إلى الله أشكو بخلها وسماحتي … لها عسل مني وتبذل علقما
فردي مصاب القلب أنت قتلته … ولا تتركيه هائم القلب مغرما (١)
قال: فسمعت ما لا صبر لي عنه ورجوت أن تعيده فقامت وانصرفت، فنزلت وانطلقت وراءها وسألتها أن تعيده فقالت: إن علي خراجا كل يوم درهمين، فأعطيتها درهمين فأعادته فحفظته وسلكته يومي ذلك، فلما أصبحت أنسيته فأقبلت السوداء فسألتها أن تعيده فلم تفعل إلا بدرهمين، ثم قالت: كأنك تستكثر أربعة دراهم، كأني بك وقد أخذت عليه أربعة آلاف دينار. قال فغنيته ليلة للرشيد فأعطاني ألف دينار، ثم استعادنيه ثلاث مرات أخرى وأعطاني ثلاثة آلاف دينار، فتبسمت فقال: مم تبسمت؟ فذكرت له القصة فضحك وألقى إلي كيسا آخر فيه ألف دينار. وقال: لا أكذب السوداء. وحكى عنه أيضا قال: أصبحت يوما بالمدينة وليس معي إلا ثلاثة دراهم، فإذا جارية على رقبتها جرة تريد الركي (٢) وهي تسعى وتترنم بصوت شجي:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا … فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك لان النوم يغشى عيونهم … سريعا ولا يغشى (٣) لنا النوم أعينا
إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى … جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما … نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
قال: فاستعدته منها وأعطيتها الدراهم الثلاثة فقالت: لتأخذن بدلها ألف دينار، وألف دينار وألف دينار. فأعطاني الرشيد ثلاثة آلاف دينار في ليلة على ذلك الصوت. وفيها توفي:
بكر بن النطاح
أبو وائل الحنفي البصري الشاعر المشهور، نزل بغداد زمن الرشيد، وكان يخالط أبا العتاهية. قال أبو عفان: أشعر أهل العدل من المحدثين أربعة، أولهم بكر بن النطاح. وقال المبرد: سمعت الحسن بن رجاء يقول اجتمع جماعة من الشعراء ومعهم بكر بن النطاح يتناشدون، فلما فرغوا من طوالهم أنشد بكر بن النطاح لنفسه:
ما ضرها لو كتبت بالرضى … فجف جفن العين أو أغمضا
شفاعة مردودة عندها … في عاشق يود لو قد قضى
يا نفس صبرا واعلمي أنما … يأمل منها مثلما قد مضى
стр. 3817
لم تمرض الأجفان من قاتل … بلحظه إلا لان أمرضا
قال: فابتدروه يقبلون رأسه. ولما مات رثاه أبو العتاهية فقال:
مات ابن نطاح أبو وائل … بكر فأمسى الشعر قد بانا
وفيها توفي بهلول المجنون، كان يأوي إلى مقابر الكوفة، وكان يتكلم بكلمات حسنة، وقد وعظ الرشيد وغيره كما تقدم.
وعبد الله بن إدريس
الأودي الكوفي، سمع الأعمش وابن جريج وشعبة ومالكا وخلقا سواهم. وروى عنه جماعات من الأئمة، وقد استدعاه الرشيد ليوليه القضاء فقال: لا أصلح، وامتنع أشد الامتناع، وكان قد سأل قبله وكيعا فامتنع أيضا، فطلب حفص بن غياث فقبل. وأطلق لكل واحد خمسة آلاف عوضا عن كلفته التي تكلفها في السفر، فلم يقبل وكيع ولا ابن إدريس، وقبل ذلك حفص، فحلف ابن إدريس لا يكلمه أبدا. وحج الرشيد في بعض السنين فاجتاز بالكوفة ومعه القاضي أبو يوسف والأمين والمأمون، فأمر الرشيد أن يجتمع شيوخ الحديث ليسمعوا ولديه، فاجتمعوا إلا ابن إدريس هذا، وعيسى بن يونس. فركب الأمين والمأمون بعد فراغهما من سماعهما على من اجتمع من المشايخ إلى ابن إدريس فأسمعهما مائة حديث، فقال له المأمون: يا عم إن أردت أعدتها من حفظي، فأذن له فأعادها من حفظه كما سمعها، فتعجب لحفظه. ثم أمر له المأمون بعشرة آلاف فلم يقبلها، فظن أنه استقلها فأضعفها فقال: والله لو ملأت لي المسجد مالا إلى سقفه ما قبلت منه شيئا على حديث رسول الله ﷺ . ولما احتضر ابن إدريس بكت ابنته فقال: علام تبكي؟ فقد ختمت في هذا البيت أربعة آلاف ختمة.
صعصعة بن سلام
ويقال ابن عبد الله أبو عبد الله الدمشقي، ثم تحول إلى الأندلس فاستوطنها في زمن عبد الملك بن معاوية وابنه هشام، وهو أول من أدخل علم الحديث ومذهب الأوزاعي إلى بلاد الأندلس، وولي الصلاة بقرطبة، وفي أيامه غرست الأشجار بالمسجد الجامع هناك كما يراه الأوزاعي والشاميون ويكرهه مالك وأصحابه. وقد روى عن مالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. وروى عنه جماعة منهم عبد الملك بن حبيب الفقيه، وذكره في كتاب الفقهاء، وذكره ابن يونس في تاريخه - تاريخ مصر - والحميدي في تاريخ الأندلس، وحرر وفاته في هذه السنة. وحكى عن شيخه ابن حزم أن صعصعة هذا أول من أدخل مذهب الأوزاعي إلى الأندلس. وقال ابن يونس: أول من أدخل علم الحديث إليها. وذكر أنه توفي قريبا من سنة ثمانين ومائة، والذي حرره الحميدي في هذه السنة أثبت.
стр. 3818
علي بن ظبيان
أبو الحسن العبسي قاضي الشرقية من بغداد، ولاه الرشيد ذلك. كان ثقة عالما من أصحاب أبي حنيفة، ثم ولاه الرشيد قضاء القضاة، وكان الرشيد يخرج معه إذا خرج من عنده، مات بقوميسين في هذه السنة.
العباس بن الأحنف
ابن الأسود بن طلحة الشاعر المشهور، كان من عرب خراسان ونشأ ببغداد، وكان لطيفا ظريفا مقبولا حسن الشعر. قال أبو العباس قال عبد الله بن المعتز: لو قيل لي من أحسن الناس شعرا تعرفه؟ لقلت العباس:
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا … وفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظن (١) غيركم … وصادق ليس يدري أنه صدقا
وقد طلبه الرشيد ذات ليلة في أثناء الليل فانزعج لذلك وخاف نساؤه، فلما وقف بين يدي الرشيد قال له: ويحك إنه قد عن لي بيت في جارية لي فأحببت أن تشفعه بمثله، فقال: يا أمير المؤمنين ما خفت أعظم من هذه الليلة، فقال: ولم؟ فذكر له دخول الحرس عليه في الليل، ثم جلس حتى سكن روعه ثم قال: ما قلت يا أمير المؤمنين؟ فقال:
حنان قد رأيناها … فلم نر مثلها بشرا
يزيدك وجهها حسنا … إذا ما زدته نظرا
فقال الرشيد: زد. فقال:
إذا ما الليل مال عليك … بالاظلام واعتكرا
ودج فلم تر فجرا (٢) … فأبرزها تر قمرا
فقال: إنا قد رأيناها، وقد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم. ومن شعره الذي أقر له فيه بشار بن برد وأثبته في سلك الشعراء بسببه قوله:
أبكي الذين أذاقوني مودتهم … حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
واستنهضوني فلما قمت منتصبا … بثقل ما حملوني منهم قعدوا
стр. 3819
وله أيضا:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني … جنونا فزدني من حديثك يا سعد
هواها هوى لم يعرف القلب غيره … فليس له قبل وليس له بعد
قال الأصمعي: دخلت على العباس بن الأحنف بالبصرة وهو طريح على فراشه يجود بنفسه وهو يقول:
يا بعيد (١) الدار عن وطنه … مفردا يبكي على شجنه
كلما جد النحيب (٢) به … زادت الأسقام في بدنه
ثم أغمي عليه ثم انتبه بصوت طائر على شجرة فقال:
ولقد زاد الفؤاد شجا … هاتف (٣) يبكي على فننه
شاقه ما شاقني (٤) فبكى … كلنا يبكي على سكنه
قال ثم أغمي عليه أخرى فحركته فإذا هو قد مات. قال الصولي: كانت وفاته في هذه السنة، وقيل بعدها، وقيل قبلها في سنة ثمان وثمانين ومائة فالله أعلم. وزعم بعض المؤرخين أنه بقي بعد الرشيد.
عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور
أخو زبيدة، كان نائبا على البصرة في أيام الرشيد فمات في أثناء هذه السنة. وفيها توفي:
الفضل بن يحيى
ابن خالد بن برمك أخو جعفر وأخوته، كان هو والرشيد يتراضعان. أرضعت الخيزران فضلا، وأرضعت أم الفضل وهي زبيدة بنت بن بريه هارون الرشيد. وكانت زبيدة هذه من مولدات بتبين البرية، وقد قال في ذلك بعض الشعراء (٥):
стр. 3820
كفى لك فضلا أن أفضل حرة (١) … غذتك بثدي والخليفة واحد
لقد زنت يحيى في المشاهد كلها … كما زان يحيى خالدا في المشاهد
قالوا: وكان الفضل أكرم من أخيه جعفر، ولكن كان فيه كبر شديد، وكان عبوسا، وكان جعفر أحسن بشرا منه وأطلق وجها، وأقل عطاء. وكان الناس إليه أميل، ولكن خصلة الكرم تغطي جميع القبائح، فهي تستر تلك الخصلة التي كانت في الفضل. وقد وهب الفضل لطباخه مائة ألف درهم فعابه أبوه على ذلك، فقال: يا أبت إن هذا يصحبني في العسر واليسر والعيش الخشن، واستمر معي في هذا الحال فأحسن صحبتي، وقد قال بعض الشعراء:
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا … من كان يعتادهم في المنزل الخشن
ووهب يوما لبعض الأدباء عشرة آلاف دينار فبكى الرجل فقال له: مم تبكي، أستقللتها؟
قال: لا والله، ولكني أبكي أن الأرض تأكل مثلك، أو تواري مثلك.
وقال علي بن الجهم عن أبيه: أصبحت يوما لا أملك شيئا حتى ولا علف الدابة. فقصدت الفضل بن يحيى، فإذا هو قد أقبل من دار الخلافة في موكب من الناس، فلما رآني رحب بي وقال: هلم. فسرت معه، فلما كان ببعض الطريق سمع غلاما يدعو جارية من دار، وإذا هو يدعوها باسم جارية له يحبها، فانزعج لذلك وشكا إلي ما لقي من ذلك، فقلت: أصابك ما أصاب أخي بني عامر حيث يقول:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى … فهيج أحزان الفؤاد ولا يدري
دعا باسم ليلى غيرها وكأنما … أطار بليلى طائرا كان في صدري
فقال: اكتب لي هذين البيتين. قال: فذهبت إلى بقال فرهنت عنده خاتمي على ثمن ورقة وكتبتهما له، فأخذهما وقال: انطلق راشدا. فرجعت إلى منزلي فقال لي غلامي: هات خاتمك حتى نرهنه على طعام لنا وعلف للدابة، فقلت: إني رهنته. فما أمسينا حتى أرسل إلي الفضل بثلاثين ألفا من الذهب، وعشرة آلاف من الورق، أجراه علي كل شهر، وأسلفني شهرا.
ودخل على الفضل يوما بعض الأكابر فأكرمه الفضل وأجلسه معه على السرير، فشكا إليه الرجل دينا عليه وسأله أن يكلم في ذلك أمير المؤمنين. فقال: نعم، وكم دينك؟ قال ثلاثمائة ألف ردهم. فخرج من عنده وهو مهموم لضعف رده عليه، ثم مال إلى بعض إخوانه فاستراح عنده ثم رجع إلى منزله فإذا المال قد سبقه إلى داره. وما أحسن ما قال فيه بعض الشعراء:
стр. 3821
لك الفضل يا فضل بن يحيى بن خالد … وما كل من يدعى بفضل له فضل
رأى الله فضلا منك في الناس واسعا … فسماك فضلا فالتقى الاسم والفعل
وقد كان الفضل أكبر رتبة عند الرشيد من جعفر، وكان جعفر أحظى عند الرشيد منه وأخص. وقد ولي الفضل أعمالا كبارا، منها نيابة خراسان وغيرها. ولما قتل الرشيد البرامكة وحبسهم جلد الفضل هذا مائة سوط وخلده في الحبس حتى مات في هذه السنة، قبل الرشيد بشهور خمسة في الرقة وصلى عليه بالقصر الذي مات فيه أصحابه، ثم أخرجت جنازته فصلى عليها الناس، ودفن هناك وله خمس وأربعون سنة، وكان سبب موته ثقل أصابه في لسانه اشتد به يوم الخميس ويوم الجمعة، وتوفي قبل أذان الغداة من يوم السبت. قال ابن جرير: وذلك في المحرم من سنة ثلاث وتسعين مائة، وقال ابن الجوزي: في سنة ثنتين وتسعين فالله أعلم.
وقد أطال بن خلكان ترجمته وذكر طرفا صالحا من محاسنه ومكارمه، من ذلك أنه ورد بلخ حين كان نائبا على خراسان، وكان بها بيت النار التي كانت تعبدها المجوس، وقد كان جده برمك من خدامها، فهدم بعضه ولم يتمكن من هدمه كله، لقوة إحكامه، وبنى مكانه مسجدا لله تعالى. وذكر أنه كان يتمثل في السجن بهذه الأبيات ويبكي:
إلى الله فيما نالنا نرفع الشكوى … ففي يده كشف المضرة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها … فلا نحن في الأموات فيها ولا الاحيا
إذا جاءنا السجان يوما لجاجة … عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا (١)
ومحمد بن أمية الشاعر الكاتب، وهو من بيت كلهم شعراء، وقد اختلط أشعار بعضهم في بعض.
ومنصور بن الزبرقان
ابن سلمة أبو الفضل النميري الشاعر، امتدح الرشيد، وأصله من الجزيرة وأقام ببغداد ويقال لجده مطعم الكبش الرخم، وذلك أنه أضاف يوما فجعلت الرخم تحوم حولهم، فأمر بكبش يذبح للرخم حتى لا يتأذى بها ضيفانه، ففعل له ذلك. فقال الشاعر فيه:
أبوك زعيم بني قاسط … وخالك ذو الكبش يغذي الرخم
وله أشعار حسنة، وكان يروي عن كلثوم بن عمرو، وكان شيخه الذي أخذ عنه الغناء.
стр. 3822
يوسف بن القاضي أبي يوسف
سمع الحديث من السري بن يحيى، ويونس بن أبي إسحاق، ونظر في الرأي وتفقه، وولي قضاء الجانب الشرقي ببغداد في حياة أبيه أبي يوسف، وصلى بالناس الجمعة بجامع المنصور عن أمر الرشيد. توفي في رجب من هذه السنة وهو قاضي ببغداد.
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة
قال ابن جرير: في المحرم منها توفي الفضل بن يحيى، وقال ابن الجوزي توفي الفضل في سنة ثنتين وتسعين كما تقدم. وما قاله ابن جرير أقرب. قال: وفيها توفي سعيد الجوهري، قال: وفيها وافى الرشيد جرجان وانتهت إليه خزائن علي بن عيسى تحمل على ألف وخمسمائة بعير، وذلك في صفر منها، ثم تحول منها إلى طوس وهو عليل، فلم يزل بها حتى كانت وفاته فيها. وفيها تواقع هرثمة نائب العراق هو ورافع بن الليث فكسره هرثمة وافتتح بخارى وأسر أخاه بشير بن الليث، فبعثه إلى الرشيد وهو بطوس قد ثقل عن السير، فلما وقف بين يديه شرع يترقق له فلم يقبل منه، بل قال: والله لو لم يبق من عمري إلا أن أحرك شفتي بقتلك لقتلتك، ثم دعا بقصاب فجزأه بين يديه أربعة عشر عضوا، ثم رفع الرشيد يديه إلى السماء يدعو الله أن يمكنه من أخيه رافع كما مكنه من أخيه بشير.
وفاة الرشيد
كان قد رأى وهو بالكوفة رؤيا أفزعته وغمه ذلك، فدخل عليه جبريل بن بختيشوع فقال: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال: رأيت كفا فيها تربة حمراء خرجت من تحت سريري وقائلا يقول: هذه تربة هارون. فهون عليه جبريل أمرها وقال: هذه من أضغاث الأحلام من حديث النفس، فتناسها يا أمير المؤمنين. فلما سار يريد خراسان ومر بطوس واعتقلته العلة بها، ذكر رؤياه فهاله ذلك وقال لجبريل: ويحك! أما تذكر ما قصصته عليه من الرؤيا؟ فقال: بلى. فدعا مسرورا الخادم وقال: ائتني بشئ من تربة هذه الأرض، فجاءه بتربة حمراء في يده، فلما رآها قال: والله هذه الكف التي رأيت، والتربة التي كانت فيها. قال جبريل: فوالله ما أتت عليه ثلاث حتى توفي، وقد أمر بحفر قبره قبل موته في الدار التي كان فيها، وهي دار حميد بن أبي غانم الطائي، فجعل ينظر إلى قبره وهو يقول: يا بن آدم تصير إلى هذا. ثم أمر أن يقرأوا القرآن في قبره، فقرأوه حتى ختموه وهو في محفة على شفير القبر ولما حضرته الوفاة احتبى بملاءة وجلس يقاسي سكرات الموت، فقال له بعض من حضر: لو اضطجعت كان أهون عليك. فضحك ضحكا صحيحا ثم قال: أما سمعت قول الشاعر:
وإني من قوم كرام يزيدهم … شماسا وصبرا شدة الحدثان
стр. 3823
مات ليلة السبت، وقيل ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، عن خمس، وقيل سبع وأربعين سنة. وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة.
وهذه ترجمته
هو هارون الرشيد أمير المؤمنين ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، القرشي الهاشمي، أبو محمد، ويقال أبو جعفر. وأمه الخيزران أم ولد. كان مولده في شوال سنة ست وقيل سبع، وقيل ثمان وأربعين ومائة، وقيل إنه ولد سنة خمسين ومائة، وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي. روى الحديث عن أبيه وجده، وحدث عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " (١). أورده وهو على المنبر وهو يخطب الناس، وقد حدث عنه ابنه وسليمان الهاشمي والد إسحاق، ونباتة بن عمرو. وكان الرشيد أبيض طويلا سمينا جميلا، وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارا، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية، وقد لقي المسلمون من ذلك جهدا جهيدا وخوفا شديدا، وكان الصلح مع امرأة ليون وهي الملقبة بأغسطه على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام، ففرح المسلمون بذلك، وكان هذا هو الذي حدا أباه على البيعة له بعد أخيه في سنة وستين ومائة، ثم لما أفضت إليه الخلافة في سنة سبعين كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوا وحجا، ولهذا قال فيه أبو السعلي (٢):
فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمر … وفي أرض الترفه (٣) فوق كور
وما حاز الثغور سواك خلق … من المتخلفين على الأمور
وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة التامة، وكان يحب التشبه بجده أبي جعفر المنصور إلا في العطاء، فإنه كان سريع العطاء جزيله، وكان يحب الفقهاء والشعراء ويعطيهم، ولا
стр. 3824
يضيع لديه بر ومعروف، وكان نقش خاتمه لا إله إلا الله. وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعا، إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، وكان ابن أبي مريم هو الذي يضحكه، وكان عنده فضيلة بأخبار الحجاز وغيرها، وكان الرشيد قد أنزله في قصره وخلطه بأهله. نبهه الرشيد يوما إلى صلاة الصبح فقام فتوضأ ثم أدرك الرشيد وهو يقرأ (وما لي لا أعبد الذي فطرني) [يس: ٢٢] فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله. فضحك الرشيد وقطع الصلاة، ثم أقبل عليه وقال: ويحك اجتنب الصلاة والقرآن وقل فيما عدا ذلك. ودخل يوما العباس بن محمد على الرشيد ومعه برنية من فضة فيها غالية من أحسن الطيب، فجعل يمدحها ويزيد في شكرها، وسأل من الرشيد أن يقبلها منه فقبلها فاستوهبها منه ابن أبي مريم فوهبها له، فقال له العباس: ويحك! جئت بشئ منعته نفسي وأهلي وآثرت به أمير المؤمنين سيدي فأخذته. فحلف ابن أبي مريم ليطيبن به استه، ثم أخذ منها شيئا فطلى به استه ودهن جوارحه كلها منها، والرشيد لا يتمالك نفسه من الضحك. ثم قال لخادم قائم عندهم يقال له خاقان: اطلب لي غلامي. فقال الرشيد: ادع له غلامه. فقال له: خذ هذه الغالية واذهب بها إلى ستك فمرها فلتطيب منها استها حتى أرجع إليها فأنيكها. فذهب الضحك بالرشيد كل مذهب، ثم أقبل ابن أبي مريم على العباس بن محمد فقال له: جئت بهذه الغالية تمدحها عند أمير المؤمنين الذي ما تمطر السماء شيئا ولا تنبت الأرض شيئا إلا وهو تحت تصرفه وفي يده؟ وأعجب من هذا أن قيل لملك الموت: ما أمرك به هذا فأنفذه. وأنت تمدح هذه الغالية عنده كأنه بقال أو خباز أو طباخ أو تمار، فكاد الرشيد يهلك من شدة الضحك. ثم أمر لابن أبي مريم بمائة ألف درهم.
وقد شرب الرشيد يوما دواء فسأله ابن أبي مريم أن يلي الحجابة في هذا اليوم، ومهما حصل له كان بينه وبين أمير المؤمنين، فولاه الحجابة، فجاءت الرسل بالهدايا من كل جانب، من عند زبيدة والبرامكة وكبار الأمراء، وكان حاصله في هذا اليوم ستين ألف دينار، فسأله الرشيد في اليوم الثاني عما تحصل فأخبره بذلك، فقال له: فأين نصيبي؟ فقال ابن أبي مريم: قد صالحتك عليه بعشرة آلاف تفاحة.
وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن حازم ليسمع منه الحديث قال أبو معاوية: ما ذكرت عنده حديثا إلا قال صلى الله وسلم على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى، وأكلت عنده يوما ثم قمت لأغسل يدي فصب الماء علي وأنا لا أراه، ثم قال: يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء؟ قلت: لا. قال: يصب عليك أمير المؤمنين. قال أبو معاوية: فدعوت له، فقال: إنما أردت تعظيم العلم. وحدثه أبو معاوية يوما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عم الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبا شديدا، وقال: أتعترض على الحديث؟ علي بالنطع والسيف، فأحضر ذلك فقام الناس إليه يشفعون فيه فقال الرشيد: هذه زندقة. ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا،
стр. 3825
فأقسم عمه بالايمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها. فأطلقه.
وقال بعضهم: دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنه قال القرآن مخلوق، فقتله على ذلك قربة إلى الله . وقال بعض أهل العلم: يا أمير المؤمنين انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر وعمر ويقدمونهما فأكرمهم بعز سلطانك، فقال الرشيد: أو لست كذلك؟ أنا والله كذلك أحبهما وأحب من يحبهما وأعاقب من يبغضهما. وقال له ابن السماك: إن الله لم يجعل أحدا فوقك فاجتهد أن لا يكون فيهم أحد أطوع إلى الله منك. فقال: لئن كنت أقصرت في الكلام لقد أبلغت في الموعظة.
وقال له الفضيل بن عياض - أو غيره - إن الله لم يجعل أحدا من هؤلاء فوقك في الدنيا، فاجهد نفسك أن لا يكون أحد منهم فوقك في الآخرة، فاكدح لنفسك وأعملها في طاعة ربك. ودخل عليه ابن السماك يوما فاستسقى الرشيد فاتي بقلة فيها ماء مبرد فقال لابن السماك: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين! بكم كنت مشتريا هذه الشربة لو منعتها؟ فقال: بنصف ملكي. فقال: اشرب هنيئا، فلما شرب قال: أرأيت لو منعت خروجها من بدنك بكم كنت تشتري ذلك؟ قال بنصف ملكي الآخر. فقال: إن ملكا قيمة نصفه شربة ماء، وقيمة نصفه الآخر بولة، لخليق أن لا يتنافس فيه. فبكى هارون.
وقال ابن قتيبة: ثنا الرياشي سمعت الأصمعي يقول: دخلت على الرشيد وهو يقلم أظفاره يوم الجمعة فقلت له في ذلك فقال: أخذ الأظفار يوم الخميس من السنة، وبلغني أن أخذها يوم الجمعة ينفي الفقر. فقلت: يا أمير المؤمنين أو تخشى الفقر؟ فقال: يا أصمعي وهل أحد أخشى للفقر مني؟. وروى ابن عساكر عن إبراهيم المهدي قال: كنت يوما عند الرشيد فدعا طباخه فقال: أعندك في الطعام لحم جزور؟ قال: نعم، ألوان منه. فقال: أحضره مع الطعام فلما وضع بين يديه أخذ لقمة منه فوضعها في فيه فضحك جعفر البرمكي، فترك الرشيد مضغ اللقمة وأقبل عليه فقال: مم تضحك؟ قال: لا شئ يا أمير المؤمنين، ذكرت كلاما بيني وبين جاريتي البارحة. فقال له: بحقي عليك لما أخبرتني به. فقال: حتى تأكل هذه اللقمة، فألقاها من فيه وقال: والله لتخبرني. فقال: يا أمير المؤمنين بكم تقول إن هذا الطعام من لحم الجزور يقوم عليك؟ قال: بأربعة دراهم. قال: لا والله، يا أمير المؤمنين بل بأربعمائة ألف درهم. قال: وكيف ذلك؟ قال: إنك طلبت من طباخك لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده، فقلت: لا يخلون المطبخ من لحم جزور، فنحن ننحر كل يوم جزور لأجل مطبخ أمير المؤمنين، لأنا لا نشتري من السوق لحم جزور. فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلا هذا
стр. 3826
اليوم. قال جعفر: فضحكت لان أمير المؤمنين إنما ناله من ذلك هذه اللقمة. فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف.
قال: فبكى الرشيد بكاء شديدا وأمر برفع السماط من بين يديه، وأقبل على نفسه يوبخها ويقول: هلكت والله يا هارون. ولم يزل يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر، فخرج فصلى بالناس ثم رجع يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة العصر، وقد أمر بألفي ألف تصرف إلى فقراء الحرمين في كل حرم ألف ألف صدقة، وأمر بألفي ألف يتصدق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي، وبألف ألف يتصدق بها على فقراء الكوفة والبصرة. ثم خرج إلى صلاة العصر ثم رجع يبكي حتى صلى المغرب، ثم رجع، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال: ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيا في هذا اليوم؟ فذكر أمره وما صرف من المال الجزيل لأجل شهوته، وإنما ناله منها لقمة. فقال أبو يوسف لجعفر: هل كان ما تذبحونه من الجزور يفسد، أو يأكله الناس؟ قال: بل يأكله الناس. فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الذي أكله المسلمون في الأيام الماضية، وبما يسره الله عليك من الصدقة، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم، وقد قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦]. فأمر له الرشيد بأربعمائة ألف. ثم استدعى بطعام فأكل منه فكان غداؤه في هذا اليوم عشاء.
وقال عمرو بن بحر الجاحظ: اجتمع للرشيد من الجد والهزل ما لم يجتمع لغيره من بعده، كان أبو يوسف قاضيه، والبرامكة وزراءه، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأشدهم تعاظما، ونديمه عمر بن العباس بن محمد صاحب العباسية. وشاعره مروان بن أبي حفصة، ومغنيه إبراهيم الموصلي واحد عصره في صناعته، ومضحكه ابن أبي مريم، وزامره برصوما. وزوجته أم جعفر - يعني زبيدة - وكانت أرغب الناس في كل خير وأسرعهم إلى كل بر ومعروف، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك، إلى أشياء من المعروف أجراها الله على يدها.
وروى الخطيب البغدادي أن الرشيد كان يقول: إنا من قوم عظمت رزيتهم، وحسنت بعثتهم، ورثنا رسول الله ﷺ وبقيت فينا خلافة الله. وبينما الرشيد يطوف يوما بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة، فقال: لا ولا نعمت عين قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول له قولا لينا. وعن شعيب بن حرب قال: رأيت الرشيد في طريق مكة فقلت في نفسي: قد وجب عليك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فخوفتني فقالت: إنه الآن يضرب عنقك. فقلت: لا بد من ذلك، فناديته فقلت: يا هارون! قد أتعبت الأمة والبهائم، فقال: خذوه. فأدخلت عليه وفي يده لت (١) من حديد يلعب به وهو جالس على كرسي،
стр. 3827
فقال: ممن الرجل؟ فقلت: رجل من المسلمين. فقال ثكلتك أمك ممن أنت؟ فقلت: من الأنبار. فقال: ما عملك على أن دعوتني باسمي؟ قال: فخطر ببالي شئ لم يخطر قبل ذلك، فقلت: أنا أدعو الله باسمه يا الله، أفلا أدعوك باسمك؟ وهذا الله سبحانه قد دعا أحب خلقه إليه بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا هود، يا صالح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى، يا محمد، وكنى أبغض خلقه إليه فقال: تبت يدا أبي لهب. فقال الرشيد: أخرجوه أخرجوه.
وقال له ابن السماك يوما: إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله ، والوقوف بين الجنة والنار، حين يؤخذ بالكظم وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبة تقبل، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال. فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته فقال يحيى بن خالد له: يا بن السماك! لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة. فقام فخرج من عنده وهو يبكي. وقال له الفضيل بن عياض - في كلام كثير ليلة وعظه بمكة -: يا صبيح الوجه إنك مسؤول عن هؤلاء كلهم، وقد قال تعالى (وتقطعت بهم الأسباب) [البقرة: ١٦٦] قال حدثنا ليث عن مجاهد: الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا. فبكى حتى جعل يشهق. وقال الفضيل: استدعاني الرشيد يوما وقد زخرف منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعم فقال:
عش ما بدا لك سالما … في ظل شاهقة القصور
تسعى عليك بما اشتهيت … لدى الرواح إلى البكور
فإذا النفوس تقعقعت … عن ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا … ما كنت إلا في غرور
قال: فبكى الرشيد بكاء كثيرا شديدا. فقال له الفضل بن يحيى: دعا أمير المؤمنين تسره فأحزنته؟ فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى. ومن وجه آخر أن الرشيد قال لأبي العتاهية: عظني بأبيات من الشعر وأوجز فقال:
لا تأمن الموت في طرف ولا نفس … ولو تمتعت بالحجاب والحرس
واعلم بأن سهام الموت صائبة … لكل مدرع منها ومترس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها … إن السفينة لا تجري على اليبس
قال: فخر الرشيد مغشيا عليه. وقد حبس الرشيد مرة أبا العتاهية وأرصد عليه من يأتيه بما يقول، فكتب مرة على جدار الحبس:
أما والله إن الظلم شوم (١) … وما زال المسئ هو الظلوم
стр. 3828
إلى ديان يوم الدين نمضي … وعند الله تجتمع الخصوم
قال: فاستدعاه واستجعله في حل ووهبه ألف دينار وأطلقه. وقال الحسن بن أبي الفهم: ثنا محمد بن عباد عن سفيان بن عيينة قال: دخلت على الرشيد فقال: ما خبرك؟ فقلت:
بعين الله ما تخفى البيوت … فقد طال التحمل والسكوت
فقال: يا فلان مائة ألف لابن عيينة تغنيه وتغني عقبه، ولا تضر الرشيد شيئا. وقال الأصمعي: كنت مع الرشيد في الحج فمررنا بواد فإذا على شفيره امرأة حسناء بين يديها قصعة وهي تسأل منها وهي تقول:
طحطحتنا طحاطح الأعوام … ورمتنا حوادث الأيام
فأتيناكم نمد أكفا … نائلات لزادكم والطعام
فاطلبوا الاجر والمثوبة فينا … أيها الزائرون بيت الحرام
من رآني فقد رآني ورحلي … فارحموا غربتي وذل مقامي
قال الأصمعي: فذهبت إلى الرشيد فأخبرته بأمرها فجاء بنفسه حتى وقف عليها فسمعها فرحمها وبكى وأمر مسرورا الخادم أن يملا قصعتها ذهبا، فملأها حتى جعلت تفيض يمينا وشمالا. وسمع مرة الرشيد أعرابيا يحدو إبله في طريق الحج:
أيها المجمع هما لا تهم … أنت تقضي ولك الحمى تحم
كيف ترقيك وقد جف القلم … حطت الصحة منك والسقم
فقال الرشيد لبعض خدمه: ما معك؟ قال: أربعمائة دينار، فقال: ادفعها إلى هذا الأعرابي. فلما قبضها ضرب رفيقه بيده على كتفه وقال متمثلا:
وكنت جليس قعقاع بن عمرو … ولا يشقى بقعقاع جليس
فأمر الرشيد بعض الخدم أن يعطي المتمثل ما معه من الذهب فإذا معه مائتا دينار. قال أبو عبيد إن [أصل] هذا المثل أن معاوية بن أبي سفيان أهديت له هدية جامات من ذهب فرقها على جلسائه وإلى جانبه قعقاع بن عمرو، وإلى جانب القعقاع أعرابي لم يفضل له منها شئ. فأطرق الأعرابي حياء فدفع إليه القعقاع الجام الذي حصل له، فنهض الأعرابي وهو يقول: وكنت جليس قعقاع بن عمرو إلى آخره.
وخرج الرشيد يوما من عند زبيدة وهو يضحك فقيل له مم تضحك يا أمير المؤمنين؟ فقال: دخلت اليوم إلى هذه المرأة - يعني زبيدة - فأقلت عندها وبت، فما استيقظت إلا على صوت ذهب يصب، قالوا: هذه ثلاثمائة ألف دينار قدمت من مصر، فقالت زبيدة: هبها لي يا بن عم، فقلت:
стр. 3829
هي لك، ثم ما خرجت حتى عربدت علي وقالت: أي خير رأيته منك؟ وقال الرشيد مرة للمفضل الضبي: ما أحسن ما قيل في الذئب، ولك هذا الخاتم، وشراؤه ألف وستمائة دينار، فأنشد قول الشاعر:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي … بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم
فقال: ما قلت هذا إلا لتسلبنا الخاتم. ثم ألقاه إليه فبعثت زبيدة فاشترته منه بألف وستمائة دينار، وبعثت به إلى الرشيد وقالت: إني رأيتك معجبا به. فرده إلى المفضل والدنانير، وقال: ما كنا لنهب شيئا ونرجع فيه.
وقال الرشيد يوم للعباس بن الأحنف: أي بيت قالت العرب أرق؟ فقال: قول جميل في بثينة:
ألا ليتني أعمى أصم تقودني … بثينة لا يخفى علي كلامها
فقال له الرشيد: أرق منه قولك في مثل هذا:
طاف الهوى في عباد الله كلهم … حتى إذا مر بي من بينهم وقفا
فقال له العباس: فقولك يا أمير المؤمنين أرق من هذا كله:
أما يكفيك أنك تملكيني … وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي … لقلت من الهوى أحسنت زيدي
قال: فضحك الرشيد وأعجبه ذلك. ومن شعر الرشيد في ثلاث حظيات كن عنده من الخواص قوله:
ملك الثلاث الناشئات (١) عناني … وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها … وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى … وبه قوين (٢) أعز من سلطاني
ومما أورد له صاحب العقد في كتابه:
تبدي الصدود وتخفي الحب عاشقة … فالنفس راضية والطرف غضبان
وذكر ابن جرير وغيره أنه كان في دار الرشيد من الجواري والحظايا وخدمهن وخدم زوجته وأخواته أربعة آلاف جارية، وأنهن حضرن يوما بين يديه فغنته المطربات منهن فطرب جدا، وأمر بمال
стр. 3830
فنثر عليهن. وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم. رواه ابن عساكر أيضا.
وروي أنه اشترى جارية من المدينة فأعجب بها جدا فأمر بإحضار مواليها ومن يلوذ بهم ليقضي حوائجهم، فقدموا عليه بثمانين نفسا فأمر الحاجب - وهو الفضل بن الربيع - أن يتلقاهم ويكتب حوائجهم، فكان فيهم رجل قد أقام بالمدينة لأنه كان يهوى تلك الجارية، فبعثت إليه فأتى به فقال له الفضل: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن يجلسني أمير المؤمنين مع فلانة فأشرب ثلاثة أرطال من خمر، وتغنيني ثلاثة أصوات. فقال: أمجنون أنت؟ فقال: لا ولكن أعرض حاجتي هذه على أمير المؤمنين. فذكر للرشيد ذلك فأمر بإحضاره وأن تجلس معه الجارية بحيث ينظر إليهما ولا يريانه فجلست على كرسي والخدام بين يديها، وأجلس على كرسي فشرب رطلا وقال لها غنني:
خليلي عوجا بارك الله فيكما … وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا … ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
غدا يكثر البادون منا ومنكم … وتزداد داري من دياركم بعدا
قال: فغنته ثم استعجله الخدم فشرب رطلا آخر، وقال: غنني جعلت فداك:
تكلم منا في الوجوه عيوننا … فنحن سكوت والهوى يتكلم
ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا … وذلك فيما بيننا ليس يعلم
قال: فغنته: ثم شرب رطلا ثالثا وقال: غنني جعلني الله فداك:
أحسن ما كنا تفرقنا … وخاننا الدهر وما خنا
فليت ذا الدهر لنا مرة … عاد لنا يوما كما كنا
قال: ثم قام الشاب إلى درجة هناك ثم ألقى نفسه من أعلاها على أم رأسه فمات. فقال الرشيد: عجل الفتى، والله لو لم يعجل لوهبتها له.
وفضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جدا. قد ذكر الأئمة من ذلك شيئا كثيرا فذكرنا منه أنموذجا صالحا. وقد كان الفضيل بن عياض يقول: ليس موت أحد أعز علينا من موت الرشيد، لما أتخوف بعده من الحوادث، وإني لأدعو الله أن يزيد في عمره من عمري قالوا: فلما مات الرشيد وظهرت تلك الفتن والحوادث والاختلافات، وظهر القول بخلق القرآن، فعرفنا ما كان تخوفه الفضيل من ذلك. وقد تقدمت رؤياه لذلك الكف وتلك التربة الحمراء وقائل يقول: هذه تربة أمير المؤمنين. فكان موتا بطوس. وقد روى ابن عساكر أن الرشيد رأى في منامه قائلا يقول: كأني بهذا القصر قد باد أهله. الشعر إلى آخره.
стр. 3831
وقد تقدم أن ذلك إنما رآه أخوه موسى الهادي. وأبوه محمد المهدي فالله أعلم.
وقدمنا أنه أمر بحفر قبره في حياته، وأن تقرأ فيه ختمة تامة، وحمل حتى نظر إليه فجعل يقول: إلى هنا تصيريا بن آدم. ويبكي، وأمر أن يوسع عند صدره وأن يمد من عند رجليه، ثم جعل يقول: (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] ويبكي. وقيل: إنه لما احتضر قال: اللهم انفعنا بالاحسان، واغفر لنا الإساءة، يا من لا يموت ارحم من يموت. وكان مرضه بالدم، وقيل بالسل، وجبريل الطبيب يكتم ما به من العلة، فأمر الرشيد رجلا أن يأخذ ماءه في قارورة ويذهب به إلى جبريل فيريه إياه، ولا يذكر له بول من هو، فإن سأله قال: هو بول مريض عندنا. فلما رآه جبريل قال لرجل عنده: هذا مثل ماء ذلك الرجل. ففهم صاحب القارورة من عنى به، فقال له: بالله عليك أخبرني عن حال صاحب هذا الماء. فإن لي عليه مالا، فإن كان به رجاء وإلا أخذت مالي منه. فقال: اذهب فتخلص منه فإنه لا يعيش إلا أياما. فلما جاء وأخبر الرشيد بعث إلى جبريل فتغيب حتى مات الرشيد. وقد قال الرشيد وهو في هذه الحال:
إني بطوس مقيم ما لي بطوس حميم … أرجو إلهي لما بي فإنه بي رحيم
لقد أتى بي طوسا قضاؤه المحتوم … وليس إلا رضائي والصبر والتسليم
مات بطوس يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقيل إنه توفي في جمادى الأولى، وقيل في ربيع الأول، وله من العمر خمس، وقيل سبع، وقيل ثمان وأربعون سنة. ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة وشهر وثمانية عشر يوما. وقيل ثلاثة أشهر. وصلى عليه ابنه صالح ودفن بقرية من قرى طوس يقال لها سناباذ. وقال بعضهم: قرأت على خيام الرشيد بسناباذ والناس منصرفون من طوس من بعد موته:
منازل العسكر معمورة … والمنزل الأعظم مهجور
خليفة الله بدار البلى … تسعى على أجداثه المور
أقبلت العير تباهي به … وانصرفت تندبه العير
وقد رثاه أبو الشيص فقال:
غربت في الشرق شمس … فلها العينان تدمع
ما رأينا قط شمسا … غربت من حيث تطلع
وقد رثاه الشعراء بقصائد. قال ابن الجوزي: وقد خلف الرشيد من الميراث ما لم يخلفه أحد من الخلفاء، خلف من الجواهر والأثاث والأمتعة سوى الضياع والدور ما قيمته مائة ألف ألف دينار، وخمسة وثلاثون ألف دينار. قال ابن جرير: وكان في بيت المال سبعمائة (١) ألف ألف ونيف.
стр. 3832
ذكر زوجاته وبنيه وبناته
تزوج أمر جعفر زبيدة بنت عمه جعفر بن أبي جعفر المنصور، تزوجها في سنة خمس وستين ومائة في حياة أبيه المهدي، فولدت له محمدا الأمين. وماتت زبيدة في سنة ست عشرة (١) ومائتين كما سيأتي. وتزوج [أمة العزيز] أم ولد كانت لأخيه موسى الهادي فولدت له علي بن الرشيد. وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين، والعباسة بنت عمه سليمان بن أبي جعفر فزفتا إليه في ليلة واحدة سنة سبع وثمانين ومائة بالرقة، وتزوج عزيزة بنت الغطريف، وهي بنت خاله أخي أمه الخيزران، وتزوج ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العثمانية، ويقال لها الجرشية، لأنها ولدت بجرش باليمن. وتوفي عن أربع: زبيدة، وعباسة، وابنة صالح، والعثمانية هذه. وأما الخطايا من الجوار فكثير جدا حتى قال بعضهم: إنه كان في داره أربعة آلاف جارية سراري حسان.
وأما أولاده الذكور فمحمد الأمين بن زبيدة، وعبد الله المأمون من جارية اسمها مراجل، ومحمد أبو إسحاق المعتصم من أم ولد يقال لها ماردة، والقاسم المؤتمن من جارية يقال لها قصف. وعلي أمه أمة العزيز. وصالح من جارية اسمها رئم. ومحمد أبو يعقوب، ومحمد أبو عيسى، ومحمد أبو العباس، ومحمد أبو علي كل هؤلاء من أمهات أولاد (٢). وكان من الإناث سكينة من قصف. وأم حبيب من ماردة، وأروى، وأم الحسن، وأم محمد وهي حمدونة وفاطمة وأمها غصص، وأم سلمة وخديجة، وأم القاسم (٣) رملة، وأم علي، وأم الغالية، وريطة كلهن من أمهات أولاد.
خلافة محمد الأمين
لما توفي الرشيد بطوس في جمادى الآخرة من هذه السنة - أعني سنة ثلاث وتسعين ومائة كتب صالح بن الرشيد إلى أخيه ولي العهد من بعد أبيه محمد الأمين بن زبيدة وهو ببغداد يعلمه بوفاة أبيه ويعزيه فيه (٤)، فوصل الكتاب صحبة رجاء الخادم ومعه الخاتم والقضيب والبردة، يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الآخرة، فركب الأمين من قصره الخلد إلى قصر أبي جعفر المنصور - وهو قصر الذهب - على شط بغداد، فصلى بالناس ثم صعد المنبر فخطبهم وعزاهم في الرشيد، وبسط آمال الناس ووعدهم الخير. فبايعه الخواص من قومه ووجوه بني هاشم والامراء، وأمر بصرف أعطيات الجند عن سنتين، ثم نزل وأمر عمه سليمان بن جعفر أن يأخذ له البيعة من بقية الناس فلما انتظم أمر
стр. 3833
الأمين واستقام حاله حسده أخوه المأمون ووقع الخلف بينهما على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
اختلاف الأمين والمأمون
كان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل إلى أول بلاد خراسان وهب جميع ما فيها من الحواصل والدواب والسلاح لولده المأمون، وجدد له البيعة، وكان الأمين قد بعث بكر بن المعتمر بكتب في خفية ليوصلها إلى الأمراء إذا مات الرشيد، فلما توفي الرشيد نفذت الكتب إلى الأمراء وإلى صالح بن الرشيد، وفيها كتاب إلى المأمون يأمره بالسمع والطاعة (١)، فأخذ صالح البيعة من الناس إلى الأمين، وارتحل الفضل بن الربيع بالجيش إلى بغداد وقد بقي في نفوسهم تحرج من البيعة التي أخذت للمأمون، وكتب إليهم المأمون يدعوهم إلى بيعته فلم يجيبوه، فوقعت الوحشة بين الأخوين، ولكن تحول عامة الجيش إلى الأمين، فعند ذلك كتب المأمون إلى أخيه الأمين بالسمع والطاعة والتعظيم، وبعث إليه من هدايا خراسان وتحفها من الدواب والمسك وغير ذلك، وهو نائبه عليها، وقد أمر الأمين في صبيحة يوم السبت بعد أخذ البيعة يوم الجمعة ببناء ميدانين للصيد، فقال في ذلك بعض الشعراء:
بنى أمين الله ميدانا … وصير الساحة بستانا
وكانت الغزلان فيه بانا … يهدى إليه فيه غزلانا
وفي شعبان من هذه السنة قدمت زبيدة من الرقة بالخزائن وما كان عندها من التحف والقماش من الرشيد، فتلقاها ولدها الأمين إلى الأنبار ومعه وجوه الناس. وأقر الأمين أخاه المأمون على ما تحت يده من بلاد خراسان والري وغير ذلك، وأقر أخاه القاسم على الجزيرة والثغور (٢)، وأقر عمال أبيه على البلاد إلا القليل منهم.
وفيها مات نقفور ملك الروم، قتله البرجان، وكان ملكه تسع (٣) سنين، وأقام بعده ولده استبراق شهرين فمات، فملكهم ميخائيل زوج أخت نقفور لعنهم الله. وفيها تواقع هرثمة نائب خراسان ورافع بن الليث فاستجاش رافع بالترك ثم هربوا وبقي رافع وحده فضعف أمره. وحج بالناس نائب الحجاز داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. وفيها توفي:
стр. 3834
إسماعيل بن علية
وهو من أئمة العلماء والمحدثين الرفعاء، روى عنه الشافعي وأحمد بن حنبل، وقد ولي المظالم ببغداد، وكان ناظر الصدقات بالبصرة، وكان ثقة نبيلا جليلا كبيرا، وكان قليل التبسم وكان يتجر في البز وينفق على عياله منه ويحج منه، ويبر أصحابه منه مثل السفيانين وغيرهما، وقد ولاه الرشيد القضاء فلما بلغ ابن المبارك أنه تولى القضاء كتب إليه يلومه نظما ونثرا، فاستعفي ابن علية من القضاء فأعفاه. وكانت وفاته في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك وفيها مات:
محمد بن جعفر
الملقب بغندر. روى عن شعبة وسعيد بن أبي عروبة وعن خلق كثير، وعنه جماعة منهم أحمد بن حنبل، وكان ثقة جليلا حافظا متقنا. وقد ذكر عنه حكايات تدل على تغفيله في أمور الدنيا، كانت وفاته بالبصرة في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وقد لقب بهذا اللقب جماعة من المتقدمين والمتأخرين. وفيها توفي:
أبو بكر بن العياش
أحد الأئمة، سمع أبا إسحاق السبيعي والأعمش وهشام وهمام بن عروة وجماعة. وحدث عنه خلق منهم أحمد بن حنبل. وقال يزيد بن هارون: كان حبرا فاضلا لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة، قالوا: ومكث ستين سنة يختم القرآن في كل يوم ختمة كاملة، وصام ثمانين رمضانا، وتوفي وله ست وتسعون سنة. ولما احتضر بكى عليه ابنه فقال: يا بني علام تبكي؟ والله ما أتى أبوك فاحشة قط.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة
فيها خلع أهل حمص نائبهم فعزله عنهم الأمين وولى عليهم عبد الله بن سعيد الحرشي فقتل طائفة من وجوه أهلها وحرق نواحيها، فسألوه الأمان فأمنهم ثم هاجوا فضرب أعناق كثير منهم أيضا. وفيها عزل الأمين أخاه القاسم عن الجزيرة والثغور، وولى على ذلك خزيمة بن خازم، وأمر أخاه بالمقام عنده ببغداد (١). وفيها أمر الأمين بالدعاء لولده موسى على المنابر في سائر الأمصار، وبالأمرة من بعده، وسماه الناطق بالحق، ثم يدعى من بعده لأخيه المأمون ثم لأخيه القاسم، وكان من نية الأمين الوفاء لأخويه بما شرط لهما، فلم يزل به الفضل بن الربيع حتى غير نيته في أخويه، وحسن له خلع المأمون
стр. 3835
والقاسم، وصغر عنده شأن المأمون. وإنما حمله على ذلك خوفه من المأمون إن أفضت إليه الخلافة أن يخلعه من الحجابة. فوافقه الأمين على ذلك وأمر بالدعاء لولده موسى وبولاية العهد من بعده، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة. فلما بلغ المأمون قطع البريد عنه وترك ضرب اسمه على السكة والطرز، وتنكر للأمين. وبعث رافع بن الليث إلى المأمون يسأل منه الأمان فأمنه فسار إليه بمن معه فأكرمه المأمون وعظمه، وجاء هرثمة على إثره فتلقاه المأمون ووجوه الناس وولاه الحرس، فلما بلغ الأمين أن الجنود التفت على أخيه المأمون ساءه ذلك وأنكره، وكتب إلى المأمون كتابا وأرسل إليه رسلا ثلاثة من أكابر الأمراء، سأله أن يجيبه إلى تقديم ولده عليه، وأنه قد سماه الناطق بالحق، فأظهر المأمون الامتناع فشرع الأمراء في مطايبته وملاينته، وأن يجيبهم إلى ذلك فأبى كل الاباء، فقال له العباس بن موسى بن عيسى: فقد خلع أبي نفسه فماذا كان؟ فقال المأمون إن أباك كان امرءا مكروها، ثم لم يزل المأمون يعد العباس ويمنيه حتى بايعه بالخلافة، ثم لما رجع إلى بغداد كان يراسله بما كان من أمر الأمين ويناصحه، ولما رجع الرسل إلى الأمين أخبروه بما كان من قول أخيه، فعند ذلك صمم الفضل بن الربيع على الأمين في خلع المأمون، فخلعه وأمر بالدعاء لولده في سائر البلاد، وأقاموا من يتكلم في المأمون ويذكر مساويه، وبعثوا إلى مكة فأخذوا الكتاب الذي كتبه الرشيد وأودعه في الكعبة فمزقه الأمين وأكد البيعة إلى ولده الناطق بالحق على ما ولاه من الأعمال، وجرت بين الأمين والمأمون مكاتبات ورسل يطول بسطها. وقد استقصاها ابن جرير في تاريخه (١)، ثم آل بهما الامر إلى أن احتفظ كل منهما على بلاده وحصنها وهيأ الجيوش والجنود وتألف الرعايا. وفيها غدرت الروم بملكهم ميخائيل فراموا خلعه وقتله فترك الملك وترهب وولوا عليهم إليون. وحج بالناس فيها نائب الحجاز داود بن عيسى، وقيل علي بن الرشيد. وفيها توفي من الأعيان:
سالم بن سالم: أبو بحر البلخي
قدم بغداد وحدث بها عن إبراهيم بن طهمان والثوري. وعنه الحسن بن عرفة. وكان عابدا زاهدا، مكث أربعين سنة لم يفرش له فراش، وصامها كلها إلا يومي العيد، ولم يرفع رأسه إلى السماء، وكان داعية الارجاء ضعيف الحديث، إلا أنه كان رأسا في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان قد قدم بغداد فأنكر على الرشيد وشنع عليه فحبسه وقيده باثني عشر قيدا، فلم يزل أبو معاوية يشفع فيه حتى جعلوه في أربعة قيود، ثم كان يدعو الله أن يرده إلى أهله. فلما توفي الرشيد أطلقته زبيدة فرجع - وكانوا بمكة قد جاؤوا حجاجا - فمرض بمكة واشتهى يوما بردا فسقط في ذلك الوقت برد حين اشتهاه فأكل منه. مات في ذي الحجة من هذه السنة.
стр. 3836
وعبد الوهاب بن عبد المجيد
الثقفي كانت غلته في السنة قريبا من خمسين ألفا ينفقها كلها على أهل الحديث. توفي عن أربع وثمانين سنة.
وأبو النصر الجهني المصاب
كان مقيما بالمدينة النبوية بالصفة من المسجد في الحائط الشمالي منه، وكان طويل السكوت، فإذا سئل أجاب بجواب حسن، ويتكلم بكلمات مفيدة تؤثر عنه وتكتب، وكان يخرج يوم الجمعة قبل الصلاة فيقف على مجامع الناس فيقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) [لقمان: ٣٣] و (يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل) [البقرة: ٤٨] ثم ينتقل إلى جماعة أخرى ثم إلى أخرى، حتى يدخل المسجد فيصلي فيه الجمعة ثم لا يخرج منه حتى يصلى العشاء الآخرة.
وقد وعظ مرة هارون الرشيد بكلام حسن فقال: اعلم أن الله سائلك عن أمة نبيه فأعد لذلك جوابا، وقد قال عمر بن الخطاب لو ماتت سخلة بالعراق ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنها. فقال الرشيد: إني لست كعمر، وإن دهري ليس كدهره. فقال: ما هذا بمغن عنك شيئا. فأمر له بثلاثمائة دينار، فقال: أنا رجل من أهل الصفة فمر بها فلتقسم عليهم وأنا واحد منهم.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة
فيها في صفر منها أمر الأمين الناس أن لا يتعاملوا بالدراهم والدنانير التي عليها اسم أخيه المأمون ونهى أن يدعى له على المنابر، وأن يدعى له ولولده من بعده: وفيها تسمى المأمون بإمام المؤمنين. وفي ربيع الآخر فيها عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان الامارة على الجبل وهمذان وأصبهان وقم وتلك البلاد، وأمره بحرب المأمون وجهز معه جيشا كثيرا، وأنفق فيهم نفقات عظيمة، وأعطاه مائتي ألف دينار، ولولده خمسين ألف دينار وألفي سيف محلى، وستة آلاف ثوب للخلع. فخرج علي بن موسى بن ماهان من بغداد في أربعين ألف مقاتل فارس، ومعه قيد من فضة ليأتي فيه بالمأمون. وخرج الأمين معه مشيعا فسار حتى وصل الري فتلقاه الأمير طاهر في أربعة آلاف، فجرت بينهم أمور آل الحال فيها أن اقتتلوا، فقتل علي بن عيسى وانهزم أصحابه وحمل رأسه وجثته إلى الأمير طاهر فكتب بذلك إلى وزير المأمون ذي الرياستين، وكان الذي قتل علي بن عيسى رجل يقال له طاهر الصغير فسمي ذا اليمينين، لأنه أخذ السيف بيديه الثنتيين فذبح به علي بن عيسى بن ماهان، ففرح بذلك المأمون وذووه، وانتهى الخبر إلى الأمين وهو يصيد السمك من دجلة، فقال: ويحك دعني من هذا فإن كوثرا قد صاد
стр. 3837
سمكتين. ولم أصد بعد شيئا. وأرجف الناس ببغداد وخافوا غائلة هذا الامر، وندم محمد الأمين على ما كان منه من نكث العهد وخلع أخيه المأمون، وما وقع من الامر الفظيع. وكان رجوع الخبر إليه في شوال من هذه السنة. ثم جهز عبد الرحمن بن جبلة الأنباري (١) في عشرين ألفا من المقاتلة إلى همذان ليقاتلوا طاهر بن الحسين بن مصعب ومن معه من الخراسانية، فلما اقتربوا منهم تواجهوا فتقاتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى بينهم، ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن جبلة فلجأوا إلى همذان فحاصرهم بها طاهر حتى اضطرهم إلى أن دعوا إلى الصلح، فصالحهم وأمنهم ووفى لهم، وانصرف عبد الرحمن بن جبلة على أن يكون راجعا إلى بغداد، ثم غدروا بأصحاب طاهر وحملوا عليهم (٢) وهم غافلون فقتلوا منهم خلقا وصبر لهم أصحاب طاهر ثم نهضوا إليهم وحملوا عليهم فهزموهم وقتل أميرهم عبد الرحمن بن جبلة، وفر أصحابه خائبين.
فلما رجعوا إلى بغداد اضطربت الأمور وكثرت الأراجيف، وكان ذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وطرد طاهر عمال الأمين عن قزوين وتلك النواحي، وقوي أمر المأمون جدا بتلك البلاد. وفي ذي الحجة من هذه السنة ظهر أمر السفياني بالشام، واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فعزل نائب الشام (٣) عنها ودعا إلى نفسه، فبعث إليه الأمين جيشا فلم يقدموا عليه بل أقاموا بالرقة، ثم كان من أمره ما سنذكره. وحج بالناس فيها نائب الحجاز داود بن عيسى.
وفيها كانت وفاة جماعة من الأعيان منهم:
إسحاق بن يوسف الأزرق
أحد أئمة الحديث. روى عنه أحمد وغيره. ومنهم:
بكار بن عبد الله
ابن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، كان نائب المدينة للرشيد ثنتي عشرة سنة وشهرا، وقد أطلق الرشيد على يديه لأهلها ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكان شريفا جوادا معظما. وفيها توفي:
стр. 3838
أبو نواس الشاعر
واسمه الحسن بن هانئ (١) بن صباح بن عبد الله بن الجراح بن هنب بن داود بن غنم بن سليم، ونسبه عبد الله بن سعد إلى الجراح بن عبد الله الحكمي، ويقال له أبو نواس البصري، كان أبوه من أهل دمشق من جند مروان بن محمد، ثم صار إلى الأهواز وتزوج امرأة يقال لها جلبان (٢)، فولدت له أبا نواس وابنا آخر يقال له أبا معاذ، ثم صار أبو نواس إلى البصرة فتأدب بها على أبي زيد وأبي عبيدة، وقرأ كتاب سيبويه ولزم خلفا الأحمر، وصحب يونس بن حبيب الجرمي النحوي. وقد قال القاضي ابن خلكان: صحب أبا أسامة وابن الحباب الكوفي، وروى الحديث عن أزهر بن سعد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الواحد بن زياد، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان وعنه محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي. وحدث عنه جماعة منهم الشافعي وأحمد بن حنبل وغندر ومشاهير العلماء ومن مشاهير حديثه ما روا محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة) (٣). وقال محمد بن إبراهيم: دخلنا عليه وهو في الموت فقال له صالح بن علي الهاشمي: يا أبا علي! أنت اليوم في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وبينك وبين الله هنات، فتب إلى الله من عملك. فقال: إياي تخوف؟ بالله أسندوني. قال: فأسندناه فقال: حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل نبي شفاعة وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة) (٤). ثم قال: أفلا تراني منهم. وقال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت عن ستين امرأة منهن خنساء وليلى، فما الظن بالرجال، وقال يعقوب بن السكيت: إذا رويت الشعر عن امرئ القيس والأعشى من أهل الجاهلية، ومن الاسلاميين جرير والفرزدق، ومن المحدثين عن أبي نواس فحسبك. وقد أثنى عليه غير واحد منهم الأصمعي والجاحظ والنظام. قال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بما وضع فيه من الأقذار لاحتججنا به - يعني شعره الذي قاله في الخمريات والمردان، وقد كان يميل إليهم - ونحو ذلك مما هو معروف في شعره. واجتمع طائفة من الشعراء عند المأمون فقيل لهم: أيكم القائل:
فلما تحساها وقفنا كأننا … نرى قمرا في الأرض يبلغ كوكبا
стр. 3839
قالوا: أبو نواس. قال: فأيكم القائل:
إذا نزلت دون اللهاة من الفتى … دعي همه عن قلبه برحيل
قالوا: أبو نواس. قال: فأيكم القائل:
فتمشت في مفاصلهم … كتمشي البرء في السقم
قالوا: أبو نواس. قال: فهو أشعركم. وقال سفيان بن عيينة لابن مناذر: ما أشعر ظريفكم أبا نواس في قوله:
يا قمرا أبصرت في مأتم … يندب شجوا بين أتراب
أبرزه المأتم لي كارها … برغم ذي باب وحجاب
يبكي فيذري الدر من عينه … ويلطم الورد بعناب
لا زال موتا دأب أحبابه … ولم تزل رؤيته دأبي
قال ابن الأعرابي أشعر الناس أبو نواس في قوله:
تسترت من دهري بكل جناحه … فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام عني ما درت … وأين مكاني ما عرفن مكاني
وقال أبو العتاهية: قلت في الزهد عشرين ألف بيت، وددت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي هذه، وكانت مكتوبة على قبره:
يا نواسي توقر … أو تغير أو تصبر (١)
إن يكن ساءك دهر … فلما سرك أكثر
يا كثير الذنب … عفو الله من ذنبك أكبر
ومن شعر أبي نواس يمدح بعض الأمراء:
أوجده الله فما مثله … بطالب ذاك ولا ناشد
ليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد
وأنشد سفيان بن عيينة قول أبي نواس:
ما هوى إلا له سبب … يبتدى منه وينشعب
فتنت قلبي محجبة … وجهها بالحسن منتقب
стр. 3840
خلته (١) والحسن تأخذه … تنتقي منه وتنتخب
فاكتست منه طرائفه … واستردت بعض ما تهب
فهي لو صيرت فيه لها … عودة لم يثنها أرب
صار جدا ما مزحت به … رب جد جره اللعب
فقال ابن عيينة: آمنت بالذي خلقها. وقال ابن دريد قال أبو حاتم: لو أن العامة بدلت هذين البيتين كتبتهما بماء الذهب:
ولو أني استزدتك فوق ما بي … من البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياتي … بعيش مثل عيشي لم يريدوا
وقد سمع أبو نواس حديث سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (القلوب جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف). فنظم ذلك في قصيدة له فقال:
إن القلوب لأجناد مجندة … لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تناكر منها مختلف … وما تعارف منها فهو مؤتلف
ودخل يوما أبو نواس مع جماعة من المحدثين على عبد الواحد بن زياد فقال لهم عبد الواحد ليختر كل واحد منكم عشرة أحاديث أحدثه بها، فاختار كل واحد عشرة إلا أبا نواس، فقال له: ما لك لا تختار كما اختاروا؟ فأنشأ يقول:
ولقد كنا روينا … عن سعيد عن قتادة
وعن الشعبي والشعبي … شيخ ذو جلاده
عن سعيد بن المسيب … ثم سعد بن عباده
وعن الأخيار نحكيه … وعن أهل الإفادة
أن من مات محبا … فله أجر شهاده
فقال له عبد الواحد: قم عني يا فاجر، لا حدثتك ولا حدثت أحد من هؤلاء من أجلك. فبلغ ذلك مالك بن أنس وإبراهيم بن أبي يحيى فقالا: كان ينبغي أن يحدثه لعل الله أن يصلحه. قلت: وهذا الذي أنشده أبو نواس قد رواه ابن عدي في كامله عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا " من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدا ". ومعناه أن من ابتلى بالعشق من غير اختيار منه فصبر وعف عن الفاحشة ولم يفش ذلك فمات بسبب ذلك حصل له أجر كثير. فإن صح هذا كان ذلك له نوع شهادة والله أعلم.
стр. 3841
وروى الخطيب أيضا أن شعبة لقي أبا نواس فقال له: حدثنا من طرفك، فقال مرتجلا: حدثنا الخفاف عن وائل وخالد الحذاء عن جابر ومسعر عن بعض أصحابه يرفعه الشيخ إلى عامر قالوا جميعا: أيما طفلة علقها ذو خلق طاهر فواصلته ثم دامت له على وصال الحافظ الذاكر، كانت له الجنة مفتوحة يرتع في مرتعها الزاهر، وأي معشوق جفا عاشقا بعد وصال دائم ناصر! ففي عذاب الله بعدا له نعم وسحقا دائم ذاخر. فقال له شعبة: إنك لجميل الأخلاق، وإني لأرجو لك. وأنشد أبو نواس أيضا:
يا ساحر المقلتين والجيد … وقاتلي منك بالمواعيد
توعدني الوصل ثم تخلفني … ويلاي من خلفك موعودي
حدثني الأزرق المحدث عن … شهر وعوف (١) عن ابن مسعود
ما يخلف الوعد غير كافرة (٢) … وكافر في الجحيم مصفود
فبلغ ذلك إسحاق بن يوسف الأزرق فقال: كذب عدو الله علي وعلى التابعين وعلى أصحاب محمد ﷺ . وعن سليم بن منصور بن عمار قال: رأيت أبا نواس في مجلس أبي يبكي بكاء شديدا فقلت: إني لأرجو أن لا يعذبك الله بعد هذا البكاء فأنشأ يقول:
لم أبك في مجلس منصور … شوقا إلى الجنة والحور
ولا من القبر وأهواله … ولا من النفخة في الصور
ولا من النار وأغلالها … ولا من الخذلان والجور
لكن بكائي لكا شادن … تقيه نفسي كل محذور
ثم قال: إنما بكيت لبكاء هذا الأمرد الذي إلى جانب أبيك - وكان صبيا حسن الصورة يسمع الوعظ فيبكي خوفا من الله .
قال: أبو نواس: دعاني يوما بعض الحاكة وألح علي ليضيفني في منزله، ولم يزل بي حتى أجبته فسار إلى منزله وسرت معه فإذا منزل لا بأس به، وقد احتفل الحائل في الطعام وجمع جمعا من الحياك، فأكلنا وشربنا ثم قال: يا سيدي أشتهي أن تقول في جاريتي شيئا من الشعر - وكان مغرما بجارية له - قال فقلت أرنيها حتى أنظم على شكلها وحسنها، فكشف عنها فإذا هي أسمج خلق الله وأوحشهم،
стр. 3842
سوداء شمطاء ديدانية يسيل لعابها على صدرها. فقلت لسيدها: ما اسمها؟ فقال تسنيم، فأنشأت أقول:
أسهر ليلي حب تسنيم … جارية في الحسن كالبوم
كأنما نكهتها كامخ … أو حزمة من حزم الثوم
ضرطت من حبي لها ضرطة … أفزعت منها ملك الروم
قال فقام الحائك يرقص ويصفق سائر يومه ويفرح ويقول: إنه شبهها والله بملك الروم. ومن شعره أيضا:
أبر مني الناس يقولون … بزعمهم كثرت أو زارية (١)
إن كنت في النار أم في جنة … ماذا عليكم يا بني الزانية
وبالجملة فقد ذكروا له أمورا كثيرة، ومجونا وأشعارا منكرة، وله في الخمريات والقاذورات والتشبب بالمردان والنسوان أشياء بشعة شنيعة، فمن الناس من يفسقه ويرميه بالفاحشة، ومنهم من يرميه بالزندقة، ومنهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه، والأول أظهر، لما في أشعاره. فأما الزندقة فبعيدة عنه، ولكن كان فيه مجون وخلاعة كثيرة. وقد عزوا إليه في صغره وكبره أشياء منكرة الله أعلم بصحتها، والعامة تنقل عنه أشياء كثيرة لا حقيقة لها. وفي صحن جامع دمشق قبة يفور منها الماء يقول الدماشقة قبة أبي نواس، وهي مبنية بعد موته بأزيد من مائة وخمسين سنة، فما أدري لأي شئ نسبت إليه فالله أعلم بهذا.
وقال محمد بن أبي عمر: سمعت أبا نواس يقول: والله ما فتحت سراويلي لحرام قط. وقال له محمد الأمين بن الرشيد: أنت زنديق. فقال: يا أمير المؤمنين لست بزنديق وأنا أقول:
أصلي الصلاة الخمس في حين وقتها … وأشهد بالتوحيد لله خاضعا
وأحسن غسلي إن ركبت جنابة … وإن جاءني المسكين لم أك مانعا
وإني وإن حانت من الكاس دعوة … إلى بيعة الساقي أجبت مسارعا
وأشربها صرفا على جنب ما عز … وجدي كثير الشحم أصبح راضعا
وجوذاب حواري ولوز وسكر … وما زال للخمار ذلك نافعا
وأجعل تخليط الروافض كلهم … لنفخة بختيشوع في النار طائعا
فقال له الأمين: ويحك! وما الذي ألجأك إلى نفخة بختيشوع؟ فقال: به تمت القافية. فأمر له
стр. 3843
بجائزة. وبختيشوع الذي ذكره هو طبيب الخلفاء. وقال الجاحظ: لا أعرف في كلام الشعراء أرق ولا أحسن من قول أبي نواس حيث يقول:
أية نار قدح القادح … وأي جد بلغ المازح
لله در الشيب من واعظ … وناصح لو خطئ (١) الناصح
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى … ومنهج الحق له واضح
فاسم بعينيك إلى نسوة … مهورهن العمل الصالح
لا يجتلي الحوراء (٢) في خدرها … إلا امرؤ ميزانه راجح
من اتقى الله فذاك الذي … سبق إليه المتجر الرابح
فاغد فما في الدين أغلوطة … ورح لما أنت له رائح
وقد استنشده أبو عفان قصيدته التي في أولها: لا تنس ليلى ولا تنظر إلى هند. فلما فرغ منها سجد له أبو عفان، فقال له أبو نواس: والله لا أكلمك مدة. قال: فغمني ذلك، فلما أردت الانصراف قال: متى أراك؟ فقلت: ألم تقسم؟ فقال: الدهر أقصر من أن يكون معه هجر.
ومن مستجاد شعره قوله:
ألا رب وجه في التراب عتيق … ويا رب حسن في التراب رقيق
ويا رب حزم في التراب ونجدة … ويا رب رأي في التراب وثيق
فقل لقريب الدار إنك ظاعن … إلى سفر نائي المحل سحيق
أرى كل حي هالكا وابن هالك … وذا نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت … له عن عدو في لباس صديق
وقوله:
لا تشرهن فإن الذل في الشره … والعز في الحلم لا في الطيش والسفه
وقل لمغتبط في التيه من حمق … لو كنت تعلم ما في التيه لم تته
التيه مفسدة للدين منقصة … للعقل مهلكة للعرض فانتبه
وجلس أبو العتاهية القاسم بن إسماعيل على دكان وراق فكتب على ظهر دفتر هذه الأبيات:
أيا عجبا كيف يعصى الاله … أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شئ له آية … تدل على أنه الواحد
стр. 3844
ثم جاء أبو نواس فقرأها فقال: أحسن قائله والله. والله لوددت أنها لي بجميع شئ قلته، لمن هذه؟ قيل له: لأبي العتاهية، فأخذ فكتب في جانبها:
سبحان من خلق الخلق … من ضعف مهين
يسوقه من قرار … إلى قرار مكين
يخلق شيئا فشيئا … في الحجب دون العيون
حتى بدت حركات … مخلوقة في سكون
ومن شعره المستجاد قوله:
انقطعت شدتي فعفت الملاهي إذ … رمى الشيب مفرقي بالدواهي
ونهتني النهى فملت إلى العدل … وأشفقت من مقالة ناهي
أيها الغافل المقر على السهو … ولا عذر في المعاد لساهي
لا بأعمالنا نطيق خلاصا … يوم تبدو السماء فوق الجباه
على أنا على الإساءة والتفريط … نرجو من حسن عفو الاله
وقوله:
نموت ونبلي غير أن ذنوبنا … إذا نحن متنا لا تموت ولا تبلى
ألا رب ذي عينين لا تنفعانه … وما تنفع العينان من قلبه أعمى
وقوله:
لو أن عينا أوهمتها نفسها … يوم الحساب ممثلا لم تطرف
سبحان ذي الملكوت أية ليلة … محقت صبيحتها بيوم الموقف
كتب الفناء على البرية ربها … فالناس بين مقدم ومخلف
وذكر أن أبا نواس لما أراد الاحرام بالحج قال:
يا مالكا ما أعدلك مليك كل من ملك … لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك
عبدك قد أهل لك أنت له حيث سلك … لولاك يا رب هلك لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك والليل لما أن حلك … والسابحات في الفلك على مجاري تنسلك
كل نبي وملك وكل من أهل لك … سبح أو صلى فلك لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك يا مخطئا ما أجهلك … عصيت ربا عدلك وأقدرك وأمهلك
عجل وبادر أملك واختم بخير عملك … لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك
وقال المعافي بن زكريا الحريري: ثنا محمد بن العباس بن الوليد سمعت أحمد بن يحيى بن ثعلب يقول: دخلت على أحمد بن حنبل فرأيت رجلا تهمه نفسه لا يجب أن يكثر عليه كأن النيران قد سعرت
стр. 3845
بين يديه، فما زلت أترفق به وتوسلت إليه أني من موالي شيبان حتى كلمني، فقال: في أي شئ نظرت من العلوم؟ فقلت: في اللغة والشعر. قال: رأيت بالبصرة جماعة يكتبون عن رجل الشعر، قيل لي هذا أبو نواس. فتخللت الناس ورائي فلما جلست إليه أملى علينا:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل … خلوت ولكن في الخلاء رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة … ولا آثما يخفى عليه يغيب
لهونا عن الآثام حتى تتابعت … ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى … ويأذن في توباتنا فنتوب
وزاد بعضهم في رواية عن أبي نواس بعد هذه الأبيات:
أقول إذا ضاقت علي مذاهبي … وحلت بقلبي للهموم ندوب
لطول جناياتي وعظم خطيئتي … هلكت وما لي في المتاب نصيب
وأغرق في بحر المخافة آيسا … وترجع نفسي تارة فتتوب
وتذكرني عفو الكريم عن الورى … فأحيا وأرجو عفوه فأنيب
وأخضع في قولي وأرغب سائلا … عسى كاشف البلوى علي يتوب
قال ابن طراز الجريري: وقد رويت هذه الأبيات لمن؟ قيل لأبي نواس وهي في زهدياته. وقد استشهد بها النحاة في أماكن كثيرة قد ذكرناها. وقال حسن بن الداية: دخلت على أبي نواس وهو في مرض الموت فقلت: عظني. فأنشأ يقول:
فكثر (١) ما استطعت من الخطايا … فإنك لاقيا ربا غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفوا … وتلقى سيدا ملكا قديرا (٢)
تعض ندامة كفيك مما … تركت مخافة النار الشرورا (٣)
فقلت: ويحك! بمثل هذا الحال تعظني بهذه الموعظة؟ فقال: اسكت حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس قال: قال النبي ﷺ : " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". وقد تقدم بهذا الاسناد عنه " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ". وقال الربيع وغيره عن الشافعي قال: دخلنا على أبي نواس في اليوم الذي مات فيه وهو يجود بنفسه فقلنا: ما أعددت لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول:
стр. 3846
تعاظمني ذنبي فلما قرنته … بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل … تجود وتعفو منة وتكرما
ولولاك لم يقدر لإبليس عابد … وكيف وقد أغوى صفيك آدما
رواه ابن عساكر. وروى أنهم وجدوا عند رأسه رقعة مكتوبا فيها بخطه:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة … فلقد علمت بأن عفوك أعظم
أدعوك ربي كما أمرت تضرعا … فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
إن كان لا يرجوك (١) إلا محسن … فمن الذي يرجو المسئ المجرم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا … وجميل عفوك ثم أني مسلم
وقال يوسف بن الداية: دخلت عليه وهو في السياق فقلت: كيف تجدك؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال:
دب في الفناء سفلا وعلوا … وأراني أموت عضوا فعضوا
ليس يمضي من لحظة بي إلا … نقصتني مبرها في جزوا
ذهبت جدتي بلذة عيشي … وتذكرت طاعة الله نضوا
قد أسأنا كل الإساءة فاللهم … صفحا عنا وغفرا وعفوا
ثم مات من ساعته سامحنا الله وإياه آمين.
وقد كان نقش خاتمه لا إله إلا الله مخلصا، فأوصى أن يجعل في فمه إذا غسلوه ففعلوا به ذلك. ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلاثمائة درهم وثيابه وأثاثة، وقد كانت وفاته في هذه السنة ببغداد ودفن في مقابر الشونيزي في تل اليهود. وله خمسون سنة. وقيل ستون سنة، وقيل تسع وخمسون سنة. وقد رآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس:
تفكر في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات … بأبصار هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك
وفي رواية عنه أنه قال: غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي فجاؤوا فوجدوها برقعة في خطه:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة … فلقد علمت أن عفوك أعظم
стр. 3847
الأبيات. وقد تقدمت. وفي رواية لابن عساكر قال بعضهم: رأيته في المنام في هيئة حسنة ونعمة عظيمة فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا وقد كنت مخلطا على نفسك؟ فقال: جاء ذات ليلة رجل صالح إلى المقابر فبسط رداءه وصلى ركعتين قرأ فيهما ألفي قل هو الله أحد ثم أهدى ثواب ذلك لأهل تلك المقابر فدخلت أنا في جملتهم، فغفر الله لي. وقال ابن خلكان: أول شعر قاله أبو نواس لما صحب أبا أسامة والبة بن الحباب:
حامل الهوى تعب يستخفه الطرب … إن بكى يحق له (١) ليس ما به لعب
تضحكين لاهية والمحب ينتحب … تعجبين من سقمي صحتي هي العجب
وقال المأمون: ما أحسن قوله:
وما الناس إلا هالك (٢) وابن هالك … وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت … له عن عدو في لباس (٣) صديق
قال ابن خلكان: وما أشد رجاءه بربه حيث يقول:
تحمل ما استطعت من الخطايا … فإنك لاقيا ربا غفورا
ستبصر إن قدمت عليه عفوا … وتلقى سيدا ملكا كبيرا
تعض ندامة كفيك مما … تركت مخافة النار الشرورا
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة
فيها توفي أبو معاوية (٤) الضرير أحد مشايخ الحديث الثقات المشهورين. والوليد بن مسلم الدمشقي تلميذ الأوزاعي. وفيها حبس الأمين أسد بن يزيد لأجل أنه نقم على الأمين لعبه وتهاونه في أمر الرعية، وارتكابه للصيد وغيره في هذا الوقت. وفيها وجه الأمين أحمد بن يزيد وعبد الله بن حميد بن قحطبة في أربعين ألفا إلى حلوان لقتال طاهر بن الحسين من جهة المأمون، فلما وصلوا إلى قريب من حلوان خندق طاهر على جيشه خندقا وجعل يعمل الحيلة في إيقاع الفتنة بين الأميرين، فاختلفا فرجعا ولم يقاتلاه، ودخل طاهر إلى حلوان وجاءه كتاب المأمون بتسليم ما تحت يده إلى هرثمة بن أعين، وأن يتوجه هو إلى الأهواز. ففعل ذلك. وفيها رفع المأمون وزيره الفضل بن سهل وولاه أعمالا كبارا وسماه ذا الرياستين. وفيها ولى الأمين نيابة الشام لعبد الملك بن صالح بن علي
стр. 3848
- وقد كان أخرجه من سجن الرشيد - وأمره أن يبعث له رجالا وجنودا لقتال طاهر وهرثمة، فلما وصل إلى الرقة أقام بها وكتب إلى رؤساء الشام يتألفهم ويدعوهم إلى الطاعة، فقدم عليه منهم خلق كثير، ثم وقعت حروب كان مبدؤها من أهل حمص، وتفاقم الامر وطال القتال بين الناس، ومات عبد الملك بن صالح هنالك فرجع الجيش إلى بغداد صحبة الحسين بن علي بن ماهان، فتلقاه أهل بغداد بالاكرام، وذلك في شهر رجب من هذه السنة. فلما وصل جاء رسول الأمين يطلبه فقال: والله ما أنا بمسامر ولا مضحك، ولا وليت له عملا ولا جبى على يدي مالا، فلماذا يطلبني في هذه الليلة؟.
سبب خلع الأمين وكيف أفضت الخلافة إلى أخيه المأمون
لما أصبح الحسين بن علي بن ماهان ولم يذهب إلى الأمين لما طلبه، وذلك بعد مقدمه بالجيش من الشام، قام في الناس خطيبا وألبهم على الأمين، وذكر لعبه وما يتعاطاه من اللهو وغير ذلك من المعاصي، وأنه لا تصلح الخلافة لمن هذا حاله، وأنه يريد أن يوقع البأس بين الناس، ثم حثهم على القيام عليه والنهوض إليه، وندبهم لذلك، فالتف عليه خلق كثير وجم غفير، وبعث محمد الأمين إليه خيلا فاقتتلوا مليا من النهار، فأمر الحسين أصحابه بالترجل إلى الأرض وأن يقاتلوا بالسيف والرماح، فانهزم جيش الأمين وخلعه وأخذ البيعة لعبد الله المأمون، وذلك يوم الأحد الحادي عشر من شهر رجب من هذه السنة، ولما كان يوم الثلاثاء نقل الأمين من قصره إلى قصر أبي جعفر وسط بغداد، وضيق عليه وقيده واضطهده، وأمر العباس بن عيسى بن موسى أمه زبيدة أن تنتقل إلى هناك فامتنعت فضربها بالسوط وقهرها على الانتقال فانتقلت مع أولادها، فلما أصبح الناس يوم الأربعاء طلبوا من الحسين بن علي أعطياتهم واختلفوا عليه وصار أهل بغداد فرقتين، فرقة مع الأمين وفرقة عليه، فاقتتلوا قتالا شديدا فغلب حزب الخليفة أولئك، وأسروا الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان وقيدوه ودخلوا به على الخليفة ففكوا عنه قيوده وأجلسوه على سريره، فعند ذلك أمر الخليفة من لم يكن معه سلاح من العامة أن يعطى سلاحا من الخزائن، فانتهب الناس الخزائن التي فيها السلاح بسبب ذلك، وأمر الأمين فأتي بالحسين بن علي بن عيسى فلامه على ما صدر منه فاعتذر إليه بأن عفو الخليفة حمله على ذلك. فعفا عنه وخلع عليه واستوزره وأعطاه الخاتم وولاه ما وراء بابه، وولاه الحرب وسيره إلى حلوان، فلما وصل إلى الجسر هرب في حاشيته وخدمه فبعث إليه الأمين من يرده، فركبت الخيول وراءه فأدركوه فقاتلهم وقاتلوه فقتلوه لمنتصف رجب، وجاؤوا برأسه إلى الأمين، وجدد الناس البيعة للأمين يوم الجمعة، ولما قتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضل بن الربيع الحاجب واستحوذ طاهر بن الحسين على أكثر البلاد للمأمون، واستناب بها النواب، وخلع أكثر أهل الأقاليم الأمين وبايعوا المأمون، ودنا طاهر إلى المدائن فأخذها مع واسط وأعمالها، واستناب من جهته على الحجاز واليمن والجزيرة والموصل وغير ذلك، ولم يبق مع الأمين من البلاد إلا القليل. وفي شعبان منها عقد الأمين أربعمائة لواء مع كل لواء أمير، وبعثهم لقتال هرثمة، فالتقوا في شهر رمضان فكسرهم هرثمة
стр. 3849
وأسر مقدمهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وبعث به إلى المأمون. وهرب جماعة من جند طاهر فساروا إلى الأمين فأعطاهم أموالا كثيرة، وأكرمهم وغلف لحاهم بالغالية فسموا جيش الغالية. ثم ندبهم الأمين وأرسل معهم جيشا كثيفا لقتال طاهر فهزمهم طاهر وفرق شملهم، وأخذ ما كان معهم. واقترب طاهر من بغداد فحاصرها وبعث القصاد والجواسيس يلقون الفتنة بين الجند حتى تفرقوا شيعا، ثم وقع بين الجيش وتشعبت الأصاغر على الأكابر واختلفوا على الأمين في سادس ذي الحجة فقال بعض البغاددة:
قل لأمين الله في نفسه … ما شتت الجند سوى الغالية
وطاهر نفسي فدا طاهر (١) … برسله والعدة الكافية
أضحى زمام الملك في كفه … مقاتلا للفئة الباغية
يا ناكثا أسلمه نكثه … عيوبه في (٢) خبثه فاشيه
قد جاءك اليث بشداته … مستكلبا في أسد ضاريه
فاهرب ولا مهرب من مثله … إلا إلى النار أو الهاوية
فتفرق على الأمين شمله، وحار في أمره، وجاء طاهر بن الحسين بجيوشه فنزل على باب الأنبار يوم الثلاثاء لثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، واشتد الحال على أهل البلد وأخاف الدعار والشطار أهل الصلاح، وخربت الديار، وثارت الفتنة بين الناس، حتى قاتل الأخ أخاه للأهواء المختلفة، والابن أباه، وجرت شرور عظيمة، واختلفت الأهواء وكثر الفساد والقتل داخل البلد.
وحج بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة بمكة والمدينة، وهو أول موسم دعي فيه للمأمون.
وفيها توفي بقية بن الوليد الحمصي إمام أهل حمص وفقيهها ومحدثها.
وحفص بن غياث القاضي
عاش فوق التسعين، ولما احتضر بكى بعض أصحابه فقال له: لا تبك! والله ما حللت سراويلي على حرام قط، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من وقع الحكم عليه منهما، قريبا كان أو بعيدا، ملكا أو سوقة.
وعبد الله بن مرزوق أبو محمد الزاهد، كان وزيرا للرشيد فترك ذلك كله وتزهد وأوصى عند موته أن يطرح قبل موته على مزبلة لعل الله أن يرحمه.
стр. 3850
أبو شيص
الشاعر محمد بن رزين بن سليمان، كان أستاذ الشعراء، وإنشاء الشعر ونظمه أسهل عليه من شرب الماء، كذا قال ابن خلكان وغيره. وكان هو وأبو مسلم بن الوليد - الملقب صريع الغواني - وأبو نواس ودعبل يجتمعون ويتناشدون. وقد عمي أبو الشيص في آخر عمره، ومن جيد شعره قوله:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة … حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم … إذ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا … ما من يهون عليك ممن تكرم (١)
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة
استهلت هذه السنة وقد ألح طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين ومن معهما في حصار بغداد والتضييق على الأمين، وهرب القاسم بن الرشيد وعمه منصور بن المهدي إلى المأمون فأكرمهما، وولى أخاه القاسم جرجان، واشتد حصار بغداد ونصب عليها المجانيق والعرادات. وضاق الأمين بهم ذرعا، ولم يبق معه ما ينفق في الجند، فاضطر إلى ضرب آنية الفضة والذهب دراهم ودنانير، وهرب كثير من جنده إلى طاهر، وقتل من أهل البلد خلق كثير، وأخذت أموال كثيرة منهم، وبعث الأمين إلى قصور كثيرة ودور شهيرة مزخرفة وأماكن ومحال كثيرة فحرقها بالنار لما رأى في ذلك من المصلحة فعل كل هذا فرارا من الموت ولتدوم الخلافة له فلم تدم، وقتل وخربت دياره كما سيأتي قريبا، وفعل طاهر مثل ما فعل الأمين حتى كادت بغداد تخرب بكمالها، فقال بعضهم (٢) في ذلك:
من ذا أصابك يا بغداد بالعين … ألم تكوني زمانا قرة العين
ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم … وكان قربهم (٣) زينا من الزين
صاح الغراب (٤) بهم بالبين فافترقوا … ماذا لقيت بهم من لوعة البين
استودع الله قوما ما ذكرتهم … إلا تحدر ماء العين (٥) من عيني
стр. 3851
كانوا ففرقهم دهر وصدعهم … والدهر يصدع ما بين الفريقين
وقد أكثر الشعراء في ذلك. وقد أورد ابن جرير من ذلك طرفا صالحا، وأورد في ذلك قصيدة طويلة جدا بها بسط ما وقع، وهي هول من الأهوال اقتصرناها بالكلية.
واستحوذ طاهر على ما في الضياع من الغلات والحواصل للأمراء وغيرهم، ودعاهم إلى الأمان والبيعة للمأمون فاستجابوا جميعهم، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطوسي (١)، وكاتبه خلق من الهاشميين والامراء، وصارت قلوبهم معه. واتفق في بعض الأيام أن ظفر أصحاب الأمين ببعض أصحاب طاهر فقتلوا منهم طائفة عند قصر صالح، فلما سمع الأمين بذلك بطر وأشر وأقبل على اللهو والشرب واللعب، ووكل الأمور وتدبيرها إلى محمد بن عيسى بن نهيك، ثم قويت شوكة أصحاب طاهر وضعف جانب الأمين جدا، وانحاز الناس إلى جيش طاهر - وكان جانبه آمنا جدا لا يخاف أحد فيه من سرقة ولا نهب ولا غير ذلك - وقد أخذ طاهر أكثر محال بغداد وأرباضها، ومنع الملاحين أن يحملوا طعاما إلى من خالفه، فغلت الأسعار جدا عند من خالفه، وندم من لم يكن خرج من بغداد قبل ذلك، ومنعت التجار من القدوم إلى بغداد بشئ من البضائع أو الدقيق، وصرفت السفن إلى البصرة وغيرها، وجرت بين الفريقين حروب كثيرة، فمن ذلك وقعة درب الحجارة كانت لأصحاب الأمين، قتل فيها خلق من أصحاب طاهر كان الرجل من العيارين والحرافشة من البغاددة يأتي عريانا ومعه بارية مقيرة، وتحت كتفه مخلاة فيها حجارة، فإذا ضربه الفارس من بعيد بالسهم اتقاه بباريته فلا يؤذيه، وإذا اقترب منه رماه بحجر في المقلاع أصابه، فهزموهم لذلك. ووقعة الشماسية أسر فيها هرثمة بن أعين، فشق ذلك على طاهر وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، وعبر طاهر بنفسه ومن معه إلى الجانب الآخر فقاتلهم بنفسه أشد القتال حتى أزالهم عن مواضعهم، واسترد منهم هرثمة وجماعة ممن كانوا أسروهم من أصحابه، فشق ذلك على محمد الأمين وقال في ذلك:
منيت بأشجع الثقلين قلبا … إذا ما طال ليس كما يطول
له مع كل ذي بدد رقيب … يشاهده ويعلم ما يقول
فليس بمغفل أمرا عنادا … إذا ما الامر ضيعه الغفول
وضعف أمر الأمين جدا ولم يبق عنده مال ينفقه على جنده ولا على نفسه، وتفرق أكثر أصحابه عنه، وبقي مضطهدا ذليلا. ثم انقضت هذه السنة بكمالها والناس في بغداد في قلاقل وأهوية مختلفة، وقال وحريق، وسرقات، وساءت بغداد فلم يبق فيها أحد يرد عن أحد كما هي عادة الفتن. وحج بالناس فيها العباس بن موسى الهاشمي من جهة المأمون. وفيها توفي شعيب بن حرب
стр. 3852
أحد الزهاد (١). وعبد الله بن وهب (٢) إمام أهل الديار المصرية. وعبد الرحمن بن مسهر أخو علي بن مسهر. وعثمان بن سعيد الملقب بورش أحد القراء المشهورين الرواة عن نافع بن أبي نعيم. ووكيع بن الجراح الرواسي أحد أعلام المحدثين. مات عن ست وستين سنة.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة
فيها خامر خزيمة بن خازم على محمد الأمين وأخذ الأمان من طاهر. ودخل هرثمة بن أعين من الجانب الشرقي. وفي يوم الأربعاء لثمان خلون من المحرم وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر بغداد فقطعاه ونصبا رايتهما عليه. ودعوا إلى بيعة عبد الله المأمون وخلع محمد الأمين، ودخل طاهر يوم الخميس إلى الجانب الشرقي فباشر القتال بنفسه، ونادى بالأمان لمن لزم منزله، وجرت عند دار الرقيق والكرخ وغيرهما وقعات، وأحاطوا بمدينة أبي جعفر والخلد وقصر زبيدة، ونصب المجانيق حول السور وحذاء قصر زبيدة، ورماه بالمنجنيق، فخرج الأمين بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة الناس في الطريق، لا يلوي أحد على أحد، حتى دخل قصر أبي جعفر وانتقل من الخلد لكثرة ما يأتيه فيه من رمي المنجنيق، وأمر بتحريق ما كان فيه من الأثاث والبسط والأمتعة وغير ذلك، ثم حصر حصرا شديدا. ومع هذه الشدة والضيق وإشرافه على الهلاك خرج ذات ليلة في ضوء القمر على شاطئ دجلة واستدعى بنبيذ وجارية فغنته فلم ينطلق لسانها إلا بالفراقيات وذكر الموت وهو يقول: غير هذا، وتذكر نظيره حتى غنته آخر ما غنته:
أما ورب السكون والحرك … إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا … دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان (٣) من ملك … قد انقضى ملكه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا … ليس بفان ولا بمشترك
قال: فسبها وأقامها من عنده فعثرت في قدح كان له من بلور فكسرته فتطير بذلك. ولما ذهبت الجارية سمع صارخا يقول (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) [يوسف: ٤١] فقال لجليسه: ويحك ألا
стр. 3853
تسمع، فتسمع فلا يسمع شيئا، ثم عاد الصوت بذلك فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل في رابع صفر يوم الأحد، وقل حصل له من الجهد والضيق في حصره شيئا كثيرا بحيث إنه لم يبق له طعام يأكله ولا شراب بحيث إنه جاع ليلة فما أتي برغيف ودجاجة إلا بعد شدة عظيمة، ثم طلب ماء فلم يوجد له فبات عطشانا فلما أصبح قتل قبل أن يشرب الماء.
كيفية مقتله
لما اشتد به الامر اجتمع عنده من بقي معه من الأمراء والخدم والجند، فشاورهم في أمره فقالت طائفة: تذهب بمن بقي معك إلى الجزيرة أو الشام فتتقوى بالأموال وتستخدم الرجال. وقال بعضهم تخرج إلى طاهر وتأخذ منه أمانا وتبايع لأخيك، فإذا فعلت ذلك فإن أخاك سيأمر لك بما يكفيك ويكفي أهلك من أمر الدنيا، وغاية مرادك الدعة والراحة، وذلك يحصل لك تاما. وقال بعضهم: بل هرثمة أولى بأن يأخذ لك منه الأمان فإنه مولاكم وهو أحنى عليك. فمال إلى ذلك، فلما كانت ليلة الأحد الرابع من صفر بعد عشاء الآخرة واعد هرثمة أن يخرج إليه، ثم لبس ثياب الخلافة وطيلسانا واستدعى بولديه فشمهما وضمهما إليه وقال: أستودعكما الله، ومسح دموعه بطرف كمه، ثم ركب على فرس سوداء وبين يديه شمعة، فلما انتهى إلى هرثمة أكرمه وعظمه وركبا في حراقة في دجلة، وبلغ ذلك طاهرا فغضب من ذلك وقال: أنا الذي فعلت هذا كله ويذهب إلى غيري، وينسب هذا كله إلى هرثمة؟ فلحقهما وهما في الحراقة فأمالها أصحابه فغرق من فيها، غير أن الأمين سبح إلى الجانب الآخر وأسره بعض الجند. وجاء فأعلم طاهرا فبعث إليه جندا من العجم فجاؤوا إلى البيت الذي هو فيه وعنده بعض أصحابه وهو يقول له: ادن مني فإني أجد وحشة شديدة، وجعل يلتف في ثيابه شديدا وقلبه يخفق خفقانا عظيما، كاد يخرج من صدره. فلما دخل عليه أولئك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم دنا منه أحدهم (١) فضربه بالسيف على مفرق رأسه فجعل يقول: ويحكم أنا ابن عم رسول الله ﷺ ، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي. فلم يلتفتوا إلى شئ من ذلك، بل تكاثروا عليه وذبحوه من قفاه وهو مكبوب على وجهه وذهبوا برأسه إلى طاهر وتركوا جثته، ثم جاؤوا بكرة إليها فلفوها في جل فرس وذهبوا بها. وذلك ليلة الأحد لأربع ليال خلت من صفر من هذه السنة.
شئ من ترجمته
هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور، أبو عبد الله ويقال أبو موسى الهاشمي العباسي، وأمه أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، كان مولده بالرصافة سنة
стр. 3854
سبعين ومائة. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عياش بن هشام عن أبيه قال: ولد محمد الأمين بن هارون الرشيد في شوال سنة سبعين ومائة. وأتته الخلافة بمدينة السلام بغداد لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وقيل ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم (١)، وقتل سنة ثمان وتسعين ومائة، قتله قريش الدنداني، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا هذه الآية (في اللهم مالك الملك) [آل عمران: ٢٦] وكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام (٢)، وكان طويلا سمينا أبيض أقنى الانف صغير العينين. عظيم الكراديس بعيدا ما بين المنكبين. وقد رماه بعضهم بكثرة اللعب والشرب وقلة الصلاة. وقد ذكر ابن جرير طرفا من سيرته في إكثاره من اقتناء السودان والخصيان، وإعطائه الأموال والجواهر، وأمره بإحضار الملاهي والمغنين من سائر البلاد، وأنه أمر بعمل خمس حراقات على صورة الفيل والأسد والعقاب والحية والفرس، وأنفق على ذلك أموالا جزيلة جدا، وقد امتدحه أبو نواس بشعر أقبح في معناه من صنيع الأمين فإنه قال في أوله:
سخر الله للأمين مطايا … لم تسخر لصاحب المحراب
فإذا ما ركابه سرن برا … سار في الماء راكبا ليث غاب
ثم وصف كلا من تلك الحراقات. واعتنى الأمين ببنايات هائلة للنزهة وغيرها، وأنفق في ذلك أموالا كثيرة جدا. فكثر النكير عليه بسبب ذلك.
وذكر ابن جرير: أنه جلس يوما في مجلس أنفق عليه مالا جزيلا في الخلد، وقد فرش له بأنواع الحرير، ونضد بآنية الذهب والفضة، وأحضر ندماءه وأمر القهرمانة أن تهيئ له مائة جارية حسناء وأمرها أن تبعثهن إليه عشرا بعد عشر يغنينه، فلما جاءت العشر الأول اندفعن يغنين بصوت واحد (٣):
همو قتلوه كي يكونوا مكانه … كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فغضب من ذلك وتبرم وضرب رأسها بالكأس، وأمر بالقهرمانة أن تلقى إلى الأسد فأكلها. ثم استدعى بعشرة فاندفعن يغنين:
من كان مسرورا بمقتل مالك … فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنه … يلطمن قبل تبلج الأسحار
فطردهن واستدعى بعشر غيرهن، فلما حضرن اندفعن يغنين بصوت واحد:
стр. 3855
كليب لعمري كان أكثر ناصرا … وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم (١)
فطردهن وقام من فوره وأمر بتخريب ذلك المجلس وتحريق ما فيه.
وذكر أنه كان كثير الأدب فصيحا يقول الشعر ويعطي عليه الجوائز الكثيرة، وكان شاعره أبا نواس، وقد قال فيه أبو نواس مدائح حسانا، وقد وجده مسجونا في حبس الرشيد مع الزنادقة فأحضره وأطلقه وأطلق له مالا وجعله من ندمائه، ثم حبسه مرة أخرى في شرب الخمر وأطال حبسه ثم أطلقه وأخذ عليه العهد أن لا يشرب الخمر ولا يأتي الذكور من المردان فامتثل ذلك، وكان لا يفعل شيئا من ذلك بعد ما استتابه الأمين، وقد تأدب على الكسائي وقرأ عليه القرآن. وروى الخطيب من طريقه حديثا أورده عنه لما عزي في غلام له توفي بمكة فقال: حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما مات محرما حشر ملبيا " (٢).
وقد قدمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفرقة، حتى أفضى ذلك إلى خلعه وعزله، ثم إلى التضييق عليه، ثم إلى قتله، وأنه حصر في آخر أمره حتى احتاج إلى مصانعة هرثمة، وأنه ألقي في حراقة ثم ألقي منها فسبح إلى الشط الآخر فدخل دار بعض العامة وهو في غاية الخوف والدهش والجوع والعرى، فجعل الرجل يلقنه الصبر والاستغفار، فاشتغل بذلك ساعة من الليل، ثم جاء الطلب وراءه من جهة طاهر بن الحسين بن مصعب، فدخلوا عليه وكان الباب ضيقا فتدافعوا عليه وقام إليهم فجعل يدافعهم عن نفسه بمخدة في يده، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه وضربوا رأسه أو خاصرته بالسيوف، ثم ذبحوه وأخذوا رأسه وجثته فأتوا بهما طاهرا، ففرح بذلك فرحا شديدا، وأمر بنصب الرأس فوق رمح هناك حتى أصبح الناس فنظروا إليه فوق الرمح عند باب الأنبار، وكثر عدد الناس ينظرون إليه. ثم بعث طاهر برأس الأمين مع ابن عمه محمد بن مصعب، وبعث معه بالبردة والقضيب والنعل (٣) - وكان من خوص مبطن - فسلمه إلى ذي الرياستين، فدخل به على المأمون على ترس، فلما رآه سجد وأمر لمن جاء به بألف ألف درهم. وقد قال ذو الرياستين حين قدم الرأس يؤلب على طاهر: أمرناه بأن يأتي به أسيرا فأرسل به إلينا عقيرا (٤). فقال المأمون: مضى ما مضى. وكتب طاهر إلى المأمون كتابا ذكر فيه صورة ما وقع حتى آل الحال إلى ما آل إليه (٥)