الستارة، وقالت له أيضا: يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شئ؟ قال: أو ما أخبرتك؟ فقالت: هذه حبابة - وأبرزتها له وأخلته بها وتركته وإياها - فحظيت الجارية عنده، وكذلك زوجته أيضا، فقال يوما أشتهي أن أخلو بحبابة في قصر مدة من الدهر، لا يكون عندنا أحد، ففعل ذلك، وجمع إليه في قصره ذلك حبابة، وليس عنده فيه أحد، وقد فرش له بأنواع الفرش والبسط الهائلة، والنعمة الكثيرة السابغة فبينما هو معها في ذلك القصر على أسر حال وأنعم بال، وبين يديهما عنب يأكلان منه، إذ رماها بحبة عنب وهي تضحك فشرقت بها فماتت (١)، فمكث أياما يقبلها ويرشفها وهي ميتة حتى أنتنت وجيفت فأمر بدفنها، فلما دفنها أقام أيام عندها على قبرها هائما، ثم رجع إلى المنزل ثم عاد إلى قبرها فوقف عليه وهو يقول:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا (٢) … فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
وكل خليل زارني فهو قاتل … من أجلك هذا هامة (٣) اليوم أو غد
ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه وكان مرضه بالسل (٤). وذلك بالسواد سواد الأردن يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة خمس ومائة - وكانت خلافته أربع سنين وشهرا على المشهور، وقيل أقل من ذلك، وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة، وقيل خمسا وقيل ستا وقيل ثمانيا وقيل تسعا وثلاثين، وقيل إنه بلغ الأربعين فالله أعلم. وكان طويلا جسيما أبيض مدور الوجه أفقم الفم لم يشب، وقيل إنه مات بالجولان، وقيل بحوران وصلى عليه ابنه الوليد بن يزيد، وعمره خمس عشرة سنة، وقيل بل صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك، وهو الخليفة بعده، وحمل على أعناق الرجال حتى دفن بين باب الجابية وباب الصغير بدمشق، وكان قد عهد بالامر من بعده لأخيه هشام، ومن بعده لولده الوليد بن يزيد، فبايع الناس من بعده هشاما.
стр. 3467
خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان
بويع له بالخلافة يوم الجمعة بعد موت أخيه لخمس بقين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة خمس ومائة - وله من العمر أربع وثلاثون سنة وأشهر، لأنه ولد لما قتل أبوه عبد الملك مصعب بن الزبير في سنة ثنتين وسبعين، فسماه منصورا تفاؤلا، ثم قدم فوجد أمه قد أسمته باسم أبيها هشام، فأقره. قال الواقدي: أتته الخلافة وهو بالديثونة (١) في منزل له، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، فسلم عليه بالخلافة فركب من الرصافة حتى أتى دمشق، فقام بأمر الخلافة أتم القيام، فعزل في شوال منها عن إمرة العراق وخراسان عمر بن هبيرة، وولى عليها خالد بن عبد الله القسري، وقيل إنه استعمله على العراق في سنة ست ومائة، والمشهور الأول. وحج بالناس فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال أمير المؤمنين، أخو أمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل، ولم تلد من عبد الملك سواه حتى طلقها، لأنها كانت حمقاء. وفيها قوي أمر دعوة بني العباس في السر بأرض العراق، وحصل لدعاتهم أموال جزيلة يستعينون بها على أمرهم، وما هم بصدده. وفيها توفي من الأعيان:
أبان بن عثمان بن عفان
تقدم ذكر وفاته سنة خمس وثمانين، كان من فقهاء التابعين وعلمائهم، قال عمرو بن شعيب ما رأيت أعلم منه بالحديث والفقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: فقهاء المدينة عشرة، فذكر أبان بن عثمان أحدهم، وخارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة، والقاسم، وقبيصة بن ذؤيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال محمد بن سعد: كان به صمم ووضح. وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة، وتوفي سنة خمس ومائة. أبو رجاء العطاردي. عامر الشعبي. في قول وقد تقدم، وكثير عزة في قول. وقيل في التي بعدها كما سيأتي:
ثم دخلت سنة ست ومائة
ففيها عزل هشام بن عبد الملك عن إمرة المدينة ومكة والطائف، عبد الواحد بن عبد الله النضري، وولى على ذلك كله ابن خاله إبراهيم (٢) بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة، وفيها غزا مسلم بن سعيد مدينة فرغانة ومعاملتها، فلقيه عندها الترك، وكانت بينهم وقعة هائلة، قتل فيها الخاقان وطائفة كبيرة من الترك، وفيها أوغل الجراح
стр. 3468
الحكمي في أرض الخزر، فصالحوه وأعطوه الجزية والخراج. وفيها غزا الحجاج بن عبد الملك اللان، فقتل خلقا كثيرا وغنم وسلم. وفيها عزل خالد بن عبد الله القسري عن إمرة خراسان مسلم بن سعيد، وولى عليها أخاه أسد بن عبد الله القسري. وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين هشام بن الملك، وكتب إلى أبي الزناد قبل دخوله المدينة ليتلقاه ويكتب له مناسك الحج، ففعل، فتلقاه الناس من المدينة إلى أثناء الطريق، وفيهم أبو الزناد قد امتثل ما أمر به، وتلقاه فيمن تلقاه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، فقال له: يا أمير المؤمنين إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب، فالعنه أنت أيضا، قال أبو الزناد: فشق ذلك على هشام واستثقله، وقال: ما قدمت لشتم أحد، ولا لعنة أحد، إنما قدمنا حجاجا. ثم أعرض عنه وقطع كلامه وأقبل على أبي الزناد يحادثه ولما انتهى إلى مكة عرض له إبراهيم بن طلحة فتظلم إليه في أرض، فقال له: أين كنت عن عبد الملك؟ قال: ظلمني، قال: فالوليد؟ قال: ظلمني، قال: فسليمان؟ قال: ظلمني، قال فعمر بن عبد العزيز؟ قال ردها علي، قال: فيزيد؟ قال: انتزعها من يدي، وهي الآن في يدك، فقال له هشام: أما لو كان فيك مضرب لضربتك، فقال: بل في مضرب بالسوط والسيف، فانصرف عنه هشام وهو يقول لمن معه: ما رأيت أفصح من هذا. وفيها كان العامل على مكة والمدينة والطائف، إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، وعلى العراق وخراسان خالد القسري والله سبحانه أعلم.
وممن توفي فيها: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عمرو الفقيه، أحد الفقهاء وأحد العلماء.
وله روايات عن أبيه وغيره، وكان من العباد الزهاد، ولما حج هشام بن عبد الملك دخل الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال له: سالم؟ (١) سلني حاجة، فقال: إني لأستحي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج سالم خرج هشام في أثره فقال له: الآن قد خرجت من بيت الله فسلني حاجة، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا، فقال سالم: إني ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ وكان سالم خشن العيش، يلبس الصوف الخشن، وكان يعالج بيده أرضا له وغيرها من الأعمال، ولا يقبل من الخلفاء، وكان متواضعا وكان شديد الأدمة وله من الزهد والورع شئ كثير.
وطاوس بن كيسان اليماني من أكبر أصحاب ابن عباس وقد ترجمناهم في كتابنا التكميل ولله الحمد انتهى وقد زدنا هنا في ترجمة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب زيادة حسنة. فأما طاوس فهو أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان اليماني (٢)، فهو أول طبقة أهل اليمن من التابعين، وهو من أبناء الفرس الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن.
стр. 3469
أدرك طاوس جماعة من الصحابة وروى عنهم، وكان أحد الأئمة الاعلام، قد جمع العبادة والزهادة، والعلم النافع، والعمل الصالح، وقد أدرك خمسين من الصحابة، وأكثر روايته عن ابن عباس، وروى عنه خلق من التابعين وأعلامهم، منهم مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار، وإبراهيم ابن ميسرة، وأبو الزبير ومحمد بن المنكدر، والزهري وحبيب بن أبي ثابت، وليث بن أبي سليم، والضحاك بن مزاحم. وعبد الملك بن ميسرة، وعبد الكريم بن المخارق ووهب بن منبه، والمغيرة ابن حكيم الصنعاني، وعبد الله بن طاوس، وغير هؤلاء.
توفى طاوس بمكة حاجا، وصلى عليه الخليفة هشام بن عبد الملك، ودفن بها رحمه الله تعالى. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قال أبي: مات طاوس بمكة فلم يصلوا عليه حتى بعث هشام ابنه بالحرس، قال فلقد رأيت عبد الله بن الحسن واضعا السرير على كاهله، قال: ولقد سقطت قلنسوة كانت عليه ومزق رداؤه من خلفه - يعني من كثرة الزحام - فكيف لا وقد قال النبي ﷺ : " الايمان يمان " وقد خرج من اليمن خلق من هؤلاء المشار إليهم في هذا وغيره، منهم أبو مسلم، وأبو إدريس، ووهب وكعب وطاوس وغير هؤلاء كثير. وروى ضمرة عن ابن شوذب قال: شهدت جنازة طاوس بمكة سنة خمس (١) ومائة، فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن، حج أربعين حجة.
وقال عبد الرزاق: حدثنا أبي قال: توفي طاوس بالمزدلفة - أو بمنى - حاجا، فلما حمل أخذ عبد الله بن الحسن بن علي بقائمة سريره. فما زايله حتى بلغ القبر. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قدم طاوس بمكة، فقدم أمير المؤمنين، فقيل لطاوس: إن من فضله ومن، ومن، فلو أتيته قال: مالي إليه حاجة، فقالوا: إنا نخاف عليك، قال: فما هو إذا كما تقولون: وقال ابن جرير (٢): قال لي عطاء: جاءني طاوس فقال لي: يا عطاء إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، وجعل دونه حجابه. وعليك بطلب من بابه لك مفتوح إلى يوم القيامة، طلب منك أن تدعوه ووعدك الإجابة. وقال ابن جريج عن مجاهد عن طاوس (أولئك ينادون من مكان بعيد) [فصلت: ٤٤] قال: بعيد من قلوبهم، وروى الا حجري عن سفيان، عن ليث قال: قال لي طاوس: ما تعلمت من العلم فتعلمه لنفسك، فإن الأمانة والصدق قد ذهبا من الناس. وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن الصلت بن راشد. قال: كنا عند طاوس فجاءه مسلم (٣) بن قتيبة بن مسلم، صاحب خراسان، فسأله عن شئ فانتهره طاوس، فقلت: هذا مسلم (٣) بن قتيبة بن مسلم صاحب خراسان، قال: ذاك أهون له علي. وقال لطاوس: إن منزلك قد استرم، فقال: أمسينا.
стр. 3470
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس في قوله تعالى (وخلق الانسان ضعيفا) [النساء: ٢٧] قال: في أمور النساء، ليس يكون في شئ أضعف منه في النساء. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن طاوس عن أبيه قال: لقي عيسى بن مريم ﵇ إبليس فقال إبليس لعيسى: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك؟ قال: نعم، قال إبليس: فأوف بذروة هذا الجبل فترد منه. فانظر أتعيش أم لا، قال عيسى: أما علمت أن الله تعالى قال: لا يجربني عبدي، فإني أفعل ما شئت. وفي رواية عن الزهري عنه قال: قال عيسى: إن العبد لا يختبر ربه، ولكن الرب يختبر عبده، وفي رواية أخرى: إن العبد لا يبتلي ربه، ولكن الرب يبتلي عبده. قال: فخصمه عيسى ﵇. وقال فضيل بن عياض عن ليث عن طاوس قال: حج الأبرار على الرحال، رواه عبد الله بن أحمد عنه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو ثميلة عن ابن أبي داود: قال: رأيت طاوسا وأصحابا له إذا صلوا العصر استقبلوا القبلة ولم يكلموا أحدا، وابتهلوا إلى الله تعالى في الدعاء. وقال: من لم يبخل ولم يل مال يتيم لم ينله جهد البلاء. روى عنه أبو داود الطيالسي، وقد رواه الطبراني: عن محمد بن يحيى بن المنذر، عن موسى بن إسماعيل، عن أبي داود فذكره. وقال لابنه: يا بني صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شئ غاية، وغاية المرء حسن عقله. وسأله رجل عن مسألة فانتهره، فقال: - يا أبا عبد الرحمن إني أخوك، قال: أخي من دون الناس؟. وفي رواية أن رجلا من الخوارج سأله فانتهره، فقال: إني أخوك، قال: أمن بين المسلمين كلهم؟. وقال عفان عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: سأل رجل طاوسا عن شئ فانتهره، ثم قال: تريد أن تجعل في عنقي حبلا ثم يطاف بي؟ ورأى طاوس رجلا مسكينا في عينه عمش وفي ثوبه وسخ، فقال له: عد! إن الفقر من الله، فأين أنت من الماء؟ وروى الطبراني عنه قال: إقرار ببعض الظلم خير من القيام فيه، وعن عبد الرزاق عن داود ابن إبراهيم أن الأسد حبس الناس ليلة في طريق الحج، فدق الناس بعضهم بعضا، فلما كان السحر ذهب عنهم الأسد، فنزل الناس يمينا وشمالا فألقوا أنفسهم، وقام طاووس يصلي، فقال له رجل - وفي رواية فقال ابنه -: ألا تنام فإنك قد سهرت ونصبت هذه الليلة؟ فقال: وهل ينام السحر أحد؟ وفي رواية: ما كنت أظن أحدا ينام السحر. وروى الطبراني من طريق عبد الرزاق عن أبي جريج وابن عيينة. قالا: حدثنا ابن طاوس قال: قلت لأبي: ما أفضل ما يقال على الميت؟ قال الاستغفار. وقال الطبراني: حدثنا عبد الرزاق، قال: سمعت النعمان بن الزبير الصنعاني يحدث أن محمد بن يوسف - أو أيوب بن يحيى - بعث إلى طاوس بسبعمائة (١) دينار وقال للرسول: إن أخذها
стр. 3471
منك فإن الأمير سيكسوك ويحسن إليك. قال: فخرج بها حتى قدم على طاوس الجند، فقال: يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها الأمير إليك، فقال: ما لي بها من حاجة، فأراده على أخذها بكل طريق فأبى أن يقبلها، فغفل طاوس فرمى بها الرجل من كوة في البيت ثم ذهب راجعا إلى الأمير، وقال: قد أخذها، فمكثوا حينا ثم بلغهم عن طاوس ما يكرهون - أو شئ يكرهونه - فقالوا: ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا، فجاءه الرسول فقال: المال الذي بعثه إليك الأمير رده إلينا، فقال: ما قبضت منه شيئا، فرجع الرسول إليهم فأخبرهم، فعرفوا أنه صادق، فقالوا: انظروا الذي ذهب بها إليه، فأرسلوه إليه، فجاءه فقال: المال الذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن، قال: هل قبضت منك شيئا؟ قال: لا! قال: فقام إلى المكان الذي رمى به فيه فوجدها كما هي، وقد بنت عليها العنكبوت، فأخذها فذهب بها إليهم.
ولما حج سليمان بن عبد الملك قال: انظروا إلي فقيها أسأله عن بعض المناسك، قال: فخرج الحاجب يلتمس له، فمر طاوس فقالوا: هذا طاوس اليماني، فأخذه الحاجب فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: اعفني، فأبى، فأدخله عليه، قال طاوس: فلما وقفت بين يديه قلت: إن هذا المقام يسألني الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير جهنم هوت فيها سبعين خريفا حتى استقرت في قرارها، أتدري لمن أعدها الله؟ قال: لا!! ويلك لمن أعدها الله؟ قال: لمن أشركه الله في حكمه فجار. وفي رواية ذكرها الزهري أن سليمان رأى رجلا يطوف بالبيت، له جمال وكمال، فقال: من هذا يا زهري؟ فقلت: هذا طاوس، وقد أدرك عدة من الصحابة، فأرسل إليه سليمان فأتاه فقال: لو ما حدثتنا؟ فقال: حدثني أبو موسى قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أهون الخلق على الله من ولي من أمور المسلمين شيئا فلم يعدل فيهم ". فتغير وجه سليمان فأطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه فقال: لو ما حدثتنا؟ فقال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ قال ابن شهاب: ظننت أنه أراد عليا - قال: دعاني رسول الله ﷺ إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، ثم قال: " إن لكم على قريش حقا، ولهم على الناس حق، ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا ائتمنوا أدوا، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ". قال: فتغير وجه سليمان وأطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه وقال: لو ما حدثتنا؟ فقال: حدثني ابن عباس أن آخر آية نزلت من كتاب الله: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) [البقرة: ٢٨١].
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو معمر، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال عمر بن عبد العزيز لطاوس: ارفع حاجتك إلى أمير المؤمنين - يعني سليمان - فقال طاوس مالي إليه من حاجة، فكأنه عجب من ذلك، قال سفيان وحلف لنا إبراهيم وهو مستقبل الكعبة: ورب هذا البيت ما رأيت أحدا الشريف والوضيع عنده بمنزلة واحدة إلا طاوس. قال: وجاء ابن
стр. 3472
لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك [ابن] (١) أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه؟ قال: أردت أن يعلم هو وأبوه أن لله عبادا يزهدون فيهم وفيما في أيديهم. وقد روى عبد الله بن أحمد عن ابن طاوس قال: خرجنا حجاجا فنزلنا في بعض القرى، وكنت أخاف أبي من الحكام لشدته وغلظه عليهم، قال: وكان في تلك القرية عامل لمحمد بن يوسف - أخي الحجاج بن يوسف - يقال له أيوب بن يحيى، وقيل يقال له ابن نجيح، وكان من أخبث عمالهم كبرا وتجبرا، قال: فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فإذا ابن نجيح قد أخبر بطاوس فجاء فقعد بين يدي طاوس، فسلم عليه فلم يجبه، ثم كلمه فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشق الآخر فأعرض عنه، فلما رأيت ما به قمت إليه وأخذت بيده ثم قلت له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك، فقال طاوس: بلى! إني به لعارف، فقال الأمير: إنه بي لعارف، ومعرفته بي فعلت بي ما رأيت. ثم مضى وهو ساكت لا يقول شيئا، فلما دخلت المنزل قال لي أبي: يا لكع، بينما أنت تقول أريد أخرج عليهم بالسيف لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك.
وقال أبو عبد الله الشامي: أتيت طاوسا فاستأذنت عليه فخرج إلي ابنه شيخ كبير، فقلت: أنت طاوس؟ فقال: لا! أنا ابنه، فقلت: إن كنت أنت ابنه فإن الشيخ قد خرف، فقال: إن العالم لا يخرف، فدخلت عليه فقال طاوس: سل فأوجز، فقلت: إن أوجزت أوجزت لك، فقال تريد أن أجمع لك في مجلسي هذا التوراة والإنجيل والفرقان؟ قال: قلت: نعم! قال: خف الله مخافة لا يكون عندك شئ أخوف منه، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه، وأحب للناس ما تحب لنفسك.
وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال: يجاء يوم القيامة بالمال وصاحبه فيتحاجان، فيقول صاحب المال للمال: جمعتك في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا، فيقول المال: ألم أقض لك الحوائج؟ أنا الذي حلت بينك وبين أن تصنع فيما أمرك الله من حبك إياي، فيقول صاحب المال إن هذا الذي نفد على حبال أوثق بها وأقيد، وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن الضريس، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم قط، عطاء وطاووس، ومجاهد وسعيد بن جبير، وعكرمة. وقال سفيان: قلت لعبيد الله بن أبي يزيد: مع من كنت تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء والعامة، وكان طاوس يدخل مع الخاصة، وقال حبيب: قال لي طاوس إذا حدثتك حديثا قد أثبته فلا تسأل عنه أحدا - وفي رواية فلا تسأل عنه غيري.
وقال أبو أسامة، حدثنا الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس قال: أدركت
стр. 3473
خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، أخبرني ابن طاوس قال: قلت لأبي: أريد أن أتزوج فلانة، قال: اذهب فانظر إليها، قال: فذهبت فلبست من صالح ثيابي، وغسلت رأسي، وادهنت، فلما رآني في تلك الحال قال: اجلس فلا تذهب. وقال عبد الله بن طاوس: كان أبي إذا سار إلى مكة سار شهرا، وإذا رجع رجع في شهر، فقلت له في ذلك، فقال: بلغني أن الرجل إذا خرج في طاعة لا يزال في سبيل الله حتى يرجع إلى أهله. وقال حمزة عن هلال بن كعب. قال: كان طاوس إذا خرج من اليمن لم يشرب إلا من تلك المياه القديمة الجاهلية، وقال له رجل: ادع الله لي، فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.
وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان رجل فيما خلا من الزمان، وكان عاقلا لبيبا، فكبر فقعد في البيت، فقال لابنه يوما: إني قد اغتممت في البيت، فلو أدخلت علي رجالا يكلموني؟ فذهب ابنه فجمع نفرا فقال: ادخلوا على أبي فحدثوه، فإن سمعتم منه منكرا فاعذروه فإنه قد كبر، وإن سمعتم منه خيرا فاقبلوه. قال: فدخلوا عليه فكان أول ما تكلم به أن قال: إن أكيس الكيس التقى، وأعجز العجز الفجور، وإذا تزوج الرجل فليتزوج من معدن صالح، فإذا اطلعتم على فجرة رجل فاحذروه فإن لها أخوات.
وقال سلمة بن شبيب: حدثنا أحمد بن نصر بن مالك، حدثنا عبد الله بن عمر بن مسلم الجيري، عن أبيه قال: قال طاوس لابنه: إذا قبرتني فانظر في قبري، فإن لم تجدني فاحمد الله تعالى، وإن وجدتني فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال عبد الله: فأخبرني بعض ولده أنه نظر فلم يره ولم يجد في قبره شيئا، ورؤي في وجهه السرور، وقال قبيصة: حدثنا سفيان عن سعيد بن محمد قال: كان من دعاء طاوس يدعو: اللهم احرمني كثرة المال والولد، وارزقني الايمان والعمل. وقال سفيان عن معمر حدثنا الزهري قال: لو رأيت طاوس بن كيسان علمت أنه لا يكذب.
وقال عون بن سلام: حدثنا جابر بن منصور - أخو إسحاق بن منصور - السلولي عن عمران ابن خالد الخزاعي. قال: كنت جالسا عند عطاء فجاء رجل فقال أبا محمد: إن طاوسا يزعم أن من صلى العشاء ثم صلى بعدها ركعتين يقرأ في الأولى: آلم تنزيل السجدة، وفي الثانية تبارك الذي بيده الملك كتب له مثل وقوف عرفة وليلة القدر. فقال عطاء: صدق طاوس ما تركتهما. وقال ابن أبي السري: حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان رجل من بني إسرائيل، وكان ربما داوى المجانين، وكانت امرأة جميلة، فأخذها الجنون، فجئ بها إليه، فنزلت عنده فأعجبته، فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال: إن علم بها افتضحت، فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها ودفنها، فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه عنها، قال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه ومنزلته،
стр. 3474
فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت، ولكن قد وقع عليها فحملت فقتلها ودفنها في بيته، في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها فقالوا: ما نتهمك ولكن أخبرنا أين دفنتها، ومن كان معك؟ فنبشوا بيته فوجدوها حيث دفنها، فأخذوه فحبسوه وسجنوه، فجاءه الشيطان فقال: أنا صاحبك، فإن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فاكفر بالله فأطاع الشيطان فكفر بالله ، فقتل فتبرأ منه الشيطان حينئذ. وقال طاوس: ولا أعلم أن هذه الآية نزلت إلا فيه وفي مثله (كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر، فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين) [الحشر: ١٦].
وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان رجل من بني إسرائيل له أربعة بنين، فمرض، فقال أحدهم: إما أن تمرضوا أبانا وليس لكم من ميراثه شئ، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شئ، فمرضه حتى مات ودفنه ولم يأخذ من ميراثه شيئا، وكان فقيرا وله عيال، فأتي في النوم فيل له: إيت مكان كذا وكذا فاحفره تجد فيه مائة دينار فخذها، فقال للآتي في المنام: ببركة أو بلا بركة؟ فقال: بلا بركة، فلما أصبح ذكر ذلك لامرأته فقالت: اذهب فخذها فإن من بركتها أن تكسوني منها ونعيش منها. فأبى وقال: لا آخذ شيئا ليس فيه بركة. فلما أمسى أتي في منامه فقيل له: إيت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير، فقال: ببركة أو بلا بركة؟ قال: بلا بركة، فلما أصبح ذكر ذلك لامرأته فقالت له مثل ذلك فأبى أن يأخذها، ثم أتي في الليلة الثالثة فقيل له: إيت مكان كذا وكذا فخذ منه دينارا، فقال: ببركة أو بلا بركة؟ قال: ببركة، قال، نعم إذا، فلما أصبح ذهب إلى ذلك المكان الذي أشير إليه في المنام فوجد الدينار فأخذه، فوجد صيادا يحمل حوتين فقال: بكم هما؟ قال: بدينار، فأخذهما منه بذلك الدينار ثم انطلق بهما إلى امرأته فقامت تصلحهما، فشقت بطن أحدهما فوجدت فيه درة لا يقوم بها شئ، ولم ير الناس مثلها، ثم شقت بطن الآخر فإذا فيه درة مثلها، قال: فاحتاج ملك ذلك الزمان درة فبعث يطلبها حيث كانت ليشتريها، فلم توجد إلا عنده، فقال الملك: إيت بها، فأتاه بها، فلما رآها حلاها الله في عينيه، فقال: بعنيها، فقال: لا أنقصها عن وقر ثلاثين بغلا ذهبا، فقال الملك؟ أرضوه، فخرجوا به فوقروا له ثلاثين بغلا ذهبا، ثم نظر إليها الملك فأعجبته إعجابا عظيما، فقال: ما تصلح هذه إلا بأختها، اطلبوا لي أختها، قال: فأتوه فقالوا له: هل عندك أختها ونعطيك ضعف ما أعطيناك؟ قال وتفعلون؟ قالوا: نعم. فأتى الملك بها، فلما رآها أخذت بقلبه فقال أرضوه، فأضعفوا له ضعف أختها، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا وهيب بن الورد حدثنا عبد الجبار بن الورد قال: حدثني داود ابن سابور قال قلنا لطاوس: أدع بدعوات، فقال: لا أجد لذلك حسبة. وقال ابن جرير عن ابن طاوس عن أبيه قال: البخل أن يبخل الانسان بما في يده، والشح أن يحب أن له ما في أيدي الناس بالحرام لا يقنع: وقيل الشح هو ترك القناعة، وقيل: هو أن يشح بما في يد غيره، وهو مرض من
стр. 3475
أمراض القلب ينبغي للعبد أن يعزله عن نفسه وينفيه ما استطاع، وهو يأمرنا بالبخل كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: " اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم [أمرهم] بالبخل فبخلوا وبالقطيعة فقطعوا وهذا هو الحرص على الدنيا وحبها " وقال ابن أبي شيبة: حدثنا المحاربي عن ليث عن طاوس قال: ألا رجل يقوم بعشر آيات من الليل فيصبح قد كتب له مائة حسنة أو أكثر من ذلك، ومن زاد زيد في ثوبه، وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس. قال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج. وعن سفيان عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور. وقال طاوس: لا يحرز دين المؤمن إلا حفرته. وقال عبد الرزاق، عن معمر بن طاوس وغيره أن رجلا كان يسير مع طاوس، فسمع الرجل غرابا ينعب، فقال: خير: فقال طاوس: أي خير عند هذا أو شر لا تصحبني ولا تمش معي. وقال بشر بن موسى: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه. قال: إذا غدا الانسان اتبعه الشيطان، فإذا أتى المنزل فسلم نكص الشيطان وقال: لا مقيل، فإذا أتي بغدائه فذكر اسم الله قال: ولا غداء ولا مقيل، فإذا دخل ولم يسلم قال الشيطان: أدركنا المقيل، فإذا أتي بغدائه ولم يذكر اسم الله عليه قال الشيطان: مقيل وغداء، وفي العشاء مثل ذلك. وقال: إن الملائكة ليكتبون صلاة بني آدم: فلان زاد فيها كذا وكذا، وفلان نقص فيها كذا وكذا وذلك في الركوع والخشوع والسجود.
وقال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلق آدم سكنت، وكان إذا سمع صوت الرعد يقول: سبحان من سبحت له. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح قال: قال مجاهد لطاوس: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تصلي في الكعبة والنبي ﷺ على بابها يقول لك: اكشف قناعك، وبين قراءتك. فقال له: اسكت لا يسمع هذا منك أحد. ثم تخيل إلى أن انبسط في الحديث. وقال أحمد أيضا بهذا الاسناد: إن طاوسا قال لأبي نجيح: يا أبا نجيح!! من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى. وقال مسعر عن رجل إن طاوسا أتى رجلا في السحر فقالوا: هو نائم، فقال: ما كنت أرى أن أحدا ينام في السحر. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا ابن يمان عن مسعود، فذكره. قال الثوري: كان طاوس يجلس في بيته، فقيل له في ذلك فقال: حيف الأئمة وفساد الناس.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرني أبي قال: كان طاوس يصلي في غداة باردة معتمة، فمر به محمد بن يوسف صاحب اليمن وحاجبها - وهو أخو الحجاج بن يوسف - وطاوس ساجد، والأمير راكب في مركبه، فأمر بساج أو طيلسان مرتفع القيمة فطرح على طاوس وهو ساجد، فلم يرفع رأسه حتى فرغ من حاجته، فلما سلم نظر فإذا الساج عليه فانتفض فألقاه عنه، ولم ينظر إليه ومضى إلى منزله وتركه ملقى على الأرض. وقال نعيم بن حماد: حدثنا حماد بن عيينة عن
стр. 3476
ابن جريج عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس: ما من شئ يتكلم به ابن آدم إلا كتب عليه حتى أنينه في مرضه، فلما مرض الإمام أحمد أن فقيل له: إن طاوسا كان يكره أنين المرض فتركه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا الفضل بن دكين حدثنا سفيان، عن أبيه، عن داود بن شابور. قال: قال رجل لطاوس: ادع الله لنا، فقال: ما أجد بقلبي خشية فأدعو لك. وقال ابن طالوت: حدثنا عبد السلام بن هاشم، عن الحسن بن أبي الحصين العنبري. قال: مر طاوس برواس قد أخرج رؤوسا فغشي عليه. وفي رواية كان إذا رأى الرؤوس المشوية لم يتعش تلك الليلة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الأشجعي عن سفيان الثوري. قال: قال طاوس: إن الموتى يفتنون في قبورهم (١) سغبا، وكانوا يستحيون أن يطعم عنهم تلك الأيام. وقال ابن إدريس: سمعت ليثا يذكر عن طاوس وذكر النساء فقال: فيهن كفر من مضى وكفر من بقي. وقال أبو عاصم عن بقية عن سلمة بن وهرام، عن طاوس قال: كان يقال: اسجد للقرد في زمانه، أي أطعه في المعروف. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أسامة، حدثنا نافع بن عمر، عن بشر بن عاصم. قال: قال طاوس: ما رأيت مثل (٢) أحد آمن على نفسه، ولقد رأيت رجلا لو قيل لي: من أفضل من تعرف؟ لقلت: فلان ذلك الرجل، فمكثت على ذلك حينا ثم أخذه وجع في بطنه، فأصاب منه شيئا استنضح بطنه عليه، فاشتهاه، فرأيته في نطع ما أدري أي طرفيه أسرع حتى مات عرقا. وروى أحمد: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن طاوس: أنه رأى فتية من قريش يرفلون في مشيتهم، فقال: إنكم لتلبسون لبسة ما كانت آباؤكم تلبسها، وتمشون مشية ما يحسن الزفافون أن يمشوها. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، أن طاوسا قام على رفيق له مرض حتى فاته الحج - لعله هو الرجل المتقدم قبل هذا استنضح بطنه - وقال مسعر بن كدام عن عبد الكبير المعلم قال طاوس قال ابن عباس: سئل النبي ﷺ من أحسن قراءة؟ قال: " من إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله ". وقد روي هذا أيضا من طريق ابن لهيعة، من عمرو بن دينار، عن طاوس قال: قال ابن عباس: إن النبي ﷺ قال: " إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به ". وعنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رآني رسول الله ﷺ وعلي ثوبان معصفران فقال: " أمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحدهما " رواه مسلم في صحيحه عن داود بن راشد عن عمر بن أيوب، عن إبراهيم بن نافع عن سليمان الأحول عن طاوس به.
وروى محمد بن مسلمة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عمر وقال: قال
стр. 3477
رسول الله ﷺ : " الجلاوذة والشرط وأعوان الظلمة كلاب النار ". انفرد به محمد بن مسلم الطالقي.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن الأنماطي البغدادي، حدثنا عبد المنعم بن إدريس، حدثنا أبي عن وهب بن منبه عن طاوس عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي بن أبي طالب: " يا علي استكثر من المعارف من المؤمنين فكم من معرفة في الدنيا بركة في الآخرة ". فمضى علي فأقام حينا لا يلقى أحدا إلا اتخذه للآخرة، ثم جاء من بعد ذلك فقال له رسول الله ﷺ : " ما فعلت فيما أمرتك به؟ قال: قد فعلت يا رسول الله، فقال له النبي ﷺ : إذهب فابل أخبارهم، فذهب ثم أتى النبي ﷺ وهو منكس رأسه، فقال له النبي ﷺ : اذهب فابل أخبارهم، فذهب ثم أتى النبي ﷺ تبسم [فقال]: ما أحسب يا علي ثبت معك إلا أبناء الآخرة؟ فقال له علي: لا والذي بعثك بالحق، فقال له النبي ﷺ (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عبادي لا خوف عليكم) [الزخرف: ٦٧ - ٦٨] يا علي! أقبل على شأنك واملك لسانك، وأغفل من تعاشر من أهل زمانك تكن سالما غانما " لم يرو إلا من هذا الوجه فيما نعلم والله أعلم.
ثم دخلت سنة سبع ومائة
فيها خرج باليمن رجل يقال له عباد الرعيني فدعا إلى مذهب الخوارج واتبعه فرقة من الناس وحلموا فقاتلهم يوسف بن عمر فقتله وقتل أصحابه، وكانوا ثلاثمائة. وفيها وقع بالشام طاعون شديد، وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة وعلى جيش أهل الشام ميمون بن مهران، فقطعوا البحر إلى قبرص وغزا مسلمة في البر في جيش آخر (١). وفيها ظفر أسد بن عبد الله القسري بجماعة من دعاة بني العباس بخراسان فصلبهم وأشهرهم (٢). وفيها غزا أسد القسري جبال نمروذ (٣)، ملك القرقيسيان، مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نمروذ وأسلم على يديه. وفيها غزا أسد الغور - وهي جبال هراة - فعمد أهلها إلى حواصلهم وأموالهم وأثقالهم فجعلوا ذلك كله في كهف منيع، لا سبيل لاحد عليه، وهو مستعل جدا، فأمر أسد بالرجال فحملوا في توابيت ودلاهم إليه، وأمر بوضع ما هنالك في التوابيت ورفعوهم فسلموا وغنموا، وهذا رأي سديد. وفيها أمر أسد بجمع ما حول بلخ إليها. واستناب عليها برمك والد خالد بن برمك وبناها بناء جيدا جديدا محكما وحصنها وجعلها معقدا للمسلمين. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين. وممن توفي فيها من الأعيان:
стр. 3478
سليمان بن يسار أحد التابعين
وهو أخو عطاء بن يسار، له روايات كثيرة، وكان من المجتهدين في العبادة، وكان من أحسن الناس وجها، توفي بالمدينة وعمره ثلاث وسبعون سنة، دخلت عليه امرأة من أحسن الناس وجها فأرادته على نفسها فأبى وتركها في منزله وخرج هاربا منها، فرأى يوسف ﵇ في المنام. فقال له: أنت يوسف؟ فقال: نعم أنا يوسف الذي هممت، وأنت سليمان الذي لم تهم. وقيل إن هذه الحكاية إنما وقعت في بعض منازل الحجاج، وكان معه صاحب له، فبعثه إلى سوق الحجاج ليشتري شيئا فانحطت على سليمان امرأة من الجبل حسناء فقالت له: هيت لك، فبكى واشتد بكاؤه فلما رأت ذلك منه ارتفعت في الجبل، وجاء صديقه فوجده يبكي فقال له: مالك تبكي؟ فقال خير، فقال: لعلك ذكرت بعض ولدك أو بعض أهلك؟ فقال: لا! فقال: والله لتخبرني ما أبكاك أنت. قال: أبكاني حزني على نفسي، لو كنت مكانك لم أصبر عنها، ثم ذكر أنه نام فرأى يوسف في منامه كما تقدم والله أعلم.
عكرمة مولى ابن عباس
أحد التابعين، والمفسرين المكثرين والعلماء الربانيين، والرحالين الجوالين. وهو أبو عبد الله، وقد روى عن خلق كثير من الصحابة، وكان أحد أوعية العلم، وقد أفتى في حياة مولاه ابن عباس، قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة، وقد طاف عكرمة البلاد، ودخل إفريقية واليمن والشام والعراق وخراسان، وبث علمه هنالك، وأخذ الصلات وجوائز الامراء وقد روى ابن أبي شيبة عنه قال: كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل (١) يعلمني القرآن والسنن، وقال حبيب بن أبي ثابت: اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا، عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد فأقبل سعيد ومجاهد يلقيان على عكرمة التفسير فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، قال: ثم دخلوا الحمام ليلا. قال جابر بن زيد: عكرمة أعلم الناس. وقال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وروى الإمام أحمد عن عبد الصمد عن سلام بن مسكين، سمعت قتادة يقول: أعلمهم بالتفسير عكرمة. وقال سعيد بن جبير نحوه، وقال عكرمة: لقد فسرت ما بين اللوحتين. وقال ابن علية عن أيوب: سأل رجل عكرمة عن آية فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل - وأشار إلى سلع - وقال عبد الرزاق عن أبيه: لما قدم عكرمة الجند حمله طاوس على نجيب فقال: ابتعت علم هذا الرجل (٢)، وفي رواية أن طاوسا حمله على نجيب ثمنه ستون دينارا وقال: ألا نشتري علم هذا العبد بستين دينارا!.
стр. 3479
ومات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فأخرجت جنازتهم فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، وقال عكرمة: قال لي ابن عباس: انطلق فأفت الناس فمن سألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عني ثلثي مؤنة الناس. وقال سفيان عن عمرو قال: كنت إذا سمعت عكرمة يحدث عن المغازي كأنه مشرف عليهم ينظر كيف يصنعون ويقتتلون. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يقول: سمعت أيوب يقول: كنت أريد أن أرحل إلى عكرمة إلى أفق من الآفاق، فال فإني لفي سوق البصرة، فإذا رجل على حمار، فقيل: هذا عكرمة، قال: واجتمع الناس إليه فما قدرت أنا على شئ أسأله عنه، ذهبت مني المسائل، وشردت عني فقمت إلى جنب حماره فجعل الناس يسألونه وأنا أحفظه (١). وقال شعبة عن خالد الحذاء قال: قال عكرمة لرجل وهو يسأله: مالك أخبلت؟ أي فتنت. وقال زياد بن أبي أيوب: حدثنا أبو ثميلة، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد قال: قلت لعكرمة بنيسابور: الرجل يريد الخلاء في إصبعه خاتم فيه اسم الله، قال: يجعل فصه في بطان يده ثم يقبض عليه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أمية بن خالد قال: سمعت شعبة يقول: قال خالد الحذاء: كل شئ قال فيه محمد بن سيرين: ثبت عن ابن عباس، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة. وقال سفيان الثوري: خذوا المناسك عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة. وقال أيضا: خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال عكرمة: أدركت مئتين من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا المسجد. وقال محمد بن يوسف الفريابي: حدثنا إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة: قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان بن داود ﵇ عشرين ألفا فعقرها، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معمر بن سليمان عن الحكم بن أبان عن عكرمة: (الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) [النساء: ١٧] قال: الدنيا كلها قريب وكلها جهالة. وفي قوله (الذين لا يريدون علوا في الأرض) [القصص: ٨٣] قال: عند سلاطينها وملوكها. (ولا فسادا) لا يعلمون بمعاصي الله . (والعاقبة) هي الجنة. وقال في قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به) [الأعراف: ١٦٤] أي تركوا ما وعظوا (بعذاب بئيس) أي شديد (فلما عتوا عما نهوا عنه) أي تمادوا وأصروا. (خاسئين) صاغرين. (فجعلناها نكالا لما بين يديها) [البقرة: ١٦٦] أي من الأمم الماضية (وما خلفها) [البقرة: ٦٦] من الأمم الآتية، من أهل زمانهم وغيرهم (وموعظة) تقي من اتعظ بها الشرك والمعاصي.
وقال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة بعث الله الذين اعتدوا ويحاسب الذين تركوا الأمر والنهي كان المسخ لهم عقوبة في الدنيا حين تركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال
стр. 3480
عكرمة: قال ابن عباس: هلك والله القوم جميعا، قال ابن عباس فالذين أمروا ونهوا نجوا، والذين لم يأمروا ولم ينهوا هلكوا فيمن هلك من أهل المعاصي. قال: وذلك أهل إيلة - وهي قرية على شاطئ البحر - وكان الله قد أمر بني إسرائيل إن يتفرغوا ليوم الجمعة فقالوا: بل نتفرغ ليوم السبت، لان الله فرغ من الخلق يوم السبت، فأصبحت الأشياء مسبوتة. وذكروا قصة أصحاب السبت، وتحريم الصيد عليهم، وأن الحيتان كانت تأتيهم يوم السبت ولا تأتيهم في غيره من الأيام، وذكروا احتيالهم على صيدها في يوم السبت فقال قوم: لا ندعكم تصيدون في يوم السبت ووعظوهم، فجاء قوم آخرون مداهنون فقالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟) [الأعراف: ١٦٣] قال الناهون (معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) [الأعراف: ١٦٣] أي ينتهون عن الصيد في يوم السبت. وقد ذكر عكرمة أنه لما قال لابن عباس إن المداهنين هلكوا مع الغافلين، كساه ثوبين. وقال حوثرة عن مغيرة عن عكرمة قال: كانت القضاة ثلاثة - يعني في بني إسرائيل - فمات واحد فجعل الآخر مكانه، فقضوا ما شاء الله أن يقضوا فبعث الله ملكا على فرس فمر على رجل يسقي بقرة معها عجل، فدعا الملك العجل فتبع العجل الفرس، فجاء صاحبه ليرده فقال: يا عبد الله! عجلي وابن بقرتي، فقال الملك: بل هو عجلي وابن فرسي، فخاصمه حتى أعيا، فقال: القاضي بيني وبينك، قال: لقد رضيت، فارتفعا إلى أحد القضاة فتكلم صاحب العجل فقال له: مربي على فرس فدعا عجلي فتبعه فأبى أن يرده، قال: ومع الملك ثلاث درات لم ير الناس مثلها، فأعطى القاضي درة وقال: اقض لي، فقال: كيف يسوغ هذا؟ فقال: نرسل العجل خلف الفرس والبقرة فأيهما تبعها فهو ابنها، ففعل ذلك فتبع الفرس فقضى له. فقال صاحب العجل: لا أرضى، بيني وبينك القاضي الآخر، ففعلا مثل ذلك، ثم أتيا الثالث فقصا عليه قصتهما، وناوله الملك الدرة الثالثة فلم يأخذها، وقال لا أقضي بينكما اليوم، فقالا: ولم لا تقضي بيننا؟ فقال: لأني حائض، فقال الملك: سبحان الله! رجل يحيض!؟. فقال القاضي: سبحان الله! وهل تنتج الفرس عجلا؟ فقضى لصاحب البقرة. فقال الملك: إنكم إنما ابتليتم، وقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.
وقال أبو بكر بن عياش عن أبي حمزة الثمالي عن عكرمة أن ملكا من الملوك نادى في مملكته: إني إن وجدت أحدا يتصدق بصدقة قطعت يده، فجاء سائل إلى امرأة فقال: تصدقي علي بشئ فقالت: كيف أتصدق عليك والملك يقطع يد من يتصدق؟ قال: أسألك بوجه الله إلا تصدقت علي بشئ، فتصدقت عليه برغيفين، فبلغ ذلك الملك فأرسل إليها فقطع يديها، ثم إن الملك قال لامه: دليني على امرأة جميلة لا تزوجها، فقالت: إن ههنا امرأة ما رأيت مثلها، لولا عيب بها، قال: أي عيب هو؟ قالت: مقطوعة اليدين، قال: فأرسلي إليها، فلما رآها أعجبته - وكان لها جمال - فقالت: إن الملك يريد أن يتزوجك: قالت: نعم إن شاء الله، فتزوجها
стр. 3481
وأكرمها، فنهد إلى الملك عدو فخرج إليهم، ثم كتب إلى أمه: انظري فلانة فاستوصي بها خيرا وافعلي وافعلي معها، فجاء الرسول فنزل على بعض ضرائرها فحسدنها فأخذن الكتاب فغيرنه وكتبن إلى أمه: انظري فلانة فقد بلغني أن رجالا يأتونها فأخرجيها من البيت وافعلي وافعلي، فكتبت إليه الام إنك قد كذبت، وإنها لامرأة صدق، فذهب الرسول إليهن فنزل بهن فأخذن الكتاب فغيرنه فكتبن إليه: إنها فاجرة وقد ولدت غلاما من الزنا، فكتب إلى أمه: انظري فلانة فاجعلي ولدها على رقبتها واضربي على جيبها واخرجيها. قال: فلما جاءها الكتاب قرأته عليها وقالت لها: أخرجي، فجعلت الصبي على رقبتها وذهبت، فمرت بنهر وهي عطشانة فنزلت لتشرب والصبي على رقبتها فوقع في الماء فغرق، فجلست تبكي على شاطئ النهر، فمر بها رجلان فقالا: ما يبكيك؟ فقالت: ابني كان على رقبتي وليس لي يدان فسقط في الماء فغرق. فقالا لها: أتحبين أن يرد الله عليك يديك كما كانتا؟ قالت: نعم! فدعوا الله ربهما لها فاستوت يداها، ثم قالا لها: أتدرين من نحن؟ قالت: لا قالا: نحن الرغيفان اللذان تصدقت بهما. وقال في قوله: (طيرا أبابيل) [الفيل: ٣] قال: طير خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع فلم تزل ترميهم حتى جدرت جلودهم، وما رؤي الجدري قبل يومئذ وما رؤي الطير قبل يومئذ ولا بعد. وفي قوله تعالى: (ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) [فصلت: ٦ - ٧] قال: لا يقولون لا إله إلا الله، وفي قوله (قد أفلح من تزكى) [الاعلى: ١٤] قال: من يقول لا إله إلا الله، وفي قوله: (هل لك إلى أن تزكى) [النازعات: ١٨] إلى أن تقول لا إله إلا الله، وفي قوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) [فصلت: ٣٠] على شهادة أن لا إله إلا الله. وفي قوله: (أليس منكم رجل رشيد) [هود: ٧٨] أليس منكم من يقول: لا إله إلا الله، وفي قوله: (وقال صوابا) [النبأ: ٣٨] قال: لا إله إلا الله. وفي قوله: (إنك لا تخلف الميعاد) [آل عمران: ١٩٤] لمن قال: لا إله إلا الله. وفي قوله (لا عدوان إلا على الظالمين) [البقرة: ١٩٣] على من لا يقول: لا إله إلا الله. وفي قوله: (واذكر ربك إذا نسيت) [الكهف: ٢٤] قال: إذا غضبت (سيماهم في وجوههم) [الفتح: ٢٩] قال: السهو. وقال: إن الشيطان ليزين للعبد الذنب، فإذا عمله تبرأ منه، فلا يزال يتضرع إلى ربه ويتمسكن له ويبكي حتى يغفر الله له ذلك وما قبله. وقال: قال جبريل ﵇: إن ربي ليبعثني إلى الشئ لأمضيه فأجد الكون قد سبقني إليه. وسئل عن الماعون قال: العارية. قلت: فإن منع الرجل غربالا أو قدرا أو قصعة أو شيئا من متاع البيت فله الويل؟ قال: لا! ولكن إذا نهي عن الصلاة ومنع الماعون فله الويل. وقال: البضاعة المزجاة التي فيها تجوز. وقال: السائحون، هم طلبة العلم وقال: (كما يئس الكفار من أصحاب القبور) [الممتحنة: ١٣] قال: إذا دخل الكفار القبور وعاينوا ما أعد الله لهم من الخزي، يئسوا من نعمة الله. وقال
стр. 3482
غيره: [يئس الكفار من أصحاب القبور) أي من حياتهم وبعثهم بعد موتهم. وقال: كان إبراهيم ﵇ يدعى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد، وقال: أنكالا، أي قيودا. وقال في كاهن سبأ: إنه قال لقومه لما دنا منهم العذاب: من أراد سفرا بعيدا وحملا شديدا، فعليه بعمان، ومن أراد الخمر والخمير، وكذا وكذا والعصير، فعليه ببصرى - يعني الشام - ومن أراد الراسخات في الوحل، والمقيمات في المحل فعليه بيثرب ذات النخل. فخرج قوم إلى عمان وقوم إلى الشام، وهم غسان، وخرج الأوس والخزرج - وهم بنو كعب بن عمرو - وخزاعة حتى نزلوا يثرب، ذات النخل، فلما كانوا ببطن مر قالت خزاعة: هذا موضع صالح لا نريد به بدلا، فنزلوا، فمن ثم سميت خزاعة، لأنهم تخزعوا من أصحابهم. وتقدمت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب، فقال الله ليوسف ﵇ يا يوسف! بعفوك عن إخوتك رفعت لك ذكرك مع الذاكرين. وقال: قال لقمان لابنه: قد ذقت المرار فلم أذق شيئا أمر من الفقر. وحملت كل حمل ثقيل فلم يحمل أثقل من جار السوء. ولو أن الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب. رواه وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبيه عن عكرمة: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [الأنفال: ١٧] قال: ما وقع شئ منها إلا في عين رجل منهم. وقال: في قوله تعالى (زنيم) [القلم: ١٣] هو اللئيم الذي يعرف اللؤمة كما يعرف الشاة بذنمتها. وقال في قوله تعالى (الذين يؤذون الله ورسوله) [الأحزاب: ٥٣] قال: هم أصحاب التصاوير، (وبلغت القلوب الحناجر) [الأحزاب: ١٠٠] قال: لو أن القلوب تحركت أو زالت لخرجت نفسه، وإنما هو الخوف والفزع. (فتنتم أنفسكم) [الحديد: ١٤] أي بالشهوات (وتربصتم) [الحديد: ١٤] بالتوبة (وغرتكم الأماني) [الحديد: ١٤] أي التسويف (حتى جاء أمر الله) الموت (وغركم بالله الغرور) الشيطان. وقال: من قرأ يس والقرآن الحكيم لم يزل ذلك اليوم في سرور حتى يمسي.
قال سلمة بن شعيب: حدثنا إبراهيم بن الحكم عن أبان عن أبيه. قال: كنت جالسا مع عكرمة عند البحر فذكروا الذين يغرقون في البحر فقال عكرمة: الذين يغرقون في البحار تقتسم لحومهم الحيتان فلا يبقي منها شئ إلا العظام، حتى تصير حائلا نخرة فتمر بها الإبل فتأكلها، ثم تسير الإبل فتبعرها، ثم يجئ بعدهم قوم فينزلون ذلك المنزل فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه ثم يصير رمادا فتجئ الريح فتأخذه فتذريه في كل مكان من الأرض حيث يشاء الله من بره وبحره، فإذا جاءت النفخة - نفخة المبعث - فيخرج أولئك وأهل القبور المجموعين سواء. وبهذا الاسناد عنه قال: إن الله أخرج رجلين، رجلا من الجنة ورجلا من النار، فقال لصاحب الجنة: عبدي! كيف وجدت مقيلك؟ قال خير مقيل. ثم قال لصاحب النار: عبدي كيف وجدت مقيلك؟ فقال: شر مقيل قاله القائلون، ثم ذكر من عقاربها وحياتها وزنابيرها، ومن أنواع ما
стр. 3483
فيها من العذاب وألوانه، فيقول الله تعالى لصاحب النار: عبدي! ماذا تعطيني إن أنا أعفيتك من النار؟ فيقول العبد: إلهي وماذا عندي ما أعطيك، فقال له الرب تعالى: لو كان لك جبل من ذهب أكنت تعطيني فأعفيك من النار؟ فقال نعم، فقال له الرب: كذبت لقد سألتك في الدنيا ما هو أيسر من ذلك! تدعوني فأستجيب لك، وتستغفرني فأغفر لك، وتسألني فأعطيك، فكتب تتولى ذاهبا.
وبهذا الاسناد قال: ما من عبد يقربه الله يوم القيامة للحساب إلا قام من عند الله بعفوه، وبه عنه: لكل شئ أساس، وأساس الاسلام الخلق الحسن. وبه عنه قال: شكا نبي من الأنبياء إلى ربه الجوع والعري، فأوحى الله إليه: أما ترضى أني سددت عنك باب الشر الناشئ عنها؟. وبه عنه قال: إن في السماء ملكا يقال له إسماعيل لو أذن الله له بفتح أذن من آذانه يسبح الرحمن لمات من في السماوات والأرض. وبه عنه قال: سعة الشمس سعة الأرض وزيادة ثلاث مرات، وسعة القمر سعة الأرض مرة، وإن الشمس إذا غربت دخلت بحرا تحت العرش تسبح الله حتى إذا أصبحت استعفت ربها تعالى من الطلوع فيقول لها: ولم ذاك - وهو أعلم - فتقول: لئلا أعبد من دونك، فيقول لها: اطلعي فليس عليك شئ من ذلك، حسبهم جهنم أبعثها إليهم مع ثلاث عشرة ألف ملك تقودها حتى يدخلوهم: وهذا خلاف ما ثبت في الحديث الصحيح " إن جهنم يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك ". وقال مندل عن أسد بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال رسول الله ﷺ : " لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلما فإن اللعنة تنزل من السماء على من يحضره إذا لم تدفعوا عنه. ولا يقفن أحدكم على رجل يقتل ظلما فإن اللعنة تنزل من السماء على من يحضره إذا لم تدفعوا عنه ". لم يرفعه إلا مندل هذا. وروى شعبة عن عمارة بن حفصة عن عكرمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا عطس غطى وجهه بثوبه، ووضع يديه على حاجبيه "، هذا حديث عال من حديث شعبة. وروى بقية عن إسحاق بن مالك الخضري عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من حلف على أحد يمينا، وهو يرى أن سيبره فلم يفعل، فإنما إثمه على الذي لم يبره ". تفرد به الوليد مرفوعا. وقال عبد الله بن أحمد في مسند أبيه: حدثنا عبيد بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن ربيع، حدثنا عمارة بن أبي حفصة، حدثنا عكرمة، حدثتنا عائشة أن النبي ﷺ كان عليه بردان قطريان خشنان غليظان، فقالت عائشة: يا رسول الله، إن ثوبيك هذين غليظان خشنان، ترشح فيهما فيثقلان عليك، فأرسل إلى فلان فقد أتاه برد من الشام فاشتر منه ثوبان إلى ميسرة. فقال: قد علمت والله، ما يريد مني الله إلا أن يذهب بثوبي ويمطلني بثمنهما، فرجع الرسول إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال ﷺ : كذب! قد علموا أني أتقاهم لله وآداهم للأمانة ". وفي هذا اليوم قال
стр. 3484
النبي ﷺ : " لان يلبس أحدكم من رقاع شتى خير له من أن يستدين مالي عنده " والله سبحانه أعلم.
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
كان أحد الفقهاء المشهورين، له روايات كثيرة، عن الصحابة وغيرهم، وكان من أفضل أهل المدينة، وأعلم أهل زمانه، قتل أبوه بمصر وهو صغير، فأخذته خالته فنشأ عندها، وساد وله مناقب كثيرة. أبو رجاء العطاردي.
وفيها توفي كثير عزة الشاعر المشهور
وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر، أبو صخر الخزاعي الحجازي، المعروف بابن أبي جمعة، وعزة هذه المشهور بها المنسوب إليها، لتغزله فيها، هي أم عمرو عزة بالعين المهملة، بنت جميل بن حفص، من بني حاجب بن غفار، وإنما صغر اسمه فقيل كثير، لأنه كان دميم الخلق قصيرا، طوله ثلاثة أشبار. قال ابن خلكان: كان يقال له رب الدبان (١)، وكان إذا مشى يظن أنه صغير من قصره، وكان إذا دخل على عبد الملك (٢) بن مروان يقول له: طأطئ رأسك لا يؤذيك السقف، وكان يضحك إليه، وكان يفد على عبد الملك، ووفد على عبد الملك بن مروان مرات، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وكان يقال إنه أشعر الاسلاميين، على أنه كان فيه تشيع، وربما نسبه بعضهم إلى مذهب التناسخية (٣)، وكان يحتج على ذلك من جهله وقلة عقله إن صح النقل عنه، في قوله تعالى (في أي صورة ما شاء ركبك) [الانفطار: ٨] وقد استأذن يوما على عبد الملك فلما دخل عليه قال عبد الملك: لان تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: حيهلا يا أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان، وأنا الذي أقول:
وجربت الأمور وجربتني … وقد أبدت عريكتي الأمور
وما تخفى الرجال علي أني … بهم لأخو مثاقفة خبير
стр. 3485
ترى الرجل النحيف فتزدريه … وفي أثوابه أسد زئير
ويعجبك الطرير فتختبره … فيخلف ظنك الرجل الطرير
وما هام الرجال لها بزين … ولكن زينها دين وخير
بغاث الطير أطولها جسوما … ولم تطل البزاة ولا الصقور
وقد عظم البعير بغير لب … فلم يستغن بالعظم البعير
فيركب ثم يضرب بالهراوي … ولا عرف لديه ولا نكير
وعود النبع ينبت مستمرا … وليس يطول والعضباء حور
وقد تكلم أبو الفرج بن طرار على غريب هذه الحكاية وشعرها بكلام طويل، قالوا: ودخل كثير عزة يوما على عبد الملك بن مروان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها: -
على ابن أبي العاصي دروع حصينة … أجاد المسدى سردها وأدالها
قال له عبد الملك: أفلا قلت كما قال الأعشى لقيس بن معد يكرب: -
وإذا تجئ كتيبة ملمومة … شهبا يخشى الذائدون صيالها
كنت المقدم غير لابس جبة … بالسيف يضرب معلما أبطالها
فقال: يا أمير المؤمنين وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم. ودخل يوما على عبد الملك وهو يتجهز للخروج إلى مصعب بن الزبير فقال: ويحك يا كثير، ذكرتك الآن بشعرك فإن أصبته أعطيتك حكمك، فقال: يا أمير المؤمنين كأنك لما ودعت عاتكة بنت يزيد بكت لفراقك فبكى لبكائها حشمها فذكرت قولي:
إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه … حصان عليها نظم (١) دريزينها
نهته فلما لم تر النهي عافه … بكت فبكى مما عراها (٢) قطينها
قال: أصبت فاحتكم، قال: مائة ناقة من نوقك المختارة، قال: هي لك، فلما سار عبد الملك إلى العراق نظر يوما إلى كثير عزة وهو مفكر في أمره فقال: علي به، فلما جئ به قال له: أرأيت إن أخبرتك بما كنت تفكر به تعطيني حكمي؟ قال: نعم، قال: والله؟ قال: والله، قال له عبد الملك إنك تقول في نفسك: هذا رجل ليس هو على مذهبي، وهو ذاهب إلى قتال رجل ليس هو على مذهبي، فان أصابني سهم غرب من بينهما خسرت الدنيا والآخرة، فقال: أي والله يا أمير المؤمنين فاحتكم، قال أحتكم حكمي أن أردك إلى أهلك وأحسن جائزتك، فأعطاه مالا
стр. 3486
وأذن له بالانصراف وقال حماد الراوية عن كثير عزة: وفدت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة، ونحن نمت بصحبتنا إياه ومعاشرتنا له، لما كان بالمدينة، وكل منا يظن أنه سيشركه في الخلافة. فنحن نسير ونختال في رحالنا، فلما انتهينا إلى خناصرة ولاحت لنا أعلامها، تلقانا مسلمة بن عبد الملك فقال: ما أقدمكم؟ أو ما علمتم أن صاحبكم لا يحب الشعر ولا الشعراء؟ قال: فوجمنا لذلك، فأنزلنا مسلمة عنده وأجرى علينا النفقات وعلف دوابنا، وأقمنا عنده أربعة أشهر لا يمكنه أن يستأذن لنا على عمر، فلما كان في بعض الجمع دنوت منه لاسمع خطبته فأسلم عليه بعد الصلاة، فسمعته يقول في خطبته: لكل سفر زاد، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من عذابه وثوابه فترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم. فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يمسي بعد إصباحه ولا يصبح بعد إمسائه، وربما كانت له كامنة بين ذلك خطرات الموت والمنايا، وإنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فأما من لا يداوي من الدنيا كلما إلا أصابه جارح من ناحية أخرى فكيف يطمئن، أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق، ثم بكى حتى ظننا أنه قاض نحبه، وارتج المسجد وما حول بالبكاء والعويل: قال: فانصرفت إلى صاحبي فقلت: خد سرحا من الشعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه فإنه رجل أخرى ليس برجل دنيا. قال: ثم استأذن لنا مسلمة عليه يوم الجمعة فلما دخلنا عليه سلمت عليه ثم قلت: يا أمير المؤمنين طال الثواء وقلت الفائدة، وتحدث بجفائك إيانا وفود العرب. فقال: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) [التوبة: ٦١] وقرأ الآية، فإن كنتم من هؤلاء أعطيتم وإلا فلا حق لكم فيها، فقلت: يا أمير المؤمنين إني مسكين وعابر سبيل ومنقطع به، فقال: ألستم عند أبي سعيد؟ - يعني مسلمة بن عبد الملك - فقلنا: بلى! فقال: إنه لا ثواب على من هو عند أبي سعيد، فقلت: ائذن لي يا أمير المؤمنين بالانشاد، قال: نعم ولا تقل إلا حقا، فأنشدته قصيدة فيه:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف … بريئا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدقت بالفعل المقال مع الذي … أتيت فأمسى راضيا كل مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد ريعه … من الأود النادي ثقاف المقوم
وقد لبست تسعى إليك ثيابها … تراءى لك الدنيا بكف ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضة … وتبسم عن مثل الجمان المنظم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما … سقتك مذوقا من سمام وعلقم
وقد كنت من أحبالها في ممنع … ومن بحرها في مزبد الموج مفعم
وما زلت تواقا إلى كل غاية … بلغت بها أعلى البناء المقدم
فلما أتاك الملك عفوا ولم تكن … لطالب دنيا بعده في تكلم
стр. 3487
تركت الذي يفنى وإن كان مونقا … وآثرت ما يبقى برأي مصمم
وأضررت بالفاني وشمرت للذي … أمامك في يوم من الشر مظلم
ومالك إذ كنت الخليفة مانع … سوى الله من مال رعيت ولا دم
سما لك هم في الفؤاد مؤرق … بلغت به أعلى المعالي بسلم
فما بين شرق الأرض والغرب كلها … مناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني … بأخذك ديناري وأخذك درهمي
ولا بسط كف لامرئ غير مجرم … ولا السفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون لقسموا … لك الشطر من أعمارهم غير ندم
فعشت بها ما حج لله راكب … ملب مطيف بالمقام وزمزم
فاربخ بها من صفقة لمبايع … وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
قال: فأقبل علي عمر بن عبد العزيز وقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة، ثم استأذنه الأحوص فأنشده قصيدة أخرى فقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة. ثم استأذنه نصيب فلم يأذن له وأمر لكل واحد منهم بمائة وخمسين درهما، وأغزى نصيبا إلى مرج دابق. وقد وفد كثير عزة بعد ذلك على يزيد بن عبد الملك فامتدحه بقصائد فأعطاه سبعمائة دينار. وقال الزبير بن بكار: كان كثير عزة شيعيا خبيثا يرى الرجعة، وكان يرى التناسخ ويحتج بقوله تعالى (في أي صورة ما شاء ركبك) [الانفطار: ٨] وقال موسى بن عقبة هول كثير عزة ليلة في منامه فأصبح يمتدح آل الزبير ويرثي عبد الله بن الزبير، وكان يسئ الرأي فيه:
بمفتضح البطحا تأول أنه … أقام بها ما لم ترمها الأخاشب
سرحنا سروبا آمنين ومن يخف … بوائق ما يخشى تنبه النوائب
تبرأت من عيب ابن أسماء إنني … إلى الله من عيب ابن أسماء تائب
هو المرء لا ترزى به أمهاته … وآباؤه فينا الكرام الأطايب
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: قالت عائشة بنت طلحة لكثير عزة: ما الذي يدعوك إلى ما تقول من الشعر في عزة وليست على نصف من الحسن والجمال؟ فلو قلت ذلك في وفي أمثالي فأنا أشرف وأفضل وأحسن منها - وكانت عائشة بنت طلحة قد فاقت النساء حسنا وجمالا وأصالة - وإنما قالت له ذلك لتختبره وتبلوه فقال:
ضحى قلبه يا عز أو كاد يذهل … وأضحى يريد الصوم أو يتبدل
وكيف يريد الصوم من هو وامق … لعزة لا قال ولا متبذل
إذا واصلتنا خلة كي تزيلنا … أبينا وقلنا الحاجبية أول
سنوليك عرفا إن أردت وصالنا … ونحن لتيك الحاجبية أوصل
стр. 3488
وحدثها الواشون أني هجرتها … فحملها غيظا علي المحمل
فقالت له عائشة: قد جعلتني خلة ولست لك بخلة، وهلا قلت كما قال جميل فهو والله أشعر منك حيث يقول:
يا رب عارضة علينا وصلها … بالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالقول بعد تستر … حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي بقدر قلامة … فضل وصلتك أو أتتك رسائلي
فقال: والله ما أنكر فضل جميل، وما أنا إلا حسنة من حسناته، واستحيا. ومما أنشده ابن الأنباري لكثير عزة:
بأبي وأمي أنت من معشوقة … طبن العدو لها فغير حالها
ومشى إلي بعيب عزة نسوة … جعل الآله خدودهن نعالها
الله يعلم لو جمعن ومثلت … لاخذت قبل تأمل تمثالها
ولو أن عزة خاصمت شمس الضحى … في الحسن عند موفق لقضى لها
وأنشد غيره لكثير عزة:
فما أحدث النأي الذي كان بيننا … سلوا ولا طول اجتماع تقاليا
وما زادني الواشون إلا صبابة … ولا كثرة الناهين إلا تماديا
غيره له:
فقلت لها يا عز كل مصيبة … إذا وطنت يوما لها النفس ذلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزة من أعراضنا ما استحلت
وقال كثير عزة أيضا وفيه حكمة أيضا:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه … وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة … يجدها ولا يبقى له الدهر صاحب
وذكروا أن عزة بنت جميل بن حفص أحد بني حاجب بن عبد الله بن غفار أم عمرو الضمرية وفدت على عبد الملك بن مروان تشكو إليه ظلامة فقال: لا أقضيها لك حتى تنشديني شيئا من شعره، فقالت: لا أحفظ لكثير شعرا، لكني سمعتهم يحكون عنه أنه قال في هذه الأبيات:
قضى كل ذي دين علمت غريمه … وعزة ممطول معنى غريمها
فقال: ليس عن هذا أسألك ولكن أنشديني قوله:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها … ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي والمحبة كالذي … عهدت ولم يخبر بذاك مخبر
стр. 3489
قال فاستحيت وقالت: أما هذا فلا أحفظه ولكن سمعتهم يحكونه عنه، ولكن أحفظ له قوله:
كأني أنادي صخرة حين أعرضت … من الظلم لو تمشي بها العصم زلت
صفوح فما تلقاك إلا بخيلة … ومن مل منها ذلك الوصل ملت
قال فقضى لها حاجتها وردها ورد عليها ظلامتها وقال: أدخلوها الحرم ليتعلموا من أدبها. وروى عن بعض نساء العرب قالت: اجتازت بنا عزة فاجتمع نساء الحاضر إليها لينظرن حسنها، فإذا هي حميراء حلوة لطيفة، فلم تقع من النساء بذاك الموقع حتى تكلمت فإذا هي أبرع النساء وأحلاهن حديثا، فما بقي في أعيننا امرأة تفوقها حسنا وجمالا وحلاوة. وذكر الأصمعي: عن سفيان بن عيينة قال: دخلت عزة على سكينة بنت الحسين فقالت لها: إني أسألك عن شئ فأصدقيني، ما الذي أراد كثير في قوله لك:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه … وعزة ممطول معنى غريمها
فقالت: كنت وعدته قبلة فمطلته بها، فقالت: أنجزيها له وإثمها علي، وقد كانت سكينة بنت الحسين من أحسن النساء حتى كان يضرب بحسنها المثل. وروى أن عبد الملك بن مروان أراد أن يزوج كثيرا من عزة فأبت عليه وقالت: يا أمير المؤمنين أبعد ما فضحني بين الناس وشهرني في العرب؟ وامتنعت من ذلك كل الامتناع، ذكره ابن عساكر. وروى أنها اجتازت مرة بكثير وهو لا يعرفها فتنكرت عليه وأرادت أن تختبر ما عنده، فتعرض لها فقالت: فأين حبك عزة؟ فقال: أنا لك الفداء لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك، فقالت، ويحك لا تفعل ألست القائل:
إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا … أبينا وقلنا الحاجبية أول؟
فقال: بأبي أنت وأمي، أقصري عن ذكرها واسمعي ما أقول:
هل وصل عزة إلا وصل غانية … في وصل غانية من وصلها بدل
قالت: فهل لك في المجالسة؟ قال: ومن لي بذلك؟ قال: فكيف بما قلت في عزة؟ قال: أقلبه فيتحول لك، قال فسفرت عن وجهها وقالت: أغدرا وتناكثا يا فاسق، وإنك لها هنا يا عدو الله، فبهت وأبلس ولم ينطق وتحير وخجل، ثم قالت: قاتل الله جميلا حيث يقول: -
محا الله من لا ينفع الود عنده … ومن حبله إن صد غير متين
ومن هو ذو وجهين ليس بدائم … على العهد حلافا بكل يمين
ثم شرع كثير يعتذر ويتنصل مما وقع منه ويقول في ذلك الاشعار ذاكرا وآثرا. وقد ماتت عزة بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان، وزار كثير قبرها ورثاها وتغير شعره بعدها، فقال له قائل: ما بال شعرك تغير وقد قصرت فيه؟ فقال: ماتت عزة ولا أطرب، وذهب الشباب فلا أعجب، ومات
стр. 3490
عبد العزيز بن مروان فلا أرغب، وإنما ينشأ الشعر عن هذه الخلال.
وكانت وفاته وفاة عكرمة في يوم واحد، ولكن في سنة خمس ومائة على المشهور. وإنما ذكره شيخنا الذهبي في هذه السنة - أعني سنة سبع ومائة - والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان ومائة
ففيها افتتح مسلمة بن عبد الملك قيسارية من بلاد الروم، وفتح إبراهيم بن عبد الملك حصنا من حصون الروم أيضا، وفيها غزا أسيد بن عبد الله القسري أمير خراسان فكسر الأتراك كسرة فاضحة. وفيها زحف خاقان إلى أذربيجان وحاصر مدينة ورثان (١) ورماها بالمناجيق، فسار إليه أمير تلك الناحية الحارث بن عمرو نائب مسلمة بن عبد الملك، فالتقى مع خاقان ملك الترك فهزمه وقتل من جيشه خلق كثير، وهرب الخاقان بعد أن كان قتل في جملة من قتل من جيشه، وقتل الحارث بن عمرو شهيدا، وذلك بعد أن قتلوا من الأتراك خلقا كثيرا. وفيها غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم، وبعث البطال على جيش كثيف فافتتح جنجرة وغنم منها شيئا كثيرا.
وفيها توفي من الأعيان بكر بن عبد الله المزني البصري. كان عالما عابدا زاهدا متواضعا قليل الكلام، وله روايات كثيرة عن خلق من الصحابة والتابعين. قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت من هو أكبر منك من المسلمين فقل: سبقته إلى المعاصي فهو خير مني، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا من فضل ربي، وإذا رأيت منهم تقصيرا فقل: هذا بذنب أحدثته. وقال: من مثلك يا بن آدم؟ خلي بينك وبين الماء والمحراب متى شئت تطهرت ودخلت على ربك ليس بينك وبينه ترجمان ولا حاجب. وقال: لا يكون العبد تقيا حتى يكون تقي الطمع تقي الغضب. وقل: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به. وقال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا بلغ المبلغ الصالح من العمل فمشى في الناس تظلله غمامة، قال: فمر رجل قد أظلته غمامة على رجل فأعظمه لما رآه مما آتاه الله، فاحتقره صاحب الغمامة فأمرها الله أن تتحول عن رأسه إلى رأس الذي احتقره، وهو الذي عظم أمر الله . وقال: ما سبقهم أبو بكر بكثير صلاة ولا صيام، ولكن بشئ قر في صدره. وله كلام حسن كثير يطول ذكره. راشد بن سعد المقراني الحمصي عمر دهرا، وروى عن جماعة من الصحابة، وقد كان عابدا صالحا زاهدا. رحمه الله تعالى، وله ترجمة طويلة.
محمد بن كعب القرظي
توفي فيها في قول وهو أبو حمزة، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان عالما بتفسير القرآن، صالحا عابدا، قال الأصمعي: حدثنا أبو المقدام - هشام بن زياد - عن محمد بن كعب
стр. 3491
القرظي أنه سئل: ما علامة الخذلان؟ قل: أن يقبح الرجل ما كان يستحسن، ويستحسن، ما كان قبيحا. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن موهب قال: سمعت ابن كعب يقول: لان أقرأ في ليلة حتى أصبح إذا زلزلت والقارعة لا أزيد عليهما وأردد فيهما الفكر، أحب إلي من أن أهد القرآن هدا - أو قال أنثره نثرا -. وقال: لو رخص لاحد في ترك الذكر لرخص لزكريا ﵇، قال تعالى: (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار) [آل عمران: ٤١] فلو رخص لاحد في ترك الذكر لرخص له، ولرخص للذين يقاتلون في سبيل الله، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) [الأنفال: ٤٦] وقال في قوله تعالى: (اصبروا وصابروا ورابطوا) [آل عمران: ٢٠٠] قال: اصبروا على دينكم وصابروا لوعدكم الذي وعدتم، ورابطوا عدوكم الظاهر والباطن، واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون إذا لقيتموني. وقال في قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه) [يوسف: ٢٤]: علم ما أحل القرآن مما حرم (منها قائم وحصيد) [هود: ١٠١] قال: القائم ما كان من بنائهم قائما، والحصيد ما حصد فهدم. (إن عذابها كان غراما) [الفرقان: ٦٥] قال: غرموا ما نعموا به من النعم في الدنيا، وفي رواية سألهم ثمن نعمة فلم يقدروا عليها ولم يؤدوها، فأغرمهم ثمنها. فأدخلهم النار.
وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي قال: سمعت محمد بن كعب في هذه الآية (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله) [الروم: ٣٩] قال: هو الرجل يعطي الآخر من ماله ليكافئه به أو يزداد، فهذا الذي لا يربو عند الله، والمضعفون هم الذين يعطون لوجه الله لا يبتغي مكافأة أحد. وفي قوله تعالى: (أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) [الاسراء: ٨٠] قال: اجعل سريرتي وعلانيتي حسنة. وقيل: أدخلني مدخل صدق في العمل الصالح، أي الاخلاص، وأخرجني مخرج صدق أي سالما. (أو ألقى السمع وهو شهيد) [ق: ٣٧] أي يسمع القرآن وقلبه معه في مكان آخر. (فاسعوا إلى ذكر الله) [الجمعة: ٩] قال: السعي العمل ليس بالشد. وقال: الكبائر ثلاثة، أن تأمن مكر الله، وأن تقنط من رحمة الله، وأن تيأس من روح الله.
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة بن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه ثلاث خصال، فقها في الدين، وزهادة في الدنيا، وبصرا بعيوب نفسه. وقال: الدنيا دار قلق، رغب عنها السعداء، وانتزعت من أيدي الأشقياء، فأشقى الناس بها أرغب الناس فيها، وأزهد الناس فيها أسعد الناس بها، هي الغاوية لمن أضاعها، المهلكة لمن اتبعها، الخائنة لمن انقاد لها، علمها جهل، وغناؤها فقر، وزيادتها نقصان، وأيامها دول. وروى ابن المبارك عن داود بن قيس قال: سمعت محمد بن كعب يقول: إن الأرض لتبكي من رجل، وتبكي على
стр. 3492
رجل، تبكي على من كان يعمل على ظهرها بطاعة الله، وتبكي ممن كان يعمل على ظهرها بمعصية الله، قد أثقلها. ثم قرأ (فما بكت عليهم السماء والأرض) [الدخان: ٢٩] وقال في قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) [الزلزلة: ٧ - ٨] من يعمل مثقال ذرة خيرا من كافر يرى ثوابها في نفسه وأهله وماله حتى يخرج من الدنيا وليس له خير. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، من مؤمن يرى عقوبتها في نفسه وأهله وماله حتى يخرج من الدنيا وليس له شر. وقال: ما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض (١) ما يكره فمقتني، وقال: اذهب لا أغفر لك، مع أن عجائب القرآن ترد بي على أمور حتى أنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن كعب يسأله أن يبيعه غلامه سالما - وكان عابدا خيرا زاهدا - فكتب إليه: إني قد دبرته، قال: فازدد فيه، فأتاه سالم فقال له عمر: إني قد ابتليت بما ترى، وأنا والله أتخوف أن لا أنجو، فقال له سالم: إن كنت كما تقول فهذا نجاته، وإلا فهو الامر الذي يخاف. قال: يا سالم عظني، قال: آدم ﵇ أخطأ خطيئة واحدة خرج بها من الجنة، وأنتم مع عمل الخطايا ترجون دخول الجنة، ثم سكت. قلت: والامر كما قيل في بعض كتب الله: تزرعون السيئات وترجون الحسنات، لا يجتنى من الشوك العنب.
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى … درج الجنان وطيب عيش العابد
ونسيت أن الله أخرج آدما … منها إلى الدنيا بذنب واحد
وقال: من قرأ القرآن متع بعقله وإن بلغ من العمر مائتي سنة. وقال له رجل: ما تقول في التوبة؟ قال: لا أحسنها، قال: أفرأيت إن أعطيت الله عهدا أن لا تعصيه أبدا؟ قال: فمن أعظم جرما منك، تتألى على الله أن لا ينفذ فيك أمره.
وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني: حدثنا ابن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عباد بن عباد، عن هشام بن زياد أبي المقدام. قالوا كلهم: حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: حدثنا ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " من أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده، أفأنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا، ثم قال: ألا أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، إن عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل خطيبا فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها - وقال مرة فتظلموهم - ولا تظلموا ظالما، ولا تطاولوا ظالما فيبطل فضلكم عند ربكم، يا بني إسرائيل
стр. 3493
الأمور ثلاثة، أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فردوه إلى الله ". وهذه الألفاظ لا تحفظ عن النبي ﷺ بهذا السياق إلا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس، وقد روي أول الحديث إلى ذكر عيسى من طريقه، وسيأتي أن هذا الحديث تفرد به الطبراني بطوله والله أعلم.
وفيها توفي أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل. ثم دخلت سنة تسع ومائة
ففيها عزل هشام بن عبد الملك أسد بن عبد الله القسري عن إمرة خراسان (١) وأمره أن يقدم إلى الحج (٢) فأقبل منها في رمضان، واستخلف على خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، واستناب هشام على خراسان أشرس بن عبد الله السلمي، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القسري، وكان أشرس فاضلا خيرا، وكان سمي الكامل لذلك، وكان أول من اتخذ المرابطة بخراسان، واستعمل المرابطة عبد الملك بن زياد (٣) الباهلي، وتولى هو الأمور بنفسه كبيرها وصغيرها، ففرح بها أهلها. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين.
سنة عشر ومائة من الهجرة النبوية
فيها قاتل مسلمة بن عبد الملك ملك الترك الأعظم خاقان، فزحف إلى مسلمة في جموع عظيمة فتواقفوا نحوا من شهر، ثم هزم الله خاقان زمن الشتاء، ورجع مسلمة سالما غانما، فسلك على مسلك ذي القرنين في رجوعه إلى الشام، وتسمى هذه الغزاة غزاة الطين، وذلك أنهم سلكوا على مغارق ومواضع غرق فيها دواب كثيرة، وتوحل فيها خلق كثير، فما نجوا حتى قاسوا شدائد وأهوالا صعابا وشدائد عظاما، وفيها دعا أشرس بن عبد الله السلمي نائب خراسان أهل الذمة بسمرقند ومن وراء النهر إلى الدخول في الاسلام، ويضع عنهم الجزية فأجابوه إلى ذلك، وأسلم غالبهم، ثم طالبهم بالجزية فنصبوا له الحرب وقاتلوه، ثم كانت بينه وبين الترك حروب كثيرة، أطال ابن جرير بسطها وشرحها فوق الحاجة (٤). وفيها أرسل أمير المؤمنين هشام بن عبيدة إلى إفريقية متوليا عليها، فلما وصل جهز ابنه وأخاه في جيش فالتقوا مع المشركين فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا بطريقهم وانهزم باقيهم، وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا. وفيها افتتح معاوية بن هشام حصنين من بلاد الروم،
стр. 3494
وغنم غنائم جمة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام، وعلى العراق خالد القسري، وعلى خراسان أشرس السلمي.
ذكر من توفي فيها من الأعيان:
جرير الشاعر
وهو جرير بن الخطفي (١) ويقال ابن عطية بن الخطفي واسم الخطفي حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر (٢) بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار، أبو حزرة الشاعر البصري، قدم دمشق مرارا، وامتدح يزيد بن معاوية والخلفاء من بعده ووفد على عمر بن عبد العزيز، وكان في عصره من الشعراء الذين يقارنونه الفرزدق الأخطل، وكان جرير أشعرهم وأخيرهم، قال غير واحد: هو أشعر الثلاثة، قال ابن دريد ثنا الاشنانداني ثنا الثوري عن أبي عبيدة عن عثمان البني قال: رأيت جريرا وما تضم شفتاه من التسبيح، فقلت: وما ينفعك هذا؟ فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد إن الحسنات يذهبن السيئات، وعد من الله حق. وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: دخل رجل من بني عذرة على عبد الملك بن مروان يمتدحه بقصيدة وعنده الشعراء الثلاثة، جرير والفرزدق والأخطل، فلم يعرفهم الأعرابي، فقال عبد الملك للأعرابي: هل تعرف أهجى بيت قالته العرب في الاسلام؟ قال: نعم! قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا (٣)
فقال: أحسنت، فهل تعرف أمدح بيت قيل في الاسلام؟ قال نعم! قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح
فقال: أصبت وأحسنت، فهل تعرف أرق بيت قيل في الاسلام؟ قال: نعم! قول جرير:
إن العيون التي في طرفها مرض … قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
стр. 3495
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به … وهن أضعف خلق الله أركانا
فقال: أحسنت، فهل تعرف جريرا؟ قال: لا والله، وإني إلى رؤيته لمشتاق، قال: فهذا جرير وهذا الفرزدق وهذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول. -
فحيا الإله أبا حرزة … وأرغم أنفك يا أخطل
وجد الفرزدق أتعس به … ورق خياشيمه الجندل
فأنشأ الفرزدق يقول:
يا أرغم الله أنفا أنت حامله … يا ذا الخنا ومقال الزور والخطل
ما أنت بالحكم الترضي حكومته … ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
ثم أنشأ الأخطل يقول: -
يا شر من حملت ساق على قدم … ما مثل قولك في الأقوام يحتمل
إن الحكومة ليست في أبيك ولا … في معشر أنت منهم انهم سفل
فقام جرير مغضبا وقال: -
أتشتمان سفاها خيركم حسبا (١) … ففيكما - وإلهي - الزور والخطل
شتمتاه على رفعي ووضعكما … لا زلتما في سفال أيها السفل
ثم وثب جرير فقبل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين جائزتي له، وكانت خمسة آلاف (٢)، فقال عبد الملك: وله مثلها من مالي، فقبض الأعرابي ذلك كله وخرج. وحكى يعقوب بن السكيت أن جريرا دخل على عبد الملك مع وفد أهل العراق من جهة الحجاج فأنشده مديحه الذي يقول فيه:
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح
فأطلق له مائة ناقة وثمانية من الرعاء أربعة من النوبة وأربعة من السبي الذين قدم بهم من الصغد قال جرير: وبين يدي عبد الملك جامان من فضة قد أهديت له، وهو لا يعبأ بها شيئا، فهو يقرعها بقضيب في يده، فقلت: يا أمير المؤمنين المحلب، فألقى إلي واحدا من تلك الجامات، ولما رجع إلى الحجاج أعجبه إكرام أمير المؤمنين له فأطلق الحجاج له خمسين ناقة تحمل طعاما لأهله.
стр. 3496
وحكى نفطويه أن جريرا دخل يوما على بشر بن مروان وعنده الأخطل، فقال بشر لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا، ومن هذا أيها الأمير؟ فقال: هذا الأخطل، فقال الأخطل، أنا الذي قذفت عرضك، وأسهرت ليلك، وآذيت قومك، فقال جرير: أما قولك شتمت عرضك فما ضر البحر أن يشتمه من غرق فيه، وأما قولك وأسهرت ليلك، فلو تركتني أنام لكان خيرا لك، وأما قولك وآذيت قومك فكيف تؤذي قوما أنت تؤدي الجزية إليهم؟ وكان الأخطل من نصارى العرب المتنصرة، قبحه الله وأبعد مثواه، وهو الذي أنشد بشر بن مروان قصيدته التي يقول فيها:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ودم مهراق
وهذا البيت تستدل به الجهمية على أن الاستواء على العرش بمعني الاستيلاء، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وليس في بيت هذا النصراني حجة ولا دليل على ذلك، ولا أراد الله باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا. فإنه إنما يقال استوى على الشئ إذ كان ذلك الشئ عاصيا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بشر على العراق، واستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرش الرب لم يكن ممتنعا عليه نفسا واحدا، حتى يقال استوى عليه، أو معنى الاستواء الاستيلاء، ولا تجد أضعف من حجج الجهمية، حتى أداهم الافلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجة والله أعلم.
وقال الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء فمكثوا ببابه أياما لا يؤذن لهم ولا يلتفت إليهم، فساءهم ذلك وهموا بالرجوع إلى بلادهم، فمر بهم رجاء بن حياة فقال له جرير: -
يا أيها الرجل المرخي عمامته … هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
فدخل ولم يذكر لعمر بن أمرهم شيئا، فمر بهم عدي بن أرطأة فقال له جرير منشدا:
يا أيها الراكب المرخي مطيته … هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أني لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لا قيت مغفرة … قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
فدخل عدي على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي، مالي وللشعراء، فقال: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ قد كان يسمع الشعر ويجزي عليه، وقد أنشده العباس بن مرداس مدحه فأعطاه حلة، فقال له عمر: أتروي منها شيئا؟ قال: نعم فأنشده: -
رأيتك يا خير البرية كلها … نشرت كتابا جاء بالحق معلما
стр. 3497
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا … عن الحق لما أصبح الحق مظلما
ونورت بالبرهان أمرا مدلسا … وأطفأت بالقرآن نارا تضرما
فمن مبلغ عني النبي محمدا … وكل امرئ يجزي بما كان قدما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه … وكان قديما ركنه قد تهدما
تعالى علوا فوق عرش إلهنا … وكان مكان الله أعلا وأعظما
فقال عمر: من بالباب منهم؟ فقال: عمر بن أبي ربيعة، فقال أليس هو الذي يقول:
ثم نبهتها فهبت كعابا … طفلة ما تبين رجع الكلام
ساعة ثم إنها بعد قالت … ويلنا قد عجلت يا بن الكرام
أعلى غير موعد جئت تسري … تتخطى إلى رؤوس النيام
ما تجشمت ما تريد من الامر … ولا حيت طارقا لخصام
فلو كان عدو الله إذ فجر كتم وستر على نفسه، لا يدخل والله أبدا، فمن بالباب سواه؟ قال: همام بن غالب - يعني الفرزدق - فقال عمر: أوليس هو الذي يقول في شعره:
هما دلياني من ثمانين قامة … كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا … أحي يرجي أم قتيل نحاذره
لا يطأ والله بساطي وهو كاذب، فمن سواه بالباب؟ قال: الأخطل، قال: أوليس هو الذي يقول:
ولست بصائم رمضان طوعا … ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عيسا بكور … إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بزائر بيتا بعيدا … بمكة أبتغي فيه صلاحي
ولست بقائم كالعير أدعو … قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولا … وأسجد عند منبلج الصباح
والله لا يدخل علي وهو كافر أبدا، فهل بالباب سوى من ذكرت؟ قال: نعم الأحوص، قال: أليس هو الذي يقول:
الله بيني وبين سيدها … يفر مني بها وأتبعه
فما هو دون من ذكرت، فمن ههنا غيره؟ قال جميل بن معمر، قال: الذي يقول: -
ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت … يوافق في الموتى خريجي خريجها
فما أنا في طول الحياة براغب … إذا قيل قد سوى عليها صفيحها
стр. 3498
فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بذلك صالحا ويتوب، والله لا يدخل علي أبدا، فهل بالباب أحد سوى ذلك؟ قلت: جرير، قال أما إنه الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا … حين الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان لا بد فأذن لجرير، فأذن له فدخل على عمر وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمدا … جعل الخلافة للامام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه … حتى ارعوى وأقام ميل المائل
إني لأرجو منك خيرا عاجلا … والنفس مولعة بحب العاجل
فقال له: ويحك يا جرير، اتق الله فيما تقول، ثم إن جريرا استأذن عمر في الانشاد فلم يأذن له ولم ينهه، فأنشده قصيدة طويلة يمدحه بها، فقال له: ويحك يا جرير لا أرى لك فيما ههنا حقا، فقال: إني مسكين وابن سبيل، قال: إنا ولينا هذا الامر ونحن لا نملك إلا ثلاثمائة درهم، أخذت أم عبد الله مائة وابنها مائة وقد بقيت مائة، فأمر له بها، فخرج على الشعراء فقالوا: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ما يسؤوكم، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه … وقد كان شيطاني من الجن راقيا
وقال بعضهم فيما حكاه المعافى بن زكريا الجريري قالت جارية للحجاج بن يوسف: إنك تدخل هذا علينا، فقال: إنه ما علمت عفيفا، فقالت: أما إنك لو أخليتني وإياه سترى ما يصنع، فأمر باخلائها مع جرير في مكان يراهما الحجاج ولا يريانه، ولا يشعر جرير بشئ من ذلك، فقالت له: يا جرير، فأطرق رأسه، وقال، هأنذا، فقالت: أنشدني من قولك كذا وكذا - لشعر فيه رقة - فقال: لست أحفظه ولكن أحفظ كذا وكذا - ويعرض عن ذاك وينشدها شعرا في مدح الحجاج - فقالت: لست أريد هذا، إنما أريد كذا وكذا - فيعرض عن ذاك وينشدها في الحجاج - حتى انقضى المجلس فقال الحجاج: لله درك، أبيت إلا كرما وتكرما. وقال عكرمة أنشدت أعرابيا بيتا لجرير الخطفي:
أبدل الليل لا تجري كواكبه … أو طال حتى حسبت النجم حيرانا
فقال الأعرابي: إن هذا حسن في معناه وأعوذ بالله من مثله، ولكني أنشدك في ضده من قولي:
وليل لم يقصره رقاد … وقصره لنا وصل الحبيب
نعيم الحب أورق فيه … حتى تناولنا جناه من قريب
стр. 3499
بمجلس لذة لم نقف فيه … على شكوى ولا عيب الذنوب
فخشينا أن نقطعه بلفظ … فترجمت العيون عن القلوب
قلت له: زدني، قال، أما من هذا فحسبك ولكن أنشدك غيره فأنشدني:
وكنت إذا عقدت حبال قوم … صحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم … وأجتنب الإساءة إن أساؤوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتي … مشيئتهم وأترك ما أشاء
قال ابن خلكان: كان جرير أشعر من الفرزدق عند الجمهور، وأفخر بيت قاله جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم … حسبت الناس كلهم غضابا
قال وقد سأله رجل: من أشعر الناس؟ فأخذ بيده وأدخله على ابنه، وإذا هو يرتضع من ثدي عنز، فاستدعاه فنهض واللبن يسيل على لحيته، فقال جرير للذي سأله: أتبصر هذا؟ قال: نعم، قال: أتعرفه؟ قال: لا، قال: هذا أبي، وإنما يشرب من ضرع العنز لئلا يحلبها فيسمع جيرانه حس الحلب فيطلبوا منه لبنا، فأشعر الناس من فاخر بهذا ثمانين شاعرا فغلبهم، وقد كان بين جرير والفرزدق مقاولات ومهاجاة كثيرة جدا يطول ذكرها، وقد مات في سنة عشر ومائة، قاله خليفة بن خياط وغير واحد، قال خليفة: مات الفرزدق وجرير بعده بأشهر، وقال الصولي: ماتا في سنة إحدى عشرة ومائة، ومات الفرزدق قبل جرير بأربعين يوما، وقال الكريمي عن الأصمعي عن أبيه قال: رأى رجل جريرا في المنام بعد موته فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقيل: بماذا؟ قال بتكبيرة كبرتها بالبادية، قيل له: فما فعل الفرزدق؟ قال أيهات أهلكه قذف المحصنات. قال الأصمعي لم يدعه في الحياة ولا في الممات.
وأما الفرزدق
واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم (١) بن حنظلة بن زيد بن مناة بن مر بن أد بن طابخة أبو فراس بن أبي خطل التميمي البصري الشاعر المعروف بالفرزدق، وجده صعصعة بن ناجية صحابي، وفد إلى رسول الله ﷺ ، وكان يحيي الموؤودة في الجاهلية، حدث الفرزدق عن علي أنه ورد مع أبيه عليه، فقال من هذا؟ قال ابني وهو شاعر، قال علمه القراءة فهو خير له من الشعر. وسمع الفرزدق الحسين بن علي ورآه وهو ذاهب إلى العراق وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري وعرفجة بن أسعد، وزرارة بن كرب، والطرماح بن عدي الشاعر، وروى عنه خالد الحذاء ومروان الأصغر وحجاج بن حجاج الأحول، وجماعة، وقد وفد على معاوية يطلب ميراث عمه الحباب، وعلى الوليد بن عبد الملك وعلى أخيه، ولم يصح ذلك،
стр. 3500
وقال أشعث بن عبد الله عن الفرزدق قال نظر أبو هريرة إلى قدمي فقال: يا فرزدق إني أرى قدميك صغيرين فاطلب لهما موضعا في الجنة، فقلت: إن ذنوبي كثيرة، فقال: لا بأس فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها ". وقال معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال: دخلت على الفرزدق فتحرك فإذا في رجله قيد، فقلت: ما هذا؟ فقال: حلفت أن لا أنزعه حتى أحفظ القرآن. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت بدويا أقام بالحضر إلا فسد لسانه إلا رؤبة بن العجاج والفرزدق فإنهما زادا على طول الإقامة جدة وحدة، وقال راويته أبو شفقل طلق الفرزدق امرأته النوار ثلاثا ثم جاء فأشهد على ذلك الحسن البصري، ثم ندم على طلاقها وإشهاده الحسن على ذلك فأنشأ يقول: -
فلو أني ملكت يدي وقلبي (١) … لكان علي للقدر الخيار
ندمت ندامة الكسعي لما … غدت مني مطلقة نوار (٢)
وكانت جنتي فخرجت منها … كآدم حين أخرجه الضرار (٣)
وقال الأصمعي وغير واحد: لما ماتت النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي امرأة الفرزدق - - وكانت قد أوصت أن يصلي عليها الحسن البصري - فشهدها أعيان أهل البصرة مع الحسن والحسن على بغلته، والفرزدق على بعيره، فسار فقال الحسن للفرزدق: ماذا يقول الناس؟ قال: يقولون شهد هذه الجنازة اليوم خير الناس - يعنونك - وشر الناس - يعنوني - فقال له: يا أبا فراس لست أنا بخير الناس ولست أنت بشر الناس، ثم قال له الحسن: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة، فلما أن صلى عليها الحسن مالوا إلى قبرها فأنشأ الفرزدق يقول (٤):
أخاف وراء القبر إن لم يعافني … أشد من القبر التهابا وأضيقا
إذا جاءني (٥) يوم القيامة قائد … عنيف وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد دارم (٦) من مشى … إلى النار مغلول القلادة أزرقا (٧)
يساق إلى نار الجحيم مسربلا … سرابيل قطران لباسا مخرقا
стр. 3501
إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم … يذوبون من حر الصديد (١) تمزقا
قال: فبكى الحسن حتى بل الثرى ثم التزم الفرزدق، وقال: لقد كنت من أبغض الناس إلي، وإنك اليوم من أحب الناس إلي. وقال له بعض الناس: ألا تخاف من الله في قذف المحصنات، فقال: والله لله أحب إلي من عيني اللتين أبصر بهما، فكيف يعذبني؟ وقد قدمنا أنه مات سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوما (٢)، وقيل بأشهر فالله أعلم.
وأما الحسن وابن سيرين فقد ذكرنا ترجمة كل منهما في كتابنا التكميل مبسوطة وحسبنا الله ونعم الوكيل.
فأما الحسن بن أبي الحسن
فاسم أبيه يسار وأبرد هو أبو سعيد البصري مولى زيد بن ثابت، ويقال مولى جابر بن عبد الله وقيل غير ذلك، وأمه خيرة مولاة لام سلمة كانت تخدمها، وربما أرسلتها في الحاجة فتشتغل عن ولدها الحسن وهو رضيع، فتشاغله أم سلمة بثدييها فيدران عليه فيرتضع منهما، فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من الثدي المنسوب إلى رسول الله ﷺ ثم كان وهو صغير تخرجه أمه إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من يدعو له عمر بن الخطاب، قال: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس. وسئل مرة أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا عنها مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا، وقال أنس مرة: إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين - الحسن وابن سيرين - وقال قتادة: ما جالست رجلا فقيها إلا رأيت فضل الحسن عليه، وقال أيضا: ما رأت عيناي أفقه من الحسن، وقال أيوب: كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن مسألة هيبة له، وقال الشعبي لرجل يريد قدوم البصرة: إذا نظرت إلى رجل أجمل أهل البصرة وأهيبهم فهو الحسن، فأقرأه مني السلام. وقال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم ير عمله ولم يسمع كلامه، وقال الأعمش: ما زال الحسن
стр. 3502
يعي الحكمة حتى نطق بها، وكان أبو جعفر إذا ذكره يقول: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء. وقال محمد بن سعد: قالوا كان الحسن جامعا للعلم والعمل، عالما رفيعا فقيها مأمونا عابدا زاهدا ناسكا كثير العلم والعمل فصيحا جميلا وسيما، وقدم مكة فأجلس على سرير، وجلس العلماء حوله، واجتمع الناس إليه فحدثهم. قال أهل التاريخ: مات الحسن عن ثمان وثمانين سنة، عام عشر ومائة في رجب منها، بينه وبين محمد بن سيرين مائة يوم.
وأما ابن سيرين
فهو محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري مولى أنس بن مالك النضري، كان أبو محمد من سبي عين التمر (١)، أسره خالد بن الوليد في جملة السبي، فاشتراه أنس ثم كاتبه، ثم ولد له من الأولاد الأخيار جماعة، محمد هذا، وأنس بن سيرين، ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة، وكلهم تابعيون ثقات أجلاء ﵏. قال البخاري: ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال هشام بن حسان: هو أصدق من أدركت من البشر، وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا عالما رفيعا فقيها إماما كثير العلم ورعا. وكان به صمم، وقال مؤرق العجلي: ما رأيت رجلا أفقه في ورعه، وأورع في فقهه منه، قال ابن عون: كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة، وأشد الناس إزارا على نفسه، وأشدهم خوفا عليها. قال ابن عون: ما بكى في الدنيا مثل ثلاثة، محمد بن سيرين في العراق، والقاسم بن محمد في الحجاز، ورجاء بن حياة بالشام. وكانوا يأتون بالحديث على حروفه، وكان الشعبي يقول: عليكم بذاك الأصم - يعني محمد بن سيرين - وقال ابن شوذب: ما رأيت أحدا أجرأ على تعبير الرؤيا منه. وقال عثمان البتي: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه. قالوا: ومات في تاسع شوال من هذه السنة بعد الحسن بمائة يوم.
فصل
كان اللائق، بالمؤلف أن يذكر تراجم هؤلاء العلماء الأخيار قبل تراجم الشعراء المتقدم ذكرهم فيبدأ بهم ثم يأتي بتراجم الشعراء، وأيضا فإنه أطال القول في تراجم الشعراء واختصر تراجم العلماء، ولو كان فيها حسن وحكم جمة ينتفع بها من وقف عليها، ولعلها أفيد من مدحهم والثناء عليهم، ولا سيما كلام الحسن وابن سيرين ووهب بن منبه - كما ذكره بعد وكما سيأتي ذكر ترجمته في هذه الزيادة - فإنه قد اختصرها جدا وإن المؤلف أقدر وأوسع علما، فما ينبغي أن يخل ببعض كلامهم وحكمهم، فإن النفوس مستشرفة إلى معرفة ذلك والنظر فيه، فإن أقوال السلف لها موقع من
стр. 3503
القلوب، والمؤلف غالبا في التراجم يحيل على ما ذكره في التكميل الذي صنفه في أسماء الرجال، وهذا الكتاب لم نقف عليه نحن ولا من سألناه عنه من العلماء، فإنا قد سألنا عنه جماعة من أهل الفن فلم يذكر غير واحد أنه اطلع عليه. فكيف حل غيرهم؟ وقد ذكرت في غالب التراجم زيادات على ما ذكره المؤلف مما وصلت إليه معرفتي واطلعنا عليه، ولو كان عندي كتب لأشبعت القول في ذلك، إذ الحكمة هي ضالة المؤمن. ولعل أن يقف على هذا راغب في الآخرة، طالب ما عند الله فينتفع به أعظم مما ينتفع به من تراجم الخلف والملوك والامراء، وإن كانت تلك أيضا نافعة لمعتير ومزدجر، فإن ذكر أئمة العدل والجور بعد موتهم فيها فضل أولئك، وغم هؤلاء، ليعلم الظالم أنه وإن مات لم يمت ما كان متلبسا به من الفساد والظلم، بل هو مدون في الكتب عند العلماء. وكذلك أهل العدل والصلاح والخير، فإن الله قد قص في القرآن أخبار الملوك والفراعنة والكفار والمفسدين، تحذيرا من أحوالهم وما كانوا يعملون، وقص أيضا أخبار الأتقياء والمحسنين والأبرار والأخيار والمؤمنين، للاقتداء والتأسي بهم والله سبحانه أعلم. فنقول وبالله التوفيق:
أما الحسن
فهو أبو سعيد البصري الإمام الفقيه المشهور، أحد التابعين الكبار الاجلاء علما وعملا وإخلاصا فروى ابن أبي الدنيا عنه قال: كان الرجل يتعبد عشرين سنة لا يشعر به جاره، وأحدهم يصلي ليلة أو بعض ليلة فيصبح وقد استطال على جاره، وإن كان القوم ليجتمعون فيتذاكرون فتجئ الرجل عبرته فيردها ما استطاع، فإن غلب قام عنهم. وقال الحسن: تنفس رجل عند عمر بن عبد العزيز فلكزه عمر - أو قال: لكمه - وقال: إن في هذا لفتنة. وقد ذكره ابن أبي الدنيا عن الحسن عن عمر بن الخطاب. وروى الطبراني عنه أنه قال: إن قوما ألهتهم أماني المغفرة ورجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة، يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله، وأرجو رحمة الله، وكذب، لو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة يوشك من دخل المفازة من غير زاد ولا ماء أن يهلك. وروى ابن أبي الدنيا عنه قال: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقذعوا هذه الأنفس فإنها تنزع إلى شر غاية.
وقال مالك بن دينار: قلت للحسن: ما عقوبة العالم إذا أحب الدنيا؟ قال: موت القلب، فإذا أحب الدنيا طلبها بعمل الآخرة، فعند ذلك ترحل عنه بركات العلم ويبقى عليه رسمه. وروى الفتني عن أبيه قال: عاد الحسن عليلا فوجده قد شفي من علته، فقال: أيها الرجل إن الله قد ذكرك فاذكره، وقد أقالك فاشكره، ثم قال الحسن: إنما المرض ضربة سوط من ملك كريم، فأما أن يكون العليل بعد المرض فرسا جوادا، وإما أن يكون عثورا معقورا. وروى العتبي عن أبيه أيضا قال: كتب الحسن إلى فرقد:
أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله، والاستعداد لما وعد الله، مما لا
стр. 3504
حيلة لاحد في دفعه، ولا ينفع الندم عند نزوله، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الجاهلين، وشمر الساق، فإن الدنيا ميدان مسابقة، والغاية الجنة أو النار، فإن لي ولك من الله مقاما يسألني وإياك فيه عن الحقير والدقيق، والجليل والخافي، ولا آمن أن يكون فيما يسألني وإياك عنه وساوس الصدور، ولحظ العيون، وإصغاء الاسماع. وما أعجز عنه.
وروى ابن قتيبة عنه أنه مر على باب ابن هبيرة فرأى القراء - وكانوا هم الفقهاء - جلوسا على باب ابن هبيرة فقال: طفحتم نعالكم، وبيضتم ثيابكم. ثم أتيتم إلى أبوابهم تسعون؟ ثم قال لأصحابه: ما ظنكم بهؤلاء الحذاء؟ ليست مجالسهم من مجالس الأتقياء، وإنما مجالسهم مجالس الشرط. وروى الخرائطي عن الحسن أنه كان إذا اشترى شيئا وكان في ثمنه كسر جبره لصاحبه. ومر الحسن بقوم يقولون: نقص دانق أي عن الدرهم الكامل والدينار الكامل - إما أن يكون درهما ينقص نصفا أو ربعا، والعشرة تسعة ونصف، وقس على هذا، فكان الحسن يستحب جبران هذه الأشياء، وإن كان اشترى السلعة بدرهم ينقص دانقا كمله درهما، أو بتسعة ونصف كملها عشرة، مروءة وكرما. وقال عبد الأعلى السمسار، قال الحسن: يا عبد الأعلى! أما يبيع أحدكم الثوب لأخيه فينقص درهمين أو ثلاثة؟ قلت لا والله ولا دانق واحد، فقال الحسن: إن هذه الأخلاق فما بقي من المروءة إذا؟. قال: وكان الحسن يقول: لا دين إلا بمروءة. وباع بغلة له فقال له المشتري. أما تحط لي شيئا يا أبا سعيد؟ قال لك خمسون درهما، أزيدك؟ قال: لا! رضيت، قال: بارك الله لك.
وروى ابن أبي الدنيا عن حمزة الأعمى قال: ذهبت بي أمي إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد: ابني هذا قد أحببت أن يلزمك فلعل الله أن ينفعه بك، قال: فكنت أختلف إليه، فقال لي يوما: يا بني أدم الحزن على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه، وابك في ساعات الليل والنهار في الخلوة لعل مولاك أن يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين، قال: وكنت أدخل على الحسن منزلة وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يوما: إنك تكثر البكاء فقال يا بني! ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل لعله تعالى أن يرحمك، فإذا أنت نجوت من النار، وقال: ما هو إلا حلول الدار إما الجنة وإما النار، ما هناك منزل ثالث. وقال: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر من دموعه قطرة حتى تعتق رقبته من النار. وقال: لو أن باكيا بكى في ملا من خشية الله لرحموا جميعا، وليس شئ من الأعمال إلا له وزن إلا البكاء من خشية الله فإنه لا يقوم الله بالدمعة منه شيئا. وقال: ما بكى عبد إلا شهد عليه قلبه بالصدق أو الكذب.
وروى ابن أبي الدنيا عنه في كتاب اليقين قال: من علامات المسلم قوة دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحكم في علم، وحبس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة
стр. 3505
وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة، لا ترديه رغبته، ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يغلبه فرجه، ولا يميل به هواه، ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته. كذا ذكر هذه الألفاظ عنه (١). قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح عن الحكم بن ظهير عن يحيى بن المختار عن الحسن فذكره، وقال فيه أيضا عنه: يا بني آدم إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يدي الله .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن إبراهيم اليشكري، حدثنا موسى بن إسماعيل الجيلي، حدثنا حفص بن سليمان أبو مقاتل عن عون بن أبي شداد، عن الحسن قال: قال لقمان لأنبه: يا بني!! العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله. وقال: يا بني إذا جاءك الشيطان من قبل الشك والريب فاغلبه باليقين والنصيحة، وإذا جاءك من قبل الكسل والسآمة فاغلبه بذكر القبر والقيامة، وإذا جاءك من قبل الرغبة والرهبة فأخبره أن الدنيا مفارقة متروكة. وقال الحسن: ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع وذبل واستقام واقتصد حتى يأتيه الموت. وقال: باليقين طلبت الجنة، وباليقين هربت من النار، وباليقين أديت الفرائض على أكمل وجهها، وباليقين أصبر على الحق وفي معافاة الله خير كثير، قد والله رأيناهم يتعاونون في العافية، فإذا نزل البلاء تفارقوا. وقال: الناس في العافية سواء، فإذا نزل البلاء تبين عنده الرجال. وفي رواية: فإذا نزل البلاء تبين من يعبد الله وغيره، وفي رواية فإذا نزل البلاء سكن المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه.
وقال الفريابي في فضائل القرآن: حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن يحيى بن المختار، عن الحسن قال: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، لم يأتوا الامر من قبل أوله، قال الله : (كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) [ص: ٢٩] وما تدبر آياته إلا أتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أسقط منه حرفا واحدا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس، لا والله ما هؤلاء بالقراء ولا بالعلماء ولا الحكماء ولا الورعة، ومتى كانت القراءة هكذا أو يقول مثل هذا، لا أكثر الله في الناس مثل هؤلاء. ثم روى الحسن عن جندب قال: قال لنا حذيفة: هل تخافون من شئ؟ قال: قلت والله إنك وأصحابك لأهون الناس عندنا، فقال: أما والذي نفسي بيده لا تؤتون إلا من قبلنا، ومع ذلك نشء آخر يقرأون القرآن يكونون في آخر هذه الأمة ينثرونه نثر الدقل، لا يجاوز تراقيهم، تسبق قراءتهم إيمانهم.