← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

كانوا ففرقهم دهر وصدعهم … والدهر يصدع ما بين الفريقين وقد أكثر الشعراء في ذلك. وقد أورد ابن جرير من ذلك طرفا صالحا، وأورد في ذلك قصيدة طويلة جدا بها بسط ما وقع، وهي هول من الأهوال اقتصرناها بالكلية. واستحوذ طاهر على ما في الضياع من الغلات والحواصل للأمراء وغيرهم، ودعاهم إلى الأمان والبيعة للمأمون فاستجابوا جميعهم، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطوسي (١)، وكاتبه خلق من الهاشميين والامراء، وصارت قلوبهم معه. واتفق في بعض الأيام أن ظفر أصحاب الأمين ببعض أصحاب طاهر فقتلوا منهم طائفة عند قصر صالح، فلما سمع الأمين بذلك بطر وأشر وأقبل على اللهو والشرب واللعب، ووكل الأمور وتدبيرها إلى محمد بن عيسى بن نهيك، ثم قويت شوكة أصحاب طاهر وضعف جانب الأمين جدا، وانحاز الناس إلى جيش طاهر - وكان جانبه آمنا جدا لا يخاف أحد فيه من سرقة ولا نهب ولا غير ذلك - وقد أخذ طاهر أكثر محال بغداد وأرباضها، ومنع الملاحين أن يحملوا طعاما إلى من خالفه، فغلت الأسعار جدا عند من خالفه، وندم من لم يكن خرج من بغداد قبل ذلك، ومنعت التجار من القدوم إلى بغداد بشئ من البضائع أو الدقيق، وصرفت السفن إلى البصرة وغيرها، وجرت بين الفريقين حروب كثيرة، فمن ذلك وقعة درب الحجارة كانت لأصحاب الأمين، قتل فيها خلق من أصحاب طاهر كان الرجل من العيارين والحرافشة من البغاددة يأتي عريانا ومعه بارية مقيرة، وتحت كتفه مخلاة فيها حجارة، فإذا ضربه الفارس من بعيد بالسهم اتقاه بباريته فلا يؤذيه، وإذا اقترب منه رماه بحجر في المقلاع أصابه، فهزموهم لذلك. ووقعة الشماسية أسر فيها هرثمة بن أعين، فشق ذلك على طاهر وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، وعبر طاهر بنفسه ومن معه إلى الجانب الآخر فقاتلهم بنفسه أشد القتال حتى أزالهم عن مواضعهم، واسترد منهم هرثمة وجماعة ممن كانوا أسروهم من أصحابه، فشق ذلك على محمد الأمين وقال في ذلك: منيت بأشجع الثقلين قلبا … إذا ما طال ليس كما يطول له مع كل ذي بدد رقيب … يشاهده ويعلم ما يقول فليس بمغفل أمرا عنادا … إذا ما الامر ضيعه الغفول وضعف أمر الأمين جدا ولم يبق عنده مال ينفقه على جنده ولا على نفسه، وتفرق أكثر أصحابه عنه، وبقي مضطهدا ذليلا. ثم انقضت هذه السنة بكمالها والناس في بغداد في قلاقل وأهوية مختلفة، وقال وحريق، وسرقات، وساءت بغداد فلم يبق فيها أحد يرد عن أحد كما هي عادة الفتن. وحج بالناس فيها العباس بن موسى الهاشمي من جهة المأمون. وفيها توفي شعيب بن حرب

стр. 3852

أحد الزهاد (١). وعبد الله بن وهب (٢) إمام أهل الديار المصرية. وعبد الرحمن بن مسهر أخو علي بن مسهر. وعثمان بن سعيد الملقب بورش أحد القراء المشهورين الرواة عن نافع بن أبي نعيم. ووكيع بن الجراح الرواسي أحد أعلام المحدثين. مات عن ست وستين سنة. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة فيها خامر خزيمة بن خازم على محمد الأمين وأخذ الأمان من طاهر. ودخل هرثمة بن أعين من الجانب الشرقي. وفي يوم الأربعاء لثمان خلون من المحرم وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر بغداد فقطعاه ونصبا رايتهما عليه. ودعوا إلى بيعة عبد الله المأمون وخلع محمد الأمين، ودخل طاهر يوم الخميس إلى الجانب الشرقي فباشر القتال بنفسه، ونادى بالأمان لمن لزم منزله، وجرت عند دار الرقيق والكرخ وغيرهما وقعات، وأحاطوا بمدينة أبي جعفر والخلد وقصر زبيدة، ونصب المجانيق حول السور وحذاء قصر زبيدة، ورماه بالمنجنيق، فخرج الأمين بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة الناس في الطريق، لا يلوي أحد على أحد، حتى دخل قصر أبي جعفر وانتقل من الخلد لكثرة ما يأتيه فيه من رمي المنجنيق، وأمر بتحريق ما كان فيه من الأثاث والبسط والأمتعة وغير ذلك، ثم حصر حصرا شديدا. ومع هذه الشدة والضيق وإشرافه على الهلاك خرج ذات ليلة في ضوء القمر على شاطئ دجلة واستدعى بنبيذ وجارية فغنته فلم ينطلق لسانها إلا بالفراقيات وذكر الموت وهو يقول: غير هذا، وتذكر نظيره حتى غنته آخر ما غنته: أما ورب السكون والحرك … إن المنايا كثيرة الشرك ما اختلف الليل والنهار ولا … دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل السلطان (٣) من ملك … قد انقضى ملكه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا … ليس بفان ولا بمشترك قال: فسبها وأقامها من عنده فعثرت في قدح كان له من بلور فكسرته فتطير بذلك. ولما ذهبت الجارية سمع صارخا يقول (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) [يوسف: ٤١] فقال لجليسه: ويحك ألا

стр. 3853

تسمع، فتسمع فلا يسمع شيئا، ثم عاد الصوت بذلك فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل في رابع صفر يوم الأحد، وقل حصل له من الجهد والضيق في حصره شيئا كثيرا بحيث إنه لم يبق له طعام يأكله ولا شراب بحيث إنه جاع ليلة فما أتي برغيف ودجاجة إلا بعد شدة عظيمة، ثم طلب ماء فلم يوجد له فبات عطشانا فلما أصبح قتل قبل أن يشرب الماء. كيفية مقتله لما اشتد به الامر اجتمع عنده من بقي معه من الأمراء والخدم والجند، فشاورهم في أمره فقالت طائفة: تذهب بمن بقي معك إلى الجزيرة أو الشام فتتقوى بالأموال وتستخدم الرجال. وقال بعضهم تخرج إلى طاهر وتأخذ منه أمانا وتبايع لأخيك، فإذا فعلت ذلك فإن أخاك سيأمر لك بما يكفيك ويكفي أهلك من أمر الدنيا، وغاية مرادك الدعة والراحة، وذلك يحصل لك تاما. وقال بعضهم: بل هرثمة أولى بأن يأخذ لك منه الأمان فإنه مولاكم وهو أحنى عليك. فمال إلى ذلك، فلما كانت ليلة الأحد الرابع من صفر بعد عشاء الآخرة واعد هرثمة أن يخرج إليه، ثم لبس ثياب الخلافة وطيلسانا واستدعى بولديه فشمهما وضمهما إليه وقال: أستودعكما الله، ومسح دموعه بطرف كمه، ثم ركب على فرس سوداء وبين يديه شمعة، فلما انتهى إلى هرثمة أكرمه وعظمه وركبا في حراقة في دجلة، وبلغ ذلك طاهرا فغضب من ذلك وقال: أنا الذي فعلت هذا كله ويذهب إلى غيري، وينسب هذا كله إلى هرثمة؟ فلحقهما وهما في الحراقة فأمالها أصحابه فغرق من فيها، غير أن الأمين سبح إلى الجانب الآخر وأسره بعض الجند. وجاء فأعلم طاهرا فبعث إليه جندا من العجم فجاؤوا إلى البيت الذي هو فيه وعنده بعض أصحابه وهو يقول له: ادن مني فإني أجد وحشة شديدة، وجعل يلتف في ثيابه شديدا وقلبه يخفق خفقانا عظيما، كاد يخرج من صدره. فلما دخل عليه أولئك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم دنا منه أحدهم (١) فضربه بالسيف على مفرق رأسه فجعل يقول: ويحكم أنا ابن عم رسول الله ﷺ ، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي. فلم يلتفتوا إلى شئ من ذلك، بل تكاثروا عليه وذبحوه من قفاه وهو مكبوب على وجهه وذهبوا برأسه إلى طاهر وتركوا جثته، ثم جاؤوا بكرة إليها فلفوها في جل فرس وذهبوا بها. وذلك ليلة الأحد لأربع ليال خلت من صفر من هذه السنة. شئ من ترجمته هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور، أبو عبد الله ويقال أبو موسى الهاشمي العباسي، وأمه أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، كان مولده بالرصافة سنة

стр. 3854

سبعين ومائة. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عياش بن هشام عن أبيه قال: ولد محمد الأمين بن هارون الرشيد في شوال سنة سبعين ومائة. وأتته الخلافة بمدينة السلام بغداد لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وقيل ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم (١)، وقتل سنة ثمان وتسعين ومائة، قتله قريش الدنداني، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا هذه الآية (في اللهم مالك الملك) [آل عمران: ٢٦] وكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام (٢)، وكان طويلا سمينا أبيض أقنى الانف صغير العينين. عظيم الكراديس بعيدا ما بين المنكبين. وقد رماه بعضهم بكثرة اللعب والشرب وقلة الصلاة. وقد ذكر ابن جرير طرفا من سيرته في إكثاره من اقتناء السودان والخصيان، وإعطائه الأموال والجواهر، وأمره بإحضار الملاهي والمغنين من سائر البلاد، وأنه أمر بعمل خمس حراقات على صورة الفيل والأسد والعقاب والحية والفرس، وأنفق على ذلك أموالا جزيلة جدا، وقد امتدحه أبو نواس بشعر أقبح في معناه من صنيع الأمين فإنه قال في أوله: سخر الله للأمين مطايا … لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برا … سار في الماء راكبا ليث غاب ثم وصف كلا من تلك الحراقات. واعتنى الأمين ببنايات هائلة للنزهة وغيرها، وأنفق في ذلك أموالا كثيرة جدا. فكثر النكير عليه بسبب ذلك. وذكر ابن جرير: أنه جلس يوما في مجلس أنفق عليه مالا جزيلا في الخلد، وقد فرش له بأنواع الحرير، ونضد بآنية الذهب والفضة، وأحضر ندماءه وأمر القهرمانة أن تهيئ له مائة جارية حسناء وأمرها أن تبعثهن إليه عشرا بعد عشر يغنينه، فلما جاءت العشر الأول اندفعن يغنين بصوت واحد (٣): همو قتلوه كي يكونوا مكانه … كما غدرت يوما بكسرى مرازبه فغضب من ذلك وتبرم وضرب رأسها بالكأس، وأمر بالقهرمانة أن تلقى إلى الأسد فأكلها. ثم استدعى بعشرة فاندفعن يغنين: من كان مسرورا بمقتل مالك … فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه … يلطمن قبل تبلج الأسحار فطردهن واستدعى بعشر غيرهن، فلما حضرن اندفعن يغنين بصوت واحد:

стр. 3855

كليب لعمري كان أكثر ناصرا … وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم (١) فطردهن وقام من فوره وأمر بتخريب ذلك المجلس وتحريق ما فيه. وذكر أنه كان كثير الأدب فصيحا يقول الشعر ويعطي عليه الجوائز الكثيرة، وكان شاعره أبا نواس، وقد قال فيه أبو نواس مدائح حسانا، وقد وجده مسجونا في حبس الرشيد مع الزنادقة فأحضره وأطلقه وأطلق له مالا وجعله من ندمائه، ثم حبسه مرة أخرى في شرب الخمر وأطال حبسه ثم أطلقه وأخذ عليه العهد أن لا يشرب الخمر ولا يأتي الذكور من المردان فامتثل ذلك، وكان لا يفعل شيئا من ذلك بعد ما استتابه الأمين، وقد تأدب على الكسائي وقرأ عليه القرآن. وروى الخطيب من طريقه حديثا أورده عنه لما عزي في غلام له توفي بمكة فقال: حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما مات محرما حشر ملبيا " (٢). وقد قدمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفرقة، حتى أفضى ذلك إلى خلعه وعزله، ثم إلى التضييق عليه، ثم إلى قتله، وأنه حصر في آخر أمره حتى احتاج إلى مصانعة هرثمة، وأنه ألقي في حراقة ثم ألقي منها فسبح إلى الشط الآخر فدخل دار بعض العامة وهو في غاية الخوف والدهش والجوع والعرى، فجعل الرجل يلقنه الصبر والاستغفار، فاشتغل بذلك ساعة من الليل، ثم جاء الطلب وراءه من جهة طاهر بن الحسين بن مصعب، فدخلوا عليه وكان الباب ضيقا فتدافعوا عليه وقام إليهم فجعل يدافعهم عن نفسه بمخدة في يده، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه وضربوا رأسه أو خاصرته بالسيوف، ثم ذبحوه وأخذوا رأسه وجثته فأتوا بهما طاهرا، ففرح بذلك فرحا شديدا، وأمر بنصب الرأس فوق رمح هناك حتى أصبح الناس فنظروا إليه فوق الرمح عند باب الأنبار، وكثر عدد الناس ينظرون إليه. ثم بعث طاهر برأس الأمين مع ابن عمه محمد بن مصعب، وبعث معه بالبردة والقضيب والنعل (٣) - وكان من خوص مبطن - فسلمه إلى ذي الرياستين، فدخل به على المأمون على ترس، فلما رآه سجد وأمر لمن جاء به بألف ألف درهم. وقد قال ذو الرياستين حين قدم الرأس يؤلب على طاهر: أمرناه بأن يأتي به أسيرا فأرسل به إلينا عقيرا (٤). فقال المأمون: مضى ما مضى. وكتب طاهر إلى المأمون كتابا ذكر فيه صورة ما وقع حتى آل الحال إلى ما آل إليه (٥)

стр. 3856

ولما قتل الأمين هدأت الفتن وخمدت الشرور، وأمن الناس، وطابت النفس، ودخل طاهر بغداد يوم الجمعة وخطبهم خطبة بليغة ذكر فيها آيات كثيرة من القرآن، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأمرهم فيها بالجماعة والسمع والطاعة ثم خرج إلى معسكره فأقام به وأمر بتحويل زبيدة من قصر أبي جعفر إلى قصر الخلد، فخرجت يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، وبعث بموسى وعبد الله ابني الأمين إلى عمهما المأمون بخراسان وكان ذلك رأيا سديدا. وقد وثب طائفة من الجند على طاهر بعد خمسة أيام من مقتل الأمين وطلبوا منه أرزاقهم فلم يكن عنده إذ ذاك مال، فتحزبوا واجتمعوا ونهبوا بعض متاعه ونادوا: يا موسى يا منصور، واعتقدوا أن موسى بن الأمين الملقب بالناطق هناك، وإذا هو قد سيره إلى عمه. وانحاز طاهر بمن معه من القواد ناحية وعزم على قتالهم بمن معه، ثم رجعوا إليه واعتذروا وندموا، فأمر لهم برزق أربعة أشهر بعشرين ألف دينار اقترضها من بعض الناس، فطابت الخواطر. ثم إن إبراهيم بن المهدي قد أسف على قتل محمد الأمين بن زبيدة ورثاه بأبيات، فبلغ ذلك المأمون فبعث إليه يعنفه ويلومه على ذلك. وقد ذكر ابن جرير مراثي كثيرة للناس في الأمين، وذكر من أشعار الذين هجوه طرفا، وذكر من شعر طاهر بن الحسين حين قتله قوله: ملك الناس قسرا واقتدارا … وقتلت الجبابرة الكبارا ووجهت الخلافة نحو مرو … إلى المأمون تبتدر ابتدارا خلافة عبد الله المأمون بن الرشيد هارون لما قتل أخوه محمد في رابع صفر من سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل في المحرم، استوسقت البيعة شرقا وغربا للمأمون: فولى الحسن بن سهل نيابة العراق وفارس والأهواز والكوفة والبصرة والحجاز واليمن، وبعث نوابه إلى هذه الأقاليم، وكتب إلى طاهر بن الحسين أن ينصرف إلى الرقة لحرب نصر بن شبث، وولاه نيابة الجزيرة والشام والموصل والمغرب. وكتب إلى هرثمة بن أعين بنيابة خراسان. وفيها حج بالناس العباس بن عيسى الهاشمي. وفيها توفي سفيان بن عيينة. وعبد الرحمن بن مهدي. ويحيى القطان (١). فهؤلاء الثلاثة سادة العلماء في الحديث والفقه وأسماء الرجال.

стр. 3857

ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة فيها قدم الحسن بن سهل بغداد نائبا عليها من جهة المأمون، ووجه نوابه إلى بقية أعماله، وتوجه طاهر إلى نيابة الجزيرة والشام ومصر وبلاد المغرب. وسار هرثمة إلى خراسان نائبا عليها، وكان قد خرج في أواخر السنة الماضية في ذي الحجة منها، الحسن الهرش يدعو إلى الرضى من آل محمد، فجبى الأموال وانتهب الانعام وعاث في البلاد فسادا فبعث إليه المأمون جيشا فقتلوه في المحرم من هذه السنة. وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة، يدعو إلى الرضى من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وهو الذي يقال له ابن طباطبا، وكان القائم بأمره وتدبير الحرب بين يديه أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، وقد اتفق أهل الكوفة على موافقته واجتمعوا عليه من كل فج عميق، ووفدت إليه الاعراب من نواحي الكوفة، وكان النائب عليها من جهة الحسن بن سهل سليمان بن أبي جعفر المنصور، فبعث الحسن بن سهل يلومه ويؤنبه على ذلك، وأرسل إليه بعشرة آلاف فارس صحبة زاهر (١) بن زهير بن المسيب، فتقاتلوا خارج الكوفة فهزموا زاهرا واستباحوا جيشه ونهبوا ما كان معه، وذلك يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة، فلما كان الغد من الوقعة توفي ابن طباطبا أمير الشيعة فجأة، يقال إن أبا السرايا سمه (٢) وأقام مكانه غلاما أمرد يقال له: محمد بن محمد (٣) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وانعزل زاهر بمن بقي معه من أصحابه إلى قصر ابن هبيرة، وأرسل الحسن بن سهل مع عبدوس بن محمد أربعة آلاف فارس، صورة مدد لزاهر، فالتقوا هم وأبو السرايا فهزمهم أبو السرايا ولم يفلت من أصحاب عبدوس أحد، وانتشر الطالبيون في تلك البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم والدنانير في الكوفة، ونقش عليه (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) [الصف: ٤] الآية. ثم بعث أبو السرايا جيوشه إلى البصرة وواسط والمدائن فهزموا من فيها من النواب ودخلوها قهرا، وقويت شوكتهم، فأهم ذلك الحسن بن سهل وكتب إلى هرثمة يستدعيه لحرب أبي السرايا فتمنع ثم قدم عليه فخرج إلى أبي السرايا فهزم أبا السرايا غير مرة وطرده حتى رده إلى الكوفة ووثب الطالبيون على دور بني العباس بالكوفة فنهبوها وخربوا ضياعهم، وفعلوا أفعالا قبيحة. وبعث أبو السرايا إلى المدائن فاستجابوا، وبعث إلى أهل مكة حسين ابن حسن الأفطس ليقيم لهم الموسم فخاف أن يدخلها جهرة، ولما سمع نائب مكة - وهو داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس - هرب من مكة طالبا أرض العراق، وبقي الناس بلا إمام فسئل مؤذنها أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي أن يصلي بهم فأبى، فقيل لقاضيها محمد بن عبد

стр. 3858

الرحمن المخزومي فامتنع، وقال: لمن أدعو وقد هرب نواب البلاد. فقدم الناس رجلا منهم فصلى بهم الظهر والعصر، وبلغ الخبر إلى حسين الأفطس فدخل مكة في عشرة أنفس قبل الغروب فطاف بالبيت، ثم وقف بعرفة ليلا وصلى بالناس الفجر بمردلفة وأقام بقية المناسك في أيام منى، فدفع الناس من عرفة بغير إمام. وفيها توفي إسحاق بن سليمان (١). وابن نمير (٢). وابن شابور (٣). وعمرو العنبري، والد مطيع البلخي، ويونس بن بكير (٤). ثم دخلت سنة مائتين من الهجرة في أول يوم منها جلس حسين بن حسن الأفطس على طنفسة مثلثة خلف المقام وأمر بتجريد الكعبة مما عليها من كساوي بني العباس، وقال: نطهرها من كساويهم. وكساها ملاءتين صفراوتين عليهما اسم أبي السرايا، ثم أخذ ما في كنز الكعبة من الأموال، وتتبع ودائع بني العباس فأخذها، حتى أنه أخذ مال ذوي المال ويزعم أنه للمسودة. وهرب منه الناس إلى الجبال، وسبك ما على رؤوس الأساطين من الذهب، وكان ينزل مقدار يسير بعد جهد، وقلعوا ما في المسجد الحرام من الشبابيك وباعوها بالبخس، وأساؤوا السيرة جدا. فلما بلغه مقتل أبي السرايا كتم ذلك وأمر رجلا من الطالبيين شيخا كبيرا، واستمر على سوء السيرة، ثم هرب في سادس عشر المحرم منها، وذلك لما قهر هرثمة أبا السرايا وهزم جيشه وأخرجه ومن معه من الطالبيين من الكوفة، ودخلها هرثمة ومنصور بن المهدي فأمنوا أهلها ولم يتعرضوا لاحد. وسار أبو السرايا بمن معه إلى القادسية، ثم سار منها فاعترضهم بعض جيوش المأمون فهزمهم أيضا وجرح أبو السرايا جراحة منكرة جدا، وهربوا يريدون الجزيرة إلى منزل أبي السرايا برأس العين، فاعترضهم بعض الجيوش أيضا فأسروهم وأتوا بهم الحسن بن سهل وهو بالنهروان حين طردته الحربية، فأمر بضرب عنق أبي السرايا فجزع من ذلك جزعا شديدا جدا وطيف برأسه وأمر بجسده أن يقطع اثنتين وينصب على جسري بغداد، فكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر. فبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد إلى المأمون مع رأس أبي السرايا. وقال بعض الشعراء: ألم تر ضربة الحسن بن سهل … بسيفك يا أمير المؤمنينا

стр. 3859

أدارت مرو رأس أبي السرايا … وأبقت عبرة للعالمينا وكان الذي في يده البصرة من الطالبيين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له زيد النار، لكثرة ما حرق من البيوت التي للمسودة، فأسره علي بن سعيد وأمنه وبعث به وبمن معه من القواد إلى اليمن لقتال من هناك من الطالبيين. وفيها خرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له الجزار لكثرة من قتل من أهل اليمن، وأخذ من أموالهم. وهو الذي كان بمكة وفعل فيها ما فعل كما تقدم، فلما بلغه قتل أبي السرايا هرب إلى اليمن، فلما بلغ نائب اليمن خبره ترك اليمن وسار إلى خراسان واجتاز بمكة وأخذ أمه منها. واستحوذ إبراهيم هذا على بلاد اليمن وجرت حروب كثيرة يطول ذكرها، ورجع محمد بن جعفر العلوي عما كان بزعمه، وكان قد ادعى الخلافة بمكة، وقال: كنت أظن أن المأمون قد مات وقد تحققت حياته، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه مما كنت ادعيت من ذلك، وقد رجعت إلى الطاعة وأنا رجل من المسلمين. ولما هزم هرثمة أبا السرايا ومن كان معه من ولاة الخلافة وهو محمد بن محمد وشى بعض الناس إلى المأمون أن هرثمة راسل أبا السرايا وهو الذي أمره بالظهور، فاستدعاه المأمون إلى مرو فأمر به فضرب بين يديه ووطئ بطنه ثم رفع إلى الحبس ثم قتل بعد ذلك بأيام، وانطوى خبره بالكلية. ولما وصل خبر قتله إلى بغداد عبثت العامة والحربية بالحسن بن سهل نائب العراق وقالوا: لا نرضى به ولا بعماله ببلادنا، وأقاموا إسحاق بن موسى المهدي نائبا، واجتمع أهل الجانبين على ذلك، والتفت على الحسن بن سهل جماعة من الأمراء والأجناد، وأرسل من وافق العامة على ذلك من الأمراء يحرضهم على القتال، وجرت الحروب بينهم ثلاثة أيام في شعبان من هذه السنة. ثم اتفق الحال على أن يعطيهم شيئا من أرزاقهم ينفقونها في شهر رمضان، فما زال يمطلهم إلى ذي القعدة حتى يدرك الزرع، فخرج في ذي القعدة زيد بن موسى الذي يقال له زيد النار، ومعه (١) أخو أبي السرايا، وقد كان خروجه هذه المرة بناحية الأنبار، فبعث إليه علي بن هشام نائب بغداد عن الحسن بن سهل والحسن بالمدائن إذ ذاك فأخذ وأتي به إلى علي بن هشام، وأطفأ الله ثائرته. وبعث المأمون في هذه السنة يطلب من بقي من العباسيين، وأحصى كم العباسيون فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا، ما بين ذكور وإناث. وفيها قتلت الروم ملكهم إليون، وقد ملكهم سبع سنين، وملكوا عليهم ميخائيل نائبه. وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل، لأنه قال للمأمون: يا أمير الكافرين. فقتل صبرا بين يديه. وفيها حج بالناس محمد بن المعتصم بن هارون الرشيد. وفيها توفي من الأعيان:

стр. 3860

أسباط بن محمد (١) وأبو ضمرة أنس بن عياض (٢). وسلم بن قتيبة (٣) وعمر بن عبد الواحد (٤). وابن أبي فديك. ومبشر بن إسماعيل. ومحمد بن حمير (٥). ومعاذ بن هشام (٦). ثم دخلت سنة إحدى ومائتين فيها راود أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة فامتنع من ذلك، فراودوه على أن يكون نائبا للمأمون يدعو له في الخطبة فأجابهم إلى ذلك، وقد أخرجوا علي بن هشام نائب الحسن بن سهل من بين أظهرهم بعد أن جرت حروب كثيرة بسبب ذلك. وفيها عم البلاء بالعيارين والشطار والفساق ببغداد وما حولها من القرى، كانوا يأتون الرجل يسألونه مالا يقرضهم أو يضلهم به فيمتنع عليهم فيأخذون جميع ما في منزله، وربما تعرضوا للغلمان والنسوان، ويأتون أهل القرية فيستاقون من الانعام والمواشي ويأخذون ما شاؤوا من الغلمان والنسوان، ونهبوا أهل قطر بل ولم يدعوا لهم شيئا أصلا، فانتدب لهم رجل يقال له خالد الدريوش، وآخر يقال له سهل بن سلامة أبو حاتم الأنصاري من أهل خراسان. والتف عليهم جماعة من العامة فكفوا شرهم وقاتلوهم ومنعوهم من الفساد في الأرض، واستقرت الأمور كما كانت، وذلك في شعبان ورمضان. وفي شوال منها رجع الحسن بن سهل إلى بغداد وصالح الجند، وانفصل منصور بن المهدي ومن وافقه من الأمراء. وفيها ببايع المأمون لعلي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون ولي العهد من بعده، وسماه الرضى من آل محمد، وطرح لبس السواد وأمر بلبس الخضرة، فلبسها هو وجنده، وكتب بذلك إلى الآفاق والأقاليم، وكانت مبايعته له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وذلك أن المأمون رأى أن عليا الرضى خير أهل البيت وليس في بني العباس مثله في عمله ودينه، فجعله ولي عهده من بعده.

стр. 3861

بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي لما جاء الخبر أن المأمون بايع لعلي الرضى بالولاية من بعده اختلفوا فيما بينهم، فمن مجيب مبايع، ومن آب ممانع، وجمهور العباسيين على الامتناع من ذلك، وقام في ذلك ابنا المهدي إبراهيم ومنصور، فلما كان يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة أظهر العباسيون البيعة لإبراهيم بن المهدي ولقبوه المبارك - وكان أسود اللون - ومن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي، وخلعوا المأمون. فلما كان يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة أرادوا أن يدعوا للمأمون ثم من بعده لإبراهيم فقالت العامة: لا تدعوا إلا إلى إبراهيم فقط، واختلفوا واضطربوا فيما بينهم، ولم يصلوا الجمعة، وصلى الناس فرادى أربع ركعات. وفيها افتتح نائب طبرستان جبالها وبلاد اللارز والشيرز. وذكر ابن حزم أن سلما الخاسر قال في ذلك شعرا (١). وقد ذكر ابن الجوزي وغيره أن سلما توفي قبل ذلك بسنين فالله أعلم. وفيها أصاب أهل خراسان والري وأصبهان مجاعة شديدة وغلا الطعام جدا. وفيها تحرك بابك الخرمي واتبعه طوائف من السفلة والجهلة وكان يقول بالتناسخ. وسيأتي ما آل أمره إليه. وفيها حج بالناس إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي. وفيها توفي من الأعيان: أبو أسامة حماد بن أسامة (٢). وحماد بن مسعدة وحرسي بن عمارة. وعلي بن عاصم (٣). ومحمد بن محمد صاحب أبي السرايا الذي قد كان بايعه أهل الكوفة بعد ابن طباطبا. ثم دخلت سنة ثنتين ومائتين في أول يوم منها بويع لإبراهيم بن المهدي بالخلافة ببغداد وخلع المأمون، فلما كان يوم الجمعة خامس المحرم صعد إبراهيم بن المهدي المنبر فبايعه الناس ولقب بالمبارك، وغلب على الكوفة وأرض السواد، وطلب منه الجند أرزاقهم فماطلهم ثم أعطاهم مائتي درهم لكل واحد، وكتب لهم بتعويض من أرض السواد، فخرجوا لا يمرون بشئ إلا انتهبوه، وأخذوا حاصل الفلاح والسلطان، واستناب على الجانب الشرقي العباس بن موسى الهادي، وعلى الجانب الغربي إسحاق بن موسى الهادي. وفيها خرج خارجي يقال له: مهدي بن علوان، فبعث إليهم إبراهيم جيشا عليهم أبو إسحاق المعتصم بن

стр. 3862

الرشيد في جماعة من الأمراء فكسره ورد كيده. وفيها خرج أخو أبي السرايا فبيض بالكوفة فأرسل إليه إبراهيم بن المهدي من قاتله فقتل أخو أبي السرايا وأرسل برأسه إلى إبراهيم، ولما كان ليلة أربع عشرة من ربيع الآخر من هذه السنة ظهرت في السماء حمرة ثم ذهبت وبقي بعدها عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل، وجرت بالكوفة حروب بين أصحاب إبراهيم وأصحاب المأمون، واقتتلوا قتالا شديدا. وعلى أصحاب إبراهيم السواد، وعلى أصحاب المأمون الخضرة، واستمر القتال بينهم إلى أواخر رجب. وفيها ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوع فسجنه، وذلك أنه التف عليه جماعة من الناس يقومون بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن كانوا قد جاوزوا الحد وأنكروا على السلطان ودعوا إلى القيام بالكتاب والسنة، وصار باب داره كأنه باب دار السلطان، عليه السلاح والرجال وغير ذلك من أبهة الملك، فقاتله الجند فكسروا أصحابه فألقى السلاح وصار بين النساء والنظارة ثم اختفى في بعض الدور، فأخذ وجئ به إلى إبراهيم فسجنه سنة كاملة. وفيها أقبل المأمون من خراسان قاصدا العراق، وذلك أن علي بن موسى الرضى أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وبأن الهاشميين قد أنهوا إلى الناس بأن المأمون مسحور ومسجون، وأنهم قد نقموا عليك ببيعتك لعلي بن موسى، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم بن المهدي. فاستدعى المأمون بجماعة من أمرائه وأقربائه فسألهم عن ذلك فصدقوا عليا فيما قال، بعد أخذهم الأمان منه، وقالوا له: إن الفضل بن سهل حسن لك قتل هرثمة، وقد كان ناصحا لك. فعاجله بقتله، وإن طاهر بن الحسين مهد لك الأمور حتى قاد إليك الخلافة بزمامها فطردته إلى الرقة فقعد لا عمل له ولا تستنهضه في أمر، وإن الأرض تفتقت بالشرور والفتن من أقطارها. فلما تحقق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، وقد فطن الفضل بن سهل بما تمالا عليه أولئك الناصحون، فضرب قوما ونتف لحى بعضهم. وسار المأمون فلما كان بسرخس عدا قوم على الفضل بن سهل وزير المأمون وهو في الحمام فقتلوه بالسيوف، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شوال وله ستون سنة، فبعث المأمون في آثارهم فجئ بهم وهم أربعة من المماليك فقتلهم (١)، وكتب إلى أخيه الحسن بن سهل يعزيه فيه، وولاه الوزارة مكانه، وارتحل المأمون من سرخس يوم عيد الفطر نحو العراق وإبراهيم بن المهدي بالمدائن، وفي مقابلته جيش يقاتلونه من جهة المأمون. وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وزوج علي بن موسى الرضى بابنته أم حبيب وزوج ابنه محمد بن علي بن موسى بابنته الأخرى أم الفضل. وحج بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر أخو علي الرضى، ودعا لأخيه بعد المأمون، ثم انصرف بعد الحج إلى اليمن، وقد كان تغلب

стр. 3863

عليها حمدويه بن علي بن موسى بن ماهان. وفيها توفي: أيوب بن سويد (١). وضمرة (٢). وعمرو بن حبيب (٣). والفضل بن سهل الوزير. وأبو يحيى الحماني. ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين فيها وصل المأمون العراق ومر بطوس فنزل بها وأقام عند قبر أبيه أياما من شهر صفر، فلما كان في آخر الشهر أكل علي بن موسى الرضى عنبا فمات فجأة فصلى عليه المأمون ودفنه إلى جانب أبيه الرشيد، وأسف عليه أسفا كثيرا فيما ظهر، وكتب إلى الحسن بن سهل يعزيه فيه ويخبره بما حصل له من الحزن عليه، وكتب إلى بني العباس يقول لهم: إنكم إنما نقمتم علي بسبب توليتي العهد من بعدي لعلي بن موسى الرضى، وها هو قد مات فارجعوا إلى السمع والطاعة. فأجابوه بأغلظ جواب كتب به إلى أحد. وفيها تغلبت الثوار على الحسن بن سهل حتى قيد بالحديد وأودع في بيت، فكتب الأمراء بذلك إلى المأمون، فكتب إليهم إني واصل على إثر كتابي هذا. ثم جرت حروب كثيرة بين إبراهيم وأهل بغداد، وتنكروا عليه وأبغضوه. وظهرت الفتن والشطار والفساق ببغداد وتفاقم الحال، وصلوا يوم الجمعة ظهرا، أمهم المؤذنون فيها من غير خطبة، صلوا أربع ركعات، واشتد الامر واختلف الناس فيما بينهم في إبراهيم والمأمون، ثم غلبت المأمونية عليهم. خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي لما كان يوم الجمعة المقبلة دعا الناس للمأمون وخلعوا إبراهيم، وأقبل حميد بن عبد الحميد في جيش من جهة المأمون فحاصر بغداد. وطمع جندها في العطاء إذا قدم فطاوعوه على السمع والطاعة للمأمون. وقد قاتل عيسى بن محمد بن أبي خالد في جماعة من جهة إبراهيم بن المهدي، ثم احتال عيسى حتى صار في أيدي المأمونية أسيرا، ثم آل الحال إلى اختفاء إبراهيم بن المهدي في آخر هذه السنة. وكانت أيامه سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما. وقدم المأمون في هذا الوقت إلى همذان وجيوشه قد استنقذوا بغداد إلى طاعته. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي. وفيها توفي من الأعيان:

стр. 3864

علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشي الهاشمي العلوي الملقب بالرضى، كان المأمون قد هم أن ينزل له عن الخلافة فأبى عليه ذلك، فجعله ولي العهد من بعده كما قدمنا ذلك. توفي في صفر من هذه السنة بطوس. وقد روى الحديث عن أبيه وغيره، وعنه جماعة منهم المأمون وأبو السلط الهروي وأبو عثمان المازني النحوي، وقال سمعته يقول: الله أعدل من أن يكلف العباد ما لا يطيقون، وهم أعجز من أن يفعلوا ما يريدون. ومن شعره: كلنا يأمل مدا في الاجل … والمنايا هن آفات الامل لا تغرنك أباطيل المنى … والزم القصد ودع عنك العلل إنما الدنيا كظل زائل … حل فيه راكب ثم ارتحل ثم دخلت سنة أربع ومائتين فيها كان قدوم المأمون أرض العراق، وذلك أنه مر بجرجان فأقام بها شهرا، ثم سار منها وكان ينزل في المنزل يوما أو يومين، ثم جاء إلى النهروان فأقام بها ثمانية أيام، وقد كتب إلى طاهر بن الحسين وهو بالرقة أن يوافيه إلى النهروان فوافاه بها وتلقاه رؤوس أهل بيته والقواد وجمهور الجيش، فلما كان يوم السبت الآخر دخل بغداد حين ارتفع النهار لأربع عشرة ليلة خلت (١) من صفر، في أبهة عظيمة وجيش عظيم، وعليه وعلى جميع أصحابه وفتيانه الخضرة، فلبس أهل بغداد وجميع بني هاشم الخضرة، ونزل المأمون بالرصافة ثم تحول إلى قصر على دجلة، وجعل الأمراء ووجوه الدولة يترددون إلى منزله على العادة، وقد تحول لباس البغاددة إلى الخضرة، وجعلوا يحرقون كل ما يجدونه من السواد، فمكثوا كذلك ثمانية أيام. ثم استعرض حوائج طاهر بن الحسين فكان أول حاجة سألها أن يرجع إلى لباس السواد، فإنه لباس آبائه من دولة ورثة الأنبياء. فلما كان السبت الآخر وهو الثامن والعشرين من صفر جلس المأمون للناس وعليه الخضرة، ثم إنه أمر بخلعة سوداء فألبسها طاهرا، ثم ألبس بعده جماعة من الأمراء السواد، فلبس الناس السواد وعادوا إلى ذلك، فعلم منهم بذلك الطاعة والموافقة، وقيل إنه مكث يلبس الخضرة بعد قدومه بغداد سبعا وعشرين يوما، فالله أعلم. ولما جاء إليه عمه إبراهيم بن المهدي بعد اختفائه ست سنين وشهورا قال له المأمون: أنت الخليفة الأسود، فأخذ في الاعتذار والاستغفار، ثم قال: أنا الذي مننت عليه يا أمير المؤمنين بالعفو، وأنشد المأمون عند ذلك:

стр. 3865

ليس يزري السواد بالرجل الشهم … ولا بالفتى الأديب الأريب إن يكن للسواد منك (١) نصيب … فبياض الأخلاق منك نصيبي قال ابن خلكان: وقد نظم هذا المعنى بعض المتأخرين وهو نصر الله بن قلاقس (٢) الإسكندري فقال: رب سوداء وهي بيضاء فعل … حسد المسك عندها الكافور مثل حب العيون يحسبه الناس … سوادا وإنما هو نور وكان المأمون قد شاور في قتل عمه إبراهيم بن المهدي بعض أصحابه فقال له أحمد بن أبي خالد الوزير الأحول: يا أمير المؤمنين إن قتلته فلك نظراء في ذلك، وإن عفوت عنه فما لك نظير. ثم شرع المأمون في بناء قصور على دجلة إلى جانب قصره، وسكنت الفتن وانزاحت الشرور، وأمر بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف. واتخذ القفيز الملحم وهو عشرة مكاكي بالمكوك الأهوازي (٣)، ووضع شيئا كثيرا من خراجات بلاد شتى، ورفق بالناس في مواضع كثيرة، وولى أخاه أبا عيسى بن الرشيد الكوفة، وولى أخاه صالحا البصرة، وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله (٤) بن العباس بن علي بن أبي طالب نيابة الحرمين، وهو الذي حج بالناس فيها. وواقع يحيى بن معاذ بابك الخرمي فلم يظفر به. وفيها توفي من الأعيان جماعة منهم: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وقد أفردنا له ترجمة مطولة في أول كتابنا طبقات الشافعيين، ولنذكر ههنا ملخصا من ذلك وبالله المستعان. هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي المطلبي، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر (٥)، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأمه أزدية. وقد رأت حين حملت به كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية. وقد ولد الشافعي بغزة، وقيل بعسقلان،

стр. 3866

وقيل باليمن سنة خمسين ومائة، ومات أبوه وهو صغير فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه، فنشأ بها وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. وقيل ابن ثماني عشرة سنة، أذن له شيخه مسلم بن خالد الزنجي، وعني باللغة والشعر، وأقام في هذيل نحوا من عشر سنين، وقيل عشرين سنة، فتعلم منهم لغات العرب وفصاحتها، وسمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ والأئمة، وقرأ بنفسه الموطأ على مالك من حفظه فأعجبته قراءته وهمته، وأخذ عنه علم الحجازيين بعد أخذه عن مسلم بن خالد الزنجي. وروى عنه خلق كثير قد ذكرنا أسماءهم مرتبين على حروف المعجم، وقرأ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين عن شبل عن ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله . وأخذ الشافعي الفقه عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما عن جماعة من الصحابة، منهم عمرو بن علي وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وغيرهم. وكلهم عن رسول الله ﷺ . وتفقه أيضا على مالك عن مشايخه، وتفقه به جماعة قد ذكرناهم ومن بعدهم إلى زماننا في تصنيف مفرد. وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي بشر الدولابي، عن محمد بن إدريس وراق الحميدي، عن الشافعي أنه ولي الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم تعصبوا عليه ووشوا به إلى الرشيد أنه يروم الخلافة، فحمل على بغل في قيد إلى بغداد فدخلها في سنة أربع وثمانين ومائة وعمره ثلاثون سنة، فاجتمع بالرشيد فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدي الرشيد، وأحسن القول فيه محمد بن الحسن، وتبين للرشيد براءته مما نسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده. وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنة، وقيل بسنتين، وأكرمه محمد بن الحسن وكتب عنه الشافعي وقر بعير، ثم أطلق له الرشيد ألفي دينار وقيل خمسة آلاف دينار. وعاد الشافعي إلى مكة ففرق عامة ما حصل له في أهله وذوي رحمه من بني عمه، ثم عاد الشافعي إلى العراق في سنة خمس وتسعين ومائة، فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة منهم أحمد بن حنبل وأبو ثور والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن شريح البقال، وأبو عبد الرحمن الشافعي، والزعفراني، وغيرهم. ثم رجع إلى مكة ثم رجع إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة، ثم انتقل منها إلى مصر فأقام بها إلى أن مات في هذه السنة، سنة أربع ومائتين. وصنف بها كتابه الام وهو من كتبه الجديدة لأنها من رواية الربيع بن سليمان، وهو مصري. وقد زعم إمام الحرمين وغيره أنها من القديم، وهذا بعيد وعجيب من مثله والله أعلم. وقد أثنى على الشافعي غير واحد من كبار الأئمة منهم عبد الرحمن بن مهدي وسأله أن يكتب له كتابا في الأصول فكتب له الرسالة، وكان يدعو له في الصلاة دائما، وشيخه مالك بن أنس وقتيبة بن سعيد. وقال: هو إمام. وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وكان يدعو له أيضا في صلاته. وأبو عبيد، وقال: ما رأيت أفصح ولا أعقل ولا أورع من الشافعي. ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن الحسن، وغير واحد ممن يطول ذكرهم وشرح أقوالهم.

стр. 3867

وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحوا من أربعين سنة، وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " (١). قال فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان عن نصر بن معبد الكندي - أو العبدي - عن الجارود عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما، اللهم إنك إذ أذقت أولها عذابا ووبالا فأذق آخرها نوالا ". وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه (٢). قال أبو نعيم عبد الملك بن محمد الأسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعي. حكاه الخطيب. وقال يحيى بن معين عن الشافعي: هو صدوق لا بأس به. وقال مرة: لو كان الكذب له مباحا مطلقا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب. وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول: الشافعي فقيه البدن، صدوق اللسان. وحكى بعضهم عن أبي زرعة أنه قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه. وحكى عن أبي داود نحوه. وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة - وقد سئل هل سنة لم تبلغ الشافعي؟ - فقال: لا. ومعنى هذا أنها تارة تبلغه بسندها، وتارة مرسلة، وتارة منقطعة كما هو الموجود في كتبه والله أعلم. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: سميت ببغداد ناصر السنة. وقال أبو ثور: ما رأينا مثل الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه. وكذا قال الزعفراني وغيره. وقال داود بن علي الظاهري في كتاب جمعه في فضائل الشافعي: للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، من شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه، وحفظه الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء وحسن التصنيف، وجودة الأصحاب والتلامذة، مثل أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة. ثم سرد أعيان أصحابه من البغاددة والمصريين، وكذا عد أبو داود من جملة تلاميذه في الفقه أحمد بن حنبل. وقد كان الشافعي من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشد الناس نزعا للدلائل منهما، وكان من أحسن الناس قصدا وإخلاصا، كان يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شئ منه أبدا فأوجر عليه ولا يحمدوني. وقد قال غير واحد عنه: إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله ﷺ فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقول به، وإن لم تسمعوا مني. وفي رواية فلا تقلدوني. وفي رواية فلا تلتفتوا إلى قولي. وفي رواية فاضربوا بقولي عرض الحائط، فلا قول لي مع رسول الله ﷺ . وقال: لان يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه

стр. 3868

بشئ من الأهواء. وفي رواية خير من أن يلقاه بعلم الكلام. وقال: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في القبائل وينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صوابا. وقال: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، جزاهم الله خيرا، حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل. ومن شعره في هذا المعنى قوله: كل العلوم سوى القرآن مشغلة … إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال: حدثنا … وما سوى ذاك وسواس الشياطين وكان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. وقد روى عن الربيع وغير واحد من رؤوس أصحابه ما يدل على أنه كان يمر بآيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف، على طريق السلف. وقال ابن خزيمة: أنشدني المزني وقال أنشدنا الشافعي لنفسه قوله: ما شئت كان وإن لم أشأ … وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت … ففي العلم يجري الفتى والمسن فمنهم شقي ومنهم سعيد … ومنهم قبيح ومنهم حسن على ذا مننت وهذا خذلت … وهذا أعنت وذا لم تعن وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. وعن الربيع قال: أنشدني الشافعي: قد عوج الناس حتى أحدثوا بدعا … في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل حتى استخف بحق الله أكثرهم … وفي الذي حملوا من حقه شغل وقد ذكرنا من شعره في السنة وكلامه فيها وفيما قال من الحكم والمواعظ طرفا صالحا في الذي كتبناه في أول طبقات الشافعية. وقد كانت وفاته بمصر يوم الخميس، وقيل يوم الجمعة، في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وعن أربع وخمسين سنة، وكان أبيض جميلا طويلا مهيبا يخضب بالحناء، مخالفا للشيعة ﵀ وأكرم مثواه. وفيها توفي: إسحاق بن الفرات (١). وأشهب بن عبد العزيز المصري المالكي. والحسن بن

стр. 3869

زياد اللؤلؤي الكوفي الحنفي (١). وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند، أحد الحفاظ. وأبو بدر شجاع بن الوليد. وأبو بكر الحنفي. وعبد الكريم (٢). وعبد الوهاب بن عطا الخفاف. والنضر بن شميل أحد أئمة اللغة. وهشام بن محمد بن السائب الكلبي أحد علماء التاريخ. ثم دخلت سنة خمس ومائتين فيها ولى المأمون طاهر بن الحسين بن مصعب نيابة بغداد والعراق وخراسان إلى أقصى عمل المشرق، ورضي عنه ورفع منزلته جدا، وذلك لأجل مرض الحسن بن سهل بالسواد. وولى المأمون مكان طاهر على الرقة والجزيرة يحيى بن معاذ. وقدم عبد الله بن طاهر بن الحسين إلى بغداد في هذه السنة، وكان أبوه قد استخلفه على الرقة وأمره بمقاتلة نصر بن شبث. وولى المأمون عيسى بن يزيد الجلودي مقاتلة الزط. وولى عيسى بن محمد بن أبي خالد أذربيجان. ومات نائب مصر السري بن الحكم بها، ونائب السند داود بن يزيد، فولى مكانه بشر بن داود على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم. وحج بالناس فيها عبيد الله بن الحسن نائب الحرمين. وفيها توفي من الأعيان: إسحاق بن منصور السلولي. وبشر بن بكر الدمشقي. وأبو عامر العقدي. ومحمد بن عبيد الطنافسي. ويعقوب الحضري. وأبو سليمان الداراني عبد الرحمن بن عطية، وقيل عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وقيل عبد الرحمن بن عسكر أبو سليمان الداراني، أحد أئمة العلماء العاملين، أصله من واسط سكن قرية غربي دمشق يقال لها داريا. وقد سمع الحديث من سفيان الثوري وغيره، وروى عنه أحمد بن أبي الحواري وجماعة. وأسند الحافظ ابن عساكر من طريقه قال: سمعت علي بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد يقول سمعت إبراهيم بن أدهم يقول سمعت ابن عجلان يذكر عن القعقاع بن حكيم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " من صلى قبل الظهر أربعا غفر الله ذنوبه يومه ذلك ". وقال أبو القاسم القشيري: حكي عن أبي سليمان الداراني قال: اختلفت إلى مجلس قاص فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت لم يبق في قلبي منه شئ، فعدت إليه ثانية فأثر كلامه في قلبي بعدما قمت وفي الطريق، ثم عدت إليه ثالثة فأثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي، فكسرت آلات المخالفات ولزمت الطريق، فحكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال: عصفور اصطاد كركيا - يعني بالعصفور القاص وبالكركي أبا سليمان - وقال أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول: ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل

стр. 3870

به حتى يسمع به في الأثر، فإذا سمع به في الأثر عمل به فكان نورا على نور. وقال الجنيد: قال أبو سليمان ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. قال: وقال أبو سليمان: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس. وقال لكل شئ علم وعلم الخذلان ترك البكاء من خشية الله. وقال: لكل شئ صدأ وصدأ نور القلب شبع البطن. وقال كل ما شغلك عن الله من أهل أو مال أو ولد فهو شؤم. وقال: كنت ليلة في المحراب أدعو ويداي ممدودتان فغلبني البرد فضممت إحداهما وبقيت الأخرى مبسوطة أدعو بها، وغلبتني عيني فنمت فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. قال: فآليت على نفسي ألا أدعو إلا ويداي خارجتان، حرا كان أو بردا. وقال: نمت ليلة عن وردي فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ وقال أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول: إن في الجنة أنهارا على شاطئيها خيام فيهن الحور، ينشئ الله خلق الحوراء إنشاء، فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيام، الواحدة منهن جالسة على كرسي من ذهب ميل في ميل، قد خرجت عجيزتها من جانب الكرسي، فيجئ أهل الجنة من قصورهم يتنزهون على شاطئ تلك الأنهار ما شاؤوا ثم يخلو كل رجل بواحدة منهن. قال أبو سليمان: كيف يكون في الدنيا حال من يريد افتضاض الأبكار على شاطئ تلك الأنهار في الجنة. وقال: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مكثت خمس ليال لا أقرأ بعد الفاتحة بآية واحدة أتفكر في معانيها، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير العقل، فسبحان من يرده بعد. وسمعته يقول: أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله ، ومفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع. وقال لي يوما: يا أحمد جوع قليل وعري قليل وفقر قليل وصبر قليل وقد انقضت عنك أيام الدنيا. وقال أحمد: اشتهى أبو سليمان يوما رغيفا حارا بملح فجئته به فعض منه عضة ثم طرحه وأقبل يبكي ويقول: يا رب عجلت لي شهوتي، لقد أطلعت جهدي وشقوتي وأنا تائب؟ فلم يذق الملح حتى لحق بالله . قال: وسمعته يقول: ما رضيت عن نفسي طرفة عين، ولو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يضعوني كاتضاعي عن نفسي ما قدروا. وسمعته يقول: من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة. وسمعته يقول: من حسن ظنه بالله ثم لم يخفه ويطعه فهو مخدوع. وقال: ينبغي للخوف أن يكون على العبد أغلب الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فسد القلب. وقال لي يوما: هل فوق الصبر منزلة؟ فقلت: نعم - يعني الرضا - فصرخ صرخة غشي عليه ثم أفاق فقال: إذا كان الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب، فما ظنك بالأخرى وهم الذين رضي عنهم. وقال: ما يسرني أن لي الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها أنفقه في وجوه البر، وإني أغفل عن الله طرفة عين. وقال: قال زاهد لزاهد: أوصني، فقال: لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، فقال: زدني. فقال: ما عندي زيادة. وقال من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة أذهبها الله من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له. وقال: إذا سكنت الدنيا

стр. 3871

القلب ترحلت منه الآخرة، وإذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة، لان الدنيا لئيمة والآخرة كريمة، وما ينبغي لكريم أن يزاحم لئيما. وقال أحمد بن أبي الحواري: بت ليلة عند أبي سليمان فسمعته يقول: وعزتك وجلالك لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولئن طابتني ببخلي لأطالبنك بكرمك، ولئن أمرت بي إلى النار لأخبرن أهل النار أني أحبك. وكان يقول: لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي. وكان يقول: ما خلق الله خلقا أهون علي من إبليس، ولولا أن الله أمرني أن أتعوذ منه ما تعوذت منه أبدا، ولو تبدى لي ما لطمت إلا صفحة وجهه وقال: إن اللص لا يجئ إلى خربة ينقب حيطانها وهو قادر على الدخول إليها من أي مكان شاء وإنما يجئ إلى البيت المعمور، كذلك إبليس لا يجئ إلا إلى كل قلب عامر ليستنزله وينزله عن كرسيه ويسلبه أعز شئ. وقال: إذا أخلص العبد انقطعت عنه الوساوس والرؤيا. وقال: الرؤيا - يعني الجنابة - وقال: مكثت عشرين سنة لم أحتلم فدخلت مكة ففاتتني صلاة العشاء جماعة فاحتلمت تلك الليلة. وقال: إن من خلق الله قوما لا يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه فكيف يشتغلون بالدنيا عنه؟ وقال: الدنيا عند الله أقل من جناح بعوضة فما الزهد فيها، وإنما الزهد في الجنان والحور العين، حتى لا يرى الله في قلبك غيره. وقال الجنيد: شئ يروى عن أبي سليمان أنا استحسنته كثيرا. قوله: من اشتغل بنفسه شغل عن الناس، ومن اشتغل بربه شغل عن نفسه وعن الناس. وقال: خير السخاء ما وافق الحاجة. وقال: من طلب الدنيا حلالا واستغناء عن المسألة واستغناء عن الناس لقي الله يوم يلقاه ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالا مفاخرا ومكاثرا لقي الله يوم يلقاه وهو عليه غضبان. وقد روي نحو هذا مرفوعا. وقال: إن قوما طلبوا الغنى في المال وجمعه فأخطأوا من حيث ظنوا، ألا وإنما الغنى في القناعة، وطلبوا الراحة في الكثرة وإنما الراحة في القلة، وطلبوا الكرامة من الخلق وإنما هي في التقوى، وطلبوا التنعم في اللباس الرقيق اللين، والطعام الطيب، والمسكن الأنيق المنيف، وإنما هو في الاسلام والايمان والعمل الصالح والستر والعافية وذكر الله. وقال: لولا قيام الليل ما أحببت البقاء في الدنيا وما أحب الدنيا لغرس الأشجار ولا لكرى الأنهار. وإنما أحبها لصيام الهواجر وقيام الليل. وقال: أهل الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم. وقال: ربما استقبلني الفرح في جوف الليل، وربما رأيت القلب يضحك ضحكا. وقال: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: بينا أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بها - يعني الحوراء - قد ركضتني برجلها فقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسا لعين آثرت لذة نومة على لذة مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد؟! حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وأنا أتربى لك في الخدور منذ كذا

стр. 3872

وكذا؟ قال: فوثبت فزعا وقد عرقت حياء من توبيخها إياي، وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي. وقال أحمد: دخلت على أبي سليمان فإذا هو يبكي فقلت: ما لك؟ فقال: زجرت البارحة في منامي. قلت: ما الذي زجرك؟ قال: بينا أنا نائم في محرابي إذا وقفت علي جارية تفوق الدنيا حسنا، وبيدها ورقة وهي تقول: أتنام يا شيخ؟ فقلت: من غلبت عينه نام قالت: كلا إن طالب الجنة لا ينام، ثم قالت: أتقرأ؟ قلت: نعم، فأخذت الورقة من يدها فإذا فيها مكتوب: لهت بك لذة عن حسن عيش … مع الخيرات في غرف الجنان تعيش مخلدا لا موت فيها … وتنعم في الجنان مع الحسان تيقظ من منامك إن خيرا … من النوم التهجد في القران وقال أبو سليمان: أما يستحي أحدكم أن يلبس عباءة بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة دراهم؟ وقال أيضا: لا يجوز لاحد أن يظهر للناس الزهد والشهوات في قلبه، فإذا لم يبق في قلبه شئ من الشهوات جاز له أن يظهر إلى الناس الزهد بلبس العبا فإنها علم من أعلام الزهاد، ولو لبس ثوبين أبيضين ليستر بهما أبصار الناس عنه وعن زهده كان أسلم لزهده من لبس العبا. وقال: إذا رأيت الصوفي يتنوق في لبس الصوف فليس بصوفي، وخيار هذه الأمة أصحاب القطن، أبو بكر الصديق وأصحابه، وقال غيره: إذا رأيت ضوء الفقير في لباسه فاغسل يديك من فلاحه. وقال أبو سليمان: الأخ الذي يعظك برؤيته قبل كلامه، وقد كنت أنظر إلى الأخ من أصحابي بالعراق فانتفع برؤيته شهرا. وقال أبو سليمان قال الله تعالى: عبدي إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ومحوت زلاتك من أم الكتاب ولم أناقشك الحساب يوم القيامة. وقال أحمد: سألت أبا سليمان عن الصبر فقال: والله إنك لا تقدر عليه في الذي تحب فكيف تقدر عليه فيما تكره؟ وقال أحمد تنهدت عنده يوما فقال: إنك مسؤول عنها يوم القيامة، فإن كانت على ذنب سلف فطوبى لك، وإن كانت على فوت دنيا أو شهوة فويل لك. وقال إنما رجع من رجع من الطريق قبل وصول، ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا. وقال إنما عصى الله من عصاه لهوانهم عليه، ولو عزوا عليه وكرموا لحجزهم عن معاصيه وحال بينهم وبينها. وقال: جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيهم خصالا الكرم والحلم والعلم والحكمة والرأفة والرحمة والفضل والصفح والاحسان والبر والعفو واللطف. وذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب محن المشايخ أن أبا سليمان الداراني أخرج من دمشق وقالوا: إنه يرى الملائكة ويكلمونه، فخرج إلى بعض الثغور فرأى بعض أهل الشام في منامه أنه إن لم يرجع إليهم هلكوا. فخرجوا في طلبه وتشفعوا له وتذللوا له حتى ردوه. وقد اختلف الناس في وفاته على أقوال فقيل: مات سنة أربع ومائتين، وقيل سنة خمس ومائتين، وقيل خمس عشرة ومائتين، وقيل سنة خمس وثلاثين ومائتين فالله أعلم. وقد قال مروان الطاطري يوم مات أبو سليمان: لقد أصيب به أهل الاسلام كلهم. قلت: وقد دفن في قرية داريا في

стр. 3873

قبلتها، وقبره بها مشهور وعليه بناء، وقبلته مسجد بناه الأمير ناهض الدين عمر النهرواني، ووقف على المقيمين عنده وقفا يدخل عليهم منه غلة، وقد جدد مزاره في زماننا هذا ولم أر ابن عساكر تعرض لموضع دفنه بالكلية، وهذا منه عجيب. وروى ابن عساكر عن أحمد بن أبي الحواري قال كنت أشتهي أن أرى أبا سليمان في المنام فرأيته بعد سنة فقلت له: ما فعل الله يا معلم؟ فقال: يا أحمد دخلت يوما من باب الصغير فرأيت حمل شيخ فأخذت منه عودا فما أدري تخللت به أو رميته، فأنا في حسابه إلى الآن. وقد توفي ابنه سليمان بعده بنحو من سنتين رحمهما الله تعالى. ثم دخلت سنة ست ومائتين فيها ولى المأمون داود بن ماسجور بلاد البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين، وأمره بمحاربة الزط. وفيها جاء مد كثير فغرق أرض السواد وأهلك للناس شيئا كثيرا. وفيها ولى المأمون عبد الله بن طاهر بن الحسين أرض الرقة وأمره بمحاربة نصر بن شبث، وذلك أن نائبها يحيى بن معاذ مات وقد كان استخلف مكانه ابنه أحمد فلم يمض ذلك المأمون، واستناب عليها عبد الله بن طاهر لشهامته وبصره بالأمور، وحثه على قتال نصر بن شبث، وقد كتب إليه أبوه من خراسان بكتاب فيه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واتباع الكتاب والسنة. وقد ذكره ابن جرير بطوله (١)، وقد تداوله الناس بينهم واستحسنوه وتهادوه بينهم، حتى بلغ أمره إلى المأمون فأمر فقرئ بين يديه فاستجاده جدا، وأمر أن يكتب به نسخ إلى سائر العمال في الأقاليم. وحج بالناس عبيد الله بن الحسن نائب الحرمين. وفيها توفي إسحاق بن بشر الكاهلي أبو حذيفة صاحب كتاب المتبدأ. وحجاج بن محمد الأعور (٢). وداود بن المحبر الذي وضع كتاب العقل. وسبابة بن سوار (شبابة) ومحاضر بن المورع (٣). وقطرب صاحب المثلث في اللغة. ووهب بن جرير (٤) ويزيد بن هارون شيخ الإمام أحمد. ثم دخلت سنة سبع ومائتين فيها خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ببلاد عك في

стр. 3874

اليمن يدعو إلى الرضى من آل محمد، وذلك لما أساء العمال السيرة وظلموا الرعايا، فلما ظهر بايعه الناس فبعث إليه المأمون دينار بن عبد الله في جيش كثيف ومعه كتاب أمان لعبد الرحمن هذا إن هو سمع وأطاع، فحضروا الموسم ثم ساروا إلى اليمن وبعثوا بالكتاب إلى عبد الرحمن فسمع وأطاع وجاء حتى وضع يده في يد دينار، فساروا به إلى بغداد ولبس السواد فيها. وفي هذه السنة توفي طاهر بن الحسين بن مصعب نائب العراق وخراسان بكمالها، وجد في فراشه ميتا بعد ما صلى العشاء الآخرة والتف في الفراش، فاستبطأ أهله خروجه لصلاة الفجر فدخل عليه أخوه وعمه فوجداه ميتا، فلما بلغ موته المأمون قال: لليدين وللفم الحمد لله الذي قدمه وأخرنا. وذلك أنه بلغه أن طاهرا خطب يوما ولم يدع للمأمون فوق المنبر، ومع هذا ولى ولده عبد الله مكانه وأضاف إليه زيادة على ما كان ولاه أباه الجزيرة والشام نيابة فاستخلف على خراسان أخاه طلحة بن طاهر سبع سنين، ثم توفي طلحة فاستقل عبد الله بجميع تلك البلاد، وكان نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم وكان طاهر بن الحسين هو الذي انتزع بغداد والعراق من يد الأمين وقتله، وقد دخل طاهر يوما على المأمون فسأله حاجة فقضاها له، ثم نظر إليه المأمون واغرورقت عيناه فقال له طاهر: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فلم يخبره، فأعطى طاهر حسينا الخادم مائتي ألف درهم حتى استعلم له مما بكى أمير المؤمنين فأخبره المأمون وقال لا تخبر به أحدا [وإلا] أقتلك، إني ذكرت قتله لأخي وما ناله من الإهانة على يدي طاهر، ووالله لا تفوته مني. فلما تحقق طاهر ذلك سعى في النقلة من بين يدي المأمون، ولم يزل حتى ولاه خراسان وأطلق له خادما من خدامه، وعهد المأمون إلى الخادم إن رأى منه شيئا يريبه أن يسمه، ودفع إليه سما لا يطاق. فلما خطب طاهر ولم يدع للمأمون سمه الخادم في كامخ فمات من ليلته. وقد كان طاهر هذا يقال له ذو اليمينين، وكان أعور بفرد عين. فقال فيه عمرو بن نباتة: يا ذا اليمينين وعين واحده … نقصان عين ويمين زائده واختلف في معنى قوله ذو اليمينين فقيل لأنه ضرب رجلا بشماله فقده نصفين، وقيل لأنه ولي العراق وخراسان. وقد كان كريما ممدحا يحب الشعراء ويعطيهم الجزيل، ركب يوما في حراقة فقال فيه شاعر (١): عجبت لحراقة ابن الحسين … لا غرقت كيف لا تغرق وبحران من فوقها واحد … وآخر من تحتها مطبق وأعجب من ذلك أعوادها … وقد مسها كيف لا تورق؟

стр. 3875

فأجازه بثلاثة آلاف دينار. وقال إن زدتنا زدناك. قال ابن خلكان: وما أحسن ما قاله بعض شعراء في بعض الرؤساء وقد ركب البحر: ولما امتطى البحر ابتهلت تضرعا … إلى الله يا مجري الرياح بلطفه جعلت الندا من كفه مثل موجه … فسلمه واجعل موجه مثل كفه مات طاهر بن الحسين هذا يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع ومائتين، وكان ولده سنة سبع وخمسين، وكان الذي سار إلى ولده عبد الله إلى الرقة يعزيه في أبيه ويهنيه بولاية تلك لبلاد، القاضي يحيى بن أكثم عن أمر المأمون. وفيها غلا السعر ببغداد والكوفة والبصرة، حتى بلغ سعر القفيز من الحنطة أربعين درهما. وفيها حج بالناس أبو علي بن الرشيد أخو المأمون. وفيها توفي بشر بن عمر الزهراني. وجعفر بن عون (١). وعبد الصمد بن عبد الوارث (٢). قراد أبو نوح (٣). وكثير بن هشام (٤). ومحمد بن كناسة (٥). ومحمد بن عمر الواقدي قاضي بغداد صاحب السير والمغازي. وأبو النضر هاشم بن القاسم (٦). والهيثم بن عدي صاحب التصانيف. يحيى بن زياد بن عبد الله بن منصور أبو زكريا الكوفي نزيل بغداد مولى بني سعد المشهور بالفراء شيخ النحاة واللغويين والقراء، كان فقال له أمير المؤمنين في النحو، وروى الحديث عن حازم بن الحسن البصري عن مالك بن دينار عن نس بن مالك. قال: " قرأ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان مالك يوم الدين بألف " رواه لخطيب قال: وكان ثقة إماما. وذكر أن المأمون أمره بوضع كتاب في النحو فأملاه وكتبه الناس عنه، أمر المأمون بكتبه في الخزائن، وأنه كان يؤدب ولديه وليي العهد من بعده، فقام يوما فابتدراه أيهما يقدم نعليه، فتنازعا في ذلك ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما نعلا، فأطلق لهما أبوهما عشرين

стр. 3876

ألف دينار، وللفراء عشرة آلاف درهم. وقال له: لا أعز منك إذ يقدم نعليك ولدا أمير المؤمنين وولي العهد من بعده. وروي أن بشر المريسي أو محمد بن الحسن سأل الفراء عن رجل سها في سجدتي السهو فقال: لا شئ عليه. قال: ولم؟ قال: لان أصحابنا قالوا المصغر لا يصغر. فقال: ما رأيت أن امرأة تلد مثلك. والمشهور أن محمدا هو الذي سأله عن ذلك وكان ابن خالة الفراء، وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: توفي الفراء سنة سبع ومائتين. قال الخطيب: كانت وفاته ببغداد، وقيل بطريق مكة، وقد امتدحوه وأثنوا عليه في مصنفاته. ثم دخلت سنة ثمان ومائتين فيها ذهب الحسن بن الحسين بن مصعب أخو طاهر فارا من خراسان إلى كرمان فعصي بها، فسار إليه أحمد بن أبي خالد فحاصره حتى نزل قهرا، فذهب به إلى المأمون فعفا عنه فاستحسن ذلك منه. وفيها استعفى محمد بن سماعة من القضاء فأعفاه المأمون وولى مكانه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وفيها ولى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزومي القضاء بعسكر المهدي في شهر المحرم، ثم عزله عن قريب وولى مكانه بشر بن سعيد بن الوليد الكندي في شهر ربيع الأول منها، فقال المخزومي في ذلك: ألا أيها الملك الموحد ربه … قاضيك بشر بن الوليد حمار ينفي شهادة من يدين بما به … نطق الكتاب وجاءت الاخبار ويعد عدلا من يقول بأنه … شيخ تحيط بجسمه الأقطار وفيها حج بالناس صالح بن هارون الرشيد عن أمر أخيه المأمون. وفيها توفي من الأعيان: الأسود بن عامر (١). وسعيد بن عامر (٢). وعبد الله بن بكر أحد مشايخ الحديث. والفضل بن الربيع الحاجب. ومحمد بن مصعب (٣). وموسى بن محمد الأمين الذي كان قد ولاه العهد من بعده ولقبه بالناطق فلم يتم له أمره حتى قتل أبوه وكان ما كان كما تقدم. ويحيى بن أبي بكير (٤). ويحيى بن حسان (٥). ويعقوب بن إبراهيم الزهري. ويونس بن محمد المؤدب.

стр. 3877

وفاة السيدة نفيسة وهي نفيسة بنت أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، القرشية الهاشمية، كان أبوها نائبا للمنصور على المدينة النبوية خمس سنين، ثم غضب المنصور عليه فعزله عنها وأخذ منه كل ما كان يملكه وما كان جمعه منها، وأودعه السجن ببغداد. فلم يزل به حتى توفي المنصور فأطلقه المهدي وأطلق له كل ما كان أخذ منه، وخرج معه إلى الحج في سنة ثمان وستين ومائة، فلما كان بالحاجر (١) توفي عن خمس وثمانين سنة. وقد روى له النسائي حديثه عن عكرمة عن ابن عباس " أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم ". وقد ضعفه ابن معين وابن عدي، ووثقه ابن حبان. وذكره الزبير بن بكار وأثنى عليه في رياسته وشهامته. والمقصود أن ابنته نفيسة دخلت الديار المصرية مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر، فأقامت بها وكانت ذات مال فأحسنت إلى الناس والجذمي والزمني والمرضى وعموم الناس، وكانت عابدة زاهدة كثيرة الخير. ولما ورد الشافعي مصر أحسنت إليه وكان ربما صلى بها في شهر رمضان. وحين مات أمرت بجنازته فأدخلت إليها المنزل فصلت عليه. ولما توفيت عزم زوجها إسحاق بن جعفر أن ينقلها إلى المدينة النبوية فمنعه أهل مصر من ذلك وسألوه أن يدفنها عندهم، فدفنت في المنزل الذي كانت تسكنه بمحلة كانت تعرف قديما بدرب السباع بين مصر والقاهرة، وكانت وفاتها في شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكره ابن خلكان. قال: ولأهل مصر فيها اعتقاد. قلت: وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدا، ولا سيما عوام مصر فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز. وربما نسبها بعضهم إلى زين العابدين وليست من سلالته. والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي ﷺ بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام. ومن زعم أنها تفك من الخشب أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك. رحمها الله وأكرمها. الفضل بن الربيع ابن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة كيسان مولى عثمان بن عفان، كان الفضل هذا متمكنا من الرشيد، وكان زوال دولة البرامكة على يديه، وقد وزر مرة للرشيد، وكان شديد التشبه بالبرامكة، وكانوا يتشبهون به، فلم يزل يعمل جهده فيهم حتى هلكوا كما تقدم. وذكر ابن خلكان أن الفضل هذا دخل يوما على يحيى بن خالد وابنه جعفر يوقع بين يديه، مع الفضل عشر قصص فلم يقض له منها واحدة، فجمعهن الفضل بن الربيع وقال: ارجعن خائبات خاسئات ثم نهض وهو يقول:

стр. 3878

عسى وعسى يثني الزمان عنانه … بتصريف حال والزمان عثور فتقضى لبانات وتشفى حزائز (١) … وتحدث من بعد الأمور أمور فسمعه الوزير يحيى بن خالد فقال له: أقسمت عليك لما رجعت، فأخذ منه القصص فوقع عليها. ثم لم يزل يحفر خلفهم حتى تمكن منهم وتولى الوزارة بعدهم، وفي ذلك يقول أبو نواس (٢): ما رعى الدهر آل برمك لما … أن رمى ملكهم بأمر فظيع إن دهرا لم يرع ذمة (٣) ليحيى … غير راع ذمام آل الربيع ثم وزر بعد الرشيد لابنه الأمين فلما دخل المأمون بغداد اختفى فأرسل له المأمون أمانا فخرج فجاء فدخل على المأمون بعد اختفاء مدة فأمنه، ثم لم يزل خاملا حتى مات في هذه السنة، وله ثمان وستون سنة. ثم دخلت سنة تسع ومائتين فيها حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبث بعد ما حاربه خمس سنين وضيق عليه جدا حتى ألجأه إلى أن طلب منه الأمان، فكتب ابن طاهر إلى المأمون يعلمه بذلك، فأرسل إليه أن يكتب له أمانا عن أمير المؤمنين. فكتب له كتاب أمان فنزل فأمر عبد الله بتخريب المدينة التي كان متحصنا بها، وذهب شره، وفيها جرت حروب مع بابك الخرمي فأسر بابك بعض أمراء الاسلام وأحد مقدمي العساكر، فاشتد ذلك على المسلمين. وفيها حج بالناس صالح بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو والي مكة. وفيها توفي ملك الروم ميخائيل بن نقفور (جرجس) وكان له عليهم تسع سنين، فملكوا عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل. وفيها توفي من مشايخ الحديث: الحسن بن موسى الأشيب (٤)، وأبو علي الحنفي (٥). وحفص بن عبد الله قاضي نيسابور. وعثمان بن عمر بن فارس. ويعلى بن عبيد الطنافسي (٦).

стр. 3879

ثم دخلت سنة عشر ومائتين في صفر منها دخل نصر بن شبث بغداد، بعثه عبد الله بن طاهر فدخلها ولم يتلقاه أحد من الجند بل دخلها وحده، فأنزل في المدينة أبي جعفر ثم حول إلى موضع آخر. وفي هذا الشهر ظفر المأمون بجماعة من كبراء من كان بايع إبراهيم بن المهدي فعاقبهم وحبسهم في المطبق، ولما كان ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الآخر اجتاز إبراهيم بن المهدي - وكان مختفيا مدة ست سنين وشهورا متنقبا في زي امرأة ومعه امرأتان - في بعض دروب بغداد في أثناء الليل، فقام الحارس فقال: إلى أين هذه الساعة؟ ومن أين؟ ثم أراد أن يمسكهن فأعطاه إبراهيم خاتما كان في يده من ياقوت، فلما نظر إليه استراب وقال: إنما هذا خاتم رجل كبير الشأن، فذهب بن إلى متولي الليل فأمرهن أن يسفرن عن وجوههن، فتمنع إبراهيم فكشفوا عن وجهه فإذا هو هو، فعرفه فذهب به إلى صاحب الجسر فسلمه إليه فرفعه الآخر إلى باب المأمون، فأصبح في دار الخلافة ونقابه على رأسه والملحفة في صدره ليراه الناس، وليعلموا كيف أخذ. فأمر المأمون بالاحتفاظ به والاحتراس عليه مدة، ثم أطلقه ورضي عنه. هذا وقد صلب جماعة ممن كان سجنهم بسببه لكونهم أرادوا الفتك بالموكلين بالسجن، فصلب منهم أربعة. وقد ذكروا أن إبراهيم لما وقف بين يدي المأمون أنبه على ما كان منه فترقق له عمه إبراهيم كثيرا، وقال: يا أمير المؤمنين إن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك. فقال: بل أعفو يا إبراهيم إن القدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة وبينهما عفو الله ، وهو أكبر مما تسأله، فكبر إبراهيم وسجد شكرا لله . وقد امتدح إبراهيم بن المهدي ابن أخيه المأمون بقصيدة بالغ فيها، فلما سمعها المأمون قال: أقول كما قال يوسف لاخوته (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) [يوسف: ٩٢] وذكر ابن عساكر أن المأمون لما عفا عن عمه إبراهيم أمره أن يغنيه شيئا فقال: إني تركته. فأمره فأخذ العود في حجره وقال: هذا مقام سرور خربت منازله ودوره … نمت عليه عداته كذبا فعاقبه أميره ثم عاد فقال: ذهبت من الدنيا وقد ذهبت عني … لوى الدهر بي عنها وولى بها عني فإن أبك نفسي أبك نفسا عزيزة … وإن أحتقرها أحتقرها على ضغن وإني وإن كنت المسئ بعينه … فإني بربي موقن حسن الظن عدوت على نفسي فعاد بعفوه … علي فعاد العفو منا على من

стр. 3880

فقال المأمون: أحسنت يا أمير المؤمنين حقا. فرمى العود من حجره ووثب قائما فزعا من هذا الكلام، فقال له المأمون: اجلس واسكن مرحبا بك وأهلا، لم يكن ذلك لشئ تتوهمه، ووالله لا رأيت طول أيام شيئا تكرهه. ثم أمر له بعشرة آلاف دينار وخلع عليه، ثم أمر له برد جميع ما كان له من الأموال والضياع والدور فردت إليه، وخرج من عنده مكرما معظما. عرس بوران وفي رمضان منها بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، وقيل إنه خرج في رمضان إلى معسكر الحسن بن سهل بفم الصلح، وكان الحسن قد عوفي من مرضه، فنزل المأمون عنده بمن معه من وجوه الأمراء والرؤساء وأكابر بني هاشم، فدخل ببوران في شوال من هذه السنة في ليلة عظيمة وقد أشعلت بين يديه شموع العنبر، ونثر على رأسه الدر والجوهر، فوق حصر منسوجة بالذهب الأحمر. وكان عدد الجوهر منه ألف درة، فأمر به فجمع في صينية من ذهب كان الجوهر فيها فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نثرناه لتتلقطه الجواري، فقال: لا أنا أعوضهن من ذلك. فجمع كله، فلما جاءت العروس ومعها جدتها [أم الفضل و] (١) زبيدة أم أخيه الأمين - من جملة من جاء معها - فأجلست إلى جانبه فصب في حجرها ذلك الجوهر وقال: هذا نحلة مني إليك وسلي حاجتك، فأطرقت حياء. فقالت جدتها: كلمي سيدك وسليه حاجتك فقد أمرك. فقالت: يا أمير المؤمنين أسألك أن ترضى عن عمك إبراهيم بن المهدي، وأن ترده إلى منزلته التي كان فيها، فقال: نعم! قالت: وأم جعفر - تعني زبيدة - تأذن لها في الحج. قال: نعم! فخلعت عليها زبيدة بذلتها الأميرية (٢) وأطلقت له قرية مقورة. وأما والد العروس الحسن بن سهل فإنه كتب أسماء قراه وضياعه وأملاكه في رقاع ونثرها على الأمراء ووجوه الناس، فمن وقعت بيده رقعة في قرية منها بعث إلى القرية التي فيها نوابه فسلمها إليه ملكا خالصا. وأنفق على المأمون ومن كان معه من الجيش في مدة إقامته عنده سبعة عشر يوما ما يعادل خمسين ألف ألف درهم. ولما أراد المأمون الانصراف من عنده أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه البلد الذي هو نازل بها، وهو إقليم فم الصلح (٣) مضافا إلى ما بيده من الاقطاعات. ورجع المأمون إلى بغداد في أواخر شوال من هذه السنة. وفي هذه السنة ركب عبد الله بن طاهر إلى مصر فاستنقذها بأمر المأمون من يد عبيد الله بن السري بن الحكم المتغلب عليها، واستعادها منه بعد حروب يطول ذكرها. وفيها توفي من الأعيان أبو عمرو الشيباني اللغوي واسمه إسحاق بن مرار. ومروان بن محمد الطاطري (٤). ويحيى بن إسحاق والله سبحانه أعلم.

стр. 3881

ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين فيها توفي أبو الجواب (١). وطلق بن غنام (٢). وعبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب المصنف والمسند. وعبد الله بن صالح العجلي (٣). أبو العتاهية الشاعر المشهور واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان أصله من الحجاز، وقد كان تعشق جارية للمهدي اسمها عتبة، وقد طلبها منه غير مرة فإذا سمح له بها لم ترده الجارية، وتقول للخليفة: أتعطيني لرجل دميم الخلق كان يبيع الجرار؟ فكان يكثر التغزل فيها، وشاع أمره واشتهر بها، وكان المهدي يفهم ذلك منه. واتفق في بعض الأحيان أن المهدي استدعى الشعراء إلى مجلسه وكان فيهم أبو العتاهية وبشار بن برد الأعمى، فسمع صوت أبي العتاهية. فقال بشار لجليسه: أثم ههنا أبو العتاهية؟ قال: نعم فانطلق يذكر قصيدته فيها التي أولها: ألا ما لسيدتي ما لها … أدلت فأجمل إدلالها فقال بشار لجليسه: ما رأيت أجسر من هذا. حتى انتهى أبو العتاهية إلى قوله: أتته الخلافة منقادة … إليه تجرر أذيالها فلم تك تصلح إلا له … ولم يك يصلح إلا لها ولو رامها أحد غيره … لزلزلت الأرض زلزالها ولو لم تطعه بنات القلوب … لما قبل الله أعمالها فقال بشار لجليسه: انظروا أطار الخليفة عن فراشه أم لا؟ قال: فوالله ما خرج أحد من الشعراء يومئذ بجائزة غيره. قال ابن خلكان: اجتمع أبو العتاهية بأبي نواس - وكان في طبقته وطبقة بشار - فقال أبو العتاهية لأبي نواس: كم تعمل في اليوم من الشعر؟ قال: بيتا أو بيتين. فقال: لكني أعمل المائة والمائتين. فقال أبو نواس: لعلك تعمل مثل قولك: يا عتب ما لي ولك … يا ليتني لم أرك ولو عملت أنا مثل هذا لعملت الألف والألفين وأنا أعمل مثل قولي:

стр. 3882

من كف ذات حر في زي ذي ذكر … لها محبان: لوطي وزناء ولو أردت مثلي لأعجزك الدهر. قال ابن خلكان: ومن لطيف شعر أبي العتاهية: إني (١) صبوت إليك حتى … صرت من فرط التصابي يجد الجليس إذا دنا … ريح التصابي في ثيابي وكان مولده سنة ثلاثين ومائة. وتوفي يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائتين، وأوصى أن يكتب على قبره ببغداد: إن عيشا يكون آخره الموت … لعيش معجل التنغيص ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومائتين فيها وجه المأمون محمد بن حميد الطوسي على طريق الموصل لمحاربة بابك الخرمي في أرض أذربيجان، فأخذ جماعة من الملتفين عليه فبعث بهم إلى المأمون. وفي ربيع الأول أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين إحداهما أطم من الأخرى، وهي القول بخلق القرآن، والثانية تفضيل علي بن أبي طالب على الناس بعد رسول الله ﷺ . وقد أخطأ في كل منهما خطأ كبيرا فاحشا، وأثم إثما عظيما. وفيها حج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس العباسي. وفيها توفي أسد بن موسى الذي يقال له أسد السنة. والحسن بن جعفر. وأبو عاصم النبيل واسمه الضحاك بن مخلد (٢). وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي الدمشقي (٣). ومحمد بن يوسف (٤) الفريابي شيخ البخاري. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين فيها ثار رجلان عبد السلام وابن جليس فخلعا المأمون واستحوذا على الديار المصرية، وتابعهما طائفة من القيسية واليمانية، فولى المأمون أخا أبا إسحاق نيابة الشام، وولى ابنه العباس نيابة الجزيرة والثغور والعواصم، وأطلق لكل منهما ولعبد الله بن طاهر ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار (٥).

стр. 3883

فلم ير يوم أكثر إطلاقا منه، أطلق فيه لهؤلاء الأمراء الثلاثة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. وفيها ولى السند غسان بن عباد. وحج بالناس أمير السنة الماضية. وفيها توفي عبد الله بن داود الجريني (١). وعبد الله بن يزيد المقري المصري. وعبد الله (٢) بن موسى العبسي. وعمرو بن أبي سلمة الدمشقي. وحكى ابن خلكان أن بعضهم قال: وفيها توفي إبراهيم بن ماهان الموصلي النديم. وأبو العتاهية وأبو عمرو الشيباني النحوي في يوم واحد ببغداد، ولكنه صحح أن إبراهيم النديم توفي سنة ثمان وثمانين ومائة. قال السهيلي: وفيها توفي عبد الملك بن هشام راوي السيرة عن ابن إسحاق. حكاه ابن خلكان عنه، والصحيح أنه توفي سنة ثمان عشرة ومائتين. كما نص عليه أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر. العكوك الشاعر أبو الحسن بن علي بن جبلة الخراساني يلقب بالعكوك، وكان من الموالي ولد أعمى وقيل بل أصابه جدري وهو ابن سبع سنين، وكان أسود أبرص، وكان شاعرا مطبقا فصيحا بليغا، وقد أثنى عليه في شعره الجاحظ فمن بعده. قال: ما رأيت بدويا ولا حضريا أحسن إنشاء منه. فمن ذلك قوله: بأبي من زارني متكتما … حذرا (٣) من كل شئ جزعا زائرا نم عليه حسنه … كيف يخفي الليل بدرا طلعا رصد الخلوة (٤) حتى أمكنت … ورعى السامر حتى هجعا ركب الأهوال في زورته … ثم ما سلم حتى رجعا وهو القائل في أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي: إنما الدنيا أبو دلف … بين مغزاه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف … ولت الدنيا على أثره كل من في الأرض من عرب … بين باديه إلى حضره يرتجيه نيل مكرمة … يأتسيها (٥) يوم مفتخره

стр. 3884

ولما بلغ المأمون هذه الأبيات - وهي قصيدة طويلة - عارض فيها أبا نواس فتطلبه المأمون فهرب منه ثم أحضر بين يديه فقال له: ويحك فضلت القاسم بن عيسى علينا. فقال: يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت اصطفاكم الله من بين عباده، وآتاكم ملكا عظيما، وإنما فضلته على أشكاله وأقرانه. فقال: والله ما أبقيت أحدا حيث تقول: كل من في الأرض من عرب … بين باديه إلى حضره ومع هذا فلا أستحل قتلك بهذا، ولكن بشركك وكفرك حيث تقول في عبد ذليل: أنت الذي تنزل الأيام منزلها … وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددت مدى طرف إلى أحد … إلا قضيت بأرزاق وآجال ذاك الله يفعله، أخرجوا لسانه من قفاه. فأخرجوا لسانه في هذه السنة فمات. وقد امتدح حميد ابن عبد الحميد الطوسي: إنما الدنيا حميد … وأياديه جسام … فإذا ولى حميد … فعلى الدنيا السلام ولما مات حميد هذا رثاه أبو العتاهية بقوله: أبا غانم أما ذراك فواسع … وقبرك معمور الجوانب محكم وما ينفع المقبور عمران قبره … إذا كان فيه جسمه يتهدم وقد أورد ابن خلكان لعكوك هذا أشعارا جيدة تركناها اختصارا. ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين في يوم السبت لخمس بقين من ربيع الأول منها التقى محمد بن حميد وبابك الخرمي لعنه الله، فقتل الخرمي خلقا كثيرا من جيشه، وقتله أيضا وانهزم بقية أصحاب ابن حميد، فبعث المأمون إسحاق بن إبراهيم ويحيى بن أكثم إلى عبد الله بن طاهر يخيرانه بين خراسان، ونيابة الجبال وأذربيجان وأرمينية ومحاربة بابك، فاختار المقام بخراسان لكثرة احتياجها إلى الضبط، وللخوف من ظهور الخوارج. وفيها دخل أبو إسحاق بن الرشيد الديار المصرية فانتزعها من يد عبد السلام وابن جليس وقتلهما. وفيها خرج رجل يقال له بلال الضبابي فبعث إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من الأمراء فقتلوا بلالا ورجعوا إلى بغداد. وفيها ولى المأمون علي بن هشام الجبل وقم وأصبهان وأذربيجان. وفيها حج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها توفي أحمد بن خالد الموهبي (١).

стр. 3885

أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح أبو جعفر الكاتب ولي ديوان الرسائل المأمون. ترجمه ابن عساكر وأورد من شعره قوله: قد يرزق المرء من غير حيلة صدرت … ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي ما مسني من غنى يوما ولا عدم … إلى وقولي عليه الحمد لله وله أيضا: إذا قلت في شئ نعم فأتمه … فإن نعم دين على الحر واجب وإلا فقل لا تستريح بها … لئلا يقول الناس إنك كاذب وله: إذا المرء أفشى سره بلسانه … فلام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه … فصدر الذي يستودع السر أضيق وحسن بن محمد المروزي شيخ الإمام أحمد. وعبد الله بن الحكم المصري (١). ومعاوية بن عمرو (٢) أبو محمد عبد الله بن أعين بن ليث بن رافع المصري أحد من قرأ الموطأ على مالك وتفقه بمذهبه، وكان معظما ببلاد مصر، وله بها ثروة وأموال وافرة. وحين قدم الشافعي مصر أعطاه ألف دينار، وجمع له من أصحابه ألفي دينار، وأجرى عليه وهو والد محمد بن عبد الله بن [عبد] (٣) الحكم الذي صحب الشافعي. ولما توفي في هذه السنة دفن إلى جانب قبر الشافعي. ولما توفي ابنه عبد الرحمن دفن إلى جانب قبر أبيه من القبلة. قال ابن خلكان فهي ثلاثة أقبر الشافعي شاميها. وهما قبلته. ﵏.

стр. 3886

ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين في أواخر المحرم منها ركب المأمون في العساكر من بغداد قاصدا بلاد الروم لغزوهم. واستخلف على بغداد وأعمالها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما كان بتكريت تلقاه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من المدينة النبوية، فأذن له المأمون في الدخول على ابنته أم الفضل بنت المأمون. وكان معقود العقد عليها في حياة أبيه علي بن موسى، فدخل بها، وأخذها معه إلى بلاد الحجاز. وتلقاه أخوه أبو إسحاق بن الرشيد من الديار المصرية قبل وصوله إلى الموصل. وسار المأمون في جحافل كثيرة إلى بلاد طرسوس فدخلها في جمادى الأولى، وفتح حصنا هناك عنوة وأمر بهدمه، ثم رجع إلى دمشق فنزلها وعمر دير مرات بسفح قسيون، وأقام بدمشق مدة. وحج بالناس فيها عبد الله بن عبيد الله بن العباس العباسي. وفيها توفي أبو زيد الأنصاري، ومحمد بن المبارك الصوري (١)، وقبيصة بن عقبة (٢)، وعلي بن الحسن بن شقيق، ومكي بن إبراهيم (٣). أبو زيد الأنصاري فهو سعيد بن أوس بن ثابت البصري اللغوي أحد الثقات الاثبات ويقال إنه كان يرى ليلة القدر. قال أبو عثمان المازني: رأيت الأصمعي جاء إلى أبي زيد الأنصاري وقبل رأسه وجلس بين يديه وقال: أنت رئيسنا وسيدنا منذ خمسين سنة. قال ابن خلكان: وله مصنفات كثيرة، منها خلق الانسان، وكتاب الإبل، وكتاب المياه، وكتاب الفرس والترس، وغير ذلك. توفي في هذه السنة، وقيل في التي قبلها أو التي بعدها، وقد جاوز التسعين، وقيل إنه قارب المائة. وأما أبو سليمان (٤) فقد قدمنا ترجمته. ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين فيها عدا ملك الروم وهو توفيل بن ميخائيل على جماعة من المسلمين فقتلهم في أرض طرسوس نحوا من ألف وستمائة إنسان، وكتب إلى المأمون فبدأ بنفسه، فلما قرأ المأمون كتابه نهض من فوره إلى بلاد الروم عودا على بدء وصحبته أخوه أبو إسحاق بن الرشيد نائب الشام ومصر، فافتتح بلدانا كثيرة

стр. 3887

صلحا وعنوة، وافتتح أخوه ثلاثين حصنا، وبعث يحيى بن أكثم في سرية إلى طوانة فافتتح بلادا كثيرة خلقا وأسر خلقا وحرق حصونا عدة، ثم عاد إلى العسكر. وأقام المأمون ببلاد الروم من نصف جمادى الآخرة إلى نصف شعبان، ثم عاد إلى دمشق وقد وثب رجل يقال له عبدوس الفهري في شعبان من هذه السنة ببلاد مصر، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد واتبعه خلق كثير، فركب المأمون من دمشق يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة إلى الديار المصرية، فكان من أمره ما سنذكره. وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقيب الصلوات الخمس، فكان أول ما بدئ بذلك في جامع بغداد والرصافة يوم الجمعة لأربع عشر ليلة خلت من رمضان، وذلك أنهم كانوا إذا قضوا الصلاة قام الناس قياما فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم استمروا على ذلك في بقية الصلوات. وهذه بدعة أحدثها المأمون أيضا بلا مستند ولا دليل ولا معتمد، فإن هذا لم يفعله قبله أحد، ولكن ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله ﷺ ليعلم حين ينصرف الناس من المكتوبة، وقد استحب هذا طائفة من العلماء كابن حزم وغيره. وقال ابن بطال: المذاهب الأربعة على عدم استحبابه. قال النووي: وقد روي عن الشافعي أنه قال: إنما كان ذلك ليعلم الناس أن الذكر بعد الصلوات مشروع، فلما علم ذلك لم يبق للجهر معنى. وهذا كما روى عن ابن عباس أنه كان يجهر في الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلم الناس أنها سنة، ولهذا نظائر والله أعلم. وأما هذه البدعة التي أمر بها المأمون فإنها بدعة محدثة لم يعمل بها أحد من السلف. وفيها وقع برد شديد جدا. وفيها حج بالناس الذي حج بهم في العام الماضي (١)، وقيل غيره والله أعلم. وفيها توفى: حبان بن هلال (٢). وعبد الملك بن قريب الأصمعي صاحب اللغة والنحو والشعر وغير ذلك. ومحمد بن بكار بن هلال (٣). وهوذة بن خليفة (٤). زبيدة امرأة الرشيد وابنة عمه وهي ابنة جعفر أم العزيز الملقبة زبيدة بنت جعفر بن المنصور العباسية الهاشمية القرشية،

стр. 3888

كانت أحب الناس إلى الرشيد، وكانت ذات حسن باهر وجمال طاهر، وكان له معها من الحظايا والجواري والزوجات غيرها كثيرا كما ذكرنا ذلك في ترجمته، وإنما لقبت زبيدة لان جدها أبا جعفر المنصور كان يلاعبها ويرقصها وهي صغيرة ويقول: إنما أنت زبيدة، لبياضها، فغلب ذلك عليها فلا تعرف إلا به، وأصل اسمها أم العزيز. وكان لها من الجمال والمال والخير والديانة والصدقة والبر شئ كثير. وروى الخطيب أنها حجت فبلغت نفقتها في ستين يوما أربعة وخمسين ألف ألف درهم.، ولما هنأت المأمون بالخلافة قالت: هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك، ولئن كنت فقدت ابنا خليفة لقد عوضت ابنا خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرا على ما أخذ، وإمتاعا بما عوض. توفيت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين. ثم قال الخطيب: حدثني الحسين بن محمد الخلال لفظا قال: وحدث أبا الفتح القواس قال ثنا صدقة بن هبيرة الموصلي، ثنا محمد بن عبد الله الواسطي قال: قال عبد الله بن المبارك: رأيت زبيدة في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقالت غفر لي في أول معول ضرب في طريق مكة. قلت: فما هذه الصفرة؟ قالت: دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي زفرت عليه جهنم زفرة فاقشعر لها جسدي فهذه الصفرة من تلك الزفرة. وذكر ابن خلكان: أنه كان لها مائة جارية كلهن يحفظن القرآن العظيم، غير من قرأ منه ما قدر له وغير من لم يقرأ، وكان يسمع لهن في القصر دوي كدوي النحل، وكان ورد كل واحدة عشر القرآن، وورد أنها رؤيت في المنام فسئلت: عما كانت تصنعه من المعروف والصدقات وما عملته في طريق الحج فقالت: ذهب ثواب ذلك كله إلى أهله، وما نفعنا إلا ركعات كنت أركعهن في السحر. وفيها جرت حوادث وأمور يطول ذكرها. ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين في المحرم منها دخل المأمون مصر وظفر بعبدوس الفهري فأمر فضربت عنقه، ثم كر راجعا إلى الشام. وفيها ركب المأمون إلى بلاد الروم أيضا فحاصر لؤلؤة مائة يوم، ثم ارتحل عنها واستخلف على حصارها عجيفا فخدعته الروم فأسروه فأقام في أيديهم ثمانية أيام، ثم انفلت منهم واستمر محاصرا لهم، فجاء ملك الروم بنفسه فأحاط بجيشه من ورائه، فبلغ المأمون فسار إليه، فلما أحس توفيل بقدومه هرب وبعث وزيره صنغل فسأله الأمان والمصالحة، لكنه بدأ بنفسه قبل المأمون (١) فرد عليه المأمون كتابا بليغا مضمونه التقريع والتوبيخ، وإني إنما أقبل منك الدخول في الحنيفية وإلا فالسيف والقتل والسلام على من اتبع الهدى وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي. وفيها توفي الحجاج بن منهال (٢). وشريح بن النعمان (٣). وموسى بن داود الضبي (٤) والله سبحانه أعلم.

стр. 3889

ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين في أول يوم من جمادى الأولى وجه المأمون ابنه العباس إلى بلاد الروم لبناء الطوانة وتجديد عمارتها. وبعث إلى سائر الأقاليم في تجهيز الفعلة من كل بلد إليها، من مصر والشام والعراق، فاجتمع عليها خلق كثير، وأمره أن يجعلها ميلا في ميل، وأن يجعل سورها ثلاث فراسخ، وأن يجعل لها ثلاثة أبواب. ذكر أول المحنة والفتنة في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدثين بالقول بخلق القرآن وأن يرسل إليه جماعة منهم، وكتب إليه يستحثه في كتاب مطول وكتب غيره قد سردها ابن جرير كلها (١)، ومضمونها الاحتجاج على أن القرآن محدث وكل محدث مخلوق، وهذا احتجاج لا يوافقه عليه كثير من المتكلمين فضلا عن المحدثين، فإن القائلين بأن الله تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية لا يقولون بأن فعله تعالى القائم بذاته المقدسة مخلوق، بل لم يكن مخلوقا، بل يقولون هو محدث وليس بمخلوق، بل هو كلام الله القائم بذاته المقدسة، وما كان قائما بذاته لا يكون مخلوقا، وقد قال الله تعالى (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) [الأنبياء: ٢] وقال تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) [الأعراف: ١١] فالامر بالسجود صدر منه بعد خلق آدم، فالكلام القائم بالذات ليس مخلوقا، وهذا له موضع آخر. وقد صنف البخاري كتابا في هذا المعنى سماه خلق أفعال العباد. والمقصود أن كتاب المأمون لما ورد بغداد قرئ على الناس، وقد عين المأمون جماعة من المحدثين ليحضرهم إليه، وهم محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم المستملي، ويزيد بن هارون (٢) ويحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبي مسعود. وأحمد بن الدورقي. فبعث بهم إلى المأمون إلى الرقة فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه إلى ذلك وأظهروا موافقته وهم كارهون، فردهم إلى بغداد وأمر بإشهار أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق ذلك - وأحضر خلقا من مشايخ الحديث والفقهاء وأئمة المساجد وغيرهم،

стр. 3890

فدعاهم إلى ذلك عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدثين له على ذلك، فأجابوا بمثل جواب أولئك موافقة لهم، ووقعت بين الناس فتنة عظيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم كتب المأمون إلى إسحاق أيضا بكتاب ثان يستدل به على القول بخلق القرآن بشبه من الدلائل أيضا لا تحقيق تحتها ولا حاصل لها، بل هي من المتشابه وأورد من القرآن آيات هي حجة عليه. أورد ابن جرير ذلك كله. وأمر نائبه أن يقرأ ذلك على الناس وأن يدعوهم إليه وإلى القول بخلق القرآن، فأحضر أبو إسحاق جماعة من الأئمة وهم أحمد بن حنبل. وقتيبة. وأبو حيان الزيادي. وبشر بن الوليد الكندي. وعلي بن أبي مقاتل، وسعدويه الواسطي. وعلي بن الجعد. وإسحاق بن أبي إسرائيل. وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ويحيى بن عبد الحميد (١) العمري. وشيخ آخر من سلالة عمر كان قاضيا على الرقة، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون. ومحمد بن نوح الجنديسابوري المضروب، وابن الفرخان، والنضر بن شميل، وأبو (٢) علي بن عاصم، وأبو العوام البارد (٣)، وأبو (٤) شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق وجماعة. فلما دخلوا على أبي إسحاق قرأ عليهم كتاب المأمون. فلما فهموه قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام الله. قال: ليس عن هذا أسألك. وإنما أسألك أهو مخلوق؟ قال: ليس بخالق. قال: ولا عن هذا أسألك. فقال: ما أحسن غير هذا. وصمم على ذلك. فقال: تشهد أن لا إله إلا الله أحدا فردا لم يكن قبله شئ ولا بعده شئ ولا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه؟ قال: نعم! فقال للكاتب: اكتب بما قال. فكتب. ثم امتحنهم رجلا رجلا فأكثرهم امتنع من القول بخلق القرآن، فكان إذا امتنع الرجل منهم امتحنه بالرقعة التي وافق عليها بشر بن الوليد الكندي، من أنه يقال لا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه فيقول: نعم كما قال بشر ولما انتهت النوبة إلى امتحان أحمد بن حنبل فقال له: أتقول إن القرآن مخلوق؟ فقال: القرآن كلام الله لا أزيد على هذا. فقال له: ما تقول في هذه الرقعة؟ فقال أقول (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] فقال رجل من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأذن بصير بعين. فقال له إسحاق: ما أردت بقولك سميع بصير؟ فقال: أردت منها ما أراده الله منها وهو كما وصف نفسه ولا أزيد على ذلك. فكتب جوابات القوم رجلا رجلا وبعث بها إلى المأمون. وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعة مكرها لأنهم كانوا يعزلون من لا يجيب عن وظائفه، وإن كان له رزق على بيت المال قطع، وإن كان مفتيا منع من الافتاء، وإن كان شيخ حديث ردع عن الاسماع والأداء ووقعت فتنة صماء ومحنة شنعاء وداهية دهياء فلا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →