب الاخلاص: حدثنا عاصم بن عامر، حدثنا أبي، عن عبد ربه بن أبي هلال، عن ميمون بن مهران قال تكلم عمر بن عبد العزيز ذات يوم وعنده رهط من إخوانه ففتح له منطق وموعظة حسنة، فنظر إلى رجل من جلسائه وقد ذرفت عيناه بالدموع، فلما رأى ذلك عمر قطع منطقه، فقلت له: يا أمير المؤمنين امض في موعظتك فإني أرجو أن يمن الله به على من سمعه أو بلغه، فقال إليك عني يا أبا أيوب، فإن في القول على الناس فتنة لا يخلص من شرها متكلم عليهم، والفعال أولى بالمؤمن من المقال. وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه قال: استعملنا أقواما كنا نرى أنهم أبرار أخيار، فلما استعملناهم إذا هم يعملون أعمال الفجار، قاتلهم الله، أما كانوا يمشون على القبور! وروى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يذكر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وبلغه عنه بعض ما يكره -: أما بعد فإنه غرني بك مجالستك الفراء، وعمامتك السوداء، وإرسالك إياها من وراء ظهرك، وإنك أحسنت العلانية فأحسنا بك الظن، وقد أطلعنا الله على كثير مما تعملون. وروى الطبراني والدار قطني وغير واحد من أهل العلم بأسانيدهم إلى عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله واتباع سنة رسوله، والاقتصاد في أمره، وترك ما أحدث المحدثون بعده، ممن قد حارب سنته، وكفوا مؤنته، ثم اعلم أنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل على بطلانها - أو قال دليل عليها - فعليك لزوم السنة، فإنه إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزيغ والزلل، والحمق والخطأ والتعمق، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وعلى العمل الشديد أشد، وإنما كان عملهم على الأسد، ولو كان فيما تحملون أنفسكم فضل لكانوا فيه أحرى، وإليه أجرى، لأنهم السابقون إلى كل خير، فإن قلت: قد حدث بعدهم خير، فاعلم أنه إنما أحدثه من قد اتبع غير سبيل المؤمنين، وحاد عن طريقهم، ورغبت نفسه عنهم، ولقد تكلموا منه ما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فأين لا أين، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم غير محسن، ولقد قصر أقوام دينهم فحفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، فرحم الله ابن عبد العزيز. ما أحسن هذا القول الذي ما يخرج إلا من قلب قد امتلأ بالمتابعة ومحبة ما كان عليه الصحابة، فمن الذي يستطيع أن يقول مثل هذا من الفقهاء وغيرهم؟ فرحمه الله وعفا عنه. وروى الخطيب البغدادي من طريق يعقوب بن سفيان الحافظ عن سعيد بن أبي مريم، عن رشيد بن سعيد قال: حدثني عقيل، عن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز. قال: سن رسول الله ﷺ وخلفاؤه بعده سننا، الاخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، ليس على أحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأى من خالفها، فمن اقتدى بما سبق هدي، ومن استبصر

стр. 3449

بها أبصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وأمر عمر بن عبد العزيز مناديه ذات يوم فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم فقال في خطبته: إني لم أجمعكم إلا أن المصدق منكم بما بين يديه من لقاء الله والدار الآخرة ولم يعمل لذلك ويستعد له أحمق، والمكذب له كافر. ثم تلا قوله تعالى (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم) [فصلت: ٥٤] وقوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) [يوسف: ١٠٦]. وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه أرسل أولاده مع مؤدب لهم إلى الطائف يعلمهم هناك، فكتب إليه عمر: بئس ما علمت، إذ قدمت إمام المسلمين صبيا لم يعرف النية - أو لم تدخله النية - ذكره في كتاب النية له. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الرقة والبكاء، عن مولى لعمر بن عبد العزيز أنه قال له: يا بني ليس الخير أن يسمع لك وتطاع، وإنما الخير أن تكون قد غفلت عن ربك ثم أطعته، يا بني لا تأذن اليوم لاحد علي حتى أصبح ويرتفع النهار، فإني أخاف أن لا أعقل عن الناس ولا يفهمون عني، فقال له مولاه: رأيتك البارحة بكيت بكاء ما رأيتك بكيت مثله، قال فبكى ثم قال: يا بني إني والله ذكرت الوقوف بين يدي الله . قال: ثم غشي عليه فلم يفق حتى علا النهار، قال: فما رأيته بعد ذلك متبسما حتى مات. وقرأ ذات يوم (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا) [يونس: ٦١] الآية، فبكى بكاءا شديدا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة فجلست تبكي لبكائه وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء ابنه عبد الملك فدخل عليهم وهم على تلك الحال، فقال له: يا أبة ما يبكيك؟ فقال: يا بني خير، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أن أهلك وأن أكون من أهل النار. وروى ابن أبي الدنيا عن عبد الأعلى بن أبي عبد الله العنبري. قال: رأيت عمر بن عبد العزيز خرج يوم الجمعة في ثياب دسمة، وراءه حبشي يمشي فلما انتهى إلى الناس رجع الحبشي، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال: هكذا رحمكما الله، حتى صعد المنبر فخطب فقرأ (إذا الشمس كورت) [التكوير: ١] فقال: وما شأن الشمس (وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت) [التكوير: ١٢ - ١٣] فبكى وبكى أهل المسجد، وارتج المسجد بالبكاء حتى رأيت حيطان المسجد تبكي معه، ودخل عليه أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين جاءت بي إليك الحاجة، وانتهيت إلى الغاية، والله سائلك عني. فبكى عمر وقال له: كم أنتم؟ فقال: أنا وثلاث بنات. ففرض له على ثلاثمائة، وفرض لبناته مائة مائة، وأعطاه مائة درهم من ماله، وقال له: اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ معهم.

стр. 3450

وجاءه رجل من أهل آذربيجان فقام بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين أذكر بمقامي هذا بين يديك مقامك غدا بين يدي الله، حيث لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق، من يوم تلقاه بلائقة من العمل، ولا براءة من الذنب، قال: فبكى عمر بكاءا شديدا ثم قال له: ما حاجتك؟ فقال: إن عاملك بآذربيجان عدا علي فأخذ مني اثني عشر ألف درهم فجعلها في بيت المال. فقال عمر: اكتبوا له الساعة إلى عاملها، فليرد عليه، ثم أرسله مع البريد. وعن زياد مولى ابن عياش قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في ليلة باردة شاتية، فجعلت أصطلي على كانون هناك، فجاء عمرو هو أمير المؤمنين فجعل يصطلي معي على ذلك الكانون، فقال لي: يا زياد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: قص علي، قلت ما أنا بقاص، فقال: تكلم، فقلت زياد، فقال: ما له؟ فقلت: لا ينفعه من دخل الجنة إذا دخل النار، ولا يضره من دخل النار إذا دخل الجنة، فقال: صدقت، ثم بكى حتى أطفأ الجمر الذي في الكانون. وقال له زياد العبدي: يا أمير المؤمنين لا تعمل نفسك في الوصف واعملها في المخرج مما وقعت فيه، فلو أن كل شعرة فيك نطقت بحمد الله وشكره والثناء عليه ما بلغت كنه ما أنت فيه، ثم قال له زياد: يا أمير المؤمنين أخبرني عن رجل له خصم ألد ما حاله؟ قال: سئ الحال، قال: فإن كانا خصمين الدين؟ قال: فهو أسوأ حالا، قال: فإن كانوا ثلاثة؟ قال: ذاك حيث لا يهنئه عيش. قال: فوالله يا أمير المؤمنين ما أحد من أمة محمد ﷺ إلا وهو خصمك، قال: فبكى عمر حتى تمنيت أني لم أكن حدثته ذلك. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة وأهل البصرة: أما بعد فإن من الناس من شاب في هذا الشراب، ويغشون عنده أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم، فسفكوا له الدم الحرام، وارتكبوا فيه الفروج الحرام، والمال الحرام، وقد جعل الله عن ذلك مندوحة من أشربة حلال، فمن انتبذ فلا ينتبذ إلا من أسقية الادم، واستغنوا بما أحل الله عما حرم، فإنا من وجدناه شرب شيئا مما حرم الله بعد ما تقدمنا إليه، جعلنا له عقوبة شديدة، ومن استخف بما حرم الله عليه فالله أشد عقوبة له وأشد تنكيلا. خلافة يزيد بن عبد الملك بويع له بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك أن يكون ولي الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز، فلما توفي عمر في رجب من هذه السنة - أعني سنة إحدى ومائة - بايعه الناس البيعة العامة، وعمره إذ ذاك تسع وعشرون سنة، فعزل في رمضان منها عن إمرة المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وولى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، فجرت بينه وبين أبي بكر بن حزم منافسات وضغائن، حتى آل الامر إلى أن استدرك عليه حكومة فحده حدين فيها (١).

стр. 3451

وفيها كانت وقعة بين الخوارج، وهم أصحاب بسطام الخارجي، وبين جند الكوفة، وكانت الخوارج جماعة قليلة، وكان جيش الكوفة نحوا من عشرة آلاف فارس، وكادت الخوارج أن تكسرهم، فتذامروا بينهم فطحنوا الخوارج طحنا عظيما، وقتلوهم عن آخرهم، فلم يبقوا منهم ثائرة. وفيها خرج يزيد بن المهلب فخلع يزيد بن عبد الملك واستحوذ على البصرة، وذلك بعد محاصرة طويلة، وقتال طويل، فلما ظهر عليها بسط العدل في أهلها، وبذل الأموال، وحبس عاملها عدي بن أرطاة، لأنه كان قد حبس آل المهلب الذين كانوا بالبصرة (١)، حين هرب يزيد بن المهلب من محبس عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا، ولما ظهر على قصر الامارة أتي بعدي بن أرطاة فدخل عليه وهو يضحك، فقال يزيد بن المهلب: إني لأعجب من ضحكك، لأنك هربت من القتال كما تهرب النساء، إنك جئتني وأنت تتل كما يتل العبد. فقال عدي: إني لأضحك لان بقائي بقاء لك وأن من ورائي طالبا لا يتركني، قال: ومن هو؟ قال: جنود بني أمية بالشام، ولا يتركونك، فدارك نفسك (٢) قبل أن يرمي إليك البحر بأمواجه، فتطلب الإقالة فلا تقال (٣). فرد عليه يزيد جواب ما قال، ثم سجنه كما سجن أهله، واستقر أمر يزيد بن المهلب على البصرة، وبعث نوابه في النواحي والجهات، واستناب في الأهواز، وأرسل أخاه مدرك بن المهلب على نيابة خراسان، ومعه جماعة من المقاتلة، فلما بلغ خبره الخليفة يزيد بن عبد الملك جهز ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف (٤)، مقدمة بين يدي عمه مسلمة بن عبد الملك، وهو في جنود الشام، قاصدين البصرة لقتاله، ولما بلغ يزيد بن المهلب مخرج الجيوش إليه خرج من البصرة واستناب عليها أخاه مروان بن المهلب، وجاء حتى نزل واسط، واستشار من معه من الامراء فيما ذا يعتمده؟ فاختلفوا عليه في الرأي، فأشار عليه بعضهم بأن يسير إلى الأهواز ليتحصن في رؤوس الجبال، فقال: إنما تريدون أن تجعلوني طائرا في رأس جبل؟ وأشار عليه رجل أهل العراق أن يسير إلى الجزيرة فينزلها بأحصن حصن فيها، ويجتمع عليه أهل الجزيرة فيقاتل بهم أهل الشام، وانسلخت هذه السنة وهو نازل بواسط وجيش الشام قاصده. وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس أمير المدينة، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن

стр. 3452

الخطاب، وعلى قضائها عامر الشعبي، وعلى البصرة يزيد بن المهلب. قد استحوذ عليها وخلع أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك. وفيها توفي عمر بن عبد العزيز، وربعي بن حراش، وأبو صالح السمان وكان عابدا صادقا ثبتا، وقد ترجمناه في كتابنا التكميل والله أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين ومائة فيها كان اجتماع مسلمة بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب، وذلك أن يزيد بن المهلب ركب من واسط واستخلف عليها ابنه معاوية، وسار هو في جيش، وبين يديه أخوه عبد الملك بن المهلب، حتى بلغ مكانا يقال له العقر (١)، وانتهى إليه مسلمة بن عبد الملك في جنود لا قبل ليزيد بها، وقد التقت المقدمتان أولا فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم أهل البصرة أهل الشام، ثم تذامر أهل الشام فحملوا على أهل البصرة فهزموهم وقتلوا منهم جماعة من الشجعان، منهم المنتوف، وكان شجاعا مشهورا، وكان من موالي بكر بن وائل، فقال في ذلك الفرزدق: تبكي على المنتوف بكر بن وائل … وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما فأجابه الجعد بن درهم مولى الثوريين من همدان، وهذا الرجل هو أول الجهمية، وهو الذي ذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى فقال الجعد: - نبكي على المنتوف في نصر قومه … وليتنا نبكي الشائدين أباهما أرادا فناء الحي بكر بن وائل … فعز تميم لو أصيب فناهما فلا لقيا روحا من الله ساعة … ولا رقأت عينا شجي بكاهما أفي الغش نبكي إن بكينا عليهما … ولقد لقيا بالغش فينا رداهما ولما اقترب مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد من جيش يزيد بن المهلب، خطب يزيد بن المهلب الناس وحرضهم على القتال - يعني قتال أهل الشام - وكان مع يزيد نحو من مائة ألف، وعشرين ألفا (٢)، وقد بايعوه على السمع والطاعة، وعلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى أن لا يطأ الجنود بلادهم، وعلى أن لا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، ومن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن خالفنا قاتلناه. وكان الحسن البصري في هذه الأيام يحرض الناس على الكف وترك الدخول في الفتنة،

стр. 3453

وينهاهم أشد النهي، وذلك لما وقع من القتال الطويل العريض في أيام ابن الأشعث، وما قتل بسبب ذلك من النفوس العديدة، وجعل الحسن يخطب الناس ويعظهم في ذلك، ويأمرهم بالكف، فبلغ ذلك نائب البصرة عبد الملك (١) بن المهلب، فقام في الناس خطيبا فأمرهم بالجد والجهاد، والنفر إلى القتال، ثم قال: ولقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي - ولم يسمه - يثبط الناس، أما والله ليكفن عن ذلك أو لأفعلن ولأفعلن، وتوعد الحسن، فلما بلغ الحسن قوله قال: أما والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه، فسلمه الله منه حتى زالت دولتهم، وذلك أن الجيوش لما تواجهت تبارز الناس قليلا، ولم ينشب الحرب شديدا حتى فر أهل العراق سريعا، وبلغهم أن الجسر الذي جاؤوا عليه حرق فانهزموا، فقال يزيد بن المهلب: ما بال الناس؟ ولم يكن من الامر ما يفر من مثله، فقيل له: إنه بلغهم أن الجسر الذي جاؤوا عليه قد حرق. فقال: قبحهم الله، ثم رام أن يرد المنهزمين فلم يمكنه، فثبت في عصابة من أصحابه وجعل بعضهم يتسللون منه حتى بقي في شرذمة قليلة، وهو مع ذلك يسير قدما لا يمر بخيل إلا هزمهم، وأهل الشام يتجاورون عنه يمينا وشمالا، وقد قتل أخوه حبيب بن المهلب، فازداد حنقا وغيظا، وهو على فرس له أشهب (٢)، ثم قصد نحو مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره، فلما واجهه حملت عليه خيول الشام فقتلوه، وقتلوا معه أخاه محمد بن المهلب، وقتلوا السميذع، وكان من الشجعان، وكان الذي قتل يزيد بن المهلب رجل يقال له القجل بن عياش (٣)، فقتل إلى جانب يزيد بن المهلب، وجاؤوا برأس يزيد إلى مسلمة بن عبد الملك، فأرسله مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى أخيه أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، واستحوذ مسلمة على ما في معسكر يزيد بن المهلب، وأسر منهم نحوا من ثلاثمائة (٤)، فبعث بهم إلى الكوفة، وبعث إلى أخيه فيهم، فجاء كتابه بقتلهم، فسار مسلمة فنزل الحيرة. ولما انتهت هزيمة ابن المهلب إلى ابنه معاوية وهو بواسط، عمد إلى نحو من ثلاثين (٥) أسيرا في يده فقتلهم، منهم نائب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، عدي بن أرطاة ﵀ وابنه، ومالك وعبد الملك ابنا مسمع، وجماعة من الاشراف، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه الخزائن من الأموال، وجاء معه عمه المفضل بن المهلب إليه، فاجتمع آل المهلب بالبصرة فأعدوا السفن وتجهزوا أتم الجهاز

стр. 3454

واستعدوا للهرب، فساروا بعيالهم وأثقالهم حتى أتوا جبال كرمان فنزلوها، واجتمع عليهم جماعة ممن فل من الجيش الذي كان مع يزيد بن المهلب، وقد أمروا عليهم المفضل بن المهلب، فأرسل مسلمة جيشا عليهم هلال بن مأجور المحاربي في طلب آل المهلب، ويقال إنهم أمروا عليهم رجلا يقال له مدرك بن ضب الكلبي (١)، فلحقهم بجبال كرمان فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا، فقتل جماعة من أصحاب المفضل وأسر جماعة من أشرافهم وانهزم بقيتهم، ثم لحقوا المفضل فقتلوه وحمل رأسه إلى مسلمة بن عبد الملك، وأقبل جماعة من أصحاب يزيد بن المهلب فأخذوا لهم أمانا من أمير الشام منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، ثم أرسلوا بالأثقال والأموال والنساء والذرية فوردت على مسلمة بن عبد الملك ومعهم رأس المفضل ورأس عبد الملك بن المهلب، فبعث مسلمة بالرؤوس وتسعة من الصبيان الحسان إلى أخيه يزيد، فأمر بضرب أعناق أولئك، ونصبت رؤوسهم بدمشق ثم أرسلها إلى حلب فنصبت بها، وحلف مسلمة بن عبد الملك ليبيعن ذراري آل المهلب، فاشتراهم بعض الامراء إبرارا لقسمه بمائة ألف، فأعتقهم وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة من ذلك الأمير شيئا. وقد رثا الشعراء يزيد بن المهلب بقصائد ذكرها ابن جرير. ولاية مسلمة على بلاد العراق وخراسان وذلك أنه لما فرغ من حرب آل المهلب كتب إليه أخوه يزيد بن عبد الملك بولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة. فاستناب على الكوفة وعلى البصرة (٢)، وبعث إلى خراسان ختنه - زوج ابنته - سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، الملقب بخذينة، فسار إليها فحرض أهلها على الصبر والشجاعة، وعاقب عمالا ممن كان ينوب لآل المهلب، وأخذ منهم أموالا جزيلة، ومات بعضهم تحت العقوبة. ذكر وقعة جرت بين الترك والمسلمين وذلك أن خاقان الملك الأعظم ملك الترك، بعث جيشا إلى الصفد لقتال المسلمين، عليهم رجل منهم يقال له كورصول، فأقبل حتى نزل على قصر الباهلي، فحصره وفيه خلق من المسلمين

стр. 3455

فصالحهم نائب سمرقند - وهو عثمان بن عبد الله بن مطرف - على أربعين ألفا، ودفع إليهم سبعة عشر دهقانا رهائن عندهم، ثم ندب عثمان الناس فانتدب رجل يقال له المسيب بن بشر الرياحي في أربعة آلاف، فساروا نحو الترك، فلما كان في بعض الطريق [خطبهم] فحثهم على القتال وأخبرهم أنه ذاهب إلى الأعداء لطلب الشهادة، فرجع عنه أكثر من ألف، ثم لم يزل في كل منزل يخطبهم ويرجع عنه بعضهم، حتى بقي في سبعمائة مقاتل، فسار بهم حتى غالق جيش الأتراك، وهم محاصرو ذلك القصر، وقد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم وذبح أولادهم أمامهم، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يقتلوا عن آخرهم، فبعث إليهم المسيب يثبتهم يومهم ذلك، فثبتوا ومكث المسيب حتى إذا كان وقت السحر فكبر وكبر أصحابه، وقد جعلوا شعارهم يا محمد، ثم حملوا على الترك حملة صادقة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وعقروا دواب كثيرة، ونهض إليهم الترك فقاتلوهم قتالا شديدا، حتى فر أكثر المسلمين، وضربت دابة المسيب في عجزها فترجل وترجل معه الشجعان، فقاتلوا وهم كذلك قتالا عظيما، والتف الجماعة بالمسيب وصبروا حتى فتح الله عليهم، وفر المشركون بين أيديهم هاربين لا يلوون على شئ، وقد كان الأتراك في غاية الكثرة، فنادى منادي المسيب: أن لا تتبعوا أحدا، وعليكم بالقصر وأهله، فاحتملوهم وحازوا ما في معسكر أولئك الأتراك من الأموال والأشياء النفيسة وانصرفوا راجعين سالمين بمن معهم من المسلمين الذين كانوا محصورين، وجاءت الترك من الغد فلم يجدوا به داعيا ولا مجيبا، فقالوا في أنفسهم: هؤلاء الذين لقونا بالأمس لم يكونوا إنسا، إنما كانوا جنا. وممن توفي فيها من الأعيان والسادة: الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم، ويقال أبو محمد، الخراساني، كان يكون ببلخ وسمرقند ونيسابور، وهو تابعي جليل روى عن أنس وابن عمر وأبي هريرة، وجماعة من التابعين، وقيل إنه لم يصح له سماع من الصحابة حتى ولا من ابن عباس سماع، وإن كان قد روي أنه جاوره سبع سنين، وكان الضحاك إماما في التفسير، قال الثوري: خذوا التفسير عن أربعة، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك، وقال الإمام أحمد: هو ثقة، وأنكر شعبة سماعه من ابن عباس، وقال: إنما أخذ عن سعيد عنه، وقال ابن سعيد القطان: كان ضعيفا. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لم يشافه أحدا من الصحابة، ومن قال: إنه لقي ابن عباس فقدوهم، وحملت به أمه سنتين، ووضعته وله أسنان، وكان يعلم الصبيان حسبة، وقيل إنه مات سنة خمس وقيل سنة ست ومائة والله أعلم. أبو المتوكل الناجي اسمه علي بن البصري، تابعي جليل، ثقة، رفيع القدر، مات وقد بلغ الثمانين رحمه الله تعالى.

стр. 3456

ثم دخلت سنة ثلاث ومائة فيها عزل أمير العراق عمر بن هبيرة سعيد - الملقب خذينة عن نيابة خراسان (١)، وولى عليها سعيد بن عمرو الجريشي (٢)، بإذن أمير المؤمنين، وكان سعيد هذا من الابطال المشهورين، انزعج له الترك وخافوه خوفا شديدا، وتقهقروا من بلاد الصفد إلى ما وراء ذلك، من بلاد الصين وغيرها، وفيها جمع يزيد بن عبد الملك لعبد الرحمن بن الضحاك بن قيس بين إمرة المدينة وإمرة مكة، وولى عبد الرحمن الواحد بن عبد الله النضري نيابة الطائف. وحج بالناس فيها أمير الحرمين عبد الرحمن ابن الضحاك بن قيس والله أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: يزيد بن أبي مسلم أبو العلاء المدني. عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد القاص المدني، مولى ميمونة، وهو أخو سليمان، وعبد الله، وعبد الملك، وكلهم تابعي. وروى هذا عن جماعة من الصحابة، ووثقه غير واحد من الأئمة، وقيل إنه توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقيل توفي قبل المائة بالإسكندرية، وقد جاوز الثمانين والله سبحانه أعلم. مجاهد بن جبير المكي أبو الحجاج القرشي المخزومي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، أحد أئمة التابعين والمفسرين كان من أخصاء أصحاب ابن عباس، وكان أعلم أهل زمانه بالتفسير، حتى قيل إنه لم يكن أحد يريد بالعلم وجه الله إلا مجاهد وطاووس، وقال مجاهد: أخذ ابن عمر بركابي وقال: وددت أن ابني سالما وغلامي نافعا يحفظان حفظك. وقيل إنه عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، وقيل مرتين، أقفه عند كل آية وأسأله عنها (٣)، مات مجاهد وهو ساجد سنة مائة، وقيل إحدى وقيل ثنتين وقيل ثلاث ومائة، وقيل أربع ومائة، وقد جاوز الثمانين والله أعلم. فصل أسند مجاهد عن أعلام الصحابة وعلمائهم، عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وابن عمرو وأبي سعيد ورافع بن خديج. وعنه خلق من التابعين (٤) قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم،

стр. 3457

ثنا عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عياش قال: أخبرني أبو يحيى أنه سمع مجاهدا يقول: قال لي ابن عباس: لا تنامن إلا على وضوء فإن الأرواح تبعث على ما قبضت عليه. وروى الطبراني عنه أنه قال في قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن) [المؤمنون: ٩٦] قال: يسلم عليه إذا لقيه وقيل هي المصافحة. وروى عمرو بن مرة عنه أنه قال: أوحى الله إلى داود ﵇: اتق لا يأخذك الله على ذنب لا ينظر فيه إليك فتلقاه حين تلقاه وليست لك حاجة. وروى ابن أبي شيبة، عن أبي أمامة، عن الأعمش عن مجاهد. قال: كان بالمدينة أهل بيت ذوي حاجة، عندهم رأس شاة فأصابوا شيئا، فقالوا: لو بعثنا بهذا الرأس إلى من هو أحوج إليه منا، فبعثوا به فلم يزل يدور بالمدينة حتى رجع إلى أصحابه الذين خرج من عندهم أولا. وروى ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن منصور عن مجاهد قال: ما من مؤمن يموت إلا بكى عليه السماء والأرض أربعين صباحا. وقال: فلأنفسهم يمهدون. قال: في القبر. وروى الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبانة عن مجاهد قال: كان يحج من بني إسرائيل مائة ألف، فإذا بلغوا أرصاف الحرم خلعوا نعالهم ثم دخلوا الحرم حفاة. وقال يحيى بن سعيد القطان قال مجاهد في قوله تعالى: (يا مريم اقنتي لربك) [آل عمران: ٤٣] قال: اطلبي الركود. وفي قوله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) [الاسراء: ٦٤] قال المزامير. وقال في قوله تعالى (أنكالا وجحيما) [المزمل: ١٢] قال: قيود. وقال في قوله: (لا حجة بيننا وبينكم) [الشورى: ١٥] قال لا خصومة. وقال: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) [التكاثر: ٨] قال: عن كل لذة في الدنيا. وروى أبو الديبع عن جرير بن عبد الحسيب عن منصور عن مجاهد. قال رن إبليس أربع رنات، حين لعن، وحين أهبط، وحين بعث النبي ﷺ وحين أنزلت (الحمد لله رب العالمين) [الفاتحة: ٢] وأنزلت بالمدينة. وكان يقال: الرنة والنخرة من الشيطان، فلعن من رن أو نخر. وروى ابن أبي نجيح عنه في قوله تعالى (أتبنون بكل ريع آية تعبثون) [الشعراء: ١٢٨] قال: بروج الحمام. وقال في قوله تعالى (أنفقوا من طيبات ما كسبتم) [البقرة: ٢٦٧] قال: التجارة. وروى ليث عن مجاهد قال (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) [فصلت: ٣٠] قال: استقاموا فلم يشركوا حتى ماتوا. وروى يحيى بن سعيد بن سفيان عن ابن أبجر عن طلحة بن مصرف عن مجاهد (ولم يكن له كفوا أحد) [اخلاص: ٤] قال: صاحبة. وقال ليث عن مجاهد قال: النملة التي كلمت سليمان كانت مثل الذئب العظيم. وروى الطبراني عن أبي نجيح عن مجاهد. قال: كان الغلام من قوم عاد لا يحتلم حتى يبلغ مائتي سنة. وقال: (سأل سائل) [المعارج: ١] دعا داع. وفي قوله (ماء غدقا لنفتنهم فيه) [الجن: ١٦ - ١٧] حتى يرجعوا إلى علمي فيه (لا يشركون بي شيئا) [النور: ٥٥] قال لا يحبون غيري. (الذين يمكرون السيئات) [غافر: ١٠] قال هم المراءون. وفي قوله تعالى: (قل

стр. 3458

للذين آمنوا يغفرون للذين لا يرجون أيام الله) [الجاثية: ١٣] قال هم الذين لا يدرون أنعم الله عليهم أم لم ينعم. ثم قرأ (وذكرهم بأيام الله) [إبراهيم: ٥] قال: أيامه نعمه ونقمه. (فردوه إلى الله والرسول) [النساء: ٥٨] فردوه إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيا، فإذا مات فإلى سنته. (وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة) [لقمان: ٢٠] قال: أما الظاهرة فالاسلام والقرآن والرسول والرزق، وأما الباطنة فما ستر من العيوب والذنوب. وروى الحكم عن مجاهد قال: لما قدمت مكة نساء على سليمان ﵇ رأت حطبا جزلا فقالت لغلام سليمان: هل يعرف مولاك كم وزن دخان هذا الحطب؟ فقال الغلام: دعي مولاي أنا أعرف كم وزن دخانه، فكيف مولاي؟ قالت: فكم وزنه؟ فقال الغلام: يوزن الحطب ثم يحرق الحطب ويوزن رماده فما نقص فهو دخانه. وقال في قوله تعالى: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) [الحجرات: ١١] قال: من لم يتب إذا أصبح وإذا أمسى فهو من الظالمين. وقال ما من يوم ينقضي من الدنيا إلا قال ذلك اليوم: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها، ثم يطوى عليه فيختم إلى يوم القيامة، حتى يكون الله هو الذي يفض خاتمه. وقال في قوله تعالى: (يؤتى الحكمة من يشاء) [البقرة: ٢٦٩] قال: العلم والفقه، وقال إذا ولي الأمر منكم الفقهاء. وفي قوله تعالى: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [الانعام: ١٥٣] قال: البدع والشبهات. وقال: أفضل العبادة الرأي الحسن - يعني اتباع السنة - وقال: ما أدري أي النعمتين أفضل، أن هداني للاسلام، أو عافاني من الأهواء؟. وقال في رواية: أولو الامر منكم، أصحاب محمد، وربما قال: أولو العقل والفضل في دين الله (بما صنعوا قارعة) [الرعد: ٣١] قال السرية. (ويخلق ما لا تعلمون) [النحل: ٨]. قال: السوس في الثياب. (وهن العظم مني) [مريم: ٣] قال: الأضراس. (حفيا) قال رحيما. وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: وجدت في كتاب محمد بن أبي حاتم بخط يده: حدثنا بشر بن الحارث حدثنا يحيى بن يمان عن عثمان بن الأسود عن مجاهد. قال: لو أن رجلا أنفق مثل أحد في طاعة الله لم يكن من المسرفين. وفي قوله تعالى (وهو شديد المحال) [الرعد: ١٤] قال: العداوة (بينهما برزخ لا يبغيان) [الرحمن: ٢٠] قال: بينهما حاجز من الله فلا يبغي الحلو على المالح ولا المالح على الحلو. وقال ابن منده: ذكر محمد بن حميد: حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش قال: كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب فنظر إليها، قال: وذهب إلى حضر موت إلى بئر برهوت قال: وذهب إلى بابل، قال: وعليها وال صديق لمجاهد: فقال مجاهد: تعرض على هاروت وماروت، قال: فدعا رجلا من السحرة فقال: اذهب بهذا فاعرض عليه هاروت وماروت. فقال اليهودي: بشرط أن لا تدعو الله عندهما، قال مجاهد: فذهب بي إلى قلعة فقطع منها حجرا ثم قال: خذ برجلي، فهوى بي حتى انتهى إلى حوبة، فإذا هما معلقين منكسين كالجبلين العظيمين، فلما رأيتهما

стр. 3459

قلت: سبحان الله خالقكما، قال: فاضطربا فكأن جبال الدنيا قد تدكدت، قال: فغشي علي وعلى اليهودي، ثم أفاق اليهودي قبلي، فقال: قم! كدت أن تهلك نفسك وتهلكني. وروى ابن فضيل عن ليث عن مجاهد قال: يؤتى يوم القيامة بثلاثة نفر، بالغني، والمريض، والعبد المملوك. قال: فيقول الله للغني: ما شغلك عن عبادتي التي إنما خلقتك لها؟ فيقول يا رب أكثرت لي من المال فطغيت. فيؤتى بسليمان ﵇ في ملكه فيقول لذا: أنت كنت أكثر مالا وأشد شغلا أم هذا؟ قال: فيقول: بل هذا يا رب، فيقول الله له: فإن هذا لم يمنعه ما أوتي من الملك والمال والشغل عن عبادتي. قال: ويؤتى بالمريض فيقول: ما منعك عن عبادتي التي خلقتك لها؟ فيقول: يا رب شغلني عن هذا مرض جسدي، فيؤتى بأيوب ﵇ في ضره وبلائه، فيقول له: أأنت كنت أشد ضرا ومرضا أم هذا؟ فيقول: بل هذا، فيقول: إن هذا لم يشغله ضره ومرضه عن عبادتي. ثم يؤتى بالمملوك فيقول الله له: ما منعك من عبادتي التي خلقتك لها؟ فيقول رب فضلت علي أربابا فملكوني وشغلوني عن عبادتك. فيؤتى بيوسف ﵇ في رقه وعبوديته فيقول الله له: أأنت كنت أشد في رقك وعبوديتك أم هذا؟ فيقول: بل هذا يا رب، فيقول الله: فإن هذا لم يشغله ما كان فيه من الرق عن عبادتي. وروى حميد عن الأعرج عن مجاهد. قال: كنت أصحب ابن عمر في السفر فإذا أردت أن أركب مسك ركابي، فإذا ركبت سوى علي ثيابي فرآني مرة كأني كرهت ذلك في، فقال: يا مجاهد إنك لضيق الخلق، وفي رواية: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن رجل عن مجاهد. قال: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول منها حيث شاء، وجعل له أعوان يتوفون الأنفس ثم يقبضها منهم. وقال: لما هبط آدم إلى الأرض قال له: ابن للخراب ولد للفناء. وروى قتيبة عن جرير عن منصور عن مجاهد. (ويلعنهم اللاعنون) [البقرة: ١٥٩] قال: تعلن عصاة بني آدم دواب الأرض وما شاء الله حتى الحيات والعقارب،: يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم. وقال غيره: تسلط الحشرات على العصاة في قبورهم، لما كان ينالهم من الشدة بسب ذنوبهم، فتلك الحشرات من العقارب والحيات هي السيئات التي كانوا يعملونها في الدنيا ويستلذونها، صارت عذابا عليهم. نسأل الله العافية. وقال: (إن الانسان لربه لكنود) [العاديات: ٦] لكفور. وقال الإمام أحمد: حدثنا عمر بن سليمان، حدثني مسلم أبو عبد الله عن ليث عن مجاهد قال: من لم يستحي من الحلال خفت مؤنته وأراح نفسه. وقال عمرو بن زروق حدثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد. قال (فظن أن لن نقدر عليه) [الأنبياء: ٨٧] أن لن نعاقبه بذنبه. وبهذا الاسناد قال: لم أكن أحسن ما الزخرف حتى سمعتها في قراءة عبد الله بيتا من ذهب. وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا خلف بن خليفة عن ليث عن مجاهد: إن الله ليصلح بصلاح العبد ولده. قال:

стр. 3460

وبلغني أن عيسى ﵇ كان يقول: طوبي للمؤمن كيف يخلفه الله فيمن ترك بخير. وقال الفضيل بن عياض عن عبيد المكتب عن مجاهد في قوله تعالى (وتقطعت بهم الأسباب) [البقرة ١٦٦] الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا. وروى سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) [التوبة: ١١] قال: الإل الله . وقال في قوله تعالى (بقية الله خير لكم) [هود: ٨٥] طاعة الله . وفي قوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦] قال: هو الذي يذكر الله عند الهم بالمعاصي. وقال الفضيل بن عياض عن منصور عن مجاهد: (سيماهم في وجوههم) [الفتح: ٢٩] الخشوع. وفي قوله تعالى: (وقوموا لله قانتين) [البقرة: ٢٣٨] قال: القنوت الركود والخشوع وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله. وكان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن أن يشد بصره أو يلتفت أو يقلب الحصا، أو يعبث بشئ أو يحدث نفسه بشئ من الدنيا. إلا خاشعا ما دام في صلاته. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا أبو عمرو، حدثنا ابن إدريس، حدثني عقبة بن إسحاق - وأثنى عليه خيرا حدثنا ليث عن مجاهد. قال: كنت إذا رأيت العرب استخفيتها وجدتها من وراء دينها، فإذا دخلوا في الصلاة فكأنما أجساد ليست فيها أرواح. وروى الأعمش عنه قال: إنما القلب منزلة الكف، فإذا أذنب الرجل ذنبا قبض هكذا - وضم الخنصر حتى ضم أصابعه كلها إصبعا إصبعا - قال: ثم يطبع، فكانوا يرون ذلك الران: قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) [المطففين: ١٤] وروى قبيصة عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) [البقرة: ٨١] قال الذنوب تحيط بالقلوب كالحائط المبني على الشئ المحيط، كلما عمل ذنبا ارتفعت حتى تغشى القلب حتى تكون هكذا - ثم قبض يده - ثم قال: هو الران. وفي قوله (بما قدم وأخر) [القيامة: ١٣] قال: أول عمل العبد وآخره (وإلى ربك فارغب) [الانشراح: ٨] قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فاجعل رغبتك إليه، ونيتك له. وعن منصور عن مجاهد (النفس المطمئنة) [الفجر: ٢٧] قال: هي النفس التي قد أيقنت أن الله ربها وضربت حاشا لامره وطاعته. وروى عبد الله بن المبارك عن ليث عن مجاهد: قال: ما من ميت يموت إلا عرض عليه أهل مجلسه، إن كان من أهل الذكر فمن أهل الذكر، وإن كان من أهل اللهو فمن أهل اللهو. وقال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مجاهد، قال: قال إبليس: إن يعجزني ابن آدم فلن يعجزني من ثلاث خصال: آخذ مال بغير حق، وإنفاقه في غير حقه (١).

стр. 3461

وقال أحمد: حدثنا ابن نمير قال: قال الأعمش: كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت أنه حر مندح (١) قد ضل حمارة فهو مهتم. وعن ليث عن مجاهد قال: من أكرم نفسه وأعزها أذل دينه، ومن أذل نفسه أعز دينه. وقال شعبة عن الحكم عن مجاهد قال: قال لي: يا أبا الغازي كم لبث نوح في الأرض قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاما، قال: فإن الناس لم يزدادوا في أعمارهم وأجسادهم وأخلاقهم إلا نقصا. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي علية عن ليث عن مجاهد قال: ذهبت العلماء فما بقي إلا المتعلمون، وما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم. وروى ابن أبي شيبة أيضا عن ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: لو لم يصب المسلم من أخيه إلا أن حياء منه يمنعه من المعاصي لكان في ذلك خير. وقال: الفقيه من يخاف الله وإن قل علمه، والجاهل من عصى الله وإن كثر علمه. وقال: إن العبد إذا أقبل على الله بقلبه أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه في قوله تعالى: (وثيابك فطهر) [المدثر: ٤] قال: عملك فأصلح. (واسألوا الله من فضله) [النساء: ٣١] قال: ليس من عرض الدنيا (والذي جاء بالصدق وصدق به) [الزمر: ٣٣] قال هم الذين يجيئون بالقرآن قد اتبعوه وعملوا بما فيه. وقال: يقول القرآن للعبد إني معك ما اتبعتني، فإذا لم تعمل بي اتبعتك. (ولا تنس نصيبك من الدنيا) [القصص: ٧٧] قال: خذ من دنياك لآخرتك، وذلك أن تعمل فيها بطاعة الله . وقال داود بن المحبر، عن عباد بن كثير، عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه مجاهد بن جبير قال: قلت لابن عمر: أي حجاج بيت الله أفضل وأعظم أجرا؟ قال: من جمع ثلاث خصال، نية صادقة، وعقلا وافرا، ونفقة من حلال، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: صدق فقلت: إذا صدقت نيته وكانت نفقته من حلال فماذا يضره قلة عقله؟ فقال: يا أبا حجاج، سألتني عما سألت عنه رسول الله ﷺ فقال: " والذي نفسي بيده ما أطاع العبد الله بشئ أفضل من حسن العقل، ولا يقبل الله الصوم عبد ولا صلاته، ولا شيئا مما يكون من عمله من أنواع الخير إن لم يعمل بعقل. ولو أن جاهلا فاق المجتهدين في العبادة، كان ما يفسد أكثر مما يصلح ". قلت: ذكر العقل في هذا الحديث ورفعه إلى النبي ﷺ من المنكرات والموضوعات، والثلاث الخصال موقوفة على ابن عمر، من قوله من جمع ثلاث خصال، إلى قوله: قال ابن عباس صدق، والباقي لا يصح رفعه ولا وقفه، وداود بن المحبر كنيته أبو سليمان، قال الحاكم: حدث ببغداد عن جماعة من الثقات بأحاديث موضوعة، حدث بها عنه الحارث بن أبي أسامة، وله كتاب العقل، وأكثر ما أودع ذلك الكتاب موضوع على رسول الله ﷺ ، وذكر العقل مرفوعا في هذه الرواية لعله من جملتها، والله أعلم. وقد كذبه أحمد بن حنبل.

стр. 3462

مصعب بن سعد بن أبي وقاص تابعي جليل القدر. موسى بن طلحة بن عبيد الله التميمي، كان يلقب بالمهدي لصلاحه، كان تابعيا جليل القدر من سادات المسلمين ﵀. ثم دخلت سنة أربع ومائة فيها قاتل سعيد بن عمرو الحرشي نائب خراسان أهل الصغد وحاصر أهل خجندة وقتل خلقا كثيرا، وأخذ أموالا جزيلة، وأسر رقيقا كثيرا جدا، وكتب بذلك إلى يزيد بن عبد الملك (١)، لأنه هو الذي ولاه. وفي ربيع الأول منها عزل يزيد بن عبد الملك عن إمرة الحرمين عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وكان سببه أنه خطب فاطمة بنت الحسين فامتنعت من قبول ذلك، فألح عليها وتوعدها، فأرسلت إلى يزيد تشكوه إليه، فبعث إلى عبد الواحد بن عبد الله النضري نائب الطائف فولاه المدينة، وأن يضرب عبد الرحمن بن الضحاك حتى يسمع صوته أمير المؤمنين وهو متكئ على فراشه بدمشق، وأن يأخذ منه أربعين ألف دينار، فلما بلغ ذلك عبد الرحمن ركب إلى دمشق واستجار بمسلمة بن عبد الملك، فدخل على أخيه فقال: إن لي إليك حاجة، فقال: كل حاجة تقولها فهي لك إلا أن تكون ابن الضحاك، فقال: هو والله حاجتي، فقال: والله لا أقبلها ولا أعفو عنه، فرده إلى المدينة فتسلمه عبد الواحد فضربه وأخذ ماله حتى تركه في جبة صوف، فسأل الناس بالمدينة، وكان قد باشر نيابة المدينة ثلاث سنين وأشهرا، وكان الزهري قد أشار عليه برأي سديد، وهو أن يسأل العلماء إذا أشكل عليه أمر فلم يقبل، ولم يفعل، فأبغضه الناس وذمه الشعراء ثم كان هذا آخر أمره. وفيها عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي، وذلك أنه كان يستخف بأمر ابن هبيرة، فلما عزله أحضره بين يديه وعاقبه وأخذ منه أموالا كثيرة، وأمر بقتله ثم عفا عنه، وولى على خراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، فسار إليها فاستخلص أموالا كانت منكسرة في أيام سعيد بن عمرو الحرشي. وفيه غزا الجراح بن عبد الله الحكمي نائب أرمينية وأذربيجان، أرض الترك، ففتح بلنجر (٢) وهزم الترك وغرقهم وذراريهم في الماء، وسبى منهم خلقا كثيرا، وافتتح عامة الحصون التي تلي بلنجر (٣)، وأجلى عامة أهلها، والتقى هو والخاقان الملك فجرت بينهم وقعة هائلة

стр. 3463

آل الامر فيها إلى أن انهزم خاقان، وتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، قتل فيها خلق كثير لا يحصون. وحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري أمير الحرمين والطائف، وعلى نيابة العراق وخراسان عمر، ونائبه على خراسان مسلم بن سعيد يومئذ. وفي هذه السنة ولد السفاح وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقب بالسفاح، أول خلفاء بني العباس وقد بايع أباه في الباطن جماعة من أهل العراق. وفيها توفي من الأعيان: خالد بن سعدان الكلاعي له روايات عن جماعة من الصحابة، وكان تابعيا جليلا، وكان من العلماء وأئمة الدين المعدودين المشهورين، وكان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة وهو صائم، وكان إمام أهل حمص، وكان يصلي التراويح في شهر رمضان، فكان يقرأ فيها في كل ليلة ثلث القرآن، وروى الجوزجاني عنه أنه قال: من اجترأ على الملاوم في مراد الحق، قلب الله تلك المحامد عليه ذما. وروى ابن أبي الدنيا عنه قال: ما من عبد إلا وله أربعة أعين. عينان في وجهه يبصر بهما أمر دنياه، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد الله بالعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما أمر آخرته وهما غيب، فأمن الغيب بالغيب، وإذا أراد الله بالعبد خلاف ذلك ترك العبد القلب على ما هو عليه، فتراه ينظر فلا ينتفع، فإذا نظر بقلبه نفع، وقال: بصر القلب من الآخرة، وبصر العينين من الدنيا وله فضائل كثيرة رحمه الله تعالى. عامر بن سعد بن أبي وقاص الليثي له روايات كثيرة عن أبيه وغيره، وهو تابعي جليل، ثقة مشهور. عامر بن شراحيل الشعبي توفي فيها في قول: كان الشعبي من شعب همدان، كنيته أبو عمرو، وكان علامة أهل الكوفة، كان إماما حافظا، ذا فنون، وقد أدرك خلقا من الصحابة (١) وروى عنهم وعن جماعة من التابعين، وعنه أيضا روى جماعة من التابعين، قال أبو مجلز: ما رأيت أفقه من الشعبي. وقال مكحول: ما رأيت أحدا أعلم بسنة ماضية منه. وقال داود الأودي: قال لي الشعبي: قم معي ها هنا حتى أفيدك علما، بل هو رأس العلم. قلت: أي شئ تفيدني؟ قال: إذا سئلت عما لا تعلم فقل: الله أعلم، فإنه عالم حسن. وقال: لو أن رجلا سافر من أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبل من عمره ما رأيت سفره ضائعا، ولو سافر في طلب الدنيا أو الشهوات إلى خارج هذا المسجد، لرأيت سفره عقوبة وضياعا وقال: العلم أكثر من عدد الشعر، فخذ من كل شئ أحسنه.

стр. 3464

أبو بردة (١) بن أبي موسى الأشعري تولى قضاء الكوفة قبل الشعبي، فإن الشعبي تولى في خلافة عمر بن عبد العزيز، واستمر إلى أن مات، وأما أبو بردة فإنه كان قاضيا في زمن الحجاج، ثم عزله الحجاج وولى أخاه أبا بكر، وكان أبو بردة فقيها حافظا عالما، له روايات كثيرة. أبو قلابة الجرمي عبد الله بن يزيد البصري، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة وغيرهم، وكان من كبار الأئمة والفقهاء، وطلب للقضاء فهرب منه وتغرب، قدم الشام فنزل داريا وبها مات ﵀. قال أبو قلابة: إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة، ولم يكن همك ما تحدث به الناس، فلعل غيرك ينتفع ويستغني وأنت في الظلمة تتعثر، وإني لأرى هذه المجالس إنما هي مناخ البطالين. وقال: إذا بلغك عن أخيك شئ تكرهه فالتمس له عذرا جهدك، فإن لم تجد له عذرا فقل: لعل لأخي عذرا لا أعلمه. ثم دخلت سنة خمس ومائة فيها غزا الجراح بن عبد الله الحكمي بلاد اللان، وفتح حصونا كثيرة، وبلادا متسعة الأكناف من وراء بلنجر، وأصاب غنائم جمة، وسبى خلقا من أولاد الأتراك. وفيها غزا مسلم بن سعيد بلاد الترك وحاصر مدينة عظيمة من بلاد الصغد، فصالحه ملكها على مال كثير يحمله إليه. وفيها غزا سعيد بن عبد الملك بن مروان بلاد الروم، فبعث بين يديه سرية ألف فارس، فأصيبوا جميعا. وفيها لخمس بقين من شعبان منها توفي أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك بن مروان بأربد من أرض البلقاء، يوم الجمعة، وعمره ما بين الثلاثين والأربعين (٢)، وهذه ترجمته: هو يزيد بن عبد الملك بن مروان أبو خالد القرشي الأموي، أمير المؤمنين، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، قيل إنها دفنت بقبر عاتكة فنسبت المحلة إليها. والله أعلم. بويع له بالخلافة بعد عمر بن عبد العزيز في رجب من سنة إحدى ومائة بعهد من أخيه سليمان، أن يكون الخليفة بعد عمر ابن عبد العزيز، لخمس بقين من رجب، قال محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا كثير بن هشام ثنا

стр. 3465

جعفر بن برقان حدثني الزهري قال: كان لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلما ولي الخلافة معاوية ورث المسلم من الكافر. ولم يورث الكافر من المسلم، وأخذ بذلك الخلفاء من بعده، فلما قام عمر بن عبد العزيز راجع السنة الأولى، وتبعه في ذلك يزيد بن عبد الملك، فلما قام هشام أخذ بسنة الخلفاء - يعني أنه ورث المسلم من الكافر - وقال الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: بينما نحن عند مكحول إذ أقبل يزيد بن عبد الملك فهممنا أن نوسع له، فقال مكحول: دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس، يتعلم التواضع. وقد كان يزيد هذا يكثر من مجالسة العلماء قبل أن يلي الخلافة، فلما ولي عزم على أن يتأسى بعمر بن عبد العزيز، فما تركه قرناء السوء، وحسنوا له الظلم، قال حرملة عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما ولي يزيد بن عبد الملك قال سيروا بسيرة عمر، فمكث كذلك أربعين ليلة، فأتي بأربعين شيخا فشهدوا له أنه ما على الخلفاء من حساب ولا عذاب، وقد اتهمه بعضهم في الدين، وليس بصحيح، إنما ذاك ولده الوليد بن يزيد كما سيأتي، أما هذا فما كان به بأس، وقد كتب إليه عمر بن عبد العزيز: أما بعد فإني لا أراني إلا ملما بي، وما أرى الامر إلا سيفضي إليك، فالله الله في أمة محمد، فإنك عما قليل ميت فتدع الدنيا إلى من لا يعذرك، والسلام. وكتب يزيد بن عبد الملك إلى أخيه هشام: أما بعد فإن أمير المؤمنين قد بلغه أنك استبطأت حياته وتمنيت وفاته ورمت الخلافة، وكتب في آخره: تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بأوحد وقد علموا لو ينفع العلم عندهم … متى مت ما الباغي علي بمخلد منيته تجري لوقت وحتفه … يصادفه يوما على غير موعد فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى … تهيأ لأخرى مثلها وكأن قد فكتب إليه هشام: جعل الله يومي قبل يومك، وولدي قبل ولدك، فلا خير في العيش بعدك (١). وقد كان يزيد هذا يحب حظية من حظاياه يقال لها حبابة - بتشديد الباء الأولى - والصحيح تخفيفها - واسمها العالية، وكانت جميلة جدا، وكان قد اشتراها في زمن أخيه بأربعة آلاف دينار، من عثمان بن سهل بن حنيف، فقال له أخوه سليمان: لقد هممت أحجر على يديك، فباعها، فلما أفضت إليه الخلافة قالت له امرأته سعدة يوما: يا أمير المؤمنين، هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شئ؟ قال: نعم، حبابة، فبعثت امرأته فاشترتها له ولبستها وصنعتها وأجلستها من وراء

стр. 3466

الستارة، وقالت له أيضا: يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شئ؟ قال: أو ما أخبرتك؟ فقالت: هذه حبابة - وأبرزتها له وأخلته بها وتركته وإياها - فحظيت الجارية عنده، وكذلك زوجته أيضا، فقال يوما أشتهي أن أخلو بحبابة في قصر مدة من الدهر، لا يكون عندنا أحد، ففعل ذلك، وجمع إليه في قصره ذلك حبابة، وليس عنده فيه أحد، وقد فرش له بأنواع الفرش والبسط الهائلة، والنعمة الكثيرة السابغة فبينما هو معها في ذلك القصر على أسر حال وأنعم بال، وبين يديهما عنب يأكلان منه، إذ رماها بحبة عنب وهي تضحك فشرقت بها فماتت (١)، فمكث أياما يقبلها ويرشفها وهي ميتة حتى أنتنت وجيفت فأمر بدفنها، فلما دفنها أقام أيام عندها على قبرها هائما، ثم رجع إلى المنزل ثم عاد إلى قبرها فوقف عليه وهو يقول: فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا (٢) … فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد وكل خليل زارني فهو قاتل … من أجلك هذا هامة (٣) اليوم أو غد ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه وكان مرضه بالسل (٤). وذلك بالسواد سواد الأردن يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة خمس ومائة - وكانت خلافته أربع سنين وشهرا على المشهور، وقيل أقل من ذلك، وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة، وقيل خمسا وقيل ستا وقيل ثمانيا وقيل تسعا وثلاثين، وقيل إنه بلغ الأربعين فالله أعلم. وكان طويلا جسيما أبيض مدور الوجه أفقم الفم لم يشب، وقيل إنه مات بالجولان، وقيل بحوران وصلى عليه ابنه الوليد بن يزيد، وعمره خمس عشرة سنة، وقيل بل صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك، وهو الخليفة بعده، وحمل على أعناق الرجال حتى دفن بين باب الجابية وباب الصغير بدمشق، وكان قد عهد بالامر من بعده لأخيه هشام، ومن بعده لولده الوليد بن يزيد، فبايع الناس من بعده هشاما.

стр. 3467

خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان بويع له بالخلافة يوم الجمعة بعد موت أخيه لخمس بقين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة خمس ومائة - وله من العمر أربع وثلاثون سنة وأشهر، لأنه ولد لما قتل أبوه عبد الملك مصعب بن الزبير في سنة ثنتين وسبعين، فسماه منصورا تفاؤلا، ثم قدم فوجد أمه قد أسمته باسم أبيها هشام، فأقره. قال الواقدي: أتته الخلافة وهو بالديثونة (١) في منزل له، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، فسلم عليه بالخلافة فركب من الرصافة حتى أتى دمشق، فقام بأمر الخلافة أتم القيام، فعزل في شوال منها عن إمرة العراق وخراسان عمر بن هبيرة، وولى عليها خالد بن عبد الله القسري، وقيل إنه استعمله على العراق في سنة ست ومائة، والمشهور الأول. وحج بالناس فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال أمير المؤمنين، أخو أمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل، ولم تلد من عبد الملك سواه حتى طلقها، لأنها كانت حمقاء. وفيها قوي أمر دعوة بني العباس في السر بأرض العراق، وحصل لدعاتهم أموال جزيلة يستعينون بها على أمرهم، وما هم بصدده. وفيها توفي من الأعيان: أبان بن عثمان بن عفان تقدم ذكر وفاته سنة خمس وثمانين، كان من فقهاء التابعين وعلمائهم، قال عمرو بن شعيب ما رأيت أعلم منه بالحديث والفقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: فقهاء المدينة عشرة، فذكر أبان بن عثمان أحدهم، وخارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة، والقاسم، وقبيصة بن ذؤيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال محمد بن سعد: كان به صمم ووضح. وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة، وتوفي سنة خمس ومائة. أبو رجاء العطاردي. عامر الشعبي. في قول وقد تقدم، وكثير عزة في قول. وقيل في التي بعدها كما سيأتي: ثم دخلت سنة ست ومائة ففيها عزل هشام بن عبد الملك عن إمرة المدينة ومكة والطائف، عبد الواحد بن عبد الله النضري، وولى على ذلك كله ابن خاله إبراهيم (٢) بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة، وفيها غزا مسلم بن سعيد مدينة فرغانة ومعاملتها، فلقيه عندها الترك، وكانت بينهم وقعة هائلة، قتل فيها الخاقان وطائفة كبيرة من الترك، وفيها أوغل الجراح

стр. 3468

الحكمي في أرض الخزر، فصالحوه وأعطوه الجزية والخراج. وفيها غزا الحجاج بن عبد الملك اللان، فقتل خلقا كثيرا وغنم وسلم. وفيها عزل خالد بن عبد الله القسري عن إمرة خراسان مسلم بن سعيد، وولى عليها أخاه أسد بن عبد الله القسري. وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين هشام بن الملك، وكتب إلى أبي الزناد قبل دخوله المدينة ليتلقاه ويكتب له مناسك الحج، ففعل، فتلقاه الناس من المدينة إلى أثناء الطريق، وفيهم أبو الزناد قد امتثل ما أمر به، وتلقاه فيمن تلقاه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، فقال له: يا أمير المؤمنين إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب، فالعنه أنت أيضا، قال أبو الزناد: فشق ذلك على هشام واستثقله، وقال: ما قدمت لشتم أحد، ولا لعنة أحد، إنما قدمنا حجاجا. ثم أعرض عنه وقطع كلامه وأقبل على أبي الزناد يحادثه ولما انتهى إلى مكة عرض له إبراهيم بن طلحة فتظلم إليه في أرض، فقال له: أين كنت عن عبد الملك؟ قال: ظلمني، قال: فالوليد؟ قال: ظلمني، قال: فسليمان؟ قال: ظلمني، قال فعمر بن عبد العزيز؟ قال ردها علي، قال: فيزيد؟ قال: انتزعها من يدي، وهي الآن في يدك، فقال له هشام: أما لو كان فيك مضرب لضربتك، فقال: بل في مضرب بالسوط والسيف، فانصرف عنه هشام وهو يقول لمن معه: ما رأيت أفصح من هذا. وفيها كان العامل على مكة والمدينة والطائف، إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، وعلى العراق وخراسان خالد القسري والله سبحانه أعلم. وممن توفي فيها: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عمرو الفقيه، أحد الفقهاء وأحد العلماء. وله روايات عن أبيه وغيره، وكان من العباد الزهاد، ولما حج هشام بن عبد الملك دخل الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال له: سالم؟ (١) سلني حاجة، فقال: إني لأستحي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج سالم خرج هشام في أثره فقال له: الآن قد خرجت من بيت الله فسلني حاجة، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا، فقال سالم: إني ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ وكان سالم خشن العيش، يلبس الصوف الخشن، وكان يعالج بيده أرضا له وغيرها من الأعمال، ولا يقبل من الخلفاء، وكان متواضعا وكان شديد الأدمة وله من الزهد والورع شئ كثير. وطاوس بن كيسان اليماني من أكبر أصحاب ابن عباس وقد ترجمناهم في كتابنا التكميل ولله الحمد انتهى وقد زدنا هنا في ترجمة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب زيادة حسنة. فأما طاوس فهو أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان اليماني (٢)، فهو أول طبقة أهل اليمن من التابعين، وهو من أبناء الفرس الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن.

стр. 3469

أدرك طاوس جماعة من الصحابة وروى عنهم، وكان أحد الأئمة الاعلام، قد جمع العبادة والزهادة، والعلم النافع، والعمل الصالح، وقد أدرك خمسين من الصحابة، وأكثر روايته عن ابن عباس، وروى عنه خلق من التابعين وأعلامهم، منهم مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار، وإبراهيم ابن ميسرة، وأبو الزبير ومحمد بن المنكدر، والزهري وحبيب بن أبي ثابت، وليث بن أبي سليم، والضحاك بن مزاحم. وعبد الملك بن ميسرة، وعبد الكريم بن المخارق ووهب بن منبه، والمغيرة ابن حكيم الصنعاني، وعبد الله بن طاوس، وغير هؤلاء. توفى طاوس بمكة حاجا، وصلى عليه الخليفة هشام بن عبد الملك، ودفن بها رحمه الله تعالى. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قال أبي: مات طاوس بمكة فلم يصلوا عليه حتى بعث هشام ابنه بالحرس، قال فلقد رأيت عبد الله بن الحسن واضعا السرير على كاهله، قال: ولقد سقطت قلنسوة كانت عليه ومزق رداؤه من خلفه - يعني من كثرة الزحام - فكيف لا وقد قال النبي ﷺ : " الايمان يمان " وقد خرج من اليمن خلق من هؤلاء المشار إليهم في هذا وغيره، منهم أبو مسلم، وأبو إدريس، ووهب وكعب وطاوس وغير هؤلاء كثير. وروى ضمرة عن ابن شوذب قال: شهدت جنازة طاوس بمكة سنة خمس (١) ومائة، فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن، حج أربعين حجة. وقال عبد الرزاق: حدثنا أبي قال: توفي طاوس بالمزدلفة - أو بمنى - حاجا، فلما حمل أخذ عبد الله بن الحسن بن علي بقائمة سريره. فما زايله حتى بلغ القبر. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قدم طاوس بمكة، فقدم أمير المؤمنين، فقيل لطاوس: إن من فضله ومن، ومن، فلو أتيته قال: مالي إليه حاجة، فقالوا: إنا نخاف عليك، قال: فما هو إذا كما تقولون: وقال ابن جرير (٢): قال لي عطاء: جاءني طاوس فقال لي: يا عطاء إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، وجعل دونه حجابه. وعليك بطلب من بابه لك مفتوح إلى يوم القيامة، طلب منك أن تدعوه ووعدك الإجابة. وقال ابن جريج عن مجاهد عن طاوس (أولئك ينادون من مكان بعيد) [فصلت: ٤٤] قال: بعيد من قلوبهم، وروى الا حجري عن سفيان، عن ليث قال: قال لي طاوس: ما تعلمت من العلم فتعلمه لنفسك، فإن الأمانة والصدق قد ذهبا من الناس. وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن الصلت بن راشد. قال: كنا عند طاوس فجاءه مسلم (٣) بن قتيبة بن مسلم، صاحب خراسان، فسأله عن شئ فانتهره طاوس، فقلت: هذا مسلم (٣) بن قتيبة بن مسلم صاحب خراسان، قال: ذاك أهون له علي. وقال لطاوس: إن منزلك قد استرم، فقال: أمسينا.

стр. 3470

وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس في قوله تعالى (وخلق الانسان ضعيفا) [النساء: ٢٧] قال: في أمور النساء، ليس يكون في شئ أضعف منه في النساء. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن طاوس عن أبيه قال: لقي عيسى بن مريم ﵇ إبليس فقال إبليس لعيسى: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك؟ قال: نعم، قال إبليس: فأوف بذروة هذا الجبل فترد منه. فانظر أتعيش أم لا، قال عيسى: أما علمت أن الله تعالى قال: لا يجربني عبدي، فإني أفعل ما شئت. وفي رواية عن الزهري عنه قال: قال عيسى: إن العبد لا يختبر ربه، ولكن الرب يختبر عبده، وفي رواية أخرى: إن العبد لا يبتلي ربه، ولكن الرب يبتلي عبده. قال: فخصمه عيسى ﵇. وقال فضيل بن عياض عن ليث عن طاوس قال: حج الأبرار على الرحال، رواه عبد الله بن أحمد عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو ثميلة عن ابن أبي داود: قال: رأيت طاوسا وأصحابا له إذا صلوا العصر استقبلوا القبلة ولم يكلموا أحدا، وابتهلوا إلى الله تعالى في الدعاء. وقال: من لم يبخل ولم يل مال يتيم لم ينله جهد البلاء. روى عنه أبو داود الطيالسي، وقد رواه الطبراني: عن محمد بن يحيى بن المنذر، عن موسى بن إسماعيل، عن أبي داود فذكره. وقال لابنه: يا بني صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شئ غاية، وغاية المرء حسن عقله. وسأله رجل عن مسألة فانتهره، فقال: - يا أبا عبد الرحمن إني أخوك، قال: أخي من دون الناس؟. وفي رواية أن رجلا من الخوارج سأله فانتهره، فقال: إني أخوك، قال: أمن بين المسلمين كلهم؟. وقال عفان عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: سأل رجل طاوسا عن شئ فانتهره، ثم قال: تريد أن تجعل في عنقي حبلا ثم يطاف بي؟ ورأى طاوس رجلا مسكينا في عينه عمش وفي ثوبه وسخ، فقال له: عد! إن الفقر من الله، فأين أنت من الماء؟ وروى الطبراني عنه قال: إقرار ببعض الظلم خير من القيام فيه، وعن عبد الرزاق عن داود ابن إبراهيم أن الأسد حبس الناس ليلة في طريق الحج، فدق الناس بعضهم بعضا، فلما كان السحر ذهب عنهم الأسد، فنزل الناس يمينا وشمالا فألقوا أنفسهم، وقام طاووس يصلي، فقال له رجل - وفي رواية فقال ابنه -: ألا تنام فإنك قد سهرت ونصبت هذه الليلة؟ فقال: وهل ينام السحر أحد؟ وفي رواية: ما كنت أظن أحدا ينام السحر. وروى الطبراني من طريق عبد الرزاق عن أبي جريج وابن عيينة. قالا: حدثنا ابن طاوس قال: قلت لأبي: ما أفضل ما يقال على الميت؟ قال الاستغفار. وقال الطبراني: حدثنا عبد الرزاق، قال: سمعت النعمان بن الزبير الصنعاني يحدث أن محمد بن يوسف - أو أيوب بن يحيى - بعث إلى طاوس بسبعمائة (١) دينار وقال للرسول: إن أخذها
следующие страницы →